الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
455

من القسم الابتدائي، و كان له كتاب ألفه في هذا المجال، و سماه «نفحة الريحان في علم البيان»، و كان الكتاب يحوي مباحث كثيرة دقيقة، و لكنه لم ينح فيه هذا المنحى التجديدي الممتع الذي لمسناه فيما بعد في «نشأة النحو».

و للشيخ الطنطاوي عدا ذلك كتابه «تصريف الأسماء»، الذي أشهد أنه يجب دراسته في أقسام الدراسات العليا لا في الفصول الدراسية في الكلية نفسها .. و له كذلك مقالات كان ينشرها في مجلة «رسالة الإسلام» التي تصدرها دار التقريب، و التي لا يطلع عليها أحد، و ما كان أجدره أن ينشر هذه المقالات في كتاب ليتسنى للناس أن يقفوا على علم الرجل و سعة إطلاعه ..

أما حياة الشيخ فبسيطة بساطة نفسه و أخلاقه، و لكنها حياة كبيرة بمغزاها و أثرها ..

ولد الشيخ في 7 سبتمبر 1895 ببلدة أكوة الحضة مركز تلا منوفية من أسرة متدينة محافظة تعيش في الريف عيشة الهدوء و الاستقامة، و مهد له والده السبيل إلى التعليم الديني، فأدخله مكتب القرية لحفظ القرآن الكريم، و حفظ كتاب اللّه، و أخذ يتلقى تجويده على يد فقيه من فقهاء القرية، ثم بعث به والده إلى الجامع الأحمدي في طنطا عام 1327 ه 1909 في أول عهده بالنظام، فانتسب إلى الشعبة الأولى على مذهب الإمام مالك، و استمر في التعليم يحوطه التوفيق حتى نال الابتدائية عام 1331 ه- 1913 م، ثم تزوج إتباعا لسنة الريف في الحرص على الزواج المبكر، و استمر يوالي كفاحه العلمي حتى كان في طليعة الناجحين في الشهادة الثانوية عام 1335 ه- 1917. و في القسم العالي بسنواته الأربع دأب في التحصيل، وجد في الإطلاع. و ثابر على الدراسة حتى فاز في النهاية بنيل شهادة العالمية النظامية عام 1342، 1923 م. ثم أنشي‏ء قسم التخصص‏

456

و افتتح في يناير 1924، فتقدم إليه و التحق بشعبة «النحو و الصرف و الوضع» و اجتاز مراحله الثلاث بتفوق، و في السنة الأخيرة حازت رسالته في الإعلال تقدير أساتذته و لجنة الامتحان كذلك.

و لما عقد الشيخ المراغي عام 1928 لسابقة بين خريجي التخصص للتعيين في وظائف التدريس بالأزهر و معاهده كان حظ الشيخ فيها حظا طيبا، فعين مدرسا في معهد الزقازيق الديني في اليوم السابع و العشرين من ربيع الثاني عام 1347 ه، 11 أكتوبر 1928، و بعد قليل توفى والده يوم الثلاثاء 19 رجب 1247 ه- 21 ديسمبر 1928، و لكنه مات و هو قرير العين بابنه الشيخ المدرس في الأزهر الشريف، و مكث أربع سنوات في معهد الزقازيق كان فيها محل تقدير شيوخ المعهد و أساتذته و طلابه و مفتشي الأزهر الشريف، و من ثم انتقل منها إلى كلية اللغة العربية عام 1933 مدرسا، و ظل فيها إلى أن توفاه اللّه إلى رحمته عام 1955.

457

الشيخ عبد الجليل عيسى‏

من جديد، و بعد مرور خمسة و سبعين عاما، على وفاة الإمام محمد عبده، طيب اللّه ثراه؛ تنتفض هذه المدرسة العجيبة، مدرسة الإمام محمد عبده عن رائد من أعلامها، يتلقى من يدي الرئيس محمد أنور السادات، في عيد الثقافة، جائزة الدولة التقديرية، إكبارا و تقديرا من الدولة لعلمه، و لما أسداه فكره إلى جيلنا المعاصر من آثار جليلة.

إن تفسيره الشيخ عبد الجليل عيسى للقرآن الكريم يسير على منهج الأستاذ الإمام، من موضوعية و نفاذ بصيرة، و عقلية أصيلة تزن كل شي‏ء، و تحكم في عمق على الآثار و المرويات و المأثورات.

و كتابه «اجتهاد الرسول» يحمل طابع الإمام العقلي في كتابه المشهور «رسالة التوحيد»، فهو قبس من جذوة الفكر العلمي، التي أنار بها الإمام محمد عبده الطريق لجيله، و للأجيال التي خلفته.

و الشيخ عبد الجليل عيسى هذا الأزهري النابغة، عاش حياته نضالا و رأيا و عملا، من أجل أن يكون للعالم صوت في مجتمعه، و عمل دائب في خدمة وطنه، و جهاد متصل من أجل كلمة الحق تقال في كل وقت و كل مكان ..

458

و انتماؤه العربي و الإسلامي عزز في نفسه الشعور بأصالة تراثنا، و بعظمة الماضي و جلاله، و يمجد الأزهر العلمي العريق؛ و كانت هذه الانتماءات كلها هي مكونات شخصيته.

