مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
159

" ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ"

(1)

.

قال في النهاية: و يروى هذا الحديث بالرفع و النصب، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو" ذكاة الجنين"، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف، و من نصب كان التقدير:" ذكاة الجنين كذكاة أمه" فلما حذف الجار نصب، أو على تقدير:" يذكى تذكية مثل ذكاة أمه" فحذف المصدر و صفته و أقام المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيا. و منهم من يرويه بنصب الذكاتين، أي ذكوا الجنين كذكاة أمه- انتهى.

فِي الْحَدِيثِ

:" كُلِّ يَابِسٍ

ذَكِيٌّ

"

(2)

"

أي طاهر، و‌

مِنْهُ

:"

ذَكَاةُ

الْأَرْضِ يبسها"

أي طهارتها من النجاسة. و‌

فِيهِ

:"

أَذْكِ

بِالْأَدَبِ قَلْبِكَ"

أي طهره و نظفه عن الأدناس و الرذائل." و ذكي الشخص و ذكا" من باب تعب و من باب علا لغة يريد سرعة الفهم. و عن بعض المحققين:" الذكاء" حدة الفؤاد، و هي شدة قوة النفس معدة لاكتساب الآراء. و قيل: هو أن يكون سرعة إنتاج القضايا و سهولة استخراج النتائج ملكة النفس كالبرق اللامع بواسطة كثرة مزاولة المقدمات المنتجة." الذكي"- على فعيل-: الشخص المتصف بذلك، و الجمع" أذكياء". و" ذكاء"- بالضم- اسم للشمس معرفة. و" الذكاء"- بالفتح-: شدة وهج النار و اشتعالها، و في القاموس:" ذكت النار ذكوا و ذكا ذكاء"- بالمد-: اشتد لهبها. و" الذكوات" جمع" ذكاة" الجمرة الملتهبة من الحصى، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" قَبْرِ

____________

(1). من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 209، التّهذيب ج 2 ص 297، التّاج ج 3 ص 95.

(2). الوسائل ب 31 أبواب الخلوة ج 5، و في الإستبصار 5/ 57" كلّ شي‌ء يابس زكيّ".

160

عَلِيِّ (ع) بَيْنَ ذَكَوَاتٍ بَيْضَ"

(1)

و أحب التختم بما يظهره الله بالذكوات البيض. و ذكوان قبيلة من سليم (2). و" أذكوتكين" بالذال المعجمة بعد ألف ثم الكاف فالتاء المثناة الفوقانية بعد الواو ثم الياء التحتانية بعد الكاف ثم النون أخيرا على ما وجدناه في النسخ: اسم حاكم جائر.

(ذوا)

قوله تعالى: ذَوٰاتٰا أَفْنٰانٍ [55/ 48] تثنية" ذو" التي بمعنى صاحب، و" أفنان" أغصان، و مثله قوله: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [65/ 2] و" ذوى العود و البقل" من باب رمى" يذوي ذويا فهو ذاو" أي ذبل. و في الدر" ذوى العود" يبس. و‌

فِي الْحَدِيثَ فِي صِفَةِ الْمَهْدِيِّ (ع)

:" قُرَشِيٌّ يَمَانٍ لَيْسَ مِنْ

ذِي

وَ لَا

ذَوَا

"

أي ليس نسبه نسب أذواء اليمن، و هم ملوك حمير مثل ذي يزن و ذو رعين (3)، و قوله:" قرشي النسب يمان" أي يماني المنشإ.

____________

(1). الوافي ج 8 ص 209.

(2). يذكر قبيلة ذكوان في" بجل" و" رعل" و" لحا"- ز

(3). انظر تفصيل تاريخ ملوك حمير في كتاب العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ص 121- 125.

161

باب ما أوله الراء

(رأى)

قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ [2/ 243] يقال:" أ لم تر إلى كذا" تاؤه مفتوحة أبدا، و هي كلمة تقولها عند التعجب من الشي‌ء و عند تنبيه المخاطب، كقوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ*- الآية أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتٰابِ* [3/ 23] أ لم تعجب من فعلهم و لم ينبه شأنهم إليك. قوله: قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنٰا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلّٰانٰا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- الآية [41/ 29].

قَالَ الْعَالِمِ

:" مِنْ الْجِنِّ الَّذِي دَلَّ عَلَى قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فِي دَارِ الندوة وَ أَضَلَّ النَّاسِ بِالْمَعَاصِي وَ جَاءَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ بَايَعَهُ، وَ مِنْ الْإِنْسِ فُلَانٍ

نَجْعَلْهُمٰا تَحْتَ أَقْدٰامِنٰا لِيَكُونٰا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (1)

.

قوله تعالى: أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ [6/ 40] قال المفسر: أمر الله تعالى نبيه بمحاجة الكفار، فقال: قُلْ يا محمد لهؤلاء الكفار: أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ في الدنيا كما نزل بالأمم قبلكم، مثل عاد و ثمود أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ أي القيامة أَ غَيْرَ اللّٰهِ تَدْعُونَ لكشف ذلك عنكم، يعني تدعون هذه الأوثان التي تعلمون أنها لا تضر و لا تنفع، أو تدعون الله الذي هو خالقكم و مالككم يكشف ذلك عنكم إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ في أن هذه الأوثان آلهة. قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيٰاتِنٰا [19/ 77] قال الشيخ‌

____________

(1). تفسير علي بن إبراهيم ص 592.

162

أبو علي (ره): استعملوا" أ رأيت" في معنى أخبر، و الفاء جاءت للتعقيب، فكأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك. و هو ابن وائل، كان لخباب بن الأرت عليه دين فتقضاه، قال: و الله حتى تكفر بمحمد، فقال: لا و الله لا أكفر بمحمد حيا و لا ميتا و لا حين أبعث، فقال: فإني مبعوث فإذا بعثت سيكون لي مال و ولد سأعطيك (1). قوله تعالى: أَ رَأَيْتَكَ هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [17/ 62] أي أخبرني عن حاله. قوله تعالى: وَ أَرِنٰا مَنٰاسِكَنٰا [2/ 128] أي عرفنا. و تكون" الرؤيا" بمعنى العلم، كقوله تعالى: لَأَرَيْنٰاكَهُمْ [47/ 30]، و قوله تعالى: فَهُوَ يَرىٰ [53/ 35]. قوله تعالى: وَ مٰا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلّٰا فِتْنَةً لِلنّٰاسِ [17/ 60] قيل: هي الرؤية المذكورة من الإسراء إلى بيت المقدس و المعراج، و الفتنة: الامتحان و شدة التكليف، ليعرض المصدق بذلك الجزيل الثواب و المكذب الأليم العقاب. و قيل: الرؤيا هي التي رآها بالمدينة حين صده المشركون، و إنما كانت فتنة لما دخل على المسلمين من الشبهة و الشك لما تراخى الدخول إلى مكة حتى العام القابل. قيل: هي رؤيا في منامه أن قرودا تصعد منبره و تنزل. قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ [48/ 27]

قَالَ الْمُفَسِّرِ

: رَأَى- أَيُّ رَسُولُ اللَّهِ- فِي الْمَنَامِ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابِهِ ففرحوا، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ وَ لَمْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا حَلَقْنَا وَ لَا قَصُرْنَا وَ لَا دَخَلْنَا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَنَزَلَتْ أَخْبَرَهُمْ اللَّهِ أَنْ مَنَامِكَ

____________

(1). انظر تفصيل القصّة في البرهان ج 3 ص 21.

163

حَقٌّ وَ صَدَقَ، وَ أَكَّدَ الدُّخُولِ بِالْقِسْمِ.

قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [81/ 23] يعني رأى محمد (ص) جبرئيل في صورته الحقيقة التي جبل عليها في الأفق المبين، أي في أفق الشمس و قد ملأ الأفق. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد (ص)، رآه مرتين: مرة في الأرض، و مرة في السماء. قوله تعالى: مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ [53/ 11] أي ما كذب فؤاد محمد (ص) ما رآه ببصره من صورة جبرئيل (ع)، أي ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، و لو كان كذلك لكان كاذبا لأنه عرفه. قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ [53/ 13- 14] أي و لقد رأى (ص) جبرئيل نزلة أخرى، أي مرة أخرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ (1).

وَ فِي حَدِيثٍ أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ (2) عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (ع) قَالَ

: قَالَ لِي:" يَا أَحْمَدُ مَا الْخِلَافِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي التَّوْحِيدِ"؟ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ قُلْنَا نَحْنُ بِالصُّورَةِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) رَأَى رَبَّهُ فِي صُورَةِ شَابٌّ، وَ قَالَ هِشَامُ بْنِ الْحَكَمِ بالنفي لِلْجِسْمِ، فَقَالَ:" يَا أَحْمَدُ إِنْ رَسُولَ اللَّهِ (ص) لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَلَغَ

عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ

خَرَقَ لَهُ فِي الْحُجُبِ مِثْلَ سَمِّ الْإِبْرَةِ فَرَأَى مِنْ نُورِ الْعَظَمَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَى وَ أَرَدْتُمْ أَنْتُمْ التَّشْبِيهِ، دَعْ هَذَا يَا أَحْمَدَ لَا يَنْفَتِحُ عَلَيْكَ مِنْهُ أَمَرَ عَظِيمٌ"

(3)

.

قوله تعالى: قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [7/ 143]

____________

(1). انظر تفصيل رؤية النبي (ص) لجبرئيل في البرهان ج 4 ص 251.

(2). هو أبو جعفر أو أبو علي أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الكوفي، لقي الرضا و أبا جعفر (ع) و كان عظيم المنزلة عندهما، توفي سنة 221 ه‍. معالم العلماء ص 9، تنقيح المقال ج 1 ص 77.

(3). البرهان 1/ 38.

164

أَوْرَدَ عَلَيْهِ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُ كَلِيمِ اللَّهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَى حَتَّى يَسْأَلُهُ هَذَا السُّؤَالِ؟ وَ أَجَابَ عَنْهُ الرِّضَا (ع):" أَنْ كَلِيمِ اللَّهِ عَلِمَ أَنَّ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَرَى بِالْأَبْصَارِ، وَ لَكِنَّهُ لِمَا كَلَّمَهُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قُرْبِهِ نَجَيَا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنْ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَهُ وَ قُرْبِهِ وَ نَاجَاهُ، فَقَالُوا:

لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ

حَتَّى نَسْمَعُ كَلَامِهِ كَمَا سَمِعْتُهُ، وَ كَانَ الْقَوْمِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفاً ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةِ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لميقات رَبِّهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ جَبَلٍ وَ صَعِدَ مُوسَى إِلَى الطُّورِ وَ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَ يُسْمِعْهُمْ كَلَامِهِ، وَ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ سَمِعُوا كَلَامِهِ مِنْ فَوْقُ وَ أَسْفَلَ وَ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ وَ وَرَاءِ وَ أَمَامَ، لِأَنَّ اللَّهِ أُحَدِّثُهُ فِي الشَّجَرَةِ ثُمَّ جَعَلَهُ منبعثا مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنُ بِأَنْ هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامٍ اللَّهِ

حَتّٰى نَرَى اللّٰهَ جَهْرَةً

، فَلَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلِ الْعَظِيمِ وَ اسْتَكْبَرُوا وَ عَتَوْا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةً

فَأَخَذَتْهُمُ الصّٰاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ

فَمَاتُوا، فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ مَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ وَ قَالُوا: إِنَّكَ ذَهَبَتْ بِهِمْ وَ قَتَلْتَهُمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ مناجات اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاكَ؟ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهِ وَ بَعْثِهِمْ مَعَهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيكَ لِتَنْظُرَ إِلَيْهِ لَأَجَابَكَ فتخبرنا كَيْفَ هُوَ وَ نَعْرِفُهُ حَقٌّ مَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ مُوسَى: يَا قَوْمٍ إِنْ اللَّهَ لَا يَرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَا كَيْفِيَّةِ لَهُ وَ إِنَّمَا يَعْرِفُ بِآيَاتِهِ وَ يَعْلَمُ بأعلامه، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسْأَلُهُ، فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَقَالَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بصلاحهم، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا مُوسَى سَلْنِي مَا سَأَلُوكَ فَلَنْ آخُذُكَ بِجَهْلِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى:

رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ

165

اسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ (1)

.

قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [99/ 7- 8] قال الشيخ أبو علي (ره): في بعض الروايات عن الكسائي خَيْراً يُرَهُ بضم الياء فيهما، و هو رواية أبان عن عاصم، و قراءة علي (ع) و الباقون بفتح الياء في الموضعين (2) و المعنى: من يعمل وزن ذرة من الخير ير ثوابه و جزاءه، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أي يرى ما يستحق من العقاب. قال: و يمكن أن يستدل بهذا على بطلان الإحباط- إلى أن قال- و‌

قَالَ مُحَمَّدُ بْنِ كَعْبٍ

: مَعْنَاهُ:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً

وَ هُوَ كَافِرٌ يَرِثُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي نَفْسِهِ وَ أَهْلَهُ وَ مَالِهِ وَ وُلْدِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ،

وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

وَ هُوَ مُؤْمِنٍ يَرَى عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا فِي نَفْسِهِ وَ أَهْلَهُ وَ مَالِهِ وَ وُلْدِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ شَرِّ

. ثم قال: و‌

قَالَ مُقَاتِلٍ

:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ

يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كِتَابِهِ فيفرح بِهِ، وَ كَذَلِكَ مِنْ يَعْمَلُ الشَّرِّ يَرَاهُ فِي كِتَابِهِ فيسوؤه ذَلِكَ. قَالَ: وَ كَانَ أَحَدُهُمْ يُسْتَقَلُّ أَنْ يُعْطِي الْيَسِيرَ، وَ يَقُولُ: إِنَّمَا نُؤْجَرُ عَلَى مَا نُعْطِي وَ نَحْنُ نَحْبَهُ وَ لَيْسَ الْيَسِيرَ مِمَّا نُحِبُّ، وَ يَتَهَاوَنُ بِالذَّنْبِ الْيَسِيرَ وَ يَقُولُ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهِ النَّارِ عَلَى الْكَبَائِرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةِ يُرَغِّبُهُمْ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْخَيْرِ وَ يَحْذَرَهُمُ مِنْ الْيَسِيرَ مِنْ الشَّرِّ

- انتهى. قال بعض المحققين في هذه الآية و في قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ [99/ 6] و في قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ

____________

(1). البرهان ج 2 ص 33.

(2). المراد من" فيهما" و" الموضعين" هو قوله تعالى: خيرا يره و شرّا يره.

166

لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [3/ 30]: دلالة على تجسم الأعمال في النشأة الأخرى، و قد ورد في بعض الأخبار تجسم الاعتقادات أيضا، فالأعمال الصالحة و الاعتقادات الصحيحة تظهر صورا نورانية مستحسنة توجب لصاحبها كمال السرور و الابتهاج، و الأعمال السيئة و الاعتقادات الباطلة تظهر صورا ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن و التألم، كما قال جماعة من المفسرين عند هذه الآيات- انتهى. و يؤيده ما‌

رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ

:" إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يَقْدُمُهُ أَمَامَهُ- يَعْنِي صُورَةِ لِأَنَّ الْمِثَالُ الصُّورَةِ- كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ الْمِثَالُ: لَا تَفْزَعْ وَ لَا تَحْزَنْ وَ أَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَيُحَاسِبُهُ حِسَاباً يَسِيراً وَ يَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمِثَالُ أَمَامَهُ- إِلَى قَوْلِهِ (ع)- فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَهُ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا"

(1)

.

قوله تعالى: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [102/ 6]

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ (ره)

: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَتَرَوُنَّ بِضَمِّ التَّاءُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ (ع)

، و الباقون لَتَرَوُنَّ بفتح التاء. و قد تكرر في الكتاب و السنة" أَ رَأَيْتَكَ" و" أَ رَأَيْتَكُمْ*" و هي كلمة تقال عند الاستخبار و التعجب، يعني أخبروني و أخبروني، و تاؤها مفتوحة أبدا، و" كم" فيها لا محل له من الإعراب، لأنك تقول:" أ رأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول:" أ رأيت نفسك زيدا ما شأنه" و ذلك فاسد، و لو جعلت الكاف مفعولا- كما قاله الكوفيون- للزم أن يصح الاقتصار على المنسوب في المثال المذكور، لأنه المفعول الثاني على ذلك التقدير، و لكن الفائدة لا تتم عنده،

____________

(1). الوافي ج 3 ص 117.

167

فلا يجوز الاقتصار عليه. و أما أَ رَأَيْتَكَ هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [17/ 62] فالمفعول الثاني محذوف، أي كرمته علي و أنا خير منه لعديت الفعل إلى ثلاث مفاعيل، و للزم أن تقول:" أ رأيتموكم" بل الفعل معلق عن العمل للاستفهام، أو المفعول محذوف تقديره: أ رأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها. قوله تعالى: يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ [4/ 142] قال الشيخ أبو علي (ره): قرى‌ء في الشواذ" يَرْءُونَ" مثل" يَدْعُونَ" و القراءة المشهورة" يُرٰاؤُنَ" مثل" يراعون" قال ابن جني (1):" يَرْءُونَ" و معناه يبصرون الناس و يحملون على أن يروهم يتعاطون، و هذا أقوى من" يُرٰاؤُنَ" بالمد على يفاعلون، لأن معناه يتعرضون لأن يروهم. قوله تعالى: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ [9/ 105]

رُوِيَ عَنْهُمْ (ع)

:" تَعَرَّضَ الْأَعْمَالُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) كُلَّ صَبَاحٍ- أَبْرَارُهَا وَ فُجَّارُهَا- فَاحْذَرُوهَا"

(2)

.

و المؤمنون هم الأئمة- ع- (3). و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" سروا رَسُولُ اللَّهِ

____________

(1). هو أبو الفتح عثمان بن جنّيّ- معرّب كني- النّحويّ المعروف الّذي يتردّد اسمه في كثير من كتب النّحو و الأدب، كان يقرأ النّحو بجامع الموصل فمرّ به أبو عليّ الفارسيّ فسأله عن مسألة في التّصريف فقصّر فيها فقال أبو عليّ: زببت قبل أن تحصرم فلزمه من يومئذ مدّة أربعين سنة و اعتنى بالتصريف، و لمّا مات أبو عليّ تصدر ابن جنّيّ مكانه ببغداد، و كان المتنبي يقول فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من النّاس، و كان من شيوخ الشّريف الرّضيّ، و كان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزري الموصليّ، ولد قبل سنة 330 و مات في سنة 392 ه‍ الكنى و الألقاب ج 1 ص 241 بغية الوعاة ص 322، معجم الأدباء ج 12 ص 81- 115.

(2). الكافي ج 1 ص 219.

(3). الكافي ج 1 ص 219.

168

وَ لَا تسوءوه"

(1)

لأنه إذا رأى معصية ساءه. قوله تعالى: أَثٰاثاً وَ رِيًّا [19/ 74] بغير همز، يجوز أن يكون من" الري" أي منظرهم مريوء من النعمة، و أَثٰاثاً وَ رِءْياً- بهمزة قبل الياء-: ما رأيت عليه بشارة و هيئة، و إن شئت قلت: المنظر الحسن، وَ زِيًّا بالزاي المعجمة- يعني هيئة و منظرا. قيل: و قرئت بهذه الثلاثة أوجه. و‌

فِي الْخَبَرَ

:" إِنِّي

لَأَرَاهُ

مُؤْمِناً"

بفتح الهمزة أي أعلمه، و بضمها أي أظنه و" الرؤيا"- بالضم و القصر و منع الصرف-: ما يرى في المنام. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" مِنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي"

يعني إن رؤيته (ص) ليست أضغاث أحلام و لا تخيلات شيطان، و الرؤية بخلق الله لا يشترط فيها مواجهة و لا مقابلة إن قيل الجزاء هو الشرط، أجيب بإرادة لازمه، أي فليستبشر فإنه رآني. و‌

فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِيهِ (ع): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ

:" مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَ لَا فِي صُورَةِ أَحَدٍ مِنْ أَوْصِيَائِي، وَ لَا فِي صُورَةِ أَحَدٍ مِنْ شِيعَتِهِمْ، وَ أَنْ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ"

(2)

. وَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْحَدِيثَ" الصَّالِحَةُ"

و وصفها بها لأن غير الصالحة تسمى الحلم (3). و‌

فِيهِ

:" رَأْيِ الْمُؤْمِنِ وَ رُؤْيَاهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ"

(4)

قيل: المراد بالأول ما يخلق‌

____________

(1). الكافي ج 1 ص 219.

(2). جامع الأخبار ص.

(3). أشار في" جزا" إلى حديث في الرؤيا الصالحة، و يذكر في" بشر" و" أول" شيئا فيها- ز.

(4). الكافي ج 8 ص 90.

169

الله في قلبه من الصور العلمية في حال اليقظة، و من الثاني ما يخلق الله في قلبه حال النوم، و كأن المراد من" في آخر الزمان" زمان ظهور الصاحب (ع)، فإنه وقع التصريح في بعض الأخبار بأن في زمان ظهوره يجمع الله قلوب المؤمنين على الصواب. و قيل: و لفظة" على" نهجية، أي على هذا النهج، يعني يكون مثل الوحي موافقين للواقع. و‌

فِيهِ

:" الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَ الْكَاذِبَةُ مَخْرَجُهُمَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ" يَعْنِي الْقَلْبِ، فالرؤيا الْكَاذِبَةِ المختلقة هِيَ الَّتِي يَرَاهَا الرَّجُلِ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ فِي سُلْطَانِ الْمَرَدَةِ الْفَسَقَةِ، وَ إِنَّمَا هِيَ شَيْ‌ءٌ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ وَ هِيَ كَاذِبَةٌ لَا خَيْرَ فِيهَا، وَ أَمَّا الصَّادِقَةَ فَيَرَاهَا بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ حُلُولِ الْمَلَائِكَةِ وَ ذَلِكَ قَبْلَ السَّحَرِ، وَ هِيَ صَادِقَةٍ لَا تَخْتَلِفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُباً أَوْ يَنَامَ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ وَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ وَ تبطى‌ء عَلَى صَاحِبِهَا

(1)

. و‌

فِي الْخَبَرِ عَنْهُ (ص) أَنَّهُ قَالَ

:" الرُّؤْيَا ثَلَاثَةَ: رُؤْيَا بُشْرَى مِنْ اللَّهِ، وَ رُؤْيَا تحزين مِنْ الشَّيْطَانِ، وَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ الْإِنْسَانُ نَفْسِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ"

(2)

.

و‌

فِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ (ع) أَنَّهُ قَالَ

:" الرُّؤْيَا عَلَى رَجُلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرُ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ"

قال بعض الشارحين: وجه الجمع بين هذين الخبرين أنه عبر عن مطلق الرؤيا بكونها كالطائر الذي لا قرار له و لا ثبات له حتى يحصل تعبيرها فإذا حصل طارت كالطائر الذي أصيب بالضربة أو الرمية فوقع بعد طيرانه، و أما الرؤيا الحقيقية التي يعبر عنها بأنها بشرى من الله فهي ما تشاهده النفس المطمئنة من الروحانيات و العالم العلوي، و تلك الرؤيا واقعة عبرت أم لم تعبر، لأن ما في ذلك‌

____________

(1). هذا الحديث و شرحه المذكور في الكتاب من رواية عن أبي بصير عن الصادق (ع) مذكور في الكافي ج 8 ص 91.

(2). البحار ج 14 ص 441.

170

العالم كله حقيقي لا يتغير، و أما الرؤيا التي هي تحزين من الشيطان فهي ما تشاهده النفس عند استيلاء القوة الشهوية أو الغضبية، فإن ذلك مما يحصل به الأمور الشريرة باعتبار الشخص في الأمور الواقعة في العالم الجسماني باعتبار حصوله عن هذه النفس الشيطانية، و كذا ما يراه الإنسان من الأمور المرتسمة في نفسه من القوة المتخيلة و المتوهمة، لأنها صور لا حقائق لها، و هاتان المرتبتان تقعان مع التعبير بحسب ما يعبران- انتهى. و سيأتي في" حلم" مزيد كلام في الأحلام. و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" يُعْطِي الزَّكَاةِ عَلَى مَا

يَرَى

"

أي على ما يعرف من أهل الاستحقاق و غيرهم. و قد تكرر فيه:" فما ترى" و معناه قريب من معنى" ما تقول" و المراد الاستخبار. و" فلان يرى رأي الخوارج" يذهب مذهبهم. و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" لَمْ يَقُلْ (ع) بِرَأْيِ وَ لَا قِيَاسِ"

قيل في معناه: الرأي التفكر في مبادى‌ء الأمور و النظر في عواقبها و علم ما يئول إليه من الخطإ و الصواب، أي لم يقل (ع) بمقتضى العقل و لا بالقياس. و قيل: الرأي أعم لتناوله مثل الاستحسان. و جمع الرأي" أرآء"، و" رئي"." آراء" أيضا مقلوب. و" ارتأى" أي طلب الرأي و التدبير. و" أصحاب الرأي" عند الفقهاء هم أصحاب القياس و التأويل كأصحاب أبي حنيفة (1) و أبي الحسن‌

____________

(1) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، أحد أئمة المذاهب الأربعة عند السنة، كان يقول بالرأي و الاستحسان، و كان ضعيف الحديث لم يخرج له أصحاب الصحاح شيئا عنه، و نقل في زهده و تقواه أشياء كثيرة ربما لا نتمكن من قبول كل ذلك، ولد سنة 80 و توفي سنة 150 ه‍، و دفن ببغداد في مقبرة خيزران الكنى و الألقاب ج 1 ص 51- 54 و ج 2 ص 403، وفيات الأعيان ج 5 ص 39- 47، الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 ص 287- 346. و للإمام الصادق (ع) مع أبي حنيفة مناظرة مهمة حول الرأي و القياس ذكرها الدميري في كتاب حياة الحيوان ج 2 ص 103 فراجع.

171

الأشعري (1)، و هم الذين قالوا: نحن بعد ما قبض رسول الله (ص) يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس.

