مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
259

و منه قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ [48/ 27] و يحتمل أن يريد لتدخلن جميعا إن شاء الله و لم يمت منكم أحد. و قيل هو على التأديب كقوله تعالى: وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ [18/ 23] و يحتمل إرادة التبرك بذكر الله أو بمعنى" قد"- و الله أعلم.

باب ما أوله الصاد

(صبا)

قوله تعالى: وَ الصّٰابِئِينَ* [2/ 62] بالهمز و قرأ نافع بالتخفيف، هو من" صبأ فلان" خرج من دينه إلى دين آخر، و" صبأت النجوم" خرجت من مطالعها. قيل: أصل دينهم دين نوح (ع) فمالوا عنه. و قيل: الصابئون لقب لقب به طائفة من الكفار يقال إنها تعبد الكواكب في الباطن، و تنسب إليه النصرانية، يدعون على أنهم على دين صابى‌ء بن شيث بن آدم (ع). و في الصحاح: الصابئون جنس من الكفار. و في القاموس: الصابئون يزعمون أنهم على دين نوح و قبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار. و في الكشاف: هم قوم عدلوا عن اليهودية و النصرانية و عبدوا الملائكة. و‌

عَنْ قَتَادَةَ

: الْأَدْيَانِ سِتَّةَ خَمْسَةَ لِلشَّيْطَانِ وَ وَاحِدٍ لِلرَّحْمَنِ:

الصَّابِئُونَ

يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةُ وَ يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَ يَقْرَءُونَ الزَّبُورِ، وَ الْمَجُوسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرِ، وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانِ، وَ الْيَهُودِ، وَ النَّصَارَى

(1)

.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" سُمِّيَ

الصَّابِئُونَ

لِأَنَّهُمْ صَبُّوا إِلَى تَعْطِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ الشَّرَائِعِ، وَ قَالُوا: كُلَّمَا جَاءُوا بِهِ بَاطِلٌ، فجحدوا تَوْحِيدِ اللَّهِ وَ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَ رِسَالَةِ الْمُرْسَلِينَ وَ وَصِيَّةِ الْأَوْصِيَاءِ، فَهُمْ

____________

(1). انظر تفصيل معتقدات الصابئة في الملل و النّحل ج 2 ص 108- 230.

260

بِلَا شَرِيعَةِ وَ لَا كِتَابِ وَ لَا رَسُولُ".

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هٰادُوا وَ الصّٰابِئُونَ [5/ 69] قال المفسر: قال سيبويه و الخليل و جميع البصريين: إن قوله وَ الصّٰابِئُونَ محمول على التأخير و محمول على الابتداء، و المعنى: أن الذين آمنوا و الذين هادوا من آمن بالله ... إلخ و الصابئون و النصارى كذلك أيضا. قوله تعالى: وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [19/ 12] أي الحكمة و النبوة و هو ابن ثلاث سنين. قوله تعالى: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ [12/ 33] أي أميل إليهن. و" الصبي" الصغير و هو من الواو. و في القاموس: من لم يفطم بعد. و في الصحاح: الغلام. و الجمع صبية بالكسر و الصبيان. و" الصبا" مقصور مكسور: الصغر. و صبا صبوا مثل قعد قعودا و صبوة مثل شهوة: مال. و" الصبية" على فعيلة: الجارية، و الجمع" الصبايا" مثل المطية و المطايا. و" بنت تسع سنين لا تستصبي إلا أن يكون في عقلها ضعف" أي لا تعد في الصبايا. و" أم الصبيان" ريح تعرض لهم. و" الإمرة الصبيانية" القوية الشديدة، و منه‌

" خَالِطُوهُمْ بِالْبَرَّانِيَّةِ وَ خَالِفُوهُمْ بِالْجَوَّانِيَّةِ إِذَا كَانَتْ الْأَمْرِ صِبْيَانِيَّةً"

. وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ كَانَ عِنْدَهُ

صَبِيٌّ

فَلْيَتَصَابَ"

أي يجعل نفسه مثله و ينزلها منزلته. و" الصبا" كعصا: ريح تهب من مطلع الشمس، و هي أحد الأرياح الأربع. و قيل: الصبا التي تجي‌ء من ظهرك إذا استقبلت القبلة، و" الدبور" عكسها. و العرب تزعم أن الدبور تزعج السحاب و تشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه و استقبلته الصبا فوزعت بعضه على بعض حتى يصير كسفا واحدا، و الجنوب تلحق روادفه به و تمده، و الشمال‌

261

تمزق السحاب. و عن بعض أهل التحقيق أن الصبا محلها ما بين مطلع الشمس و الجدي في الاعتدال، و الشمال محلها من الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدال، و الدبور من سهيل إلى المغرب، و الجنوب من مطلع الشمس إليه. و قد نظم ذلك بعضهم فقال:

مهب الصبا من مطلع الشمس واصل * * * إلى الجدي و الشمال حتى مغيبها

و بين سهيل و الغروب تفردت * * * دبور و مطلعها إليه جنوبها

(صحا)

الصحو: ذهاب الغيم، يقال:" أصحت السماء" بالألف أي انقشع عنها الغيم فهي مصحية. و عن الكسائي لا يقال:" أصحت فهي مصحية" و إنما يقال: صحت فهي صحو، و أصحى اليوم فهو مصح، و" أصحينا" صرنا في صحو. و عن السجستاني: العامة تظن أن" الصحو" لا يكون إلا ذهاب الغيم، و ليس كذلك و إنما الصحو تفرق الغيم مع ذهاب البرد. و" صحا من سكره صحوا" أي زال سكره فهو صاح.

(صدا)

قوله تعالى: مُكٰاءً وَ تَصْدِيَةً [8/ 35] قيل: المكاء الصفير، و التصدية تفعلة من الصدى و هو أن يضرب بإحدى يديه على الأخرى فيخرج بينهما صوت و هو التصفيق. قوله تعالى: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّٰى [80/ 6] أي تعرض و تقبل عليه بوجهك، من" التصدي" و هو الاستشراف إلى الشي‌ء ناظرا إليه،

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ (ره)

: وَ قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) تصدى بِضَمِّ التَّاءُ وَ فَتَحَ الصَّادُ وَ تلهى بِضَمِّ التَّاءُ أَيْضاً

(1)

.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" فَجَعَلَ الرَّجُلِ

يَتَصَدَّى

لَهُ (ص) ليأمره بِقَتْلِهِ"

أي يتعرض له، و المصادة: المعارضة. و" صدى" كنوى: ذكر البوم. و" صدأ الحديد" وسخه، و صدى‌ء

____________

(1). مجمع البيان ج 5 ص 436.

262

الحديد صدءا من باب تعب إذا علاه الخرب‌

وَ فِي الْخَبَرِ

:" إِنْ هَذَا الْقَلْبِ يَصْدَأُ كَمَا

يَصْدَأُ

الْحَدِيدِ"

أي يركبه الرين بمباشرة المعاصي و الآثام فيذهب بجلائه.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

:"

يَصْدَأُ

الْقَلْبِ فَإِذَا ذَكَرْتُهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ انْجَلَى".

و" صدى صدى" من باب تعب: عطش، فهو صاد و صديان و امرأة صديا و قوم صداء أي عطاش. و" الصدى" صوت يسمعه المصوت عقيب صوته راجعا إليه من جبل أو بناء مرتفع. و" الصدى ما يخرج من الآدمي بعد موته و حشو الرأس و الدماغ.

(صرا)

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

تُصَرُّوا

الْإِبِلَ وَ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ خِدَاعَ"

أي لا تفعلوا ذلك فإنه خداع، التصرية فيما بينهم هي تحفيل الشاة و البقرة و الناقة و جمع لبنها في ضرعها بأن تربط أخلافها و يترك حلبها اليوم و اليومين و الثلاثة ليتوفر لبنها ليراه المشتري كثيرا فيزيد في ثمنها و هو لا يعلم. يقال:" صريت الناقة" من باب تعب فهي صرية، و" صريتها صريا" من باب رمى، و التضعيف مبالغة و تكثير: إذا تركت حلبها و جمعت لبنها.

(صعا)

في الحديث ذكر" الصعوة" كتمرة، قيل: هي اسم طائر من صغار العصافير أحمر الرأس، و الجمع صعو و صعاء كدلو و دلاء.

(صغا)

قوله تعالى: وَ لِتَصْغىٰ إِلَيْهِ [6/ 113] أي يميل إليه، أي إلى هذا الوحي أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، أي قلوبهم. فالعامل في قوله تعالى: وَ لِتَصْغىٰ قوله يُوحِي و لا يجوز أن يكون العامل فيه جَعَلْنٰا لأن الله لا يريد إصغاء القلوب إلى الكفر و وحي الشياطين. قوله تعالى: إِنْ تَتُوبٰا إِلَى اللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا [66/ 4] قال الشيخ‌

263

أبو علي: هو خطاب لعائشة و حفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا أي وجد منهما ما يوجب التوبة و هو ميل قلوبكما عن الواجب فيما يخالف رسول الله (ص) من حب ما يحبه و كراهة ما يكرهه، أو أن تتوبا إلى الله مما هممتما من الشتم فقد زاغت قلوبكما. و" صغي يصغى صغا" من باب تعب و صغيا على فعول و" صغوت" من باب قعد لغة. و بالأولى جاء القرآن. و" صغت النجوم" مالت للغروب. و" أصغيت بسمعي و رأسي" أملتهما‌

(صفا)

قوله تعالى: أَ فَأَصْفٰاكُمْ [17/ 40] أي آثركم. قوله تعالى: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ [2/ 158] هما جبلان معروفان بمكة يسعى بينهما، و يجوز التذكير و التأنيث في الصفا باعتبار لفظ المكان و البقعة، و يستعمل في الجمع و المفرد، فإذا استعمل في المفرد فهو الحجر و إذا استعمل في الجمع فهو الحجارة الملساء، الواحدة" صفوانة".

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" إِنَّمَا سُمِّيَ

الصَّفَا

صَفَاءَ لِأَنَّ الْمُصْطَفَى آدَمَ هَبَطَ عَلَيْهِ فَقُطِعَ لِلْجَبَلِ اسْمٌ مِنِ اسْمِ آدَمَ، وَ هَبَطَتْ حَوَّاءُ عَلَى الْمَرْوَةِ فَسُمِّيَتِ الْمَرْوَةَ لِأَنَّ الْمَرْأَةِ أُهْبِطَتْ عَلَيْهَا فَقُطِعَ لِلْجَبَلِ اسْمٌ مِنِ اسْمِ الْمَرْأَةِ"

(1)

قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ [35/ 32] قيل: هم علماء الأمة لما‌

رُوِيَ

:" أَنْ الْعُلَمَاءِ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ"

(2)

.

وَ فِي حَدِيثٍ الْبَاقِرِ وَ الصَّادِقِ (ع) قَالا

:" هِيَ لَنَا خَاصَّةً وَ إِيَّانَا عَنَى"

(3)

و قوله تعالى: فَمِنْهُمْ

____________

(1). البرهان ج 1 ص 169.

(2). الكافي ج 1 ص 32

(3). البرهان ج 3 ص 369

264

ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ قيل: الضمير للعباد، لأن من عباده من هو ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ و من هو مُقْتَصِدٌ و من هو سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ. و قيل: الضمير للذين اصطفاهم لكنه لا يلائم قوله: فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ كما ترى. و‌

فِي تَفْسِيرِ الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (1)

:

فَمِنْهُمْ

أَيُّ مِنْ آلِ مُحَمَّدِ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ

ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ

وَ هُوَ الْجَاحِدُ لِلْإِمَامِ

وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ

وَ هُوَ الْمُقِرُّ بِالْإِمَامِ

وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ

هُوَ الْإِمَامِ

(2)

قوله تعالى: كَمَثَلِ صَفْوٰانٍ عَلَيْهِ تُرٰابٌ [2/ 264] صفوان اسم للحجر الأملس، و هو اسم واحد معناه جمع واحده" صفوانة" أيضا. و" صفا الماء صفوا" من باب قعد و صفاء ممدودا: إذا خلص من الكدر. و" صفيته من القذر تصفية" أزلته عنه و" صفو الشي‌ء" خالصه و خياره.

وَ فِي حَدِيثٍ الْأَئِمَّةِ (ع)

:" نَحْنُ قَوْمٌ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَنَا، لَنَا الْأَنْفَالُ وَ لَنَا

صَفْوُ

الْمَالِ"

(3)

أي جيده و أحسنه كالجارية الفاره و السيف القاطع و الدرع قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال. و‌

فِي آخَرَ

:" لِلْإِمَامِ

صَوَافِي

الْمُلُوكِ"

و هي ما اصطفاه ملك الكفار لنفسه، و قيل: الصوافي ما ينقل و القطائع ما لا ينقل، و قد اصطفى رسول الله يوم بدر سيف منبه بن الحجاج و هو ذو الفقار اختاره لنفسه. و" محمد (ص) صفوة الله من خلقه" أي اصطفاه.

____________

(1). هو أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب، سمع فأكثر، و صنف كتبا كثيرة، و أضر في وسط عمره، توفي سنة 202 ه‍، طبع تفسيره بإيران سنة 1313 ه‍. رجال النجاشي ص 197، تنقيح المقال ج 2 ص 260

(2). انظر التفسير ص 546

(3). الكافي ج 1 ص 186

265

و" صفوة المال" بحركات الصاد: جيده، فإذا نزعوا الهاء قالوا:" صفو المال" بالفتح لا غير. و" الصافية" أحد الحيطان السبعة لفاطمة (ع). و صفوان بن يحيى البجلي الثقة أحد رواة الحديث (1). و الصفواني هو محمد بن أحمد [بن عبد الله] بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمال شيخ الطائفة ثقة فقيه فاضل (2). و صفوان بن أمية الجمحي هو الذي استعار درعا حطمية و كان ذلك قبل إسلامه و هو الذي سرق رداؤه من المسجد بعد إسلامه (3). و صفية بنت عبد المطلب والدة الزبير و لذا كان علي ابن خاله (4).

