مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
409

بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَ بِمُوسَى نَجِيِّكَ".

و ناجيته: شاورته، و الاسم النجوى. و تناجى القوم: ناجى بعضهم بعضا. و انتجى القوم و تناجوا: أي تساروا‌

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

يَتَنَاجَى

اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ"

أي لا يتساران منفردين عنه فإن ذلك يسوؤه. و انتجيته: إذا خصصته بمناجاتك، و الاسم النجوى أيضا. و أهل النجوى: هم أهل البيت، لأن النبي ص سر إليهم ما لا يسر به إلى أحد غيرهم. و" النجاة" بالهمز و سكون الجيم: الإصابة بالعين، و منه‌

الْخَبَرَ

:" رَدُّوا

نَجَاةٌ

السَّائِلِ بِاللُّقْمَةِ"

أي ادفعوا شدة نظره إلى طعامكم بها. و المنجى: المخلص، و منه‌

الدُّعَاءِ

:" لَا

مَنْجَى

مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ"

أي لا مخلص و لا مهرب لأحد إلا إليك. و" النجاء" بالمد و يقصر اسم من نجا، و امرأة ناجية. و" ناجية" اسم رجل من رواة الحديث (1) و قبيلة من العرب (2). و الدابة الناجية: السريعة السير، من قولهم:" نجيت نجاء" بالمد: أسرعت و سبقت، و منه:

" إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْجَدْبُ فَانْجُوا عَلَيْهَا"

أي على الدابة. و الفرقة الناجية: آل محمد ص و من تبعهم.

وَ فِي الْحَدِيثَ

: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ

____________

(1). هو أبو حبيب ناجية بن أبي عمارة الصّيداويّ، كان من رجال الباقر و الصّادق (ع)، إمامي ممدوح. تنقيح المقال ج 3 ص 265.

(2). اسم لثلاثة من قبائل العرب و هم: بطن من الأشعر بين من القحطانية و هم بنو ناجية بن جماهير بن الأشعر، و بطن كثير العدد من بني سامة بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك تنسب إليهم محلّة بالبصرة، و بطن من جعفيّ و هو ناجية بن مالك بن حريم بن جعفيّ. انظر معجم قبائل العرب ص 1166.

410

وَ مَا الْفِرْقَةِ

النَّاجِيَةِ

؟ قَالَ:" هُوَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَ أَصْحَابِي".

و‌

قَوْلِهِ

:"

النجا النجا

"

أي انجوا بأنفسكم، هو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي انجوا النجا. و النجا: الإسراع. و" الصدق منجاة" أي منج من الهلكة. و استنجيت: غسلت موضع النجو أو مسحته، و منه" الاستنجاء" أعني إزالة ما يخرج من النجو، و قد يراد بالاستنجاء الوضوء، يدل عليه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" يُجْزِيكَ مِنَ الْغُسْلِ وَ الِاسْتِنْجَاءِ مَا بَلَّتْ يَمِينِكَ"

(1)

بقرينة الغسل و اليمين، و ليس المراد الاستنجاء من الغائط لأنه باليسار، و لا يكفي فيه إلا ذهاب الأثر لا بدل اليد. و" الاستنجاء" قيل هو من النجوة، و هو ما ارتفع من الأرض، كأنه يطلبها ليجلس تحتها.

(نحا)

فِي الْخَبَرَ

:"

تَنَحَّى

فِي بُرْنُسِهِ وَ قَامَ اللَّيْلَ فِي حِنْدِسِهِ"

أي تعمد للعبادة و توجه إليها و صار في ناحية منهم، يقال:" تنحى" أي تحول إلى ناحية. و فيه:

" تَأْتِنِي

أنحاء

مِنْ الْمَلَائِكَةُ"

أي ضروب منهم، واحدهم" نحو" يعني الملائكة كانوا يزورونه سوى جبرئيل. و قد تكرر في الحديث ذكر الناحية و النواحي و النحو و الانتحاء. فالناحية واحدة النواحي و هي الجانب، و منه ناحية المسجد و ناحية السلطان، و الجمع" النواحي" فاعلة بمعنى مفعولة لأنك نحوتها إذا قصدتها، و قد يعبر عن القائم (ع)، و منه قول بعضهم:

" كَانَ عَلِيِّ

لِلنَّاحِيَةِ

خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ"

و" تنحو نحو القبر" أي تقصد جهته و منه" انح القصد من القول". نحو المشرق و المغرب: جهتهما. و" انتحى في سيره" أي اعتمد على‌

____________

(1). الإستبصار ج 1 ص 122، و فيه" ما بللت يدك" بدل" ما بلت يمينك"

411

الجانب الأيسر، و مثله" الانتحاء" ثم صار للاعتماد و الميل في كل وجه. و منه‌

حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ (ع)

:" وَ بِيَدِهِ مُدْيَةَ لْيَذْبَحْ ابْنِهِ ثُمَّ

انْتَحَى

عَلَيْهِ"

أي حال عليه ليذبحه فقلبها جبرئيل عن حلقه. و نحى الشي‌ء: أزاله، يقال:" نحيته فتنحى". و" نح هذا عني" أي أزله و أبعده عني. و" النحي" بالكسر: زق للسمن، و الجمع" أنحاء" كأحمال. و" ذات النحيين" امرأة في الجاهلية، و قصتها مشهورة تضرب بها الأمثال (1).

(نخا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ اللَّهِ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَامِ

نَخْوَةَ

الْجَاهِلِيَّةِ"

بالفتح فالسكون أي افتخارها و تعظمها، من قوله:" انتخى علينا فلان" أي افتخر و تعظم، و منه‌

الدُّعَاءِ

" خَضَعَتْ لَهُ نَخْوَةُ الْمُسْتَكْبِرِ".

و" النانخواه" دواء معروف عندهم، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" وَ قَدْ قَالَ: يَصُبُّ عَلَيْهِ الْهَاضُومَ، قُلْتُ: وَ مَا الْهَاضُومُ؟ قَالَ: النَّانْخَواهُ".

(ندا)

قوله تعالى: يَوْمَ التَّنٰادِ [40/ 32] يعني يوم القيامة، و هو يوم يتنادى فيه أهل الجنة و أهل النار، فأهل الجنة ينادون أصحاب النار: أَنْ قَدْ وَجَدْنٰا مٰا وَعَدَنٰا رَبُّنٰا حَقًّا و أهل النار ينادون أهل الجنة أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنٰا مِنَ الْمٰاءِ أَوْ مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ. و قرى‌ء يَوْمَ التَّنٰادِّ بتشديد الدال، و معناه الفرار، من" ند البعير" إذا فر و مضى على وجهه. قوله تعالى: وَ لَقَدْ نٰادٰانٰا نُوحٌ [37/ 75] أي بعد ما يئس من إيمان قومه لننصرنه عليهم، و ذلك قوله تعالى: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.

____________

(1). يقال:" أشغل من ذات النحيين" انظر المثل و قصتها في الفاخر ص 86 و الصحاح (نحى).

412

قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نٰادِيَهُ [96/ 17] أي أهل نادية، أي أهل مجلسه و عشيرته فيستغيث بهم. و النادي و الندي: المجلس، و منه قوله تعالى: وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا [19/ 73]. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" الْخَذْفُ فِي

النَّادِي

مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ"

يريد المجلس.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" مِنْ لَقِيَ اللَّهَ وَ لَمْ

ينتد

مِنْ الدَّمُ الْحَرَامِ بِشَيْ‌ءٍ دَخَلَ الْجَنَّةِ"

أي لم ينله و لم يصب منه. و" النداء" بالكسر و قد يضم: الصوت، و قد يعبر به عن الأذان، و منه:

" سَأَلْتُهُ عَنِ

النِّدَاءِ

قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ"

و‌

" سَأَلْتُهُ عَنِ النِّدَاءَ وَ التَّثْوِيبُ فِي الْإِقَامَةِ".

و منه‌

" لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءَ"

يعني لو علموا فضله. و نحوه كثير. و ناداه مناداة: صاح به. و ناديته مناداة من باب قاتل: دعوته. و" فلان أندى صوتا من فلان" أي أرفع منه صوتا، و قيل أحسن و أعذب، و قيل أبعد. و" الندى" بالفتح و القصر: المطر و البلل و ما يسقط آخر الليل، و استعمل لمعان كالجود و الكرم و غير ذلك. و ندى: الأرض نداوتها. و" أرض ندية" على فعلة بكسر العين قال الجوهري: و لا يقال:" ندية" يعني بالتشديد. و ندي الشي‌ء: إذا ابتل، فهو ند وزان تعب فهو تعب. و فلان ما ندا دما و لا قتل قتلا، أي ما سفك دما‌

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ

الندي

الْأَعْلَى"

أي اجعلني من الملإ الأعلى من الملائكة.

وَ رُوِيَ

" اجْعَلْنِي فِي النِّدَاءَ الْأَعْلَى"

، و أراد نداء أهل الجنة، أعني قولهم: أَنْ قَدْ وَجَدْنٰا مٰا وَعَدَنٰا رَبُّنٰا حَقًّا. و الندوة: الاجتماع للمشورة، و منه دار الندوة بمكة التي بناها قصي، لأنهم يندون فيها، أي يجتمعون. و النادي:

413

المجلس، و جمعه" أندية" و منه‌

الْحَدِيثَ

:" مُتَعَرِّضٌ لِلْمَقَالِ فِي

أَنْدِيَةِ

الرِّجَالِ"

أي مجالسهم.

(نزا)

فِي الْحَدِيثَ

:"

يَنْزُو

الْمَاءِ فَيَقَعُ عَلَى ثَوْبِي"

من نَزَا: وثب و طفر، و بابه قتل. و" نَزَا الذَّكَر على الأنثى نِزَاء" بالكسر و الضم: وثب عليها و ركبها. و" نَزَأَ الشيطانُ بينهم" بالهمز: ألقى الشرَّ و الإغراء.

(نسا)

قوله تعالى: وَ مٰا أَنْسٰانِيهُ إِلَّا الشَّيْطٰانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [18/ 63] فأن أذكره بدل من الضمير. قال البيضاوي (1): إنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه- انتهى. و هذا على تقدير كون الفتى اليوشع، و أما على تقدير كونه عبدا له فلا إشكال. و قوله تعالى: نَسُوا اللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ [9/ 67] أي تركوا الله فتركهم. قوله تعالى: فَلَمّٰا نَسُوا مٰا ذُكِّرُوا بِهِ يعني الكفار فَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ أَبْوٰابَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ [6/ 44] أي كل نعمة و بركة من السماء و الأرض ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة، و إنما فعلنا ذلك بهم- و إن كان الموضع موضع العقوبة و الانتقام دون الإكرام و الإنعام- ليدعوهم ذلك إلى الطاعة، فإن الدعاء إلى الطاعة يكون تارة بالعنف و تارة باللطف و تشديد العقوبة عليهم بالنقل من النعيم إلى العذاب الأليم، حَتّٰى إِذٰا فَرِحُوا بِمٰا أُوتُوا من النعيم و اشتغلوا بالتلذذ و أظهروا السرور بما أعطوا و لم يروه نعمة من الله حتى يشكروه أَخَذْنٰاهُمْ بِالْعَذٰابِ*- الآية. قوله تعالى: وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ

____________

(1). هو المفسر الشهير القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الفارسي الأشعر صاحب كتاب (أنوار التنزيل). كان قاضيا على بيضاء، توفي بتبريز سنة 685. الكنى و الألقاب ج 2 ص 102.

414

قال المفسر: أي النهي عن مجالستهم فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ [6/ 68] و يجوز أن يراد و إن أنساك الشيطان قبل التهمة قبح مجالستهم فلا تقعد معهم بعد الذكرى. قوله تعالى: وَ لٰا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [2/ 237] قيل: يحتمل أنه من النسيان الذي هو الترك عن تعمد، أي لا تقصدوا الترك و الإهمال، لا النسيان الذي هو خلاف الذكر. قوله تعالى: نَسْياً مَنْسِيًّا [19/ 23] يقال للشي‌ء الحقير الذي إذا ألقي: نسي و لم يعبأ به و لم يلتفت إليه. قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ [9/ 37] النسي‌ء: تأخر الشي‌ء، و المراد هنا تأخيرهم تحريم المحرم، و كانوا في الجاهلية يؤخرون تحريمه ستة و يحرمون غيره مكانه لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في ستة أخرى، كأنهم يستنسئون ذلك و يستقرضونه، و هو مصدر كالنذير، قيل: و لا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، لأنه لو حمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، و ليس كذلك بل المراد تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر. قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ [34/ 14] بهمز و غيره أي عصاه، و هي مفعلة بالكسر فالسكون، من" نسأت البعير" إذا ضربته بالمنسأة. و النسأ: التأخير، يقال:" نسأت الشي‌ء" إذا أخرته. و" النساء" بالضم و المد مثله.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" صِلَةُ الرَّحِمِ

تنسى‌ء

فِي الْأَجَلِ"

(1)

أي تؤخره، و مثله‌

" صِلَةُ الرَّحِمِ مَثْرَاةٌ لِلْمَالِ وَ

مَنْسَأَةٌ

فِي الْأَجَلِ"

و قيل: هي مظنة لتأخير الأجل و موقع له. و" أنسأته" أي بعته بتأخير، و منه‌

____________

(1). مشكاة الأنوار ص 150.

