مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
209

بمحاب ربه كان ذلك الفراغ عونا على الاشتغال بطاعة الله تعالى.

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص)

:" إِنَّ اللَّهِ

زَوَى

لِي الْأَرْضِ فَرَأَيْتُ مَشَارِقِهَا وَ مَغَارِبِهَا"

أي جعلها لي، من" زويته أزويه زويا" يريد تقريب البعيد منها حتى يطلع عليه اطلاعه على القريب منها. و مثله‌

" أَعْطَانِي رَبِّي اثْنَتَيْنِ وَ

زَوَى

عَنِّي وَاحِدَةً"

أي ضم و قبض.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ

ازو

لَنَا الْبَعِيدِ"

أي اجمعه و اطوه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ

يَزْوِي

الْإِمَامَةِ عَنْ الَّذِي يَكُونُ مِنْ بَعْدَهُ

(1)

"

أي يقبضها عنه. و" زويته أزويه" أخفيته. و" زويت المال عن صاحبه" مثله. و" زاوية البيت" اسم فاعل من ذلك، لأنها جمعت قطرا منه، و الجمع" زوايا".

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" صَلِّ فِي

زَوَايَا

الْبَيْتِ"

يريد الكعبة المشرفة، و بالصلاة فيها صلاة النافلة دون المكتوبة، لورود النهي عن ذلك. و" الزي" بالكسر: الهيئة، و أصله" زوي". و منه قولهم:" زي المسلم مخالف لزي الكافر". قال في المصباح: و قولهم:" زييته بكذا" إذا جعلت له زيا، و القياس" زويته" لأنه من بنات الواو و لكنهم حملوه على لفظ" الزي" تخفيفا- انتهى. و" الزاي" حرف يمد و يقصر و لا يكتب إلا بياء بعد الألف- قاله الجوهري.

(زها)

في الحديث نهى عن بيع الثمار حتى تزهو (2) أي تصفر أو تحمر كما فسرته الرواية.

____________

(1). الكافي 1/ 278.

(2) في الكافي ج 6 ص 176 في حديث عن علي بن أبي حمزة:" و سألته عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر، فقال: لا حتى يزهو، قلت: و ماالزهو؟ قال: حتى يتلون".

210

قال بعضهم:" زها النخل يزهو" ظهرت ثمرته، و" أزهى يزهي" احمر و اصفر، و منهم من أنكر" يزهو" و منهم من أنكر" يزهي". و في الصحاح:" زها النخل زهوا" و" أزهى" أيضا لغة حكاه أبو زيد و لم يعرفها الأصمعي، قال: و" الزهو" البسر الملون، و أهل الحجاز يقولون:" الزهو" بالضم- انتهى. و عن بعضهم: إنما يسمى" زهوا" إذا أخلص لون البسر في الحمرة و الصفرة. و" الزهو" الكبر و الفخر، و منه‌

حَدِيثٍ الشِّيعَةِ

:" لَوْ لَا يَدْخُلُ النَّاسِ

زَهْوٌ

لَسَلَّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ قُبُلًا"

أي فخر و كبر و استعظام. و مثله:

" لَوْ لَا أَنْ يَتَعَاظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ أَوْ يَدْخُلَهُمْ زَهْوٌ لَسَلَّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ قُبُلًا".

و" الزهو" الباطل و الكذب. و" الزهو" المنظر الحسن. و" زهاء" في العدد وزان غراب، يقال:" لهم زهاء ألف" أي قدر ألف، كأنه من زهوت القوم إذا حزرتهم. قال بعض الأفاضل: إذا قلت: أوصيت له أو له علي زهاء ألف فمعناه مقدار الألف وفاقا لأهل اللغة و بعض النحاة. و قال بعض الفقهاء: إنه أكثر الشي‌ء حتى يستحق في مثالنا خمسمائة و حبة، و لا شاهد له. و" تزهو مناكبهم" تهتز من قولهم:" زهت الريح الشجر" إذا هزته.

211

باب ما أوله السين

السين المفردة

و هي حرف يختص بالمضارع و تخليصه للاستقبال و ينزل منه منزلة الجزء و لهذا لم يعمل فيه مع اختصاصه به، و ليس مقتطعا من سوف خلافا للكوفيين، و لا مدة الاستقبال معه أضيق منها مع سوف خلافا للبصريين، و زعم بعضهم أنها للاستمرار لا للاستقبال و استدل عليها بقوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ، سَيَقُولُ السُّفَهٰاءُ مِنَ النّٰاسِ مٰا وَلّٰاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ فجاءت السين إعلاما بالاستمرار لا بالاستقبال. قال ابن هشام: هذا الذي قاله لا يعرفه النحويون، ثم حكى عن الزمخشري أنه قال: فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن المفاجأة للمكروه أشد و العلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع- انتهى. و تسمى هذه السين حرف توسع، و ذلك لأنها تقلب المضارع من الزمن الضيق و هو الحال إلى الزمن الموسع و هو الاستقبال.

(سبا)

قوله تعالى: لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ [34/ 15]

قَالَ (ع)

:" إِنْ بَحْراً كَانَ مِنْ الْيَمَنِ وَ كَانَ سُلَيْمَانَ أَمَرَ جُنُودِهِ أَنْ يجروا لَهُمْ خليجا مِنْ الْبَحْرِ الْعَذْبِ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَ عَقَدُوا لَهُ عُقْدَةَ عَظِيمَةٌ مِنْ الصَّخْرِ [وَ الْكِلْسِ]

(1)

حَتَّى يُفِيضَ عَلَى بِلَادِهِمْ وَ جَعَلُوا للخليج

____________

(1). الكلس- بكسر الكاف و سكون اللّام-: الصّاروج يبنى به.

212

مَجَارِيَ فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُرْسِلُوا مِنْهُ الْمَاءِ أرسلوه بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَ كَانَتْ لَهُمْ

جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ

مِنْ مَسِيرَةِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فِيهَا ثَمَرٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ مِنْ التفافها، فَلَمَّا عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَ عَتَوْا عَنْ أَمَرَ رَبِّهِمْ وَ نَهَاهُمْ الصَّالِحُونَ فَلَمْ يَنْتَهُوا بَعَثَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ السَّدِّ الْجُرَذُ- وَ هِيَ الْفَأْرَةِ الْكَبِيرَةُ- فَكَانَتْ تقتلع الصَّخْرَةِ الَّتِي لَا يستقلها الرِّجَالِ وَ تَرْمِي بِهَا، فَلَمَّا رَأْيِ ذَلِكَ قَوْمٍ مِنْهُمْ هَرَبُوا وَ تَرَكُوا الْبِلَادِ، فَمَا زَالَ الْجُرَذُ يَقْلَعُ الْحَجَرِ حَتَّى خربوا ذَلِكَ السَّدِّ، فَلَمْ يشعروا حَتَّى غَشِيَهُمْ السَّيْلُ وَ خَرَّبَ بِلَادِهِمْ وَ قَلَعَ أشجارهم، وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ

أَيُّ الْعَظِيمِ الشَّدِيدُ

وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ

- الْآيَةِ

(1)

.

و قرى‌ء" سبأ" بالهمز منونا و غير منون على منع الصرف، و" سبا" بالألف، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرفه و من جعله اسما للحي أو للأب الأكبر صرفه. و" سبأ" أبو عرب اليمن كلها، و هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مأرب المسماة بمازن سبأ، و هي قرب اليمن بينها و بين صنعاء مسيرة ثلاث ليال. و يقال: إن سبأ مدينة بلقيس باليمن، و هي ملكة سبإ. و قولهم:" ذهبوا أيدي سبا" و" أيادي سبا" (2) مثل متفرقين، و هما اسمان جعلا واحدا كمعديكرب. و" سبا" قبيلة من أولاد سبأ بن يشجب المتقدم ذكره، و هذه القبيلة كانت بمازن و قصتهم في تفرقهم مشهورة‌

____________

(1). البرهان ج 3 ص 346.

(2). في مجمع الأمثال ج 1 ص 278:" ذهبوا أيدي سبا" و" تفرقوا أيدي سبا".

213

يضرب فيها المثل (1).

وَ فِي وَصَفَهُ (ع)

:" لَمْ يَسْتَحِلَّ

السَّبَّاءُ

"

هو بالكسر و المد: الخمر. و" السباء" أيضا- و القصر لغة- الاسم من" سبيت العدو سبيا" من باب رمى: أسرته. و" السبي" ما يسبى، و هو أخذ الناس عبيدا و إماء. و" السبية" المرأة المنهوبة، و الجمع" سبايا" كعطية و عطايا. و" سباه الله سبيا" إذا غربه و أبعده.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" تَسَعُهُ أَعْشَارِ الْبَرَكَةَ فِي التِّجَارَةِ وَ عَشَرَ فِي السَّبَايَا"

و فسر بالنتاج.

(سجا)

قوله تعالى: وَ اللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ [93/ 2] أي إذا سكن و استوت ظلمته، و منه: بحر ساج.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" لَا يواريك لَيْلٍ

سَاجٍ

"

أي لا يستر عنك، و" ساج" اسم فاعل من سجي بمعنى ركد و استقر، و المراد ليل راكد ظلامه مستقر قد بلغ غايته.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا مَاتَ لِأَحَدِكُمْ مَيِّتٌ

فَسَجُّوهُ

"

(2)

أي غطوه" تجاه القبلة" أي تلقاها. يقال:" سجيت الميت" بالتثقيل إذا غطيته بثوب و نحوه، و تسجية الميت: تغطيته. و في وصف الريح مع الماء" ترد أوله على آخره و ساجيه على ما تراه" أي ساكنه على متحركه. و" السجية" كعطية: الغريزة و الطبيعة التي جبل عليها الإنسان.

وَ فِي وَصَفَهُ (ع)

:" خَلْقِهِ

سَجِيَّةٌ

"

أي طبيعة من غير تكلف.

وَ مِثْلُهُ فِي وَصَفَهُمْ (ع)

:"

سَجِيَّتُكُمُ

____________

(1). في تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 105: و اسم سبأ عبد شمس فلمّا أكثروا الغزو و السّبي سمّي سبأ.

(2). الكافي ج 3 ص 127.

214

الْكَرَمِ"

(1)

.

(سحا)

فِي حَدِيثٍ خَيْبَرَ

:" فَخَرَجُوا فِي

مساحيهم

"

و هي جمع مسحاة من السحو: الكشف و الإزالة. قال الجوهري:" المسحاة" كالمجرفة إلا أنها من حديد.

وَ فِي حَدِيثٍ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى لِأَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع)

:" مَا أَعْرَفَنِي بِلِسَانِكَ وَ لَيْسَ لِمِسْحَاتِكَ عِنْدِي طِينِ"

هو مثل أو خارج مخرجه لكل من لم يسمع كلام غيره و لم يصغ لنصيحته (2). و" التمسيح" قول الحسن ممن يخدعك به- قاله في القاموس. و" السحاء" بالكسر و المد: شجرة صغيرة مثل الكف لها شوك و زهرة حمراء في بياض، تسمى زهرتها" البهرمة" إذا أكلته النحل طاب عسلها و حلا. و" السحا" الخفاش، الواحدة" سحاة" مفتوحتان مقصورتان- قاله الجوهري. و" سحيته أسحاه" إذا قشرته.

(سخا)

فِي الْحَدِيثِ

:" مِمَّا

سخى

بِنَفْسِي كَذَا"

أي مما أرضاني كذا. و" السخاء" بالمد: الجود و الكرم (3) قال في المصباح: و في الفعل ثلاث لغات:

____________

(1). من زيارة الجامعة الكبيرة.

(2). الوافي ج 2 ص 88. و يظهر من هذه الرواية أن العباس بن الإمام موسى بن جعفر القائل لهذا القول لم يكن شخصا موثوقا عند الرواة و لا تقبل شهادته عند القضاة لأن إبراهيم بن محمد يقول فيها: بصراحة نعرفك بالكذب صغيرا و كبيرا، و كان أبوك أعرف بك لو كان فيك خير و إن كان أبوك لعارفا بك في الظاهر و الباطن و ما كان ليأمنك على تمرتين. و قال له عمه إسحاق بن جعفر: إنك لسفيه ضعيف أحمق.

(3). يذكر في" يدا" و" سمح" و" شرد" حديثا في السخاء، و في" سم" و" كرم" شيئا فيه ز.

215

سخا و سخت نفسه من باب علا، و الثانية سخي يسخى من باب تعب، و الثالثة سخو يسخو من باب قرب سخاوة فهو سخي- انتهى.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً وَ أَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءٌ وَ تَذَمُّمٌ

(1)

"

قال بعض الشارحين:" السخاء" ملكة بذل المال لمستحقه بقدر ما ينبغي ابتداء، و" تذمم" الاستنكاف مما يقع من السائل. و‌

فِيهِ

:"

الْمُسَخِّيَةُ

رِيحٌ يَبْعَثُهَا اللَّهِ إِلَى الْمُؤْمِنِ تُسَخِّي نَفْسَهُ عَنِ الدُّنْيَا حَتَّى يَخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى"

كأنه من سخوت نفسي عن الشي‌ء: تركته. و" سخو الرجل" صار سخيا. و" فلان يتسخى على أصحابه" أي يتكلف السخاء. و" السخواء" الأرض السهلة الواسعة، و الجمع" السخاوي" مثل الصحاري- قاله الجوهري.