و في ظل ما يقرب من قرن كامل عاشه و يعيشه عالمنا الجليل، كانت الأحداث الكبرى في تاريخ وطننا، التي شارك فيها الشيخ بقلمه و روحه و نضاله.

توفى (رحمه اللّه) عام 1981.

كان أحد علماء الأزهر الذين وقفوا على أسرار الشريعة الإسلامية، و ملكوا ناصية اللغة العربية و البيان في العصر الحديث- عرفته شيخا لمعهد شبين الكوم الديني الذي أنشي‏ء في عهد الإمام المراغي- (رحمه اللّه)- و قد اختاره أول شيخ له، لأنه كان موضع ثقته، و أحد تلاميذه المقربين إليه و كان للشيخ عبد الجليل في قلوبنا مكانة كبيرة من التقدير و الاحترام و الحب و الاعزاز، لأنه وضع نصب عينيه النهوض بهذا المعهد الديني، و لأنه كان له مزيد من الهيبة و السطوة، و لحرصه الشديد على مصلحتنا، و ظهورنا بمظهر الطالب الأزهري المثالي الذي يحرص على عزته و كرامته، و في سبيل ذلك كان لا يسمح لأحد بدخول المعهد إلا إذا كان يلبس الزي الأزهري كاملا، و إذا نمى إليه أن أحدنا لا يظهر في الخارج بصورة سلوكية مشرفة، قام بفصله من المعهد مدة و لا يسمح له بالحضور إلا بعد تعهد من ولى أمره بضمان سلوكه و استقامته، و ذلك بعد أن يتحرى الأمر، و قد انعكس علينا هذا جدا و استقامة، و تفوقا في العلم و اخلاق.

و الشيخ عبد الجليل من الرعيل الأزهري الأول الذي اشترك في المظاهرات و قاد مع زعماء الأزهر ثورة 1919 ضد الانجليز و كان يحدثنا بذلك فخورا، لينقل إلينا شرارة الوطنية- و كان معروفا عنه أنه أشد تلاميذ

459

المراغي إخلاصا، حيث ترسم خطاه في ميادين إصلاح الأزهر و تطويره تطويرا يساير سمة العصر العلمية، مع الاحتفاظ بعناصر التراث الأصيل للأزهر و كان للشيخ قلم موهوب في كتابة الموضوعات المتعددة ..

460

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

461

الشيخ سعاد جلال‏

توفي (رحمه اللّه) في يونيو عام 1983، و كان علما من أعلام الشريعة الإسلامية و أستاذا جليلا في كلية الشريعة الإسلامية.

قال عنه زميله الدكتور الشيخ عبد الجليل شلبي:

عرفت «الشيخ محمد سعاد جلال» منذ أكثر من نصف قرن عرفته أول ما جئت إلى القاهرة طالبا في كلية اللغة العربية سنة 1937، و كان هو في السنة الثالثة في كلية الشريعة و كانت الكليتان في مبنى واحد، فتعارفنا بلحظة، و تآلفنا في لحظة، ثم مضت الأيام تزيد مودتنا قوة، و تكسو تآلفنا إخاء و إعزازا.

و التحق الشيخ سعاد عقب تخرجه بتخصص المادة، ليدرس الفقه الإسلامي و أصوله، و كان هذا التخصص يستغرق نحو سبعة أعوام، و كان طلابه يختلفون في درجاتهم العقلية و يتباينون فيما يحصلون من علمه تباينا واسعا، فقد كان الأزهر حديث عهد بالدراسات العليا، و كانت دراسته تقوم على درس الكتاب لا على درس الموضوع، و قليلون من أبناء هذا القسم بنوا أنفسهم بأنفسهم و كما كان يقول المرحوم أحمد أمين: إن من ينبغ من أبناء الأزهر لم ينبغ بمنهجه و توجيهه و لكن نبغ على الرغم من منهجه‏

462

و توجيهه، و كان الشيخ سعاد من هؤلاء.

و عدا الناحية العلمية، أو لعله بسببها، كان نزوعا إلى الخير و نفع الناس بما لديه، و كانت موهبته الخطابية مما يساعده على بث علمه و إذاعة أفكاره و هي أيضا مما هيأ نمو مدرسته و كثرة تلاميذه، كان و هو لا يزال في هذا التخصص يخطب يوم الجمعة في مسجد الخازنداره بشبرا و ذهب وزير الأوقاف يومئذ ليصلي في هذا المسجد، و ربما جذبه إليه اسم الشيخ سعاد، فأعجبه حديثه فقرر له علاوة استثنائية تقديرا لكفائته و علمه، و بعد أن أنهى الشيخ دراسته كان يخطب ثانيا في مسجد المحكمة بمصر الجديدة ثم المسجد قاهر التتار فمسجد عمر مكرم بالقاهرة و كان يتطوع بإلقاء الدروس الدينية فيها، فكان له بها مدرسة ثانية، بعد مدرسته في كلية الشريعة.

و كان من لباقته في دروسه أنه يوازن بين قانون الشريعة و القوانين الوضعية، و يوازن بين مجتمعاتنا و المجتمع الإسلامي في حذق و حسن تصوير، و هو مع هذا يتحاشى الاحتكاك بتيارات السياسة، و لكن كانت تلميحاته أبلغ من تصريحات الآخرين، و كان تلاميذه في كلية الشريعة يحبون درسه و يقدرون تفكيره، و هم الآن في شتى المعاهد و المدارس داخل القطر و خارجه يشعرون بدينهم له.