415

بيع النسيئة، و هو بيع عين مضمون في الذمة حالا بثمن مؤجل.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" انْهَوْا نِسَاءَكُمْ أَنْ يُرْضِعْنَ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَإِنَّهُنَّ يَنْسَيْنَ"

بالياء المثناة بعد السين كما في النسخ، و المعنى غير واضح، و لو أبدلت الياء المثناة بالباء الموحدة و يكون المعنى راجعا إلى النسب لم يكن بعيدا. و" النسوة" بالضم و الكسر اسم لجمع امرأة، و مثله" النساء" بالكسر و المد و" النسوان" بالكسر أيضا. و معنى النساء إنهن أنس للرجال كما جاءت به الرواية. و النسيان خلاف الذكر، و هو ترك الشي‌ء على ذهول و غفلة، و يقال للترك على تعمد أيضا، و به فسر قوله تعالى: وَ لٰا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ- تقدم. و نسيت ركعة: إذا أهملتها ذهولا. و" النسي" بالياء المشددة: كثير النسيان، و منه" كنت ذكورا فصرت نسيا". و" رجل نسيان" كسكران: كثير الغفلة.

وَ فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُنْسِي الشَّيْ‌ءَ ثُمَّ يَذْكُرُهُ قَالَ:" مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى رَأْسِ فُؤَادِهِ حِقَّةٌ مَفْتُوحَةً الرَّأْسِ فَإِذَا سَمِعَ الشَّيْ‌ءَ وَقَعَ فِيهَا فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ ينسيها طَبَقٌ عَلَيْهَا وَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرُهَا فَتَحَهَا".

و" المنسية" ريح يبعثها الله إلى المؤمن تنسيه أهله و ماله. و" النسا" كالحصى: عرق يخرج في الفخذ يقال له" عرق النسا" و هو ألم شديد حادث بالرجل يمتد من حد الورك و الألية و الساق من الجانب الوحشي و ينبسط إلى الكعب. قال بعضهم: و الأفصح أن يقال له:" النسا" لا عرق النسا.

(نشا)

قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [6/ 98] أي ابتدأكم و خلقكم، و كل من ابتدأ شيئا فقد أنشأه، و مثله:

416

أَنْشَأَ جَنّٰاتٍ مَعْرُوشٰاتٍ [6/ 141] وَ يُنْشِئُ السَّحٰابَ الثِّقٰالَ [13/ 12]. و النش‌ء و النشأة بإسكان الشين: الخلقة، و منه قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولىٰ [56/ 62] يعني ابتداء الخلق. و النَّشْأَةَ الْأُخْرىٰ [53/ 47] الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. قوله تعالى: إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا [73/ 6] قيل: النفس الناهضة من مضجعها إلى العبادة، من" نشأ من مكانه" إذا نهض، قيل المراد قيام الليل، و قيل العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث، قيل المراد ساعات الليل الحادثة واحدة بعد أخرى.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" هِيَ قِيَامٍ الرَّجُلِ عَنْ فِرَاشِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى"

و يتم الكلام في (وطأ). قوله تعالى: وَ لَهُ الْجَوٰارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلٰامِ [55/ 24] يعني السفن اللواتي أنشئن أي ابتدى‌ء بهن في البحر، و قيل: الْمُنْشَآتُ المرفوعات الشرع، و من قرأ الْمُنْشِآتُ بالكسر فمعناه المبتدئات في الجري. قوله تعالى: أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ [43/ 18] أي يربى في الحلي يعني النبات.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ عَلَامَةُ الْإِمَامِ طَهَارَةِ الْمَوْلِدِ وَ حُسْنُ

الْمُنْشَإِ

"

كأنه من النش‌ء كقفل، اسم من" نشأت في بني كذا" أي ربيت فيهم، و المراد حسن التربية و تنزيهه عن المعاصي. و فيه:

" إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ

النش‌ء

مِنْ الْبَعُوضَةِ"

أي منشأها و ما تنشأ فيه. و فيه:

" كَيْفَ يَحْتَجِبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نشأك وَ لَمْ تَكُنْ"

فنشأك بدل من قدرته بحسب الظاهر و إن احتمل غيره.

وَ فِي حَدِيثِ النَّبِيذِ

:" إِذَا أُخِذَ شَارِبَهُ وَ قَدْ انْتَشَى ضُرِبَ ثَمَانِينَ"

هو من قولهم: نشي ينشى نشوا و نشوة مثلثة: سكر،

417

كانتشى و تنشى. و الإنشاء: أول السكر و مقدماته، و منه" رجل نشوان" كسكران. و الناشى‌ء: الحدث الذي قد جاوز حد الصغر، و منه" خير ناشى‌ء" يقال: نشأ الصبي ينشأ فهو ناشى‌ء: إذا كبر و شب و لم يتكامل. و قوله:" نشأ يتحدثون" يروى بفتح الشين كخادم و خدم، يريد جماعة أحداثا. و" النشا" مقصور: ما يعمل من الحنطة، فارسي معرب (1).

(نصا)

قوله تعالى: مٰا مِنْ دَابَّةٍ إِلّٰا هُوَ آخِذٌ بِنٰاصِيَتِهٰا [11/ 56] أي هو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها، و الأخذ بالنواصي تمثيل. قوله تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ الْأَقْدٰامِ [55/ 41]

قِيلَ

: يَجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتُهُ وَ قَدَمِهِ بسلسلة مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ

، و‌

قِيلَ

يَسْحَبُونَ تَارَةً بِأَخْذِ النَّوَاصِي وَ تَارَةً بِالْأَقْدَامِ.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" يُؤْخَذُ الرَّجُلِ بِلِحْيَتِهِ وَ الْمَرْأَةِ

بِنَاصِيَتِهَا

"

أي لنذلنه و نقيمه مقام الأذلة، ففي الأخذ بالناصية إهانة و استخفاف، و قيل معناه لنغيرن وجهه.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" خُذْ إِلَى الْخَيْرِ

بِنَاصِيَتِي

"

أي اصرف قلبي إلى عمل الخيرات و وجهني إلى القيام بوظائف الطاعات كالذي يجذب بشعر مقدم رأسه إلى العمل، فالكلام استعارة. و الناصية: قصاص الشعر فوق الجبهة، و الجمع" النواصي".

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ

النَّوَاصِي

كُلُّهَا بِيَدِكَ"

أيضا من باب التمثيل، أي كل شي‌ء في قبضتك و ملكك و تحت قدرتك و سلطانك و ما روي من أنه (ع) مسح ناصيته

____________

(1). تعريب" نشاسته" و هو مادة لزجة مستخرجة من الحنطة، و يقال له:" نشاستج" و" نشاء".

418

يعني مقدم رأسه، فكيف يستقيم على هذا تقدير الناصية بربع الرأس، و كيف يصح إثباته بالاستدلال، و الأمور النقلية لا تثبت إلا بالسماع. و من كلامهم:" جر ناصيته" و" أخذ بناصيته" و معلوم أنه لا يتقيد.

(نضا)

فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ ص

:" أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ رَكِبْتُمُ فِيهِنَّ الْمَطِيَّ حَتَّى

تنضوها

لَمْ تَأْتُوا بمثلهن"

أي تهزلوها و تذهبوا بلحمها، يقال:" بعير نضو" بالكسر و" دابة نضو" للتي هزلتها الأسفار و أذهبت بلحمها، و الجمع" الأنضاء". و النضو: الثوب الخلق. و انتضى سيفه: إذا سله.

(نعا)

فِي الْحَدِيثَ

:" رَجُلٍ أَتَاهُ

نُعِيَ

أَبِيهِ"

أي خبر موته، يقال:" نعيت الميت" من باب نفع: إذا أخبرت بموته، فهو منعي. و نعي إليه نفسه: أخبر بموته. و النعي على فعيل مثل النعي. و النعي أيضا الناعي، و هو الذي يأتي بخبر الموت. و تناعى القوم: إذا نعوا قتلاهم ليحرص بعضهم على بعض.

(نغا)

المرأة تناغى الصبي: أي تكلمة بما يعجبه و يسره- قاله الجوهري.

(نفا)

قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [5/ 33] أي يطردوا منها و يدفعوا عنها إلى أرض أخرى، و النفي هو الطرد و الدفع، يقال: نفيت الحصى من وجه الأرض فانتفى، ثم قيل لكل كلام تدفعه و لا تثبته: نفيته، و منه" نفي إلى بلدة أخرى" أي دفع إليها.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ

: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَ مَا حَدُّ نَفْيِهِ؟ قَالَ:" سَنَةً يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا إِلَى غَيْرِهَا، ثُمَّ يَكْتُبُ إِلَى ذَلِكَ الْمِصْرِ بِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ فَلَا تُؤَاكِلُوهُ وَ لَا تُشَارِبُوهُ وَ لَا تُنَاكِحُوهُ

419

حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى غَيْرِهِ فَلْيَكْتُبْ إِلَيْهِمْ أَيْضاً بِمِثْلِ ذَلِكَ فَلَا يَزَالُ هَذِهِ حَالَهُ سَنَةً، فَإِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ تَابَ وَ هُوَ صَاغِرٌ".

و فيه:

" الْمَدِينَةِ كالكير

يُنْفَى

خَبَثَهَا"

أي تخرجه عنها، من نفيته نفيا: أخرجته و فيه:

" حَجَّ الْبَيْتِ

مَنْفَاةٌ

لِلْفَقْرِ

(1)

"

أي مظنة لدفعه. و للنفي طرائق ذكرها في المصباح هي أنه إذا ورد النفي على شي‌ء موصوف بصفة فإنه يتسلط على تلك الصفة دون متعلقها نحو" لا رجل قائم" فمعناه لا قيام من رجل، و مفهومه وجود ذلك الرجل، و لا يتسلط النفي على الذات الموصوفة، لأن الذات لا تنفى و إنما ينفى متعلقاتها. قال: و من هذا الباب قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ [29/ 42] فالمنفي إنما هو صفة محذوفة لأنهم دعوا شيئا محسوسا هو الأصنام، و التقدير من شي‌ء ينفعهم أو يستحق العبادة و نحو ذلك، لكن لما انتفت الصفة التي هي الثمرة المقصودة وقع النفي على الموصوف مجازا كقوله تعالى: لٰا يَمُوتُ فِيهٰا وَ لٰا يَحْيىٰ* [87/ 13] أي لا يحيا حياة طيبة، و منه قول أحد الناس:" لا مال لي" أي لا مال كاف أو لا مال لي يحصل به الغنى، و كذلك" لا زوجة لي" أي حسنة و نحو ذلك. و هذه الطريقة هي الأكثر في كلامهم، و لهم طريقة أخرى معروفة و هي نفي الموصوف فتنتفي تلك الصفة بانتفائه، فقولهم:" لا رجل قائم" معناه لا رجل موجود فلا قيام منه، و خرج على هذه الطريقة قوله تعالى: فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ الشّٰافِعِينَ [74/ 48] أي لا شافع فلا شفاعة منه، و كذا بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا* [13/ 2] أي لا عمد فلا رؤية، و كذا لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً [2/ 273] أي لا سؤال فلا إلحاف. قال: و إذا تقدم النفي أول الكلام كان النفي للعموم نحو" ما قام القوم" فلو كان قد قام بعضهم فلا كذب، لأن نفي العموم لا يقتضي نفي الخصوص، و لأن‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه 1/ 131.

420

النفي وارد على هيئة الجمع لا على كل فرد فرد. و إذا تأخر حرف النفي عن أول الكلام و كان أوله" كل" أو ما في معناه و هو مرفوع بالابتداء نحو" كل القوم لم يقوموا" كان النفي عاما لأنه خبر عن المبتدإ و هو جمع فيجب أن يثبت لكل فرد فرد منه ما يثبت للمبتدإ و إلا لما صح جعله خبرا عنه، و أما‌

قَوْلِهِ

:" كُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"

- يعني في خبر ذي اليدين- فإنما نفى الجميع بناء على ظنه أن الصلاة لا تقصر و أنه لم ينس منها شيئا، فنفى كل واحد من الأمرين بناء على ذلك الظن، و لما تخلف الظن و لم يكن النفي عاما‌

قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ

: وَ قَدْ كَانَ بَعْضِ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص، فَتَرَدَّدُ ص فَقَالَ:" أَ حَقّاً مَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ"؟ فَقَالُوا: نَعَمْ.