(سدا)

قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [75/ 36] أي مهملا غير مكلف لا يحاسب و لا يعذب و لا يسأل عن شي‌ء. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" وَ لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحِكَ سُدًى".

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ

أَسْدَى

إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ"

(2)

أي من أعطاكم معروفا فكافئوه. قال في النهاية: أسدى و أولى و أعطى بمعنى- انتهى. و" السدى" من الثوب كحصى، و" الستا" لغة فيه: خلاف اللحمة، و هو مما يمد طويلا في النسج، و" السداة" مثله، و هما" سديان" و الجمع" أسدية". و" السادي" السادس، وقع الإبدال من السين.

____________

(1). نهج البلاغة 3/ 164.

(2) في تحف العقول ص 49:" من أتى إليكم معروفا فكافئوه".

216

(سرا)

قوله تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ* [11/ 81] أي سر بهم ليلا، يقال:" سرى بهم ليلا" و" أسرى". قوله تعالى: سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [17/ 1] المعنى على ما‌

قِيلَ

: أَنَّهُ أَسْرَى بِهِ فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ اللَّيَالِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَ قَدْ عُرِجَ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَ بَلَغَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورَ وَ بَلَغَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.

و قيل: الإسراء إلى السماوات في المنام لا بجسده، و الحق الأول كما عليه الجمهور، و أحاديث البراق مشهورة (1). قوله تعالى: وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ [89/ 4] قيل: المعنى إذا يمضي و سار و ذهب. قوله تعالى: تَحْتَكِ سَرِيًّا [19/ 24] قيل السري الشريف الرفيع، يعني عيسى (ع). و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ السَّرِيِّ أَنْ يَحْمِلَ الشَّيْ‌ءَ الدَّنِي‌ءَ"

، و جمعه" سراة" بالفتح على غير القياس. و قيل: سَرِيًّا أي نهرا تشربين منه و تطهرين فيه. و منه‌

قَوْلِهِ (ص)

:" مَثَلُ الصَّلَاةِ فِيكُمْ كَمَثَلِ السَّرِيِّ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ وَ اللَّيْلِ يَغْتَسِلُ مِنْهُ خَمْسَ مَرَّاتٍ".

و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" فَبَعَثَ

سُرِّيَّةً

"

هي بفتح سين، فعيلة بمعنى فاعلة: القطعة من الجيش من خمس أنفس إلى ثلاثمائة و أربعمائة، توجه مقدم الجيش إلى العدو، و الجمع" سرايا" و" سرايات" مثل عطية و عطايا و عطايات. قيل: سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر و خيارهم، أو من الشي‌ء السري: النفيس. و قيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا و خفية. قال في النهاية: و ليس بالوجه لأن لام‌

____________

(1). تقدم في" أبا" شيئا في ليلة الإسراء، و يذكر في" سجد" و" برق" شيئا في إسرائه (ص)- ز.

217

" السر" راء و هذه ياء (1). و منه‌

الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ انْصُرْ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ وَ سَرَايَاهُمْ وَ مُرَابِطِيهِمْ".

و" سرينا سرية واحدة" الاسم" السرية" بالضم، و" سراية" الليل و هو مصدر. و" سرية الليل" و" سريت فيه سريا" إذا قطعته بالسير. و" أسريت" لغة حجازية، و يستعملان متعديان بالباء إلى مفعول فيقال:" سريت بزيد"، و" سرينا سرية من الليل". و" سرية" و الجمع" السرى" مثل مدية و مدى. و عن أبي زيد:" السرى" أول الليل و وسطه و آخره، و قد استعملت العرب السرى في المعاني تشبيها لها بالأجسام مجازا، قال تعالى: وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ. و" سرى فيه السم" إذا تعدى أثره إليه. و" سرى عليه الهم" إذا أتاه ليلا. و" سرى همه" ذهب. و" سرى الجرح إلى النفس" دام ألمه حتى حدث منه الموت. و" سرى العتق" بمعنى التعدية. و" اللغة السريانية" لغة القس و الجاثليق (2).

وَ فِي الْخَبَرَ

:" لَيْسَ لِلنِّسَاءِ

سَرَوَاتِ

الطَّرِيقِ

(3)

"

أي ظهر الطريق و وسطه، و لكنهن يمشين في الجوانب. و" السرو" شجر معروف، الواحدة" السروة".

(سطا)

قوله تعالى: يَكٰادُونَ يَسْطُونَ [22/ 72] أي يتداولونهم بالمكروه و يبطشون بهم من شدة الغيظ.

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص) مَعَ قُرَيْشٍ

:" أَمَّا ليسطن بِكُمْ سَطْوَةً يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ"

يقال:" سطا عليه و به يسطو سطوا و سطوة" قهره و أذله،

____________

(1). يذكر في" بعث" السرية أيضا- ز.

(2). يذكر في" جثق" و" قسس" اللغة السريانية أيضا- ز.

(3). الكافي ج 5 ص 518.

218

و هو البطش بشدة، و الجمع" سطوات".

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا بَأْسَ أَنْ

يَسْطُو

الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ تَجِدْ امْرَأَةٍ تعالجها وَ خِيفَ عَلَيْهَا"

يعني إذا نشب ولدها في بطنها ميتا فله مع عدم القابلة أن يدخل يده و يستخرج الولد.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ

سَطَوَاتِ

اللَّيْلِ"

يعني الأخذ بالمعاصي.

(سعا)

قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ [53/ 39] أي إلا ما عمل. قال المفسر: و أما ما جاء في الأخبار من الصدقة عن الميت و الحج عنه و الصلاة فإن ذلك و إن كان سعي غيره فكأنه سعي نفسه، لكونه قائما مقامه و تابعا له، فهو بحكم الشريعة كالوكيل النائب عنه. قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ [62/ 9] أي بادروا بالنية و الجد، و لم يرد العدو و الإسراع في المشي، و السعي يكون عدوا و مشيا و قصدا و عملا، و يكون تصرفا بالصلاح و الفساد. و الأصل فيه المشي السريع لكنه يستعمل لما ذكر و للأخذ في الأمر. قوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ بُشْرٰاكُمُ الْيَوْمَ [57/ 12] قال الشيخ أبو علي (ره): يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ لأنهم أوتوا صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، فجعل النور في الجهتين شعارا لهم و آية لسعادتهم و فلاحهم، فإذا ذهب بهم إلى الجنة و مروا على الصراط يسعون سعي ذلك النور لسعيهم، و يقول لهم الذين يتلقونهم: بُشْرٰاكُمُ الْيَوْمَ- الآية. قوله تعالى: فَلَمّٰا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [37/ 102] أي الحد الذي يقدر فيه على السعي، و كان إذ ذاك ابن ثلاثة عشر سنة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ" سُئِلَ الصَّادِقُ (ع) عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ:" لَوْ أَنَّ جَيْشاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا قَوْماً مِنَ الْمُشْرِكِينَ

219

فَأَشْرَفَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَعْطُونِي الْأَمَانَ حَتَّى أَلْقَى صَاحِبَكُمْ وَ أُنَاظِرَهُ، فَأَعْطَاهُ أَدْنَاهُمُ الْأَمَانَ وَجَبَ عَلَى أَفْضَلِهِمُ الْوَفَاءُ بِهِ"

(1)

.

و" سعى به إلى الوالي" وشى به (2). و كل من ولي شيئا على قوم فهو ساع عليهم. قيل: و أكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة و هم السعاة، يقال:" سعى الرجل على الصدقة يسعى سعيا" عمل في أخذها من أربابها. و" سعى إلى الصلاة" ذهب إليها على أي وجه كان. و" استسعيته في قيمته" طلبت منه، و الفاعل" ساع". و‌

فِيهِ

:" إِذَا عِتْقُ الْعَبْدِ استسعى" وَ هُوَ أَنْ يَسْعَى فِي فَكَاكِ مَا بَقِيَ مِنْ رِقُّهُ.

و" السعاية" بكسر السين: العمل، و منه سعاة الصدقات.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع) فِي الدُّنْيَا

:" مِنْ

ساعاها

فَاتَتْهُ"

أي سابقها، و هي مفاعلة من السعي. و من أمثال العرب:" رب ساع لقاعد" قيل: أول من قال ذلك نابغة الذبياني (3) و من قصته أنه وفد إلى النعمان‌

____________

(1). الكافي ج 5 ص 30.

(2). يذكر في" فرج" و" قلع" و" محل" شيئا في السعاة بالناس إلى السلطان- ز.

(3). هو <أبو أمامة زياد بن معاوية الذبياني> الشاعر الجاهلي الذي قيل في شعره: إنه أحسن الناس ديباجة شعر و أكثرهم رونق كلام و أجزلهم بيتا، كان يفد على النعمان بن المنذر و كان خاصا به و جمع من عطاياه ثروة كاملة، لقب <بالنابغة> لنبوغه في الشعر و هو كبير بعد أن امتنع عليه و هو صغير، عمر طويلا و مات قبيل البعثة، و من شعره قصيدته الرائية التي هي إحدى المعلقات السبع. الشعر و الشعراء ص 20، الكنى و الألقاب ج 3 ص 197 جواهر الأدب ج 2 ص 39.

220

بن المنذر وفد من العرب فيهم رجل من عبس فمات عنده، فلما حبا النعمان الوفد بعث إلى أهل الميت بمثل حباء الوفود، فبلغ النابغة ذلك فقال:" رب ساع لقاعد" (1).

(سفا)

فِي حَدِيثٍ أَصْحَابِ الْفِيلِ

:" جَاءَهُمْ طَيْرٍ

سَافٌّ

مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ رُءُوسُهَا كَأَمْثَالِ رُءُوسِ السِّبَاعِ"

(2)

أي مسرع، من" سفا يسفو" أسرع في المشي و في الطيران. و" السافي" كالرامي: الريح التي تسفي التراب و تذروه، و السافيات مثله. يقال:" سفت الريح التراب" بالتخفيف" تسفيه سفيا" إذا ذرته، و منه‌

" قَبْرِ سَفَى عَلَيْهِ السَّافِي"

(3)

.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" لَمْ يُوضَعُ التَّقْصِيرُ عَلَى الْبَغْلَةِ السَّفْوَاءِ وَ الدَّابَّةِ النَّاجِيَةِ

(4)

"

أراد بالسفواء الخفيفة السريعة، و بالدابة الناجية مثله.

(سقا)

قوله تعالى: نٰاقَةَ اللّٰهِ وَ سُقْيٰاهٰا [91/ 13] أي شربها، و نصب نٰاقَةَ بفعل مقدر. قوله تعالى: وَ إِذِ اسْتَسْقىٰ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ [2/ 60] أي دعا لهم بالسقيا. قوله تعالى: جَعَلَ السِّقٰايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ [12/ 70] السقاية- بالكسر-: مشربة يسقى بها و هو الصواع، قيل: كان يسقى بها الملك ثم جعلت صواعا يكال به، و كانت من فضة مموهة بالذهب، و قيل: كانت من ذهب مرصع بالجواهر. و" السقاية" موضع يتخذ لسقي الناس (5). و منه قوله تعالى: أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ الْحٰاجِّ [9/ 19] أي أهل سقاية‌

____________

(1). مجمع الأمثال ج 1 ص 311.

(2). البرهان ج 4 ص 508.

(3). الكافي 3/ 260.

(4). من لا يحضر 1/ 280.

(5). يذكر في" كبد" و" حرر" شيئا في سقي العطشان- ز.

221

الحاج وَ عِمٰارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ- الآية.

وَ فِي الْحَدِيثَ

: نَزَلَتْ حِينَ افتخروا بِالسِّقَايَةِ يَعْنِي زَمْزَمَ وَ الْحِجَابَةِ

، رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ

:" نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ (ع) وَ الْعَبَّاسِ وَ شَيْبَةَ، قَالَ الْعَبَّاسِ: أَنَا أَفْضَلُ لِأَنَّ سِقَايَةَ الْحَاجِّ بِيَدِي، وَ قَالَ شَيْبَةَ أَنَا أَفْضَلُ لِأَنَّ حجابة الْبَيْتِ بِيَدِي، وَ قَالَ عَلِيٌّ (ع): أَنَا أَفْضَلُ فَإِنِّي آمَنْتُ قبلكما ثُمَّ هَاجَرَتْ وَ جَاهَدْتَ، فَرَضُوا بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) فَنَزَلَتِ الْآيَةُ"

(1)

.

و" السقيا" بالضم: موضع يقرب من المدينة، و قيل: هي على يومين منها (2). و" السقيا" بالضم الاسم من سقاه الغيث و أسقاه.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:"

سُقْيَا

رَحْمَةُ لَا سُقْيَا عَذَابِ"

أي اسقنا غيثا فيه نفع بلا ضرر و لا تخريب.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

يَسْتَسْقُونَ

فَلَا يُسْقَوْنَ"

أي يطلبون السقي فلا يسقون، بضم المثناة فسكون المهملة. و" الاستسقاء" استفعال و هو طلب السقيا، و منه صلاة الاستسقاء. و" سقيت الزرع سقيا فأنا ساق و هو مسقي" على مفعول. و" المساقاة" مفاعلة من السقي، و شرعا معاملة على الأصول بحصة من ثمرتها. و" السقاء" ككتاب: جلد السخلة إذا جذع يكون للماء و اللبن، و الجمع أسقية و أساقي. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" سَافَرَ بسقائك".

