مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
309

و كل من ذل و استكان و خضع فقد عنا و هو عان، و المرأة عانية، و الجمع عوان. و منه‌

الْخَبَرَ

:" اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ

عَوَانٍ

عِنْدَكُمْ"

أي أسراء أو كالأسراء.

وَ فِي حَدِيثِ يَوْمَ صِفِّينَ

:" وَ

عنوا

بالأصوات"

أي احبسوها و أخفوها، من التعنية و هي الحبس، نهاهم عن اللفظ و رفع الأصوات، أو أعنيت بالأمر اهتممت. و عنيت من باب رمى مثله، و منه:" عنيت بحاجتك فأنا عان" أي اهتممت بها و اشتغلت.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ مَنْ

يَعْنِينِي

أَمَرَهُ"

أي و من يهمني أمره.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكَ مَا لَا

يَعْنِيهِ (1)

"

أي ما لا يهمه. و قولهم:" قد عنى الله بك" أي حفظك، لأن من عنى بشي‌ء حفظه و حرسه أو حفظ عليك دينك و أمرك. و‌

فِيهِ

:" نَزَلَ الْقُرْآنُ بِإِيَّاكِ

أَعْنِي

وَ اسْمَعِي يَا جَارَةٌ

(2)

"

هو مثل و يراد به التعريض للشي‌ء، يعني أن القرآن خوطب به النبي (ص) لكن المراد به الأمة، مثل ما عاتب الله به نبيه في قوله تعالى: وَ لَوْ لٰا أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [17/ 74] فإنه عنى بذلك غيره كما جاءت به الرواية. و عنيته عنيا من باب رمى: قصدته. و معنى الكلام و معناته واحد. و معنى الشي‌ء و فحواه و مقتضاه و مضمونه كل ما يدل عليه اللفظ، و عن تغلب المعنى و التفسير و التأويل واحد، و قولهم هذا بمعنى هذا و في معنى هذا: أي مماثل له أو مشابه، و" أنت المعني بذلك" أي المقصود المكلف به.

وَ فِي حَدِيثِ وَصَفَهُ تَعَالَى

:" وَاحِدٍ صَمَدُ وَاحِدِيُّ

الْمَعْنَى

"

يعني أنه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم. و المعاني التي أثبتها الأشاعرة للباري تعالى عن ذلك هي الصفات التي زعموها له من أنه قادر بقدرة و عالم بعلم و حي بحياة‌

____________

(1). الكافي 2/ 631.

(2). أمالي المفيد ص 21.

310

إلى غير ذلك، و زعموا أنها قديمة حالة في ذاته فهي زائدة على ذاته، و هي غير الأحوال التي أثبتها له تعالى بعض المعتزلة و هم البهشمية، و هي خمسة الإلهية و الوجودية و الجبية و القادرية و العالمية، فهم يزعمون أن الباري تعالى مساو لغيره من الذوات و يمتاز بحالة تسمى الإلهية، و تلك الحالة أوجبت له أحوالا أربعة. و" العنوة" بالفتح قد يراد بها القهر و الغلبة و قد يراد بها الصلح، فهي من الأضداد.

وَ فِي حَدِيثٍ مَكَّةَ

:" دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ

عَنْوَةً

"

قيل: هي المرة من عنا يعنو إذا ذل، كأن المأخوذ بها يخضع و يذل و يقهر و قد اشتهر أن من الأراضي المفتوحة عنوة و غلبة سواد العراق و الشام و خراسان و أنها للمسلمين قاطبة لا تملك على الخصوص إلا تبعا لآثار التصرف، و أن المرجع في كونها عامرة وقت الفتح إلى القرائن المفيدة للظن المتأخم للعلم و مع الشك يرجع إلى أصالة عدم البراءة. في الدروس: في بيوت مكة خلاف مبني على أنها فتحت عنوة أو صلحا و على أن حكمها حكم المسجد أم لا، و نقل عن الشيخ في الخلاف الإجماع على المنع من بيعها و إجارتها، و هو مروي عن النبي (ص)- انتهى. و منه يعلم وجه الخلاف في المسألة بل و من غيره لما قيل من أنها فتحت عنوة على الإطلاق، و قيل: فتحت صلحا كذلك، و قيل: فتحت أعاليها عنوة و أسافلها صلحا. و ربما انسحب هذا أيضا إلى سواد العراق لما قيل من أنها فتحت عنوة لأن الحسن و الحسين كانا مع الجيش، و قيل: لم يثبت ذلك فتكون المحاربة بغير إذن الإمام (ع) فتكون للإمام. و مما عدوا من الأراضي التي لم تفتح عنوة بل أسلم عليها أهلها طوعا المدينة المشرفة و البحرين و أطراف اليمن. و عنونت الكتاب و علونته باللام: جعلت له عنوانا بالضم و قد يكسر. و عنوان كل شي‌ء: ما يستدل به عليه، و منه يقال: اكتب على العنوان لأبي فلان‌

311

(عوا)

فِي الْحَدِيثَ

:" كَأَنِّي أَسْمَعُ

عُوَاءَ

أَهْلِ النَّارِ"

يعني صياحهم. و" العواء" صوت السباع و هو بالكلب و الذئب أخص، يقال: عوى الكلب يعوي عواء: صاح، فهو عاو. و" العواء" بالمد و التشديد: الكلب يعوي كثيرا.

وَ فِي حَدِيثٍ مِنْ قَتَلَ مُشْرِكاً

:"

فتعاوى

الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ"

أي تعاونوا و تساعدوا.

(عيا)

قوله تعالى: أَ فَعَيِينٰا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ [50/ 15] حين أنشأناكم، و عدل إلى الغيبة التفاتا، يقال" عيي" من باب تعب: عجز عنه و لم يهتد لوجه مراده.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ

: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

أَ فَعَيِينٰا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ

؟ قَالَ:" يَا جَابِرٍ تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَفْنَى هَذَا الْخَلْقِ وَ هَذَا الْعَالَمِ وَ سَكَنَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارِ جَدَّدَ اللَّهِ عَالِماً غَيْرِ هَذَا الْعَالَمِ وَ جَدَّدَ خَلْقاً مِنْ غَيْرِ فُحُولَةِ وَ لَا إِنَاثٌ يَعْبُدُونَهُ وَ يوحدونه، وَ خَلَقَ لَهُمْ أَرْضاً غَيْرِ هَذِهِ الْأَرْضِ وَ تَحْمِلَهُمُ سَمَاءٍ غَيْرِ هَذِهِ السَّمَاءِ تُظِلُّهُمْ. لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَلَقَ هَذَا الْعَالِمِ الْوَاحِدِ وَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقَ بَشَراً غَيْرِكُمْ. بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهِ أَلْفَ أَلْفَ عَالِمٍ وَ أَلْفَ أَلْفَ آدَمَ وَ أَنْتُمْ فِي أَوَاخِرِ تِلْكَ الْعَوَالِمِ وَ أُولَئِكَ الْآدَمِيِّينَ"

(1)

.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" دَوَاءً

الْعِيِّ

السُّؤَالِ"

(2)

هو بكسر العين و تشديد الياء: التحير في الكلام، و المراد به هنا الجهل، و لما كان الجهل أحد أسباب العي عبر عنه به، و المعنى أن الذي عي فيما يسأل عنه و لم يدر بما ذا يجيب فدواؤه السؤال ممن يعلم، و العي قد يكون في القلب و قد يكون باللسان‌

____________

(1). البرهان ج 4 ص 219

(2). الكافي ج 1 ص 40

312

و" أعيا الرجل" أصابه العياء فلم يستطع المشي.

وَ فِي حَدِيثٍ الْجَمَاعَةِ

:" فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ أَوْ تَعَايَا فَقَوِّمُوهُ"

يريد العجز و عدم الاستطاعة على الفعل.

وَ فِي حَدِيثٍ الْأَئِمَّةِ (ع)

:" فَإِنْ أَعْيَانَا شَيْ‌ءٌ تَلَقَّانَا بِهِ رُوحُ الْقُدُسِ".

و" أعيت الخيل" أتعبت، من قولهم:" أعياني كذا" أتعبني. و الداء العياء هو الذي أعيا الأطباء و لم ينجع فيه الدواء.

باب ما أوله الغين

(غبا)

فِي الْخَبَرَ

:"

تَغَابَ

عَنْ كُلِّ مَا لَا يَصِحُّ لَكَ"

أي تغافل. و" الغبي" على فعيل: قليل الفطنة، يقال غبي يغبى من باب تعب غباوة و يتعدى إلى المفعول بنفسه و بالحرف و الجمع الأغبياء. و غبي عليه الشي‌ء: إذا لم يعرفه.

(غثا)

قوله تعالى: فَجَعَلْنٰاهُمْ غُثٰاءً [23/ 41] أي أهلكناهم فذهبنا بهم كما يذهب السيل الغثاء، و الغثاء بالضم و المد: ما يجي‌ء فوق السيل مما يحمل من الزبد و الوسخ و غيره. قوله تعالى: فَجَعَلْنٰاهُمْ غُثٰاءً أي يابسا.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ، وَ مُتَعَلِّمٍ، وَ غُثَاءٍ. فَنَحْنُ الْعُلَمَاءُ وَ شِيعَتُنَا الْمُتَعَلِّمُونَ وَ سَائِرُ النَّاسِ غُثَاءٌ"

(1)

يريد أراذل الناس و أسقاطهم، شبههم بذلك لدناءة قدرهم و خفة أحلامهم. و غثت نفسه تغثي غثيا من باب رمى و غثيانا و هو اضطرابها حتى تكاد تنسبها‌

____________

(1). الكافي ج 1 ص 34

313

من خلط ينصب إلى فم المعدة.

(غدا)

قوله تعالى: آتِنٰا غَدٰاءَنٰا [18/ 62] الغداء بالمد: الطعام الذي يؤكل أول النهار، و هو خلاف العشاء بالمد أيضا، و منه يقال:" غديته تغدية" إذا أطعمته الغداء. قوله تعالى: غُدُوُّهٰا شَهْرٌ وَ رَوٰاحُهٰا شَهْرٌ [34/ 12] أي جريها بالغداة مسير شهر و جريها بالعشي كذلك قوله تعالى: بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ* [7/ 205] أي بالغدوات، فعبر بالفعل عن الوقت. و الآصال هي جمع أصيل و هي العشي و قد مر بيانه. قوله تعالى: وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [59/ 18] أراد به يوم القيامة، و نكره لتعظيم أمره. و عن بعض المفسرين: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد، و نحوه في تقريب الزمان كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ و الغد: اليوم الذي يأتي بعد يومك على أثره، ثم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد المترقب. و أصله" غدو" كفلس فحذفوا اللام بلا عوض و جعلوا الدال حرف إعراب- قاله في المصباح.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" اسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَ الرَّوْحَةُ وَ شَيْ‌ءٍ مِنْ الدَّلْجَةِ"

فالغدوة بفتح أوله و قيل بضمه: سير أول النهار إلى طلوع الشمس، و الروحة: اسم للوقت من الزوال إلى الليل، و الدلجة بضم المهملة و سكون لام: سير آخر الليل أو كل الليل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. و‌

فِيهِ

"

يَغْدُونَ

فِي غَضَبِ اللَّهِ وَ يَرُوحُونَ فِي سَخَطَهُ"

أراد بهما الدوام، و المعنى يصبحون يؤذون الناس و يروعونهم و يغضب الله عليهم، و يمسون يتفكرون في إيذائهم فيسخط الله عليهم.

وَ فِي خَبَرٍ حُكَّامِ الْجَوْرِ

:"

يَغْدُونَ

فِي حُلَّةً وَ يَرُوحُونَ فِي أُخْرَى"

أي يلبسون في أول النهار ثوبا و في آخره ثوبا تفاخرا و تنعما. و المحصن من له فرج يغدو عليه و يروح إلا مع المانع، أي يتصرف فيه حيث شاء‌

314

إلا مع حصول المانع، و المراد الدوام. و قولهم:" يغدو بإناء و يروح به" أي يحلب بكرة و عشيا. و غدا غدوا من باب قعد: ذهب غدوة، و جمع الغدوة غدى كمدية و مدى، هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الذهاب و الانطلاق أي وقت كان. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:"

اغْدُ

يَا أَنَسِ"

أي انطلق.

وَ فِي حَدِيثِ يَوْمَ الْفِطْرِ

:"

اغْدُوا

إِلَى جَوَائِزِكُمْ"

(1)

أي اذهبوا إليها فحوزوها و‌

مِنْهُ

:" يَأْكُلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ

يَغْدُوَ

إِلَى الْمُصَلَّى"

أي يذهب إليه. و أتيته غدوة غير مصروفة- قاله الجوهري، لأنها معرفة مثل سحر إلا أنها من الظروف المتمكنة، تقول: سر على فرسك غدوة و غدوة و غدوة و غدوة فما نون هذا فهو نكره و ما لم ينون فهو معرفة. و غداة السبت: أوله. و الغداة: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" نَوْمُ الْغَدَاةِ مَشُومَةٌ"

و صلاة الغداة: هي صلاة الفجر.

(غذا)

فِي حَدِيثٍ الْأَئِمَّةِ

:"

غذانا

- يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ (ص)- بِالْعِلْمِ غِذَاءٌ"

أي أشبعنا فيه فلم نحتج بعد إلى سؤال. و الغذاء ككتاب: ما يغتذى به من الطعام و الشراب، يقال: غذوت الصبي اللبن أغذوه فاغتذى به، و غذوته بالتثقيل مبالغة: ربيته به، و لا يقال: غذيته بالياء- قاله الجوهري. و يتغذى بالطعام: يتربى به.

وَ فِي حَدِيثٍ طِفْلٌ الْمُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ

:" يَرْفَعُ إِلَى فَاطِمَةَ (ع) تَغْذُوهُ حَتَّى يَقْدَمَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ"

(2)

.