ثم انضم إلى هاتين المدرستين حديثه «قرآن و سنة»، و به أضاف إلى تلاميذه تلاميذ لا يعرفهم و لم يروه، و لكنهم أحبوه على البعد، و عرفوه من غير أن يلقوه.

و مات الشيخ سعاد جلال، فشيعت جنازته في غير حشد، ففي ذمة اللّه و ذمة التاريخ.

463

الدكتور أحمد الشرباصي‏

من مواليد بلدة البجلات مركز دكرنس، مديرية الدقهلية، و تاريخ ميلاده 17 نوفمبر سنة 1918. تخرج من كلية اللغة العربية سنة 1943، و كان ترتيبه «الأول» بين المتخرجين كما كان «الأول» بين زملائه في سنوات الدراسة بالكلية.

نال شهادة العالمية و التخصص في التدريس سنة 1945، و كان ترتيبه «الأول» بين الحاصلين على هذه الشهادة.

كانت هذه أول مرة يجمع فيها متخرج بين «الأولية» في الشهادة العالية و «الأولية» في التخصص.

اشتغل مدرسا في وزارة المعارف مدة، ثم نقل مدرسا في معهد الزقازيق، فمعهد القاهرة فمعهد سوهاج، فمعهد القاهرة. و اختير أمينا للجنة الفتوى بالأزهر.

ألف ما يزيد على العشرين كتابا في مباحث الدين و التاريخ و الأدب و الاجتماع، و من هذه الكتب: حركة الكشف، محاولة، بين صديقين، سيرة السيدة زينب. واجب الشاب العربي، المحفوظات الأزهرية، لمحات عن أبي بكر، محاضرات الثلاثاء، صلوات على الشاطى‏ء، أمين‏

464

الأمة أبو عبيدة، عائد من الباكستان، مذكرات واعظ أسير، النيل في ضوء القرآن من أجل فلسطين، في رحاب الصوفية، غربة الإسلام، أيام الكويت، القصاص في الإسلام، في عالم المكفوفين، الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز.

أذاع سلسلة أحاديث في الراديو عن الدين و صلته بالحياة، كان يقصد فيها دائما إلى تزكية المجتمع بالمبادى‏ء الدينية الفعالة في إصلاح الحياة و الأحياء. و من هذه الأحاديث سلسلة «الإسلام و الشباب» و سلسلة «آداب المجتمع في الإسلام» و سلسلة «الإسلام و منهج الاستقامة» و سلسلة «آدب السنة في بناء الأسرة».

اشترك ببحوثه و مناقشاته و آرائه في مؤتمرات كثيرة، مثل: مؤتمر الشعوب الإسلامية بالباكستان، و مؤتمر العلماء بالباكستان، و المؤتمر الإسلامي بالقدس، و مؤتمر الخريجين العرب بالقدس، و المؤتمر الرياضي بالقاهرة. و نظم عدة مؤتمرات إسلامية و اجتماعية و قومية في دار المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين.

نال دبلوم الدراسات اللغوية و الأدبية من معهد الدراسات العربية العليا سنة 1955، و كان ترتيبه «الأول». و كان مجموع درجاته أكبر من أي مجموع في جميع شعب المعهد المذكور.

يعرف اللغة الانجليزية، و تقدم أكثر من مرة قبل قيام الثورة في مصر لبعثة خارجية علمية، و حيل بينه و بين ذلك بسبب خطبه و مقالاته التي كان يقاوم فيها الفساد الماضي و الطغيان البائد.

دعا منذ عشرين عاما إلى إدخال نظام الكشافة في الأزهر، و ألف في ذلك كتابا، و خطب و كتب عن ذلك مرارا، كما دعا حينئذ و بعد ذلك إلى نشر التربية الرياضية في الأزهر و المعاهد.

465

ألقى سلسلة من المحاضرات في عدة مواسم دراسية على مبعوثي البلاد العربية إلى «المركز النموذجي لتوجيه المكفوفين بالزيتون»، و هؤلاء المبعوثون يأتون للتخصص في شئون المكفوفين و توجيههم، و ألف كتابه «في عالم المكفوفين» الذي نال جائزة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية سنة 1956.

رحل رحلات علمية و اجتماعية و إسلامية إلى: فلسطين و الأردن، و لبنان، و سوريا، و الكويت، و الباكستان، و اليونان، و تركيا، و له بحوث و دراسات عن هذه البلاد، و تكررت رحلاته إلى أكثر هذه البلاد.

كان مبعوثا علميا للأزهر الشريف في الكويت عام 1952- 1953.

و ألف كتابا عن الكويت و شئونها المختلفة في قرابة خمسمائة صفحة.

اختير لألقاء محاضرات عن الشريعة الإسلامية على طلبة معهد الخدمة الاجتماعية في مستوى جامعي منذ أول سنة 1957 الدراسية.

قام بمهمة الرائد العام لجمعيات الشبان المسلمين منذ عهد بعيد، و كان ينظم محاضرات: «أحاديث الاثنين» و محاضرات «مواسم التفسير»، كما يشارك بمحاضراته و كلماته في أعمال الشبان المسلمين المختلفة، و ينشر بحوثا في مجلتها منذ سنوات، و له محاضرات في جمعيات كثيرة إسلامية و اجتماعية و قومية و رياضية، و هو عضو في كثير من هذه الجمعيات.