وَ فِي حَدِيثٍ الْجَمَلِ

:" كَرِشُهُ سِقَاؤُهُ".

____________

(1). ذكر هذا الحديث علي بن إبراهيم في تفسيره ص 260 باختلاف يسير.

(2) السقيا هي من أسافل أودية تهامة، لما رجع تبع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل السقيا و قد عطش فأصابه بها المطر فسماها السقيا معجم البلدان (سقيا).

222

و مثله‌

فِي النَّاقَةُ الضَّالَّةِ

:" مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَ حِذَاؤُهَا"

أراد بالسقاء ما يحويه كرشها من الماء و الحذاء ما وطى‌ء عليه البعير من خفه، أي يؤمن عليها من الظماء و الحفاء، لأنها تقوى على السير الدائم و الظماء المجهد.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" أَتَى رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٍ سُقِيَ بَطْنُهُ"

و استسقى بطنه: حصل فيه الماء الأصفر و لا يكاد يبرأ.

(سلا)

قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوىٰ [2/ 57] قيل: هو طائر يشبه السماني لا واحد له، و الفراء يقول:" سمانات"- نقلا عنه.

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ

السَّلْوَى

فَقَالَ: هِيَ المرعة

- بضم الميم و فتح الراء و سكونها- طائر أبيض حسن اللون طويل الرجلين بقدر السماني يقع في المطر من السماء. و قال الشيخ أبو علي (ره) في المن و السلوى: كان ينزل عليهم الترنجبين مثل الثلج و يبعث الله إليهم الحبوب فتحشر عليهم السلوى- و هي السماني- فيذبح الرجل منها ما يكفيه و ذلك في التيه. و في المصباح" السلوى" طائر نحو الحمامة و هو أطول ساقا و عنقا، قاله الأخفش- انتهى. و" السلوى" العسل- قاله الجوهري و أنشد عليه:

ألذ من السلوى إذا ما نشورها

و" السلا" كحصى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي تنزع من وجه الفصيل ساعة يولد و إلا قتلته، و الجمع" أسلاء" مثل سبب و أسباب. و قال بعضهم: هو في الماشية" السلا" و في الناس" المشيمة" تخرج بعد الولد و لا يكون الولد فيها يخرج.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءُوا بسلا جَزُورٌ وَ طرحوه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص)".

وَ فِي آخَرَ

:" بَيَّنَّا النَّبِيُّ (ص) جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ عَلَيْهِ ثِيَابِ جَدَّدَ فَأَلْقَى الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ سَلًّا نَاقَةٍ فَمَلَئُوا بِهَا ثِيَابِهِ

(1)

".

و السلاء" ككساء من سلأت السمن‌

____________

(1). الكافي ج 1/ 449.

223

من باب نفع و استلأته، و ذلك إذا طبخ و عولج حتى خلص. و" السلاء" بالضم مهموز مشدد: النخل، الواحد" سلاءة". و" سلوت عنه سلوا" من باب قعد: صبرت عنه، و" السلوة" اسم منه. و" سليت أسلى" من باب تعب" سليا" لغة. و في القاموس:" سلاه" كدعاه و رضيه، سلوا و سلوانا و سليا: نسيه.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى عَلَى عِبَادِهِ السَّلْوَةَ بَعْدَ الْمُصِيبَةِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَانْقَطَعَ النَّسْلُ".

و" سلاني من همي" كشفه عني. و" هو في سلوة من العيش" أي في نعمة و رفاهية و رغد.

(سما)

قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا [2/ 31] قيل: أي أسماء المسميات كلها فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بد له من مسمى، و عوض منه اللام. قال الشيخ أبو علي (ره): و ليس التقدير و علم آدم مسميات الأسماء فيكون حذفا للمضاف، لأن التعليم تعلق بالأسماء لا المسميات، لقوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ و معنى تعليمه الأسماء المسميات أنه أراه الأجناس التي خلقها، و علمه هذا اسمه فرس و هذا اسمه كذا، و علمه أحوالها و ما يتعلق فيها من المنافع الدينية و الدنيوية. قوله تعالى: وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا [7/ 180] قيل: هي: الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، الخالق، البارى‌ء، المصور- إلى تمام ثلاثمائة و ستين اسما. و قال الشيخ أبو علي (ره): وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ التي هي أحسن الأسماء لأنها تتضمن معاني حسنة، بعضها يرجع إلى صفات ذاته كالعالم و القادر و الحي و الإله، و بعضها يرجع إلى صفات فعله كالخالق و الرازق و البارى‌ء و المصور،

224

و بعضها يفيد التمجيد و التقديس كالقدوس و الغني و الواحد- انتهى. و عن بعض المحققين: الأسماء بالنسبة إلى ذاته المقدسة على أقسام ثلاثة: (الأول)- ما يمنع إطلاقه عليه تعالى، و ذلك كل اسم يدل على معنى يحيل العقل نسبته إلى ذاته الشريفة، كالأسماء الدالة على الأمور الجسمانية أو ما هو مشتمل على النقص و الحاجة. (الثاني)- ما يجوز عقلا إطلاقه عليه و ورد في الكتاب العزيز و السنة الشريفة تسميته به، فذلك لا حرج في تسميته به بل يجب امتثال الأمر الشرعي في كيفية إطلاقه بحسب الأحوال و الأوقات و التعبدات إما وجوبا أو ندبا. (الثالث)- ما يجوز إطلاقه عليه و لكن لم يرد ذلك في الكتاب و السنة، كالجوهر فإن أحد معانيه كون الشي‌ء قائما بذاته غير مفتقر إلى غيره، و هذا المعنى ثابت له تعالى، فيجوز تسميته به، إذ لا مانع في العقل من ذلك و لكنه ليس من الأدب، لأنه- و إن كان جائزا عقلا و لم يمنع منه مانع- لكنه جاز أن لا يناسبه من جهة أخرى لا تعلمها، إذ العقل لم يطلع على كافة ما يمكن أن يكون معلوما، فإن كثيرا من الأشياء لا نعلمها إجمالا و لا تفصيلا، و إذا جاز عدم المناسبة و لا ضرورة داعية إلى التسمية فيجب الامتناع من جميع ما لم يرد به نص شرعي من الأسماء، و هذا معنى قول العلماء:" إن أسماءه تعالى توقيفية" يعني موقوفة على النص و الإذن في الإطلاق. إذا تقرر هذا فاعلم أن أسماءه تعالى إما أن تدل على الذات فقط من غير اعتبار أمر، أو مع اعتبار أمر، و ذلك الأمر إما إضافة ذهنية فقط أو سلب فقط، أو إضافة و سلب فالأقسام أربعة: (الأول)- ما يدل على الذات فقط، و هو لفظ" الله"، فإنه اسم للذات الموصوفة بجميع الكمالات الربانية المنفردة بالوجود الحقيقي، فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، بل إنما‌

225

استفاده من الغير، و يقرب من هذا الاسم لفظ" الحق" إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود، فإن الحق يراد به دائم الثبوت و الواجب ثابت دائما غير قابل للعدم و الفناء، فهو حق بل هو أحق من كل حق. (الثاني)- ما يدل على الذات مع إضافة، ك‍" القادر" فإنه بالإضافة إلى مقدور تعلقت به القدرة بالتأثير، و" العالم" فإنه أيضا اسم للذات باعتبار انكشاف الأشياء لها، و" الخالق" فإنه اسم للذات باعتبار تقدير الأشياء، و" البارى‌ء" فإنه اسم للذات باعتبار اختراعها و إيجادها، و" المصور" باعتبار أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب، و" الكريم" فإنه اسم للذات باعتبار إعطاء السؤالات و العفو عن السيئات، و" العلى" اسم للذات باعتبار أنه فوق سائر الذوات، و" العظيم" فإنه اسم للذات باعتبار تجاوزها حد الإدراكات الحسية و العقلية، و" الأول" باعتبار سبقه على الموجودات، و" الآخر" باعتبار صيرورة الموجودات إليه، و" الظاهر" هو اسم للذات باعتبار دلالة العقل على وجودها دلالة بينة، و" الباطن" فإنه اسم للذات بالإضافة إلى عدم إدراك الحس و الوهم، إلى غير ذلك من الأسماء. (الثالث)- ما يدل على الذات باعتبار سلب الغير عنه، ك‍" الواحد" باعتبار سلب النظير و الشريك، و" الفرد" باعتبار سلب القسمة و البعضية، و" الغني" باعتبار سلب الحاجة، و" القديم" باعتبار سلب العدم، و" السلام" باعتبار سلب العيوب و النقائص، و" القدوس" باعتبار سلب ما يخطر بالبال عنه، إلى غير ذلك. (الرابع)- باعتبار الإضافة و السلب معا، ك‍" الحي" فإنه المدرك الفعال الذي لا تلحقه الآفات، و" الواسع" باعتبار سعة علمه و عدم فوت شي‌ء منه، و" العزيز" و هو الذي لا نظير له و هو مما يصعب إدراكه و الوصول إليه،

226

و" الرحيم" و هو اسم للذات باعتبار شمول رحمته لخلقه و عنايته بهم و إرادته لهم الخيرات، إلى غير ذلك- انتهى.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَسْمَاءِ بِالْحُرُوفِ غَيْرَ مُتَصَوَّتٍ" إِلَى أَنْ قَالَ:" فَجَعَلَهُ" يَعْنِي فَجَعَلَ مَا خَلَقَ" عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً" يَعْنِي غَيْرِ مُتَرَتِّبَةٌ" فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءِ" كَأَنَّهَا اللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ أَوْ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" لِفَاقَةِ الْخَلْقِ" وَ حَاجَتِهِمْ" إِلَيْهَا، وَ حَجَبَ وَاحِداً وَ هُوَ الِاسْمُ" الْأَعْظَمِ" الْمَكْنُونِ الْمَخْزُونِ" ..." وَ سَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ، فَذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ رُكْناً، ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا مَنْسُوباً إِلَيْهَا" كَأَنَّهُ عَلَى البدلية" فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمِ" إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ، ثُمَّ قَالَ:" فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَ مَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى حَتَّى يُتِمُّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتِّينَ اسْماً فَهِيَ نِسْبَةٌ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ وَ حَجَبَ الِاسْمَ الْوَاحِدَ الْمَكْنُونَ الْمَخْزُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ"

(1)

فعلها لحكمة اقتضت ذلك كما حجب ليلة القدر و ساعة الإجابة. قال بعض شراح الحديث: لا يخفى عليك أن هذا الحديث من أسرارهم (ع) لا يعقله إلا العالمون، و ما ذكره الشارحون إنما هو لأجل التقريب إلى الأفهام، و الله أعلم. قوله تعالى: وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى [87/ 15] قيل: المراد بالاسم هنا الأذان بدلالة تعقيبه بالفاء الترتيبية. قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [19/ 65] أي مثلا و نظيرا، و إنما قيل للمثل" سمي" لأن كل متشابهين يسمى كل واحد منهما سميا لصاحبه.

____________

(1). الوافي ج 1 ص 102. و قد أدخل الطريحي في ضمن الحديث بعض الشروح، و تمييزا للحديث عن الشرح جعلنا لفظ الحديث في القويسات الصغار- فراجع المصدر.

227

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

: لَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ قَبْلَهُ بيحيى.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" وَ كَذَلِكَ الْحُسَيْنِ (ع) لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ قَبْلَ سُمِّيَ وَ لَمْ تَبْكِ السَّمَاءِ إِلَّا عَلَيْهِمَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً" قِيلَ لَهُ: وَ مَا كَانَ بكاؤها؟ قَالَ:" كَانَتْ تَطْلُعَ حَمْرَاءَ، وَ كَانَ قَاتَلَ يَحْيَى وُلِدَ زِنًا، وَ كَانَ قَاتَلَ الْحُسَيْنِ وُلِدَ زِنًا".

قوله تعالى: وَ أَجَلٌ مُسَمًّى* [30/ 8] أي معلوم بالأيام و الأشهر لا بالحصاد و قدوم الحاج. قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً [25/ 48] قيل: يمكن حملها على الفلك، بمعنى أن المطر ينزل منه إلى السحاب و منه إلى الأرض و على السحاب أيضا لعلوه، و على ما زعمه الطبيعيون من أن المطر من بحار الأرض يصعد منها فينعقد سحابا، إن تم يكون المراد بإنزال الماء من السماء أنه حصل ذلك بأسباب سماوية. قال بعض الأفاضل: قد استفاد بعض أئمة الحديث من قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً و من قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ و من قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ أن أصل الماء كله من السماء، فأورد عليه أن النكرة غير مفيدة للعموم في الإثبات كما هي في النفي فلا يتم الاستدلال، و أجيب بأن التفريع على مجموع الآيات الكريمة التي ما فيه إيماء إلى التهديد، أعني قوله تعالى: وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ و هي واردة كلها في مقام الامتنان على الخلق، فلو كان بعض الماء من السماء و الآخر من الأرض كان الامتنان بهما أتم من الامتنان بالأول فقط، خصوصا مع شدة الانتفاع بالثاني، فإن أكثر المدار عليه، ففي الإغماض عنه و الاقتصار على ذكر غيره في هذا الباب دلالة واضحة على ما ذكره هذا القائل عند التأمل- انتهى. و هو جيد. قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ

228

إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ [43/ 84] المعنى: هو إله واحد في السماء و الأرض لا شريك له تعالى عن ذلك.