و لو لم يحصل له الظن لقدم حرف النفي حتى لا يكون عاما و قال: لم يكن كل ذلك- انتهى كلامه. و هو جيد ينبغي مراعاته في ألفاظ الكتاب و السنة. و من كلامهم:" هذا ينافي هذا" أي يباينه و لا يجتمع معه، و مثله قوله:" و هما متنافيان".

(نقا)

فِي الْحَدِيثَ

:" رُبَّمَا أَمَرْتُ

بِالنَّقِيِّ

بُلَّتْ بِالزَّيْتِ فَأَتَدَلَّكُ بِهِ"

هو بكسر النون و سكون القاف: المخ من العظام، و الجمع" أنقاء"، يقال:" أنقت الناقة" أي سمنت و صار فيها نقي، و أنقى البعير: إذا وقع في عظامه المخ. و النقي أيضا: الدقيق المنخول، فيحتمل هنا و لعله الأشبه. و" العجفاء التي لا نقي فيها" أي المهزولة التي لا نقي فيها من الهزال. و نقي الشي‌ء بالكسر ينقى نقاوة بالفتح فهو نقي أي نظيف. و" النقاء" ممدود: النظافة، و بالقصر: الكثيب من الرمل. و أنقى فرجه: نظفه و طهره، و مثله" ينقي مأثمه". و الانتقاء: الاختيار.

421

و التنقية: إفراز الجيد من الردي‌ء.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنْ اللَّهَ يُحِبُّ التَّقِيَّ النَّقِيِّ"

قيل: المراد بالتقي من حسن ظاهره و بالنقي- بالنون- من حسن باطنه و" النقي" علي بن محمد الهادي (ع) (1).

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ

انق

عَمَلِي"

أي ارفع عملي عما يشوبه.

وَ فِي حَدِيثٍ قَابِيلُ

:" وَ قَرَّبَ قَابِيلُ مِنْ زَرْعِهِ مَا لَمْ

يُنَقَّ

"

أي لم يكن خاليا من الغش، و لذا لم يتقبل قربانه.

(نكا)

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا شَيْ‌ءٌ

أَنْكَى

لِإِبْلِيسَ وَ جُنُودِهِ مِنْ زِيَارَةِ الْإِخْوَانِ"

أي أوجع و أضر. و فيه:

" الْمُؤْمِنِ لَا

يَنْكِي

الطَّمَعُ قَلْبِهِ"

أي لا يجرحه فيؤثر فيه كتأثير الجرح بالمجروح، من" نكيت في العدو نكاية" من باب رمى: إذا أكثرت فيهم الجراح و القتل، و قد يهمز فيقال:" نكأت في العدو نكاء" من باب نفع.

نكأ

و" نكأت القرحة أنكأها" مهموز: قشرتها، و بابه منع.

(نما)

فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ

انْتَمَى

إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ"

أي من انتسب إلى غيرهم، من قولهم:" نميت الرجل إلى أبيه نميا" نسبته إليه. و نمى الشي‌ء ينمي من باب رمى نماء بالمد: كثر، و في لغة ينمو نموا من باب قعد، و يتعدى بالهمز و التضعيف.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا تُمَثِّلُوا

بنامية

اللَّهِ"

يعني الخلق لأنه ينمي، من نمى الشي‌ء ينمو و ينمي: إذا ازداد و ارتفع، و منه" صلاة نامية".

____________

(1). ولد (ع) بمدينة الرسول (ص) للنصف من ذي الحجة سنة 212 و توفي بسر من رأى في رجب سنة 254. انظر أخباره و ترجمته في الإرشاد للمفيد ص 307- 314.

422

و" ينمي صعدا" يرتفع و يزيد صعودا. و ينمي له علمه و عمله أي يكثر و منماة أعمالهم هو مفعلة من النمو: الزيادة. و" نميت الحديث" مخففا: إذا بلغته على وجه النميمة و الإفساد، و إنما لم يكن هذا النوع كذبا لأن القصد فيه صحيح.

(نها)

قوله تعالى: مٰا نَهٰاكُمٰا رَبُّكُمٰا عَنْ هٰذِهِ الشَّجَرَةِ أي عن أكل هذه الشجرة إِلّٰا أَنْ تَكُونٰا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونٰا مِنَ الْخٰالِدِينَ [7/ 20] قال المفسر: و المعنى أنه أوهمهما أنهما إن أكلا من هذه الشجرة تغيرت صورتهما إلى صورة الملك و أن الله قد حكم بذلك و أن لا تبيد حياتهما إذا أكلا منها. قوله تعالى: أَ لَمْ أَنْهَكُمٰا [7/ 22] هو عتاب من الله و توبيخ على الخطإ حيث لم يحذرا مما حذرهما الله من عداوة إبليس.

رُوِيَ

أَنَّهُ قَالَ لآِدَمَ (ع): أَ لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيمَا منحتك مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ مَنْدُوحَةً عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةَ؟! قَالَ: بَلَى

423

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

424

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

425

وَ عِزَّتِكَ وَ لَكِنْ مَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ كَاذِباً، قَالَ: فَبِعِزَّتِي لأهبطنك إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ لَا تُنَالُ الْعَيْشِ إِلَّا كدا" فَأَهْبَطَ وَ عَلِمَ صَنْعَةِ الْحَدِيثَ وَ أَمَرَ بِالْحَرْثِ فحرث وَ سُقِيَ وَ دَاسَ وَ ذُرَى وَ عُجِنَ وَ خُبْزِ.

و سميا ذنبيهما و إن كان مغفورا لهما ظلما و قال: لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ على عادة الأولياء الصالحين. قوله تعالى: لَآيٰاتٍ لِأُولِي النُّهىٰ* [20/ 54] بضم النون أي لأولى العقول و الأحلام، واحدها" نهية" بالضم، لأن صاحبها ينتهي إليها عن القبائح، و قيل ينتهي إلى اختياراته العقلية. قوله تعالى: وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهىٰ [53/ 42]

قِيلَ

: مَعْنَاهُ إِذَا انْتَهَى الْكَلَامِ إِلَيْهِ فَانْتَهُوا وَ تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ وَ لَا تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ، فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَتَاهَتْ عُقُولُهُمْ

(1)

قوله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ [53/ 14] أي الذي إليه ينتهي علم الملائكة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" إِلَيْهَا يَنْتَهِيَ عَلِمَ الْخَلَائِقِ"

و‌

قِيلَ

: يَنْتَهِيَ إِلَيْهَا مَا يَأْتِي مِنْ فَوْقُ وَ مَا يَصْعَدُ مِنْ تَحْتُ، وَ النهران النِّيلِ وَ الْفُرَاتِ يَخْرُجَانِ مِنْ أَصْلُهَا ثُمَّ يسيران حَيْثُ أَرَادَ اللَّهِ ثُمَّ يَخْرُجَانِ مِنْ الْأَرْضِ.

و" سدرة المنتهى" على ما ذكره الشيخ أبو علي شجرة نبق عن يمين العرش فوق السماء السابعة ثمرها كقلال هجر و ورقها كآذان الفيول يسير الراكب في ظلها سبعين عاما. و المنتهى: موضع الانتهاء لم يجاوزها أحد و إليه ينتهي علم الملائكة و غيرهم، لا يعلم أحد ما وراءها. و قيل ينتهي إليه أرواح الشهداء. و قيل: هي شجرة طوبى كأنها في منتهى الجنة، عِنْدَهٰا جَنَّةُ الْمَأْوىٰ، و هي جنة الخلد يصير إليها المتقون.

____________

(1). هذا التفسير مأخوذ من أحاديث مذكورة في الكافي ج 1 ص 92.

426

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" خِيَارُكُمْ أُولُو

النُّهَى

"

و هم كما‌

وَرَدَ فِي الْحَدِيثَ

" أُولُو الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَ الْأَحْلَامِ الرَّزِينَةِ وَ صِلَةَ الْأَرْحَامِ وَ الْبَرَرَةُ بِالْأُمَّهَاتِ وَ الْآبَاءِ وَ الْمُتَعَاهِدُونَ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْجِيرَانُ وَ الْيَتَامَى

وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ

وَ يُفْشُونَ السَّلَامَ فِي الْعَالَمِ وَ يُصَلُّونَ وَ النَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ".

وَ فِي وَصَفَ الصَّانِعِ تَعَالَى

:" لَمْ

يَتَنَاهَ

إِلَى غَايَةٍ إِلَّا كَانَتْ غَيْرِهِ"

قيل: تقرأ على صيغة الخطاب، أي لم يبلغ ذهنك إلى اسم إلا كان ذلك الاسم غيره. و نهاه ينهاه نهيا: ضد أمره، و النهية بالضم منه. و النهية أيضا العقل الناهي عن القبائح، و الجمع" نهى" كمدى. و نهيته عن الشي‌ء فانتهى، و نهوته لغة. و نهى الله عن الحرام أي حرم. و تناهوا عن المنكر أي ينهى بعضهم بعضا. و" نهاية الشي‌ء" بالكسر: آخره و أقصاه. و نهايات الدور: حدودها. و انتهى الأمر: بلغ نهايته، و هي أقصى ما يمكن أن يبلغه. و الإنهاء: الإبلاغ.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَسْأَلُكَ

بِمُنْتَهَى

الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ"

المراد غاية الرحمة، و المعنى برحمتك كلها، لأن الوصول إلى الغاية وصول إلى الجميع. و أنهيت الأمر إلى الحاكم: أعلمته به. و" ناهيك بزيد فارسا" (1) كلمة تعجب و استعظام، و تأويلها أنها غاية تنهاك عن طلب غيره. قال الجوهري: و تقول في المعرفة:" هذا عبد الله و ناهيك من رجل" فتنصب ناهيك على الحال.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا بَلَغَهُ فلينته"

أي إذا بلغ من خلق ربك فلينته، أي فليترك التفكير في هذا الحال فليستعذ،

____________

(1). و يقال أيضا:" نهيك من رجل" و" نهاك من رجل".

427

فإنه لا تدبير في دفع وسوسة الشيطان أقوى من الاستعاذة. و" نهاوند" بلد بالعجم بفتح الأول و ضمه- قاله في المصباح (1).

باب ما أوله الواو

الواو المفردة

تكون للعطف، و معناها مطلق الجمع، فتعطف الشي‌ء على صاحبه نحو: فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ أَصْحٰابَ السَّفِينَةِ [29/ 15]، و على سابقه نحو لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً وَ إِبْرٰاهِيمَ [57/ 26]، و على لاحقه نحو كَذٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [42/ 3]، و قد اجتمع هذان في قوله تعالى: مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [33/ 7]. و للاستيناف نحو لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحٰامِ مٰا نَشٰاءُ [22/ 5]، و نحو مَنْ يُضْلِلِ اللّٰهُ فَلٰا هٰادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ [7/ 186] فيمن رفع، و نحو وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّٰهُ [2/ 282]. و للحال و تسمى واو الابتداء نحو" جاء زيد و الشمس طالعة". و للمعية نحو" سرت و النيل" بالنصب و ليس النصب لها خلافا للجرجاني. قال ابن هشام: و لم تأت في التنزيل بيقين، فأما قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكٰاءَكُمْ [10/ 71] في قراءة السبعة، وَ شُرَكٰاءَكُمْ بالنصب فيحتمل‌

____________

(1). قيل: أصلها" نوح أوند" فعربت كذلك، و هي أقدم مدينة في الجبل، و بها قبور جماعة من المسلمين، و بين نهاوند و همذان أربعة عشر فرسخا. انظر مراصد الاطلاع ص 1398.

428

أن الواو فيه ذلك، و أن تكون عاطفة مفردا على مفرد بتقدير مضاف، أي و أمر شركائكم، أو جملة على جملة بتقدير فعل، أي و اجمعوا شركاءكم- انتهى. و تكون للقسم و لا تدخل إلا على مظهر و لا تتعلق إلا بمحذوف نحو يس. وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [36/ 1- 2]، فإن تلتها واو أخرى نحو وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ [95/ 1] فهي عاطفة. و بمعنى رب نحو قوله (1):

و ليل كموج البحر أرخى سدوله

و زائدة نحو حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا وَ فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا [39/ 71]. و واو الثمانية، ذكرها جماعة زاعمين أن العرب إذا عدوا قالوا: ستة سبعة و ثمانية، إيذانا بأن السبعة عدد تام و أما بعده عدد مستأنف، و استدلوا على ذلك بقوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلٰاثَةٌ رٰابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ إلى قوله: سَبْعَةٌ وَ ثٰامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [18/ 22] و قيل فيها عاطفة. و لضمير الذكور نحو" الزيدون" قالوا و هي اسم، و قيل حرف و الفاعل مستتر. و علامة للمذكرين في لغة طي، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةُ بِاللَّيْلِ وَ مَلَائِكَةُ بِالنَّهَارِ"

و هي عند سيبويه حرف دال على الجماعة.