____________

(1). هو أبو محمدصفوان بن يحيى بياع السابري، أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث و أعبدهم، روى عن الرضا و الجواد و أبي جعفر (ع) و روى عن أربعين رجلا من أصحاب الصادق (ع)، كان وكيلا للإمام الرضا (ع)، له كتب كثيرة، توفي سنة 210 ه‍ الفهرست للطوسي ص 109.

(2). ناظر قاضي الموصل في الإمامة بين يدي ابن حمدان فطلب القاضي من الصفواني المباهلة غدا، و عند ما باهله حم و مات، قيل إنه كان أميا و له كتب أملاها من ظهر قلبه. الفهرست للطوسي ص 159، رجال النجاشي ص 306.

(3). هو أبو وهب‌صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، قتل أبوه يوم بدر كافرا، و كان إليه أمر الأزلام في الجاهلية قيل: إنه مات سنة 41 أو 42 ه‍. الإصابة ج 2 ص 181.

(4). تزوجها في الجاهلية الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو أبي سفيان فمات عنها فتزوجها العوام بن خويلد فولدت له الزبير و عبد الكعبة، و لم يختلف في إسلامها أحد كما وقع الاختلاف في إسلام بقية عمات النبي (ص) تنقيح المقال ج 3 ص 81 من فصل النساء.

266

(صلا)

قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ [22/ 40] قيل: هي كنائس اليهود، و سميت الكنيسة صلاة لأنه يصلى فيها.

وَ فِي قِرَاءَةِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الصَّادِقِ (ع)"

صَلَوَاتُ

" بِضَمِّ الصَّادُ وَ اللَّامِ وَ فَسَّرَهَا بالحصون وَ الآطام

(1)

، وَ هِيَ حُصُونُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَ الْبَيْعِ للنصارى.

و" الصلاة" في كتاب الله جاءت لمعان: (منها) قوله تعالى: وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ أي و ادع لهم إِنَّ صَلٰاتَكَ أي دعاءك سَكَنٌ و تثبيت لَهُمْ [9/ 103]. و (منها) قوله تعالى: إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً [4/ 103] و يريد بها الصلاة المفروضة. و (منها) قوله تعالى: أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ [2/ 157] أي ترحم. و (منها) قوله تعالى: أَ صَلٰاتُكَ تَأْمُرُكَ [11/ 87] أي دينك، و‌

قِيلَ

: كَانَ شُعَيْبٍ كَثِيرٍ الصَّلَاةِ فَقَالُوا لَهُ ذَلِكَ.

و" المصلى" بفتح اللام موضع الصلاة و الدعاء، و منه قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى [2/ 125] قوله تعالى: اصْلَوْهَا* [36/ 64] أي احترقوا بها. يقال:" صليت النار و بالنار" إذا نالك حرها. قوله تعالى: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً [4/ 30] أي نلقيه فيها. قوله تعالى: وَ يَصْلىٰ سَعِيراً [84/ 12] قرى‌ء مخففا و مشددا فمن خفف فهو" من صلي" بكسر اللام يصلى صليا: احترق، و مثله: هُمْ أَوْلىٰ بِهٰا صِلِيًّا [19/ 70]. قوله تعالى: وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [56/ 94] التصلية: التلويح على النار. و اختلف في اشتقاق الصلاة بمعنى ذات الأركان: فعن المغرب أنها فعلة من" صلى" كالزكاة من زكى و اشتقاقها من‌

____________

(1). انظر البرهان ج 3 ص 94.

267

" الصلا" و هو من العظم الذي عليه الأليان، لأن المصلي يحرك صلويه في الركوع و السجود. و عن ابن فارس هي من" صليت العود بالنار" إذا لينته، لأن المصلي يلين بالخشوع. قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [33/ 56] قرى‌ء برفع مَلَائِكَتُهُ، فقال الكوفيون بعطفها على أصل إن و اسمها، و قال البصريون مرفوعة بالابتداء كقول الشاعر (1):

نحن بما عندنا و أنت بما * * * عندك راض و الأمر مختلف

قال بعض الأفاضل:" الصلاة" و إن كانت بمعنى الرحمة لكن المراد بها هنا الاعتناء بإظهار شرفه و رفع شأنه، و من هنا قال بعضهم: تشريف لله محمدا (ص) بقوله: إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ أبلغ من تشريف آدم بالسجود.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ"

(2)

قيل: ليس التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل لبيان حال من يعرف بمن لا يعرف، و قيل: هو في أصل الصلاة لا في قدرها. و قيل: معناه اجعل لمحمد صلاة بمقدار الصلاة لإبراهيم و آله، و في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء و ليس في آله نبي، فطلب إلحاق جملة فيها نبي، واحد بما فيه أنبياء. و اختلف في وجوب الصلاة على محمد (ص) في الصلاة: فذهب أكثر الإمامية و أحمد و الشافعي إلى وجوبها فيها، و خالف أبو حنيفة و مالك في ذلك و لم يجعلاها شرطا في الصلاة، و كذلك اختلف في إيجابها عليه في غير الصلاة: فذهب الكرخي إلى وجوبها في العمر مرة، و الصحاوي‌

____________

(1). البيت لعمرو بن امرى‌ء القيس الأنصاري أو لقيس بن الخطيم بن عدي الأوسي الأنصاري.

(2). البرهان ج 3 ص 335.

268

كلما ذكر و اختاره الزمخشري، و كذلك ابن بابويه من فقهائنا و هو قوي.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (ص) أَفْضَلَ مِنَ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ"

و وجهه أن فيها ذكر الله و تعظيم النبي، و من ذكره عن مسألة أعطاه أفضل مما يعطي الداعي لنفسه، و يدخل في ذلك كفاية ما يهمه في الدارين. و‌

فِيهِ

:" مِنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةِ

صَلَّتْ

الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ عَشْراً"

أي دعت له و باركت و جاءت الصلاة بمعنى التعظيم، قيل: و منه" اللهم صل على محمد و آل محمد" أي عظمه في الدنيا (1) بإعلاء ذكره و إظهار دعوته و إبقاء شريعته، و في الآخرة بتشفيعه في أمته و تضعيف أجره و مثوبته. و‌

فِيهِ

:" مَا مِنْ صَلَاةٍ يَحْضُرُ وَقْتُهَا إِلَّا نَادَى مَلَكٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ ...

إلخ" قال بعض الشارحين" من" صلة لتأكيد النفي" إلا نادى ملك" استثناء مفرغ و جملة" نادى ملك" حالية، و المعنى: ما حضر وقت صلاة على أي حالة من الحالات إلا مقارنا لنداء ملك ... إلخ و إنما صح خلو الماضي عن" قد" و الواو مع كونه حالا لأنه في هذه المقامات قصد به تعقيب ما بعد" إلا" لما قبلها فأشبه الشرط و الجزاء- انتهى. و يتم البحث في" يدا" إن شاء الله تعالى. و" الصلا" وزان العصا و هو مغرز الذنب من الفرس. و" الصلوان" العظمان النابتان عن يمين الذنب و شماله، و منه قيل للفرس الذي بعد السابق" المصلي" لأن رأسه عند صلا السابق. و عليه حمل قوله تعالى: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [74/ 43] أي لم نك من أتباع السابقين. و" المصالي" الأشراك تنصب للطير، و منه‌

" إِنْ لِلشَّيْطَانِ فخوخا وَ مصالي"

الواحدة مصلاة. و قيل:" و مصالي الشيطان" ما يستفز الناس به من زينة‌

____________

(1). في النسخ المطبوعة" أعطه في الدنيا" و التصحيح من النهاية (صلا).

269

الدنيا و شهواتها. و" الصلاء" ككساء: الشواء لأنه يصلى بالنار. و" الصلاء" أيضا: صلاء النار. قال الجوهري: فإن فتحت الصاد قصرت و قلت" صلا النار". و" الاصطلاء بالنار" تسخن بها. و" فلان لا يصطلى بناره" أي شجاع لا يطاق.

(صنا)

قوله تعالى: صِنْوٰانٌ وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ [13/ 4] الصنوان نخلتان و ثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو كجرو، و الجمع" صنوان". و" الصنو" المثل، و منه‌

حَدِيثٍ ابْنِ عَبَّاسٍ

:" عَمٍّ الرَّجُلِ

صِنْوُ

أَبِيهِ"

أي مثله‌

(صوا)

" الصوى" الأعلام من الحجارة، الواحدة" صوة" مثل مدية و مدى. و" الصاوي" اليابس، و منه صوت النخلة‌

(صها)

يقال: صهي الجرح بالكسر (1) يصهى صهيا إذا ندي و سال.

باب ما أوله الضاد

(ضحا)

قوله تعالى: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا [91/ 1] أي ضوئها إذا أشرقت. قوله تعالى: وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا [79/ 29] أي نورها و الضمير للشمس و" ضحى الشمس" امتداد ضوئها و انبساطه و إشراقه. قوله تعالى: وَ لٰا تَضْحىٰ [20/ 119] أي لا يصيبك فيها أذى الشمس و حرها. قوله تعالى: وَ الضُّحىٰ [93/ 1]

____________

(1). في الصحاح عن أبي عبيد: صهي الجرح بالفتح.

270

أي وقت ارتفاع الشمس، و خصه لقوة النهار فيه، أو لتكليم موسى فيه، أو أراد النهار لمقابلته بالليل. قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَهٰا لَمْ يَلْبَثُوا إِلّٰا عَشِيَّةً أَوْ ضُحٰاهٰا [79/ 46] قيل: معناه يَوْمَ يَرَوْنَهٰا أي يعاينون القيامة لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلّٰا عَشِيَّةً أَوْ ضُحٰاهٰا و قيل: معناه إذا رأوا الآخرة صغرت الدنيا في أعينهم حتى كأنهم لم يقيموا بها إلا مقدار عشية أو مقدار ضحى تلك العشية. و مثله قوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مٰا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلّٰا سٰاعَةً مِنْ نَهٰارٍ [46/ 35].

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

أضح

لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ"

(1)

أي أظهر و اعتزل الكن و الظل. يقال:" ضحيت للشمس و ضحيت" إذا برزت لها و ظهرت. و في الصحاح: يرويه المحدثون أضح بفتح الألف و كسر الحاء و إنما هو بالعكس- انتهى. و" ضحوة النهار" بعد طلوع الشمس قال الجوهري: ثم بعده الضحى و هي حين تشرق الشمس، مقصورة تؤنث و تذكر فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، و من ذكر ذهب إلى أنها اسم على فعل مثل صرد، و هو ظرف غير متمكن مثل سحر و يقال:" لقيته ضحى" إذا أردت به ضحى يومك [لم تنونه]، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر و هو عند ارتفاع النهار الأعلى، تقول منه:" أقمت بالمكان حتى أضحيت".

وَ فِي دُعَاءً الِاسْتِسْقَاءِ

:" حَتَّى

ضاحت

بِلَادِنَا وَ اغْبَرَّتْ أَرْضَنَا"

أي برزت للشمس و ظهرت بعد النبات فيها، من" ضحيت للشمس" برزت،

وَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ (ع)

:" إِنْ ضاحت جِبَالُنَا"

و سيجي‌ء في محله إن شاء الله تعالى. و الأضحى من الخيل: الأشهب و الأنثى ضحياء. و" ضاحية كل شي‌ء" ناحيته البارزة، و منه" ينزلون الضواحي" و فلان أضحى‌

____________

(1). الكافي ج 4 ص 350.

271

يفعل كذا" كما تقول:" ظل يفعل كذا" و" ضحى تضحية" إذا ذبح الأضحية وقت الضحى يوم الأضحى، و هذا أصله ثم كثر حتى قيل و ضحى في أي وقت كان من أيام التشريق، و يتعدى بالحرف فيقال:" أضحيت بشاة". و في الأضحية لغات محكية عن الأصمعي أضحية و إضحية بضم الهمزة و كسرها و ضحية على فعيلة و الجمع ضحايا كعطية و عطايا و أضحاة كأرطاة و الجمع أضحى كأرطى (1).

(ضرا)

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" يَمْشُونَ الْحَفَاءِ وَ يَدْنُونَ

الضَّرَّاءِ

"

و هو بتخفيف الراء و المد و الفتح: الشجر الملتف، يريد المكر و الخديعة- قاله في النهاية. و فيه نهي عن الشرب في الإناء الضاري و هو الذي ضري بالخمر و عود بها فإذا جعل فيه العصير صار خمرا. و الضاري من الكلاب ما لهج بالصيد. يقال: ضري بالشي‌ء كتعب ضراوة اعتاده و اجترى عليه فهو ضار، و كلبة ضارية و يعدى بالهمز و التضعيف فيقال: أضريته و ضريته. و" الذئب الضاري" الذي اعتاد أكل لحوم الناس. و" عرق ضري" لا يكاد ينقطع دمه.

(ضفا)

" ثوب ضاف" أي سابغ من الضفو السبوغ، يقال: ضفا الثوب يضفو ضفوا فهو ضاف أي تام واسع، و" فلان في ضفوة من عيشه" و" رجل ضاف الرأس" كثير شعر الرأس- قاله الجوهري.

(ضنا)

فِي حَدِيثٍ الْخِضَابِ

:" يَذْهَبُ

بالضناء (2)

"

بالفتح و المد اسم من ضني بالكسر: مرض مرضا ملازما حتى أشرف على الموت، فهو" ضن" بالنقص، و منه‌

____________

(1). ذكر في" عشر" و" وتر" و" نقص" و" عظم" شيئا في الأضحى- ز-.