وَ فِي الْحَدِيثَ

: قَدْ تَحَيَّرَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ الزِّنْدِيقِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:

وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ

فَسَأَلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَ الصَّادِقِ (ع) عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ:" إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: مَا اسْمُكَ بِالْكُوفَةِ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ، فَقُلْ لَهُ: مَا اسْمُكَ فِي الْبَصْرَةِ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ، فَقُلْ: كَذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنَا

فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ

وَ فِي الْبِحَارِ إِلَهٌ

وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ

وَ فِي الْقِفَارِ إِلَهٌ وَ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَهَ"

(1)

.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" سَطْحٍ يُبَالُ عَلَيْهِ فَتُصِيبُهُ السَّمَاءِ"

- الحديث (2). قيل: يمكن أن يراد بالسماء معناها المتعارف، أي تصيبه بمطرها، و أن يراد المطر فإنه من أسمائه. قال: و حينئذ فحرف المضارعة يمكن قراءته بالتاء و الياء، فالأول على الأول و الثاني على الثاني. و" السماء" يذكر و يؤنث، و يجمع على أسمية و سماوات و حكى ابن الأنباري أن التذكير قليل، و هو على معنى السقف، و جمعها" سمي" على فعول، و النسبة إلى السماء" سمائي" بالهمز على لفظها و" سماوي" بالواو اعتبارا بالأصل (3).

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحْبِسُ غَيْثَ السَّمَاءِ"

و هي كما جاءت به الرواية جور الحكام و شهادة الزور و كتمان الشهادة و منع الزكاة و المعاونة على الظلم و قساوة القلب على الفقراء.

____________

(1). البرهان ج 4 ص 156.

(2). الوافي ج 4 ص 9.

(3). يذكر في" بعد" و" حجر" و" عرش" و" رفق" و" أول" و" دخن" شيئا في خلق السماء، و في" خلد" سماء الآخرة، و في" خضر" إطلاق الخضراء عليها، و في" قيض" شقها في القيامة، و في" حفظ" منع الشياطين عنها، و في" طوع" كلامها، و في" حفظ" شيئا فيها- ز.

229

و" بنو ماء السماء" هم العرب لأنهم يعيشون بمائه و يتبعون مساقط الغيث. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" هَاجَرَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءٍ السَّمَاءِ".

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" فَسَوَّى مِنْهُ- يَعْنِي مِنْ الْمَاءِ- سَبْعَ سَمَاوَاتٍ جَعَلَ سفلاهن مَوْجاً مَكْفُوفاً، وَ علياهن سَقْفاً مَحْفُوظاً"

(1)

قال بعض الأفاضل: قوله:" جعل سفلاهن"- إلخ كالتفسير لقوله:" فسوى" لأن التسوية عبارة عن التعديل و الوضع و الهيئة التي عليها السماوات بما فيهن، و استعار لفظ الموج للسماء ملاحظة للمشابهة بينهما بالعلو و اللون، و" مكفوفا" ممنوعا من السقوط، و" علياهن سقفا محفوظا" من الشياطين. و" المساماة" المباراة و المفاخرة، يقال:" ساماه" إذا فاخره و باراه، و" يساومني" يفاخرني.

وَ فِي وَصَفَهُ (ص)

:" أَبْطَحِيٌّ لَا

يسامي

"

أي لا يفاخر و لا يضاهي. و" الاسم" هو اللفظ الدال على المسمى بالاستقلال المجرد عن الزمان، فقد يكون نفس المسمى كلفظ" الاسم" فإنه لما كان إشارة إلى اللفظ الدال على المسمى و من جملة المسميات لفظ الاسم فقد دل عليه، و قد يكون مغايرا كلفظ" الجدار" الدال على معناه المغاير و نحو ذلك. قال جار الله: و الاسم واحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون. فإذا نطقوا بها مبتدءين زادوا همزة لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن، إذ دأبهم أن يبتدءوا بالمتحرك و يقفوا على الساكن. فإن قيل: فلم حذفت الألف في" بسم الله" و أثبتت في" باسم ربك"؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال، فقالوا: طولت الباء في" بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ"* تعويضا من طرح الألف.

____________

(1). نهج البلاغة ج 1 ص 25.

230

قال الجوهري: و الاسم مشتق من سموت لأنه تنويه و رفعة، و تقديره افع، و الذاهب منه الواو لأن جمعه" أسماء" و جمع الأسماء" أسام" و تصغيره" سمي"، و اختلف في تقدير أصله فقال بعضهم" فعل" و قال آخرون" فعل"، و فيه أربع لغات: اسم و اسم و سم و سم- انتهى. و قال بعض الكوفيين: أصله" وسم" لأنه من الوسم [بمعنى] العلامة فحذفت الواو و هي فاء الكلمة و عوض عنها الهمزة، فوزنه أعل. و استضعفه المحققون.

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص)

:" تُسَمُّوا بِاسْمِي وَ لَا تكتنوا بِكُنْيَتِي"

(1)

يعني أبا القاسم، و تسموا بفتح تاء و سين و ميم مشددة، و في عدم الحل مطلقا أو لمن اسمه محمدا و أحمد أو نسخ عدم الحل أقوال.

وَ

اسْمُ

اللَّهِ الْأَعْظَمَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع) ثَلَاثَ وَ سَبْعُونَ حَرْفاً، وَ كَانَ عِنْدَ آصَفَ حَرْفٍ وَاحِدٌ فَتَكَلَّمَ بِهِ فَخَسَفَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ سَرِيرِ بِلْقِيسَ حَتَّى تَنَاوَلَ السَّرِيرَ بِيَدِهِ، وَ عِنْدَنَا نَحْنُ مِنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ اثْنَانِ وَ سَبْعُونَ حَرْفاً، وَ حَرْفٌ عِنْدَ اللَّهِ اسْتَأْثَرَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ

(2)

.

وَ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" أُعْطِيَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (ع) حَرْفَيْنِ كَانَ يَعْمَلُ بِهِمَا، وَ أُعْطِيَ مُوسَى (ع) أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ، وَ أُعْطِيَ إِبْرَاهِيمَ (ع) ثَمَانِيَةَ أَحْرُفٍ، وَ أُعْطِيَ نُوحٍ (ع) خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفاً، وَ أُعْطِيَ آدَمَ (ع) خَمْسَةَ وَ عِشْرِينَ حَرْفاً، وَ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ (ص) اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ حَرْفاً"

(3)

و علم مما تقدم أنها انتقلت منه (ص) إلى الأئمة (ع).

وَ

أَسْمَاءَ

بِنْتَ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةَ زَوْجَةٌ جَعْفَرٍ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَانَتْ مِنْ المهاجرات إِلَى أَرْضٍ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجُهَا

____________

(1). التّاج ج 5 ص 247.

(2). الوافي ج 2 ص 131.

(3). الوافي ج 2 ص 131.

231

جَعْفَرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّداً وَ عَبْدِ اللَّهِ وَ عَوْناً، ثُمَّ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَتَلَ جَعْفَرٍ تَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ وَ وَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدُ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى بْنِ عَلَى

(1)

.

و" السماوة" موضع بالبادية. و" سمية" بالتصغير أم زياد المنتسب إلى أبي سفيان أبي معاوية (2)، و فيها يقول الشاعر:

سمية أضحى نسلها عدد الحصى * * * و بنت رسول الله ليس لها نسل

(سنا)

فِي الْحَدِيثَ

:" عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا"

السنا بالقصر: نبات معروف من الأدوية، له حمل إذا يبس و حركته الريح سمعت له زجلا، الواحدة" سناة". و بعضهم يرويه بالمد. و" السنا" البرق. و" السانية" الناضحة، و هي الناقة التي يسنى عليها، أي يستقى عليها من البئر، و منه‌

حَدِيثٍ الزَّكَاةِ

:" فِيمَا سَقَتِ السَّوَانِي نِصْفُ الْعُشْرِ".

و" سنوت" استقيت، و منه‌

حَدِيثٍ فَاطِمَةَ (ع)

:" لَقَدْ سنوت حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي".

و" السناء" بالمد: الرفعة، و‌

فِي الْخَبَرَ

:" بِشْرٍ أُمَّتِي

بالسناء

"

أي بارتفاع القدر و المنزلة عند الله. و" السني" الرفيع. و" المسناة" بضم الميم: نحو المروزور بما كان أزيد ترابا منه، و منه:" التحجير بمسناة". و‌

فِي حَدِيثٍ النَّهْيِ عَنْ النطاق وَ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ

: وَ الْأَرْبِعَاءُ أَنْ تسن مُسَنَّاةً فَتَحْمِلَ الْمَاءَ وَ تَسْقِيَ بِهِ الْأَرْضَ.

و" سناباذ" بالسين المهملة فالنون ثم‌

____________

(1). يذكر أسماء في" عمس" أيضا، و يذكر في" نطق" أسماء بنت أبي بكر- ز.

(2). يذكر سمية في" زيد" أيضا، و يذكر في" كره" سمية أم عمار- ز.

232

الباء الموحدة بعد الألف ثم الذال المعجمة بعد الألف أيضا قرية توفي فيها علي بن موسى الرضا (ع). قيل: هي من موقان على دعوة، أي على قدر سماع صوت (1)

(سوا)

قوله تعالى: ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا السُّواىٰ [30/ 10] أي عاقبة الذين أشركوا النار، كما أن عاقبة الذين أحسنوا الحسنى، أعني الجنة. قوله تعالى: لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشٰاءَ [12/ 24] السوء: خيانة صاحبة العزيز، و‌

عَنِ الرِّضَا (ع)

:" السَّوْءِ الْقَتْلِ، وَ الْفَحْشَاءِ الزِّنَا

(2)

".

قوله تعالى: يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [2/ 169] أي ما يسوؤكم عواقبه. قوله تعالى: سُوءَ الْعَذٰابِ* [2/ 49] يعني الجزية. قوله تعالى: سُوءُ الدّٰارِ* [13/ 25] يعني النار تسوء داخلها. قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ السَّوْءِ* [9/ 98] السوء و السوء هما من ساءه يسوءه سوءا بالفتح و مساءة: نقيض سره، و الاسم" السوء" بالضم، فمن قرأ عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ السَّوْءِ* بالفتح فمن المساءة، و من قرأ بالضم فمن السوء. و" مطر السوء" بالفتح يعني الحجارة. قوله تعالى: سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [67/ 17] أي ساءهم ذلك حتى يتبين السوء في وجوههم. و أصل السوء التكره، يقال:" ساءه يسوءه سوءا" إذا أتاه بما يكرهه. و" السيئة" الخصلة التي تسوء صاحبها عاقبتها. قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنٰا مَكٰانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [7/ 95] أي مكان الجدب الخصب. و أصل السيئة" سيوءة" فقلبت الواو و أدغمت.

____________

(1). ذكر سناباذ في" دعا" و يذكرها في" سنبذ" أيضا- ز.

(2). البرهان ج 2 ص 250.

233

قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [23/ 96] قيل: هو مثل رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه و التي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه. قوله تعالى: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ [13/ 6] أي يستعجلونك بالعذاب و النقمة قبل الرحمة بالعافية و الإحسان إليهم بالإمهال، و ذلك أنهم سألوا رسول الله (ص) أن يأتيهم بالعذاب. قوله تعالى: مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [4/ 79] قال الشيخ أبو علي (ره): الحسنة تقع على النعمة و الطاعة و السيئة تقع على البلية و المعصية، و المعنى مٰا أَصٰابَكَ يا إنسان- خطابا عاما- من خير من نعمة و إحسان فَمِنَ اللّٰهِ تفضيلا منه و امتنانا و امتحانا، وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أي بلية و مصيبة فَمِنْ نَفْسِكَ لأنك السبب فيها بما اكتسبت من الذنوب، و مثله مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [42/ 30]. قوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ [4/ 78] أي خصب و رخاء يَقُولُوا هٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ، وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي جدب و ضيق رزق يَقُولُوا هٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ فإن الكل منه إيجاد، غير أن الحسنة إحسان و امتحان و السيئة مجازاة و انتقام. قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ [11/ 114] فيه كما قيل إبطال مذهب المعتزلة حيث قالوا: إن الكبائر غير مغفورة، لأن لفظ" السيئات" يطلق عليها، بل هي أسوأ السيئات. قوله تعالى: كُلُّ ذٰلِكَ كٰانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [17/ 38] بإضافة سي‌ء إلى ضمير كل أي إثمه. قوله تعالى: لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوٰارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [5/ 31] أي فرجه. قوله تعالى: آذَنْتُكُمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ

234

[21/ 109] أي أعلمتكم على سواء؟ أي مستوين في الإعلام ظاهرين بذلك فلا عذر و لا خداع. و" السواء" العدل، و منه قوله تعالى: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ [8/ 58]. قوله تعالى: سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ* [2/ 6] أي ذو استواء، و قيل: اسم وضع موضع مستو. و الصِّرٰاطِ السَّوِيِّ [20/ 135] الدين المستقيم. و سَوٰاءِ الصِّرٰاطِ [38/ 22] أي وسط الصراط، و مثله سَوٰاءَ السَّبِيلِ* و سَوٰاءِ الْجَحِيمِ* و سَوٰاءً لِلسّٰائِلِينَ أي تماما. و قرى‌ء" سَوٰاءً" بالحركات الثلاث: الجر على الوصف لأيام، و النصب على استوت سواء، و الرفع على هي سواء. تعلق قوله لِلسّٰائِلِينَ بمحذوف، كأنه قال: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض و ما فيها، أو بقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل السائلين. قوله تعالى: إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ [3/ 94] أي ذات استواء لا تختلف فيها الكتب السماوية. قوله تعالى: ثَلٰاثَ لَيٰالٍ سَوِيًّا [19/ 10] أي من غير علة من خرس و غيره. قوله تعالى: مَكٰاناً سُوىً [20/ 58] أي وسطا بين الموضعين تستوي مسافته على الفريقين. قوله تعالى: فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ* [15/ 29] أي عدلت خلقته و أكملتها و هيأتها للنفخ، و مثله خَلَقَ فَسَوّٰى [75/ 38] فإنها من التسوية، و هي عبارة عن التعديل و الوضع و الهيئة التي عليها الشي‌ء. قوله تعالى: رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا [79/ 28] السمك الارتفاع و هو مقابل العمق، لأنه ذهاب الجسم بالتأليف إلى جهة العلو، و بالعكس صفة العمق، و التسوية هي جعل أحد الشيئين على مقدار الآخر في نفسه أو في حكمه. قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ*

235

[2/ 29] يعني قصد، و كل من فرغ من شي‌ء و عمد إلى غيره فقد استوى إليه. و‌

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

: صَعِدَ أَمَرَهُ.