(وا)

قال ابن هشام: هي حرف نداء مختص بالندبة نحو" وا زيداه"، و اسم لأعجب نحو قوله (2):

وا بأبي أنت و فوك الأشنب

و قد يقال:" واها" كقوله‌

____________

(1). و بقيته

" علي بأنواع الهموم ليبتلي"

و هو من معلقة <امرى‌ء القيس>. انظر ديوانه ص 132.

(2). لتيمي يخاطب به امرأة و بقية البيت،

" كأنما ذر عليه الزرنب"

. انظر لسان العرب (زرنب).

429

لسلمى (1):

ثم واها واها

و قد يقال" وي"، و قد يلحق بها كاف الخطاب.

(وآ)

فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

:" وَ قَدْ

وَأَيْتَ

عَلَى نَفْسِي أَنْ أَذْكُرَ مَنْ ذَكَرَنِي"

أي جعلته وعدا على نفسي، من الوأي: الوعد الذي يوثقه الرجل على نفسه و يعزم على الوفاء به، و منه وأيته وأيا: وعدته، و منه" كان له عندي وأي" و الوأي يقال للعدة المضمونة، و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" وأي فَلْيَحْضُرْ".

و للتعريض بالعدة من غير تصريح. و نقل عن سيبويه أنه سأل الخليل عن فعل من وأيت؟ فقال: وئي، فقلت: فمن خفف؟ فقال: أوي [فأبدل من الواو همزة و قال: لا يلتقي واوان في أول الحرف] (2).

(وبا)

فِي الْحَدِيثَ

:" السِّوَاكِ فِي الْحَمَّامِ يُورِثُ

وَبَاءَ

الْأَسْنَانِ"

(3)

أي مرضها. و" الوباء" يمد و يقصر: المرض العام، و يعبر عنه بالطاعون، و جمع الممدود" أوبئة" كمتاع و أمتعة، و المقصور على" أوباء" كسبب و أسباب. و" وبئت الأرض" من باب تعب: كثر مرضها. و" المرعى الوبي‌ء" الذي يأتي بالوباء و الشراب الذي يمرض، و قد جاء في الحديث.

(وجا)

فِي الْحَدِيثَ

:" عَلَيْكُمْ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ"

الوجاء بالكسر ممدود: رض عروق البيضتين حتى تنفضح فيكون شبيها‌

____________

(1). من أبيات لأبي النجم العجلي، و البيت كما يلي:

واها لسلمى ثم واها واها * * * هي المنى لو أننا نلناها

(2). انظر الصحاح (وأي).

(3). مكارم الأخلاق ص 53.

430

بالخصاء، و قيل: هو رض الخصيتين، شبه الصوم به لأنه يكسر الشهوة كالوجاء.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ موجوءين".

و وجأته بالسكين: ضربته بها. و وجأت عنقه وجأ: إذا دستها برجلك. و وجأته بحديدة: ضربته بها.

(وحا)

قوله تعالى: وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [16/ 68] أي ألهمها و قذف في قلبها و علمها على وجه لا سبيل لأحد على الوقوف أَنِ اتَّخِذِي هي المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، و قرى‌ء بِيُوتًا بكسر الباء في جميع القرآن- كذا ذكره الشيخ أبو علي. قوله تعالى: فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ [53/ 10] الضمير لله و إن لم يجر له ذكر، لعدم الالتباس فيه، مٰا أَوْحىٰ تفخيم للوحي، و" ما" مصدرية، و يجوز أن تكون موصولة.

قِيلَ

: أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ الْجَنَّةِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا، وَ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أَمَتُكَ.

و قيل: معنى فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ من" الوحي" الإشارة لقوله تعالى: فَأَوْحىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [19/ 11]. و قيل: معنى أوحى إليهم: أومأ و رمز، و‌

قِيلَ

كَتَبَ لَهُمْ بِيَدِهِ فِي الْأَرْضِ.

قوله تعالى: وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوٰارِيِّينَ [5/ 111] أي ألقيت في قلوبهم، و قيل: أمرتهم، و مثله قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ [28/ 7] و قيل: هي وحي أعلام لا إلهام، يدل عليه قوله تعالى: إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. و أصله في لغة العرب إعلام في خفاء و لذلك صار الإلهام يسمى وحيا. قوله تعالى: وَ إِنَّ الشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ [6/ 121] أي ليوسوسون لأوليائهم من الكفار.

431

قوله تعالى: وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيٰاطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [6/ 112] قال المفسر: نصب على أحد وجهين: إما أن يكون مفعول جَعَلْنٰا و شَيٰاطِينَ بدل منه و مفسر له و عَدُوًّا بمعنى أعداء، و إما أن يكون مفعولا ثانيا على تقدير جعلنا شياطين الإنس و الجن أعداء. و غُرُوراً نصب على المصدر من معنى الفعل المتقدم، لأن في معنى الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال: يغرون غرورا، و قوله: يُوحِي أي يوسوس و يلقي خفية بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ، و قوله: زُخْرُفَ الْقَوْلِ أي المزين الذين يستحسن ظاهرا و لا حقيقة له و لا أصل، و المراد بشياطين الإنس و الجن مردة الكفار من الفريقين، و‌

قِيلَ

: شَيَاطِينِ الْإِنْسِ الَّذِينَ يغرونهم وَ شَيَاطِينِ الْجِنِّ الَّذِينَ مِنْ وُلِدَ إِبْلِيسَ.

و‌

عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

إِنْ إِبْلِيسَ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فريقا مِنْهُمْ إِلَى الْإِنْسِ وَ فريقا إِلَى الْجِنِّ، فشياطين الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ وَ الْمُؤْمِنِينَ، فيلتقي شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَ شَيَاطِينِ الْجِنِّ فِي كُلِّ حِينَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَضْلَلْتَ صَاحِبِي بِكَذَا فأضل صَاحِبُكَ بِمِثْلِهَا، فَذَلِكَ مَعْنَى

يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ (1)

.

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَنَّهُ قَالَ

:" إِنَّ الشَّيَاطِينِ يَلْقَى بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَيُلْقِي إِلَيْهِ مَا يغوي بِهِ الْخَلْقِ حَتَّى يَتَعَلَّمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ"

(2)

.

و الوحي مصدر وحى إليه يحي من باب وعد، و أوحى له بالألف مثله، و جمعه" وحي" و الأصل فعول مثل فلوس ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله. و في القاموس: الوحي الإشارة و الكتابة و المكتوب و الرسالة و الإلهام‌

____________

(1). مجمع البيان ج 2 ص 352.

(2). البرهان ج 1 ص 549.

432

و الكلام الخفي و كل ما ألقيته إلى غيرك- انتهى. و" الفرج الوحي" بتشديد الياء: السريع، و مثله" موت وحي" مثل سريع لفظا و معنى، فعيل بمعنى فاعل، و منه" ذكاة وحية" أي سريعة. و" الوحا الوحا" بالمد و القصر أي السرعة السرعة، و هو منصوب بفعل مضمر. و استوحيته: استصرخته.

(وخا)

فِي الْحَدِيثَ

:"

يَتَوَخَّى

شَهْرِ رَمَضَانَ"

أي يقصده و يتحراه، و مثله‌

حَدِيثٍ فَوَائِتَ النَّوَافِلِ

:" قُلْتُ: لَا أُحْصِيهَا، قَالَ: تَوَخَّ".

و الوخى: القصد، و منه‌

قَوْلِهِ

:" أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرِ بِحَيْثُ

توخيت

"

أي قصدت و أردت. و توخى مرضاته: تحراها و تطلبها. و توخيت أخا: اتخذته. و وخيت وخيك: قصدت قصدك. و واخاه لغة ضعيفة في آخاه- قاله الجوهري.

(ودا)

قوله تعالى: فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا [13/ 17] هي جمع" واد" على القياس، و هو الموضع الذي يسيل منه الماء بكثرة فاتسع فيه و استعمل للماء الجاري. قوله تعالى: أَتَوْا عَلىٰ وٰادِ النَّمْلِ [27/ 18] هو واد بالشام أو بالطائف كثير النمل أضيف إليه (1). قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وٰادٍ يَهِيمُونَ [26/ 225] قيل: هو كما تقول:" أنا لك في واد و أنت لي في واد آخر" يعني أنا لك في صنف و أنت في صنف، فهو مثل إذهابهم في كل شعب من القول و قلة مبالاتهم بالغلو في‌

____________

(1). وادي النمل الذي خاطب سليمان بن داود (ع) بين بيت جبرين و عسقلان، مراصد الاطلاع ص 1418.

433

النطق و مجاوزة حد القصد فيه و قذف التقي و بهت البري. و ودى الشي‌ء: إذا سال، و منه اشتقاق الوادي. و" الودي" بسكون الدال و كسرها و تشديد الياء، و هو على ما قيل أصح و أفصح من السكون: البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول. و" الودي" بالياء المشددة: هو صغار النخل قبل أن يحمل، الواحدة" ودية"، و منه" لو ساقاه على ودي غير مغروس ففاسد". و" الدية" بالكسر: حق القتل، و الجمع" ديات" و الأصل ودية مثل وعدة و الهاء عوض، يقال:" ودى القاتل القتيل بدية دمه" إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك:" الدية" تسمية بالمصدر. و أيديت: أخذت الدية. و" الدية" أنواع: فدية الجنين قبل و لوج الروح مائة دينار، و دية النطفة عشرون و هو أن الرجل يفزع عن عرسه و يلقي نطفته لا يريد ذلك، و دية العلقة أربعون، و دية المضغة ستون، ثم العظم ثمانون، ثم الجنين مائة، فإذا استكمل فديته ألف دينار للذكر، و الأنثى على مثل هذا الحساب خمسمائة دينار.

(وذا)

" الوذي" بالذال المعجمة الساكنة و الياء المخففة، و عن الأموي بتشديد الياء: ماء يخرج عقيب إنزال المني.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" هُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَدْوَاءِ"

(1)

بالدال المهملة جمع داء و هو المرض. و ذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة. و قولهم:" ما به وذية" بالتسكين أي عيب. وذأته بالهمز فاتذأ: زجرته فانزجر.

____________

(1). الإستبصار ج 1 ص 93.

434

(ورا)

قوله تعالى: وَ كٰانَ وَرٰاءَهُمْ مَلِكٌ [18/ 79] أي أمامهم، و يكون الوراء خلفا، و هو من الأضداد. قوله تعالى: مِنْ وَرٰائِهِمْ جَهَنَّمُ [45/ 10] يحتمل المعنيين. قال في القاموس: و هو مهموز لا معتل و وهم الجوهري. و" الورى" معناه ما توارى عنك و استتر. و قول النابغة:

و ليس وراء الله للمرء مذهب

أي بعد الله. قوله تعالى: وَ يَكْفُرُونَ بِمٰا وَرٰاءَهُ [2/ 91] أي بما سواه، و مثله قوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ* [23/ 7] أي طلب سوى الأزواج و ملك اليمين فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ* الكاملون في العداوة. قوله تعالى: وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ وَرٰاءَ ظَهْرِهِ [84/ 10] أي خلف ظهره، لأن يمينه مغلولة إلى عنقه و يكون يده اليسرى خلف ظهره، و كان الوجه في ذلك أن إعطاء الكتاب باليمين من علامات السعادة و القبول و من وراء ظهره من علامات الشقاوة و الرد. قوله تعالى: تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ [38/ 32] أي استترت بالليل يعني الشمس، أضمرها و لم يجر لها ذكر، و العرب تقول ذلك إذا كان في الكلام ما يدل على المضمر. قوله تعالى: يَتَوٰارىٰ مِنَ الْقَوْمِ [16/ 59] أي يستخفي من أجل سوء المبشر به و يحدث نفسه و ينظر أَ يُمْسِكُهُ عَلىٰ هُونٍ و ذل أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرٰابِ حيا. قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ النّٰارَ الَّتِي تُورُونَ [56/ 71] أي تستخرجون بقدحكم، و كانت العرب تقدح بعودين تحك بأحدهما على الآخر، و يسمى الأعلى الزند، يقال: ورى الزند يرى وريا: إذا أخرجت ناره، و أوريته أنا.