قَالَ الْعَلَّامَةُ الدِّمْيَرِيُّ- نَقْلًا عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الرَّأْيِ-: رَوَى نُوحٍ الْجَامِعِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ

: مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَعَلَى الرَّأْسِ وَ الْعَيْنِ، وَ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ اخْتَرْنَاهُ، وَ مَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُمْ رِجَالٍ وَ نَحْنُ رِجَالٍ.

و‌

عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ

: عَلِمْنَا هَذَا رَأْيِ، وَ هُوَ أَحْسَنَ مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، فَمَنْ جَاءَ بِأَحْسَنِ مِنْهُ قبلناه

- انتهى (2)، و هو باطل مردود.

____________

(1). أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، إليه تنسب الطائفة الأشعرية، كان معتزليا ثم عدل و قال في جامع البصرة: من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن و أن الله لا تراه الأبصار و أن أفعال الشر أنا أفعلها، و أنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم و قبائحهم ... ولد سنة 260 أو 270 و توفي سنة 224 أو 329 أو 330 أو 334 و دفن ببغداد و طمس قبره خوفا من أن تنبش قبره الحنابلة لأنهم كانوا يعتقدون كفره و يبيحون دمه. الكنى و الألقاب ج 1 ص 45، وفيات الأعيان ج 2 ص 402، و انظر تفاصيل أقواله و معتقداته في الملل و النحل ج 1 ص 126.

(2). في الملل و النحل ج 1 ص 368 نقل أن أبا حنيفة قال:" علمنا هذا رأي و هو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى و لنا ما رأيناه.

172

و‌

فِي خَبَرٍ مُعَاذِ فِي قَوْلِهِ

:" اجْتَهَدَ رَأْيِي"

- إن صح- فالمراد به رد القضية التي تعرض للحكم من طريق القياس أو غيره إلى الكتاب و السنة، و لم يرد الرأي الذي يراه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب و سنة، و على هذا يحمل‌

قَوْلِهِ (ع)

:" مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ"

أي قال فيه قولا غير مستفاد من كتاب و لا سنة و لا من دليل يعتمد عليه بل قال برأيه حسب ما يقتضيه عقله و يذهب إليه وهمه بالظن و التخمين، و من خاض في كتاب الله بمثل ذلك فبالحري أن يكون قوله مهجورا و سعيه مبتورا (1). و" الترائي" تفاعل من الرؤية، يقال:" تراءى القوم" إذا رأى بعضهم بعضا، و" تراءى لي الشي‌ء" ظهر لي حتى رأيته، و" تراءينا الهلال" تكلفنا النظر إلى جهته لنراه، و" تراءى لي الشي‌ء من الجن" ظهر. و" فلان له رئي من الجن"- بتشديد الياء على فعيل أو فعول- لأنه يتراءى لمتبوعه، أو هو من" الرأي" يقال:" فلان رئي قومه" إذا كان صاحب رأيهم التي ينظر فيها، و جمعها" مراء" كجوار و مناص، و الكثير" مرايا". و" فلان بمرأى مني و مسمع" أي حيث أراه و أسمع قوله. و" سامراء" المدينة التي بناها المعتصم و دفن فيها علي الهادي (ع) و الحسن العسكري (ع). و فيها لغات:" سر من رأى" و" سر من رأى"- بفتح السين و ضمها- و" ساء من رأى" [و" سامرا"] قاله الجوهري عن أحمد بن يحيى و ابن الأنباري (2). و" رأيته عالما" يستعمل بمعنى العلم‌

____________

(1). يذكر في" هوا" و" رمس" و" قبس" و" جرثم" و" اجن" و" جفا" شيئا في الرأى- ز.

(2). و يقال لها أيضا" سامرا" بتخفيف الراء و" سر من راء" و" سر من را" و" سامرة" و هي المدينة التي أنشأها المعتصم العباسي بين بغداد و تكريت سنة 220 ه‍ ليسكن فيها الأتراك من عبيده الذين كانوا يركبون الدواب في طرقات بغداد فيصدمون الناس يمينا و شمالا، ثم جعلها عاصمة له، قيل كان اسمها قديما" ساميرا". مراصد الاطلاع ص 684 و 709، البلدان ص 22- 35، معجم ما استعجم ج 734.

173

و الظن، فيعدى إلى مفعولين. و" رأيت زيدا" أبصرته، و يعدى إلى مفعول واحد، لأن أفعال الحواس إنما تتعدى إلى واحد، فإن رأيته هيئة نصبتها على الحال و قلت:" رأيته قائما". و تقول:" رأى يرى" و القياس" يرأى"- كينعى- لكن العرب أجمعت على حذف الهمزة من مضارعه فقالوا: يرى يريان يرون- إلخ. و اسم الفاعل منه" راء" كرام. و إذا أمرت بنيت الأمر على الأصل فقلت:" ارء" كارع، و على تقدير الحذف" ر" كق، و يلزمه الهاء في الوقف. و بناء أفعل من" رأى" مخالف لأخواته، تقول:" أرأى" كأعطى" يرئي" كيعطي نقلت و حذفت" إراءة" في المصدر و الأصل" إرآيا" على وزن إفعالا قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة فصار" إرآء" ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء و حذفت- كما في الفعل- و عوضت تاء التأنيث عن الهمزة كما عوضت عن الواو في" إقامة" فقيل:" إراءة"- كذا ذكره المحقق التفتازاني.

(ربا)

قوله تعالى: اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ* [22/ 5] أي انتفخت، و" اهتزت النبات"- بالهمز-: ارتفعت. قوله تعالى: هِيَ أَرْبىٰ مِنْ أُمَّةٍ [16/ 92] أي أكثر عددا، و منه سمي" الربا" أي إذا كان بينكم و بين أمة عقد أو حلف نقضتم ذلك و جعلتم مكانهم أمة هي أكثر عددا، و" الربا"

174

الكثرة. قوله تعالى: زَبَداً رٰابِياً [13/ 17] أي طافيا فوق الماء. قوله تعالى: أَخْذَةً رٰابِيَةً [69/ 10] أي شديدة زائدة في الشدة على الأخذات كما زادت قبائحهم في القبح قوله تعالى: رَبْوَةٍ ذٰاتِ قَرٰارٍ وَ مَعِينٍ [23/ 50] قيل: هي دمشق و" الربوة" مثلثة الراء الارتفاع من الأرض و ذٰاتِ قَرٰارٍ يستقر فيها الماء للعمارة، وَ مَعِينٍ ماء ظاهر جار.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

الربوة

نَجَفُ الْكُوفَةِ

، و المعين: الفرات" (1) قوله تعالى: وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا [30/ 39] أي من أعطى يبتغي أفضل من ذلك فلا أجر له عند الله فيه. و" الربا" الفضل و الزيادة، و هو مقصور على الأشهر، و تثنيته" ربوان" على الأصل، و" ربيان" على التخفيف، و النسبة إليه" ربوي". و" أربى الرجل" دخل في الربا.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الرِّبَا رِبَوَانِ- أَوْ رِبَاءَانِ رِبًا يُؤْكَلُ وَ رِبًا لَا يُؤْكَلُ، فَأَمَّا الَّذِي يُؤْكَلُ فَهُوَ هَدِيَّتُكَ إِلَى رَجُلٍ تُرِيدُ الثَّوَابَ أَفْضَلَ مِنْهَا، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ

، وَ أَمَّا الَّذِي لَا يُؤْكَلُ فَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَهَذَا الرِّبَا الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (2)

.

و‌

فِيهِ

:" إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ"

أي الربا الذي عرف في النقدين و المطعوم أو المكيل و الموزون ثابت في النسيئة و الحصر للمبالغة. و‌

فِي الْخَبَرَ

:" الصَّدَقَةِ

تربو

فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ"

أي يعظم أجرها أو جثتها حتى‌

____________

(1). البرهان ج 3 ص 113.

(2). هذا الحديث مذكور في الكافي ج 5 ص 145 باختلاف يسير.

175

تثقل في الميزان، و أراد بالكف كف السائل، أضيف إلى الرحمن إضافة ملك. و‌

فِيهِ

:" الْفِرْدَوْسِ

رَبْوَةً

الْجَنَّةِ"

أي أرفعها. و‌

فِيهِ

:" قَوَائِمَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) رَبَّتْ فِي الْجَنَّةِ"

(1)

أي نشأت. و‌

فِي بَعْضِ النُّسَخِ

" رُتَبٌ"

بتقديم المثناة على الموحدة، و كأن المراد: درجات في الجنة يعلو عليها كما كان يعلو على المنبر. و" ربوت في بني فلان".

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" دِرْهَمٌ رِبًا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَبْعِينَ زَنْيَةً بِذَاتِ مَحْرَمٍ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ"

(2)

و فيه من المبالغة في التحريم ما لا يخفى (3). و" ربيته تربية" غذيته، و هو لكل ما ينمي كالولد و الزرع.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" مِثْلِي وَ مِثْلُكُمْ كَرَجُلٍ ذَهَبَ يربأ أَهْلِهِ"

أي يحفظهم من عدوهم، و الاسم" الربيئة" و هو العين الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، و لا يكون إلا على جبل أو شرف. و" الزنجبيل المربى" معروف.

(رثا)

" رثى له" أي رق له و رحمه، و" رثيت له" ترحمت و ترفقت.

وَ فِي الْأَثَرِ

" رثى النَّبِيِّ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ"

و هو من" رثيت الميت"- من باب رمى" مرثية". و" رثوته" أيضا إذا بكيته و عددت محاسنه، و كذلك إذا نظمت فيه شعرا. و في الدر:" الترثي" هو أن يندب‌

____________

(1) في الكافي ج 4 ص 554 في حديث عن النبي (ص):" و قوائم منبري‌ربت في الجنة".

(2) في الكافي ج 5 ص 144 و التهذيب ج 2 ص 122 عن الصادق (ع):" درهم ربا أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم".

(3). يذكر الربا في" هنا" و" زيد" و" كبر" و" مسس" و" وكس" و" محق" و" أكل" و" رسل"- ز.

176

الميت، فيقال:" وا فلاناه".

(رجا)

قوله تعالى: وَ الْمَلَكُ عَلىٰ أَرْجٰائِهٰا [69/ 17] أي جوانبها و نواحيها، واحدها" رجا" مقصور كسبب و أسباب، يعني أن السماء تتشقق و هي مسكن الملائكة فيفيضون إلى أطرافها و حافاتها. قوله تعالى: مٰا لَكُمْ لٰا تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً [71/ 13] أي لا تخافون عظمة الله، من" الرجاء" بمعنى الخوف قال الشاعر:

لعمرك ما أرجو إذا مت مسلما * * * على أي جنب كان في الله مصرعي

قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ [33/ 51] يقال:" تُرْجِي"- بهمز و غير همز- بمعنى تؤخر، و" تُؤْوِي"- بضم- يعني تترك مضاجعة من تشاء منهن و تطلق من تشاء و تمسك من تشاء، و لا تقسم لأيتهن شئت. و كان (ص) يقسم بين أزواجه فأبيح له ترك ذلك. قوله تعالى: أَرْجِهْ وَ أَخٰاهُ* [7/ 111] أي احبسه و أخر أمره و لا تعجل بقتله. قوله تعالى: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ [9/ 106] أي مؤخرون حتى ينزل الله فيهم ما يريد. قال الجوهري: و منه سميت" المرجئة" مثال المرجعة، يقال:" رجل مرجى‌ء" مثال مرجع، و النسبة إليه" مرجئي" مثال مرجعي، هذا إذا همزت فإذا لم تهمز قلت:" رجل مرج" مثال معط، و" هم المرجية" بالتشديد (1). و في القاموس: [و إذا لم تهمز ف‍]" رجل مرجي" بالتشديد، و إذا همزت ف‍" رجل مرجى‌ء" [كمرجع لا" مرج" كمعط]، و وهم الجوهري، و هم" المرجئة" بالهمز و" المرجية" بالياء‌

____________

(1). انظر الصحاح للجوهري (رجا).

177

مخففة (1). و قد اختلف في المرجئة فقيل: هم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم عن المعاصي، أي أخره عنهم. و عن ابن قتيبة أنه قال: هم الذين يقولون الإيمان قولا بلا عمل، لأنهم يقدمون القول و يؤخرون العمل. و قال بعض أهل المعرفة بالملل: إن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له، و إضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى المجازات، كجرى النهر و دارت الرحا، و إنما سميت المجبرة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر الله و يرتكبون الكبائر. و في المغرب- نقلا عنه-: سموا بذلك لإرجائهم حكم أهل الكبائر إلى يوم القيامة (2).

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

مرجى‌ء

يَقُولُ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَ لَمْ يَصُمْ وَ لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ جَنَابَةٍ وَ هَدَمَ الْكَعْبَةَ وَ نَكَحَ أُمَّهُ فَهُوَ عَلَى إِيمَانِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ"

(3)

.

وَ فِي الْحَدِيثَ خطابا لِلشِّيعَةِ

:" أَنْتُمْ أَشَدُّ تَقْلِيداً أَمِ الْمُرْجِئَةُ"

(4)

قيل: أراد بهم ما عدا الشيعة من العامة، اختاروا من عند أنفسهم رجلا بعد رسول الله و جعلوه رئيسا، و لم يقولوا بعصمته عن الخطإ، و أوجبوا طاعته في كل ما يقول، و مع ذلك قلدوه في كل ما قال، و أنتم نصبتم رجلا- يعني عليا (ع)- و اعتقدتم عصمته عن الخطإ و مع ذلك خالفتموه في‌

____________

(1). القاموس (أرجأ) و الزيادات من القاموس و ليست في نسخ المجمع.