و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:

ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ*

أَيُّ أَخَذَ فِي خَلَقَهَا وَ إِتْقَانِهَا

فَسَوّٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ (1)

.

قوله تعالى: الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ [20/ 5] أي استوى من كل شي‌ء، فليس شي‌ء أقرب إليه من شي‌ء- كذا في الحديث (2) أو استولى كما يقال:

" استوى بشر على العراق"

أي استولى من غير سيف و دم يهريقه. قوله تعالى: قُلْ لٰا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ [5/ 100] أي قُلْ يا محمد لٰا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ أي الحلال و الحرام وَ لَوْ أَعْجَبَكَ أيها السامع و أيها الإنسان كَثْرَةُ الْخَبِيثِ أي كثرة ما تراه من الحرام لأنه لا يكون في الكثير من الحرام بركة و يكون في القليل من الحلال بركة. قوله تعالى: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوىٰ [53/ 6]

يَعْنِي جَبْرَئِيلُ اسْتَقَامَ عَلَى صُورَتُهُ الحقيقية دُونَ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَا كُلَّمَا هَبَطَ بِالْوَحْيِ، وَ كَانَ يَأْتِيهِ بِصُورَةِ الْآدَمِيِّينَ فَأَحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي جَبَلٍ عَلَيْهَا فَاسْتَوَى لَهُ

(3)

.

قوله تعالى: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّٰاهٰا [91/ 14] أي أرجف الأرض بهم، يعني حركها فسواها عليهم. قيل: فسوى الأمة بإنزال العذاب صغيرها و كبيرها. قوله تعالى: لَوْ تُسَوّٰى بِهِمُ الْأَرْضُ [4/ 42] أي لو يدفنوا فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. و قيل: يودون أنهم لم يبعثوا و أنهم كانوا و الأرض‌

____________

(1). البرهان ج 1 ص 72.

(2). تفسير علي بن إبراهيم ص 418.

(3). انظر تفاصيل رؤية النبي (ص) لجبرئيل في ص 163 من هذا الكتاب.

236

سواء. و قيل تصير البهائم ترابا فيودون حالها.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" سَيِّئَةٍ تَسُوءُكَ خَيْرٌ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ

(1)

"

أي توقعك في العجب، و كأن الوجه في ذلك أن السيئة تزول مع الندم عليها، و أما العجب فإنه يبطل العمل و يثبت السيئة فكانت السيئة خيرا من الحسنة المعجبة.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَ الْمَالِ"

قيل: سوء النظر في الأهل و المال هو أن يصيبهما آفة يسوؤه النظر إليهما. و تقول:" هذا رجل سوء" بالإضافة ثم تدخل عليه الألف و اللام فتقول:" هذا رجل السوء"، و لا يقال:" الرجل السوء"- كذا قاله الجوهري.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ سُوءِ وَ إِنْسَانٍ سُوءِ"

بالإضافة.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" أَسْأَلُكَ مَيِّتَهُ سَوِيَّةً"

قيل: المراد منها الموت بعد حصول الاستعداد لنزوله و التهيؤ لحصوله من تقديم التوبة و قضاء الفوائت و الخروج من حقوق الناس. و" ساواه مساواة": ماثله و عادله قيمة و قدرا، و منه قوله:" هذا يساوي درهما" أي يعادل قيمته درهما.

وَ فِي وَصَفَهُ (ص)

:"

سَوَاءٌ

الْبَطْنِ وَ الصَّدْرِ"

(2)

و معناه كما قيل: إن بطنه ضامر و صدره عريض، فمن هذه الجهة ساوى بطنه ظهره. و" استوى على بعيره" أي استقر على ظهره، و مثله" استوى جالسا" و" استوى على سرير الملك" كناية عن التملك و إن لم يجلس عليه. و" استوى الطعام" نضج. و" استوى القوم في المال" لم يفضل بعضهم على بعض. و" استوت به راحلته" رفعته على ظهرها. و" استوت خلقة السقط" أي تمت. و" العمل السي‌ء" خلاف الحسن،

____________

(1). نهج البلاغة 3/ 162.

(2). مكارم الأخلاق ص 10.

237

و هو اسم فاعل من ساء يسوء: إذا قبح، و" ساء" على فاعل إعلالها إعلال جاء. و" هو أسوأ القوم" أي أقبحهم. و الناس يقولون:" أسوأ الأحوال" و يريدون الأقل و الأضعف. و المساءة التي هي نقيض المسرة أصلها" مسوأة" على مفعلة بفتح الميم و العين، و لهذا ترد الواو في الجمع فيقال:" هي المساوي". و" مساوي الأفعال" ضد محاسنها. و" بدت مساويه" أي نقائصه و معايبه. و يقال:" أسأت به الظن" و" سوأت به ظنا" يكون الظن معرفة مع الرباعي و نكرة مع الثلاثي. قال في المصباح: و منهم من يجيزه نكرة فيهما، و هو خلاف أحسنت به الظن. و" السوأة" بالفتح و التأنيث: العورة من الرجل و المرأة، و التثنية" سوأتان" و الجمع" سوآت". قيل: سميت" سوأة" لأن انكشافها للناس يسوء صاحبها. و" ساية" فعلة: واد بين الحرمين و قرية بمكة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَانَ أَبُو الْحَسَنِ إِذَا قَضَى نُسُكَهُ عَدَلَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: سَايَةُ، فَحَلَقَ بِهَا

(1)

".

و" السائي" نسبة لعلي بن سويد ثقة من رواة الحديث (2). و" سواء" قال في المغني: تكون بمعنى مستو، و يوصف بها المكان ... و الأفصح فيه حينئذ أن يقصر مع الكسر ... و يوصف به غير المكان فيجب أن يمد مع الفتح نحو" مررت برجل سواء و العدم"، و بمعنى الوسط‌

____________

(1). الوافي ج 8 ص 180.

(2). روى عن أبي الحسن موسى (ع)، و قيل إنه روى عن أبي عبد الله الصادق (ع)، رجال النجاشي ص 211.

238

و بمعنى التمام فتمد فيهما مع الفتح نحو قوله تعالى: فِي سَوٰاءِ الْجَحِيمِ و قولك:" هذا درهم سواء" ... و استثناء كما يقع" غير" و هو عند الزجاج و ابن مالك كغير في المعنى و التصرف فتقول:" جاءني سواؤك" بالرفع [على الفاعلية] و" رأيت سواءك" بالنصب [على المفعولية] ... و عند سيبويه و الجمهور أنها ظرف مكان ملازم للنصب لا يخرج عن ذلك إلا في الضرورة، و عند الكوفيين و جماعة أنها ترد لوجهين. ثم قال: يخبر بسواء التي هي بمعنى مستوي عن الواحد فما فوقه نحو لَيْسُوا سَوٰاءً لأنها في الأصل مصدر بمعنى الاستواء، و قد أجيز في قوله تعالى: سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ* كونها خبرا عما قبلها أو عما بعدها، أو مبتدأ و ما بعدها فاعل على الأول و خبر و مبتدأ على الثاني و خبر على الثالث.

(سها)

قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ [107/ 5] قيل: السهو في الشي‌ء تركه عن غير علم، و السهو عنه تركه مع العلم، و منه قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ. قال الشيخ أبو علي (ره) في قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها. و‌

قِيلَ

: يُرِيدُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لَهَا ثَوَاباً إِنْ صَلُّوا وَ لَا يَخَافُونَ عَلَيْهَا عِقَاباً إِنْ تَرَكُوا، فَهُمْ عَنْهَا غَافِلُونَ حَتَّى يَذْهَبُ وَقْتِهَا، فَإِذَا كَانُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّوْهَا رِيَاءً وَ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مَعَهُمْ لَمْ يُصَلُّوا، وَ هُوَ قَوْلِهِ:

الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ عَنْ عَلِيٍّ وَ ابْنِ عَبَّاسٍ

، و‌

قَالَ أَنَسِ

: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ:

عَنْ صَلٰاتِهِمْ

وَ لَمْ يَقُلْ:" فِي صلوتهم"

. وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ

: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ:

الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ

أَ هِيَ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ؟ فَقَالَ:" لَا، كُلُّ أَحَدٍ يُصِيبُهُ هَذَا، وَ لَكِنْ أَنْ يُغْفِلَهَا وَ يَدَعُ أَنْ

239

يُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا

(1)

".

وَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ (2) قَالَ

: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ:

الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ

قَالَ:" هُوَ التَّرْكِ لَهَا وَ التَّوَانِي عَنْهَا

(3)

".

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ (4) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ

:" هُوَ التَّضْيِيعُ لَهَا".

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي السَّهْوِ وَ الْخَطَأُ وَ النِّسْيَانِ"

أي حكم هذه المذكورات و المؤاخذة بها. و فسر السهو بزوال المعنى عن الذاكرة فقط و بقاؤه مرتسما في الحافظة بحيث يكون كالشي‌ء المستور، و النسيان زواله عن القوتين: الذاكرة، و الحافظة. و في الصحاح:" السهو" الغفلة و قد سها عن الشي‌ء فهو ساه، و النسيان خلاف الذكر و الحفظ.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

سَهْوَ

فِي

سَهْوٌ

"

أي لا تعيد بالسهو إذا وقع في موجب السهو- بفتح الجيم- يعني في صلاة الاحتياط، و سجدتا السهو، و الأجزاء المنسية المقتضية، فيبني على الصحيح كما في النافلة. و فيه ذكر" السها" بالقصر و ضم السين، و هو كوكب صغير نجم قريب من النجم الأوسط من الأنجم الثلاثة من بنات النعش، و يسمى" أسلم" و العرب تسميه" السها" و الناس يمتحنون به أبصارهم.

____________

(1). البرهان ج 4 ص 511.

(2) هو زيد بن يونس الشحام الكوفي، روي عن الصادق و الكاظم ع، قال له الصادق (ع) في حديث: أبشر فأنت معنا و من شيعتنا. الكنى و الألقاب ج 1 ص 4.

(3). البرهان ج 4 ص 511.

(4). هو أبو جعفر الأزرق محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي الصيرفي، روى عن الكاظم و الرضا (ع). رجال النجاشي ص 284.

240

(سيا)

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا تُسَلِّمُ ابْنِكَ

سَيَّاءً (1)

"

بالياء المثناة التحتانية زنة فعال، و فسر فيه بمن يبيع الأكفان و يتمنى موت الناس، و لعله من السوء و المساءة- كما ذكر في المجمع. و" سية القوس" بالتخفيف على ما ذكره اللغويون ما عوطف من طرفيه، و الجمع" سيات" و الهاء عوض عن الواو، و عن رؤبة همزة و العرب لا تهمز، و قد جاءت في الحديث. و" السي" المثل، و" السيان" المثلان، و" لا سيما" مشددة و يجوز تخفيفها قال في المصباح: و فتح السين مع التثقيل لغة. و نقل عن ابن جني أنه يجوز أن يكون ما زائدة في قوله (2):

و لا سيما يوم بداره جلجل

فيكون يوم مجرورا بها على الإضافة أي يكون بمعنى الذي، فيكون يوم مرفوعا لأنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره: و لا مثل اليوم الذي هو يوم بداره جلجل. و حكي عن تغلب: من قال بغير اللفظ الذي جاء به امرى‌ء القيس فقد أخطأ- يعني بغير لا- قال: و وجه ذلك أن" لا سيما" تركبا و صارا كالكلمة الواحدة و تساق لترجيح ما بعدها على ما قبلها فيكون كالمخرج عن مساواته إلى التفضيل، فقولهم:" تستحب الصدقة في شهر رمضان لا سيما في العشر الأواخر" معناه و استحبابها في العشر الأواخر آكد و أفضل، فهو مفضل على ما قبله، و مثله حكي عن ابن حاجب و ابن فارس و غيرهما، ثم قال: إذا تقرر ذلك فلو قيل: سيما في العشر الأواخر بدون لا اقتضى التسوية و بقي المعنى على التشبيه دون التفضيل، فيكون التقدير و تستحب الصدقة في شهر رمضان مثل استحبابها في العشر الأواخر، و لا يخفى ما فيه- انتهى.