435

قوله تعالى: فَالْمُورِيٰاتِ قَدْحاً [100/ 2] يعني الخيل في المكر تقدح النار بحوافرها عند صك الحجارة، يقال:" أورى النار" إذا أوقدها و أشعلها. قوله تعالى: مٰا وُورِيَ عَنْهُمٰا مِنْ سَوْآتِهِمٰا [7/ 20] أي غطى عنهما من عورتهما، قيل تكتب بواو واحدة و تلفظ بواوين. و" التوراة" الضياء و النور. قال البصريون- نقلا عنهم-: أصلها" وورية" فوعلة، من" وري الزند" إذا خرجت ناره، و لكن الأولى قلبت تاء كما في" تولجه" و الياء ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها. قال الكوفيون- نقلا عنهم-: أصلها" تورية" على تفعلة، قلبت الياء ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها. قيل نزلت التوراة في ست مضين من شهر رمضان و الإنجيل في اثني عشر منه و الزبور في ثمانية عشر منه و القرآن في ليلة القدر.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا

تَوَارَى

الْقُرْصُ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَ الْإِفْطَارِ"

أي إذا استتر و خفي، من" واريت الشي‌ء" إذا سترته و أخفيته، و مثله" توارى من البيوت".

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" تُحِيطُ دَعْوَتَكَ مِنْ

وَرَائِهِمْ

"

أي تحيط بهم من جميع جوانبهم.

وَ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ (ع)

:" إِنِّي كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ

وَرَاءَ

وَرَاءِ"

يروى مبنيا على الفتح، أي من خلف حجاب. و مثله‌

فِي حَدِيثٍ الْأَطْفَالِ

:" كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَأْمُرُ بِهِمْ فَيُدْفَنُونَ مِنْ

وَرَاءَ

وَرَاءِ"

أي من خلف حجاب، يريد بذلك الإخفاء و الاستتار، يعني من غير حاجة إلى إظهارهم و الصلاة عليهم.

وَ مِنْ كَلَامٍ الْحَقِّ تَعَالَى فِي أَهْلِ عَرَفَةَ

:" أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا مِنْ

وَرَاءَ

وَرَاءِ فَسَلُونِي وَ دَعَوْنِي"

أي من خلف حجاب. و منه:

" سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص

436

مِنْ

وَرَاءَ

وَرَاءِ"

أي ممن جاء خلفه و بعده، و" الورى" الخلق، و‌

مِنْهُ

" أَنْتُمْ كَهْفِ الْوَرَى يَسْتَظِلُّونَ بِكُمْ"

كالكهف الذي يستظل به. و وريت الخبر بالتشديد تورية: إذا سترته و أظهرت غيره حيث يكون للفظ معنيان أحدهما أشيع من الآخر فتنطق به و تريد الخفي، و منه:

" كَانَ ص إِذَا أَرَادَ السَّفَرِ

أورى

"

أي ألقى البيان وراء ظهره لئلا ينتهي خبره إلى مقصده فيستعدوا للقتال.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَأَنِّي بِالْقَائِمِ (ع) يَخْرُجُ مِنْ

وَرَيَانِ

"

كأنه اسم موضع.

(وسا)

في الحديث ذكر الموسى، و هو فعلى أو مفعل بضم الفاء فيهما، و هو ما يحلق به الرأس، يذكر و يؤنث، و على الأول لا ينصرف للألف المقصورة، و يجمع على صرفه على" المواسي" و على" الموسيات" كالحبليات. و موسى (ع) لقيط آل فرعون من البحر.

قِيلَ

سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ الْتَقِطِ مِنْ بَيْنَ الْمَاءِ وَ الشَّجَرِ

، و الماء بلغة القبط اسمه" مور" و الشجر" سا" فركبا و جعلا اسما لموسى (ع) لأدنى ملابسة. و‌

قِيلَ

: إِنْ مُوسَى (ع) مَاتَ فِي التِّيهِ وَ كَانَ عُمُرِهِ مِائَتَيْنِ وَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَ قِيلَ مِائَةَ وَ عِشْرِينَ، وَ كَانَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ (ع) خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَ فَتَحَ يُوشَعَ الْمَدِينَةِ بَعْدَهُ، وَ كَانَ يُوشَعَ ابْنِ أُخْتٍ مُوسَى وَ النَّبِيِّ فِي قَوْمِهِ بَعْدَهُ

، و جمع موسى موسون و جمع عيسى عيسون بفتح السين فيهما- قاله الجوهري. و موسى بن جعفر (ع) الإمام بعد أبيه، ولد بالأبواء سنة ثمان- و قال بعضهم تسع- و عشرين و مائة، و قبض لست خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و هو ابن أربع أو خمس و خمسين سنة، قبض في بغداد بحبس السندي بن شاهك.

437

وَ أَبُو

مُوسَى

الْأَشْعَرِيِّ

(1)

كَانَ عَامِلٍ عَلِيٍّ (ع) عَلَى الْكُوفَةِ، وَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ ثَبَّطَ النَّاسِ عَنْ الْخُرُوجِ إِلَيْهِ لِمَا ندبهم لَحَرْبٌ أَصْحَابِ الْجَمَلِ.

(وشا)

قوله تعالى: مُسَلَّمَةٌ لٰا شِيَةَ فِيهٰا [2/ 71] أي ليس فيها لون يخالف معظم لونها، و الأصل فيها وشية كالصلة و الزنة، مأخوذة من وشي الثياب: إذا نسجه على لونين. و ثور موشى: في وجهه و قوائمه سواد.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" يُكْرَهُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَ ثِيَابِ

الْوَشْيِ

"

بفتح الواو و سكون الشين: نقش الثوب من كل لون. و وشى الثوب كرعى وشيا: حسنه و نقشه. و ثوب وشي: ثوب منقوش: و جمعه" وشاة" بالكسر. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" اشْتَرِ جُبَّةُ خَزٍّ وَ إِلَّا فَوَشْيٌ".

و وشى به إلى السلطان: نم و سعى، فهو واش، يقال:" وشى كلامه" أي كذب. و" الوشا" بياع الوشي، و لقب رجل من رواة الحديث (2).

(وصا)

قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّٰهُ [4/ 11]

____________

(1). هو عبد الله بن قيس، كان واليا على البصرة أيام عمر و عثمان، و قصته في أمر التحكيم و اجتماعه مع عمرو بن العاص مشهورة، و كان يبغض أمير المؤمنين (ع) بغضا شديدا. انظر الكنى و الألقاب ج 1 ص 158- 160.

(2). هو الحسن بن علي بن زياد البجلي الكوفي من أصحاب الرضا (ع) و كان من وجوه هذه الطائفة و عينا من عيونها، و له كتب و مؤلفات. الكنى و الألقاب ج 3 ص 246.

438

قيل: معناه يفرض عليكم، لأن الوصية من الله فرض. و قوله تعالى: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً [29/ 8] أي وصيناه بأن يفعل خيرا قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوٰاجِهِمْ مَتٰاعاً إِلَى الْحَوْلِ [2/ 240] قال الشيخ أبو علي: من قرأ وَصِيَّةٌ بالرفع فالتقدير حكم الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون وصية لأزواجهم، و من قرأ وَصِيَّةً بالنصب فالتقدير و الذين يتوفون يوصون وصية، و مَتٰاعاً نصب بالوصية أو يتوصون إذا أضمرته ... إلى أن قال: كان ذلك قبل الإسلام ثم نسخت بقوله: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً. قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ الآية [2/ 180] هي أيضا منسوخة بقوله: يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. قوله تعالى: فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [2/ 182] قرى‌ء مُوَصّ من وصى بالتشديد و الباقون مُوصٍ بالتخفيف من أوصى يوصي. قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ إلى قوله: ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ [5/ 106- 108] قال المفسر: قوله تعالى: شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ و اثْنٰانِ فاعل فعل محذوف أي يشهد اثنان، و فائدة الإبهام و التفسير تقرير الحكم في النفس مرتين، و لما قال: شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ كأن قائلا يسأل: من يشهد؟ فقال: اثْنٰانِ أي يشهد اثنان، و إِذٰا حَضَرَ ظرف لتعلق الجار و المجرور، أي عليكم شهادة بينكم إذا حضر أحدكم أسباب الموت، و حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل منه. و قوله: مِنْكُمْ أي من المسلمين و مِنْ غَيْرِكُمْ أي من‌

439

غير المسلمين، و قيل مِنْكُمْ أي من أقاربكم و غَيْرِكُمْ أي من الأجانب، و قد وقع الجاران و المجروران صفة للاثنان. و قوله: تَحْبِسُونَهُمٰا أي توقفونهما صفة للآخران، و الشرط مع جوابه المحذوف المدلول عليه بقوله: أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ اعتراض، و فائدة الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد منكم اثنان، فإن تعذر- كما في السفر- فآخران من غيركم. قال: و الأولى أن تَحْبِسُونَهُمٰا لا تعلق لها بما قبلها لفظا و لا محل لها من الإعراب، و المراد بالصلاة صلاة العصر لأنها وقت اجتماع صلاة الأعراب، و قيل أي صلاة كانت، و اللام للجنس. و قوله: لٰا نَشْتَرِي بِهِ هو المقسم عليه، و إِنِ ارْتَبْتُمْ أي ارتاب الوارث و هو اعتراض، و فائدته اختصاص الحكم بحال الريبة، و المعنى لا نستبدل بالقسم أو بالله غرضا من الدنيا، أي لا نحلف بالله كذبا لأجل نفع و لو كان المقسم له ذا قربى، و جوابه محذوف أي لا نستبدل قوله: فَإِنْ عُثِرَ أي اطلع عَلىٰ أَنَّهُمَا فعلا ما يوجب إثما فشاهدان آخران مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ من الورثة، و قرأ حفص اسْتَحَقَّ على البناء للفاعل، و الْأَوْلَيٰانِ أي الأحقان بالشهادة لقرابتهما، و هو خبر مبتدإ محذوف، أي هما الأوليان، أو خبر آخران، أو بدل منهما، أو من الضمير في يَقُومٰانِ. و قوله: لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا أي يميننا أصدق من يمينهما لخيانتهما و كذبهما في يمينهما، و إطلاق الشهادة على اليمين مجاز لوقوعها موقعها في اللعان. قوله: أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أي ترد اليمين على المدعين بعد إيمانهم فيفتضحون بظهور الخيانة و اليمين الكاذبة، و إنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم، قوله: أَ تَوٰاصَوْا بِهِ أي أوصى أولهم و آخرهم، و الألف للاستفهام، و معناه التوبيخ‌

440

و" الوصية" فعيلة من وصى يصي: إذا أوصل الشي‌ء بغيره، لأن الموصي يوصل تصرفه بعد الموت بما قبله، و في الشرع هي تمليك العين أو المنفعة بعد الوفاة أو جعلها في جهة مباحة. و أوصيت له بشي‌ء و أوصيت إليه: إذا جعلته وصيك، و الاسم" الوصاية" بالكسر و الفتح، و هي استنابة الموصي غيره بعد موته في التصريف فيما كان له التصرف فيه من إخراج حق و استيفائه أو ولاية على طفل أو مجنون يملك الولاية عليه. و أوصياء الأنبياء- كما جاءت به الرواية- هو شيث بن آدم وصي آدم، و سام بن نوح وصي نوح، و يوحنا بن حنان ابن عم هود وصي هود، و إسحاق بن إبراهيم وصي إبراهيم و يوشع بن نون وصي موسى، و شمعون بن حمون الصفا عم مريم وصي عيسى، و علي وصي محمد ص.

وَ فِي حَدِيثِ شَيْبَةَ الْجِنِّ الَّذِي يُسَمَّى بالهام بْنِ لَاقِيسَ بْنِ إِبْلِيسَ وَ قَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص: مِنْ وَجَدْتُمْ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ ص؟ فَقَالَ: إِلْيَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهُ اسْمُ غَيْرِ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ حَيْدَرَةَ، فَلَمْ تَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ هَيْدَرَةً، قَالَ: هُوَ حَيْدَرَةَ.