____________

(1). من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 114

(2). البحار ج 3 ص 81

315

وَ فِي حَدِيثِ الْفِطْرَةِ

:" عَلَى كُلِّ قَوْمٍ مِمَّا

يُغَذُّونَ

بِهِ عِيَالاتِهِمْ"

(1)

بخفة الذال و شدتها مبالغة أي مما يطعمونهم مما فيه كفايتهم.

(غرا)

قوله تعالى: فَأَغْرَيْنٰا بَيْنَهُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ [5/ 14] أي هيجناها بينهم و يقال: فَأَغْرَيْنٰا أي ألصقنا بهم ذلك كأنه من الغراء و هو ما يلصق به. قوله تعالى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [33/ 60] أي لنسلطنك عليهم، يعني إن لم ينته المنافقون عن عداوتهم لنأمرنك أن تفعل بهم ما يسوؤهم و يضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة، فسمي ذلك إغراء- و هو التحريش- على سبيل المجاز. و في الحديث ذكر الغراء و الكيمخت. الغراء ككتاب: شي‌ء يتخذ من أطراف الجلود يلصق به، و ربما يعمل من السمك و الغرا كالعصا لغة. و الغري كغني: البناء الجيد، و منه" الغريان" بناءان مشهوران بالكوفة قاله في القاموس و هو الآن مدفن علي (ع) و المغرى بالشي‌ء: المولع به من حيث لا يحمله عليه حامل. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" أَوْ

مغرى

بِالْجَمْعِ وَ الِادِّخَارَ"

أي شديد الحرص على جمع المال و ادخاره كأن أحدا يغريه بذلك و يبعثه عليه. و" الغرو" العجب، و لا غرو: أي ليس بعجب. و غروت: عجبت. و أغروا بي: لجوا في مطالبتي.

(غزا)

قوله تعالى: أَوْ كٰانُوا غُزًّى [3/ 156] أي خرجوا إلى الغزو. و الغزو: الغزاة، يقال: غزوت العدو غزوا، و الاسم الغزاة، و الفاعل غاز، و الجمع غزاة كقضاة، و يأتي على غير ذلك‌

____________

(1). التهذيب ج 4 ص 78.

316

أيضا (1). و جمع الغزاة غزي على فعيل. و" الغزوة" المرة و الجمع غزوات كشهوات. و" الغازية" تأنيث الغازي صفة الجماعة و منه‌

قَوْلِهِ (ص)

:" كُلِّ غَازِيَةٍ غَزَتْ"

الحديث. و غزو العدو إنما يكون في بلاده و" غزوان" اسم رجل. و" غزية" اسم قبيلة (2).

(غشا)

قوله تعالى: فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لٰا يُبْصِرُونَ [36/ 9] أي جعلنا على أبصارهم غشاوة أي غطاء، و مثله: وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً [45/ 23]. قوله تعالى: وَ اسْتَغْشَوْا ثِيٰابَهُمْ [71/ 7] أن تغطوا بها، و مثله: أَلٰا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيٰابَهُمْ [11/ 5] أي يتوارون بها كرامة لكلام الله ك‍ جَعَلُوا أَصٰابِعَهُمْ فِي آذٰانِهِمْ. و غشاه بالتشديد تغشية: غطاه، و منه قوله تعالى: فَغَشّٰاهٰا [53/ 54] أي ألبسها من العذاب ما غشى، و هو تأويل لما صب عليها من العذاب و أمطر عليها من الحجارة المسومة. قوله تعالى: غٰاشِيَةٌ مِنْ عَذٰابِ اللّٰهِ [12/ 107] أي مجللة من عذاب الله. قوله تعالى: هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ الْغٰاشِيَةِ [88/ 1] يعني القيامة لأنها تغشاهم بأفزاعها. قوله تعالى: وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَوٰاشٍ [7/ 41] يعني ما يغشاهم فيغطيهم من أنواع العذاب.

____________

(1). كغزى بضم الغين و تشديد الزأي، و غزي كحجيج و غزاء كفساق.

(2). غزية بن أفلت بطن من طي من كهلان من القحطانية، و كانوا في طريق الحاج بين العراق و نجد. و غزية بن جشم بطن من هوازن من العدنانية، و هم بنوغزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، كانت منازلهم مع قومهم بني جشم بالسروان بين تهامة و نجد. معجم قبائل العرب ص 884.

317

قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهٰارَ* [7/ 54] أي يلحق الليل بالنهار و النهار بالليل بأن يأتي أحدهما عقيب الآخر فيغطي أحدهما الآخر.

وَ فِي حَدِيثٍ عَائِدٌ الْمَرِيضِ

:" وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ أَبَداً سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَغْشَوْنَ رَحْلِهِ"

(1)

بفتح الشين من غشيه بالكسر يغشاه: إذا جاءه و قصده، و الرحل بالفتح المسكن، و المعنى يقصدون مسكنه و يدخلونه و الغشاء ككساء: الغطاء و قد يعبر به عن الخيمة فيقال: أوتاد و غشاء. و" غشيتهم الرحمة" شملتهم، و منه" غشني برحمتك" أي غطني بها. و غشي الرجل المرأة غشيانا: إذا جامعها، و الاسم منه" الغشيان" بالكسر و منه‌

الْحَدِيثَ

:" الْغِشْيَانِ عَلَى الِامْتِلَاءِ يَهْدِمُ الْبَدَنِ".

و" غشي عليه" بالبناء للمفعول غشيا بفتح الغين و ضمها لغة فهو مغشي عليه: إذا أغمي عليه، و منه‌

قَوْلِهِ (ص)

:" أَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ الْغِشْيَانِ".

و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" الْخِضَابِ يَذْهَبُ بِالْغَشَيَانِ"

(2)

و اختلف فيه فقيل: هو تعطيل القوى المحركة لضعف القلب بسبب وجع شديد أو برد أو جوع مفرط. و قيل: هو امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد و غليظ. و غشي الليل من باب تعب و أغشى بالألف: أظلم. و غشي الشي‌ء: إذا لابسه، و منه‌

فِي وَصَفَهُ تَعَالَى

:" لَا

تَغْشَاهُ

الْأَوْهَامُ"

أي لا تباشره و لا تلابسه. و غشينا رفقة يتغدون: قصدناهم، و منه" أ ما تغشى سلطان هؤلاء".

وَ فِي الْخَبَرَ

:" فَلَمَّا

غشيناه

قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ"

أي أدركناه و لحقناه.

(غضا)

الإغضاء: التغافل عن الشي‌ء.

____________

(1). الكافي ج 3 ص 120.

(2). الكافي ج 6 ص 482.

318

و الإغضاء: إدناء الجفون بعضها من بعض، و منه قول القائل في مدح علي بن الحسين (ع) (1):

يغضي حياء و يغضى من مهابته * * * فلا يكلم إلا حين يتبسم

و الغضى بالقصر: شجر ذو شوك و خشبة من أصلب الخشب و لذا يكون في فحمه صلابة.

(غطا)

فِي الدُّعَاءِ

:" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَكْشِفُ الْغِطَاءَ"

و هي كما‌

وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ (ع)

: الِاسْتِدَانَةِ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْوَفَاءُ، وَ الْإِسْرَافُ فِي النَّفَقَةِ فِي الْبَاطِلِ، وَ الْبُخْلُ عَلَى الْأَهْلِ وَ الْوَلَدِ، وَ سُوءُ الْخُلُقِ وَ قِلَّةَ الْبَصَرِ، وَ الْكَسَلَ، وَ الضَّجَرَ، وَ الِاسْتِهَانَةُ بِأَهْلِ الدِّينِ.

و الغطاء ككساء: الستر و ما يغطى به، و جمعه" أغطية" قيل: مأخوذ من قولهم:" غطا الليل يغطو" إذا سترت ظلمته كل شي‌ء. و" غطى وجهه" بالتشديد: ستره. و" الغطاية" بالكسر: ما تغطيت به من حشو الثياب.

(غفا)

" أغفيت إغفاء" أي نمت نومة خفيفة و أنا مغف، و لا يقال" غفوت" و عن الأزهري: قل ما يقال غفوت.

(غلا)

قوله تعالى: لٰا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ* [4/ 171] أي لا تجاوزوا الحد، بأن ترفعوا عيسى أن تدعوا له الإلهية. يقال: غلا في الدين غلوا من باب قعد: تصلب و تشدد حتى تجاوز الحد و المقدار، و غاليت الشي‌ء و بالشي‌ء مثله، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" لَا تَغُلُّوا فِي صَدَاقَ النِّسَاءِ".

وَ فِي حَدِيثٍ الشِّيعَةِ

:" كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَ يَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي"

(2)

فالغالي من يقول في أهل‌

____________

(1). من قصيدة <للفرزدق>. انظر الإرشاد للمفيد ص 243.

(2). مشكاة الأنوار ص 57.

319

البيت (ع) ما لا يقولون في أنفسهم كمن يدعي فيهم النبوة و الإلهية، و التالي المرتاد يريد الخير ليبلغه ليؤجر عليه. و‌

فِيهِ

:" إِنْ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولًا يَنْفُونَ عَنَّا تَحْرِيفَ

الْغَالِينَ

"

أي الذين لهم غلو في الدين، كالنصيرية و المبتدعة و نحوهم. و غلا السعر: ارتفع. و أغلاه الله: رفعه. و اشتريت شاتين بثمن غلاء: أي مرتفع. و" الغالية" ضرب من الطيب مركب من مسك و عنبر و كافور و دهن البان و عود، و تغليت بالغالية و تغللت بها: إذا تطيبت بها. و غلت القدر غليا من باب ضرب و غليانا: إذا اشتد فورانها. و في الحديث ذكر الغلوة (1) و هي بالفتح مقدار رمية سهم. و عن الليث: الفرسخ التام خمس و عشرون غلوة. و عن أبي شجاع في خراجه: الغلوة قدر ثلاث مائة ذراع إلى أربعمائة، و الجمع" غلوات" كشهوة و شهوات. و" الغلاة" هم الذين يغالون في علي و يجعلونه ربا، و التخميس عندهم لعنهم الله و هو أن سلمان الفارسي و المقداد و أبا ذر و عمار و عمر بن أمية الضمري هم الموكلون بمصالح العالم عن علي (ع) و هو رب (2)

(غما)

فِي الْحَدِيثَ

:" أُغْمِيَ عَلَيْنَا الْهِلَالَ"

(3)

يقال: أغمي فهو مغمى و مغمي: إذا حال دون رؤيته غيم أو قترة، و أصل‌

____________

(1) في التهذيب ج 1 ص 203 في حديث عن علي (ع): يطلب الماء في السفر إن كانت الحزونة فغلوة سهم و إن كانت سهولة فغلوتين ...

(2). اقرأ هذه الجمل بإمعان ثم انظر إلى ما يتقوله المفرقون الدساسون على الشيعة و ما ينسبون إليهم من الأكاذيب الشنيعة و هم منها براء.

(3) في التهذيب ج 4 ص 177: ربما غم علينا هلال شهر رمضان.

320

التغمية الستر و التغطية، و منه أغمي على المريض فهو مغمى عليه و غمي عليه فهو مغمي عليه: إذا ستر عقله و غطي. و" تركت فلانا غمى" مثل قفا أي مغشيا عليه. و" أغمي عليه الخبر" أي استعجم مثل غم. و يقال:" صمنا للغمى و للغمى" إذا غم عليهم الهلال.

(غنا)

قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [10/ 24] أي كأن لم تغن زرعها على حذف المضاف أي لم ينبت، و لا بد من حذف المضاف الذي هو" الزرع" في هذه المواضع و إلا لم يستقم المعنى- كذا ذكره الشيخ أبو علي، ثم قال: و عن الحسن لم يغن بالياء على أن الضمير للمضاف المحذوف الذي هو الزرع، و الأمس مثل للوقت القريب كأنه قيل لم يوجد من قبل- انتهى و قيل: معنى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي كأن لم تكن قبل أن حصدت معمورة قوله تعالى: مُغْنُونَ عَنّٰا نَصِيباً مِنَ النّٰارِ [40/ 47] أي دافعون عنا. قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا* [7/ 92] أي يقيموا فيها. قوله تعالى وَ مٰا يُغْنِي عَنْهُ مٰالُهُ إِذٰا تَرَدّٰى [92/ 11] أي لا يجديه و لا ينفعه. قوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [80/ 37] أي يكفيه عن الاهتمام بغيره، من" أغن عني شرك" أي اصرفه عني و كفه. قيل: و منه لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً" [45/ 19].

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" خَيْرٌ الصَّدَقَةِ مَا كَانَتْ عَنْ ظَهْرِ

غِنًى

"

(1)

أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى. و قيل: أراد ما فضل عن قوت العيال و كفايتهم، فإذا أعطيتها غيرك أبقيت بعدها لك و لهم غنى و كانت عن استغناء منك و منهم، و الظهر قد يرد في مثل هذا إشباعا للكلام و تمكينا، كأن‌

____________

(1) في الكافي ج 4 ص 26: أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى

321

صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال. و مثله:

" خَيْرٌ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ

غِنًى

"

أي أبقت بعدها لك و لعيالك غنى. و قيل: ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة و" الغنى" كإلى أو كسحاب: ضد الفقر يقال:" ليس عنده غناء" أي ما يغتني به و" أوشك الله له بالغناء" بالفتح و المد يريد به الكفاية. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ

يَسْتَغْنِ

بِاللَّهِ وَ عَطَائِهِ يُغْنِهِ اللَّهِ"

أي يخلق في قلبه غنى، أو يعطيه ما يغنيه عن الخلق. و غنيت بكذا من باب تعب و تغنيت به: استغنيت به. و تغانوا: استغنى بعضهم عن بعض.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" إِنْ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَ تَغَنَّوْا بِهِ، فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا"

(1)

قال الشيخ أبو علي في تفسيره عند ذكر هذا: تأول بعضهم" تغنوا" بمعنى استغنوا به و أكثر العلماء على أنه تزيين الصوت. و" الغناء" ككساء: الصوت المشتمل على الترجيع المطرب أو ما يسمى بالعرف غناء و إن لم يطرب، سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما، و استثني منه الحدو للإبل. و قيل: و فعله للمرأة في الأعراس مع عدم الباطل [مباح].