____________

(1). معاني الأخبار ص 150.

(2). من معلقة امرى‌ء القيس.

241

باب ما أوله الشين

(شآ)

قد جاء في الحديث مما استشهد به من قول الشاعر (1):

حتى شآها كليل موهنا عمل * * * باتت طرابا و بات الليل لم ينم (2)

و قيل في شرحه:" شآها" أي سبقها، و الضمير للاتن الوحشية من قولهم:" شأوت القوم شأوا" إذا سبقتهم، و" الكليل" الذي أعيا من شدة العمل يقال:" كللت من الشي‌ء أكل كلالة" أي عييت، و كذلك البعير، و المراد به هنا البرق الضعيف، و" موهنا" ظرف معمول الكليل و هو الساعة من الليل. و في الصحاح: الوهن نحو من نصف الليل و الموهن مثله، قال الأصمعي: هو حين يدبر الليل. و" عمل" بكسر الميم على فعل: الدائب العمل، يقال: رجل عمل أي مطبوع على العمل، و لا فرق بين عمل و عامل، و" الإبل الطراب" التي تسرع إلى أوطانها (3). و المعنى: أن البرق الذي سبق الحمر الوحشية أكل الساعات من الليل يداومه فباتت الحمر طرابا من ضوئه و الليل بات و لم ينم من عمل البرق، و إكلاله إياه من قبيل المجاز كما يقال:" أتعبت يومك" و" أسهرت ليلتك". قال بعض الأفاضل: الخليل و سيبويه و جمهور النحاة على أن فعيلا يعمل عمل‌

____________

(1). لسان العرب (شأى). و قد استشهد به على أن يكون" شأى" بمعنى طرب و شاق.

(2). استشهد به في التهذيب 1/ 215.

(3). قال في الصحاح: و" إبل طوارب" تنزع إلى أوطانها.

242

فعله و قليل أنه لا يعمل، و استشهد على إعماله بقول الشاعر:

" حتى شآها ..."

- البيت. ثم قال: فإن قيل: فكليل غير متعد لأنه من كل إذا أعيا، و لا يقال:" كل زيد عمرا" و حينئذ لا حجة فيه! قلنا: لا نسلمه بل كليل بمعنى مكل كأنه أكل حمر الوحش، أي أتعبها و أعياها بالمشي إلى جهته و لذلك وصفه بأنه لم ينم يعني البرق، كأليم بمعنى مؤلم و سميع بمعنى مسمع، فيكون بمعنى متعبها، و لا يقال: إن فعيلا لا يأتي إلا من فعل- بضم العين- و هو للغرائز، كشرف فهو شريف و كرم فهو كريم، و لا يكون إلا لازما فلا يصح لأن يكون عاملا. لأنا نقول: قد بينا أن فعيلا يأتي لغير الغرائز، و منه قوله:" زيد رحيم عمرا" و قوله: (1):

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * * * أكيلا فإني لست آكله وحدي

فأكيل بمعنى آكل.

(شتا)

فِي الْحَدِيثِ

:" الصَّوْمِ فِي

الشِّتَاءِ

الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةِ"

(2)

الشتاء- ممدودا-: أحد الفصول الأربعة من السنة، و هو في حساب المنجمين أحد و تسعون يوما و ثمن، و هو النصف من تشرين الثاني و كانون الأول و كانون الثاني و نصف شباط، و دخوله عند حلول الشمس رأس الجدي، قيل: هو جمع" شتوة" مثل كلبة و كلاب- نقلا عن ابن فارس و الخليل و الفراء. و يقال: إنه مفرد علم على الفعل و لهذا جمع على" أشتية". و يقال:" شتونا بمكان كذا شتوا" من باب قتل: أقمنا به شتاء. و" أشتينا" بالألف: دخلنا في الشتاء. و" شتى القوم" من باب قال" فهو شاة": إذا اشتد برده. و" هذا الشي‌ء يشتيني" أي يكفيني‌

____________

(1). البيت من مقطوعة لحاتم الطائي. انظر الأغاني ج 12 ص 150.

(2). الوسائل، الباب السادس من أبواب الصوم المندوب.

243

لشتائي- كذا في المصباح.

(شجا)

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع) فِي أَمَرَ الْخِلَافَةَ

:" فَصَبَرْتَ وَ فِي الْعَيْنِ قذى وَ فِي الْحَلْقِ شجى"

(1)

القذى: ما يقع في العين فيؤذيها كالغبار و نحوه، و الشجى ما ينبت في الحلق من عظم و نحوه فيغص به، و هما على ما قيل كنايتان عن النقمة و مرارة الصبر و التألم من الغبن.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" كَانَ لِلنَّبِيِّ (ص) فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ:

الشجاء

"

(2)

بمد، و فسر بواسع الخطو. و" شجي الرجل يشجى شجى" من باب تعب: حزن، فهو شج بالنقص. و ربما قيل على قلة" شجي" بالتثقيل كما قيل: حزن و حزين. قال في المصباح: و يتعدى بالحركة فيقال: شجا لهم يشجو شجوا من باب قتل: إذا حزنته- انتهى. و من أمثال العرب:" ويل للشجي من الخلي" (3) و المراد بالخلي الذي ليس به حزن فهو يعذل الشجي و يلومه فيؤذيه. و" الشجي" بكسر الجيم و سكون الياء على ما قيل منزل بطريق مكة.

(شدا)

" الشادي" الذي يشدو شيئا من الأدب، أي يأخذ طرفا منه. و" شدوت" إذا أنشدت بيتا أو بيتين تمد به صوتك كالغناء، و يقال للمغني:" الشادي"- كذا في الصحاح.

____________

(1). من خطبته (ع) المعروفة بالشقشقية.

(2). لم نعثر على من يذكر للنبي فرسا باسم" شجاء"، بل قال في النهاية ج 2 ص 207: كان للنبي (ص) فرس يقال له" الشحاء"، هكذا روي بالمد و فسر بأنه واسع الخطو

(3). مجمع الأمثال ج 2 ص 330.

244

(شذا)

" الشذا" الأذى و الشر.

(شرا)

قوله تعالى: شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [2/ 102] أي باعوا به أنفسهم، و مثله وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ [12/ 20] أي باعوه. قوله تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ [2/ 207] أي يبيعها. قوله تعالى: فَلْيُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ [4/ 74] أي يبيعونها. قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ- الآية [9/ 111] نزلت في الأئمة خاصة، و يدل على ذلك أن الله مدحهم و حلاهم و وصفهم بصفة لا تجوز في غيرهم فقال: التّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ الْحٰامِدُونَ السّٰائِحُونَ الرّٰاكِعُونَ السّٰاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّٰاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحٰافِظُونَ لِحُدُودِ اللّٰهِ [9/ 112] و من المعلوم أنه لا يقوم بذلك كله صغيره و كبيره و دقيقه و جليله إلا هم- ع- و لا يجوز أن يكون بهذه الصفة غيرهم. قوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ* [2/ 16] أي بدلوا، و أصله" اشتريوا". قوله تعالى: لَمَنِ اشْتَرٰاهُ [2/ 102] أي استبدلوا ما تتلو الشياطين بكتاب الله.

وَ فِي حَدِيثٍ مَاءٍ الْوُضُوءِ

:" وَ مَا يَشْتَرِي بِذَلِكَ مَالٌ كَثِيرٍ"

(1)

قيل: لفظ" ما يشتري" يقرأ بالبناء للفاعل و المفعول، و المراد أن الماء المشترى للوضوء مال كثير لما يترتب عليه من الثواب العظيم، و ربما يقرأ" ماء" بالمد و الرفع. اللفظي، و الأظهر كونها موصولة أو موصوفة- انتهى. و هذا على ما في بعض النسخ، و في بعضها- و هو كثير-" يسرني" و في بعضها" يسوؤني" و المعنى واضح.

____________

(1). الكافي ج 3 ص 74.

245

و فيه ذكر" الشراة" (1) جمع شار كقضاة جمع قاض، و هم الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الإمام، و إنما لزمهم هذا اللقب لأنهم زعموا أنهم شروا دنياهم بالآخرة أي باعوا، أو شروا أنفسهم بالجنة لأنهم فارقوا أئمة الجور. و" الشراة" بالفتح: اسم جبل دون عسفان (2). و" شراء" يمد و يقصر و هو الأشهر، يقال:" شريت الشي‌ء أشريه شرى و شراء" إذا بعته و إذا اشتريته أيضا، و هو من الأضداد، و إنما ساغ أن يكون الشراء من الأضداد لأن المتبايعين تبايعا الثمن و المثمن، فكل من العوضين مبيع من جانب و مشتري من جانب. و" شريت الجارية شرى فهي شرية" فعيلة بمعنى مفعولة، و" عبد شري" و جوزوا" مشرية و مشري"، و الفاعل" شار" مثل قاض. و" الشري" يجمع على أشرية و أن شذ، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" كُلَّمَا صَغُرَ مِنْ أُمُورِكَ كُلُّهُ إِلَى غَيْرِكَ"

فقيل: ضرب أي شي‌ء؟ فقال:" ضرب أشرية العقار و ما أشبهها"، و شروى الشي‌ء مثله. و" الشرية" النخلة تنبت من النواة. و" استشرى" إذا لج في الأمر. و" الشرى" كحصى: خراج صغار لها لذع شديد، و منه" شري جلده". و" أشراء الحرم" نواحيه. و" المشتري" نجم ظاهر معروف.

(شطا)

قوله تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [48/ 29] المراد السنبل و فراخ الزرع، عن ابن الأعرابي من" أشطأ الزرع" بالألف" فهو مشطى‌ء" إذا فرخ، و الجمع" أشطاء". قيل: هذا مثل ضرب الله عز و جل للنبي (ص)

____________

(1) في الوافي 2/ 170 عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: صلى بنا علي (ع) ببراثا بعد رجوعه من قتال الشراة ...

(2). الشراة جبل شامخ مرتفع من دون عسفان تأويه القرود ... و به عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز لمن سلك عسفان. مراصد الاطلاع" الشراة".

246

إذ خرج وحده ثم قواه الله بأصحابه. قوله تعالى: شٰاطِئِ الْوٰادِ [28/ 30] أي شطه و جانبه. و" شطا" بغير همز (1): قرية بناحية مصر تنسب إليها الثياب الشطوية و منه‌

حَدِيثٍ أَبِي الْحَسَنِ (ع)

:" إِنِّي كَفَّنْتُ أَبِي فِي ثَوْبَيْنِ شَطَوِيَّيْنِ"

(2)

.

(شظا)

فِي الْخَبَرِ

:" إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ لِإِبْلِيسَ نَسْلًا وَ زَوْجَةٌ أَلْقَى عَلَيْهِ الْغَضَبِ فَطَارَتْ مِنْهُ شَظِيَّةً نَاراً فَخَلَقَ مِنْهَا امْرَأَتَهُ"

(3)

.

قال الجوهري:" الشظية" الفلقة من العصا و نحوها، و الجمع" شظايا".

(شعا)

قال الجوهري:" غارة شعواء" أي متفرقة. و شعيا بن راموسى، قيل: بعثه الله إلى قوم فقتلوه فأهلكهم الله (4).

(شغا)

" السن الشاغية" هي الزائدة على الإنسان، و هي التي يخالف نبتها نبته. و" الشغواء" بفتح الشين و سكون الغين المعجمة و بالمد: العقاب، سمي بذلك لفضل منقارها الأعلى على الأسفل- قاله الجوهري و غيره.

(شفا)

قوله تعالى: عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ [9/ 109] هو بالقصر و فتح الشين‌

____________

(1). و قيل: شطاة ... قال الحسن بن محمد المهلي: على ثلاثة أميال من دمياط على ضفة البحر الملح مدينة تعرف بشطا، و بها و بدمياط يعمل الثوب الرفيع الذي يبلغ الثوب منه ألف درهم و لا ذهب فيه. معجم البلدان (شطا).

(2). الوافي ج 13 ص 57.

(3). البحار ج 14 ص 641.

(4). انظر قصة شعيا في البحار ج 5 ص 371.

247

وزان نوى: طرفه و جانبه، يقال:" شفا جرف" و" شفا بئر" و" شفا واد" و" شفا قبر" و ما أشبهها و يراد بها ذلك، فقوله: عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ أي طرف موضع تجرفه السيول، أي أكلت ما تحته. و" هار" مقلوب من هائر، كقولهم:" شاك السلاح" و" شائك السلاح" كما يأتي في بابه. و مثله قوله تعالى: كُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ [3/ 103] أي طرفها. قوله تعالى: فِيهِ شِفٰاءٌ لِلنّٰاسِ [16/ 69] الضمير للشراب لأنه من جملة الأشفية و الأدوية المشهورة، و تنكيره إما لتعظيم الشفاء الذي فيه أو لأن فيه بعض الشفاء. و قيل: الضمير للقرآن لما فيه من شفاء بعض الأدوية.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ (ع)

:" وَ لَوْ لَا مَا سَبَقَنِي إِلَيْهِ ابْنُ الْخَطَّابِ مَا زَنَى مِنْ النَّاسِ إِلَّا

شَفَى

"

(1)

أي إلا قليل، من قوله:" غابت الشمس إلا شفى" أي إلا قليل من ضوئها لم يغب، و المراد بما سبقه من تحريم المتعة فإنه هو الذي حرمها بعد رسول الله (ص) و لم تكن محرمة في زمانه (ص) و لا في زمان الأول من الخلفاء. و مثله‌

حَدِيثٍ ابْنِ عَبَّاسٍ

:" مَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ إِلَّا رَحْمَةُ رَحِمَ اللَّهِ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدِ، فَلَوْ لَا نَهْيِهِ مَا احْتَاجَ إِلَى الزِّنَى إِلَّا شَفَى".