(وضا)

فِي الْحَدِيثَ

:" كَانَ ص إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ النَّاسُ مَا يَسْقُطُ مِنْ

وُضُوئِهِ

ليتوضئوا بِهِ"

هو بفتح الواو، اسم للماء الذي يتوضأ به، و منه‌

" إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ"

و يقال للمصدر أيضا كالولوغ. و قيل:" الوضوء" بالضم مصدر، و قيل: هما لغتان بمعنى واحد. و" الوضوء" بالضم، كل غسل و مسح يتعلق ببعض البدن بنية القربة، و أصله من" الوضاءة" و هي الحسن، يقال:" وضؤ الرجل" أي صار وضيئا، و منه" امرأة وضيئة" أي حسنة جميلة،

441

قال الشاعر:

مراجيح و أوجههم وضاء

أي حسنة زاهرة، و لا يقال:" توضيت"- قاله الجوهري.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" أَشَدُّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَرَى وُضُوءَهُ عَلَى جِلْدِ غَيْرِهِ"

(1)

أي مسح وضوئه، كأنه يعني المسح على الخفين. و قد يطلق الوضوء على الاستنجاء و غسل اليد، و هو شائع فيهما، و من الأول حديث اليهودي و النصراني حيث‌

قَالَ فِيهِ

:" وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَبُولُ وَ لَا

يَتَوَضَّأُ

"

أي لا يستنجى‌ء، و من الثاني حديثهما في المؤاكلة حيث‌

قَالَ

:" إِذَا أَكَلَ طَعَامِكَ وَ تَوَضَّأَ فَلَا بَأْسَ"

و المراد به غسل اليد. قال بعض الأفاضل: و في ظاهره دلالة على طهارة اليهودي و النصراني لإطلاق النص، و هو كما قال و منه صريحا:

" مِنْ غَسَلَ يَدَهُ فَقَدْ تَوَضَّأَ"

و‌

مِنْهُ

:" صَاحِبُ الرَّجُلِ يَشْرَبُ أَوَّلَ الْقَوْمِ وَ يَتَوَضَّأُ آخِرَهُمْ".

و منه‌

الْخَبَرَ

:"

تَوَضَّئُوا

مِمَّا غَيْرَتِهِ النَّارِ"

أي نظفوا أيديكم و أفواهكم من الزهومة، و كان جماعة من الأعراب لا يغسلونها و يقولون فقرها أشد من ريحها. و منه:

" الْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْهَمَّ"

(2)

و نحو ذلك.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

وَضَّأْتُ

أَبَا جَعْفَرٍ (ع)

بتشديد الضاد أي ناولته ماء للوضوء أو صببت الماء على يده ليتوضأ، و لعله من ضرورة. و مثله:

" وَضَّأْتُ النَّبِيِّ ص".

وَ فِي الْحَدِيثَ أَيْضاً

:" فَدَعَا

بالميضاة

"

و هي بالقصر و كسر الميم و قد تمد: مطهرة كبيرة يتوضأ منها، و وزنها مفعلة و مفعالة، و الميم زائدة. و" المتوضأ" بفتح الضاد: الكنيف و المستراح و الحش و الخلاء.

____________

(1). من لا يحضر ج 1 ص 30.

(2). الكافي ج 6 ص 290.

442

(وطا)

قوله تعالى: إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً [73/ 6] بفتح واو و سكون طاء و قصر، أي هي أوطأ للقيام و أسهل للمصلي من ساعات النهار، لأن النهار خلق لتصرف العباد فيه و الليل خلق للراحة و النوم و الخلو من العمل، فالعبادة فيه أسهل، و يقال: أَشَدُّ وَطْئاً أي أشد على المصلي من صلاة النهار، لأن الليل خلق للنوم فإذا أريد به غير ذلك ثقل على العبد ما يتكلفه فيه و كان الثواب أعظم من هذه الجهة، و قرى‌ء أشد وطاء بالكسر و المد، أي مواطأة، أي أجدر أن يواطى‌ء اللسان القلب للعمل. قوله تعالى: لِيُوٰاطِؤُا عِدَّةَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ [9/ 37] أي ليوافقوا، من المواطأة: الموافقة و المماثلة. قوله تعالى: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ [48/ 25] أي تقعوا بهم و تبيدوهم و تنالوهم بمكروه، من" الوطء" الذي هو الإيقاع و الإبادة، يقال:" وطأهم العدو" إذا نكأ فيهم. قوله تعالى: طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ [20/ 1- 2]

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ

:" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:

طه

"- الْآيَةِ

(1)

.

و" وطئه" بالكسر يطؤه وطاءة، و وطؤ ككرم يوطؤ وطاءة أي صار وطيئا، و وطأته توطئة. و أوطأه فرسه: حمله عليه. و" الوطاء" ككتاب و سحاب: خلاف الغطاء.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" اللَّهُمَّ اشْدُدْ

وَطْأَتَكَ

عَلَى مُضَرَ"

أي خذهم أخذا شديدا. و فيه:

" أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقاً الْمُوَطَّئُونَ

____________

(1). البرهان ج 3 ص 29.

443

أَكْنَافاً"

(1)

هو بفتح الطاء من التوطئة: التذليل و التمهيد، يقال:" دابة وطية" لا تحرك راكبها، و" فراش وطي" لا يؤذي جنب النائم، و الأكناف: الجوانب، و معناه: من جوانبهم وطئة يتمكن فيها من يصاحبهم و لا يتأذى. و وطأت المكان: جعلته وطيا.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَلِكَ الْمُرَادُ، وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ وَ ذري رِيَاحٍ وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامَةٍ اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفِّقُهَا وَ عَفَا فِي الْأَرْضِ مخطها"

و تفسيره الوطأة بالكون: موضع القدم، و المزلة: المكان الدحض أعني موضع الزلل و الخطر، و الإشارة بهذه المزلة إلى الدنيا لأنها موضع الزلل و الخطر، و يراد بثبات القدم الإقامة على طرق الحق و الهداية، و بالدحض العكس من ذلك، و يكون المعنى تثبت القدم في موضع تزل فيه الأقدام غالبا فذاك المراد المطلوب و إن تدحض و تزلق عن ذلك المكان فإنا كنا ... إلخ، يعني فبتقصير منا و غفلة عما أريد بنا و شغل بشهوات أنفسنا و لذاتنا، كحب التفيؤ بالأغصان و نحو ذلك، و لعل هذا من باب التعريض بالغير، إذ لا يناسب مثله في حال الإمام (ع).

وَ عَنْهُ (ع)

:" لَا وُضُوءَ مِنْ موطأة"

يعني مما تطأ عليه برجلك، و المراد بالوضوء هنا الغسل. و وطئ الرجل امرأته: جامعها، و هي موطوءة. و واطأته على الأمر: وافقته عليه.

(وعا)

قوله تعالى: وَ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا يُوعُونَ [84/ 23] أي يضمرون و يجمعون في‌

____________

(1) في الكافي ج 2 ص 102 عن النبي (ص):" أفاضلكم أحسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا ..." و في النهاية (وطأ):" و أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا ...".

444

صدورهم من التكذيب بالنبي، كما يوعى المتاع في الوعاء: إذا جعل فيه. قوله تعالى: وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ [69/ 12] أي تحفظها أذن حافظة، من قولك:" وعيت العلم" إذا حفظته.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ص

:" هِيَ أُذُنُكَ يَا عَلِيُّ".

و فيه:

" خَيْرٌ الْقُلُوبِ

أوعاها (1)

"

أي أحفظها للعلم و أجمعها. و فيه:

" الْمَوْعِظَةِ كَهْفٌ لِمَنْ

وَعَى

"

أي حفظ. و" الوعي" بتشديد الياء: الحافظ الكيس الفقيه العالم. و فيه:

" لَا تَنْسَوُا الْمَقَابِرِ وَ الْبِلَى وَ الْجَوْفَ وَ مَا وَعَى"

أراد بالجوف البطن و الفرج و هما الأجوفان، و‌

" مَا

وَعَى

"

أي ما يدخل إليه من الطعام و الشراب و يجمع فيه، و قيل: أراد بالجوف القلب و ما وعى ما حفظ من معرفة الله تعالى. و" الوعاء" بالفتح و قد يضم، و" الإعاء" بالهمز واحد الأوعية و هو الظرف، و منه‌

حَدِيثٍ عَلِيٍّ (ع)

:" لَوْ وَجَدْنَا

أَوْعِيَةً

أَوْ مُسْتَرَاحاً لَقُلْنَا"

أي قلوبا تحفظ الحق و تعقله.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ قَلْباً

وَعَى

الْقُرْآنِ"

أي عقل القرآن إيمانا به و عملا، فأما من حفظ ألفاظه و ضيع حدوده فإنه غير واع له. و الواعية: الصراخ على الميت.

(وفا)

قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [32/ 11] أي يقبض أرواحكم أجمعين فلا يبقى منكم أحد. قوله تعالى: يٰا عِيسىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ [3/ 55] أي مستوف أجلك، و معناه إني عاصمك من أن تصلبك الكفار و مؤخرك إلى أجل أكتبه لك و مميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم و رافعك إلى سمائي، و‌

قِيلَ

أَرَادَ بِقَوْلِهِ:

مُتَوَفِّيكَ

يَعْنِي قابضك مِنْ الْأَرْضِ

، من" توفيت مالي" قبضته. و‌

قِيلَ

:

____________

(1). نهج البلاغة 3/ 186.

445

أَرَادَ

بالتوفي

النَّوْمِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ رَفَعَ نَائِماً.

قوله تعالى: يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [39/ 42] أي يميتها. و اعلم أن النفس التي تتوفى وفاة الموت هي التي يكون فيها الحياة و الحركة و هي الروح، و النفس التي تتوفى في النوم هي النفس المميزة العاقلة، فهذا الفرق بين النفسين. قوله تعالى: مَنْ كٰانَ يُرِيدُ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا [11/ 15] قال الشيخ أبو علي: أي نوصل إليهم و نوفر عليهم أجور أعمالهم من غير بخس في الدنيا، و هو ما يرزقون فيها من الصحة، و قيل هم أهل الرياء، وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا أي صنعهم فِيهٰا في الآخرة، يعني لم يكن لصنيعهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة و إنما أرادوا الدنيا و قد وفي إليهم ما أرادوا، و بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ أي عملهم كان في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل للوجه الصحيح الذي هو ابتغاء وجه الله فلا ثواب يستحق عليه و لا أجر. قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ- الآية [76/ 7] قال بعض الأفاضل: الآية قد تضمنت المدح بالوفاء بالنذر و النذر سبب نزولها باتفاق الأمة.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

أَنْ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنِ (ع) مَرَضاً فَعَادَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) فِي أُنَاسٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ لَوْ نَذَرْتَ عَلَى وَلَدَيْكَ، فَنَذَرَ عَلِيِّ وَ فَاطِمَةَ وَ فِضَّةٍ جاريتهما صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنْ شفيا، فشفيا وَ مَا مَعَهُمْ شَيْ‌ءٌ فَاسْتَقْرَضَ عَلِيِّ مِنْ شَمْعُونُ الْخَيْبَرِيِّ ثَلَاثَ أَصْوُعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَ طَحَنَتْ فَاطِمَةَ (ع) صَاعاً وَ اخْتَبَزَتْ خَمْسَةَ أقراص، فوضعوها بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ليفطروا فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ مِسْكِينٍ فآثروه وَ بَاتُوا لَمْ يذوقوا إِلَّا الْمَاءِ فَأَصْبَحُوا صِيَاماً، فَلَمَّا أَمْسَوْا وَ وَضَعُوا الطَّعَامِ وَقَفَ عَلَيْهِمْ يَتِيمٍ فآثروه ثُمَّ وَقَفَ عَلَيْهِمْ فِي الثَّالِثَةِ أَسِيرٍ فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ بِهَذِهِ السُّورَةِ وَ قَالَ: خُذْهَا يَا مُحَمَّدِ هَنَّأَكَ اللَّهِ فِي أَهْلِ

446

بيتكها

(1)

.

قوله تعالى: وَ إِبْرٰاهِيمَ الَّذِي وَفّٰى [53/ 37] أي‌

وَفَى سِهَامِ الْإِسْلَامِ أمتحن بِذَبْحِ ابْنِهِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ وَ صَبَرَ عَلَى عَذَابِ قَوْمِهِ وَ اخْتَتَنَ فَصَبَرَ عَلَى مضضه، فَقَدْ وَفَى حُدُودِ مَا أَمَرَ بِهِ

، و قيل: وَفّٰى بمعنى وفى لكنه آكد‌

وَ فِي الْحَدِيثَ

: سُئِلَ (ع) مَا مَعْنَى

وَ إِبْرٰاهِيمَ الَّذِي وَفّٰى

؟ قَالَ: كَلِمَاتٍ بَالَغَ فِيهِنَّ قُلْتُ: وَ مَا هُنَّ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: أَصْبَحْتُ وَ رَبِّي مَحْمُودٌ أَصْبَحْتَ وَ لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لَا أَدْعُو مَعَهُ إِلَهاً وَ لَا أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ وَلِيّاً- ثَلَاثاً

(2)

.