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" جِوَارِ

يَتَغَنَّيْنَ

وَ يَضْرِبْنَ بِالْعُودِ"

أي يستعملن الغناء و ضرب العود و" الغني" من أسمائه تعالى، و هو من لا يحتاج إلى أحد و كل محتاج إليه و هو الغني مطلقا لا يشاركه فيه غيره. و" المغني" من أسمائه تعالى أيضا، و هو الذي يغني من يشاء من عباده.

(غوا)

قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [19/ 59] أي ضلالا و خيبة، أو غيا عن طريق الجنة. و قيل: الغي واد في جهنم قوله تعالى: يَتَّبِعُهُمُ الْغٰاوُونَ [26/ 224] فسروا بقوم وصفوا عدلا‌

____________

(1). جامع الأخبار ص 49

322

يعني حلالا و حراما بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره.

وَ فِي حَدِيثِ مُوسَى (ع) لآِدَمَ

:"

أغويت

النَّاسِ وَ أضللتهم"

من غوى: إذا خاب و ضل. و غوى يغوي من باب ضرب: انهمك في الجهل، و هو خلاف الرشد، و الاسم" الغواية" بالفتح. و" أمر بين غيه" أي ضلاله.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ لِصٍّ

غَاوٍ

"

أي مضل غير مرشد. و‌

مِنْهُ

:" اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْغَاوِينَ"

و غاو و غواة كقاض و قضاة.

وَ فِي حَدِيثٍ السَّفَرِ

:" الْوَاحِدِ فِيهِ غَاوٍ وَ الِاثْنَانِ غَاوِيَانِ وَ الثَّلَاثَةُ نَفَرٌ"

(1)

و تفسيره الواحد شيطان و الاثنان شيطانان و الثلاثة صحب. و أغواه الشيطان: أضله. و المغوي: الذي يحمل الناس على الغواية و الجهل.

(غيا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَ لَا مَا قِيلَ فِيهِ فَهُوَ

لِغَيَّةٍ

شَيْطَانٍ

(2)

"

أي شرك شيطان أو مخلوق من زنا، يقال:" هو لغية" بفتح الغين و كسرها و تشديد الياء: نقيض لرشدة. و في المصباح: لغية بالفتح و الكسر كلمة يقال في الشتم كما يقال هو لزنية. و في القاموس: ولد غية و يكسر: زنية‌

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْوَلَدِ لِغَيَّةٍ لَا يُورَثُ"

و الغاية انتهاء الشي‌ء و نهايته، و منه سميت الظروف- كقبل و بعد غايات لأن غاية الكلام كانت ما أضيفت هي إليه فلما حذفت صرن غايات ينتهى بهن الكلام. و الغاية: العلة التي يقع لأجلها الشي‌ء. و الغاية: المسافة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْمَوْتِ

غَايَةَ

الْمَخْلُوقِينَ"

أي نهايتهم التي ينتهون إليها.

وَ فِي وَصَفَهُ تَعَالَى

:" هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا

____________

(1). من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 180

(2). الكافي ج 2 ص 323.

323

غَايَةِ

وَ لَا مُنْتَهَى

غَايَةِ

"

(1)

يعني ليس غاية بمعنى مسافة تكون ظرفه و لا غاية بمعنى النهاية، و المعنى أن أزليته و أبديته يرجعان إلى معنى سلبي، أي ليس له أول و لا آخر‌

قَوْلِهِ

:" انْقَطَعَتْ عَنْهُ

الْغَايَاتِ (2)

"

بمعنى كل مسافة عنده لأنه وراء الكل، و إن شئت قلت انعدمت الغايات عنده، بمعنى أنه ليست له غاية بشي‌ء من معانيها لأنه لم يحط به سطح أو خط و لا أول لوجوده و لا آخر.

قَوْلِهِ

:" وَ هُوَ

غَايَةُ

كُلِّ غَايَةِ

(3)

"

يعني ينتهي إليه كل ممكن أو نهاية كل امتداد‌

وَ فِي حَدِيثٍ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى

:" اسْمُ اللَّهِ غَيْرُهُ ... وَ اللَّهُ غَايَةٌ مِنْ غَايَاتِهِ"

(4)

أي لفظ الله اسم من أسمائه، و الغاية أي الاسم غير موصوفه، أي يجوز تحديدها و تعريفها.

باب ما أوله الفاء

الفاء المفردة

جاءت لمعان: (عاطفة) و تفيد أمورا ثلاثة:" الترتيب" و هو نوعان: معنوي" كقام زيد فعمرو" و ذكري و هو عطف مفصل على مجمل نحو فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطٰانُ عَنْهٰا فَأَخْرَجَهُمٰا مِمّٰا كٰانٰا فِيهِ [2/ 36] و" التعقيب" و هو من كل شي‌ء بحسبه نحو" تزوجت فولدت". و" للسببية" نحو: فَوَكَزَهُ مُوسىٰ فَقَضىٰ عَلَيْهِ [28/ 15]. و (رابطة للجواب) نحو إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5/ 118] و (زايدة) [نحو" زيد فلا تضربه] و بمعنى (ثم) و منه قوله تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظٰاماً فَكَسَوْنَا الْعِظٰامَ لَحْماً.

____________

(1). هذه الجمل كلها من حديث في الكافي 1/ 90.

(2). هذه الجمل كلها من حديث في الكافي 1/ 90.

(3). هذه الجمل كلها من حديث في الكافي 1/ 90.

(4). الكافي ج 1 ص 113.

324

و بمعنى (الواو) كما في قوله (1):

بين الدخول فحومل

لأنه يجوز" جلست بين زيد فعمرو"- نقلا عن الأصمعي. و اختلف في الفاء من قوله تعالى: بَلِ اللّٰهَ فَاعْبُدْ [39/ 66] فعند بعضهم هي جواب لأما مقدرة، و زائدة عند الفارسي نقلا عنه، و عاطفة عند غيره و الأصل تنبه فاعبد. و في الفاء من نحو" خرجت فإذا الأسد" فعند بعضهم هي زائدة. و في الفاء من قوله تعالى فَكَرِهْتُمُوهُ [49/ 12] فقدر بعضهم أنهم قالوا بعد الاستفهام: لا، فقيل: فهذا كرهتموه فالغيبة فاكرهوها، ثم حذف المبتدأ و هو هذا. و حكي عن الفارسي أنه قال: فَكَرِهْتُمُوهُ فاكرهوا الغيبة. و أما فاء الجزائية مثل" من يقم فإني أكرمه" ففي دلالتها على التعقيب و عدمه قولان. و أما الفاء في" فقط" فقيل: إنها لتزيين اللفظ، فكأنه جواب شرط محذوف، أي إذا كان كذلك فانته عن كذا.

(فأفأ)

رجل فأفاء على فعلان و فيه فأفأة أي يتردد في الفاء إذا تكلم.

(فتا)

قوله تعالى: تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [12/ 85] أي لا تزال تذكره، و جواب القسم" لا" المضمرة التي تأويلها تالله لا تفتأ، يقال: ما أفتأ أذكره و ما فتئت أذكره أي ما زلت أذكره قوله تعالى: فَتَيٰاتِكُمُ* [4/ 25] أي إماؤكم. و فَتَيٰانِ [12/ 36] مملوكان لأن العرب تسمي المملوك شابا كان أو شيخا فتى، و منه قوله تعالى: تُرٰاوِدُ فَتٰاهٰا

____________

(1). من بيت من معلقة امرى‌ء القيس و هو كما يلي:

قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل * * * بسقط اللوى بين الدخول‌فحومل

325

[12/ 30] أي عبدها. قوله تعالى: وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِفَتٰاهُ [18/ 60] فتاه يوشع بن نون، سماه فتاه لأنه كان يخدمه و يتبعه ليأخذ منه العلم و قيل: لعبده. قوله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [18/ 13] أي شباب و أحداث آمنوا بربهم. حكم الله هم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة. قوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ* [37/ 11] أي سلهم و استخبرهم، من استفتيته: سألته أن يفتي. قوله تعالى: وَ لٰا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [18/ 22] أي لا تسأل عن أصحاب الكهف أحدا من أهل الكتاب قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ [4/ 176] أي يطلبون منك الفتيا في ميراث الكلالة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

الْفَتَى

الْمُؤْمِنُ، إِنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ كَانُوا شُيُوخاً فَسَمَّاهُمُ اللَّهِ تَعَالَى فِتْيَةً لإيمانهم"

(1)

.

و الفتى: الشباب، و الفتاة: الشابة، و الجمع" الفتيان" و" فتية" في الكثرة و القلة، و الأصل أن يقال" الفتى" للشاب الحدث ثم أستعير للعبد و إن كان شيخا. و الفتى أيضا: السخي الكريم.

وَ فِي الْحَدِيثَ

: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ الصَّادِقِ (ع) أَمْرَ الْفُتُوَّةِ فَقَالَ:" أَ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفُتُوَّةَ بِالْفِسْقِ وَ الْفُجُورِ؟ إِنَّمَا الْفُتُوَّةُ وَ الْمُرُوءَةُ طَعَامٌ مَوْضُوعٌ وَ نَائِلٌ مَبْذُولٌ" إِلَى أَنْ قَالَ:" وَ أَمَّا تِلْكَ فَشَطَارَةٌ"

(2)

قيل: هو رد على ما كان يزعمه سفيان الثوري و غيره من فقهاء العامة من أن التوبة بعد التفتي و الصبوة أبلغ و أحسن في باب التزهد من الزهادة و الكف عن المعصية رأسا في بدء الأمر.

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص)

:" أَنَا الْفَتَى

____________

(1). البرهان ج 2 ص 456

(2). معاني الأخبار ص 118

326

ابْنِ الْفَتَى أَخُو الْفَتَى"

(1)

فقوله:

أَنَا

الْفَتَى

معناه ظاهر، و قوله:

ابْنِ

الْفَتَى

يعني إبراهيم (ع) كما قال الله تعالى: سَمِعْنٰا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقٰالُ لَهُ إِبْرٰاهِيمُ و قوله‌

أَخُو

الْفَتَى

يعني عليا (ع) كما دل عليه‌

قَوْلِهِ

:" لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ".

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَ أُمَّتِي وَ لَكِنْ

فتاي

وَ

فتاتي

"

أي غلامي و جاريتي، و كان ذلك لما فيه من العبودية لغيره تعالى. و" الفتيا" بالياء و ضم الفاء و" الفتوى" بالواو و فتح الفاء: ما أفتى به الفقيه، يقال:" استفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني" و تفاتوا إلى الفقيه: إذا ارتفعوا إليه في الفتيا. و أفتاني في المسألة: بين حكمها، و الجمع" الفتاوي" بكسر الواو. و قيل: و يجوز الفتح للتخفيف.

(فثأ)

قوله: يفثأ به حد الشدائد أي يكسر به حدها، من قوله: فثأت الرجل عنك بقول أو غيره، أو من فثأت القدر أي سكنت غليانها.

(فجا)

قوله تعالى: وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [18/ 17] أي متسع، و هي الفرجة بين الشيئين، و قيل: موضع لا يصيبه الشمس، و الجمع" فجوات" مثل شهوة و شهوات. و" الفجاءة" بضم الفاء و المد: أخذ الشي‌ء بغتة، و قيده بعضهم بفتح فاء و سكون جيم من غير مد كتمرة و هو من باب تعب و نفع. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" مَوْتِ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَ أَخْذَةُ أَسَفٍ عَلَى الْكَافِرِ"

(2)

و إنما كانت راحة للمؤمن لأنه في الغالب مستعد لحلوله فيريحه من نصب الدنيا،

____________

(1). معاني الأخبار ص 118 و الشرح موجود في ذيل الحديث.

(2). الكافي ج 3 ص 112 و فيه" تخفيف" بدل" الراحة".

327

و أخذة أسف على الكافر حيث لم يتركه للتوبة و إعداد زاد الآخرة و لم يمرضه ليكفر ذنوبه، و الإضافة بمعنى من أو اللام، و لا يشترط صحة تقديرها كما في وعد حق و وعد صدق. و منه‌

الدُّعَاءِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنْ

فَجْأَةِ

نَقِمَتِكَ"

أي من وقوعها بغتة، و النقمة العذاب.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا حَمَلَ الْمُؤْمِنِ الْمَيِّتِ فَلَا

يفاجى‌ء

بِهِ الْقَبْرَ لِأَنَّ لِلْقَبْرِ أَهْوَالًا عَظِيمَةٌ"

أي لا يعجل به إلى القبر بل يصبر عليه هنيئة ليأخذ أهبته. و" فاجأتنا المضايق" أي أخذتنا و نزلت بنا. و مات داود النبي مفجأ من غير علة و مرض و تقدم سبب فأظلته الطير بأجنحتها‌

(فحا)

فِي الْخَبَرِ

:" مِنْ أَكَلَ مِنْ

فحا

أَرْضٍ"

بالقصر و فتح الفاء و كسرها‌

" لَمْ يَضُرُّهُ مَاؤُهَا"

يعني بصلها. و" فحوى القول" بالقصر و يمد معناه لحنه، يقال: عرفت ذلك في فحوى كلامه.