(2). من لا يحضر ج 4 ص 267.

272

الْخَبَرَ

:" إِنْ مَرِيضاً اشْتَكَى حَتَّى

أضنى

"

أي أصابه الضنا حتى نحمل جسمه. و أضناه المرض: أثقله.

وَ فِي حَدِيثٍ

:" الدُّنْيَا

تضني

ذَا الثَّرْوَةِ الضَّعِيفِ"

أي تمرض صاحب الثروة و الغناء الضعيف الاعتقاد بإدخال الحرص و البخل و سوء الاعتقاد، فلا ينتفع بشي‌ء من غناه. و" الضناء" بالفتح: الولد، يقال: ضنت المرأة ضناء: كثر ولدها فهي ضانى‌ء، و ضانئة و أضنأت مثله- قاله الجوهري. و قال في باب الألف:" ضنت المرأة ضناء" ممدود: كثر ولدها يهمز و لا يهمز و" الضنو" الولد بفتح الضاد و كسرها بلا همز- نقلا عن أبي عمرو.

(ضوا)

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً [10/ 5] الضياء: الضوء و كذلك الضوء بالضم. و فرق ما بين الضياء و النور هو أن الضياء ما كان من ذات الشي‌ء كالشمس، و النور ما كان مكتسبا من غيره كاستنارة الجدران بالشمس. و" أضاء القمر إضاءة" أنار و أشرق، و ضاء ضوءا لغة. و الكواكب قيل: كلها مضيئة بذاتها إلا القمر فإن نوره مستفاد من الشمس. و قيل: إن المضي‌ء بالذات هو الشمس فقط و ما سواها مستضي‌ء منها. و قيل: إن الثوابت مستضيئة بذاتها و ما عدا الشمس من السيارة مستضيئة من الشمس. قوله تعالى: يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِي‌ءُ [24/ 30] قيل: هو مثل للنبي (ص) أي يكاد منظره يدل على نبوته و إن لم يتل قرآنا. قوله تعالى: أَضٰاءَتْ مٰا حَوْلَهُ [2/ 17] أي ما حول المستوقد. و" ضوى إليه" و" انضوى إليه" مال إليه و مثله ضوى إليه المسلمون. و منه‌

حَدِيثٍ مُوسَى (ع)

:" فَمَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ وَ

انْضَوَى

إِلَيْكَ"

أي مال إليك و انضم و" ضئضى‌ء الشي‌ء" أصله، و منه‌

273

حَدِيثٍ عَلِيِّ

:" سَيَخْرُجُ مِنْ ضئضى‌ء هَذَا قَوْمٍ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ".

و" الضوضاة" أصوات الناس و جلبتهم‌

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" وَقَعَ بَيْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ

ضوضاة

"

(1)

أي معاركة و مصايحة.

(ضها)

قوله تعالى: يُضٰاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا [9/ 30] يهمز و لا يهمز و بهما قرى‌ء أي يشابهونه، من المضاهاة أعني المشابهة. و" المضاهاة" معارضة الفعل بمثله، يقال:" ضاهيته" إذا فعلت مثل فعله. و منه‌

الْخَبَرَ

:" أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً الَّذِينَ

يضاهئون

خَلَقَ اللَّهِ"

أراد المصورين الذين يضاهئون خلق الله و يعارضونه. و يقال للمرأة التي لا تحيض" ضهياء" لأنها عارضت الرجال.

باب ما أوله الطاء

(طأطأ)

فِي الْخَبَرَ

:"

تَطَأْطَأَتْ

لَكُمْ

تطأطؤ

الدِّلَاءِ"

أي خفضت نفسي لكم كما يخفضها المستقون بالدلاء، من قولهم:" تطأطأ تطأطؤ" انحنى انحناء و خضع. و منه:

"

طَأْطَأَ

كُلُّ شَرِيفٍ لِشَرَفِكُمْ"

(2)

أي تواضع و خضع.

وَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْحَسَنِ (ع)

: وَ قَدْ رَكِبَ بَغْلَةٍ تَطَأْطَأَتْ عَنْ سُمُوِّ الْخَيْلِ.

(طبي)

.

____________

(1). عبد الله هذا هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) الملقب بالمحض. انظر ترجمته في تنقيح المقال ج 2 ص 177.

(2). من زيارة الجامعة الكبيرة.

274

و طباه يطبوه و يطبيه: إذا دعاه و" الطبي" للحافر و السباع كالضرع لغيرها. و من أمثلتهم:" قد بلغ السيل الزبى و جاوز الحزام الطبيين" (2) هو كناية عن المبالغة في تجاوز الحد في الشر و الأذى، لأن الحزام إذا انتهى إلى الطبيين فقد انتهى إلى أبعد غاياته فكيف إذا جاوزه. و" طبيته عن كذا" صرفته عنه.

(طحا)

قوله تعالى: وَ الْأَرْضِ وَ مٰا طَحٰاهٰا [91/ 6] أي بسطها فوسعها، يقال:" طحوته" مثل دحوته أي بسطته. و" الطحا" مقصور: المنبسط من الأرض، و الطاحي الممتد.

(طخا)

فِي الْخَبَرِ

:" إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ

طَخَاءٌ

عَلَى قَلْبِهِ فَلْيَأْكُلْ السَّفَرْجَلِ"

(3)

أي ثقل و غشاء، و أصله الظلمة. و‌

مِنْهُ

:" لِلْقَلْبِ

طَخَاءٌ

كطخاءة الْقَمَرِ"

أي ما يغشيه من غيم يغطي نوره. و" الطخاء" بالمد: السحاب المرتفع. و" الطخياء" ممدودة: الليلة المظلمة.

(طرا)

فِي الْخَبَرِ

:" لَا تطرئني كَمَا أطرأت النَّصَارَى عِيسَى"

الإطراء مجاوزة الحد في المدح، يقال:" طرأت فلانا" مدحته بأحسن ما فيه، و قيل: بالغت في مدحه و جاوزت الحد. و يقال:" أطرأته" بالهمز: مدحته، و" أطريته" بدونه: أثنيت عليه. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ وَ زَكَى وَ أطرأ".

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَ ذَا لِسَانَيْنِ

يُطْرِي

أَخَاهُ

____________

(2). انظر مجمع الأمثال ج 2 ص 124.

(3). البحار ج 14 ص 848.

275

شَاهِداً وَ يَأْكُلُهُ غَائِباً"

(1)

أي يمدحه في وجهه و يستغيبه في غيبته. و" الطري" هو الغصن البين الطراوة، يقال:" طرو الشي‌ء" وزان قرب فهو طري، و طري‌ء بالهمز وزان تعب. و" طرأ فلان علينا" بالهمز و فتحتين طروءا: اطلع، فهو طارى‌ء. و الأعرابي الطاري: المتجدد قدومه. و" الطارية" قرية باليمن. و" الطرن" بالضم: الخز، و الطاروني ضرب منه- قاله في القاموس. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) [الثَّانِي] يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ وَ غَيْرِهَا فِي جُبَّةِ خَزٍّ طَارُونِيٍّ"

(2)

و الخز من الثياب- قاله في القاموس أيضا.

(طغا)

قوله تعالى: وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ الآية [20/ 81] أي لا تتعدوا حدود الله فيه. قوله تعالى: أَلّٰا تَطْغَوْا فِي الْمِيزٰانِ [55/ 8] أي لا تتجاوزوا القدر و العدل قوله تعالى: اذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ* [20/ 24] أي علا و تكبر و كفر بالله و تجاوز الحد في الاستعلاء و التمرد و الفساد. قوله تعالى: لَمّٰا طَغَى الْمٰاءُ [69/ 11] أي ارتفع و علا و تجاوز الحد قوله تعالى: مٰا زٰاغَ الْبَصَرُ وَ مٰا طَغىٰ [53/ 17] أي ما جاوز القصد في رؤيته. قوله تعالى: فَأَمّٰا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّٰاغِيَةِ [65/ 5] أي بالطغيان و قيل بالذنوب، و الطاغية مصدر كالعافية و الداهية. قوله تعالى: فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ* [3/ 15] أي في غيهم و كفرهم يتحيرون و يترددون. قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ [4/ 60] الطاغوت

____________

(1). الكافي ج 2 ص 343

(2). من لا يحضر ج 1 ص 170

276

فعلوت من الطغيان، و هو تجاوز الحد، و أصله طغيوت فقدموا لامه على عينه على خلاف القياس ثم قلبوا الياء ألفا فصار طاغوت، و قد يطلق على الكافر و الشيطان و الأصنام و على كل رئيس في الضلالة و على كل من عبد من دون الله. و يجي‌ء مفردا كقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ و جمعا كقوله: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ رَفَعَ رَايَةَ ضَلَالَةٍ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ".

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ بَاغٍ وَ

طَاغٍ

"

أي متجاوز للحد بطغيانه.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ لِلْعِلْمِ

طغيانا

كطغيان الْمَالِ"

أي يحمل صاحبه على الترخيص بما اشتبه منه إلى ما لا يحل له، و يترفع به على من دونه و لا يعطي حقه بالعمل به كما يفعل رب المال. و طغا يطغو من باب قال، و طغي يطغى من باب تعب، و من باب نفع لغة، و الاسم" الطغيان".

(طفا)

قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ [61/ 8] هو تهكم بهم لإرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن:" هٰذٰا سِحْرٌ"* فأشبه حالهم من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" قُومُوا إِلَى نِيرَانِكُمُ الَّتِي أَوْقَدْتُمُوهَا عَلَى ظُهُورِكُمْ فَأَطْفِئُوهَا بِصَلَاتِكُمْ"

(1)

أراد بها الذنوب على الاستعارة، أي قوموا إلى ذنوبكم التي توجب دخول النار فأطفئوها بصلاتكم أي كفروها بها، و فيه دلالة صريحة على أن الصلاة تكفر الذنوب و تسقط العقاب، و في القرآن و الأحاديث المتكثرة من الفريقين ما يدل على ذلك. و في الحديث: ذكر السمك الطافي (2)

____________

(1). التهذيب ج 2 ص 238

(2) في الكافي ج 6 ص 218، في حديث عن أبي عبد الله (ع):" و لا يؤكل الطافي من السمك".

277

و هو الذي يموت في الماء ثم يعلو فوق وجهه. يقال: طفا الشي‌ء فوق الماء يطفو طفوا [و طفوا]: إذا علا و لم يرسب.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" اقْتُلُوا مِنْ الْحَيَّاتِ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَ الْأَبْتَرَ"

الطفية كمدية: خوصة المقل، و ذو الطفيتين من الحيات ما على ظهره خطان أسودان كالخوصتين، شبه الخطين على ظهر الحية بهما. و" طفئت النار تطفأ" بالهمز من باب تعب طفوءا: خمدت و أطفأت الفتنة: سكنتها.

(طلا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا زَادَ الطِّلَاءُ عَلَى الثُّلُثِ فَهُوَ حَرَامٌ"

(1)

الطلاء ككساء ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و يسمى بالمثلث. و الطلا: ولد الظبية، و الولد من ذوات الظلف، و الجمع" أطلاء" مثل سبب و أسباب. و" الطلي" بالفتح: الصغير من أولاد المعز. قال الجوهري: و إنما سمي به لأنه يطلى أي تشد رجله بخيط إلى وتد أياما، و جمعه" طليان" مثل رغيف و رغفان. و الطلي: الأعناق، واحدها طلية. و عن الفراء طلاه. و الطلي بالفتح فالسكون معروف، يقال: طليته بالدهن و غيره طليا و اطليت على افتعلت. و الطلاوة مثلثة: الحسن و البهجة، و طلاوة الإسلام حسنه و بهجته. و منه‌

حَدِيثٍ أَهْلِ الْبَيْتِ

:" فَمَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) وَاجِبَ حَقِّ إِمَامَهُ .. وَ عَلِمَ فَضْلَ طُلَاوَةِ إِسْلَامِهِ

(2)

(طما)

طما الماء يطمو طموا و يطمي طميا فهو طام: إذا ارتفع و ملأ النهر- قاله الجوهري‌

____________

(1). الكافي ج 6 ص 420

(2). الكافي ج 1 ص 203.

278

(طوا)

قوله تعالى: وَ السَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ [39/ 67] هو تصوير لجلاله و عظم شأنه لا غير، من غير تصور قبضته بيمين لا حقيقة و لا مجازا. قيل: نسب الطي إلى اليمين لشرف العلويات على السفليات قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمٰاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [21/ 104] أي كطي الصحيفة فيها الكتاب. و‌

فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ

: السجل اسْمُ لِلْمَلَكِ الَّذِي يَطْوِي الْكُتُبِ

، و معنى يطويها أي يفنيها فتحول دخانا و الأرض نيرانا (1) قوله تعالى: إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [20/ 12] طُوىً و طَوًى يقرآن جميعا بالتنوين و عدمه، فمن جعله اسم أرض لم يصرفه و من جعله اسم الوادي صرفه لأنه مذكر، و كذا من جعله مصدرا كقوله ناديته طوى و ثنى أي مرتين. قيل: فكأنه طوي بالبركة كرتين. و في كلام بعض المفسرين: من لم يصرف طوى احتمل قوله أمرين: (أحدهما) أنه جعله اسم بلدة أو اسم بقعة [أو يكون معدولا كزفر و عمر] و من صرف احتمل أمرين أيضا: (أحدهما) أن يكون جعله اسم موضع أو بلد أو مكان، و (الآخر) أن يكون مثل زحل و حطم و لكع (2).