قوله تعالى: إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ [83/ 2] من قولهم:" استوفيت عليه الكيل" أخذته منه تماما وافيا، و" على" هذا بمعنى" من" و أوفيته: أتممته، قال تعالى: وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذٰا كِلْتُمْ [17/ 35] و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [5/ 1]. و الوفاء ضد الغدر، يقال:" وفى بعهده" إذا لم يغدر. قوله تعالى: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا وَ الصّٰابِرِينَ [2/ 177] رفع الْمُوفُونَ عطفا على مَنْ آمَنَ، و نصب الصّٰابِرِينَ على المدح. قيل: و يدخل في الوفاء بالعهد النذر و كلما التزمه المكلف من الأعمال،

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ

فليكن آخر قوله: سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ. وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و المكيال الأوفى عبارة عن نيل الثواب الوافي. و الوفاة: الموت. و توفاه الله: قبض روحه. و وافى فلان: أتى. و وافيته موافاة: أتيته، و مثله وافيت القوم.

وَ فِي حَدِيثٍ الْحَجَرِ

:" فَاشْهَدْ لِي

____________

(1). انظر البرهان ج 4 ص 451 و الدّرّ المنثور ج 6 ص 299.

(2). البرهان ج 4 ص 254.

447

بِالْمُوَافَاةِ

"

(1)

.

أي بالإتيان إليك و إقراري بالعهد الذي أودعتك إياه. و فيه:

" الْحَجَرِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ

بِالْمُوَافَاةِ

"

(2)

أي بالحضور عنده و المجي‌ء إليه.

وَ فِي حَدِيثٍ الْأَئِمَّةِ

:" إِنْ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ مِنْ شِيعَتِنَا الْمِيثَاقَ كَمَا أَخَذَ عَلَى بَنِي آدَمَ

أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ

فَمَنْ وَفَى لَنَا وَفَى اللَّهُ لَهُ بِالْجَنَّةِ"

قال بعض المستبصرين: وقع التصريح عنهم (ع) بأن فعل الأرواح في عالم الأبدان موافق لفعلهم في يوم الميثاق، و المراد من" وفى لنا" في عالم الأرواح و عالم الأبدان بما كلفه الله من التسليم لنا" وفى الله له بالجنة".

وَ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ

: أَحْصَيْتُ لِعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ مَنْ

وَافَى

عَنْهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةٍ وَ خَمْسِينَ رَجُلًا

، أي حج عنه هذا العدد (3) و في الدروس: قد أحصي في عام واحد خمسمائة و خمسون رجلا يحجون عن علي بن يقطين أقلهم سبعمائة دينار و أكثرهم عشرة آلاف. قال بعض المتبحرين: لا يخفى أن قوله:" أقلهم" و" أكثرهم" يحتمل أن يراد أقل ما يعطي أحدهم و أكثره، أو الأقل منهم و الأكثر، و كيف كان فلو جعلنا لبعضهم العدد الأقل و لبعضهم الأكثر لصار المبلغ مقدارا كليا لا تفي به خزانة كثير من ملوك زماننا هذا،

____________

(1) في الكافي ج 4 ص 404" لتشهد عندك لي بالموافاة"

(2). الكافي ج 4 ص 406.

(3). انظر الخبر في رجال الكشي ص 238، ولد علي بن يقطين بن موسى البغدادي سنة 124 و توفي سنة 182، روى الحديث عن أبي عبد الله و أبي الحسن موسى (ع). انظر رجال النجاشي ص 209 و الفهرست للطوسي ص 116 و قد ذكر الكشي أحاديث كثيرة تدل على عظمة الرجل و منزلته الرفيعة عند الأئمة و الشيعة الإمامية مع أنه كان في خدمة السفاح و المنصور- فراجع.

448

مع أن ما ينفق في الحج المستحب فعلمه بحسب التخمين عشر باقي الصدقات من الزكوات و الأخماس و الإنعامات و نحوها، فإذا كان عشر تصدقاته في سنة واحدة هذا المقدار العظيم فما ظنك في جميع خرجه في كل السنة، و أعجب من ذلك أن كل هذا من الحلال، فإن الرجل ثقة لا يقرب الحرام، و ظني أن الكاظم (ع) كان قد أحل له التصرف في الخراج، و هو- رضي الله عنه- جعل أجرة الحج وسيلة لدفع مثل هذا المال للشيعة لئلا يطعن عليه أعداؤه. و فيه:

" الدِّرْهَمِ

الْوَافِي

"

و المراد به التام الذي لا نقصان فيه. و استوفى حقه: إذا أخذه وافيا تماما.

(وقا)

قوله تعالى: اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ [3/ 102] قال الشيخ أبو علي فيه وجوه ثلاثة: (أحدها)- و هو أحسنها-

أَنْ مَعْنَاهُ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَ يُشْكَرُ فَلَا يُكْفَرُ وَ يُذْكَرُ فَلَا يُنْسَى،

وَ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) (1)

و (ثانيها) اتقاء جميع معاصيه- عن أبي علي الجبائي. و (ثالثها) أنه المجاهدة في الله و أن لا تأخذه في الله لومة لائم و أن يقام له بالقسط في الخوف و الأمن- عن مجاهد. ثم اختلف فيه على قولين: (أحدهما)

أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

فَاتَّقُوا اللّٰهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

-

عَنْ قَتَادَةَ وَ الرَّبِيعُ وَ السُّدِّيِّ، وَ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) (2)

و (الآخر)

أَنَّهُ غَيْرِ مَنْسُوخٌ-

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ طَاوُسٌ

. و أنكر الجبائي نسخ الآية لما فيه من أباحه بعض المعاصي قال الرماني: و الذي عندي أنه إذا وجه قوله تعالى: اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ على أن تقوموا له بالحق و الخوف و الأمن: فلم يدخل عليه ما ذكره أبو علي، لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله على كل حال ثم أباح ترك الواجب‌

____________

(1). البرهان ج 1 ص 305.

(2). المصدر السابق نفسه

449

عند الخوف على النفس، كما قال تعالى: إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ. و قال في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللّٰهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ما أطقتم. و الاتقاء: الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى، و لا تنافي بين هذا و بين قوله تعالى: اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ لأن كل واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي، فمن فعل فقد اتقى عقاب الله، لأن من لم يفعل قبيحا و لا أخل بواجب فلا عقاب عليه، إلا أن في أحد الكلامين تنبيها على أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق، و كل أمر أمر الله به فلا بد أن يكون مشروطا بالاستطاعة. ثم حكى ما قاله قتادة من أنه ناسخ لقوله: اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ ثم قال: و الصحيح أنه مبين لا ناسخ. قوله تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوىٰ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [74/ 56] أي أنا أهل أن أتقي إن عصيت و أنا أهل أن أغفر. قوله تعالى: وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [92/ 17] أي التقي الخائف الذي يخشى الله في الغيب و يجتنب المعاصي و يتوقى المحرمات، أي و سيجنب النار الأتقى البالغ في التقوى الذي ينفق ماله في سبيل الله وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ أي و لم يفعل ما فعله لنعمة أسديت إليه يكافى‌ء عليها و لا ليد يتخذها عند أحد إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه و هو النعمة، أي ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقوله:" ليس في الدار أحد إلا حمارا" و يجوز أن يكون مفعولا له، لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء الثواب وَ لَسَوْفَ يَرْضىٰ بما يعطى من الثواب و الخير. قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ [65/ 2]

رُوِيَ

أَنَّهَا لِمَا نَزَلَتْ انْقَطَعَ رِجَالٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي بُيُوتِهِمْ وَ اشْتَغِلُوا فِي الْعِبَادَةِ وفوقا بِمَا ضُمِنَ لَهُمْ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ (ص) ذَلِكَ فَعَابَ مَا فَعَلُوهُ وَ قَالَ:

450

" إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَّجُلِ فأغرا فَاهُ إِلَى رَبِّهِ وَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، وَ يَتْرُكُ الطَّلَبِ"

(1)

.

قوله تعالى: أَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19/ 18] أي تخاف الله و تتقيه. قوله تعالى: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّٰادِ التَّقْوىٰ [2/ 197] هي طاعة الله تعالى و عبادته و خشية الله و هيبته.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" يَا حُسْنِ أَحْسَنَ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ التَّقْوَى وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ".

قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [9/ 108] يريد به مسجد قبا (2) و هو [أول] (3) مسجد أسسه رسول الله ص (4). قوله تعالى: فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [22/ 32] أي تعظيم شعائر الله من أفعال ذوي تقوى القلوب، و إنما ذكرت القلوب لأنها أماكن التقوى فإن تمسكت فيها ظهر أثرها في الجوارح.

____________

(1). هذا الحديث مذكور في من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 119 باختلاف في الألفاظ.

(2)." القباء" جاء ممدودا في أحاديث في الكافي ج 4 ص 560 و معجم ما استعجم ص 1045 و لسان العرب (قبا) و الصحاح (قبا)، و مقصورا جاء في مراصد الاطلاع ص 1061 و 1268 و في الجبال و الأمكنة و المياء ص 90 و في القاموس: و قباء بالضم و يذكر و يقصر موضع قرب المدينة و موضع بين مكة و البصرة، و بالقصر بلد بفرغانة.

(3). الزيادة من مراصد الاطلاع ص 1268.

(4) جاء في حديث عن أبي عبد الله (ع) مذكور في الكافي ج 4 ص 560 أنه أول مسجد صلى فيه رسول الله (ص) في المدينة.

451

قوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ [73/ 17] أي كيف يكون بينكم و بين العقاب وقاية إذا جحدتم. قوله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً [66/ 6]

سُئِلَ الصَّادِقُ (ع) عَنْ ذَلِكَ كَيْفَ نَقِيهِنَّ؟ فَقَالَ: إِذَا أَمَرْتُمُوهُنَّ وَ نَهَيْتُمُوهُنَّ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَيْكُمْ

(1)

.

و التقوى في الكتاب العزيز جاءت لمعان: الخشية و الهيبة و منه قوله تعالى: وَ إِيّٰايَ فَاتَّقُونِ [2/ 41]. و الطاعة و العبادة و منه قوله تعالى: اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ [3/ 102]. و تنزيه القلوب عن الذنوب، و هذه- كما قيل- هي الحقيقة في التقوى دون الأولين، قال تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللّٰهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰائِزُونَ [24/ 52] قال الشيخ أبو علي في وَ يَتَّقْهِ قرى‌ء بكسر القاف و الهاء مع الوصل و بغير وصل بسكون الهاء و بسكون القاف و كسر الهاء، شبه بكتف فخفف. قوله تعالى: وَ مٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مِنْ وٰاقٍ [13/ 34] أي دافع. قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذٰابِ [39/ 24] لأنه إذا ألقي في النار مغلولة يداه فلا يتهيأ له أن يتوقى النار إلا بوجهه. قوله تعالى: عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اللّٰهِ [9/ 109] قال في" ف": فإن قلت: فما وجه ما روي عن سيبويه عن عيسى بن عمر عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اللّٰهِ بالتنوين؟ قلت: قد جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث كسترى فيمن نون ألحقها بجعفر- انتهى. و كلمة" التقوى" فسرت بلا إله إلا الله. و التقوى فعلى كنجوى، و الأصل فيه" وقوى" من وقيته: منعته،

____________

(1). البرهان ج 4 ص 354.

452

قلبت الواو تاء و كذلك تقاة و الأصل وقاة، قال تعالى: إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً [3/ 28] أي اتقاء مخافة القتل، و جمع التقاة" تقى" كطلى للأعناق، و قرى‌ء تُقٰاةً. و التقية و التقاة اسمان موضوعان موضع الاتقاء. و قولهم:" اتقاه بحقه" أي استقبله به فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية من المطالبة.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" كَانَ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسِ" أَيُّ اشْتَدَّ الْحَرْبِ"

اتقينا

بِرَسُولِ اللَّهِ (ص)"

أي جعلناه وقاية لنا من العدو. و" رجل تقي" أصله وقي فأبدلت الواو تاء. و أتقي أصله أوتقي فقلبت و أدغمت.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ

اتَّقَى

عَلَى ثَوْبِهِ فِي صَلَاتِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ اكْتَسَى"

أي خاف عليه و منعه من أن يبذله للصلاة.

وَ

" التَّقِيِّ

" اسْمُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوَادِ (ع) لِأَنَّهُ اتَّقَى اللَّهِ فَوَقَاهُ شَرِّ الْمَأْمُونِ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَ هُوَ سَكْرَانَ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَوَقَاهُ اللَّهِ شَرَّهُ

(1)

.

و التوقي: التجنب، و منه‌

" يَتَوَقَّوْنَ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ".

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" تَوَقَّوُا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ وَ تَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ

(2)

"

قال بعض شراح الحديث: أما توقيته في أوله فلان البرد الخريفي يرد على أبدان قد استعدت لفعله بحرارة الصيف و يلبسه و ما يستلزمانه من التحلل، فلذلك يكون قهره للفاعل الطبيعي و ضعف الحار الغريزي و حدوث ما يحدث من اجتماع البرد و اليبس اللذين هما طبيعة الموت من ضمور الأبدان و ضعفها، و أما تلقيه في آخره- و هو آخر الشتاء و أول الربيع- فلاشتراك الزمانين في الرطوبة التي هي مادة الحياة‌

____________

(1). انظر تفصيل القصة في المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 428.