(فدا)

قوله تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [2/ 184] قيل: كان القادر على الصوم مخيرا بينه و بين الفدية لكل يوم نصف صاع، و قيل: مد فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي زاد على الفدية فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ و لكن صوم هذا القادر خير له، ثم نسخ ذلك بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و قيل: إنه غير منسوخ بل المراد بذلك الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن و الشيخ و الشيخة- كذا عن بعض المفسرين.

وَ فِيمَا صَحَّ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ

قَالَ (ع):" الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَ الَّذِي بِهِ الْعُطَاشُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُفْطِرَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَ يَتَصَدَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ مِنْ الطَّعَامِ وَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ

328

لَمْ يَقْدِرَا فَلَا شَيْ‌ءَ عَلَيْهِمَا"

(1)

.

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَيْضاً عَنْ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ

:" الْحَامِلُ الْمُقْرِبُ وَ الْمُرْضِعُ الْقَلِيلَةُ اللَّبَنِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا أَنْ تُفْطِرَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّهُمَا لَا تُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَ عَلَيْهِمَا أَنْ تَتَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ تُفْطِرُ فِيهِ بِمُدٍّ مِنْ طَعَامٍ، وَ عَلَيْهِمَا قَضَاءُ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَتَا فِيهِ تَقْضِيَانِهِ بَعْدُ"

(2)

.

و الفدية: الفداء، و منه:" عليه الفدية" قوله تعالى: فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً [47/ 4]

قِيلَ

: كَانَ أَكْثَرَ الْفِدَاءُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ أَقَلُّهُ أَلْفَ. وَ قِيلَ: كَانَ فِدَاءٌ كُلِّ وَاحِدٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً.

و‌

قَالَ ابْنِ سِيرِينَ

: مِائَةَ أُوقِيَّةً" وَ الْأُوقِيَّةُ" أَرْبَعُونَ دِرْهَماً.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" إِنْ الْفِدَاءُ كَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَ الْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ مِثْقَالًا، إِلَّا الْعَبَّاسِ فَإِنْ فِدَاءَهُ كَانَ مِائَةَ أُوقِيَّةً وَ كَانَ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ حِينَ أَسَرَّ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً ذَهَباً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص): ذَلِكَ غَنِيمَةٌ ففاد نَفْسِكَ وَ ابْنِي أَخِيكَ نوفلا وَ عَقِيلًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ مَعِي شَيْ‌ءٌ تَتْرُكُنِي أتكفف النَّاسِ مَا بَقِيتُ، فَقَالَ: أَيْنَ الذَّهَبِ الَّذِي دَفَعْتُهُ إِلَى أَمْ الْفَضْلِ حِينَ خُرُوجِكَ مِنْ مَكَّةَ وَ قُلْتُ لَهَا: مَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهُوَ لَكَ وَ لِعَبْدِ اللَّهِ وَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ وَ الْفَضْلِ؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَا يُدْرِيكَ بِهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، فَقَالَ الْعَبَّاسِ: أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ اللَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَ لَقَدْ دَفَعْتُهُ إِلَيْهَا"

و قد تكرر في الحديث ذكر الفداء أيضا و هو بكسر أوله يمد و يقصر و إذا فتح فهو مقصور، و المراد به فكاك الأسير و استنقاذه بالمال، يقال: فداه من الأسر تفدية إذا استنقذه بمال. قال الجوهري: و من العرب من يكسر فداء بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة، فيقول: فداء‌

____________

(1). الإستبصار ج 2 ص 104

(2). التهذيب ج 4 ص 240

329

لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. و فاداه يفاديه: إذا أعطى فداءه و أنقذه و فدت المرأة نفسها من زوجها و افتدت: أعطت مالا حتى تخلصت منه بالطلاق. و" افتدى الرجل بماله" أي أعطى مالا تخلص به. و" جعلني الله فداك" أي أقيك المكاره. و فداه بتشديد الدال يفديه: إذا قال له: جعلت فداك.

(فرا)

قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [19/ 27] أي عجيبا، و يقال: عظيما و الافتراء: العظيم من الكذب. و" افتراه" افتعله من الفرية و اختلقه و الجمع" فرى" كلحية و لحى.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا دِينَ لِمَنْ دَانَ بِفِرْيَةِ بَاطِلٍ عَلَى اللَّهِ".

و الفرية: الكذبة العظيمة التي تتعجب منها. و الفرية أيضا القذف، و حد الفرية يكون بثلاثة وجوه: رمي الرجل الرجل بالزنا، و إذا قال إن أمه زانية، و إذا دعي لغير أبيه. قوله تعالى: افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً* [6/ 21] قال المفسر: الأصل في الافتراء القطع، من" فريت الأديم أفريه" ثم استعير للكذب مع العمد.

وَ فِي حَدِيثٍ الشَّهِيدُ

:" يَنْزِعُ عَنْهُ الْخُفِّ وَ

الْفَرْوِ

"

(1)

هو بفتح أوله: الذي يلبس من الجلود التي صوفها معها، و الجمع" الفراء" بالكسر و المد. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" مَا تَقُولُ فِي

الْفِرَاءِ

"

أي شي‌ء يصلى فيه. و الفراء كسحاب و جبل حمار الوحش و الجمع: أفراء و فراء و فرى، و منه ما قيل لأبي سفيان: كل الصيد في جانب الفراء، يعني أنت في الصيد كحمار الوحش كل الصيد دونه. و" الفروة" جلد الرأس و فروة الوجه: جلدته.

____________

(1). الكافي ج 3 ص 210.

330

و" أم فروة" أم جعفر الصادق (ع) (1). و قيل:" أم فروة" من بنات الصادق (ع)، و به صرح في أعلام الورى (2). و أفريت الأوداج: قطعتها.

(فسا)

فِي الْحَدِيثِ

:" مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إِلَّا ضَرْطَةٍ تَسْمَعُ حسها أَوْ فَسْوَةٍ تَشَمَّ رِيحَهَا"

هي من فسا فسوا من باب قتل: ريح تخرج من الحيوان بغير صوت يسمع، و الاسم" الفساء" بالضم و المد. و في المثل:" هو أفحش من فاسية" و يريدون الخنفساء.

(فشا)

فِي الْحَدِيثَ

:"

أَفْشُوا

السَّلَامُ"

(3)

بقطع همزة مفتوحة، أي أظهروه و انشروه بين الناس، من قولهم:" فشا خبره" أي ظهر و انتشر بين الناس، أو من تفشأ الشي‌ء بالهمزة تفشؤا إذا انتشر. و منه‌

" إِنْ رَأَى حَسَنَةً دَفَنَهَا"

أي أخفاها‌

" وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً

أَفْشَاهَا

"

أي أظهرها بين الناس ليعيب فيها.

(فصا)

يقال: تفصيت من الديون: إذا أخرجت منها و تخلصت. و تفصى الإنسان: إذا تخلص من المضيق و البلية، و الاسم" الفصية" بالتسكين. و فصيت الشي‌ء عن الشي‌ء فصيا من باب رمى: أزلته.

(فضا)

قوله تعالى: أَفْضىٰ بَعْضُكُمْ إِلىٰ بَعْضٍ [4/ 21] أي انتهى إليه فلم يكن بينهما‌

____________

(1). هي بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، و أمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و لهذا كان الإمام الصادق (ع) يقول: ولدني أبو بكر مرتين تنقيح المقال ج 3 ص 73 من فصل النساء.

(2). انظر ص 284.

(3). الكافي ج 2 ص 644.

331

حاجز عن الجماع، يقال:" أفضى الرجل إلى جاريته" جامعها، و" أفضى إلى الأخرى" صار إليها. قال بعضهم:" الإفضاء" أن يخلو الرجل بالمرأة جامعها أو لم يجامعها. و عن الشيخ أبي علي:" الإفضاء إلى الشي‌ء" الوصول إليه بالملامسة، و أصله من الفضاء و هو السعة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى

الْفَضَاءِ

"

و هو موضع بالمدينة. و الفضاء: الخالي الفارغ الواسع من الأرض. و قد فضا المكان فضوا من باب قعد: اتسع. و أفضى بيديه إلى الأرض: إذا مسها بباطن راحته في السجود، عدي بالباء لأنه لازم.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْمَيِّتِ يُغَسَّلُ فِي

الْفَضَاءِ

"

؟ يعني من غير ستر بينه و بين السماء،

قَالَ

:" لَا بَأْسَ وَ إِنْ يَسْتُرُ بِسِتْرٍ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ"

(1)

.

و المفضاة من النساء: التي مسلكها واحد يعني مسلك البول و الغائط.

(فعا)

فِي الْخَبَرِ

:" لَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ بِقَتْلِ

الأفعو

"

يريد الأفعى فقلبت الألف واوا في الوقف. و" الأفعى" قيل: هي حية رقشاء رقيقة العنق عريضة الرأس لا تزال مستديرة على نفسها لا ينفع منها ترياق و لا رقية، و" هذه أفعى" بالتنوين لأنه اسم و ليس بصفة، و مثله أروى و أرطى، و ألفها في الوقف مقلوبة عن الواو، و منهم من يقلبها ياء، و الذكر" أفعوان" بضم الهمزة و العين، و الجمع" الأفاعي". و تفعى الرجل: صار كالأفعى في الشر‌

(فقأ)

فِي الْحَدِيثِ

:" لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ

فَفَقَئُوا

عَيْنُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ

____________

(1). التّهذيب ج 1 ص 431.

332

شَيْ‌ءٌ"

(1)

أي شقوها. و" الفق‌ء" بالهمزة: الشق، يقال: فقأت عينه أفقؤها أي شققتها، و منه‌

الدُّعَاءِ

:"

افْقَأْ

عَنِّي عُيُونَ الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةَ"

أي شقها و أعمها عن النظر إلي.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَأَنَّمَا الرُّمَّانِ

تُفْقَأُ

فِي وَجْهَهُ"

يريد شدة الحمرة. و تفقأت السحابة عن مائها أي انفقأت و انشقت.

(فلا)

فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

:" الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالتَّمْرَةِ وَ نِصْفُ التَّمْرَةِ فَأُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الرَّجُلُ فَلُوَّهُ وَ فَصِيلَهُ"

الفلو بتشديد الواو و ضم اللام: المهر يفصل عن أمه لأنه يفتلي أي يفطم، و الجمع" أفلاء" كعدو و أعداء و عن أبي زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو و إذا كسرت خففت، و الأنثى" فلوة" بالهاء، و إنما ضرب المثل بالفلو لأنه يريد زيادة تربيته و كذا الفصيل. و الفلاة: الأرض التي لا ماء فيها و الجمع" فلا" كحصاة و حصى، و جمع الجمع" أفلاء" كسبب و أسباب (2). و فليت رأسي فليا من باب رمى: نقيته عن القمل.

(فنا)

" فناء الكعبة" بالمد: سعة أمامها. و قيل: ما امتد من جوانبها دورا و هو حريمها خارج المملوك منها، و مثله فناء الدار، و الجمع" أفنية". و منه‌

الْخَبَرَ

:" اكْنُسُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ".

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" نَازِلٌ بِفِنَائِكَ"

و الخطاب لله، و هو على الاستعارة. و فني المال يفنى من باب تعب فناء: إذا باد و اضمحل و أفناه غيره و كل مخلوق صائر إلى الفناء أي الهلاك‌

____________

(1). ذكر الحديث في الكافي ج 7 ص 291 باختلاف يسير.

(2). في الصحاح (فلا): و الجمع الفلا و الفلوات، و جمع الفلا فلي على فعول، مثل عصا و عصي.

333

و الاضمحلال. و يقال للشيخ" فان" على المجاز لقربه و دنوه من الفناء. و من أمثالهم: نعوذ بالله من قرع الفناء و صغر الإناء" أي خلو الدار من سكانها و الآنية من مستودعاتها. و" القرع" بالتحريك هو أن يكون في الأرض ذات الكلاء موضع لا نبات فيها كالقرع في الرأس.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ"

و هي- كما وردت به الرواية عن الصادق (ع)- الكذب و الزنا و قطع الرحم و اليمين الفاجرة و سد الطرق و ادعاء الإمامة بغير حق.

(فوا)

فِي الْحَدِيثَ

:" تُلْقِيَ فِيهِ الْمِسْكُ وَ

الْأَفَاوِيَ

"

قيل: هو شي‌ء معروف عند الأطباء مثل القرنفل و الدارصيني و أمثالهما و" الفوة" وزان القوة: عرق يصبغ به معروف. و" الثوب المفوى" المصبغ بالفوة.

(فيا)

قوله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ [2/ 249] الفئة: الجماعة المنقطعة من غيرها، و الهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه، لأن أصله في‌ء و جمعه" فئات" و" فئون". قوله تعالى: فَمٰا لَكُمْ فِي الْمُنٰافِقِينَ فِئَتَيْنِ [4/ 88] أي فرقتين و كانت طائفة تكفرهم و طائفة لا تكفرهم، و نصب فِئَتَيْنِ على الحال. قوله تعالى: فَلَمّٰا تَرٰاءَتِ الْفِئَتٰانِ [8/ 48] أي تلاقى الفريقان. قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلٰالُهُ [16/ 48] أي يرجع من جانب إلى جانب، من قولهم:" تفيأت الظلال" أي تقلبت. قوله تعالى: وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ [59/ 6] أي و الذي أفاءه الله و رده من أموال اليهود، و أصل الفي‌ء الرجوع كأنه في الأصل لهم ثم رجع إليهم، و منه" أفاء الله على المسلمين" أي ارجعه إليهم و صيره لهم، و منه قيل للظل الذي بعد‌

334

الزوال" في‌ء" لرجوعه من المغرب إلى المشرق. و عن رؤبة: كلما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو في‌ء و ظل، و ما لم يكن عليه الشمس فهو ظل و الجمع: أفياء و فيوء. و في‌ء النزال: موضع الظل المعد لنزولهم أو ما هو أعم كالمحل الذي يرجعون إليه و ينزلون به. و" الفئة" هي العود إلى طاعة الإمام و التزام أحكام الإسلام.