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص)

:" وَ

طَوَى

فِرَاشِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ"

قيل: هو كناية عن ترك المجامعة لا حقيقة الطي في الفراش. و‌

فِيهِ

:" سَأَلْتُمُونِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ لَمْ

أَطْوِهَا

عَنْكُمْ"

(3)

أي أفسرها و أبينها لكم‌

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" أَخْرَجْتُ لَهُ ثِيَاباً فَقَالَ:" رَدَّهَا عَلَى

مَطَاوِيهَا

"

أي على‌

____________

(1). انظر التفسير ص 434.

(2). انظر مجمع البيان ج 5 ص 431

(3). من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 60

279

حالاتها التي كانت عليها. و طويت الشي‌ء طيا فانطوى و الطية مثل الجلسة و الركبة- قاله الجوهري.

وَ فِي حَدِيثٍ زَمْزَمَ

:" فَلَمَّا حَفَرَهَا وَ بَلَغَ الطَّوِيَّ طَوِيَّ إِسْمَاعِيلَ"

(1)

الطوي كعلي: السقاء، و الطوي في الأصل صيغته فعيل بمعنى مفعول فلذلك جمعوه على" أطواء" كشريف على أشراف و يتيم على أيتام. و" ذو طوى" بفتح طاء و تضم و الضم أشهر (2) هو موضع بمكة داخل الحرم هو من مكة على نحو من فرسخ ترى بيوت مكة منه. قال في المصباح: و يعرف بالزاهر في طريق التنعيم. و في القاموس: ذي طوى مثلثة الطاء و ينون موضع قرب مكة و الطوى: الجوع، يقال: طوي بالكسر يطوى طوى فهو طاو و طيان أي خالي البطن جائع لم يأكل. و طوى بالفتح يطوي طيا إذا تعمد ذلك. و منه‌

حَدِيثٍ أَهْلِ الْبَيْتِ (ع)

:" وَ صَبَرُوا عَلَى الطوى".

و" فلان يطوي نفسه عن جاره" أي يجمع نفسه و يؤثر جاره بطعامه. و" اطو لنا الأرض" في حديث السفر أي قربها لنا و سهل السير فيها حتى لا يطول علينا، فكأنما طويت. و" الطيطوى" اسم طائر معروف. و‌

عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهَا تَقُولُ

: كُلِّ حَيٌّ مَيِّتٍ وَ كُلِّ جَدِيدٍ بَالَ

(3)

.

____________

(1). الكافي ج 4 ص 219.

(2). في مراصد الاطلاع (طوى): و الفتح أشهر.

(3). في حياة الحيوان ج 1 ص 101: قال أرسطاطاليس في كتاب النعوت: إنه طائر لا يفارق الآجام و كثرة المياه لأن هذا الطائر لا يأكل شيئا من النبت و لا من اللحوم و إنما قوته مما يتولد في شاطى‌ء الغياض و الآجام من دود النتن- إلخ

280

باب ما أوله الظاء

(ظبا)

فِي الْحَدِيثَ

:" احْفِرْ ظَبْيَةٍ، قَالَ: وَ مَا

ظَبْيَةٍ

؟ قَالَ: زَمْزَمَ"

(1)

قيل: سميت بها تشبيها لها بالظبية و هي الكيس و الخريطة لجمعها ما فيها. و" الظبي" معروف. و الجمع أظب مثل أفلس و ظبي مثل فلوس، و التثنية" ظبيان" على لفظه، و الأنثى" ظبية" كسجدة بالهاء من غير خلاف بين أهل اللغة، و الجمع" ظبيات" بالتحريك. و" الظباء" جمع يعم الذكور و الإناث مثل سهم و سهام و كلبة و كلاب. و" ظبية" اسم امرأة قيل تخرج قبل الدجال.

[ظبو]

و" الظبة" بالتخفيف حد السيف، و الجمع [أظب في أقل العدد مثل أدل] (2) ظبات و ظبون، و لامها واو محذوفة و أبو ظبيان كنية رجل من الرواة (3)

(ظما)

قوله تعالى: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً [24/ 39] هو بالفتح فالسكون: العطشان. قوله تعالى: لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ [9/ 120] الظمأ بالتحريك: شدة العطش، و فيها دلالة على أن كل تعب و جوع و إنفاق يحصل في حج أو زيارة أحد المعصومين أو طلب علم أو أي طاعة كانت فإن ذلك يكتب لصاحبه و إن لم يتحصل غايته و تعذرت‌

____________

(1) في الكافي ج 4 ص 219:" احفر طيبة".

(2). الزيادة من الصحاح (ظبي)

(3). هو حصين بن جندب الجنبي، عد في أصحاب أمير المؤمنين (ع)، توفي سنة 90 بالكوفة. تنقيح المقال ج 1 ص 439 و ج 3 ص 22 من فصل الكنى

281

و" ظمى‌ء" من باب فرح: عطش، و الاسم منه" الظم‌ء" بالكسر.

وَ فِي حَدِيثٍ الِاسْتِسْقَاءِ

:" وَ

اسْتَظْمَأْنَا

لِصَوَارِخِ الْقَوَدُ"

أي ظمئنا، من ظمى‌ء ظمأ مثل عطش عطشا وزنا و معنى، و القود: الخيل. و ظمآن و ظمأى مثل عطشان و عطشى للذكر و الأنثى، و الجمع" ظماء" مثل سهام‌

وَ فِي حَدِيثٍ الْإِفْطَارِ مِنْ الصَّوْمِ

:" ذَهَبَ الظَّمَأُ وَ ابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَ ثَبَتَ الْأَجْرِ"

الظمأ بكسر الظاء و سكون الميم و الهمزة أو بفتحهما و هو العطش، و المعنى ذهب العطش و زالت يبوسة العروق التي حصلت من شدة العطش و بقي الأجر. و" عين ظمياء" رقيقة الجفن، و" ساق ظمياء" قليلة اللحم.

باب ما أوله العين

(عبا)

قوله تعالى: قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ [25/ 77] قيل: أي ما يبالي بكم ربي و لا يعتد بكم لو لا دعاؤكم، أي عبادتكم، من قولهم:" ما عبأت بفلان" أي ما باليت. و قيل: لو لا دعاؤكم إياه إذا مسكم الضر رغبة إليه و خضوعا، و فيه دلالة على أن الدعاء من الله بمكان. و قيل: معناه ما يصنع بكم ربي لو لا دعاؤه إياكم للإسلام.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مَا

يُعْبَأُ

بِمَنْ يَؤُمُّ هَذَا الْبَيْتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ"

أي لا يعتد به و لا يبالي. و" أعباء الرسالة" أثقالها جمع عب‌ء" و هو الحمل الثقيل و ما يحمله من الكفار. و عبأت المتاع عبأ: إذا هيأت. و عبيت الجيش: رتبتهم في مواضعهم و هيأتهم للحرب. و‌

مِنْهُ

:" بَيَّنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَصْحَابِهِ

يُعَبِّيهِمْ

لِلْحَرْبِ"

أي يهيأهم و يرتبهم.

282

و" العباءة" بالمد و" العبايه" بالياء: ضرب من الأكسية، و الجمع العباءات و العباء بحذف الهاء.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" كَانَ فِرَاشٍ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ عباه"

قيل: الهاء من عباه يجوز أن يكون راجعا إليه و يجوز أن يكون تاء من أصل الكلمة.

(عتا)

قوله تعالى: عَتَوْا عُتُوًّا [25/ 21] أي تكبروا و تجبروا. قوله تعالى: وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [19/ 8] بضم المهملة و كسرها أي يبسا في المفاصل. يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا و عتيا" كبر و ولى فهو عات، و الجمع عتي، يقال: رجل عات و قوم عتي، و الأصل" عتو" ثم أبدلوا إحدى الضمتين كسرة فانقلبت الواو ياء فقالوا" عتيا" ثم اتبعوا الكسرة الكسرة فقالوا" عتيا".

(عثا)

قوله تعالى: وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* [2/ 60] أي لا تفسدوا من عثا في الأرض يعثو: أفسد، و مثله عثي بالكسر يعثى من باب قال و تعب.

(عجا)

فِي الْحَدِيثَ

:"

الْعَجْوَةُ

مِنَ الْجَنَّةِ"

قيل هي ضرب من أجود التمر يضرب إلى السواد من غرس النبي (ص) بالمدينة، و نخلها يسمى" اللينة" قيل: أراد بذلك مشاركتها ثمار الجنة في بعض ما جعل فيها من الشفاء و البركة بدعائه (ص)، و لم يرد ثمار الجنة نفسها للاستحالة التي شاهدناها فيها كاستحالة غيرها من الأطعمة، و لخلوها عن النعوت و الصفات الواردة في صفات الجنة.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" إِنَّ نَخْلَةَ مَرْيَمَ (ع) إِنَّمَا كَانَتْ عَجْوَةً وَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَمَا نَبَتَ مِنْ أَصْلِهَا كَانَ عَجْوَةً وَ مَا كَانَ مِنْ لُقَاطٍ فَهُوَ لَوْنٍ وَ هُوَ جِنْسٌ مِنْ التَّمْرِ رَدِي‌ءٌ.

قال بعض الأفاضل: هذا الكلام خرج مخرج المثل من الإمام (ع) فهو يخبر عن نفسه أنه ولد رسول الله (ص)

283

و علم رسول الله عندهم، فما جاء من عندهم فهو صواب و ما جاء من عند غيرهم فهو لقاط‌

(عدا)

قوله تعالى: لٰا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ [4/ 154] قال الشيخ أبو علي: قرأ أهل المدينة لٰا تَعْدُّوا فِي السَّبْتِ بتسكين العين و تشديد الدال، و روي عن نافع لَا تَعَدُّوا بفتح العين و تشديد الدال، و الباقون لٰا تَعْدُوا خفيفة. ثم ذكر الحجة فقال: من قرأ لَا تَعْدُّوا أدغم التاء في الدال لتقاربهما. ثم قال: قال أبو علي: و كثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغما و لا يكون الأول حرف لين نحو دابة و يقولون: إن المد يصير عوضا عن الحركة قال و من قرأ لَا تَعَدُّوا فإن الأصل لا تعتدوا فسكن التاء لتدغم في الدال و نقل حركتها إلى العين الساكن قبلها فصار تعدوا، و من قرأ لٰا تَعْدُوا فهو لا تفعلوا مثل قوله: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ [7/ 163] و حجة الأولين قوله تعالى: اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ انتهى [2/ 65]. قوله تعالى: يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ أي يتجاوزون ما أمروا به. قوله تعالى: فَيَسُبُّوا اللّٰهَ عَدْواً أي اعتداء و ظلما. قوله تعالى: فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ [2/ 193] أي تعد و ظلم. قوله تعالى: فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ* [23/ 7] أي هم الكاملون المتناهون في الظلم. قوله تعالى: وَ لٰا عٰادٍ* [2/ 173] أي لا يعدوا شبعه أو غير متعد ما حد له. قوله تعالى: وَ الْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً [100/ 1] قيل: يريد الخيل. و الضبح: صوت أنفاس الخيل، أ لم تر إلى الفرس إذا عدا يقول: أح أح.

قِيلَ

: إِنَّهَا سُرِّيَّةً كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص) إِلَى بَنِي كِنَانَةَ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ خَبَرِهَا فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِخَبَرِهَا فِي

وَ الْعٰادِيٰاتِ

.

وَ ذَكَرَ أَنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ يَقُولُ

:"

الْعَادِيَاتِ

هِيَ الْإِبِلِ تَذْهَبُ إِلَى

284

وَقْعَةٍ بَدْرٍ"

(1)

.

قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ وَ أَوْلٰادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [64/ 14] أي سببا إلى معاصي الله، يستوي فيه الواحد و غيره. قوله تعالى: إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ [5/ 91] العداوة: تباعد القلوب و النيات. قال المفسر: يريد الشيطان إيقاع العداوة بينكم بالإغواء، فإنكم إذا سكرتم زالت عقولكم و أقدمتم على المقابح، و إذا قام الرجل في ماله و أهله فيقمره يبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة و البغضاء. قوله تعالى: إِنَّ هٰذٰا عَدُوٌّ لَكَ [20/ 117] قيل في سبب عداوة إبليس لآدم: الحسد بما أكرمه الله تعالى من إسجاد الملائكة له و تعليمه ما لم يعلموا و إسكانه الجنة. و قيل: السبب تباين أصليهما و لذلك أثر قوي في العداوة. قوله تعالى: قُلْ مَنْ كٰانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلىٰ قَلْبِكَ [2/ 97]

قِيلَ

: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ (ص): إِنْ لَنَا مِنْ الْمَلَائِكَةُ أَصْدِقَاءَ وَ أَعْدَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)" مِنْ صديقكم وَ مِنْ عَدُوِّكُمْ"؟ فَقَالُوا: جَبْرَئِيلُ

عَدُوِّنَا

فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْعَذَابِ، وَ لَوْ كَانَ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِيكَائِيلَ لآمنا بِكَ فَإِنْ مِيكَائِيلَ صَدِيقَنَا، وَ جَبْرَئِيلُ مَلَكٍ الْفَظَاظَةِ وَ الْعَذَابِ وَ مِيكَائِيلَ مَلَكٍ الرَّحْمَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهِ

قُلْ مَنْ كٰانَ عَدُوًّا

...

الآية. قوله تعالى: بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيٰا [8/ 42] هي بكسر العين و ضمها و قرى‌ء بهما في السبعة: شاطى‌ء الوادي، و الدنيا و القصوى تأنيث الأدنى و الأقصى، فالدنيا التي تلي المدينة و القصوى التي تلي مكة. قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [2/ 194] قيل: هو أمر إباحة لا ندب. قوله تعالى: وَ لٰا تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ

____________

(1). الدر المنثور ج 6 ص 383.