(2). يذكر المرجئة في" صنف" أيضا- ز و انظر تفصيل عقائد المرجئة في الملل و النحل ج 1 ص 222، و فرق الشيعة ص 26، التبصير في الدين ص 59، الفرق بين الفرق ص 19.

(3). بحار الأنوار ج 11 ص 216، و الكافي ج 1 ص 404.

(4). الكافي ج 1 ص 53.

178

كثير من الأمور، و سماهم مرجئة لأنهم زعموا أن الله تعالى أخر نصب الإمام ليكون نصبه باختيار الأمة بعد النبي (ص).

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْقُرْآنِ يُخَاصِمُ بِهِ المرجى‌ء وَ الْقَدَرِيُّ وَ الزِّنْدِيقُ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِهِ"

و فسر المرجى‌ء بالأشعري، و القدري بالمعتزلي.

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ

: ذَكَرْتَ

الْمُرْجِئَةُ

وَ الْقَدَرِيَّةِ وَ الْحَرُورِيَّةِ، فَقَالَ (ع):" لَعَنَ اللَّهُ تِلْكَ الْمِلَلَ الْكَافِرَةَ الْمُشْرِكَةَ الَّتِي لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلَى شَيْ‌ءٍ".

وَ فِي حَدِيثٍ الْمُشْتَبِهِ أَمَرَهُ

:"

فَأَرْجِهْ

حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ"

(1)

أي أخره و احبس أمره، من" الإرجاء" و هو التأخير. قال بعض الأفاضل من نقلة الحديث: في هذا الحديث و ما وافقه دلالة على وجوب التوقف عند تعادل الحديثين المتناقضين، و في بعض الأخبار التوسعة في التخيير من باب التسليم، و قد جمع بعض فقهائنا بين الكل بحمل التخيير على واقعة لا تعلق لها في حقوق الناس، كالوضوء و الصلوة و نحوها، و التوقف في واقعة لها تعلق بحقوقهم- انتهى، و هو جيد. و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" يَدَّعِي [بِزَعْمِهِ] أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ، كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ، مَا بَالِهِ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ"

(2)

.

و فيه ذم من يرجو الله بلا عمل، فهو كالمدعي للرجاء، و كل من رجا عرف رجاؤه في عمله. و‌

فِي الْحَدِيثَ

:"

أَرْجُو

مَا بَيْنِي وَ مَا بَيْنَ اللَّهِ"

أي أتوقع. و" الرجاء" من الأمل ممدود- قاله الجوهري (3). و منه‌

الْحَدِيثَ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَقْطَعُ الرَّجَاءَ"

، و هي فسرها (ع) باليأس من روح الله، و القنوط من رحمة الله، و الثقة بغير الله، و التكذيب‌

____________

(1). الكافي ج 1 ص 68.

(2). نهج البلاغة ج 2 ص 71.

(3). يذكر في" عنف" رجاء العاقل- ز

179

بوعده.

وَ فِي حَدِيثٍ خَيْمَةٌ آدَمَ (ع) الَّتِي هَبَطَ بِهَا جَبْرَئِيلُ

:" أَطْنَابُهَا مِنْ ظفائر

الْأُرْجُوَانِ"

هو بضم همز و جيم: اللون الأحمر شديد الحمرة، قيل: هو معرب، و قيل: الكلمة عربية و الألف و النون زائدتان. قال الجوهري: و يقال أيضا: شجر له نور أحمر أحسن ما يكون، و كل لون يشبهه فهو أرجواني- انتهى. و فيه نهى عن ميثرة الأرجوان، و ستذكر في بابها إن شاء الله تعالى.

(رحا)

فِي الْحَدِيثَ

:" أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ سَادَةُ الْمُرْسَلِينَ وَ النَّبِيِّينَ، عَلَيْهِمْ دَارَتِ الرَّحَى"

(1)

أي السماوات، أو هي مع الأرض. و‌

فِي الْخَبَرَ

:" تَدُورُ رَحًى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَ ثَلَاثِينَ"

دوران الرحى قيل: هو كناية عن الحرب و القتال، شبهها بالرحى الدائرة التي تطحن الحب، لما يكون فيها من تلف الأرواح و هلاك الأنفس. و" دارت عليه رحى الموت" إذا نزل به. و‌

فِي وَصَفَ السَّحَابَ

:" كَيْفَ تَرَوْنَ

رحاها

"

أي استدارتها، أو ما استدار منها. و عن ابن الأعرابي:" رحاها" وسطها و معظمها. و" الرحى" القطعة من الأرض تستدير و ترفع ما حولها. و" الرحى" معروفة مؤنثة مقصورة، و الأصل فيها- على ما قالوه" رحي" قلبت ألفا و حذفت لالتقاء الساكنين بين الألف و التنوين، و المنقلبة عن الياء تكتب بصورة الياء فرقا بينها و بين المنقلبة عن الواو، و تقول في تصريفها:" رحى رحيان"، و كل من مد قال:" رحاء و رحيان و أرحية" جعلها منقلبة عن‌

____________

(1). في الوافي ج 2 ص 18 عن الصادق (ع):" سادة النبيين و المرسلين هم خمسة و هم أولو العزم من الرسل و عليهم دارت‌الرحى ...".

180

الواو (1). قال الجوهر- و لا أدري ما حجته-: و" أرحية الماء" من عمل الشياطين و كذا الحمامات و النورة.

(رخا)

قوله تعالى: رُخٰاءً حَيْثُ أَصٰابَ [38/ 36] الرخاء- بالضم-: الريح اللينة، أي رخوة لينة حيث أراد، يقال:" أصاب الله لك خيرا" أي أراد الله بك خيرا. نقل أن الريح كانت مطيعة لسليمان بن داود إذا أراد أن تعصف عصفت و إذا أراد أن ترخي أرخت، و هو معنى قول الله تعالى: رُخٰاءً حَيْثُ أَصٰابَ (2). و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" اذْكُرْ اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَذْكُرُكَ فِي الشِّدَّةِ".

و‌

فِيهِ

:" الْمُؤْمِنِ شَكُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ"

و أراد بالرخاء سعة العيش و لينه و يقابله الشدة، يقال:" زيد رخي البال" أي في نعمة و خصب. و‌

مِنْهُ

"

راخ

الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ"

بالخاء المعجمة من" المراخاة" و هي ضد التشدد و‌

مِنْهُ

:" لَا تُمَلِّكَ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسِهَا فَإِنَّهُ أَرْخَى لِبَالِهَا وَ أَدْوَمُ لِحُسْنِهَا وَ جَمَالُهَا، فَإِنْ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ".

و" أرخى الشي‌ء بين كتفيه" سدله و أرسله (3). و" أرخيت الستر و غيره" أرسلته. و" شي‌ء رخو"- بكسر الراء و فتحها-: أي هش. و" فرس رخوة"- بالكسر- أي سهلة. و" رخي الشي‌ء" و" رخو" من باب تعب و قرب" رخاوة" بالفتح.

____________

(1). يذكر في" مجل" حديث طحن الزهراء (ع) بالرحى- ز.

(2). انظر تفصيل إطاعة الريح لسليمان في الدر المنثور ج 5 ص 314.

(3). يذكر في" عفا" حديث" أرخوا اللحى"- ز.

181

و" تراخى الأمر" امتد زمانه و" في الأمر تراخ" أي فسحة‌

(ردا)

قوله تعالى: رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [28/ 34] أي معينا، يقال:" ردأته على عدوه" أي أعنته عليه. و" الردء" العون، فعل بمعنى مفعول، كالدف‌ء لما يدفأ به. و قوله تعالى: أَرْدٰاكُمْ [41/ 23] أهلككم. و قوله تعالى: لِيُرْدُوهُمْ [6/ 137] أي يهلكوكم بالإغواء، و كذلك قوله تعالى: تَرَدّٰى [92/ 11] فإنه تفعل من" الردى" أي الهلاك، و يقال: سقط على رأسه من قولهم:" فلان تردى من رأس الجبل" إذا سقط، و يقال:" تَرَدّٰى" إذا مات فسقط في قبره، و قيل تَرَدّٰى سقط في جهنم. و" المتردية" التي تردت و سقطت من جبل أو حائط أو بئر و ما يدرك ذكاته.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَ الْعَظَمَةُ إِزَارِي"

و المعنى على ما نقل عن بعض العارفين: أنهما صفتان لله اختص بهما، و ضرب الرداء و الإزار مثلا، أي لا يشركني في هاتين الصفتين مخلوق كما لا يشرك الإنسان فيما هو لابسه من الإزار و الرداء أحد، و ذلك من مجازات العرب و بديع استعاراتها، يكنون عن الصفة اللازمة بالثوب يقولون:" شعار فلان الزهد و لباسه التقوى"، و فيه تنبيه على أن الصفتين المذكورتين لا يدخلهما المجاز كما يدخل في ألفاظ بعض الصفات مثل الرحمة و الكرم، و مثله في التوجيه:" العز رداء الله و الكبرياء إزاره". و" الرداء"- بالكسر-: ما يستر أعالي البدن فقط، و الجمع" أردية" مثل سلاح و أسلحة، و إن شئت قلت:" الرداء" الثوب الذي يجعل على العاتقين و بين الكتفين فوق الثياب، و التثنية" رداءان" و إن شئت" رداوان"- قاله الجوهري و غيره. و" هو حسن الردية" بالكسر‌

182

كالجلسة.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" مَنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ وَ لَا بَقَاءَ فَلْيُبَاكِرِ الْغَدَاءَ، وَ ليجيد الْحَذَّاءِ، وَ لْيُخَفِّفِ الرِّدَاءَ، وَ لْيُقِلَّ مُجَامَعَةَ النِّسَاءِ. قِيلَ: وَ مَا خِفَّةُ

الرِّدَاءِ

؟ قَالَ: قِلَّةُ الدِّينِ"

(1)

قيل: سمي رداء لقولهم:" دينك في ذمتي و في عنقي و لازم في رقبتي" و هو موضع الرداء. و عن الفارسي: يجوز أن يقال: كنى بالرداء عن الظهر لأن الرداء يقع عليه، فمعناه: فليخفف ظهره و لا يثقله بالدين. و" ارتدى" و" تردى" لبس الرداء.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ أَرْدِيَةَ الْغُزَاةِ لَسُيُوفُهُمْ"

سمي السيف رداء لأن من تقلده فكأنه قد تردى به.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَوَى

المردي

"

أي المهلك. و‌

فِيهِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنْ

مرديات

سَخَطِكَ"

أي ما يوجب الردى، أي الهلاك من سخطك. و‌

فِيهِ

:" لَا

تَرُدَّنِي

فِي هَلَكَةٍ"

أي لا توقعني في هلاك. و‌

فِيهِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنْ

التَّرَدِّي

"

أي من الوقوع في الهلاك.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ

تَرُدِّيهِ

بَعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ"

أي توقعه في مهلكة. و‌

فِيهِ

:" نَهَى عَنْ الشَّاةِ

المردية

"

و ذلك لأنها ماتت من غير ذكاة.

وَ فِي حَدِيثٍ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (ص)

:" عِشَاءِ اللَّيْلِ لِعَيْنِكِ

رَدِيٌّ

"

أي ضار مضر. و ردؤ الشي‌ء- بالهمز يردؤ كحسن يحسن رداءة- بالمد-: فسد. و" الردي‌ء"- على وزن فعيل-: الفاسد، و" رجل ردي‌ء" أي وضيع خسيس. و" ردي" بالكسر" يردى" من باب تعب: هلك.

____________

(1). جاء هذا الحديث في مكارم الأخلاق ص 243 عن النبي (ص)

183

و" ردا يردو" من باب علا لغة. و" المردي" خشبة تدفع بها السفينة تكون في يد الملاح، و الجمع" المرادي"- قاله الجوهري.

(رزا)

فِي الْحَدِيثَ

:" إِنِّي لَا

أُرْزَأَ

مِنْ فَيْئِكُمْ دِرْهَماً"

أي لا أنقص شيئا و لا درهما. و" رزأته رزيئة" بفتح راء و كسر زاي فتحتية فهمزة، و قد يشدد التحتية بالإدغام: أصابته مصيبة، و كذا" المرزئة" بالفتح‌

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ صَبَرَ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللَّهُ".

و‌

فِيهِ

:" الْمُؤْمِنِ

مرزى

"

براء فزاي مشددة، أي مفعول الرزية أي المصيبة و مصاب بالبلاء. و" الرزء"- بالضم-: المصيبة بفقد الأعزة، و الجمع" أرزاء".