(في)

قوله تعالى: فِي تِسْعِ آيٰاتٍ إِلىٰ فِرْعَوْنَ [27/ 12] قيل:" في" هنا بمعنى من، أي أَلْقِ عَصٰاكَ* و أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ آيتان من تسع آيات. و قد جاءت في العربية لمعان: الظرفية و هو كثير. و المصاحبة مثل قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [7/ 38] أي معهم، و مثله‌

قَوْلِهِ (ع)

:" الْمُؤْمِنِ لَهُ قُوَّةٌ

فِي

دِينٍ وَ حَزْمٌ

فِي

لِينٍ"

و يحتمل الظرفية. و للتعليل نحو: فَذٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [12/ 32] و‌

" إِنِ امْرَأَةٍ دَخَلْتُ النَّارِ

فِي

هِرَّةٍ حَبَسْتُهَا"

. و للاستعلاء نحو: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [20/ 71]. و بمعنى الباء كقوله (1):

بصيرون في طعن الأباهر و الكلى

أي بطعن الأباهر. و بمعنى إلى كقوله تعالى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوٰاهِهِمْ [14/ 9]. و للمقايسة و هي الداخلة بين مفصول سابق و فاصل لاحق نحو فَمٰا مَتٰاعُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فِي الْآخِرَةِ إِلّٰا قَلِيلٌ [9/ 37]. و للسببية نحو:" في أربعين شاة شاة" أي بسبب استكمال أربعين شاة يجب شاة،

وَ قَوْلِهِ

:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا

فِي

جَائِعِينَ"

قيل فيه و نحن جماعة جائعين.

____________

(1). البيت لزيد الخيل، و هو من قصيدة قالها في جواب زهير، و بقية البيت:

" و يركب يوم الروع منا فوارس"

.

335

باب ما أوله القاف

(قبا)

فِي الْحَدِيثَ

:" مَسْجِدِ

قُبَا

" ...

(1)

هو بضم القاف يقصر و يمد و لا يصرف و يذكر و يؤنث: موضع بقرب المدينة المشرفة من جهة الجنوب نحوا من ميلين، و هو المسجد الذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. و" القباء" الذي يلبس، و الجمع" أقبية" قيل: أول من لبس القباء سليمان بن داود (ع).

(قثا)

قوله تعالى: وَ قِثّٰائِهٰا [2/ 61] القثاء بالمد و تشديد الثاء و كسر القاف أكثر من ضمها: الخيار، الواحدة" قثاءة". و بعض يطلق القثاء على نوع شبه الخيار- قاله في المصباح.

(قحا)

" الأقحوان" بضم الهمزة و الحاء: نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض و وسطه أصفر، و هو البابونج عند العرب، و وزنه أفعلان، و يجمع على" أقاحي".

(قدا)

قوله تعالى فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ [6/ 90] قال الزمخشري: الهاء فيه للوقف، و استحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف. و" القدوة" بضم القاف أكثر من كسرها: اسم من اقتدى به إذا فعل مثل فعله تأسيا، و منه" فلان قدوة" أي يقتدى به.

(قذا)

فِي دُعَاءً الْخَلَاءِ

:" اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنِّي القذا وَ الْأَذَى"

القذا بالفتح و القصر: ما يقع في العين و الشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك، و يريد بالأذى هنا الفضلة المؤذية لو حبست عليه‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه 1/ 148.

336

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" صَرَفَ القذاء عَنْ الْمُؤْمِنِ حَسَنَةً"

كأنه يريد الكدورة التي حصلت للمؤمن من حوادث الدهر. و‌

فِيهِ

:" غُسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ [يَذْهَبُ بِالدَّرَنِ وَ] يَنْفِي

الْأَقْذَاءَ

"

(1)

يعني الأوساخ التي في الرأس.

(قرأ)

قوله تعالى: فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [73/ 20] قيل: دلت الآية على وجوب قراءة شي‌ء من القرآن، فيصدق دليل هكذا قراءة شي‌ء من القرآن واجب و لا شي‌ء من القرآن في غير الصلاة بواجب فيكون الوجوب في الصلاة و هو المطلوب. و أورد عليه أن الكبرى ممنوعة، و سند المنع أن الوجوب إما عيني و لا إشعار به في الكلام أو كفائي فعدمه في غير الصلاة ممنوع بل يجب لئلا تندرس المعجزة و أجيب بأن المراد الوجوب العيني إذ هو الأغلب في التكاليف و هو المتبادر عند الإطلاق. و قيل: المراد بالقراءة الصلاة تسمية للشي‌ء ببعض أجزائه، و عني به صلاة الليل ثم نسخ بالصلوات الخمس. و قيل: الأمر في غير الصلاة لكنه على الاستحباب. و اختلف في أقله، فقيل: أقله في اليوم و الليلة خمسون آية، و قيل مائة، و قيل مائتان، و قيل ثلث القرآن قوله تعالى: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ [17/ 78] أي ما يقرأ في صلاة الفجر، و المراد صلاة الفجر. قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ [75/ 17] أي جمعه في صدرك و إثبات قراءته في لسانك فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ جعل قراءة جبرئيل قراءته قوله تعالى: فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي فكن مقفيا له فيه، فهو مصدر مضاف إلى المفعول أي قراءتك إياه قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلٰا تَنْسىٰ [87/ 6] الإقراء: الأخذ على القارى‌ء بالاستماع لتقويم الزلل، و القارى‌ء: التالي و أصله الجمع لأنه يجمع الحروف، أي سنأخذ عليك قراءة القرآن فلا تنسى ذلك‌

____________

(1). الكافي ج 6 ص 504.

337

و معناه سيقرأ عليك جبرئيل بأمرنا فتحفظ فلا تنساه، و النسيان: ذهاب المعنى عن النفس، و نظيره السهو، و نقيضه الذكر- كذا ذكره الشيخ أبو علي. قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [96/ 1] أكثر المفسرين على أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن، و يدل على ذلك‌

حَدِيثٍ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ

:" أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ

، وَ آخِرُهُ

إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ

"

(1)

.

و قيل: أول ما نزل يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. و قيل: فاتحة الكتاب. و قيل: و معنى اقْرَأْ الأول أوجد القراءة من غير اعتبار تعديته إلى مقروء به كما يقال:" فلان يعطي" أي يوجد الإعطاء من غير اعتبار تعديته إلى المعطى. قال بعض المحققين: و هذا مبني على أن تعلق بِاسْمِ رَبِّكَ ب‍ اقْرَأْ الثاني، و دخول الباء للدلالة على التكرير و الدوام كقولك:" أخذت الخطام" و" أخذت بالخطام" و الأحسن أن اقْرَأْ* الأول و الثاني كليهما منزلان منزلة اللازم، أي افعل القراءة و أوجدها، و المفعول محذوف في كليهما أي اقرأ القرآن، و الباء للاستعانة أو الملابسة، أي مستعينا باسم ربك أو متبركا أو مبتدءا به قوله تعالى: وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [27/ 92] هو اسم لكتاب الله تعالى خاصة لا يسمى به غيره، و إنما سمي قرآنا لأنه يجمع السور و يضمها، و قيل لأنه جمع القصص و الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و الآيات و السور بعضها إلى بعض، و هو مصدر كالغفران و الكفران، يقال:" فلان يقرأ قرآنا حسنا" أي قراءة حسنة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

الْقُرْآنِ

جُمْلَةُ الْكِتَابِ وَ الْفُرْقَانُ الْمُحْكَمُ الْوَاجِبُ الْعَمَلِ بِهِ"

(2)

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" نَزَلَ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ أَرْبَاعِ: رُبُعٌ فِينَا، وَ رُبُعٍ فِي عَدُوِّنَا، وَ رُبُعُ

____________

(1). جاء هذا الحديث في الكافي ج 2 ص 628 عن الصّادق (ع).

(2). الكافي ج 2 ص 630.

338

سُنَنِ وَ أَمْثَالٌ، وَ رُبُعٌ فَرَائِضُ وَ أَحْكَامِ

(1)

قوله تعالى: ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ [2/ 228] القرء عند أهل الحجاز الطهر، و عند أهل العراق الحيض. قيل: و كل أصاب لأن القرء خروج من شي‌ء إلى شي‌ء فخرجت المرأة من الحيض إلى الطهر و من الطهر إلى الحيض، و هذا قول أبي عبيدة، و قال غيره القرء الوقت يقال:" رجع فلان لقرئه" أي لوقته الذي كان يرجع فيه، فالحيض ثان لوقت الطهر و الطهر ثان لوقت الحيض. قال الأصمعي: الإضافة فيه على غير قياس لأنه لا يقال ثلاثة فلوس بل ثلاثة أفلس. و قال النحويون: هو على التأويل و التقدير ثلاثة من قروء لأن العدد يضاف إلى مميزه، و هو من ثلاثة إلى عشرة قليل، فلا يميز القليل بالكثير. و احتمل البعض أن يكون قد وضع أحد الجمعين موضع الآخر اتساعا لفهم المعنى و ذهب بعضهم إلى أن تمييز الثلاثة إلى العشرة يجوز أن يكون جمع كثرة من غير تأويل، فيقال: خمسة كلاب و ستة عبيد، و لا يجب عند هذا القائل أن يقال: خمسة أكلب و لا ستة أعبد. قوله تعالى: ادْخُلُوا هٰذِهِ الْقَرْيَةَ [2/ 58] قيل: هي بيت المقدس، و قيل: هي أريحا من قرى الشام أمروا بدخولها بعد التيه. قوله تعالى: الْقَرْيَةِ الظّٰالِمِ أَهْلُهٰا [4/ 75] يعني مكة شرفها الله تعالى. قوله تعالى: حَتّٰى إِذٰا أَتَيٰا أَهْلَ قَرْيَةٍ [18/ 77] قيل: هي قرية تسمى الناصرية و إليها تنسب النصارى (2). قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلىٰ قَرْيَةٍ

____________

(1). الكافي ج 2 ص 628.

(2). لم أظفر على أحد ينسب النصارى إلى الناصرية، بل ينسبهم أصحاب المعاجم اللغوية و كتب البلدان إلى الناصرة أو نصورية أو ناصرت أو نصرانة أو نصرى، و كل هذه أسماء لقرية واحدة قد اختلفوا في تسميتها.

339

[2/ 259] المار عزير أو أرميا أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة، و القرية بيت المقدس حين خربه بختنصر. و قيل: القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت و القرية التي كانت حاضرة البحر- أي قريبة منه أيلة بين مدين و الطور، و قيل مدين، و ستأتي قصتها في سبت. قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [25/ 40] قيل: هي سدوم من قرى قوم لوط، و كانت خمسا أهلك الله أربعا منها و بقيت واحدة، و مَطَرَ السَّوْءِ الحجارة. و القرية التي في قوله تعالى: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحٰابَ الْقَرْيَةِ [36/ 13] قيل: أنطاكية، و كانوا عبدة أوثان. قوله تعالى: وَ قٰالُوا لَوْ لٰا نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [43/ 31] القريتان: مكة و الطائف، و مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ أي من إحدى القريتين و هما الوليد بن المغيرة من مكة و حبيب بن عمر الثقفي من الطائف، و أرادوا بعظم الرجل رئاسته في الدنيا.

وَ فِي حَدِيثٍ الْحَائِضِ

:" دُعِيَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ"

(1)

هي جمع قرء بالضم كقفل و أقفال، و جمع قرء بالفتح على أقرؤ و قروء كفلس و أفلس و فلوس، و هو من الأضداد، و المراد هنا الحيض للأمر بترك الصلاة، كما أن المراد منه الطهر في‌

قَوْلِهِ

:" الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمُ بَعْدَ قُرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ".

و‌

فِيهِ

:" لَا يُصَلَّى فِي

قُرَى

النَّمْلِ"

(2)

هي بضم القاف جمع قرية، و هي الأماكن التي يجتمع النمل فيها و يسكنها. و القرية: الضيعة و المدينة، سميت بذلك لأن الماء يقرى فيها أي يجمع، و ربما جاءت بالكسر كلحية و هي لغة يمانية. قال الجوهري: جمع القرية على قرى على‌

____________

(1). الكافي ج 3 ص 84.

(2). الكافي ج 3 ص 390.

340

غير القياس لأن ما كان على فعلة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود مثل ركوة و ركاء و ظبية و ظباء، و إذا نسب إلى القرية قلت:" قروي" بفتح الراء. و" أم القرى" من أسماء مكة شرفها الله تعالى.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" كُلِّ مَا كَانَ بِوَادِي قُرَى كُلُّهُ مِنْ مَالِ بَنِي فَاطِمَةَ".

و قريت الضيف أقريه من باب رمى قرى بالكسر و القصر، و قريته قراء: إذا أحسنت إليه، فإن كسرت القاف قصرت و إن فتحت مددت. و القرى: الضيافة، و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" وَ أَعِدْ الْقُرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلَ بِهِ".

و قرأت أم الكتاب قراءة بالكسر و المد و قرآنا يتعدى بنفسه و بالباء، و الفاعل قارى‌ء، و الجمع قرأة بالتحريك و قراء و قارءون مثل كفرة و كافرون و كفار.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَمْ مِنْ قارى‌ء لِلْقُرْآنِ وَ الْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ".