285

[18/ 28] أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

عَدْوَى

وَ لَا طِيَرَةَ"

(1)

أي لا يتعدى الأمراض من شخص إلى آخر، و لا طيرة أي لا يتشاءم بالشي‌ء إذا لم يوافق الحال، فالعدوى اسم من الإعداء كالدعوى و التقوى من الإدعاء و الإتقاء. يقال: أعداه الداء يعديه إعداء و هو أن يصيبه مثل ما يصاحب الداء، و ذلك أن يكون ببعير جرب مثلا فيتقى مخالطته بإبل أخرى حذرا أن يتعدى ما به من الجرب إليها فيصيبها ما أصابه و قد أبطله الإسلام، لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم (ص) أنه ليس كذلك و إنما الله هو الذي يمرض و ينزل الداء. و لهذا قال‌

فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ

:" فَمَنْ

أَعْدَى

الْأَوَّلِ"

(2)

أي من أين صار فيه الجرب. و ما روي من‌

قَوْلِهِ (ص)

:" فَرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ"

(3)

و نهيه عن دخول بلد يكون فيه الوباء، و‌

قَوْلُهُ

:" لَا يُورِدُ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ"

فيمكن توجيهه بأن مداناة ذلك من أسباب العلة فليتقه اتقاءه من الجدار المائل و السفينة المعيوبة. و سيأتي الكلام في الطيرة إن شاء الله تعالى. و العدو ضد الولي، و الجمع" أعداء" و هو وصف لكنه ضارع الاسم، يقال:" عدو بين العداوة و المعاداة" و الأنثى" عدوة"

وَ فِي حَدِيثٍ مَسْأَلَةٍ الْقَبْرِ

:" وَ إِذَا كَانَ- يَعْنِي الْمَيِّتِ عَدُوٍّ اللَّهِ"

الظاهر أن المراد بالعدو هنا ما يشتمل الكافر و الفاسق المتمادي بالفسق. و" عدا" بالكسر و القصر جمع كالأعداء، قالوا: و لا نظير له في النعوت لأن فعل وزان عنب يختص بالأسماء و لم يأت منه في الصفات إلا قوم عدى و ضم العين لغة مثل سوى و سوى و طرى و طرى.

____________

(1). الكافي ج 8 ص 196.

(2). الكافي ج 8 ص 196.

(3) في التاج ج 3 ص 197: و فر من المجذوم كما تفر من الأسد.

286

و عدا يعدو عليه عدوا و عدوا مثل فلس و فلوس و عدوانا و عداء بالفتح و المد: ظلم و تجاوز الحد و هو عاد و الجمع عادون مثل قاض و قاضون. و" المعتدون" أصحاب العدوان و الظلم. و المعتدي في الزكاة الذي هو كمانعها هو أن يعطيها غير مستحقها أو يأخذ أكثر من الفريضة أو يختار جيد المال. و" السبع العادي" الظالم الذي يقصد الناس و المواشي بالقتل و الجرح. و منه‌

" مَا ذِئْبَانِ عاديان"

- الحديث. و" رفعت عنك عادية فلان" أي ظلمه و شره.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ دَفَعَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَادِيَةَ مَاءٍ أَوْ نَارٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةِ"

كأنها من الظلم و العدوان‌

وَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ (ع) لِمُعَاوِيَةَ

:" فعدوت عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا بِتَأْوِيلٍ الْقُرْآنِ"

(1)

يحتمل أن يكون من العدو و هو الجري و من العدوان و تأويل القرآن كقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ [2/ 178] و تأويله لذلك بإدخال نفسه فيه و طلب القصاص لعثمان، و إنما دخل بالتأويل لأن الخطاب خاص بمن قتل و قتل و معاوية بمعزل عن ذلك إذ لم يكن ولي دم فتأول الآية بالعموم ليدخل فيها. و" عوادي الدهر" عوائقه و عدوته عن الأمر: صرفته عنه. و" عدوان" قبيلة (2). و عدي كغني: قبيلة من قريش، رهط عمر بن الخطاب، و هو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، و النسبة عدوي. و منه قولهم:" اجتمع العدوي و التيمي" يريد عمر و أبا بكر.

وَ

عَدِيِّ

بْنِ حَاتِمٍ مَعْرُوفٍ، نَقْلِ أَنَّهُ قَدِمَ

____________

(1) في نهج البلاغة ج 3 ص 123: فعدوت على الدّنيا بتأويل القرآن.

(2). بطن من قيس بن عيلان من العدنانية ... كانت منازلهم الطّائف من أرض نجد. معجم قبائل العرب ص 762.

287

إِلَى النَّبِيِّ (ص) فَأَكْرَمَهُ وَ أَدْخَلَهُ بَيْتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ غَيْرُ خَصَفَةٍ وَ وِسَادَةِ أَدَمٍ فَطَرَحَهَا لَهُ

(1)

.

و" عدا" حرف يستثني به مع" ما" و بغيرها، تقول: جاءني القوم ما عدا زيدا و جاءونى عدا زيدا تنصب ما بعدها بها و الفاعل مضمر فيها- قاله الجوهري.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ مَعَ الزُّبَيْرِ

وَ قَدْ بَعَثَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ يُبَايِعُهُ بَعْدَ نَكْثِهِ الْبَيْعَةَ الْأُولَى حَيْثُ قَالَ: فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ ابْنِ خَالُكَ:" عَرَّفْتَنِي بِالْحِجَازِ وَ أَنْكَرَتْنِي بِالْعِرَاقِ فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا"

(2)

قيل: هو أول من سمع منه هذه اللفظة- أعني فما عدا مما بدا- و هو مثل لمن يفعل فعلا باختياره ثم يرجع عنه و ينكره، و المعنى فما جاوز بك عن بيعتي مما بدا و ظهر لك من الأمور. و قيل: المعنى فما صرفك و منعك عما كان بدا منك من طاعتي و بيعتي و العادي: القديم. و البئر العادية: القديمة كأنها نسبة إلى عاد قوم هود، و كل قديم ينسبونه إلى عاد و إن لم يدركهم. و استعديت الأمير فأعداني: أي طلبت منه النصرة فأعانني و نصرني، و الاسم" العدوى" بالفتح، و لك أن تقول:" استغثت به فأغاثني" و منه‌

الْحَدِيثَ

:" جَاءَتْ امْرَأَةٍ

اسْتَعْدَتْ

عَلَى أَعْرَابِيٌّ"

أي ذهبت به إلى القاضي للاستعداء أعني طلب التقوية و النصرة.

وَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ

:" أَتَتْهُ امْرَأَةٌ

مُسْتَعْدِيَةً

عَلَى الرِّيحُ"

أي تطلب نصرته عليها حيث إنها مسخرة له. و‌

مِنْهُ

" امْرَأَةٍ أَتَتْ عَلِيّاً فاستعدته عَلَى أَخِيهَا"

وَ فِي حَدِيثٍ فَاطِمَةَ (ع)

:

____________

(1). كان نصرانيّا أسلم سنة 9 أو 10 ه‍، و كان جوادا شريفا في قومه معظّما عندهم و عند غيرهم، و كان رسول اللّه (ص) يكرمه إذا دخل عليه تنقيح المقال ج 2 ص 250، و انظر خبر طرح النّبيّ له الوسادة في الكافي 2/ 659.

(2). نهج البلاغة ج 1 ص 73.

288

" فاستعدتها قُرَيْشٍ".

(عذا)

العذي بكسر العين كحمل، و فتحها لغة: النبات و الزرع ما لا يشرب إلا من السماء، يقال: عذي يعذى من باب تعب فهو عذ و عذي على فعيل. و عن الأصمعي العذي ما تسقيه السماء و البعل ما شرب من عروقه من غير سقي و لا سماء. و" أرض عذية" مثل خربة.

(عرا)

قوله تعالى: فَنَبَذْنٰاهُ بِالْعَرٰاءِ [37/ 145] العراء بالمد: فضاء لا يتوارى فيه شجر أو غيره، و يقال: العراء وجه الأرض. قوله تعالى: اعْتَرٰاكَ بَعْضُ آلِهَتِنٰا بِسُوءٍ [11/ 54] أي قصدك بجنون، من عراه يعروه: إذا أصابه، و يقال: اعترتهم الحمية: غشيتهم. قوله تعالى: وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ [31/ 22] أي بالعقد الوثيق. قال الشيخ أبو علي: أي و من يخلص دينه لله و يقصد في أفعاله التقرب إليه و هو محسن فيها فيفعلها على موجب العلم و مقتضى الشرع. و قيل: إن إسلام الوجه الانقياد إلى الله في أوامره و نواهيه، و ذلك يتضمن العلم و العمل، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ أي فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انفصامها، و الوثقى تأنيث الأوثق. قال الزمخشري: و هذا تمثيل للمعلوم بالنظر و الاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده و التيقن به.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْإِيمَانِ"

(1)

. وَ فِي آخِرِ:" التَّسْلِيمِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ (ع)"

و العرى جمع عروة كمدية و مدى.

وَ قَوْلِهِ

:" ذَلِكَ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ"

على التشبيه بالعروة التي يستمسك بها و يستوثق.

____________

(1). البرهان ج 1 ص 243.

289

و‌

فِيهِ

:" عُرَى الْإِيمَانِ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ وَ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ".

و‌

فِيهِ

" لَا تَشُدُّ

الْعُرَى

إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةَ"

هي جمع عروة يريد عرى الأحمال و الرواحل و" عروة الكوز" معروفة. و عراه يعروه: إذا غشيه طالبا معروفه كاعتراه. و تعتريهم السكينة: تحل بهم، و مثله تعتريني قراقر في بطني. و عرتني الحاجة: شملتني. و‌

فِيهِ

" كَانَتْ فَدَكَ لِحُقُوقِ رَسُولُ اللَّهِ الَّتِي

تعروه

"

أي تغشاه. و عري الرجل عن ثيابه يعرى من باب تعب عريا و عرية فهو عار و عريان، و يعدى بالهمزة و التضعيف فيقال: عريته من ثيابه و أعريته منها. و اعروريت الفرس: ركبته عريانا، يقال" فرس عري" بضم مهملة و سكون راء و قيل بكسر راء و تشديد ياء، و لا يقال: رجل عري و لكن عريان.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا

تَعِرَّ

أَفْوَاهِهِمْ"

(1)

بالبناء للمجهول أي لا تفتح أفواههم بسوء.

وَ فِي وَصَفَهُ (ص)

:"

عَارِيَ

الثَّدْيَيْنِ"

(2)

أي لم يكن عليهما شعر. و العرية: النخلة يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرتها فيعروها أي يأتيها، من قولهم:" عروت الرجل أعروه" إذا أتيته أو من قولهم:" أنا عرو من هذا الأمر" أي خلو منه، سميت بذلك لأنها استثنيت من جملة النخيل الذي نهى عنها، و هي فعيلة بمعنى مفعولة، و دخلت الهاء لأنه ذهب بها مذهب الأسماء كالنطيحة و الأكيلة فإذا جي‌ء بها مع النخلة حذفت الهاء، و قيل:" نخلة عري" كما يقال:" امرأة قتيل" و الجمع العرايا. و منه‌

الْحَدِيثَ

إِنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بَعْدَ

____________

(1). في الكافي: لا يغيّروا أفواههم.

(2). مكارم الأخلاق ص 10.

290

نَهْيِهِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ بِجَوَازِ بَيْعُهَا.

(عزا)

قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمٰالِ عِزِينَ [70/ 37] أي جماعات متفرقة فرقة فرقة جمع عزة و أصلها عزوة،

كَانَ كُلِّ فِرْقَةٌ تَعَزَّى إِلَى غَيْرِ مِنْ تَعَزَّى إِلَيْهِ الْأُخْرَى، وَ كَانُوا يحدقون بِالنَّبِيِّ (ص) يَسْتَمِعُونَ كَلَامِهِ وَ يستهزءون وَ يَقُولُونَ: إِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةِ كَمَا يَقُولُ مُحَمَّدِ دخلناها قَبْلَهُمْ.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ فَتَعَزَّوْا بِعَزَاءِ اللَّهِ"

العزاء ممدود: الصبر يقال: عزي يعزى من باب تعب: صبر على ما نابه، و أراد بالتعزي بعزاء الله التصبر و التسلي عند المصيبة، و شعاره أن يقول: إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ كما أمر الله تعالى، و معنى بعزاء الله بتعزية الله إياه فأقام الاسم مقام المصدر. و‌

مِنْهُ

:" مِنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفَسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ"

(1)

.

و‌

فِيهِ

" مِنْ

عَزَّى

مُصَاباً فَكَذَا"

أي حمله على العزاء و هو الصبر بقوله: عظم الله أجرك و نحو ذلك. و" التعزية" تفعلة من العزاء. و عزيته تعزية قلت له: أحسن الله عزاك أي رزقك الله الصبر الحسن. و‌

فِيهِ

:" التَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ بِأَنْ يَرَاكَ صَاحِبُ الْمُصِيبَةِ"

(2)

.

و‌

فِيهِ

:" رَأَيْتَ أَبِي يُعَزِّي قَبْلَ الدَّفْنِ وَ بَعْدَهُ"

(3)

.

و‌

فِيهِ

" رَأَيْتَ

عَزَاءً

حَسَناً"

أي قصيرا جميلا و عزاه إليه: أسنده إليه‌

(عسا)

قوله تعالى: عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ

____________

(1). مشكاة الأنوار ص 242.

(2) في من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 110: كفاك من التعزية بأن يراك صاحب المصيبة

(3) في التهذيب ج 1 ص 463 عن هشام بن الحكم قال: رأيت موسى بن جعفر (ع) يعزي قبل الدفن و بعده.