(رسا)

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّٰاعَةِ أَيّٰانَ مُرْسٰاهٰا* [7/ 187] أي مثبتها، من" أرساها الله" أثبتها، أي متى الوقت التي تقوم فيه القيامة، و ليس من القيام على الرجل و إنما هو كقولك:" قام الحق" أي ظهر. قوله تعالى: وَ قُدُورٍ رٰاسِيٰاتٍ [34/ 13] يعني ثابتات في أماكنها لا تزول لعظمها، و يقال: أثافيها منها. قوله تعالى: وَ أَلْقَيْنٰا فِيهٰا رَوٰاسِيَ* [15/ 19] أي جبالا راسية، أي ثابتة. علل أرباب الهيئة ذلك أنها كرة حاصلة في الماء، و إنما الطالع منها ربعها المسكون، فلو كانت خفيفة لم تثبت على وضع واحد، لأن بعض أوضاعها ليس أولى من بعض، فجعلت الجبال عليها لتخرجها عن كونها خفيفة و تثبت و لا تضطرب.

وَ فِي حَدِيثٍ أَهْلِ الْبَيْتِ (ع)

:" بِكُمْ تَسْتَقِلُّ جِبَالِ الْأَرْضِ عَنْ

مَرَاسِيهَا

"

أي عن ما يمسكها. و" ألقت السحابة مراسيها" أي دامت. و" رسوت بين القوم" أصلحت. و" رسا الشي‌ء يرسو رسوا" ثبت.

184

و" جبال راسية و راسيات و رواسي". و" رست أقدامهم في الحرب" ثبتت.

(رشا)

فِي الْحَدِيثَ

:" لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الرَّاشِيَ وَ الْمُرْتَشِيَ وَ الرائش"

(1)

.

يعني المعطي للرشوة و الآخذ لها و الساعي بينهما يزيد لهذا و ينقص لهذا، و هو الرائش. و" الرشوة"- بالكسر-: ما يعطيه الشخص الحاكم و غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد، و الجمع" رشا" مثل سدرة و سدر، و الضم لغة، و أصلها من" الرشاء" الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، و جمعه" أرشية" ككساء و أكسية، و قيل: من" رشا الفرخ" إذا مد عنقه إلى أمه لتزقه. و الرشوة قل ما تستعمل إلا فيما يتوصل به إلى إبطال حق أو تمشية باطل. و" رشوته رشوا"- من باب قتل-: أعطيته رشوة. و" ارتشى" أخذ الرشوة. و" استرشى في حكمه" طلب عليه الرشوة (2). و" الرشأ"- مهموز-: ولد الظبية إذا تحرك و مشى و هو الغزال، و الجمع" أرشاء" كسبب و أسباب.

(رضا)

قوله تعالى: فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ* [69/ 21] أي مرضية.

____________

(1). هذا اللفظ مذكور في رواية أحمد بن حنبل في مسنده، و كذلك مذكور في لسان العرب و الفائق و النهاية في مادة (رشا)، و في سنن أبي داود ج 2 ص 270 و صحيح الترمذي ج 6 ص 81 و التاج ج 3 ص 50" لعن رسول الله (ص) الراشي و المرتشي"، و في جامع الأخبار ص 156" لعن الله الراشي و المرتشي و الماشي بينهما" و في أساس البلاغة (ر ش و):" لعن الله‌الراشي والمرتشي"

(2). يذكر في" سحت" و" دلا" شيئا في الرشوة- ز.

185

قوله تعالى: وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ [21/ 28] أي ارتضاه الله لأن يشفع له. قوله تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ [93/ 5] قال المفسر: اللام في وَ لَسَوْفَ لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، و المبتدأ محذوف، و التقدير:" و لأنت سوف يعطيك" و ليست بلام قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد- انتهى. و‌

فِي الرِّوَايَةِ

:" إِنْ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِدُخُولِ أَحَدٌ مِنْ أَمَتَهُ النَّارِ"

(1)

.

قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ [5/ 16] الرضوان من الله ضد السخط، و قيل: هو المدح على الطاعة و الثناء، و" الرضى" مثله، فرضى الله ثوابه و سخطه عقابه من غير شي‌ء يتداخله فيهيجه من حال إلى حال، لأن ذلك من صفات المخلوقين‌

____________

(1) في الدر المنثور ج 6 ص 361 عن حرب بن شريح قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أ رأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق أ حق هي؟ قال: أي و الله حدثني عمي محمد بن الحنفية عن علي أن رسول الله (ص) قال: أشفع لأمتي حتى يناديني ربي: أ رضيت يا محمد؟ فأقول: نعم يا رب رضيت، ثم أقبل علي فقال: إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعا قلت: إنا لنقول ذلك قال: فكلنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله و لسوف يعطيك ربّك فترضى و هي الشفاعة.

186

العاجزين المحتاجين (1). قوله تعالى: وَ لِيَرْضَوْهُ [6/ 113] أي ليرضوا ما أوحي إليهم من القول وَ لِيَقْتَرِفُوا أي و ليكتسبوا من الإثم و المعاصي مٰا هُمْ مُقْتَرِفُونَ

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" سُبْحَانَ اللَّهِ

رِضًا

نَفْسِهِ"

أي ما يقع منه سبحانه موقع الرضا أو ما يرضاه لنفسه.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ خُذْ لِنَفْسِكَ

رِضًا

مِنْ نَفْسِي"

أي اجعل نفسي راضية بكل ما يرد عليها منك- هكذا نقل عن بعض العارفين. و‌

فِيهِ

:" أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ"

قيل: قدم الرضا لأن المعافاة من العقوبة تحصل بالرضا، و إنما ذكرها ليدل عليها مطابقة، فكنى عنها أولا ثم صرح بها ثانيا، و لأن الرضا قد يعاقب لمصلحة أو لاستيفاء حق الغير. و روي أنه بدأ بالمعافاة من العقوبة أولا ثم بالرضا ثانيا ليترقي من الأدنى إلى الأعلى، ثم لما ازداد يقينا قصر نظره على الذات فقال:" أعوذ بك منك" ثم لما ازداد قربا استحى من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فقال:" لا أحصي ثناء عليك" ثم علم قصوره فقال:" أنت كما أثنيت على نفسك".

وَ فِي حَدِيثٍ الشِّيعَةِ مَعَ مُخَالِفِيهِمْ

:"

أرضوا

مَا

رَضِيَ

اللَّهِ مِنْهُمْ مِنْ الضَّلَالِ"

أي أقروهم على ما أقرهم الله عليه، و ليس المراد حقيقة الرضا.

وَ فِي حَدِيثٍ مِنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ

:" لَا تَقُولَنَّ مُنْتَهَى عِلْمِهِ وَ قُلْ مُنْتَهَى رِضَاهُ"

(2)

.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" أَ مَا تَرْضَى

____________

(1). يذكر في" قلب" و" روح" و" زهد" و" هجس" و" حفظ" و" وجه" شيئا في الرّضا، و في" خير" طلب رضا اللّه تعالى و رضا النّاس

(2). الكافي 1/ 106، و الوافي 1/ 100.

187

أَنْ تَكُونُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى"

(1)

أي في استخلافه على ذريته و أهله و قومه. و" رضيت بالشي‌ء رضى" اخترته، و" ارتضيته" مثله. و" رضيت عن زيد" و" رضيت عليه" لغة، و الاسم" الرضاء" بالمد. و" رضيت بالله ربا" قنعت به و لا أطلب معه غيره.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ رَضِيَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ، وَ مَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلَالِ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَ تَنَعَّمَ أَهْلُهُ، وَ بَصَّرَهُ اللَّهُ دَاءَ الدُّنْيَا وَ دَوَاءَهَا، وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ".

و" الراضي" الذي لا يسخط بما قدر عليه، و لا يرضى لنفسه بالقليل من العمل. و" الرضا" هو علي بن موسى (ع) (2)

وَ إِنَّمَا لَقَبُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رِضَى اللَّهِ فِي سَمَائِهِ، وَ رِضَى الرَّسُولِ (ص) فِي أَرْضِهِ، وَ رِضَى لِلْأَئِمَّةِ (ع) مِنْ بَعْدِهِ، وَ رَضِيَ بِهِ الْمُخَالِفُونَ مِنْ أَعْدَائِهِ كَمَا رَضِيَ بِهِ الموافقون مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ آبَائِهِ (ع). وُلِدَ سَنَةً ثَمَانٍ وَ أَرْبَعِينَ وَ مِائَةٍ. وَ قُبِضَ وَ هُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَ خَمْسِينَ سَنَةً- كَذَا فِي الْكَافِي. وَ فِي رِوَايَةٍ وَ قُبِضَ وَ هُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَ أَشْهَرُ.

و قول الفقهاء:" أشهد على رضاها" أي إذنها، جعلوا الإذن رضى لدلالته عليه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الصَّلَاةِ

رِضْوَانُ

اللَّهِ"

____________

(1). ذكر هذا الحديث و الراوين له و تمحيصه و ذب الشبهات عنه العلامة الأميني في كتابه القيم الغدير ج 3 ص 199- 202.

(2). يذكر في" سنا" أن الرضا (ع) توفي في سناباذ، و في" حفد" حديثا في قتله بأرض خراسان، و في" عهد" تعهده للمأمون، و في" سنبذ" مدفنه، و في" نحل" كنية له (ع)، و في" كتم" و" نجم" أمه (ع)- ز.

188

أي سبب رضوانه، أو مبالغة كزيد عدل. و" الرضوان"- بكسر الراء و ضمها-: أعلى مراتب الرضا. و" بلغ بي رضوانك" أي أبلغني منتهى رضاك. و قوله:" حتى ترضى و بعد الرضا" قيل: هو كناية عن دخول الجنة، و يمكن أن يكون كناية عن كمال الحمد، أو إني لا أقطع شكري لك بعد حصول رضاك. و" رضوان" خازن الجنان. و" رضوى" جبل بالمدينة. و" المرتضى" لقب علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، ذو المجدين علم الهدى، متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، متقدم في علم الكلام و الفقه و أصول الفقه و الأدب و النحو و الشعر و اللغة، له ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت (1). قال في مجامع الأصول- نقلا عنه عند ذكر السيد-: كانت للسيد نقابة الطالبيين ببغداد، و كان عالما فاضلا متكلما فقيها على مذاهب الشيعة و له تصانيف كثيرة- انتهى. توفي (ره) في شهر ربيع الأول سنة ستة و ثلاثين و أربعمائة، و كان مولده في رجب سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة، و يوم توفي كان عمره ثمانين سنة و ثمانية أشهر و أياما، صلى عليه ابنه في داره و دفن فيها. ذكر أبو القاسم التنوخي (2). صاحب السيد- قال: لما مات السيد‌

____________

(1). طبع ديوان المرتضى في ثلاث مجلدات بمصر سنة 1958 بتحقيق الأستاذ المحامي رشيد الصفار و هو ما يقارب 15000 بيت.

(2). هو أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم الأنطاكي البغدادي التنوخي، ولد بالبصرة سنة 365 و قبلت شهادته عند الحكام و هو حديث السن، تولى القضاء بالمدائن و غيرها، و كان محتاطا صدوقا في الحديث، توفي في ليلة الثاني من المحرم سنة 447 ه‍. الكنى و الألقاب ج 2 ص 114.

189

حصرنا كتبه فوجدناها ثمانين ألف مجلد من مصنفاته و محفوظاته و مقرواته. و قال الثعالبي- نقلا عنه- في كتاب اليتيمة: إنها قومت بثلاثين ألف دينار بعد أن أخذ الوزراء و الرؤساء منها شيئا عظيما (1). و أما أخوه السيد الرضي (2) فإنه توفي في المحرم من سنة أربع و أربعمائة، و حضر الوزير و جميع الأعيان و الأشراف و القضاة جنازته و الصلاة عليه، و دفن في داره بمسجد الأنباريين بالكرخ، و مضى أخوه المرتضى (ره) من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر (ع)، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته و دفنه، و صلى عليه فخر الملك أبو غالب (3).

____________

(1). انظر ترجمته في الغدير ج 4 ص 262- 298، الكنى و الألقاب ج 2 ص 445، مقدمة ديوانه المطبوع بمصر.

(2). انظر ترجمته في الغدير ج 4 ص 180- 221 الكنى و الألقاب ج 2 ص 247، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 30- 41.

(3). هو محمد بن علي بن خلف الواسطي وزير بهاء الدولة البويهي، كان كثير الصلاة و الصدقات حتى أنه كان يكسي في يوم ألف فقير، حكي أن شيخا رفع إليه قصة سعى فيها بهلاك شخص فلما وقف فخر الملك عليها قلبها و كتب في ظهرها: السعاية قبيحة و إن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح، و معاذ الله أن نقبل في مهتوك من مستور، و لو لا أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك و تردع به أمثالك، فاكتم هذا العيب و اتق من يعلم الغيب و السلام، قتل سنة 407 ه‍. الكنى و الألقاب ج 3 ص 14.

190

و راضيته مراضاة و رضاء مثل وافقته موافقة و وفاقا وزنا و معنى و" شهادة أن لا إله إلا الله مرضاة للرحمن" أي محل رضاه.

(رطو)

" الأرطى" شجر من شجر الرمل، و هو أفعل من وجه [و فعلى من وجه] لأنهم يقولون:" أديم مأروط" إذا دبغ بورقه، و يقولون:" أديم مرطي" و الواحدة" أرطاة". قال الجوهري: و لحوق تاء التأنيث له يدل على أن الألف ليست للتأنيث و إنما هي للإلحاق أو بني الاسم عليها.