و‌

فِيهِ

:" يَؤُمُّكُمْ

أَقْرَؤُكُمْ

"

أي أعلمكم بالقراءة. و" فلان يقرئك السلام" قيل: أي يحملك على قراءة السلام، يقال: اقرأ فلانا السلام، و اقرأ (عليه السلام) كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أنه يقرأ السلام و يرده، كما إذا قرأ القرآن أو الحديث على الشيخ يقول: أقرأني فلان أي حملني على أن أقرأه عليه، و‌

مِنْهُ

"

أَقْرَأَنِي

النَّبِيِّ (ص) خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَجْدَةً"

أي حمله أن يجمع في قراءته لك، و قيل: أقرؤه عليك أي أتلوه عليك، و أقرئاه مني السلام أي بلغاه سلامي، و يقرئك السلام أي يبلغك السلام و يتلوه عليك.

(قسا)

قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ [2/ 74] أي يبست و صلبت عن قبول ذكر الله و الخوف و الرجاء و غيرها من الخصال الحميدة، يقال: قسا قلبه قسوة و قساوة و قساء بالفتح و المد: إذا صلب و غلظ، فهو قاس، و القسوة اسم منه، و هي غلظ في القلب و قلة الرحمة،

341

و منه قوله تعالى: فَبِمٰا نَقْضِهِمْ مِيثٰاقَهُمْ لَعَنّٰاهُمْ وَ جَعَلْنٰا قُلُوبَهُمْ قٰاسِيَةً [5/ 13] و قرى‌ء قسية بدون ألف فعيل بمعنى فاعل مثل شاهد و شهيد و عالم و عليم.

وَ قَوْلُهُ

:" وَ كَثْرَةِ الْكَلَامِ

قَسْوَةَ

"

أي سبب القسوة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" ثَلَاثَ يُقَسِّينَ الْقَلْبِ" وَ عَدَّ مِنْهَا إِتْيَانِ بَابِ السُّلْطَانِ

. (قصا)

قوله تعالى: مَكٰاناً قَصِيًّا [19/ 22] أي بعيدا عن الأهل. و" القصوى" تأنيث الأقصى: البعيدة. و المسجد الأقصى: الأبعد، و هو بيت المقدس، لأنه لم يكن وراءه مسجد و بعيد عن المسجد الحرام.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" ثُمَّ رَكِبَ

الْقُصْوَى

"

بضم القاف و القصر: هي ناقة لرسول الله ص، سميت بذلك لسبقها كأن عندها أقصى السير و غاية الجري، و القصوى من النوق: التي قطع أذنها، و لم تكن ناقة رسول الله قصوى و إنما كان هذا لقبالها. و قيل: كانت مقطوعة الأذن (1). و قصا المكان قصوا من باب قعد: بعد، فهو قاص. و بلاد قاصية بعيدة. و الشاة القاصية: المنفردة عن القطيع البعيدة عنه. و" الشيطان ذئب الإنسان يأخذ القاصية و الشاذة" أي يتسلط على الخارج من الجماعة. و الناحية القصوى: البعيدة. قيل: و هذه لغة أهل العالية، و" القصياء" بالياء لغة نجد. و" الأداني و الأقاصي" الأقارب و الأباعد. و استقصى فلان المسألة: بلغ النهاية. و" قصي" مصغرا: اسم رجل،

____________

(1). في الصحاح (قصا): و كان لرسول الله (ص) ناقة تسمى‌قصواء و لم تكن مقطوعة الأذن. و هكذا ورد اسم الناقة بالمد في أساس البلاغة و النهاية و في الكافي أيضا 8/ 332 في حديث.

342

و النسبة إليه قصوي بحذف إحدى اليائين و بقلب الأخرى ألفا ثم تقلب واوا، كما في عدوي و أموي. و" قصي بن كلاب" هو الذي أخرج خزاعة من الحرم و ولي البيت و غلب عليه.

(قضا)

قوله تعالى: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لٰا تُنْظِرُونِ [10/ 71] قيل: معناه امضوا إلى ما في أنفسكم من إهلاكي و نحوه من سائر الشرور و لا تؤخرون. قوله تعالى: فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ [20/ 72] أي امض ما أنت ممض. قوله تعالى: ثُمَّ قَضىٰ أَجَلًا [6/ 2] أي حتم و أتم. قوله تعالى: وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ [17/ 4] أي أعلمناهم إعلاما قطعيا، و مثله وَ قَضَيْنٰا إِلَيْهِ ذٰلِكَ الْأَمْرَ [15/ 66] قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ* [10/ 93] أي يحكم و يفصل. قوله تعالى: قَضىٰ أَمْراً* [40/ 68] أي أحكمه. قوله تعالى: وَ قَضىٰ رَبُّكَ [17/ 23] أي أمر أمرا مقطوعا به أو حكم بذلك. قوله تعالى: فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ [41/ 12] أي خلقهن و صنعهن. قوله تعالى: فَإِذٰا قَضَيْتُمُ الصَّلٰاةَ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِكُمْ [4/ 103] المراد بالقضاء هنا فعل الشي‌ء و الإتيان به، أي إذا أتيتم بالصلاة فاذكروا الله، و هو أمر بالمداومة على الذكر في جميع الأحوال، كما جاء‌

فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

:" يَا مُوسَى اذْكُرْنِي فَإِنْ ذِكْرِي حَسَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ".

و قيل في الكلام إضمار أي فإذا أردتم الإتيان بالصلاة فأتوا بها على حسب أحوالكم في الإمكان بحسب ضعف الخوف و شدته، قِيٰاماً أي مسائفين و مقارعين وَ قُعُوداً أي مرامين وَ عَلىٰ جُنُوبِكُمْ مثخنين بالجراح. و يؤيد هذا أنها في معرض ذكر صلاة الخوف. قوله تعالى: لِيَقْضِ عَلَيْنٰا رَبُّكَ [43/ 77] أي ليقض الموت علينا،

343

من" فَقَضىٰ عَلَيْهِ" إذا أماته، و مثله لٰا يُقْضىٰ عَلَيْهِمْ [35/ 36]. قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسىٰ فَقَضىٰ عَلَيْهِ [28/ 15] أي قتله مكانه. قوله تعالى: وَ لَوْ أَنْزَلْنٰا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لٰا يُنْظَرُونَ [6/ 8] قال المفسر: أخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم قالوا: هلا نزل عليه- أي على محمد- ملك الموت و القتل نشاهده فنصدقه، ثم أخبر عن عظيم عنادهم فقال: لو أنزلنا ملكا على ما اقترحوه لما آمنوا به و اقتضت الحكمة استيصالهم و أن لا ننظرهم و لا نمهلهم قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ [20/ 114] أي ينتهي إليك بيانه. قوله تعالى: وَ قٰالَ الشَّيْطٰانُ لَمّٰا قُضِيَ الْأَمْرُ [14/ 22] أي أحكم و فرغ منه و دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار قوله تعالى: يٰا لَيْتَهٰا كٰانَتِ الْقٰاضِيَةَ [69/ 27] أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها و لم ألق ما لقيت. قوله تعالى: كَلّٰا لَمّٰا يَقْضِ مٰا أَمَرَهُ [80/ 23] أي لا يقضي أحد ما أمر به بعد تطاول الزمان. قوله تعالى: فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ [2/ 200] أي أديتموها. و القضاء لمعان: (أحدها) الإتيان بالشي‌ء كما في الآية المتقدمة. (الثاني) فعل العبادة ذات الوقت المحدود المعين بالشخص خارجا عنه. (الثالث) فعل العبادة استدراكا لما وقع مخالفا لبعض الأوضاع المعتبرة، و يسمى هذا إعادة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

قَضَى

بِشَاهِدٍ وَ يَمِينٍ"

أي حكم بهما. و" القاضي" الحاكم، و استقضى فلان أي صبر قاضيا.

وَ فِي حَدِيثٍ سَالِمٍ بْنِ مُكْرَمٍ الْجَمَّالِ (1)

:

____________

(1). هو أبو خديجة و يقال أبو سلمة سالم بن مكرم بن عبد اللّه الكناسيّ صاحب الغنم مولى بني أسد، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (ع) قال الطّوسيّ ضعيف و قال النّجاشيّ ثقة ثقة. الفهرست للطوسي ص 105 و رجال النّجاشيّ ص 142.

344

" إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ، وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ"

(1)

قال بعض الأفاضل: يعلم من هذا الحديث تحريم التحاكم إلى أهل الجور و وجوب التحاكم إلى الفقيه لأنه منصوب الإمام و التجزي في الاجتهاد و الدلالة على ذكورية القاضي و إيمانه المستفادين من قوله: رجل منكم و جعله نائبا عنه- انتهى. و حينئذ فالقاضي كما قيل هو الحاكم بين الخصوم، و هو يغاير المفتي و المجتهد، و ذلك لأن القاضي سمي قاضيا و حاكما باعتبار إلزامه و حكمه على الأفراد الشخصية بالأحكام الشخصية، كالحكم على شخص بثبوت حق لشخص آخر، و أما لا بهذا الاعتبار بل بمجرد الإخبار و الإعلام فإنه يسمى مفتيا، كما أنه باعتبار مجرد الاستدلال يسمى مجتهدا. و قضيت حاجتي: حكمت عليها و فرغت منها. و قضيت الدين: أديته. و قضى دينه و تقاضاه بمعنى.

وَ فِي حَدِيثٍ الرِّضَا (ع) مَعَ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ

:" وَ لَقَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ أَلْفَ دِينَارٍ بَعْدَ أَنْ انْتَفَى عَلَى طَلَاقِ نِسَائِهِ وَ عِتْقِ مَمَالِيكِهِ"

و قال بعض الشارحين: لقد قضيت عنه أي عن الذي عن إبراهيم كأنه عباس أخوهما ألف دينار إلى آخره، و كأنه قصده من الطلاق و العتق عدم تعرض الغرماء لبيوت نسائه و عتق مماليكه و" سم قاض" أي قاتل. و اقتضيت منه حقي: أخذته.

وَ فِي الْحَدِيثَ

: أَتَى رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

يَقْتَضِيهِ

بِدَيْنٍ

، أي يطلبه منه و" الأمر يقتضي الوجوب" أي يدل‌

____________

(1). الكافي ج 7 ص 412.

345

عليه. و قاضيته على مال: صالحته عليه. و" أعوذ بك من سوء القضاء" يعني المقضي، إذ حكم الله من حيث هو حكمه كله حسن لا سوء فيه. و" القضاء" قال الجوهري: أصله قضاي لأنه من قضيت، إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، و الجمع الأقضية و القضية مثله، و الجمع قضايا على فعالى و أصله فعائل- انتهى. و" القضاء المقرون بالقدر" و قيل: المراد به الخلق نحو فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ و بالقدر التقدير، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما كالأساس و هو القدر و الآخر بمنزلة البناء و هو القضاء، و يؤيده‌

قَوْلِهِ (ع)

:"

الْقَضَاءِ

الْإِبْرَامُ وَ إِقَامَةُ الْعَيْنِ"

وَ قَوْلُهُ (ع)

:" وَ إِذَا

قَضَى

أَمْضَى وَ هُوَ الَّذِي لَا يُرَدُّ لَهُ"

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع) مَعَ الشَّيْخُ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الْمَسِيرِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ

حَيْثُ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (ع):" يَا شَيْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ" فَقَالَ الشَّيْخُ: عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي، فَقَالَ عَلِيٌّ (ع):" وَ تَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً إِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ الزَّجْرُ مِنَ اللَّهِ وَ سَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ، فَلَمْ تَكُنْ لَائِمَةٌ لِلْمُذْنِبِ وَ لَا مَحْمَدَةٌ لِلْمُحْسِنِ، تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ، وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأَمَةِ"

(1)

قال بعض الأفاضل:

قَوْلِهِ

" تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ"

إشارة إلى الأشاعرة‌

قَوْلِهِ

" وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأَمَةِ"

إشارة إلى المعتزلة كما صرح به في الروايات و يتم البحث في قدر إن شاء الله تعالى.

وَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ (ع)

:" الْأَعْمَالِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالِ فَرَائِضَ وَ فَضَائِلِ وَ مَعَاصِي، فَأَمَّا الْفَرَائِضِ فبأمر اللَّهِ وَ رِضَى اللَّهِ وَ بِقَضَاءِ اللَّهِ

____________

(1). الكافي ج 1 ص 155.

346

وَ تَقْدِيرِهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ عِلْمِهِ تَعَالَى، وَ أَمَّا الْفَضَائِلِ فَلَيْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ لَكِنْ بِرِضَى اللَّهِ وَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ وَ بِعِلْمٍ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَمَّا الْمَعَاصِي فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ لَكِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ بِعِلْمِهِ ثُمَّ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا"

قال الشيخ الصدوق:

قَوْلِهِ

" الْمَعَاصِي

بِقَضَاءِ

اللَّهِ"

معناه نهي الله لأن حكمه على عباده الانتهاء عنها، و معنى‌

قَوْلِهِ

" بِقَدْرِ اللَّهِ"

أي بعلم الله بمبلغها و تقديرها مقدارها و معنى‌

قَوْلِهِ

" وَ بِمَشِيَّتِهِ"

فإنه تعالى شاء أن لا يمنع العاصي من المعاصي إلا بالزجر و القول و النهي و التحذير دون الجبر و المنع بالقوة و الدفع بالقدرة.

وَ فِي حَدِيثٍ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ (1) قَالَ

: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ

الْقَضَاءِ

وَ الْقَدْرِ؟ قَالَ:" هُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللَّهُ تَعَالَى وَ اللَّهِ

يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ

"

كأنه جواب إقناعي، و ربما أشعر بأن السؤال عن معرفة كنهه و حقيقته غير لائق لبعد معرفة ذلك عن عقول المكلفين.