291

الآية [66/ 5] عسى من أفعال المقاربة و الطمع. قيل: و هي من الله إيجاب إلا هذه الآية. يقال: عسيت أن أفعل ذاك و عسيت بالكسر، و بهما قرى‌ء قوله تعالى فَهَلْ عَسَيْتُمْ الآية [22/ 47]. قال الهشامي (1):" عسى" فعل مطلقا لا حرف مطلقا خلافا لابن سراج و تغلب و لا حين تتصل بالضمير المنصوب نحو" عساك" خلافا لسيبويه، و معناه الترجي في المحبوب و الإشفاق في المكروه، و قد اجتمعا في قوله تعالى: وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ [2/ 216] ثم قال: و تستعمل على أوجه (أحدها) أن يقال:" عسى زيد أن يقوم" و اختلف في إعرابه على أقوال: أحدها و هو قول الجمهور أنه مثل" كاد زيد يقوم" و استشكل بأن الخبر في تأويل المصدر و المخبر عنه ذات و لا يكون الحدث عين الذات. ثم أجاب بأمور: منها أنه على تقدير مضاف نحو" عسى أمر زيد القيام"- إلى أن قال: (الاستعمال الثاني) أن تستند إلى" أن" و الفعل فتكون فعلا تاما، و عن ابن مالك أنها ناقصة أبدا و لكن سدت" أن" و صلتها مسد الجزءين كما في أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [29/ 2] إذ لم يقل أحد أن حسب خرجت في ذلك عن أصلها. (الاستعمال الثالث و الرابع و الخامس) أن يأتي بعدها المضارع المجرد أو المقرون بالسين أو الاسم المفرد نحو" عسى زيد يقوم" و" عسى زيد سيقوم" و" عسى زيد قائما" ... و عسى فيهن فعل ناقص بلا إشكال. (الاستعمال السادس) أن يقال: عساك و عساي و عساه، و فيه ثلاثة مذاهب: (أحدها) أنها أجريت مجرى لعل في نصب الاسم و رفع الخبر- قاله سيبويه. (الثاني) أنها باقية على عملها عمل كان و لكن أستعير ضمير النصب مكان‌

____________

(1). يريد ابن هشام. انظر تفصيل البحث في مغني اللبيب (عسى).

292

ضمير الرفع- قاله الأخفش. (الثالث) أنها باقية على إعمالها عمل كان و لكن قلب الكلام فجعل المخبر عنه خبرا و بالعكس- قاله المبرد. (الاستعمال السابع)" عسى زيد قائم" [حكاه ثعلب] و يتخرج على هذا أنها ناقصة و أن اسمها ضمير الشأن و الجملة الاسمية الخبر- انتهى.

وَ فِي حَدِيثٍ الدُّنْيَا

:" وَ كَمْ عَسَى الْمُجْرَى إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يُجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا"

و سيأتي معناه في سفر إن شاء الله تعالى.

(عشا)

قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمٰنِ [43/ 36] أي يظلم بصره عنه كأن عليه غشاوة، يقال: عشوت إلى النار أعشو إليها فأنا عاش: إذا استدللت عليها ببصر ضعيف، و قيل: معنى يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمٰنِ أن يعرض عنه، و من قرأ يَعْشَ بفتح الشين فمعناه يعم عنه. قوله تعالى: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهٰا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [19/ 62] قال الشيخ علي بن إبراهيم: ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة، و الدليل على ذلك قوله تعالى: بُكْرَةً وَ عَشِيًّا* فالبكرة و العشي لا تكون في الآخرة في جنات الخلد و إنما يكون الغداة و العشي في جنات الدنيا التي تنتقل أرواح المؤمنين إليها و تطلع فيها الشمس و القمر (1). قوله تعالى: بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ* [3/ 41] العشي بفتح العين و تشديد الياء: من بعد زوال الشمس إلى غروبها، و صلاة العشي صلاة الظهر و العصر إلى ذهاب صدر الليل (2). و في المغرب- نقلا عنه- العشي ما بين زوال الشمس إلى غروبها، و المشهور أنه آخر النهار. و في القاموس: العشي و العشية: آخر‌

____________

(1). انظر تفسير علي بن إبراهيم ص 412.

(2). في غريب القرآن للطريحي: و صلاةالعشاء: صلاة الظهر و العصر، أو الغروب إلى ذهاب صدر الليل.

293

النهار. و في الصحاح: العشي و العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، و العشاء بالكسر و المد مثله، و العشاءان المغرب و العتمة، و زعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر. و" العشوة" قيل: هي من أول الليل إلى ربعه.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" احْمَدُوا اللَّهِ الَّذِي رَفَعَ عَنْكُمْ

الْعَشْوَةَ

"

يريد ظلمة الكفر. و" العشوة" بتثليث العين الأمر الملتبس و أن يركب الشخص أمرا بجهالة لا يعرف وجهه، من" عشوة الليل" ظلمته و الجمع" عشوات" بالتحريك. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" خَبَّاطُ

عَشَوَاتٍ

"

أي يخبط في الظلام و الأمر الملتبس فيتحير. و منه‌

حَدِيثٍ

:" الْعَالِمِ كَشَّافَ

عَشَوَاتٍ

"

أي أمور مظلمة لا يهتدي إليها. و" العشواء" الناقة التي في بصرها ضعف تخبط بيديها إذا مشت لا تتوقى شيئا و منه قولهم:" يخبط خبط عشواء". و ركب فلان العشواء: إذا خبط أمره على غير بصيرة. و" العشا" مقصورة مصدر الأعشى، و هو الذي لا يبصر بالليل و يبصر بالنهار. و" الأعشى" شاعر بليغ. و قولهم:" نزلنا عشيشته" يريدون عشيته فأبدلوا من الياء الوسطى شيئا.

(عصا)

قوله تعالى: وَ إِذِ اسْتَسْقىٰ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ [2/ 60] قيل: كان عصا موسى طولها عشرة أذرع على طوله من آس الجنة لها شعبتان تتقدان في الظلمة.

وَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

" كَانَتْ عَصَا مُوسَى لآِدَمَ فَصَارَتْ إِلَى شُعَيْبٍ (ع) ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَ إِنَّهَا لَعِنْدَنَا وَ إِنَّهَا لَتَنْطِقُ إِذَا اسْتُنْطِقَتْ ... وَ تَصْنَعُ مَا تُؤْمَرُ بِهِ"

(1)

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ

:" أَوَّلِ شَجَرَةٍ غُرِسَتْ فِي الْأَرْضِ العوسجة وَ مِنْهَا عَصَا مُوسَى"

قوله تعالى: وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ"

____________

(1). الكافي ج 2 ص 232.

294

[20/ 121] أي حرم من الثواب الذي كان يستحقه على فعل المأمور به، أو حرم مما كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود في الجنة.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ (1) عَنِ الرِّضَا (ع)

وَ قَدْ سَأَلَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ تَقُولُ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا تَعْمَلُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ

وَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ

وَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي يُوسُفَ:

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهٰا

وَ فِي قَوْلِهِ فِي دَاوُدَ (ع):

وَ ظَنَّ دٰاوُدُ أَنَّمٰا فَتَنّٰاهُ

وَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (ص)

وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّٰهُ مُبْدِيهِ

؟ فَقَالَ الرِّضَا (ع):" وَيْحَكَ يَا عَلِيِّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تُنْسَبُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ إِلَى الْفَوَاحِشِ وَ لَا تَتَأَوَّلُ كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ:

وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي آدَمَ (ع)

وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ

فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ حَجَّةً فِي أَرْضِهِ وَ خَلِيفَةَ فِي بِلَادِهِ وَ لَمْ يَخْلُقَهُ لِلْجَنَّةِ، وَ كَانَتْ الْمَعْصِيَةِ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ لَا فِي الْأَرْضِ وَ عِصْمَتِهِ تَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَرْضِ لْيُتِمَّ مَقَادِيرُ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَلَمَّا أَهْبَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَ جَعَلَ حَجَّةً وَ خَلِيفَةَ عَصَمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ

وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ

إِنَّمَا ظَنَّ بِمَعْنَى اسْتَيْقَنَ أَنْ اللَّهِ لَنْ يَضِيقُ عَلَيْهِ رَزَقَهُ، أَ لَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:

وَ أَمّٰا إِذٰا مَا ابْتَلٰاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ

أَيُّ ضِيقِ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَ لَوْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَكَانَ قَدْ كَفَرَ. وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي يُوسُفَ (ع):

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهٰا

فَإِنَّهَا هَمَّتِ بِالْمَعْصِيَةِ وَ هُمْ يُوسُفَ بِقَتْلِهَا إِنْ أجبرته لِعِظَمِ مَا تداخله، فَصَرَفَ اللَّهِ تَعَالَى

____________

(1). انظر ترجمته في تنقيح المقال ج 2 ص 303.

295

عَنْهُ قَتَلَهَا وَ الْفَاحِشَةُ، وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى

كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشٰاءَ

يَعْنِي الْقَتْلِ وَ الزِّنَا. وَ أَمَّا دَاوُدَ (ع) ... إِنَّمَا ظَنَّ أَنْ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ الْمَلَكَيْنِ فتسورا الْمِحْرَابِ فَقَالا لَهُ:

خَصْمٰانِ بَغىٰ بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا تُشْطِطْ وَ اهْدِنٰا إِلىٰ سَوٰاءِ الصِّرٰاطِ إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي الْخِطٰابِ

فَعَجَّلَ دَاوُدَ (ع) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ

لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ

وَ لَمْ يَسْأَلُ الْمُدَّعِيَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَ لَمْ يُقْبِلْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَقُولَ لَهُ مَا تَقُولُ، فَكَانَ هَذَا خَطِيئَةَ رَسْمِ حُكْمِ لَا مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ. أَ لَا تَسْمَعُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ:

يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ

إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ... وَ أَمَّا مُحَمَّدِ (ص) وَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّٰهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النّٰاسَ وَ اللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ

فَإِنْ اللَّهِ عَرَفَ نَبِيِّهِ (ص) أَسْمَاءِ أَزْوَاجِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ أَسْمَاءِ أَزْوَاجِهِ فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِحْدَى مِنْ سَمَّى لَهُ زَيْنَبَ بِنْتُ جَحْشٍ وَ هِيَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَ زَيْدٍ بْنِ حَارِثَةَ فأخفى (ص) اسْمُهَا فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يَبْدُ لِكَيْلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ فِي بَيْتِ رَجُلٍ إِنَّهَا أَحَدٌ أَزْوَاجِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ خَشِيَ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

وَ تَخْشَى النّٰاسَ وَ اللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ

يَعْنِي فِي نَفْسِكَ، وَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا تَوَلَّى تَزْوِيجِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا تَزْوِيجِ حوا مِنْ آدَمَ وَ زَيْنَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ" قَالَ عَلِيُّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْطَقَ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ (ع) بَعْدَ يَوْمِي هَذَا إِلَّا بِمَا ذَكَرْتُهُ

(1)

.

وَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ

:" لأدخل الْجَنَّةِ مِنْ أَطَاعَ عَلِيّاً وَ إِنْ عَصَانِي وَ أَدْخَلَ النَّارِ مَنْ عَصَاهُ وَ إِنْ

____________

(1). عيون أخبار الرّضا ص 107

296

أَطَاعَنِي"

قال: و هذا رمز حسن، و ذلك أن حب علي (ع) هو الإيمان الكامل و الإيمان الكامل لا تضر معه السيئات.

قَوْلِهِ

:" وَ إِنْ عَصَانِي"

فإني أغفر له إكراما و أدخله الجنة بإيمانه، فله الجنة بالإيمان و له بحب علي العفو و الغفران. و‌

قَوْلُهُ

:" وَ أَدْخَلَ النَّارِ مَنْ عَصَاهُ وَ إِنْ أَطَاعَنِي"

و ذلك لأنه إن لم يوال عليا فلا إيمان له و طاعته هناك مجاز لا حقيقة، لأن طاعة الحقيقة هي المضاف إليها سائر الأعمال، فمن أحب عليا فقد أطاع الله و من أطاع الله نجا فمن أحب عليا نجا، فعلم أن حب علي هو الإيمان و بغضه كفر، و ليس يوم القيامة إلا محب و مبغض، فمحبه لا سيئة له و لا حساب عليه و من لا حساب عليه فالجنة داره، و مبغضه لا إيمان له و من لا إيمان له لا ينظر الله إليه بعين رحمته، و طاعته عين المعصية و هو في النار، فعدو علي هالك و إن جاء بحسنات العباد و محبه ناج و لو كان في الذنوب غارقا إلى شحمتي أذنيه و أين الذنوب مع الإيمان المنير أم أين من السيئات مع وجود الإكسير؟ فمبغضه من العذاب لا يقال و محبه لا يوقف و لا يقال فطوبى لأوليائه و سحقا لأعدائه‌

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" وَ إِنِّي لَصَاحِبُ

الْعَصَا

وَ الْمِيسَمِ"

كأنه أراد بذلك عصا موسى (ع) و خاتم سليمان بن داود (ع)

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا تَرْفَعُ عَصَاكَ عَنْ أَهْلَكَ"

أي لا تدع تأديبهم و جمعهم على طاعة الله و منعهم من الفساد و لم يرد الضرب بالعصا و لكن جعله مثلا كما يقال:" شق العصا" أي فارق الجماعة و لم يرد الشق حقيقة. و عصى العبد مولاه عصيا من باب رمى و معصية فهو عاص و الجمع عصاة. و العصيان الاسم. و العاصي: العرق الذي لا يرقأ. و العصا مقصور مؤنث و التثنية عصوان و الجمع عصي و عصي و هو فعول و إنما كسرت العين لما بعدها و أعص أيضا مثل زمن و أزمن- قاله الجوهري. و أصل" عصا" عصو قلبت و حذفت‌

297

لالتقاء الساكنين بين الألف و التنوين، لأن المنقلبة عن الواو تكتب ألفا فرقا بينها و بين المنقلبة عن الياء.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

تَعْصُوا

فَإِنَّهَا مِنْ سُنَنِ [إِخْوَانِيَ] النَّبِيِّينَ

(1)

"

أي لا تتركوا حمل العصا.