و" أشفى على الشي‌ء" بالألف: أشرف، و منه أشفى على طلاق نسائه و أشفى المريض على الموت. قيل: و لا يكاد يأتي شفا إلا في الشر.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا تَنْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ أَحَدٌ وَ صِيَامَهُ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى وَرَعِهِ إِذَا

أَشْفَى

"

أي أشرف على الدنيا. و" شفى الله المريض يشفيه" من باب رمى" شفاء" و" أشفيت بالعدو" و" تشفيت به" من ذلك. قال في المصباح: لأن الغضب الكامن كالداء فإذا زال ما يطلبه الإنسان من عدوه فكأنه‌

____________

(1). الوافي ج 12 ص 53.

248

برى‌ء من الداء. و" ما شفيتني فيما أردت" ما بلغتني مرادي و غرضي. و" استشف الرجل" طلب الشفاء. و منه استشفيت من التربة الحسينية.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْحَبَّةَ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ"

قيل: المراد من كل داء من الرطوبة و البرودة و البلغم لأنها حارة يابسة. و‌

فِيهِ

:" عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءِ مِنْ الْعَسَلِ وَ الْقُرْآنِ"

جعل الشفاء حقيقيا و غير حقيقي. و" شفية" بالضم و التصغير: بئر بمكة. و كتاب الشافي للسيد المرتضى في نقض المغني لعبد الجبار، و أبو الحسن البصري (1) كتب نقض الشافي. و بخط الشهيد (ره) أن السيد المرتضى أمر سلارا بنقض نقض الشافي فنقضه.

(شقا)

قوله تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقٰاهٰا [91/ 12] قيل: هو قداد بن سافل عاقر ناقة رسول الله. قوله تعالى: وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعٰائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [19/ 4] أي لم تشقني بالرد و الخيبة. قوله تعالى: غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا [23/ 106] بالكسر أي شقاوتنا، و الفتح لغة. قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدٰايَ فَلٰا يَضِلُّ وَ لٰا يَشْقىٰ [20/ 123] قيل: أي في معيشته.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" وَ إِنْ أَشْقَاهَا الَّذِي يَخْضِبُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ"

أي لحيته من رأسه، أي أشقى اليوم أو أشقى الثلاثة الذين تعاهدوا على قتل ثلاثة منهم ابن ملجم لعنه الله. و" الشقي" ضد السعيد، و شقي يشقى ضد سعد فهو شقي، و" أشقاه الله"

____________

(1). يريد به أبا الحسن الأشعري إمام الأشاعرة.

249

بالألف فهو شقي.

وَ فِي الْحَدِيثَ:"

الشَّقِيُّ

مَنْ

شَقِيَ

فِي بَطْنِ أُمِّهِ"

(1)

أي من قدر الله عليه في أصل خلقته أن يكون شقيا فهو الشقي حقيقة لا من عرض له بعد ذلك، و هو إشارة إلى شقاء الآخرة لا شقاء الدنيا. و الأوضح في معناه ما قيل هو أن الشقي حق الشقي من علم الله أنه سيشقى في فعله من اختياره الكفر و المعصية في بطن أمه فكأنه في بطن أمه علم الله ذلك منه و المعلوم لا يتغير، لأن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه و المعلوم لا يتبع العلم، فإذا كان زيد أسود في علم الله فعلم الله لا يصيره أسود. و في تسميته في بطن أمه شقيا نوع مبالغة، أي سيصير كذلك لا محالة كقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ أي إنك ستموت. و قيل: أراد بالأم جهنم كما في قوله تعالى: فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ أي الشقي كل الشقي من شقي في نار جهنم و هي شقاوة لا شقاوة مثلها. و فيه‌

عَنِ الصَّادِقِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ: مِنْ أَيْنَ لَحِقَ الشَّقَاءُ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى حَكَمَ اللَّهُ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ بِالْعَذَابِ عَلَى عَمَلِهِمْ؟ فَقَالَ:" حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَقِّهِ، فَلَمَّا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ الْقُوَّةَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَ وَضَعَ عَنْهُمْ ثِقْلَ الْعَمَلِ [بِحَقِيقَةِ مَا هُمْ أَهْلُهُ]، وَ وَهَبَ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ الْقُوَّةَ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ وَ مَنَعَهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ، فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا حَالًا تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ، لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ، وَ هُوَ مَعْنَى شَاءَ مَا شَاءَ وَ هُوَ سَرَّهُ"

(2)

.

قال بعض الأفاضل من شراح الحديث:

قَوْلُهُ (ع)

:" فَلَمَّا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهْبٍ ...

إلخ" المراد حكمه تعالى في التكليف الأول يوم الميثاق قبل تعلق الأرواح بالأبدان حيث ظهرت ذلك يوم الطاعة و المعصية فقال جل و عز مشيرا إلى من ظهرت ذلك اليوم منه الطاعة:

" هَؤُلَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ لَا أُبَالِي"

____________

(1). الكافي ج 8 ص 81

(2). الكافي ج 1 ص 153

250

و مشيرا إلى من ظهرت ذلك اليوم منه المعصية:

" هَؤُلَاءِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي"

فلما علم تعالى أن أفعال الأرواح بعد تعلقها بالأبدان موافقة في يوم الميثاق مهد لكل روح شروطا تناسب ما في طبعه من السعادة و الشقاوة. ثم قال:

قَوْلِهِ (ع)

:" وَ مَنَعَهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ"

معناه أنه لم يشأ و لم يقدر قبولهم، و من المعلوم أن المشية و التقدير شرطان في وجود الحوادث.

ثُمَّ قَالَ

:" وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا ...

إلخ" معناه- و الله أعلم- أنه لم يقدروا على قلب حقائقهم بأن يجعلوا أرواحهم من جنس أرواح السعداء، و هو معنى‌

قَوْلِهِ (ع)

:" وَ لَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ".

ثم قال:

وَ قَوْلُهُ (ع)

:" لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ"

تعليل‌

لِقَوْلِهِ

:" فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ".

ثم بين (ره) قاعدة تناسب المقام فقال: الجمادات إذا خليت و أنفسها كانت في أمكنة مخصوصة تناسب طباعها، و كذلك الأرواح إذا خليت و إرادتها اختارت الطاعة أو المعصية بمقتضى طباعها. و‌

فِيهِ

:" هُمْ الْقَوْمِ لَا

يَشْقَى

جَلِيسُهُمْ"

أي لا يخيب عن كرامتهم فيشقى. و قيل: إن صحبتهم مؤثرة في الجليس، فإذا لم يكن له نصيب مما أصابهم كان محروما فيشقى.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَ شَقِيٌّ الرَّجُلُ أَمْ سَعِيدٌ فَانْظُرْ سَيْبَهُ وَ مَعْرُوفَهُ إِلَى مِنْ يَضَعُهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِلَى خَيْرٍ، وَ إِنْ كَانَ يَضَعُهُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ".

و‌

فِيهِ

:" بَيْنَ الْمَرْءِ وَ الْحِكْمَةِ نِعْمَةُ الْعَالِمِ وَ الْجَاهِلُ

شَقِيٌّ

بَيْنَهُمَا"

أي بين نفسه و الحكمة، أي ليس بسعيد- كذا وجدناه في النسخ كلها. و قال بعض علمائنا المتأخرين: و لا يزال يختلج في البال أن هنا سهوا من قلم الناسخ صوابه و الجاهل شفا عنهما، وزان" نوى"، و شفا كل شي‌ء طرفه، و المعنى: صاحب الجهل في‌

251

طرف عنهما- انتهى. و هو كما ترى.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُورِثُ

الشَّقَاءِ

"

بالفتح و المد و فسر بالشدة و العسر. قيل: و هو ينقسم إلى دنيوي هو في المعاش من النفس و المال و الأهل، و أخروي هو في المعاد. قال الجوهري: الشقاء و الشقاوة بالفتح نقيض السعادة، و قرأ قتادة شقاوتنا بالكسر و هي لغة، و إنما جاء بالواو لأنه بني على التأنيث في أول أحواله، و كذلك النهاية، فلم تكن الواو و الياء حرفي إعراب و لو بني على التذكير لكان مهموزا كعظاءة و عباءة و صلاءة، و هذا أعل قبل دخول الهاء يقال:" شقي الرجل" انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، ثم تقول:" يشقيان" فيكونان كالماضي- انتهى.

(شكا)

قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ [24/ 35] المشكاة كوة غير نافذة فيها يوضع المصباح، و استعيرت لصدره (ص) و شبه اللطيفة القدسية في صدره بالمصباح، فقوله: كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ أي كمصباح في زجاجة في مشكاة. و يتم الكلام في النور إن شاء الله تعالى. و" الشكوى" و" الشكاية" المرض. و" دخلت عليه في شكواه" أي في مرضه (1). و" الشكوى المذمومة" هي ما جاءت به الرواية‌

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ

:" إِنَّمَا الشَّكْوَى أَنْ يَقُولَ: لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِمَا لَمْ يَبْتَلِ بِهِ أَحَدٌ، وَ يَقُولَ: لَقَدْ أَصَابَنِي مَا لَمْ يُصِبْ أَحَداً، وَ لَيْسَ الشَّكْوَى أَنْ يَقُولَ: سَهِرْتُ الْبَارِحَةَ وَ حُمِمْتُ الْيَوْمَ وَ نَحْوَ هَذَا"

(2)

.

و اشتكى عضو من أعضائه و تشكى بمعنى. و شكوته شكوى من باب قتل و شكاية،

____________

(1). يذكر في" قسم" حديثا في الشكوى- ز

(2). الوافي ج 13 ص 32.

252

و شكيته شكاية: إذا أخبرت عنه بسوء فعله، و الاسم الشكوى. و" المشتكى" الشكاية، و منه‌

الْخَبَرَ

:" شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) مِنْ حُرٌّ الرَّمْضَاءَ فَلَمْ يَشْكُنَا"

من أشكيته: أزلت شكواه، فالهمزة للسلب مثل" أعريته" أي أزلت عريته. و" اشتكت أم سلمة عينها" أي وجعها و" الشكوة" وعاء كالركوة و القربة الصغيرة، يتخذ للبر، و الجمع" شكى"

(شلا)

فِي الْحَدِيثَ

:" جَعَلَ لَكُمْ

أَشْلَاءٍ

"

أي أعضاء، جمع" شلو" بالكسر، و هو العضو من أعضاء اللحم وزان أحمال و حمل و" أشليت الكلب و غيره إشلاء" دعوته. و" أشليته على الصيد" مثل أغريته وزنا و معنى- كذا ذكر جماعة من أهل اللغة. و نقل عن ابن السكيت منع أشليته على الصيد بمعنى أغريته، و إنما يقال:" أوسدت الكلب بالصيد و آسدته" إذا أغريته به، و لا يقال:" أشليته" إنما الإشلاء الدعاء. و عن تغلب أنه قال: و قول الناس:" أشليت الكلب على الصيد" خطأ.

(شنا)

قوله تعالى: شَنَآنُ قَوْمٍ* [5/ 2] محركة أي بغضاء قوم، و بسكون النون: بغض قوم، و قرى‌ء بهما مع شذوذهما: أما شذوذ التحريك فمن جهة المعنى، لأن فعلان من بناء ما كان معناه الحركة و الاضطراب كالضربان و الخفقان، و أما التسكين فلأنه لم يجى‌ء شي‌ء من المصادر عليه.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا أَبٌ

لشانئيك

"

أي لمبغضيك. و" الله شانى‌ء لأعماله" أي باغض لها. و" شنأ المقام بمكة" أي كرهه. و شنأ شنأ و شنأ و شنأ و شنآنا بالتحريك و شنآنا كله بمعنى البغض. و شنئت أشنؤه من باب تعب مثله‌

(شوا)

قوله تعالى: نَزّٰاعَةً لِلشَّوىٰ [70/ 16]

253

بالفتح جمع" شواء" بالضم و هي جلدة الرأس. و قيل: الآخر من اليد و الرجل و غيرهما. و" النزع" القطع. و" الشواء" ككتاب بمعنى مشوي، من" شويت اللحم شيا". و" أشويت القوم" أطعمتهم شواء.

(شها)

قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ [3/ 14] الشهوات بالتحريك جمع شهوة و هي اشتياق النفس إلى الشي‌ء (1).