وَ فِي حَدِيثِ حُمْرَانَ (2) قَالَ

: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع): أَ رَأَيْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ قِيَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنِ (ع) وَ خُرُوجِهِمْ وَ قِيَامِهِمْ بِدِينِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ مَا أُصِيبُوا مِنْ قَتْلِ الطَّوَاغِيتِ إِيَّاهُمْ وَ الظَّفَرِ بِهِمْ حَتَّى قُتِلُوا وَ غُلِبُوا؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع):" يَا حُمْرَانُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ قَدْ كَانَ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَ قَضَاهُ وَ أَمْضَاهُ وَ حَتَمَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ ثُمَّ أَجْرَاهُ، فَبِتَقَدُّمِ عِلْمٍ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) قَامَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنِ

____________

(1). هو أبو عليّ جميل بن درّاج بن عبد اللّه النّخعيّ الثّقة، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (ع)، عمّي في آخر عمره و مات في أيّام الرّضا (ع). رجال النّجاشيّ ص 98.

(2). هو أبو الحسن و قيل أبو حمزة حمران بن أعين الشّيبانيّ التابعي أخو زرارة، كان يختصّ ببعض الأئمّة و يتولّى له الأمر، قال له أبو جعفر (ع): أنت من شيعتنا في الدّنيا و الآخرة. تنقيح المقال ج 2 ص 370.

347

وَ الْحُسَيْنِ ع، وَ بِعِلْمٍ صَمَتَ مَنْ صَمَتَ مِنَّا، وَ لَوْ أَنَّهُمْ يَا حُمْرَانُ حَيْثُ نَزَلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِظْهَارِ الطَّوَاغِيتِ عَلَيْهِمْ سَأَلُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَ أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي طَلَبِ إِزَالَةِ مُلْكِ الطَّوَاغِيتِ وَ ذَهَابِ مُلْكِهِمْ إِذاً لَأَجَابَهُمْ وَ دَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، ثُمَّ كَانَ انْقِضَاءُ مُدَّةِ الطَّوَاغِيتِ وَ ذَهَابِ مُلْكِهِمْ أَسْرَعَ مِنْ سِلْكٍ مَنْظُومٍ انْقَطَعَ فَتَبَدَّدَ، وَ مَا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَصَابَهُمْ يَا حُمْرَانُ لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ وَ لَا لِعُقُوبَةِ مَعْصِيَةٍ خَالَفُوا اللَّهَ فِيهَا، وَ لَكِنْ لِمَنَازِلَ وَ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغُهَا فَلَا تَذْهَبُ بِكَ الْمَذَاهِبُ فِيهِمْ"

(1)

.

و" تقضى البازي" أي انقض، و أصله تقضض فلما كثرت الضادات أبدلت إحداهن ياء.

(قطا)

فِي الْحَدِيثَ

:" الْعَبَاءَةِ

الْقَطَوَانِيَّةُ

"

بالتحريك و هي عباءة بيضاء قصيرة الخمل، نسبة إلى قطوان موضع بالكوفة، منه الأكسية القطوانية. و فيه" القطاة" بالفتح و القصر واحدة القطا، و هو ضرب من الحمام ذوات أطواق يشبه الفاختة و القماري. و في المثل" أهدى من القطا" قيل: إنه يطلب الماء مسيرة عشرة أيام و أكثر من فراخها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فترجع، و لا تخطى‌ء صادرة و لا واردة.

فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ بَنَى مَسْجِداً كَمَفْحَصِ

قَطَاةٍ

فَكَذَا"

(2)

يريد المبالغة في الصغر لا الحقيقة. و القطا ثلاثة أضرب: كدري و جوني و غطاط، فالكدري الغبر الألوان الرقش الظهور و البطون الصفر الحلوق و هو ألطف من الجوني- قاله الجوهري (3).

____________

(1). الكافي ج 2 ص 224.

(2). من لا يحضر ج 1 ص 152.

(3). انظر الصحاح (كدر).

348

(قعا)

فِي الْحَدِيثِ

نَهَى عَنْ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ

(1)

،

و هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين- قاله الجوهري، و هذا تفسير الفقهاء، فأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و يتساند إلى ظهره، من" أقعى الكلب" إذا جلس على استه مفترشا رجليه و ناصبا ساقيه- انتهى. و نقل في الذكرى عن بعض الأصحاب أنه عبارة عن أن يقعد على عقبيه و يجعل يديه على الأرض، و هذا لا يوافق ما ذكره ابن الأثير في تفسيره حيث قال: الإقعاء في الصلاة أن يلصق الرجل أليتيه إلى الأرض و ينصب ساقيه و فخذيه و يضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب- انتهى‌

وَ فِي الْخَبَرَ

:" أَكَلَ

مُقْعِياً

"

أي كان يجلس عند الأكل على وركيه مستوفرا غير متمكن و لا مستكثر من الأكل ليرد الجوعة و يشتغل بمهماته.

وَ فِي خَبَرٍ النَّبِيذِ

: هَكَذَا يُؤْخَذُ التَّمْرُ فَيُنَقَّى وَ يُلْقَى عَلَيْهِ الْقَعْوَةُ

، بالقاف و العين المهملة‌

قَالَ: وَ مَا

الْقَعْوَةُ

؟ قَالَ:" الدَّاذِيُّ" بدال مُهْمَلَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ بَعْدَ أَلْفَ قَالَ: وَ مَا الدَّاذِيُّ؟ قَالَ: حُبُّ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْبَصْرَةِ فَيُلْقَى فِي هَذَا النَّبِيذِ، وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ فَقَالَ: مَا الدَّاذِيُّ؟ فَقَالَ: ثُفْلٌ التَّمْرِ

(2)

.

(قفا)

قوله تعالى: وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [17/ 36] أي لا تتبع ما لا تعلم إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ- الآية.

وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ (3)

:" يَسْأَلُ السَّمْعُ عَمَّا سَمِعَ وَ الْبَصَرُ عَمَّا نَظَرَ وَ الْفُؤَادِ

____________

(1) في الكافي ج 3 ص 336 عن أبي عبد اللّه (ع): لاتقع بين السجدتين إقعاء

(2). الكافي ج 6 ص 416.

(3). هو أبو الجارود زياد بن المنذر الكوفيّ، انظر ترجمته في الكنى و الألقاب ج 1 ص 32، و الحديث موجود في تفسير عليّ بن إبراهيم ص 382 بلا نسبته إلى أبي الجارود.

349

عَمَّا اعْتَقَدَ".

وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

" لَا تَزُولَ قَدِمَ عَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يَسْأَلُهُ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ، وَ جَسَدِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ، وَ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَ أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَ عَنْ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ"

(1)

.

قوله تعالى: قَفَّيْنٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ بِرُسُلِنٰا [57/ 27] أي أتبعنا، و أصله" من القفا" تقول: قفوت أثره قفوا من باب قال: تبعته، و قفيت على أثره بفلان بالتشديد: أتبعته إياه، و منه" الكلام المقفى" و" قوافي الشعر". و اقتفاه أي اختاره و اقتفى أثره.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" فَلَمَّا قَفَّى الرَّجُلِ" بِالتَّشْدِيدِ قَالَ:" إِنَّ أَبِي وَ أَبَاكَ فِي النَّارِ"

و المراد به إن صح أبو جهل لما مر من تسميتهم العم أبا. و" القفا" مقصور: مؤخر العنق يذكر و يؤنث، و الجمع" قفي" على فعول، و في الكثرة على أقفاء و أقفية.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" يَعْقِدُ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ"

و فسرت القافية بالقفاء أو مؤخر الرأس أو وسطه، و المراد تثقيله في النوم و إطالته، فكأنه قد شد عليه شدا و عقده ثلاثا.

(قلى)

قوله تعالى: مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ [93/ 3] أي ما تركك و ما بغضك، من قليته أقليه قلى: إذا بغضته. و منه" قالين" أي مبغضين.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" أَخْبَرَ

تَقُلْهُ

"

(2)

من القلى بالكسر و القصر، أو القلاء بالفتح و المد: البغض، أي لا تغتر بظاهر من تراه‌

____________

(1). انظر التفسير ص 382.

(2). في النهاية 4/ 105: و في حديث أبي الدرداء" وجدت الناس أخبر تقله". و انظر نهج البلاغة 3/ 257.

350

فإنك إذا اختبرته بغضته، و الهاء فيه للسكت. و مثله‌

قَوْلِهِ

:" جُرِّبَ النَّاسِ فَإِنَّكَ إِذَا جربتهم

قليتهم

وَ تَرَكْتَهُمْ لِمَا يَظْهَرُ لَكَ مِنْ مَوَاطِنَ سَرَائِرُهُمْ"

لفظه لفظ الأمر و معناه الخبر، أي من جربهم و خبرهم أبغضهم و تركهم. و قليت اللحم قليا و قلوته قلوا من بابي ضرب و قتل، و هو الإنضاج في المقلي. و المقلاة و المقلي بالكسر و القصر: الذي يقلى عليه اللحم و غيره.

(قما)

" القماء" ممدود: الحقارة و الذل، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" دُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَ الْقَمَاءَةِ"

وَ حَدِيثُ أَبِي الْحَسَنِ (ع)

وَ قَدْ رَكِبَ بَغْلَةٍ" تَطَأْطَأَتْ عَنْ سَوَاءٌ الْخَيْلِ وَ تَجَاوَزَتْ قُمُوءَ الْعَيْرِ وَ خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا"

(قنا)

قوله تعالى: أَغْنىٰ وَ أَقْنىٰ [53/ 48] أي جعل لهم قنية أي أصل مال قوله تعالى: قِنْوٰانٌ [6/ 99] هو جمع" قنو" و هي عذوق النخل، و قنوان لفظ مشترك بين التثنية و الجمع، و يجمع على أقناء أيضا. و في الحديث ذكر القناة، و هي كالحصاة واحدة القنى كالحصى، و هي الآبار التي تحفر في أرض متتابعة ليستخرج ماؤها و يسبح على الأرض، و يجمع أيضا على قنوات، و قني على فعول، و قناء مثل جبال و منه‌

الْحَدِيثَ

:" فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَ الْقُنِيِّ الْعَشْرِ".

و كذلك القناة واحدة القنا بالقصر و هي الرمح تجمع على هذه الجموع. و" قنيت القنا" بالتشديد احتفرتها. و القناة: واد بالمدينة، يقال:" فيه وادي قناة" و هو غير منصرف. و أحمر قان: شديد الحمرة، و مثله:" لحية قانية". و" أقنى الرجل بالحناء" أي حمر لحيته بها خضابا، و منه قنى الرجل لحيته بالخضاب تقنية. و" المرأة المقنية" قيل: الماشطة التي‌

351

تتولى خضاب النساء و خدمتهن.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" يَا أُمَّ عَطِيَّةَ إِذَا قنيت الْجَارِيَةُ فَلَا تَغْسِلِي وَجْهِهَا بِالْخَزَفِ".

و قنوت الغنم و غيرها قنوة و قنوة بالضم و الكسر، و قنيت أيضا قنية و قنية بالضم و الكسر: إذا أقنيتها لنفسك لا للتجارة. و مال قنيان و قنيان بالضم و الكسر: ما يتخذ قنية. و قنوت الشي‌ء أقنوه قنوا من باب قتل و قنوة بالكسر: جمعته. و اقتناء المال: جمعه. و قنيت الحياء بالكسر قنيانا بالضم، أي لزمته. و منه قول عنترة (1):

فأقني حياءك لا أبا لك و اعلمي * * * أني امرؤ سأموت أن لم أقتل

و أقناه الله: أعطاه الله. و أقناه أيضا: أرضاه. و القنا بالكسر: احديداب في وسط الأنف، و قيل: القنا في الأنف طوله و رقة أرنبته مع حدب في وسطه، و منه" رجل أقنى الأنف". و منه‌

الْخَبَرَ

:" كَانَ (ص) أَقْنَى الْعِرْنِينِ"

(2)

.

(قوا)

قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ [53/ 5] هو بالضم جمع قوة مثل غرفة و غرف، و المراد به جبرئيل. قوله تعالى: فَخُذْهٰا بِقُوَّةٍ [7/ 145] أي بعزيمة و جد و اجتهاد. قوله تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [8/ 60] أي من سلاح و عدة و خيل، و روي أنه الرمي. قوله تعالى:

____________

(1). هو <عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قواد بن مخزوم بن ربيعة> انظر ترجمته و إخباره في الأغاني ج 7 ص 147- 153، و البيت في ديوانه ص 120.

(2). مكارم الأخلاق ص 10.

352

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [28/ 26]

وَ رُوِيَ

أَنَّهُ قَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةِ هَذَا قَوِيٌّ قَدْ عَرَفْتِيهِ بِرَفْعِ الصَّخْرَةِ وَ الْأَمِينُ مِنْ أَيْنَ عَرَفْتِيهِ؟ قَالَتْ: يَا أَبَتِ إِنِّي مَشَيْتُ قُدَّامَهُ فَقَالَ: امْشِي مِنْ خَلْفِي فَإِنْ ضَلَلْتُ فَأَرْشِدِينِي إِلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّا قَوْمٌ لَا نَنْظُرُ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ

(1)

قوله تعالى: مَتٰاعاً لِلْمُقْوِينَ [56/ 73] أي للمسافرين سموا بذلك لنزولهم القواء أي القفر، و يقال:" المقوين" الذين لا زاد لهم. و" الْقَوِيُّ*" من أسمائه تعالى، و معناه الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال بخلاف المخلوق المربوب.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْمُؤْمِنِ الْقَوِيِّ خَيْرٌ مِنْ الضَّعِيفِ"

القوي الذي قوى في إيمانه، بأن يكون له قوة و عزيمة و قريحة في أمور الآخرة ليكون أكثر جهادا أو صبرا على الأذى و المشاق في الله و أرغب في العبادات. و قوي على الأمر: أطاقه، و به قوة أي طاقة. و قوي يقوى فهو قوي، و الجمع قوى، و جمع قوي أقوياء، و الاسم القوة. و القوى العقلية- على ما نقل أهل العرفان- أربعة: (منها) القوة التي يفارق فيها البهائم، و هي القوة الغريزية التي يستعد بها الإنسان لإدراك العلوم النظرية، فكما أن الحياة تهيى‌ء الجسم للحركات الاختيارية و الإدراكات الحسية فكذا القوة الغريزية تهيى‌ء الإنسان للعلوم النظرية و الصناعات الفكرية. و (منها) قوة بها تعرف عواقب الأمور فتقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة و تتحمل المكروه العاجل لسلامة الآجل فإذا حصلت هذه القوى سمي صاحبها عاقلا من حيث إن إقدامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة و القوة الأولى بالطبع و الأخيرة بالاكتساب و إلى ذلك‌

أَشَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِقَوْلِهِ

____________

(1). تفسير عليّ بن إبراهيم ص 487.