(عضا)

قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [15/ 91] هو على ما قيل جمع" عضة" بالكسر و نقصانها الواو و الهاء من عضوته: فرقته، لأن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا و سحرا و كهانة و شعرا. و قيل: أصله" عضهة" لأن العضة و العضين في لغة قريش السحر و هم يقولون للساحر: عاضه. و" العضو" كل عظم وافر من الجسم و ضم العين أشهر من كسرها- قاله في المصباح.

(عطا)

قوله تعالى: فَنٰادَوْا صٰاحِبَهُمْ فَتَعٰاطىٰ فَعَقَرَ [54/ 29]

قِيلَ

: هُوَ قداد بْنِ سَالِفَ أَوْ أَحْمَرَ ثَمُودَ

فَتَعٰاطىٰ فَعَقَرَ

فاجترأ عَلَى تَعَاطِي الْأَمْرِ الْعَظِيمِ غَيْرِ مبال بِهِ فَأَحْدَثَ الْعُقْرَ بالناقة، أَوْ

فَتَعَاطَى

السَّيْفِ فعقرها. وَ قِيلَ:

فَتَعٰاطىٰ

قَامَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَضَرَبَهَا.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

تَتَعَاطَ

زَوَالَ مُلْكٍ لَمْ تَنْقُصُ أَيَّامِهِ"

من التعاطي و هو التناول و الجرأة على الشي‌ء و التنازع في الأخذ، يقال:" تعاطى الشي‌ء" أي تناوله، و فلان يتعاطى كذا أي يخوض فيه. و" العطية" ما تعطيه و الجمع العطايا، و يقال:" أعطيته فما أخذوا طعمته فما أكل و سقيته فما شرب" قيل: ففي ذلك يصير الفاعل قابلا لأن يفعل و لا يشترط وقوع الفعل، و لذا يقال:" قعدته فقعد و أقعدته فلم يقعد". و بيع المعاطاة هو إعطاء كل من المتبايعين ما يريده من المال عوضا عما يأخذه من الآخر من غير عقد، و في المشهور أنه ليس بيعا بل يباح بالمعاطاة التصرف، و يجوز الرجوع مع بقاء العين. و أعطاه مالا: ناوله، و الاسم منه‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه 2/ 176.

298

" العطاء" بالمد و أصل عطاء عطاو لأن العرب تهمز الواو و الياء بعد الألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما- كذا قيل و أصل أعطى أعطو قلب الألف فيه و في نظائره ياء لما تقرر من أنه كلما وقعت الواو رابعة فصاعدا و لم يكن ما قبلها مضموم قلبت ياء تخفيفا، و قولهم:" ما أعطاه للمال" نظير ما أولاه للمعروف قال الجوهري: و هو شاذ لا يطرد لأن التعجب لا يدخل على أفعل و إنما يجوز ما سمع من العرب و لا يقاس عليه.

وَ فِي دُعَاءً الْوُضُوءِ

:" وَ الْخُلْدَ فِي الْجِنَانِ بِيَسَارِي"

(1)

و قد ذكر في معناه وجوه: (منها) أن يقال في الشي‌ء الذي حصله الإنسان من غير مشقة و تعب: فعله بيساره، و المراد هنا طلب الخلود في الجنة من غير أن يتقدمه عذاب النار و أهوال القيامة. و (منها) أن الباء في بيساري للسببية و يكون المعنى أعطني الخلود في الجنان بسبب غسل يساري، و على هذا فالباء في‌

قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ

:" أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي"

كذلك. و (منها) المراد بالخلد في الجنان على حذف مضاف فالباء على حالها ظرفية. و (منها) أن المراد باليسار ليس ما يقابل اليمين بل ما يقابل الإعسار، و المراد يساري بالطاعات أو المراد الخلد في الجنان بكثرة طاعاتي، فالباء للسببية، و حينئذ يكون في الكلام إيهام التناسب و هو الجمع بين شيئين متناسبين بلفظين لهما معنيان متناسبان، كما في قوله تعالى: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبٰانٍ وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ [55/ 5- 6] فإن المراد بالنجم ما ينجم من الأرض أي يظهر و لا ساق له كالبقول و الشجر ما له ساق، فالنجم بهذا المعنى و إن لم يكن مناسبا للشمس و القمر لكنه بمعنى الكواكب يناسبها.

(عظا)

" العظاء" ممدود: دويبة أكبر من‌

____________

(1). التهذيب ج 1 ص 53.

299

الوزغة، الواحدة عظاءة و عظاية، و جمع الأولى عظاء و الثانية عظايات.

(عفا)

قوله تعالى: عَفَوْنٰا عَنْكُمْ [2/ 52] أي محونا عنكم ذنوبكم. قوله تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [9/ 43] قال الشيخ أبو علي: و هذا من لطيف المعاتبة تبدأ بالعفو قبل العتاب و يجوز العتاب فيما غيره منه أولى لا سيما الأنبياء، و لا يصح ما قاله جار الله: إن عفا الله كناية عن الجناية، حاشا سيد الأنبياء من أن ينسب إليه الجناية. قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‌ءٌ فَاتِّبٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [2/ 178] هو كما قيل من العفو، كأنه قيل: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ عن جناية مِنْ جهة أَخِيهِ يعني ولي الدم شَيْ‌ءٌ فَاتِّبٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدٰاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسٰانٍ، أي فالأمر اتباع، و المراد وصية العافي بأن يطالب بالدية بالمعروف و المعفو عنه بأن يؤديها إليه بإحسان. قوله تعالى: حَتّٰى عَفَوْا [7/ 95] أي كثروا عددا في أنفسهم و أموالهم، يقال:" عفا النبات" إذا كثر وَ قٰالُوا قَدْ مَسَّ آبٰاءَنَا الضَّرّٰاءُ وَ السَّرّٰاءُ يريد بطرتهم النعمة فقالوا: هذه عادة الدهر تعاقب في الناس بين الضراء و السراء و قَدْ مَسَّ آبٰاءَنَا نحو ذلك، فلم ينتقلوا عما كانوا عليه. قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ [7/ 199] أي الميسور من أخلاق الناس و لا تستقص عليهم. قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [2/ 219]

رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" الْعَفْوِ هُوَ الْوَسَطِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَ لَا إِقْتَارَ"

(1)

وَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

:" مَا فَضَلَ عَنْ قُوتُ السُّنَّةِ"

(2)

قَالَ:" وَ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةٍ الزَّكَاةِ"

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

:" مَا فَضَلَ عَنْ الْأَهْلِ

____________

(1). مجمع البيان ج 1 ص 316.

(2). البرهان ج 1 ص 212.

300

وَ الْعِيَالِ"

(1)

و قيل: أفضل المال و أطيبه و قرى‌ء الْعَفْوُ بالرفع على أنه خبر أي الذي ينفقونه هو العفو، و بالنصب على المفعولية أي أنفقوا العفو.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَ الْعَافِيَةَ وَ الْمُعَافَاةَ"

فالعفو هو التجاوز عن الذنوب و محوها، و العافية دفاع الله الانتقام و البلايا عن العبد، و هي اسم من عافاه الله و أعفاه وضع موضع المصدر، و مثله نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ بمعنى نشؤ الليل، و الخاتمة بمعنى الختم و لَيْسَ لِوَقْعَتِهٰا كٰاذِبَةٌ بمعنى الكذب، و المعافاة أن يعافيك الله عن الناس و يعافيهم عنك، أي يغنيك عنهم و يغنيهم عنك و يصرف أذاهم عنك و أذاك عنهم.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ"

و فيه دلالة على أن الذنب مرض و" العفاء" الدروس و الهلاك. و عفت الدار: غطاها التراب فاندرست و عفا على قبره محا أثره. و منه‌

حَدِيثٍ عَلِيٍّ (ع)

:" إِنَّهُ دُفِنَ فَاطِمَةَ (ع) سِرّاً وَ عَفَا عَلَى قَبْرِهَا".

و" العفاء" بالفتح و المد: التراب و منه قول بعضهم:" إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا و شربت عليه ماء فعلى الدنيا العفاء" (2) و مثله‌

قَوْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) فِي ابْنِهِ الْمَقْتُولِ

:" عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ العفاء"

(3)

.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" وَ

عَفَا

عَنْ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ تَجَلُّدِي"

(4)

أي درس و انمحى.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" وَ

أَعْفُوا

اللِّحَى"

(5)

هو بقطع الهمزة، أي وفروها، و قيل:

____________

(1). مجمع البيان ج 1 ص 316.

(2). قائل هذا الكلام هو صفوان بن محرز كما في الصحاح.

(3). المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 222.

(4). في المناقب لابن شهرآشوب: ورق فيها تجلدي.

(5). معاني الأخبار ص 291.

301

عفيت و أعفيت لغتان، و روي" أرخو" بقطع الهمزة و الخاء المعجمة، و روي" أرجوا" بالجيم و أصله أرجئوا بهمزة فخفف بمعنى أخروها، و معنى الكل تركها على حالها، أما الأخذ من طولها و عرضها للتحسين فحسن. و الطائر العافي: المستوفي الجناحين يذهب حيث شاء.

(عقا)

فِي حَدِيثٍ خَيْمَةٌ آدَمَ الَّتِي هَبَطَ بِهَا جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ

:" كَانَ أَوْتَادِهَا مِنْ

عِقْيَانِ

الْجَنَّةِ"

هو بالكسر: الذهب الخالص. و قيل: ما ينبت منه نباتا و ليس مما يحصل من الحجارة.

(علا)

قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [87/ 1] قال الشيخ أبو علي: إن الأعلى نظير الأكبر، و معناه العالي بسلطانه و قدرته و كل دونه في سلطانه، و لا يقتضي ذلك المكان ثم أنشد عليه قول الفرزدق (1):

إن الذي سمك السماء بنى لنا * * * بيتا دعائمه أعز و أطول

قوله تعالى: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ [79/ 24] أي لا رب فوقي. و قيل: معناه أنا الذي أنال بالضرر غيري و لا ينالني غيري، و كذب اللعين. قوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عٰالِيَةٍ* [69/ 22] أي مرتفعة القصور و الدرجات. و قيل: علو الجنة على وجهين: علو الشرف و الجلالة، و علو المكان و المنزلة بمعنى أنها مشرفة على غيرها، و الجنة درجات بعضها فوق بعض كما أن النار دركات. قوله تعالى: هٰذٰا صِرٰاطٌ أي طريق الخلق عَلَيَّ [15/ 41] أي لا يفوتني منهم أحد. قوله تعالى: عَلٰا فِي الْأَرْضِ

____________

(1). هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال، انظر ترجمته في الشعر و الشعراء لابن قتيبة، و البيت في ديوانه ص 714.

302

[28/ 4] أي تجبر و تكبر فيها. قوله تعالى: وَ آتِنٰا مٰا وَعَدْتَنٰا عَلىٰ رُسُلِكَ [3/ 194] على هذه صلة للوعد، أي وعدتنا على تصديق رسلك. و قيل: معناه على ألسنة رسلك، و يجوز أن تكون متعلقة بمحذوف أي ما وعدتنا منزلا على رسلك، و الموعود هو الثواب أو النصر على الأعداء- كذا ذكره الشيخ أبو علي. قوله تعالى: تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ [3/ 64] هو أمر بفتح اللام و ربما ضمت مع جمع المذكر السالم لمجانسة الواو و كسرت مع المؤنث. قال بعض اللغويين:" تعال" فعل أمر من الارتفاع، و أصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل فيقول:" تعال" ثم كثر في كلامهم حتى استعمل بمعنى عام، سواء كان المدعو أعلى أو أسفل أو مساويا، و تتصل به الضمائر باقيا على فتحه تقول: تعال يا رجل، بفتح اللام و للمرأة تعالي و للمرأتين تعاليا و للنسوة تعالين. قوله تعالى: إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [83/ 18] قال الشيخ أبو علي أي المطيعين لَفِي عِلِّيِّينَ أي في مراتب عالية محفوفة بالجلالة. و قيل: في السماء السابعة و فيها أرواح المؤمنين. و قيل: في سدرة المنتهي و هي التي ينتهي إليها كل من أمر الله تعالى. و قيل: عليون: الجنة، و قيل: هو لوح من زبرجد أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه.

وَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ النَّبِيِّ (ص) قَالَ

:" فِي

عِلِّيِّينَ

فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ"

قوله تعالى: تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لٰا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ [28/ 83] قيل: تِلْكَ تعظيم للدار و تفخيم لها، أي تلك التي بلغك صفتها يا محمد، علق الوعد بترك إرادة العلو و الفساد كما علق الوعيد بالركون في قوله تعالى: وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ (ع)

: إِنَّ الرَّجُلِ ليعجبه أَنْ يَكُونُ شِرَاكٍ نَعْلَهُ أَجْوَدَ مِنْ شِرَاكٍ نَعْلٌ صَاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا".

303

وَ فِي حَدِيثٍ الْفُضَيْلِ

أَنَّهُ قَرَأَهَا ثُمَّ قَالَ:" ذَهَبَتْ الْأَمَانِيُّ كُلِّهَا".