أسندت إليه أمانة الفتوى في الأزهر الشريف بالإضافة إلى عمله في التدريس بالأزهر.

دعاه رئيس الجمهورية أكثر من مرة للخطابة في الأزهر الشريف في مناسبات تاريخية مشهورة، مثل يوم معركة القتال، و يوم الوحدة بين مصر و سوريا، و يوم الجمعة الأخيرة من رمضان و يوم عيد الفطر، و غيرها.

466

كلفته رياسة الجمهورية عن طريق الاتحاد القومي برحلة إلى سورية قبيل إعلان الاستفتاء على الوحدة بين مصر و سورية في مطلع سنة 1958، و ألقى هناك عشرات الخطب و المحاضرات في مختلف المدن السورية حثا على الوحدة و تعريفا بالعروبة و الإسلام.

دعاه الرئيس شكري القوتلي إلى إلقاء خطبة تاريخية في المسجد الأموي بدمشق يوم الاستفتاء على الوحدة. و قد أذيعت هذه الخطبة بالراديو، ثم نشرت و نوهت بها الصحف كثيرا.

اختارته وزارة الشئون الاجتماعية و العمل سنة 1955 عضوا في اللجنة التي وضعت مناهج الدراسة لقسم الدراسات الاجتماعية لطلبة الكليات الأزهرية.

منذ سنة 1940 و هو يقوم بالخطابة الدينية المصطبغة بالصبغة الاجتماعية، و قد تنقل بين مسجد المنيرة، و مسجد الشامية، و الجامع الأزهر، و مسجد الرفاعي، و غيره من المساجد.

ألف جملة مسرحيات إسلامية و تاريخية، مثل أكثرها على مسارح:

جمعية الشبان المسلمين، و دار الأوبرا، و حديقة الأزبكية، و الغرفة التجارية، و غيرها.

اشترك في موضوع فيلم «خالد بن الوليد» بوضع المعلومات التاريخية و الحوار و شارك في السيناريو.

كتب و خطب كثيرا في الدعوة إلى التقريب بين الدين و الفن و شعاره هو: إذا تدين رجل الفن و تفنن رجل الدين التقيا في منتصف الطريق لخدمة العقيدة الإسلامية السليمة و الفن القويم».

اختارته إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة في اكتوبر سنة 1958 ليكون رائدا لبعثة الضباط الأندونيسية المركونة من قادة التربية الروحية التي‏

467

قدمت لدراسة الشئون الإسلامية و الروحية و الأخلاقية للانتفاع بها في تعبئة الروح المعنوية بالجيش الأندونيسي.

و كانت له صلاته المستمرة بالقضايا العامة للبلاد العربية و الإسلامية.

كتب كثيرا في إصلاح الأزهر لأداء رسالته الكبرى في مصر و العالم الإسلامي.

و كانت كتاباته و محاضراته- فوق اتجاهها الاسلامي و العربي- و قد حصل على الدكتوراه في الأدب و النقد من كلية اللغة العربية عام 1967 تتّسم دائما بالنزعة الإنسانية.

توفي إلى رحمة اللّه عام 1980.

كتب إليّ عام 1958 من دمشق يقول:

أخي البحاثة الدءوب الأستاذ الجليل محمد عبد المنعم خفاجي:

سلام اللّه عليك و رحمته و بركاته. أكتب لك هذه الرسالة من دمشق الفيحاء بعد أن قضيت أسبوعا في هذا الشطر الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، و قد جلنا في أنحاء هذا الإقليم الكريم فزرنا طرطوس و قدموس و اللاذقية و حلب و حماة و معرة النعمان (بلد أبي العلاء) و حمص و غيرها، و ألقيت في كل بلدة من هذه البلاد أكثر من خطب عن الوحدة و العروبة و الإسلام و مقومات هذه الأمة المؤمنة، و قد سعدنا في اليوم التالي لوصولنا بمقابلة الرجل العظيم الرئيس شكري القوتلي، و خطبت أمامه، و أهديت إليه نسخة من كتابي «الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز» لأنه كان مصري المولد و تولى الخلافة في الشام و جمع في خلافته بين مصر و سوريا و غيرهما من بلاد العروبة و الإسلام.

و قد تفضل الرجل المجاهد فتقبل الهدية و علق عليها بأنها أحسن هدية يتلقاها لأنها تذكرة بالزهد و الورع و العدالة ... ثم رد على خطبتي بخطبة

468

جليلة قيدنا خلاصتها، و كان ذلك كله في القصر الجمهوري السوري. و قد طلب مني أثناء خطبته أن ألقي خطبة الجمعة يوم الاستفتاء 21 فبراير 1958 في المسجد الأموي الجليل لكي تذاع بالمذياع و ليسمعها ألوف المصلين بالمسجد، و قد استحببت لذلك، و جعلت خطبتي دائرة حول معاني الوحدة و ثمرات الاتحاد، و قد ذكرت فيها أيضا عمر بن عبد العزيز و ضربت بعض الأمثلة من حياته، و كان لها و الحمد للّه أثر طيب حميد كما ذكر لي الناس هنا و هناك.

دمشق الآن يا أخي في بحر لجى من الفرح و السرور و البهجة ..