(رعا)

قوله تعالى: وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رٰاعِنٰا [4/ 46] أي أرعنا سمعك، من" أرعيته سمعي" أي أصغيت إليه، و الياء ذهبت للأمر، و كان اليهود يذهبون بها إلى الرعونة، و هي الحمق، و قرى‌ء راعناً بالتنوين على إعمال القول فيه، كأنه قال: لا تقولوا حقا و لا تقولوا هجرا، و هو من الرعونة. قوله تعالى: حَتّٰى يُصْدِرَ الرِّعٰاءُ [28/ 23] بالكسر و المد جمع راع الغنم من الرعي و هي حفظ العين، يقال:" رعيت الرجل" إذا تأملته و حفظته و تعرفت أعماله، و منه رٰاعُونَ* [23/ 8].

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" رُوَاةِ الْكِتَابِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ"

(1)

هو من" الرعاية" و هي المراعاة و الملاحظة. و‌

فِيهِ

:" الْعُلَمَاءِ يَحْزُنُهُمْ تَرْكُ

الرِّعَايَةِ

"

أي رعاية الحق و امتثال ما علموه من العلم، فإنه حزن عليهم لعدم حصول الغاية منه. فالعالم منهم كالراقم على الماء، بل ربما كان وبالا عليه، و منه قيل: ويل‌

____________

(1) في الكافي ج 1 ص 49:" إن رواة الكتاب كثير و إن رعاته قليل، و كم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب، فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية ...".

191

للعالم من علمه. و" رعاية الحق" حفظه و النظر فيه و" رعاك الله" حفظك و وقاك‌

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" لَيْسَا مِنْ

رُعَاةُ

الدِّينِ فِي شَيْ‌ءٍ"

هو من" الرعاة" بالضم جمع" راع" بمعنى الولي، كقاض و قضاة، يعني من ولاته و حفظته. و قيل:" رعاء" بالكسر و المد و" رعيان" كزعفان، و فيه إشعار بأن العالم الحقيقي وال على الدين و قيم عليه. و" الراعي" الوالي، و" الرعية" من عداه، و منه يقال:" ليس المرعي كالراعي".

وَ قَوْلُهُ

:" لَا يُعْطَى مِنْ الْغَنَائِمِ شَيْ‌ءٌ إِلَّا

رَاعٍ

"

قيل: هو عين القوم على العدو.

وَ"

اسْتَرْعَاكُمْ

أَمْرَ خَلْقِهِ"

(1)

في حديث الأئمة (ع) أي جعلكم ولاة على خلقه و جعلهم رعية لكم تحكم بهم بما أمرتم. و" المرعى" ما ترعاه الدواب، و الجمع" المراعي". و" رعت الماشية رعيا فهي راعية" إذا سرحت بنفسها. و" رعيتها أرعاها" تستعمل لازما و متعديا، و الفاعل" راع" كقاض. و" رعيت النجوم" رغبتها. و" راعيت الأمر" نظرت في عاقبته. و" راعيته" لاحظته. و" أرعيت عليه" إذا أبقيت عليه و رحمته. و" رعا يرعو" أي كف عن الأمر. و" قد ارعوى عن القبيح" ارتدع، و الاسم" الرعيا"، بالضم، و" الرعوى" بالفتح. و" يرعوي عنه" يكف. و‌

مِنْهُ

:" شَرِّ النَّاسِ مَنْ يَقْرَأُ كِتَابِ اللَّهِ لَا

يَرْعَوِيَ

إِلَى شَيْ‌ءٍ مِنْهُ"

أي لا ينكف و لا ينزجر و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" ثَلَاثَةَ مِنْ كُنَّ فِيهِ

____________

(1). من زيارة الجامعة الكبيرة

192

فَلَا يُرْجَى خَيْرُهُ" وَ عَدَّ مِنْهُنَّ مَنْ لَا

يَرْعَوِ

عِنْدَ الشَّيْبِ

، أي من لم ينكف و يندم. و" الارعواء" الندم على الشي‌ء و تركه.

(رغا)

فِي الْحَدِيثَ

:"

رَغْوَةُ

السِّدْرِ"

(1)

و المراد زبده الذي يعلوه عند ضربه في الماء، من" الرغوة" بفتح الراء و ضمها و حكي الكسر: زبد يعلو الشي‌ء عند غليانه، و جمع المفتوح" رغوات" مثل شهوة و شهوات، و جمع المضموم" رغى" مثل مدية و مدى. و" الرغاء" كغراب صوت ذوات الخف. و" قد رغا البعير يرغو رغاء" ضج، و" رغت الناقة" صوتت، فهي راغية.

(رفا)

فِي الْحَدِيثِ

:" نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَنْ

الإرفاء

"

و هي كما جاءت به الرواية: كثرة التدهن (2). و" الرفاء" ككتاب: الالتئام و الإنفاق و البركة و النماء، و منه‌

حَدِيثٍ خَدِيجَةَ عِنْدَ مَا وصاها رَسُولُ اللَّهِ (ص)

حَيْثُ قَالَتْ:" بِالرِّفَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ

(3)

" وَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ" بِالْوَفَاءِ"

و معناه واضح. و‌

فِي الْخَبَرَ

نَهَى أَنْ يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّجِ:" بِالرِّفَاءِ وَ الْبَنِينَ"

قيل: و إنما نهى عنه كراهية لأنه كان من عادات الجاهلية يرفئون بعض المتزوجين، و ربما كان في قولهم:" و البنين" تنفير عن البنات، و كان ذلك الباعث على وأدهم المفضي إلى انقطاع النسل، فلذلك نهوا عن ذلك و بدلوا سنة إسلامية. و يقال:" بين القوم رفاء" أي التحام و اتفاق. و" رفوت الثوب رفوا" من باب قتل، و" رفيت رفيا" من باب رمى‌

____________

(1) في الكافي ج 3 ص 141 في حديث غسل الميت:" و اعمد إلى السدر ... و اضربه بيدك حتى ترتفع رغوته و اعزل الرغوة في شي‌ء ... ثم اغسل رأسه بالرغوة".

(2). لم نجد" الإرفاء" بهذا المعنى، بل هو الإرفاه بالهاء كما في المعاجم و سيذكره المؤلف نفسه في" رفه" أيضا.

(3). من لا يحضره الفقيه 1/ 84.

193

لغة: أصلحت ما وأى منه، و يقال:" رفأت الثوب أرفؤه رفاء" بالهمز. و" رفوت الرجل" سكنته من الرعب.

(رقا)

قوله تعالى: وَ قِيلَ مَنْ رٰاقٍ [75/ 27] أي صاحب رقية، أي هل طبيب يرقي، و قيل: معنى مَنْ رٰاقٍ من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وَ فِي الْحَدِيثَ

سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ:

وَ قِيلَ مَنْ رٰاقٍ وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِرٰاقُ

قَالَ:" ذَلِكَ ابْنُ آدَمَ إِذَا حَلَّ بِهِ الْمَوْتُ قَالَ: هَلْ مِنْ طَبِيبٍ؟

وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِرٰاقُ

أَيْقَنَ بِمُفَارَقَةِ الْأَحِبَّةِ

وَ الْتَفَّتِ السّٰاقُ بِالسّٰاقِ

الْتَفَتَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ،

إِلىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسٰاقُ

قَالَ: الْمَصِيرُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ"

(1)

.

قوله تعالى: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبٰابِ [38/ 10] أي في معارج السماء و طرقها التي يتوصل بها إلى العرش و يدبر بها أمر العالم. قوله تعالى: تَرْقىٰ فِي السَّمٰاءِ [17/ 93] أي معارج السماء فحذف المضاف. قوله تعالى: وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [17/ 93] أي لأجل رقيك، و الكل بمعنى الصعود. و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" يُقَالُ لقارى‌ء الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَ

ارْقَ

"

أي ارق درجات الجنان. و‌

" بِسْمِ اللَّهِ

أَرْقِيكَ

يَا مُحَمَّدُ

(2)

"

أي أعوذك. و" الرقية"- كمدية-: العوذة التي ترقي بها صاحب الآفة، كالحمى و الصرع و غير ذلك من الآفات.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ هَبْ لِي رُقَيَّةَ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ".

و" رقيته"- من باب رمى-: عوذته بالله، و الاسم" الرقيا" على فعلى.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" رَقَى النَّبِيُّ (ص)

____________

(1). البرهان ج 4 ص 408.

(2). مكارم الأخلاق ص 478.

194

حَسَناً وَ حُسَيْناً بِكَذَا".

و" رقية" (1) بنت رسول الله (ص) قيل: تزوجها عثمان، و قيل إنها ربيبته و هو الأصح (2). و" رقيت في السلم" من باب تعب" رقيا و رقيا" على فعول: صعدت، و" ارتقيت" مثله. و" رقيت السطح و الجبل" علوته. و" رقي إلي" رفع. و" المرقاة" بالفتح: الدرجة، فمن كسرها شبهها بالآلة التي يعمل بها. و" المرتقى" موضع الرقى كالمرقاة.

رقأ

و" رقأ الدمع و الدم" من باب نفع" رقوءا"- على فعول-: انقطع بعد جريانه، و" الرقوء" على فعول اسم منه. و" ما لا يرقأ من الدم" ما لا ينقطع منه. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" لَا تَسُبُّوا الْإِبِلَ فَإِنَّهَا

رَقُوءُ

الدَّمُ"

على فعول بالفتح، أي إنها تعطى في الديات فيحقن بها الدماء.

(ركا)

في الحديث تكرر ذكر" الركوة" بالفتح، و هي دلو صغير من جلد، و كثيرا ما يستصحبه الصوفية، و الجمع" ركاء" مثل كلب و كلاب، و قال في المصباح: و يجوز" ركوات" مثل شهوة و شهوات. و" الركوة" بالضم: زق يتخذ للخمر‌

____________

(1). يذكر رقية في" خدج" أيضا، و يذكر في" ورق" رقية أم لوط- ز.

(2). زوجها النبي (ص) عتبة بن أبي لهب، و لما بعث (ص) و أنزل الله تعالى عليه: تبّت يدا أبي لهب و تبّ قال أبو لهب لابنه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنة محمد، ففارقها و لم يكن دخل بها، فتزوجها بعد إسلامها عثمان بن عفان و هاجرت معه إلى أرض الحبشة الهجريتين و توفيت في السنة الثانية من الهجرة. أعيان الشيعة ج 32 ص 132.

195

و الخل- قاله في القاموس. و" الركو المخمر" أي المغطى قد يفسر بالركوة المعروفة. و" الركو" أيضا: الحوض الكبير. و" الركية" بالفتح و تشديد الياء: البئر، و الجمع" ركايا" كعطية و عطايا. و في الصحاح: و جمعها" ركي" و" ركايا". و منه‌

الْحَدِيثَ

:" إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الرَّكِيِّ كُرّاً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ‌ءٌ"

(1)

.

(رما)

قوله تعالى: وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ [8/ 17]

قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ

: إِنْ جَبْرَئِيلُ قَالَ لِلنَّبِيِّ (ص) يَوْمَ بَدْرٍ: خُذْ قَبْضَةً مِنْ حَصَى الْوَادِي، فَنَاوَلَهُ كَفّاً مِنْ حَصْبَاءَ عَلَيْهِ تُرَابٍ فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ وَ قَالَ شَاهَتِ الْوُجُوهِ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنِهِ وَ فَمِهِ وَ مَنْخِرِهِ مِنْهَا شَيْ‌ءٌ، ثُمَّ ردفهم الْمُؤْمِنُونَ يقتلونهم وَ يأسرونهم، وَ كَانَتْ تِلْكَ الرَّمِيَّةِ سَبَبُ هَزِيمَةٍ الْقَوْمِ

(2)

.

و في الحديث: ذكر الرماية- بالكسر- (3) و هي عقد شرعي لفائدة التمرن على مباشرة النصال و الاستعداد لممارسة القتال (4). و فيه:" الرمية" و هي بالفتح فعيلة بمعنى مفعول، و هي الصيد المرمى من ذكر كان أو أنثى، و الجمع" رميات" و" رمايا" كعطية و عطيات و عطايا.

وَ فِي حَدِيثٍ الْخَوَارِجِ

:" يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"

(5)

و مجيئها بالهاء لصيرورتها في عداد الأسماء. يريد أن دخولهم في الدين ثم خروجهم منه و لم يتمسكوا بشي‌ء منه كسهم دخل في صيد‌

____________

(1). الكافي ج 3 ص 2.

(2). البرهان ج 2 ص 70 باختلاف.

(3). انظر أحاديث الرماية في الكافي ج 5 ص 49.

(4). يذكر في" بدر" شيئا في الرماية- ز.

(5). بحار الأنوار ج 8 ص 596، و الإرشاد للمفيد ص 68.