(2). نهج البلاغة 3/ 180.

453

و انكسار سورة برد الشتاء بحرارة الربيع و اعتداله، فيقوى لذلك الحر الغريزي و تنتعش الأبدان، و يكون بذلك نموها و قوتها. و اتقاء الصيد: عدم قتله. و اتقاء النساء: عدم وطيهن لا غير. و وقاه الله وقاية بالكسر: حفظه، و منه‌

" اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ

وِقَايَةً

لِمُحَمَّدِ (ص)"

أي حفظا له. و الوقاية التي أيضا للنساء، و" الوقاية" بالفتح لغة. و" الوقاء" بالكسر و الفتح: ما وقيت به شيئا. و" الأوقية" بضم فسكون و ياء مشددة: أربعون درهما، قال الجوهري: و كذلك كان فيما مضى، فأما اليوم فيما يتعارفها الناس و يقدر عليه الأطباء فالأوقية عندهم وزن عشرة دراهم و خمسة أسباع درهم و هو أستار و ثلثا أستار و الجمع" الأواقي" مثل أثفية و أثافي، و إن شئت خففت الياء في الجمع. و في المغرب- نقلا عنه الأوقية هي أفعولة من الوقاية، لأنها تقي صاحبها من الضر، و قيل فعلية من الأوق: الثقل، و الجمع" الأواقي" بالتشديد و التخفيف، و الأوقية عند الأطباء وزن عشرة مثاقيل و خمسة أسباع درهم، و هو أستار و ثلثا أستار.

(وكا)

قوله تعالى: مُتَّكَأً [12/ 31] أي نمرقا يتكأ عليه، و قيل مجلسا يتكأ عليه، و قيل طعاما. قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ [55/ 54] أي قاعدين كالملوك عَلىٰ فُرُشٍ بَطٰائِنُهٰا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْعَيْنِ وِكَاءً السِّتَّةِ"

الوكاء بالكسر و المد: خيط يشد به السرة و الكيس و القربة و نحوها. و يتم الكلام في ستت إن شاء الله تعالى.

وَ فِي الْخَبَرَ

:"

أوكئوا

السَّقَّاءِ"

أي شدوا رأسه بالوكاء لئلا يدخله حيوان أو يسقط فيه شي‌ء. و فيه أيضا:

" لَا تَشْرَبُوا إِلَّا مِنْ ذِي

454

إكاء

"

أي وكاء. و فيه:

" لَوْ كَانَتْ لِأَلْسِنَتِكُمْ أَوْكِيَةٌ لَحَدَّثْتُ كُلِّ امرى‌ء بِمَا لَهُ وَ عَلَيْهِ".

و" أوك حقك" يعني اسكت و لا تتكلم. و" التكأة" بضم التاء و التحريك: ما يتكأ عليه، و منه‌

حَدِيثٍ أَهْلِ الْبَيْتِ

:" إِنَّهُمْ- يَعْنِي الْمَلَائِكَةُ- لَيُزَاحِمُونَّا عَلَى تُكَأَتِنَا"

(1)

.

و رجل تكأة بمعنى كثير الاتكاء. و اتكى على الشي‌ء فهو متك، و الموضع متكأ. و توكأت على العصا: اعتمدت عليها.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) مُتَّكِئاً مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ قُبِضَ"

(2)

قال بعض الشارحين: المتكي في العربية كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا منه، و العامة تطلق المتكي على من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه، و أصله من" الوكاء" كأنه أوكى مقعدته و شدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، و معنى الحديث أنه إذا أكل لم يقعد متكأ فعل من يريد الاستكثار من الأكل و لكن يأكل بلغته، فكان جلوسه مقعيا غير مربع و لا متمكن، و ليس المراد منه الميل على أحد الشقتين لينحدر في مجاري الطعام سهلا كما ظنه أعوام الطلبة- انتهى. و قال بعض الأفاضل: يكره الأكل متكئا و لو على كفه حملا للاتكاء على الميل في القعود مطلقا، مستدلا عليه بقوله:

لِأَنَّ النَّبِيَّ (ص) مَا أَكَلَ مُتَّكِئاً مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ

و هي محل النزاع، اللهم إلا أن يحمل الاتكاء على ما يفهم من العرف العام، أعني الميل في القعود مع ثبوت النهي عن الاتكاء على اليد، كيف‌

وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الصَّادِقِ (ع) فِي حَدِيثٍ قَالَ فِي آخِرِهِ

:" لَا وَ اللَّهِ مَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ

____________

(1). الكافي ج 1 ص 394.

(2). مكارم الأخلاق ص 27.

455

هَذَا قَطُّ"

(1)

يعني الاتكاء على اليد حالة الأكل، و ربما حملت الرواية على أنه لم ينه عنه لفظا و حمل فعل الصادق (ع) على بيان جوازه، و فيه تكلف.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا تَتَّكِ فِي الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُذِيبُ شَحْمَ الْكُلْيَتَيْنِ"

(2)

و لعله من الاتكاء و هو الميل في القعود. و الله أعلم.

(ولا)

قوله تعالى: فَتَوَلّٰى بِرُكْنِهِ [51/ 39] أي أعرض بجانبه. قوله تعالى: أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ [3/ 68] يعني أحقهم منه به و أقربهم منه، من" الولي" و هو القرب. قوله تعالى: هُنٰالِكَ الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ [18/ 44] هي بالفتح: الربوبية، يعني يومئذ يتولون الله و يؤمنون به و يتبرءون مما كانوا يعبدون. و الولاية أيضا: النصرة، و بالكسر: الإمارة، مصدر وليت، و يقال: هما لغتان بمعنى الدولة. و في النهاية: هي بالفتح: المحبة، و بالكسر: التولية و السلطان، و مثله" الولاء" بالكسر- عن ابن السكيت. قوله تعالى: مٰا لَكُمْ مِنْ وَلٰايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ [8/ 72] أي من توليتهم في الميراث، و كان المهاجرون و الأنصار يتوارثون بالهجرة و النصرة دون الأقارب حتى نسخ بآية أولي الأرحام. و الولي: الوالي، و كل من ولي أمر أحد فهو وليه. و الولي هو الذي له النصرة و المعونة. و الولي الذي يدير الأمر، يقال:" فلان ولي المرأة" إذا كان يريد نكاحها. و ولي الدم: من كان إليه المطالبة بالقود. و السلطان ولي أمر الرعية، و منه قول الكميت في حق علي بن أبي طالب‌

____________

(1). الكافي ج 6 ص 271.

(2). الكافي ج 6 ص 501.

456

ع (1)

و نعم ولي الأمر بعد وليه * * * و منتجع التقوى و نعم المقرب

قَوْلِهِ تَعَالَى:

إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ

[5/ 55] نَزَلَتْ فِي حَقٌّ عَلِيٍّ (ع) عِنْدَ الْمُخَالِفِ وَ الْمُؤَالِفُ حِينَ سَأَلَهُ سَائِلٌ وَ هُوَ رَاكِعٌ فِي صَلَاتِهِ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنَى فَأَخَذَ السَّائِلِ الْخَاتَمَ مِنْ خِنْصِرِهِ

(2)

،

وَ رَوَاهُ الثَّعْلَبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ

.

قال الشيخ أبو علي: و الحديث طويل و فيه‌

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ

:" اللَّهُمَّ

اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي

...

وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي

عَلِيّاً

أَخِي اشْدُدْ بِهِ

ظَهْرِي" قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فوالله مَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَئِيلُ (ع) فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اقْرَأْ:

إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ

الآية. قال: المعنى: الذي يتولى تدبيركم و يلي أموركم اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الذين هذه صفاتهم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ. قال الشيخ أبو علي: قال جار الله: إنما جي‌ء به على لفظ الجمع- و إن كان السبب فيه رجلا واحدا- ليرغب الناس في مثل فعله و لينبه أن سجية المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر و الإحسان. ثم قال الشيخ أبو علي: و أقول: قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع للتعظيم فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه، فهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي (ع) بعد النبي (ص) بلا فصل (3)

____________

(1). انظر الهاشميات ص 136.

(2). انظر تفصيل القصة و الأحاديث المروية فيها في البرهان ج 1 ص 479- 485 و الدر المنثور ج 2 ص 293.

(3). انظر مجمع البيان ج 2 ص 210.

457

و‌

نَقَلَ

أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنْ كَفَرْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ كَفَرْنَا بِسَائِرِهَا وَ إِنْ آمِناً صَارَتْ فِيمَا يَقُولُ وَ لَكِنَّا نَتَوَلَّى وَ لَا نُطِيعُ عَلِيّاً فِيمَا أَمَرَ فَنَزَلَتْ

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهٰا (1)

.

قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [33/ 6]

رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

:" إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْإِمْرَةُ"

(2)

يعني في الإمارة، أي هو (ص) أحق بهم من أنفسهم حتى لو احتاج إلى مملوك لأحد هو محتاج إليه جاز أخذه منه. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" النَّبِيِّ (ص) أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ وَ كَذَا عَلِيِّ مِنْ بَعْدِهِ"

و تفسيره أن الرجل ليست له على نفسه ولاية إن لم يكن له مال و ليس له على عياله أمر و نهي إذا لم يجر عليهم النفقة، و النبي (ص) و علي (ع) و من بعدهما لزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم. قوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ [8/ 75] أي من المهاجرين و غيرهم إِلّٰا أَنْ تَفْعَلُوا إِلىٰ أَوْلِيٰائِكُمْ مَعْرُوفاً أي إلى أصدقائكم من المؤمنين معروفا، و عدي الفعل بإلى لتضمنه معنى الإسداء. قوله تعالى: وَ كَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّٰالِمِينَ بَعْضاً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ [6/ 129] قال المفسر: الكاف في وَ كَذٰلِكَ للتشبيه، و المعنى أنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن و الإنس بعضهم إلى بعض و تبرأنا منهم فكذلك نكل الظالمين بعضهم إلى بعض يوم القيامة و نكل الأتباع إلى المتبوعين ليخلصوهم من العذاب.

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

: إِذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ وَلِيُّ أَمَرَهُمْ خِيَارِهِمْ وَ إِذَا سَخِطَ عَلَى قَوْمٍ وَلِيُّ أَمَرَهُمْ شِرَارَهُمْ

(3)

.

____________

(1). البرهان ج 2 ص 378.

(2). البرهان ج 3 ص 291.

(3). مجمع البيان ج 2 ص 366.

458

قوله تعالى: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [17/ 111] الولي ما يقوم مقامه في أمور تختص به لعجزه، كولي الطفل و المجنون، فيلزم أن يكون محتاجا إلى الولي، و هو محال لكونه غنيا مطلقا. و أيضا إن كان الولي محتاجا إليه تعالى لزم الدور المحال و إلا كان مشاركا له، و إنما قيده بكونه من الذل لأنه لم يكن وليا في الحقيقة بل من الأسباب، و هو تعالى مسبب الأسباب. و قد مر في (نفا) ما ينفع هنا. قوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتٰابِي هٰذٰا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ [27/ 28] أي تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولون بمسمع منك فانظر ما يردون عليك من الجواب. و قيل: فيه تقديم و تأخير، و المعنى اذْهَبْ بِكِتٰابِي هٰذٰا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ .... فَانْظُرْ مٰا ذٰا يَرْجِعُونَ .... ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ. قوله تعالى: لٰا يَأْلُونَكُمْ خَبٰالًا [3/ 118] أي لا يقصرون في إفساد حالكم. قوله تعالى: أَوْلىٰ لَكَ فَأَوْلىٰ* [75/ 34] هو تهديد و وعيد، أي قد وليك شر فاحذره.

وَ عَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ:" يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى

: بُعْداً لَكَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا بُعْداً لَكَ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ"

(1)

.

قوله تعالى: فَأَوْلىٰ لَهُمْ [47/ 20] هو وعيد بمعنى فويل لهم، و هو أفعل من ولي و هو القرب، أي وليهم و قاربهم ما يكرهون. قوله تعالى: يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ [2/ 226] أي يحلفون على ترك وطي أزواجهم من" الألية" و هي اليمين، و كانت العرب في الجاهلية يكره الرجل منهم المرأة و يكره أن يتزوجها أحد فيحلف أن لا يطأها أبدا و لا يخلي سبيلها إضرارا بها، فتكون معلقة حتى يموت أحدهما، فأبطل الله تعالى ذلك‌

____________

(1). البرهان ج 4 ص 409.