المظاهرات في كل مكان، الهتاف يملأ الآذان .. الرجال و النساء، الشيوخ و الشباب، الطلاب و الطالبات .. الجميع يصفقون و يهتفون ..

إنك لا تستطيع أن تفرق مبلغ هذا الشعور الجارف الفياض إلا إذا رأيته بعينيك ...

إننا الآن بين أشقائنا و أحبائنا، و في بلادنا ... البلد واحد، و القائد واحد، و الوجهة واحدة ... نصر اللّه كلمة الأمة، و أعز بها شأن الحق و العدل، و ثبتها في طريق اليقين و الإيمان ...

تحياتي لك و لأهلك و لكل أحبائك، و إلى لقاء قريب، و سلام اللّه عليك و رحمته.

دمشق في 22/ 2/ 1958

أحمد الشرباصي‏

و كتب عنه صديقه محمد رجب البيومي يقول:

أصدر للأستاذ أحمد الشرباصي كتابه القيم: «في عالم الملفوفين» ...

469

و الكتاب كما يراه كثير من الناقدين مجهودا علميا إنسانيا، فلا غرابة إذا أخذ نصيبه من ثناء المنصفين!! ... و يقول زميله د. رجب البيومي عنه:

رجعت بذاكرتي إلى الوراء، أيام كنت طالبا بالنسة الأولى بمعهد دمياط الديني، و قد سبقني في التخرج فيه زميلي أحمد الشرباصي، تاركا خلفه ثناء مستطابا، تفيض به ألسنة المدرسين في المعهد، و آراء الأدباء، خارج الدراسة، من أندية السمر، و نزهات الراحة، و دهشت كثيرا حين علمت أن الطالب المتخرج في المعهد الابتدائي قد أصدر كتابا أدبيا في موضوع توجيهي تحت عنوان: «حركة الكشف»، و لم يكن الكتاب مقالات متناثرة في موضوعات متفرقة، تزدحم بها الأساليب الإنشائية و الخيالات البعيدة. كما نلاحظ دائما في إنتاج الشداة من الناشئين، و الطامحين من المراهقين؛ و لكنه كان كتابا هادفا يسعى إلى غرض، و يدور حول فكرة، فاجتمعت له الأصالة و الجدة مع التوجيه الدافع، و الحرص الغيور، ..

و قد انتقل الإعجاب بهذا الكتاب إلى الدوائر الأدبية في القاهرة، فأفردت له مجلة الرسالة (عدد 10 يناير سنة 1938) صفحة خاصة تحدث فيها الأستاذ محمد سعيد العريان عن الكتاب و صاحبه، فقال فيما قال:

«ها هو ذا أزهري فتي يضرب المثل لإخوانه الأزهريين في الفتوة الرحيمة، التي تعمل للإنسانية ... يا له من فتى متمرد؛ لا ... لا تسموه متمردا، إنه يعرف ما عليه من تبعات الرجولة في غد، فأعد للغد عدته، فلا عليه إن كان هو وحده الفتى الكشاف من الأزهر الكبير و روافده .. إني لفخور به»!! ...

و أخذنا حينئذ نطالع مقالات أسبوعية يفاجئنا بها الشرباصي في مجلات مختلفة، و كان عجيبا أن تصدر «السياسة الاسبوعية» (في 9 يوليو

470

سنة 1939) عددا خاصا عن ذكرى الإمام محمد عبده، يتحدث به منصور فهمي و جاد المولى و أمين الخولي و محرم و الجارم و غيرهم من أدباء الصف الأول، ثم يكون للفتى الناشى‏ء بهذا العدد مقالان اثنان لا مقال واحد (ص 18، و ص 30).

شي‏ء رائع حقا، و نشاط حميد مشكور دفع بالأستاذ فليكس فارس- و هو يومئذ في طليعة كتاب الرسالة الشيوخ- أن يسجل تقديره في تقريظ مشجع يقول فيه (الرسالة، عدد 6 فبراير سنة 1939):

«إن المؤلف يذهب في محاولته ذهاب من رسخت عقيدته متعالية عن تردد المحاولين، و إن العبقرية العربية تنتبه في هذا الجيل الذي سيقدم ليحل محلنا على الذروة نحن النازلين منها إلى الأغوار. لقد ولدت اقلامنا أقلاما خيرا منها».

و ثناء فواح كهذا الثناء تعبق به مجلة الرسالة الارستقراطية جدير بالتقدير و الاعتبار ...

مضت الأيام و الشرباصي لا يني عن رسالته الأدبية، بل يزاحم الأدباء إنتاجا و تأليفا على طراءة العمر و لدونة اليفاع، و كان لا بد لهذا النشاط المتوثب أن يخرج للناس كتابا ثالثا تحت عنوان: «بين صديقين»؛ و كان لا بد لجمهرة المنصفين من الأدباء أن يسابقوا إلى تكريمه و تشجيعه، فهيأت جمعية الشبان المسلمين ساحتها مساء الأربعاء 28 نوفمبر سنة 1940 م لحفلة تكريمية ساهرة خطب بها كبار الأساتذة و نوابغ الأدباء، و قد أظهر الوفاء دلائله الصادقة في نفوس كريمة تحتفل بالنشاط الدائب، و تبارك الجهد الموصول؛ و أنت تدرك كفاح الكاتب الناشى‏ء حين تسمع زميله الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف يتحدث عنه، فيقول‏ (1):

____________

(1) كتاب تكريم الشباب، ص 23.