196

ثم خرج و لم يعلق به منه شي‌ء من الدم و الفرث لسرعة نفوذه. و‌

فِيهِ

:" لَيْسَ وَرَاءِ اللَّهِ

مرمى

"

أي مقصد ترمى إليه الآمال و يوجه نحوه الرجاء، تشبيها بالهدف التي ترمى إليه السهام.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" لَوْ أَنَّ أَحَدُهُمْ دُعِيَ إِلَى مرماتين لأجاب وَ هُوَ لَا يُجِيبُ لِلصَّلَاةِ"

المرماة بكسر الميم و ضمها: ظلف الشاة، و قيل ما بين ظلفيها، و قيل بالكسر: السهم الصغير، و هو أرذل السهام، أي لو دعي أن يعطى سهمين لأسرع الإجابة. و قيل: هي لعبة كانوا يلعبون بها بنصال محدودة يرمونها في كوم التراب فأيهم أثبتها في الكومة غلب. و" رميت الشي‌ء من يدي" ألقيته. و" رميت السهم و تراميت و راميت" إذا رميت به عن القسي. و" رميت على الخمسين" زدت. و" طعنه فأرماه عن فرسه" أي ألقاه عنها. و" ترامى به الأمر إلى كذا" أي رمته الأقدار إليه. و" رماني القوم بأبصارهم" أي نظروا إلي نظر الزجر. و" أرميا" هو الذي بعثه الله إلى بيت المقدس، فكفروا به، فسلط الله عليهم بخت نصر فخرج إلى مصر ثم رجع إلى بيت المقدس (1).

(رنا)

" رنا إليه يرنو رنوا" من باب علا: أدام النظر، و يقال:" رجل رناء" للذي يديم النظر إلى السماء. و" جاء يرنا في مشيته" يتثاقل. و" الرناء" بالضم و المد: الصوت- قاله الجوهري.

(روا)

يوم التروية هو يوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون من الماء لما بعد- قاله الجوهري.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" لِمَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ

____________

(1). يذكر أرميا أيضا في" خضر" و" مرر" و" قرأ"- ز.

197

قَالَ جَبْرَئِيلُ لِإِبْرَاهِيمَ (ع) تَرَوَّ مِنَ الْمَاءِ"

فسميت التروية. و" ارتأى" فكر، و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" فطفقت

أرتئي

"

أي فجعلت أفكر في أمري.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" مَنْ عَمِلَ بِالرَّأْيِ وَ الْمَقَايِيسِ قَدْ ارْتَوَى مِنْ أجن"

هو افتعل من" روي من الماء ريا"، و" الأجن" الماء المتغير، و هذا عندهم من المجاز المرشح، و قد شبه علمه بالماء الأجن لأنه لا ينتفع به. قال في المغرب- نقلا عنه-: و مثله‌

" قَدْ ارْتَوَى مِنْ أجن وَ أَكْثِرْ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ" وَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ" وَ أَكْثَرَ"

و المعنى واضح. و" الري" بالراء المهملة و الياء المشددة: اسم قعب كان للنبي (ص). و" الري" بالفتح: اسم بلد من بلاد العجم، و النسبة إليه" رازي" بالزاي على غير القياس- قاله في المصباح و غيره (1). و" الري"- بالكسر من" روي من الماء يروى ريا" و الجمع في المذكر و المؤنث" رواء" مثل كتاب و منه‌

حَدِيثٍ الِاسْتِسْقَاءِ

:" رِيّاً بَعْضِ بِالرَّيِّ رَبَابُهُ"

و رباب النبت. و" الريان" أحد رواة الحديث (2).

____________

(1). في بعض التواريخ: أول من بنى مدينة الري هو الملك كيخسرو ابن سياوش، و عمرها ثانيا المهدي العباسي في خلافة المنصور لما قدم إليها و جعل حولها خندقا و بنى فيها مسجدا جامعا، و تم بناؤها سنة 158 ه‍، و يقال: إن الذي تولى مرمتها و إصلاحها هو ميسرة التغلبي أحد وجوه قواد المهدي، و فيها الآن بعض الآثار الباقية من تلك الأبنية- ملخصا من معجم البلدان (رى).

(2). يطلق هذا الاسم على اثنين من رواة الأحاديث: (أحدهما) الريان بن شبيب، و هو أخو ماردة أم المعتصم الخليفة العباسي، سكن قم و روى عنه أهلها، و له كتاب جمع فيه كلام الرضا (ع) و حديثه. و (ثانيهما) أبو علي الريان بن الصلت البغدادي الأشعري القمي، و هو من أصحاب الرضا (ع) و كان من خواص المأمون و صاحب أسراره، و كان المأمون يبعثه و الفضل بن سهل في حوائجه. انظر ترجمتهما في رجال النجاشي ص 125، أعيان الشيعة ج 32 ص 148- 153، تنقيح المقال ج 1 ص 435.

198

و" الريان" ضد العطشان، و" المرأة ريا". و" روأت في الأمر تروئة" إذا نظرت فيه و لم تعجل بجواب، و الاسم" الروية" جرت في كلامهم غير مهموزة. و" الروية" الحاجة. و" الروية" البقية من الدين. و" الرواء" بالكسر و المد: حبل يشد به المتاع على البعير. و رويت من الماء- بالكسر- أروى ريا و ريا- أيضا و روي- وزان رضي- و ارتويت و ترويت كله بمعنى. و" عين رية" كثيرة الماء. و" ماء رواء" بالفتح و المد، أي عذب، و إذا كسرت الراء قصرته و كتبته بالياء. و" رجل راوية للشعر" للمبالغة. و" الروي" حروف القافية (1). و" الروي" أيضا سحابة عظيمة القطر شديدة الوقع و الروايا من الإبل: الحوامل للماء جمع" راوية" فشبهها بها، و منه سميت" المزادة" راوية و قيل بالعكس (2).

وَ فِي حَدِيثٍ بَدْرٍ

:" فَإِذَا هُوَ

بروايا

____________

(1). يذكر في" قوا" شيئا في الرّويّ المصطلح في الشّعر- ز.

(2). في هذه العبارة قصور و هي في النّهاية (روى) هكذا: إنّه (ع) سمّى السّحاب" روايا البلاد" الرّوايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها راوية فشبهها بها، و منه سمّيت المزادة راوية.

199

قُرَيْشٍ"

أي إبلهم للماء. و في المصباح:" روى البعير الماء" من باب رمى: حمله، فهو رواية، ثم أطلقت على كل دابة يستقى الماء عليها، و منه قيل:" رويت الحديث رواية" و" رويته الحديث تروية" حملته على روايته. و" الرواية" في الاصطلاح العلمي: الخبر المنتهي بطريق النقل من ناقل إلى ناقل حتى ينتهي إلى المنقول عنه من النبي أو الإمام، على مراتبه من المتواتر و المستفيض، و خبر الواحد على مراتبه أيضا (1).

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْجُهَّالِ يَحْزُنُهُمْ تَرَكَ

الرِّوَايَةِ

"

أي ترك رواية العلم، إذ لا عذر للجاهل عن التعلم. و" الراية" العلم الكبير (2) و اللواء دون ذلك، و الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب و يقاتل عليها و إليها تميل المقاتلة، و اللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار. و في الحديث ذكر الراية، و هي القلادة التي توضع في عنق الغلام الآبق ليعلم أنه أبق. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَتَخَوَّفُ إِبَاقَ مَمْلُوكِهِ أَوْ يَكُونُ الْمَمْلُوكُ قَدْ أَبَقَ، قَالَ:" يُقَيِّدُهُ أَوْ يَجْعَلُ فِي رَقَبَتِهِ رَايَةً".

و منه يعلم أن‌

قَوْلِهِ

:" أَوْ يَجْعَلُ فِي رَقَبَتِهِ دَابَّةً"

بالدال المهملة و الباء الموحدة تصحيف و إن تكثرت نسخه. و" ابن أروى" عثمان بن عفان، و" أروى" أمه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَانَ النَّبِيُّ (ص) يُكْرِمَ فِي الْأَذَانِ أَوْ يُكَرِّرُ وَ أَوَّلُ مِنْ حَذَفَهُ

____________

(1). يذكر في" صحب" عدّة الرّواة عند وفاة النّبيّ (ص)، و يذكر في" فرع" حديثا في الرّواية، و في" نزل" شيئا في الروات- ز.

(2). يذكر في" عقّب" راية للنّبيّ (ص)- ز.

200

ابْنِ أَرْوَى"

(1)

.

(رها)

قوله تعالى: وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً [44/ 24] أي ساكنا كهيئته، و قيل: منفرجا، و قيل: واسعا، و قيل: دمثا، و هو السهل الذي ليس برمل، و قيل: طريقا يابسا. ف‍ رَهْواً حال من البحر، أي دعه كذا. و من كلام الجوهري:" رها بين رجليه يرهو رهوا" فتح، و منه قوله تعالى: وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً قال: و" الرهو" السير السهل، و" الرهوة" المكان المرتفع و المنخفض أيضا يجتمع فيه الماء، و الجمع" رهوات" بالتحريك. و" الرهو" ضرب من الطير يقال له:" الكركي". و" رهاء" بالضم: حي من مذحج، و النسبة إليهم" رهاوي".

باب ما أوله الزاي

(زآ)

" تزأزأت من الرجل تزأزؤ شديدا" إذا تصاغرت له و خفت منه- قاله الجوهري.

____________

(1) في من لا يحضر ج 1 ص 195:" كان النبي (ص) يكرر في الأذان فأول من حذفه ابن أروى".

201

(زبا)

" الزبية" مثل مدية: حفرة تحفر للأسد و الصيد يغطى رأسها بما يسترها ليقع فيها، و إنما تحفر في مكان عال لئلا يبلغ السيل، و الجمع" زبى" مثل مدى، و منه المثل" قد بلغ السيل الزبي" (1).

وَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ (2) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ

:" قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي أَرْبَعَةِ نَفَرٍ اطَّلَعُوا فِي زُبْيَةِ الْأَسَدِ فَخَرَّ أَحَدُهُمْ فَاسْتَمْسَكَ بِالثَّانِي فَاسْتَمْسَكَ الثَّانِي بِالثَّالِثِ وَ اسْتَمْسَكَ الثَّالِثُ بِالرَّابِعِ، فَقَضَى بِالْأَوَّلِ فَرِيسَةَ الْأَسَدِ وَ غَرَّمَ أَهْلَهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِأَهْلِ الثَّانِي، وَ غَرَّمَ الثَّانِيَ لِأَهْلِ الثَّالِثِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَ غَرَّمَ الثَّالِثَ لِأَهْلِ الرَّابِعِ الدِّيَةَ كَامِلَةً

(3)

.

و به عمل أكثر فقهائنا، و يتوجه عليه أنه مخالف للأصول و وجه بتوجيهين: (أحدهما) أن الأول لم يقتله أحد و الثاني قتله الأول و قتل هو الثالث و الرابع، فسقطت الدية أثلاثا فاستحق كل واحد منهم بحسب ما جني عليه، فالثاني قتله واحد و هو قتل اثنين فلذلك استحق الثلث، و الثالث قتله اثنان و قتل هو واحدا فاستحق لذلك ثلثين، و الرابع قتله ثلاثة فاستحق الدية كاملة. (الثاني) أن دية الرابع إنما هي على الثلاثة بالسوية لاشتراكهم جميعا في سببية قتله، و إنما نسبها إلى الثالث لأن الثاني استحق على الأول ثلث الدية فيضيف إليه ثلثا آخر‌

____________

(1). في لسان العرب (زبى): و كتب عثمان إلى علي رضي الله عنه لما حوصر:" أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى و جاوز .... و في معاني الأخبار ص 358:" فقد جاوز الماء الزبى ...".

(2). هو أبو عبد الله محمد بن قيس البجلي الكوفي، كان من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)، و له كتاب القضايا. رجال النجاشي ص 247.

(3). التهذيب ج 2 ص 456.

202

و يدفعه إلى الثالث فيضيف إلى ذلك ثلثا آخر و يدفعه إلى الرابع. و ردهما بعض المحققين بأن الأول تعليل بموضع النزاع إذ لا يلزم من قتله لغيره سقوط شي‌ء من ديته عن قاتله، و بأن الثاني مع مخالفته للظاهر لا يتم في الأخيرين لاستلزام كون دية الثالث على الأولين و دية الثاني على الأول إذ لا مدخل لقتله بعده في إسقاط حقه- كما مر. قال: إلا أن يفرض كون الواقع عليه سببا في افتراس الأسد له فيقرب إلا أنه خلاف الظاهر- انتهى. و هو كما قال.

وَ رُوِيَ

أَنَّ عَلِيّاً (ع) قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبُعِ الدِّيَةِ وَ لِلثَّانِي بِالثُّلُثِ، وَ لِلثَّالِثِ بِالنِّصْفِ وَ لِلرَّابِعِ بِالدِّيَةِ تَمَاماً

(1)

.

و وجهت بكون البئر حفرت عدوانا و الافتراس مستند إلى الازدحام المانع من التخلص، فالأول مات بسبب الوقوع في البئر و وقوع الثلاثة فوقه إلا أنه بسببه و هو ثلاثة أرباع السبب فيبقى الربع على الحافر، و الثاني مات بسبب جذب الأول و هو ثلث السبب و وقوع الباقين فوقه و هو ثلثاه و وقوعهما عليه من فعله فيبقى له نصف، و الرابع موته بسبب جذب الثالث فله كمال الدية. و يرد عليه- مع ما فيه من التكلف- أن الجناية إما عمد أو شبهه و كلاهما يمنع تعلق العاقلة به، على أن في الرواية" فازدحم الناس عليها ينظرون إلى الأسد" و ذلك ينافي ضمان حافر البئر. هذا، و قد ذهب بعض علمائنا إلى ضمان كل واحد دية من أمسكه أجمع، لاستقلاله بإتلافه. و للبحث فيه مجال.