353

" رَأَيْتَ الْعَقْلِ عقلين فمطبوع وَ مَسْمُوعَ فَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعَ إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعٌ كَمَا لَا تَنْفَعُ الشَّمْسُ وَ ضَوْءِ الْعَيْنِ مَمْنُوعٌ".

و (منها) قوتان أخراوتان: إحداهما ما يحصل بها العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، و الشخص الواحد لا يكون في مكانين، فيقال لها التصورات و التصديقات الحاصلة للنفس الفطرية. و الأخرى التي يحصل بها العلوم المستفادة من التجارب بمجاري الأحوال، فمن اتصف بها يقال إنه عاقل في العادة، و الأولى منهما حاصلة بالطبع و الأخرى بالاكتساب كالأولتين كما قرر في محله. و سيجي‌ء مزيد بحث في هذا المقام في نفس إن شاء الله. و أقوت الدار: خلت، و قويت مثله.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" إِنْ مَعَادِنِ إِحْسَانِكَ لَا

تَقْوَى

"

أي لا تخلو، يريد به الإعطاء و الإفضال.

وَ فِي الْخَبَرَ

: إِنَّا قَدْ

قوينا

فَأَعْطِنَا مِنْ الْغَنِيمَةِ"

أي قد نفدت أزوادنا و جعنا و لم يكن عندنا شي‌ء نقتات به. و" القواء" بالفتح و المد: الفقر، و" بات القواء" أي بات جائعا. و الإقواء في الشعر: اختلاف حركات الروي فبعضه مرفوع و بعضه منصوب و مجرور. و القي بالكسر و التشديد من القوى و هي الأرض القفر الخالية. و منه‌

مَا فِي حَدِيثٍ زَيْنَبَ الْعَطَّارَةِ

:" هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَنْ عَلَيْهَا كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ".

(قها)

القهقهة جاءت في الحديث (1) يقال:" قها" من باب ضرب: ضحك و قال في ضحكه:" قه" بالسكون، فإذا كرر قيل" قهقهة" من باب دحرج فقهقهة دحرجة. و" القهاة" اسم بلد و منه الثوب‌

____________

(1) في الكافي ج 3 ص 364 عن سماعة قال: سألته عن الضحك هل يبطل الصلاة؟ قال: أما التبسم فلا يقطع الصلاة و أما القهقهة فهي تقطع الصلاة

354

القهوي و الجراب القهوي. و القهوة: الخمر. قال الجوهري: سميت بذلك لأنها تقهي، أي تذهب بشهوة الطعام.

(قيا)

فِي الْحَدِيثَ

:" الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالرَّاجِعِ فِي قَيْئِهِ"

(1)

القي‌ء بالفتح و الهمز: ما يخرج من الفم من الغذاء بعد ما يدخل في الجوف، يقال: قاء يقي‌ء قيئا من باب باع: إذا خرج منه ما أكله، و تقيأ: تكلف القي‌ء.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" لَيْسَ فِي الْقَيْ‌ءِ وُضُوءٌ"

(2)

.

و‌

فِي حَدِيثٍ ثَوْبَانِ

: مِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْ‌ءُ وَ هُوَ صَائِمٌ فَلَا شَيْ‌ءَ عَلَيْهِ وَ مِنْ تَقَيَّأَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.

باب ما أوله الكاف

الكاف المفردة

جاءت لمعان: للتشبيه و هو كثير. و التعليل كقوله تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الْكٰافِرُونَ [28/ 82] كَمٰا أَرْسَلْنٰا فِيكُمْ رَسُولًا [2/ 151] أي لأجل إرسالي فيكم رسولا منكم- قاله الأخفش وَ اذْكُرُوهُ كَمٰا هَدٰاكُمْ [2/ 198] و الاستعلاء ذكره الأخفش و الكوفيون مستشهدا بقول بعضهم و قد قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كخير، أي على خير، و قيل: المعنى بخير و لم يثبت، و قيل للتشبيه على حذف مضاف أي كصاحب خير، و قوله:" كن كما أنت" على أن المعنى على ما أنت عليه. و للنحويين هنا أعاريب: (أحدها) أن ما موصولة و أنت مبتدأ حذف خبره. (الثاني) أنها موصولة و أنت خبر حذف‌

____________

(1). الاستبصار ج 4 ص 109 و فيه" من رجع" بدل" الراجع".

(2). الإستبصار ج 1 ص 83.

355

مبتدؤه، أي كالذي هو أنت، و قد قيل بذلك في قوله تعالى: اجْعَلْ لَنٰا إِلٰهاً كَمٰا لَهُمْ آلِهَةٌ [7/ 138] أي كالذي هو لهم آلهة. (الثالث) أن ما زائدة ملغاة و الكاف جارة كما في قوله:

و ننصر مولانا و نعلم أنه * * * كما الناس مجروم عليه و جارم

و" أنت" ضمير مرفوع أنيب عن المجرور. (الرابع) ما كافة و أنت مبتدأ حذف خبره، أي عليه أو كائن. (الخامس) ما كافة أيضا و أنت فاعل و الأصل كما كنت. و قد تكون الكاف للتوكيد، و هي الزائدة نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ [42/ 11] قاله الأكثرون، إذ لو لم تقدر زائدة صار المعنى ليس مثل مثله شي‌ء فيلزم المحال، و هو إثبات المثل.

تنبيه

كثيرا ما تقع" كما" بعد الجملة صفة في المعنى، فتكون نعتا لمصدر أو حالا من اسم مذكور و يحتملهما كما في قوله تعالى: كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [21/ 104] فإن قدرته نعتا لمصدر فهو إما معمول ل‍ نُعِيدُهُ أي نعيد أول خلق إعادة مثل ما بدأناه أو لنطوي أي نفعل هذا الفعل العظيم كفعلنا هذا الفعل، و إن قدرته حالا فذو الحال مفعول نُعِيدُهُ أي نعيده مماثلا للذي بدأناه.

تتميم

الكاف الغير الجارة نوعان: ضمير منصوب أو مجرور نحو مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ [93/ 3] و حرف معنى لا محل له و معناه الخطاب، و هي اللاحقة لاسم الإشارة نحو ذلك و تلك، و الضمير المنفصل المنصوب في قولهم إياك و إياكما و نحوهما، و لبعض أسماء الأفعال نحو حيهلك و رويدك، و أ رأيتك بمعنى أخبرني نحو أَ رَأَيْتَكَ

356

هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [17/ 62] فالتاء فاعل لكونها المطابقة للمسند إليه- كذا ذكره بعض النحويين.

(كأكأ)

" تكأكئوا عليه" عكفوا عليه مزدحمين من التكأكؤ و هو التجمع.

(كبا)

فِي الْخَبَرِ

:" لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ بِجَمْعٍ الأكبا فِي دُورِهَا"

و هو جمع كبا بالكسر و القصر: الكناسة. و‌

فِيهِ

:" خَلَقَ اللَّهِ الْأَرْضِ السُّفْلَى مِنْ الزُّبْدِ الْجَفَاءِ وَ الْمَاءِ

الكباء

"

(1)

أي العالي العظيم. و كبا لوجهه يكبو كبوا: سقط، فهو كاب و كبوت الكوز و غيرها: إذا صب ما فيه‌

(كدا)

قوله تعالى: أَعْطىٰ قَلِيلًا وَ أَكْدىٰ [53/ 34] أي قطع عطيته و يئس من خيره، مأخوذ من" كدية الركية" و هو أن يحفر الحافر فيبلغ الكدية و هي الصلابة من حجر أو غيره فلا يعمل معموله شيئا فييأس. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" لِمَا حَفَرَ مَرَّ بِكُدْيَةٍ".

و الجمع كدى مثل مدية و مدى. قال في المصباح: و بالجمع سمي موضع بأسفل مكة، و قيل: فيه ثنية كدى فأضيف إليه للتخصيص و يكتب بالياء و يجوز بالألف اعتبارا باللفظ، و كذا بالفتح و المد، و الثنية العليا بأعلى مكة عند المقبرة و لا ينصرف للعلمية و التأنيث، و تسمى تلك الناحية المعلى بالقرب من الثنية السفلى موضع يقال له" كدي" مصغرا و هو على طريق الحاج من مكة إلى اليمن- كذا قيل.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" دَخَلَ- يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ص عَامٍ الْفَتْحِ مَكَّةَ مِنْ كدي وَ دَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ كدي"

، و قد روي بالشك فيهما أي في الدخول و الخروج.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ

أكدى

الطَّلَبِ"

أي تعسر و تعذر و انقطع.

____________

(1). نهج البلاغة ج ص

357

وَ فِي حَدِيثٍ وَصَفَ الْإِنْسَانُ

:" إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ

أكدى

"

يعني لا تصفو له الدنيا بل يختلط همه بسروره و غناه بفقره و من كلامهم:" أكدى الرجل" إذا قل خيره. و أكدى أي قطع العطاء، و أكديت الرجل عن الشي‌ء: رددته عنه. و أرض كادئة بالهمز: بطيئة الإنبات‌

(كذا)

كناية عن مقدار الشي‌ء و عدته، فينصب ما بعده على التمييز يقال: اشترى كذا و كذا عبدا، و يكون كناية عن أشياء يقال: فعلت كذا و قلت كذا. و الأصل" ذا" ثم دخل عليه كاف التشبيه بعد زوال معنى الإشارة و التشبيه و جعل كناية عن ما يراد به و هو معرفة. قال ابن هشام: و يرد كذا على ثلاثة أوجه: (أحدها) أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما و هما كاف التشبيه و ذا الإشارة، تقول رأيت زيدا فاضلا و رأيت عمرا كذا. (الثاني) أن تكون كلمة واحدة مركبة من كلمتين يكنى بها عن غير عدد كما جاء‌

فِي الْحَدِيثِ

أَنْ يُقَالُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا فَعَلْتَ كَذَا وَ كَذَا.

(الثالث) أن تكون كلمة واحدة مركبة مكنى بها عن العدد، فتوافق كائن في أربعة أمور: التركيب، و البناء، و الإبهام، و الافتقار في التمييز. و تخالفها في ثلاثة: (أحدها) أنها ليس لها صدر الكلام (الثاني) أن مميزها واجب النصب فلا يجوز جره بمن اتفاقا و لا بالإضافة خلافا للكوفيين، و لهذا قال فقهاؤهم إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة و بقوله كذا دراهم ثلاثة و بقوله كذا و كذا درهما أحد عشر و بقوله كذا درهما عشرون و بقوله كذا و كذا درهما أحد و عشرون حملا على نظائرهن من العدد الصريح (الثالث) لا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها.

358

(كري)

فِي الْحَدِيثَ

:" أَرْبَعَةُ لَا يُقَصِّرُونَ: الْمُكَارِي، وَ الْكَرِيُّ"

(1)

المكاري بضم الميم من باب قاتل: فاعل المكاراة و هو من يكري دوابه، و الجمع مكارون و الكري بالفتح على فعيل المكتري فعيل بمعنى مفتعل و إن جاء لمكري الدواب أيضا كما يقتضيه ظاهر العطف و إصالة عدم الترادف. قال ابن إدريس في سرائره: الكري من الأضداد، و نقل عن الأنباري في كتاب الأضداد يكون بمعنى المكاري و يكون بمعنى المكتري- انتهى، و قد جاء في المصباح و غيره بهذا المعنى. و الكروة و الكراء بالكسر: أجرة المستأجر، و هو مصدر في الأصل. و في كلامهم: أعط الكري كروته أي كراه و أجرته.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْبِسَ الْفُسَّاقَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَ الْجُهَّالَ مِنَ الْأَطِبَّاءِ وَ الْمَفَالِيسَ مِنَ الْأَكْرِيَاءِ"

كأنه يعني الذين يدافعون ما عليهم من الحقوق. و أكريت الدار فهي مكراة و استكريت و تكاريت بمعنى. و منه‌

حَدِيثٍ الْبِئْرِ المتغيرة بِالنَّجَاسَةِ

:" يَتَكَارَى عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ".

و كريت النهر كريا من باب ضرب و رمى: حفرت فيه حفرة جديدة. و كريت الأرض و كروتها: إذا حفرتها و منه‌

الْحَدِيثَ

:" كَرَى جَبْرَئِيلُ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ وَ لِسَانُ الْمَاءِ يَتْبَعُهُ الْفُرَاتَ وَ دِجْلَةَ وَ نِيلُ مِصْرَ وَ مِهْرَانَ وَ نَهْرَ بَلْخٍ".

(كرا)

" الكرة" بالضم التي يلعب بها الصبيان مع الصولجان، و اللام محذوفة عوض عنها الهاء، قيل أفصح من الأكرة و الجمع كرات.

____________

(1). الإستبصار ج 1 ص 232