471

«لقد كنت أتلقى بريد الرسالة فأجد الشرباصي في اليوم الواحد كاتبا في (المكشوف) اللبنانية و (الحديث) الحلبية و (التفيض) العراقية و (المجلة) الدمشقية»!! ... و هذه الحقيقة المائلة تنطق بنشاط حافل، تمده الموهبة، و ينمية الإطلاع!! ..

و قد آثرت أن أستشهد بالنصوص ليعلم هذا المبتسم عن ريبة و اتهام أنني لا أبارك وحدي جهود أديب طامح، فإذا كان لا بد من الابتسام فليوجه إلى جميع من يستمعون القول فيحبون أحسنه، و يهتفون بقائله: مرحى مرحى فقد سلكت الطريق!! ...

و إذا كان لنا أن نحكم على إنتاج الكاتب، فإننا نلاحظ أنه من مبدأ أمره قد احتفل بالأدب العربي دراسة و تحليلا، فقرأ و حفظ و ناقش، و أعد نفسه ليكون أستاذا في الأدب العربي وحده، فهو غاية يهدف إليها، و لم يدر أن الأيام ستجعل هذه الغاية وسيلة إلى هدف أسمى و مطلب أحب، تلك هي الدعاية للإسلام و نصرة الحق الصريح! ..

لقد أكب الشرباصي على دراسة الأدب في مختلف عصوره، فأفاد إفادة غزيرة، و لا زالت أبحاثه الأدبية ترتفع إلى قمة عالية. و قد قرأت له سلسلة عن «الخطابة في الأندلس» بمجلة الأزهر، فشاهدت من أصالة الرأي و براعة الاستنتاج و طرافة النقاش ما أعجب و أمتع؛ بل أذكر أن أحد أساتذة العراق المرموقين قد كتب مؤلفا تحت عنوان: «بعث الشعر الجاهلي» فانبرى الشرباصي لنقضه في مجلة المقتطف، و أبدى من غزارة المادة و قوة العارضة ما جعل الدكتور المؤلف في حرج و ضيق، و لو تفرغ أحمد للأدب وحده لرأينا مجهودا حافلا تنشرح به الصدور!! ...

و لكن الأستاذ يتعرض في نقده الأدبي إلى مأزق ضيق يكابد منه تبريحا أي تبريح! ... فهو يحرص على التشجيع و التنويه، و تدفعه المجاملة أحيانا إلى إهمال حقوق النقد الصريح، و كثيرا ما تقرأ له بحثا أدبيا عن‏

472

كتاب معاصر أو شاعر صاحب، فلا ترضى عمّا يشيع فيه من تنويه و تقدير ... فإذا اضطر الكاتب إلى النقد ساقه في ثوب حريري ناعم ...

و قد تخلو إليه فيحدثك عن بعض المآخذ التي رآها و لكنه تحامل على نفسه فأغفلها؛ و تلك حال تذكرني بشاعر العربية الابتداعي خليل مطران، فقد كانت له في الشعر رسالة ناهضة مجددة، و لكن قيود المجتمع و قوانين المجاملة قد دفعته- في ضيق منه- إلى النظم السطحي في حفلات الأعراس و مواقف التأبين، و الخلق السمح يجد حرجا شديدا في مغاضبة الناس، فتكون المأزمة الضائعة للإنتاج الأدبي و صاحبه المسكين.

لقد قرأت في كتاب «أيام الكويت» بحوثا أدبية عن شعراء مقلدين لم يتصلوا بالنهضة الفكرية الحديثة؛ و الأستاذ المؤلف ينظر إليهم بعين الرضا الكليلة عن العيب؛ فكنت أقول في نفسي: أرضى الناقد عن فطمهم التقليدي فهتف بأصحابه مع الهاتفين، أم أنه احتقر الموازين الجديدة للشعر الحديث؟! ...

و لم يطل التساؤل، فقد قرأت للأستاذ بحثا استعراضيا عن كتاب «الشعر بعد شوقي» للدكتور محمد مندور، فوجدت الكاتب يتفق معي في الاتجاه!! .. و ينحى باللائحة على ذوي الهمود من الجامدين، و إذ ذاك تصورت الحرب النفسية التي قاساها الشرباصي ليوائم بين الرأي الصريح و الخلق السمح الحليم!! ...

على أن أحمد في مجاملته للزملاء لا يتهاون قيد شعرة مع كبار الأساتذة من الأدباء، و قد تعرض لغضب صاحب مجلة أدبية لامعة، حين نشر نقدا أدبيا لبعض آرائه بمجلة الثقافة سنة 1940 م، كما أغضب الأستاذ أحمد أمين حين انحاز مجاهرة إلى تأييد غريمه الدكتور زكي مبارك في هجومه على صاحب الجناية الأدبية! ...

و مع مناصرته لزكي مبارك فقد وقف الشرباصي الطالب الشاب موقف‏

473

الناصح المرشد من دكتور نابغة نقاد، إذ يقول له على صفحات الرسالة (عدد 16 اكتوبر سنة 1939 م):

«أي صديقي الدكتور، قد انتهى لغو الصيف، و جاء جد الشتاء، فلا تكسل و لا تنم، على أني أرجو أن تتحاشى ما يسبق إليه قلمك من عبارات تنال من شخصية الأستاذ أحمد أمين و تجرح شعوره» فأي توجيه ذاك؟! ...