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" جَهَنَّمَ مَحْفُوفَةٌ بِاللَّذَّاتِ وَ الشَّهَوَاتِ"

و معناه: من أعطى نفسه لذتها و شهوتها دخل النار. نعوذ بالله منها.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّيَاءِ وَ

الشَّهْوَةُ

الْخَفِيَّةُ"

قيل: هي حب اطلاع الناس على العمل. و" شي‌ء شهي" مثل لذيذ وزنا و معنى. و اشتهيت الشي‌ء و شهوته من باب تعب و علا مثل اشتهيته. قاله في المصباح: و" تشهى" اقترح شهوة بعد شهوة. و" شهيت الشي‌ء"- بالكسر شهوة: إذا اشتهيته.

(شيأ)

قَوْلِهِ تَعَالَى:

أَ وَ لٰا يَذْكُرُ الْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً

[19/ 68] أَيُّ لَا مُقَدَّراً وَ لَا مُكَوَّناً،

قَالَهُ الصَّادِقُ (ع) (2)

.

قِيلَ

: وَ مَعْنَاهُ: لَا مُقَدَّراً فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَ لَا مُكَوَّناً مَخْلُوقاً فِي الْأَرْضِ

، و منه يعلم تجدد إرادته تعالى و تقديره، و هي معنى البداء في حقه تعالى. قوله تعالى: عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ* [2/ 20] الشي‌ء ما صح أن يعلم و يخبر عنه. قال المفسر: و هو أعم العام يجري‌

____________

(1). يذكر في" معد" و" أنس" و" حفف" شيئا في الشهوات، و في" صلصل" منشأها، و في" عون" كسرها- ز

(2). البرهان ج 3 ص 19

254

على الجسم و العرض و القديم، تقول:" شي‌ء لا كالأشياء" أي معلوم لا كسائر المعلومات، و على المعدوم و المحال. قال: إن قلت: كيف قيل:" عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ"* و في الأشياء ما لا تعلق به لقادر كالمستحيل و فعل قادر آخر؟ قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا، فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قال: على كل شي‌ء مستقيم قدير. قوله تعالى: وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [10/ 99]

رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (ع) أَنَّهُ قَالَ

: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ (ص): لَوْ أُكْرِهَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ كَثُرَ عَدَدِنَا وَ قوينا عَلَى عَدُوِّنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص):" مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللَّهَ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحَدِّثُ لِي فِيهَا شَيْئاً

وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ

" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيْهِ: يَا مُحَمَّدُ

وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً

عَلَى سَبِيلِ الإلجاء وَ الِاضْطِرَارِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ وَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ، وَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يستحقوا مِنِّي ثَوَاباً وَ لَا مَدْحاً، لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَمِّنُوا مختارين غَيْرِ مُضْطَرِّينَ ليستحقوا مِنِّي الزُّلْفَى وَ الْكَرَامَةِ وَ دَوَامِ الْخُلُودُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدَ

(1)

قوله تعالى: وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً* [5/ 48] قال المفسر: أي لو شاء لجعلكم على ملة واحدة و لكن جعلكم على شرائع مختلفة ليمتحنكم فيما آتاكم، أي فيما فرض عليكم و شرع لكم. و قيل: فيما أعطاكم من النبيين و الكتاب. قوله تعالى: لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [5/ 101]

رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ

: أَنْ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ فِي كُلِّ عَامٍ كَتَبَ الْحَجِّ عَلَيْنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثاً، فَقَالَ:" وَيْحَكَ وَ مَا يُؤْمِنُكَ أَنْ أَقُولُ

____________

(1). البرهان ج 2 ص 204

255

نَعَمْ، وَ اللَّهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ وَ لَوْ وَجَبَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ لَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، وَ إِنَّمَا يَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَ اخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْ‌ءٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٌ فَاجْتَنِبُوهُ"

(1)

وَ إِنْ تَسْأَلُوا عَنْ هَذِهِ التَّكَالِيفِ الصَّعْبَةِ فِي زَمَانٌ الْوَحْيُ تُبْدِ لَكُمْ تِلْكَ التَّكَالِيفِ تسؤكم وَ تؤمروا بِحِمْلِهَا"

- كذا نقله الشيخ أبو علي (ره). و" أشياء" جمع شي‌ء غير منصرف، و اختلف في تعليله اختلافا كثيرا، قال في المصباح: و الأقرب ما حكي عن الخليل بأن أصله" شيئاء" على وزن حمراء، فاستثقل وجود الهمزتين في آخره فنقلوا الأولى إلى أول الكلمة فقالوا:" أشياء" و المشيئة: الإرادة، من" شاء زيد يشاء" من باب نال: أراده.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" لَا يَكُونُ شَيْ‌ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ إِلَّا بِخِصَالٍ سَبْعَ: بِمَشِيئَةِ، وَ إِرَادَةٍ، وَ قَدَّرَ، وَ قَضَاءً، وَ إِذْنٍ، وَ كِتَابٍ، وَ أَجَلٍ"

(2)

قال بعض أفاضل العلماء: المشيئة و الإرادة و القدر و القضاء كلها بمعنى النقش في اللوح المحفوظ و هي من صفات الفعل لا الذات، و التفاوت بينها تفضيل كل لاحق على سابقه. ثم قال: توقف أفعال العباد على تلك الأمور السبعة إما بالذات أو بجعل الله تعالى، و تحقيق المقام أن تحرك القوى البدنية بأمر النفس الناطقة المخصوصة المتعلقة به ليس من مقتضيات الطبيعة فيكون بجعل جاعل، و هو أن يجعل الله بدنا مخصوصا مسخرا لنفس مخصوصة بأن قال كن متحركا بأمرها، ثم جعل ذلك موقوفا على الأمور السبعة- انتهى.

____________

(1). ذكر الحديث إلى هنا باختلاف يسير الطبرسي في مجمع البيان ج 2 ص 250 و جاء في الدر المنثور ج 2 ص 335 أحاديث بهذا المضمون،

(2). جاء هذا الحديث في الكافي ج 1 ص 149 و الخصال ج 2 ص 120 باختلاف يسير.

256

وَ عَنِ الرِّضَا (ع)

:" أَنْ الإبداع وَ الْمَشِيئَةِ وَ الْإِرَادَةُ مَعْنَاهَا وَاحِدٍ وَ الْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةَ".

وَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

:" لَا يَكُونُ شَيْ‌ءٌ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى" سُئِلَ: مَا مَعْنَى شَاءَ؟ قَالَ:" ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ" سُئِلَ: مَا مَعْنَى قَدَّرَ؟ قَالَ:" تَقْدِيرُ الشَّيْ‌ءِ مِنْ طُولِهِ وَ عِرْضَهُ" سُئِلَ: مَا مَعْنَى قَضَى؟ قَالَ:" إِذَا قَضَى أَمْضَى، فَذَلِكَ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ"

(1)

و على هذا فيكون معنى القضاء هو النقش الحتمي في اللوح المحفوظ. و فيه:

" خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ

(2)

".

قيل في معناه: أن الأئمة (ع) تارة يطلقون المشيئة و الإرادة على معنى واحد، و تارة على معنيين مختلفين، و المراد بهذه العبارة أن الله تعالى خلق اللوح المحفوظ و نقوشها من غير سبب آخر من لوح و نقش آخر و خلق سائر الأشياء بسببهما، و هذا مناسب‌

لِقَوْلِهِ (ع)

:" أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بأسبابها".

و‌

فِيهِ

:" أَمَرَ اللَّهِ وَ لَمْ يَشَأْ وَ شَاءَ وَ لَمْ يَأْمُرْ: أَمَرَ إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدَ لآِدَمَ وَ شَاءَ أَنْ لَا يَسْجُدُ وَ لَوْ شَاءَ لَسَجَدَ، وَ نَهَى آدَمَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَ شَاءَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلْ"

(3)

و منه يعلم أن جميع الكائنات مطابقة لعلمه السابق في الممكنات و هو لا يؤثر في المعلوم كما سبق فلا إشكال. و‌

فِيهِ

:" إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَيْنِ وَ مَشِيئَتَيْنِ: إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ، يَنْهَى وَ هُوَ يَشَاءُ وَ يَأْمُرُ وَ هُوَ لَا يَشَاءُ، نَهَى آدَمَ (ع) وَ زَوْجَتَهُ أَنْ يَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَ شَاءَ أَنْ يَأْكُلَا وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَأْكُلَا لَمَا غَلَبَتْ

____________

(1). ذكر هذا الحديث في الكافي ج 1 ص 150 عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع).

(2). الكافي ج 1 ص 110.

(3). الكافي ج 1 ص 150.

257

شهوتهما مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ إِسْحَاقَ وَ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَذْبَحَهُ وَ لَوْ شَاءَ لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَةُ إِبْرَاهِيمَ مَشِيئَتِهِ"

(1)

و‌

فِيهِ

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وَ مَشِيئَتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَمْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ (ع):" الْعِلْمِ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيئَةَ، أَ لَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ لَا تَقُولَ إِنْ عَلِمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى السَّابِقِ لِلْمَشِيئَةِ"

(2)

وَ لَمْ تَجِدْ أَحَداً إِلَّا وَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَ لِلَّهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ، وَ لَا أَقُولُ إِنَّهُمْ مَا شَاءُوا صَنَعُوا" ثُمَّ قَالَ:" إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي وَ يَضِلُّ".

قال بعض الأفاضل: في هذا الكلام- أعني قوله: لا أقول ما شاءوا صنعوا- نفي لما أعتقده المعتزلة من أن العباد ما شاءوا صنعوا، يعني أنهم مستقلون بمشيئتهم و قدرتهم و لا توقف لها على مشيئة الله تعالى و إرادته و قضائه، و هذا يخرج الله عن سلطانه.

وَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ

: لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى. فَقَالَ الرِّضَا (ع):" يَا يُونُسُ لَيْسَ هَكَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى"

(3)

.

قيل: فيه إنكار كلام يونس لأجل إدخال باء السببية على المشيئة و غيرها المستلزمة لمسببها لا من أجل توقف أفعال العباد عليها توقف الشرط على المشروط.

وَ فِي حَدِيثٍ أَيْضاً

:" لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى، يَا يُونُسُ تَعْلَمُ مَا الْمَشِيئَةُ"؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ:" هِيَ الذِّكْرُ الْأَوَّلُ، فَتَعْلَمُ مَا الْإِرَادَةُ"؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ:" هِيَ الْعَزِيمَةُ عَلَى مَا يَشَاءُ، فَتَعْلَمُ مَا الْقَدَرُ"؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ:" هِيَ الْهَنْدَسَةُ وَ وَضْعُ الْحُدُودِ مِنَ الْبَقَاءِ وَ الْفَنَاءَ" ثُمَّ قَالَ:" وَ الْقَضَاءُ هُوَ الْإِبْرَامُ وَ إِقَامَةُ الْعَيْنِ"

(4)

.

قال بعض الأفاضل: كأن‌

____________

(1). الكافي ج 1 ص 150.

(2). الكافي ج 1 113.

(3). هذان الحديثان هما حديث واحد مذكور في الكافي ج 1 ص 158،

(4). هذان الحديثان هما حديث واحد مذكور في الكافي ج 1 ص 158،

258

المراد من الذكر الأول و العزيمة و القدر و القضاء النقوش الثابتة في اللوح المحفوظ، و من تفسير القدر بالهندسة تقديرات الأشياء من طولها و عرضها، و الهندسة عند أهل اللسان هي تقدير مجاري القنى حيث تحفر. و الشي‌ء في اللغة عبارة عن كل موجود إما حسا كالأجسام و إما حكما كالأقوال، نحو:" قلت شيئا".

وَ فِي حَدِيثٍ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْ‌ءٌ

:" أَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ: إِنَّهُ شَيْ‌ءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ: حَدِّ التَّعْطِيلِ، وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ"

(1)

و المعنى لا تقل إنه لا شي‌ء و لا تقل إنه شي‌ء كالأشياء التي تدرك بالعقول، بل إنه شي‌ء موجود لا يشابه شيئا من الماهيات المدركة و لا شيئا من الممكنات.

وَ فِي حَدِيثِ وَصَفَهُ تَعَالَى

:" لَا مِنْ شَيْ‌ءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْ‌ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ"

قيل في معناه: إنه (ع) نفى‌

بِقَوْلِهِ

:" لَا مِنْ شَيْ‌ءٍ كَانَ"

جميع حجج السنوية و شبههم، لأن أكثر ما يعتمدونه في حدوث العالم أن يقولوا: لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شي‌ء أو من لا شي‌ء، فقولهم من شي‌ء خطأ و قولهم من لا شي‌ء مناقضة و إحالة لأن من توجب شيئا و لا شي‌ء ينفيه، فأخرج (ع) هذه اللفظة‌

فَقَالَ

:" لَا مِنْ شَيْ‌ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ"

فنفى من إذ كانت توجب شيئا و نفى الشي‌ء إذ كان كل شي‌ء مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق، كما قالت الثنوية: إنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبيرا إلا باحتذاء مثال. و" إن شاء الله" تكرر في الحديث بعد إعطاء الحكم كقوله‌

فِي حَدِيثٍ الْوَصِيَّةِ

:" لَا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يُخَالِفَا الْمَيِّتَ وَ أَنْ يَعْمَلَا حَسَبَ مَا أَمَرَهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ"

وَ قَوْلُهُ (ع)

:" وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ"

و نحو ذلك. فقيل: معناه إذ شاء الله. و قيل:" إن" شرطية و المعنى: لاحقون في الموافاة على الإيمان و قيل: هو التبري و التفويض،

____________

(1). الكافي ج 1 ص 82.