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ عَقَّبَ وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كُتِبَتَا لَهُ فِي

عِلِّيِّينَ

"

قيل: أي في ديوان الحفظة المقربين. و" العلية" بالكسر و تضم: الغرفة،

وَ فِي حَدِيثٍ الْفُضَيْلِ

:" أَ مَا تَشْتَهِي أَنْ تَكُونَ مِنْ

عِلْيَةِ

الْإِخْوَانِ"

أي من أشرافهم، يقال:" فلان من علية الناس" أي رفيع شريف.

وَ فِيهِ

: قُلْتُ: وَ مَنْ هُمْ؟ قَالَ:" الرَّاغِبُونَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْإِخْوَانِ"

(1)

.

و في أسمائه تعالى العلي و المتعالي، فالعلي الذي ليس فوقه شي‌ء في المرتبة، و بناء فعيل بمعنى فاعل من علا يعلو، و المتعالي الذي جل عن كل وصف و هو متفاعل من العلو، و قد يكون بمعنى العالي.

وَ مِنْ أَوْصَافِهِ تَعَالَى

:"

عَلَا

فَقَرُبَ وَ دَنَا فَبَعْدَ"

أي علا من مشابهة الممكنات و إدراك الأوهام، و قرب منها من حيث العلم بها، و بعد عنها من حيث الذات.

وَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلِهِ (ع)

:" قَرِيبٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ غَيْرِ مَلَابِسِ بَعِيدٍ عَنْهَا غَيْرِ مباين".

و فيه العالية و العوالي، و هي قرى بأعلى أراضي المدينة و أدناها من المدينة على أربعة أميال و أبعدها من جهة نجد ثمانية أميال و النسبة إليها" علوي" على غير القياس (2) و في المغرب نقلا عنه: العوالي موضع على نصف فرسخ من المدينة. و في الصحاح: العالية ما فوق نجد إلى أرض تهامة و إلى ما وراء مكة و هي الحجاز و ما والاها- انتهى. و" أتيته من عل" بكسر اللام و ضمها و من علا و من عال أي من فوق.

وَ فِي حَدِيثٍ التَّيَمُّمِ

:" وَ يُسْتَحَبُّ مِنْ

الْعَوَالِي

" أَيُّ مِمَّا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَ عَلَا

____________

(1). الكافي ج 2 ص 192.

(2). في الصحاح: و النسبة إليهاعالي، و يقال أيضا علوي على غير القياس.

304

و ذلك لبعده من الاستطراق و نزاهته.

وَ فِي حَدِيثٍ مَكَّةَ

" يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلِ مِنْ

أَعْلَاهَا

وَ أَسْفَلِهَا وَ الثَّنِيَّةِ"

أي من المعلى و من المسفلة و الثنية و هي عقبة المدنيين. و‌

فِيهِ

" يُسْتَحَبُّ دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ

أَعْلَاهَا

"

أي من جانب عقبة المدنيين. قيل: و هذا لكل قادم سواء قدم من طريق المدينة أم غيره تأسيا بالنبي (ص). و قيل: هو مختص بالمدني. قيل: و الشامي. و" العلا" بالضم و القصر موضع من ناحية وادي القرى نزل فيه رسول الله (ص) في طريقه إلى تبوك و به مسجد. و‌

فِيهِ

:" الْيَدِ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى"

(1)

العليا بضم العين فتقصر و بفتحها فتمد، و الضم مع القصر أكثر قيل: هي المنفقة و السفلى السائلة. و قيل: العليا هي المعطية و السفلى الآخذة. و قيل: المانعة. و" علو الدار" بضم عين و كسرها: خلاف السفل. و علا علوا من باب قعد: ارتفع، فهو عال. و" تعالى الله" تنزه عما لا يليق بشأنه و تعالى النهار: ارتفع.

وَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

:" فَإِذَا هُوَ

يتعلى

عَنِّي" أَيُّ يترفع عَلِيِّ.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ

الْأَعْلَى

"

قيل: هو جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، و هو اسم جاء على فعيل، و معناه الجماعة كالصديق و الخليط يقع على الواحد و الجمع. و" الملأ الأعلى" هم الملائكة. و قيل نوع منهم و هم أعظم قدرا. و علا في المكان يعلو علوا. و علا في الشرف يعلى بالفتح علاء. و علوته بالسيف: ضربته. و معالي الأمور: مكتسب الشرف، الواحد معلاة بفتح الميم. و العلاوة بالكسر: ما علق على البعير‌

____________

(1). الكافي ج 4 ص 26.

305

بعد الحمل كالأوتاد و نحوها.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" أُتِيَ بِزِنْدِيقٍ فَقَطَعَ

عِلَاوَتَهُ

"

يريد قطع رأسه. و" على" من حروف الجر تكون للاستعلاء. و هو إما على المجرور و هو الغالب أو على ما يقرب منه، و من الأول قوله تعالى: وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ* [23/ 22] و من الثاني قوله تعالى: أَوْ أَجِدُ عَلَى النّٰارِ هُدىً [20/ 10] و للمصاحبة كمع نحو قوله تعالى وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ [2/ 177] و إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّٰاسِ عَلىٰ ظُلْمِهِمْ [13/ 6]. و للتعليل نحو قوله تعالى: وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ [2/ 185] و تحتمل أن تكون هنا للسببية. و للظرفية نحو قوله تعالى: عَلىٰ حِينِ غَفْلَةٍ [28/ 15] عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمٰانَ [2/ 102]. و بمعنى من نحو‌

قَوْلِهِ (ص)

:" مَنْ حَفِظَ

عَلَى

أُمَّتِي"

و يحتمل أن تكون هنا للتعليل. و بمعنى الباء نحو قوله تعالى: حَقِيقٌ عَلىٰ أَنْ لٰا أَقُولَ [7/ 105]. و بمعنى الحال نحو قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ* [4/ 43]. و بمعنى فوق مثل" غدوت من عليه". و للمجاوزة نحو قوله (1):

إذا رضيت على بنو قشير

و للاستدراك و للإضراب كما في قولهم:" فلان لا يدخل الجنة لسوء فعله على أنه لا ييأس من رحمة الله". و يكون مجرورها و فاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد كقوله تعالى: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [33/ 37]. قيل: و تكون زائدة للتعويض أو لغيره و عد من الأول قوله:

____________

(1). و بقية البيت:

" لعمرو الله أعجبني رضاها"

و هو <لقحيف بن عمير بن سليم الندي العامري>.

306

إن الكريم و أبيك يعتمل * * * إن لم يجد يوما على من يتكل

أي من يتكل عليه فحذف عليه و زاد على قبل الموصول تعويضا، و قيل: المراد لم يجد شيئا ثم بدأ مستفهما و قال:" على من يتكل". و من الثاني قوله:

أبى الله إلا أن سرحة مالك * * * على كل أفنان العضاة تروق (1)

قاله ابن مالك، و فيه- كما قيل- إن" راقه الشي‌ء" بمعنى أعجبه، و لا معنى له هنا و إنما المراد يعلو و يرتفع. و إذا دخلت على" على" الضمير قلبت الألف ياء، و وجهه أنها لو لم تقلب ياء لكانت واوا و التبس بالفعل، و منه" عليك زيدا" يعني خذه،

وَ فِي الْحَدِيثَ

"

عَلَيْهِ

أَنْ يَفْعَلَ كَذَا" وَ"

عَلَيْكُمْ

بِكَذَا"

أي افعلوا. و عن بعض اللغويين" عليك" اسم فعل إذا تعدى بنفسه كان بمعنى الزم و إذا تعدى بالباء كان بمعنى استمسك، و عن الرضي (ره) أن الباء زائدة.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

عَلَيْكَ

"

و المراد لا بأس عليك، لأن لا النافية للجنس كثيرا ما يحذف اسمها و يستغنى بخبرها.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ تَرَكَ الْحَجِّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً"

قيل: التقدير فلا يكون عليه حسرة. و قيل: المعنى أن لا يصعبن عليه أن يموت موتا مشابها لموت أحد الفئتين في كفران نعم الله و ترك ما أمر به، و يكون هذا من باب التغليظ و المبالغة في الوعيد. و ذكر بعض الأفاضل أن هذا التغليظ استحقه لمشابهته كلتا الطائفتين في قلة المبالاة بالحج. و‌

فِيهِ

" أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ

عَلَى

مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ"

أي على حسب أعماله. و قريب منه‌

قَوْلِهِ

:" اللَّهُمَّ إِنِّي أَدِينُكَ بِطَاعَةِ الْأَئِمَّةِ وَ وَلَايَتِهِمْ وَ الرِّضَا بِمَا فَضَّلْتَهُمْ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَ لَا مُسْتَكْبِرٍ

عَلَى

مَعْنَى مَا أَنْزَلْتَ فِي

____________

(1). البيت من قصيدة لحميد بن ثور الهلاليّ الصحابي.

307

كِتَابِكَ

عَلَى

حُدُودِ مَا أَتَانَا فِيهِ".

و" لا عليك أن لا تعجل" أي لا بأس عليك في عدم التعجيل، أو" لا" زائدة أي ليس التعجيل عليك.

وَ

عَلِيِّ

بْنِ الْحُسَيْنِ هُوَ الْإِمَامِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ وُلِدَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَ ثَلَاثِينَ وَ قُبِضَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَ تِسْعِينَ وَ عَاشَ بَعْدَ الْحُسَيْنِ (ع) خَمْساً وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً

، و فيه دلالة على أن عمره بعد قتل أبيه كان اثنين و عشرين سنة يؤيده ما‌

رُوِيَ

أَنَّ الْبَاقِرَ (ع) كَانَ عُمُرِهِ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنِ أَرْبَعَ سنوات.

(عما)

قوله تعالى: وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ [17/ 72] أي فمن كان في الدنيا أعمى القلب عن الحق فهو أشد عمى في الآخرة لا يرى طريق النجاة و أضل طريقا من الأعمى. و‌

عَنِ الْبَاقِرِ (ع) أَنَّهُ قَالَ

:" أَتَى رَجُلٌ أَبِي (ع) فَقَالَ: إِنَّ فُلَاناً- يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ- يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ وَ فِي أَيِّ يَوْمَ نَزَلَتْ. قَالَ: فَاسْأَلْهُ فِيمَنْ نَزَلَتْ

وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا

وَ فِيمَ نَزَلَتْ:

وَ لٰا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ

[11/ 34] فَسَأَلَهُ فَقَالَ: وَدِدْتُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا أَنْ تواجهني بِهِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ إِلَى أَبِي (ع) فَقَالَ لَهُ: مَا قَالَ وَ قَدْ أَجَابَكَ فِي الْآيَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا. وَ قَالَ: لَكِنْ أُجِيبُكَ فِيهِمَا بِنُورِ وَ عَلِمَ غَيْرِ الْمُدَّعَى وَ المنتحل، الْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِيهِ وَ فِي أَبِيهِ"

(1)

.

و‌

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ:" نَزَلَتْ فِي مِنْ سَوَّفَ الْحَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَ عِنْدَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ"

(2)

قوله تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ [20/ 124] أي أعماه الله عن طريق الخير. و قيل: أعمى القلب. قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا [5/ 71] أي بعد أن أبان لهم الحق وضوحا.

____________

(1). البرهان ج 2 ص 433

(2). من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 273

308

قوله تعالى: إِنَّهُمْ كٰانُوا قَوْماً عَمِينَ [7/ 64] أي عمى القلوب غير مستبصرين. قوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىٰ [20/ 125] أي عن حجتي. قوله تعالى: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [11/ 28] أي خفيت. يقال:" عميت علينا الأمور" أي اشتبهت و التبست، و منه قوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبٰاءُ يَوْمَئِذٍ [28/ 66] قرى‌ء بالتشديد من قولهم: عميت معنى البيت تعمية.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" حُبُّكَ لِلشَّيْ‌ءِ

يُعْمِي

وَ يَصُمْ"

من أعماه جعله أعمى و أصمه جعله أصم، يعني ترى من المحبوب القبيح حسنا و تسمع منه الخطأ جميلا، كما قيل في ذلك:

و عين الرضا عن كل عيب كليلة * * * كما أن عين السخط تبدي المساويا

و عمي عمى: فقد بصره، فهو أعمى، و المرأة عمياء، و الجمع عمي كأحمر و حمر، و عميان أيضا كحمران. و لا يقع العمى إلا على العينين جميعا، و يستعار للقلب كناية عن الضلالة و العلاقة عدم الاهتداء. و" العماية" بفتح العين: الضلالة. و التعمية: الإخفاء و التلبيس.

(عنا)

قوله تعالى: وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ [20/ 111] أي خضعت. و العناء بالفتح و المد: التعب و النصب، من عني بالكسر إذا أصابه مشقة و نصب و منه‌

" عِنْدَ اللَّهِ احْتَسَبَ عَنَائِي"

. وَ فِي الدُّعَاءِ

:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخَذَ مِنَّا فِي

عَانِينَ

"

أي جعل الناس تخدمنا و نحن بين جماعة من العناء و هو التعب و المشقة.

وَ فِي حَدِيثٍ

:" مِنْ عَرَفَ اللَّهَ وَ

عَنَّى

نَفْسَهُ بِالصِّيَامِ وَ الْقِيَامِ"

بالعين المهملة و النون المشددة أي تعب نفسه بذلك. و معاناة الشي‌ء: ملابسته و مباشرته، و منه‌

الْخَبَرَ

:" اللَّهِ جَلَّ أَنْ يُعَانِيَ الْأَشْيَاءَ بِمُبَاشَرَةٍ".

و العاني: الأسير، و‌

مِنْهُ

:" أطمعوا الْجَائِعَ وَ فُكُّوا الْعَانِيَ"

.