و قد كان التحاق الشرباصي بكلية اللغة العربية بالقاهرة نقطة تحول كبير في إنتاجه و اتجاهه، و كان المظنون به أن يتوسع في الدراسة الأدبية وحدها، و لكنه وجد بالقاهرة مجالا للنشاط الإسلامي عن طريق المحاضرة و المناظرة و الخطابة، فانفرجت دائرة كفاحه إلى حيث تتسع و تمتد، و رصد نفسه إلى خدمة الفكرة الإسلامية بالقلم و اللسان!!.

و صاحب اللسان البليغ لا يرى في أسلوبه الخطابي ضرورة لقيود المقال المركز، و من هنا سرت عدوى اللسان إلى القلم في كتابة الشرباصي، فقد تجد بها تفصيلا و إطنابا لا يرضيان صاحب المنطق المحدد؛ و لكن الشرباصي يتعمد الإثارة الانفعالية في نفوس القراء، إذ يهمه أن يجتذبهم إلى فكرته مستعملا شتى ضروب التأثير، من منطق عقلي، أو مهيج عاطفي، أو حافز وجداني؛ و إذا قرن القارى‏ء شخصية الداعية بشخصية الكاتب في بعض مؤلفات الشرباصي فقد أراح و استراح!! ...

اقرأ مثلا كتب الرجل: 1- النيل في ضوء القرآن. 2- واجب الشاب العربي. 3- أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح. 4- صلوات على الشاطى‏ء ... فستجد المنطق العقلي سابحا في أمواج التأثير الوجداني، و لهذه الطريقة حسناتها في استنهاض الهمم و حفز البواعث، و إن كانت لا تسلم من نقد يؤكدة عقل منهجي محدود ..

474

لقد أصدر الكاتب مؤلفا صغيرا عن السيدة زينب، كما أصدرت السيدة بنت الشاطى‏ء مؤلفا عنها، و صاحبة السيرة رضي اللّه عنها ذات مجال محدود لا يسمح بكتاب خاص، فماذا صنع الكاتبان؟! ..

لقد لجأت الدكتورة الجامعية إلى الأساطير و الأخيلة تنسج فيها خيوط البحث التاريخي، و لم أعجب بهذا المنهج، فنقدته نقدا صريحا بالسنة العشرين من مجلة الرسالة سنة 1952 م. أما الشرباصي فقد هدف إلى العاطفة الدينية يستثيرها استيثارا حبيبا، و قد عالج مشاكل دينية و اجتماعية تتصل بالموالد و الأذكار و الصلوات، فجاء بحثه نميرا مستطابا ينعش الروح المؤمنة، و يرضي الوجدان الصافي، و لكنه لا يخرج عن مجال التأثير الخطابي إلى مجال التأمل و الاستنباط؛ و فائدة القارى‏ء في المجال الأول محتومة مفروضة، فقد زاد إيمانا، و رسخ عقيدة، وصفا نبعا و أخلاقا، و ذلك ثراء أي ثراء.

هذا و قد فرغ الكاتب إلى البحث العلمي الديني في بعض مؤلفاته القوية مثل: «القصاص في الإسلام»، و «محاضرات الثلاثاء». و لن يضيره في شي‏ء أن يعرض بحوثه الدقيقة النافعة في ثوب رائق واضح، فالحقيقة العلمية لا ينتقص معدنها أسلوب مشرق و استطراد نافع، و إنما يضيرها أن يتشعب بها القول في متاهة لا تحد، و هذان الكتابان من النفاسة جوهرا، و الوضوح أسلوبا، و التحديد منطقا، في مستوى رفيع، و إذا اكتمل للمؤلف كل ذلك فقد نجح و أفاد ...

يقول فضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف في معرض الحديث عن «محاضرات الثلاثاء» في «منبر الشرق» عدد أول فبراير سنة 1952:

«من عادتي ألا أكتب عن كتاب إلا بعد أن أقرأ أكثر مباحثه على الأقل، فإن استمالني لمتابعة القراءة فيه بغزارة مادته، و طلاوة عبارته، و جودة معانيه مضيت فيه إلى نهايته ... و قد أهداني فضيلة الأستاذ أحمد الشرباصي‏

475

كتابه: «محاضرات الثلاثاء» و أنا أعلم أنه رجل موهوب، ازدان علمه بتقواه، و أسلوبه بالأدب الرفيع، و قلمه بالسلاسة و الرواء، فعكفت على قراءته كعادتي فوجدت فيه طلبتي» الخ ...

و إذن فقد أصبح الاتجاه الإسلامي للداعية الأديب محور الحديث في الخطابة، و مجال القلم في التأليف ... و قد سافر بحافز من هذا الاتجاه إلى ممالك الإسلامية كثيرة، و صادف محنا و عقابا جمة، و لكنه لم يترك تجاربه تهرب من الذاكرة هروبا لا رجعة منه، بل أفرد لها كتبا خاصة من إنتاجه مثل: «أيام الكويت» و «عائد من الباكستان» و «مذكرات واعظ أسير» ...