(زجا)

قوله تعالى: وَ جِئْنٰا بِبِضٰاعَةٍ مُزْجٰاةٍ [12/ 88] أي يسيرة قليلة، من قولك:" فلان يزجي العيش" أي يقتنع بالقليل و يكتفي به. قوله تعالى: يُزْجِي سَحٰاباً [24/ 43] أي يسوق.

____________

(1). التهذيب ج 2 ص 456.

203

قوله تعالى: يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ [17/ 66] أي يسير لكم الفلك و يجريه في البحر.

(زرا)

قوله تعالى: تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ من" ازدراه" و" ازدرى به" إذا احتقره. و" الازدراء" افتعال من" زرى عليه" إذا عاب عليه فعله، و المعنى: استرذلتموهم لفقرهم.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

تزدروا

نِعْمَةٍ اللَّهِ"

أي لا تحتقروها، من" الازدراء" الاحتقار و العيب، يقال:" ازدريته" إذا عبته و احتقرته، و أصل" ازدريت" ازتريت فهو افتعلت قلبت التاء دالا لأجل الزأي. و" زرى عليه زريا" من باب رمى و" زراية" بالكسر: عابه و استهزأ به.

(زكا)

قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا [91/ 9] الضمير للنفس، و" التزكية" التطهير من الأخلاق الذميمة الناشئة من شر البطن و الكلام و الغضب و الحسد و البخل و حب الجاه و حب الدنيا و الكبر و العجب، و لكل هذه المذكورات علاج في المطولات. و في الغريب: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا أي ظفر من طهر نفسه بالعمل الصالح. قوله تعالى: مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ [24/ 21] أي ما طهر. قوله تعالى: وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ [19/ 31] أي الطهارة، و قيل: زكاة الرءوس لأن كل الناس ليس لهم أموال و إنما الفطرة على الفقير و الغني و الصغير و الكبير. قوله تعالى: وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا [9/ 103] أي تطهرهم بها. قوله تعالى: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً [18/ 74] أي طاهرة لم تجن ما يوجب قتلها، و قرى‌ء زَكِيَّةً و زاكية فالزاكية: نفس لم تذنب قط، و الزكية: أذنبت ثم غفر لها. قوله تعالى: ذٰلِكُمْ أَزْكىٰ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ

204

[2/ 232] أي أنمى لكم و أعظم بركة، و إلا لكان تأكيدا و التأسيس خير منه. قوله تعالى: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [4/ 49] أي يمدحونها و يزعمون أنهم أزكياء، يقال:" زكى نفسه" أي مدحها و أثنى عليها. قوله تعالى: فَلٰا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [53/ 32] أي لا تعظموها و لا تمدحوها بما ليس لها فإني أعلم بها.

وَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ (1) قَالَ

: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

فَلٰا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقىٰ

؟ قَالَ:" هُوَ قَوْلِ الْإِنْسَانِ: صَلَّيْتُ الْبَارِحَةَ وَ صُمْتُ أَمْسِ وَ نَحْوَ هَذَا" ثُمَّ قَالَ (ع):" إِنَّ قَوْماً كَانُوا يُصْبِحُونَ فَيَقُولُونَ: صَلَّيْنَا الْبَارِحَةَ وَ صُمْنَا أَمْسِ فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): لَكِنِّي أَنَامُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارِ وَ لَوْ أَجِدُ شَيْئاً بَيْنَهُمَا لَنِمْتُهُ"

(2)

.

قوله تعالى: وَ مٰا عَلَيْكَ أَلّٰا يَزَّكّٰى [80/ 7] أي أن لا يسلم فيتطهر من الشرك. قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى. وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى [87/ 14- 15] قيل: تَزَكّٰى أي أدى زكاة الفطرة فَصَلّٰى صلاة العيد، و به جاءت الرواية عنهم- (ع) (3). قوله تعالى: أَزْكىٰ طَعٰاماً

____________

(1). هو أبو محمد جميل بن دراج وجه الطائفة ثقة، روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن (ع). رجال النجاشي ص 98.

(2). البرهان ج 4 ص 254.

(3). تفسير علي بن إبراهيم ص 721، و في الدر المنثور ج 6 ص 340: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قد أفلح من تزكّى قال: أعطى صدقة الفطرة قبل أن يخرج إلى العيد و ذكر اسم ربّه فصلّى قال: خرج إلى العيد فصلى.

205

[18/ 19] أي أطيب و أحل. قوله تعالى: غُلٰاماً زَكِيًّا [19/ 19] أي طاهرا من الذنوب، و قيل: تاما في أفعال الخير. و قد تكرر ذكر" الزكاة" في الكتاب و السنة، و هي إما مصدر" زكى" إذا نمى لأنها تستجلب البركة في المال و تنميه و تفيد النفس فضيلة الكرم، و إما مصدر" زكا" إذا طهر لأنها تطهر المال من الخبث و النفس البخيلة من البخل. و في الشرع: صدقة مقدرة بأصل الشرع ابتداء ثبت في المال أو في الذمة للطهارة لهما، فزكاة المال طهر للمال و زكاة الفطرة طهر للأبدان (1).

____________

(1). ذكر في" ثفا" و" حما" حديثا في الزكاة، و يذكر في" سنا" و" عرا" و" قفا" و" مشى" و" ولا" و" جلب" و" ربب" و" غرب" و" قضب" و" ثيب" و" بيت" و" مرح" و" روح" شيئا فيها، و يذكر في" مسخ" و" مسح" و" ذود" زكاة الإبل، و يذكر في" رصد" السؤال عنها، و في" تبر" زكاة الذهب، و في" جفر" زكاة النخيل، و في" جهر" زكاة الجوهر، و في" خضر" زكاة الخضروات و في" عفر" و" عور" زكاة النخل، و في" فطر" قسمتها، و في" قرر" مانعها، و في" كسر" زكاة الكسور، و في" نفر" زكاة الذهب و الفضة، و في" أزز" و" جبس" و" حوش" مانع الزكاة، و في" قلص" زكاة الناقة، و في" وقص" شيئا منها، و في" فرض" و" فضض" و" دفع" و" وقع" و" وضع" حديثا فيها، و يذكر في" ظلف" زكاة ذوات الظلف، و في" رقق" زكاة الرقيق، و في" شنق" و" صدق" شيئا فيها، و في" طوق" مانع الزكاة، و في" ورق" زكاة الدرهم، و في" وشق" زكاة الحنطة و الشعير، و في" سبك" و" فرسك" و" حرك" زكاة الذهب، و في" سبل" مصرفها، و في" عمل" زكاة العوامل، و في" مول" و" دعم" شيئا فيها، و في" سوم" و" غرم" زكاة الغنم، و في" ألف" و" همم" و" غرم" مصرفها، و في" ندم" منعها، و في" لعن" و" معن" زكاة الجسد، و ذكر في" اتى" و" حلي" زكاة الحلي، و في" دلا" ما سقيت الدوالي، و في" روى" مصرف الزكاة، و يذكر في" سما" حديثا في منعها، و في" قيا" زكاة الشاة- ز.

206

قوله تعالى: فَأَرَدْنٰا أَنْ يُبْدِلَهُمٰا رَبُّهُمٰا خَيْراً مِنْهُ زَكٰاةً [18/ 81] أي إسلاما، و قيل صلاحا وَ أَقْرَبَ رُحْماً أي رحمة لوالديه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" أبدلهما اللَّهِ تَعَالَى ابْنَةَ فَوُلِدَ مِنْهَا سَبْعُونَ نَبِيّاً"

(1)

.

و" زكى عمله" أي طهره و وقره. و" زكا الزرع يزكو" من باب قعد" زكاء" بالمد: إذا نما. و" صلاة زاكية" تامة مباركة. و‌

"

زَكَاةٌ

الْأَرْضِ يبسها"

(2)

أي طهارتها من النجاسة كالبول، بأن يجف و يذهب أثره و" زكاة الوضوء أن تقول كذا" أي بركته و فضله. و" هذا الأمر لا يزكو بفلان" أي لا يليق به. و" النفس الزكية" محمد بن عبد الله بن الحسن، و سيأتي ذكره. و" الزكي" عند الإطلاق هو الحسن بن علي (ع).

(زنا)

قوله تعالى: وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ [17/ 32] هو بالقصر و المد: وطء المرأة حراما من دون عقد، و عند فقهائنا هو إيلاج فرج البالغ العاقل في فرج امرأة‌

____________

(1). البرهان ج 2 ص 478.

(2). مضى في ص 159 بلفظ ذكاة بدل زكاة.

207

محرمة من غير عقد و لا ملك و لا شبهة قدر الحشفة عالما مختارا. و" الزَّانِي" فاعل الزنا، و الجمع" الزناة" كالقضاة. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

يَزْنِي

الزَّانِي [حِينَ يَزْنِي] وَ هُوَ مُؤْمِنٌ"

(1)

و في معناه وجوه: أحدها- أن يحمل على نفي الفضيلة عنه حيث اتصف منها بما لا يشبه أوصاف المؤمنين و لا يليق بهم. و ثانيها- أن يقال: لفظه خبر و معناه نهي، و‌

قَدْ رُوِيَ

" لَا

يَزِنَ

"

على صيغة النهي بحذف الياء. الثالث- أن يقال: و هو مؤمن من عذاب الله، أي ذو أمن من عذابه. الرابع- أن يقال: و هو مصدق بما جاء فيه من النهي و الوعيد. الخامس- أن يصرف إلى المستحل. و فيه توجيه آخر هو أنه وعيد يقصد به الردع، كما في‌

قَوْلِهِ

:" لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ"

و‌

" الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَ لِسَانِهِ".

و قيل في معناه أيضا: هو أن الهوى ليطفي الإيمان، فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه و لا ينظر إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة، فكأن الإيمان في تلك الحالة قد انعدم، و فيه وجه آخر و هو الحمل على المقاربة و المشارفة، بمعنى أن الزاني حال حصوله في حالة مقاربة لحال الكفر مشارفة له، فأطلق عليه الاسم مجازا.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا زِنًا الرَّجُلِ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانِ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسَهُ كالظلة فَإِذَا أَقْلَعُ رَجَعَ إِلَيْهِ"

(2)

و لعل المراد روح الإيمان و كماله و نوره و لم يرد الحقيقة، و يجيى‌ء إن شاء الله تعالى مزيد كلام في هذا المقام في" روح".

____________

(1). من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 14.

(2) في من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 14: إذا زنا الزاني خرج منه روح الإيمان فإن استغفر عاد إليه.

208

وَ فِي الْخَبَرَ

نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَ هُوَ

زَنَّاءً

- بالفتح و المد كجبان- أي حاقن بوله، و" الزَّنَاء" في الأصل الضيق ثم أستعير للحاقن لأنه يضيق ببوله.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا تُقْبَلُ صَلَاةِ

زانئ

"

و هو الحاقن أيضا.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" دِرْهَمٍ فِي رِبًا أَشَدُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَبْعِينَ

زَنْيَةً

"

(1)

- بالفتح- و هو المرة من الزنا، و أجاز البعض الكسر. و" الزنية" بالفتح و الكسر: آخر ولد الرجل. و يقال للولد من الزنا:" و هو لزنية"، و قيل: الفتح في الزنية و الرشدة أفصح، و ولد الرشدة ما كان عن نكاح صحيح.

(زوا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ الْمَسْجِدِ

لِيَزْوِيَ

مِنْ النُّخَامَةِ كَمَا يَزْوِي الْجَلْدَةِ مِنَ النَّارِ"

أي ينضم و ينقبض، و قيل: المراد أهل المسجد و هم الملائكة.

وَ فِي حَدِيثٍ الْمُؤْمِنِ

:" وَ إِنِّي لأبتليه لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ

أَزْوِي

عَنْهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ"

أي أضم و أقبض. و مثله:

" مَا

زَوَى

اللَّهِ عَنِ الْمُؤْمِنِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا خَيْرٌ مِمَّا عَجَّلَ لَهُ فِيهَا"

أي ضم و قبض، أو ما نحى من الخير و الفضل، و تصديق ذلك‌

أَنْ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا تَنَافَسُوا فِي دُنْيَاهُمْ فَنَكَحُوا النِّسَاءَ وَ لَبِسُوا الثِّيَابَ اللَّيِّنَةَ وَ أَكَلُوا الطَّعَامَ وَ سَكَنُوا الدُّورَ وَ رَكِبُوا الْمَشْهُورَ مِنَ الدَّوَابِّ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: وَ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْكُمْ مِثْلُ مَا أَعْطَيْتُ أَهْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَى أَنِ انْقَضَتْ سَبْعُونَ ضِعْفاً.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ مَا

زَوَيْتَ

عَنِّي مَا أَحَبَّ اجْعَلْهُ فَرَاغاً لِي فِيمَا تُحِبُّ"

يعني اجعل ما نحيته عني من محابي عونا على شغلي بمحابك، و ذلك لأن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عنه الدنيا ليتفرغ‌

____________

(1) في الكافي ج 5 ص 144: درهم ربا أشد من سبعين زنية.