و قد سلك في كتابته مسلكا يلتزمه الكثيرون، فهو يدون الحوادث اليومية مجزأة متصلة، تتماوج في سلسلة متعاقبة، يوما وراء يوم، و أذكر أني كتبت إليه في رسالة خاصة نقدا لهذه الطريقة، إذ أرى أن الأوفق أن تمتزج هذه اليوميات، لتتداخل في أبوبا عامة، تتخذ لها عناوين دالة موحية ...

و كنت أعتقد أن هذا المنهج لا يختلف فيه اثنان، و لكني وجدت من كبار الأدباء من يعدل إلى طريقة الأستاذ الشرباصي منددا بما أشرت إليه، فقد كتب الدكتور محمد عوض محمد بالرسالة (العدد السابع من السنة الأولى) ينقد كتاب: «جولة في ربوع أفريقية» للرحالة محمد ثابت، فيفضل أن يكتب المؤلف مذكرات يومية أثناء السياحة، يصف فيها حركاته و سكناته، و ما مر به من الحوادث و كل شي‏ء رآه، و بديهي أن ذلك لا يتضح بجلاء في الأبواب الكلية كما أريد، و لكل وجهة هو موليها ...

و قد لاحظت أن أفكار الكاتب في نشأته الأولى لم تتبدل في شبابه المكتمل، بل أكسبها الزمن عراقة و أصالة دون أن يميل بها إلى استئصال و إبادة. و لتوضيح ذلك: قرأت للشرباصي على سبيل المثال- ثلاثة فصول‏

476

مختلفة عن الأستاذ الإمام محمد عبده، و قد كتبت في فترات مختلفة، تبتدى‏ء من سنة 1938 و تنتهي سنة 1956 م، فلاحظت أن الروح التي تغمر مقال «محاولة» هي نفسها التي تترقرق في مقال «محاضرات الثلاثاء»، و هي نفسها أيضا تتوهج ببزوغ في مقال أخير نشر بالعام الماضي في مجلة الأزهر سنة 1375 ه .. و لا عجب إذا أكثر الشرباصي من الحديث عن الإمام المصلح، فهو مثل يحتذيه من ناحية، و عالم أزهري كبير له رحمة الماسة من ناحية ثانية!! ...

لقد أصبح توفيق الشرباصي في محاضراته المتتالية حديث الكثيرين، فكيف إذا ضمت إليه مؤلفاته التي تتقاطر متتابعة دون انقطاع، و قد يجمع المؤلف الواحد منها ضروبا في القول تتباعد مصادر و مراجع، و تتحد هدفا و غاية؛ و تلك حقيقة سجلها الأستاذ محمود تيمور حين قال عن كتاب «في عالم المكفوفين» بالرابطة الإسلامية، عدد 16 أبريل سنة 1956 م:

«و أكبر ظني أيها الصديق أنك ستشق بكتابك هذا على من يريدون إلحاقه بفن من فنون التأليف، فإنهم يحارون فيه ... إن ألحقوه بالعلم فهو ذاك، لما حوى من دراسة و تحقيق، و إن وصلوه بالتاريخ فله منه نصيب موفور، و إن درجوه بالاجتماع فما ظلمون، و إن عدوه كتابا في الأخلاق فليس هو منها ببعيد».

هذه شهادة منصفة، و هي بعد تحقيق لنبوءة الأستاذ أحمد شفيع السيد- الأستاذ بكلية اللغة العربية- حين سجل إعجابه- من أمد بعيد- بتلميذه الطالب أحمد الشرباصي، فقال عنه من قصيدة عامرة تنطق بسماحة الأستاذ و تقدير التلميذ:

قبس من الإصلاح لاح بصيصه‏* * * سيزيده كر المدى إشعالا

و إذا رأيت الفجر يبسم ضوؤه‏* * * فارقب لأنوار الضحى إقبالا

البحر ما ذا كان؟ كان جداولا* * * و البدر ماذا كان؟ كان هلالا

477

الدكتور الخفاجي- محمد عبد المنعم خفاجي- عالما-

في قرية صغيرة قديمة من أعمال مركز المنصورة، تسمى «تلبانة»، ولد الخفاجي في 22 يوليو عام 1915 بين أحضان الطبيعة الجميلة في الريف، و بين الفلاحين المكدودين المرهقين الذين يعيشون فيه عيشة تجمع إلى البساطة سذاجة التفكير، و اجهاد العيش، و شظف الحياة.

و في أبان الحرب العالمية الكبرى، و ما تلاها من أحداث الثورة الوطنية المصرية عام 1915 ولد و نشأ الخفاجي .. تنطبع في ذهنه صور من كفاح الحياة و الإنسانية و من جهاد مصر في سبيل حريتها و آمالها، هذا الجهاد الذي ظل أمدا طويلا شغل المصريين كافة، و موضع تفكيرهم، و ألهم المقعد الناصب لهم في حياتهم المعاصرة.

و لم يترك الخفاجي القرية إلا في أثناء دراسته، و ظل وفيا لها و لأهلها الأبرياء البسطاء طول حياته.

و هذا الميلاد و ما صاحبه و تلاه من أحداث في حياة الخفاجي يصوره في قصيدة ساحرة له عنوانها «يوم الميلاد».

و الخفاجي لم يكن وحدة في الحياة، إن تاريخ قومه يمتد إلى أكثر من ألف و خمسمائة عام.

478

فهو من سلالة عربية عريقة، ارخ لها في كتابه «بنو خفاجة و تاريخهم السياسى و الأدبي»، و الخفاجيون قبيلة عربية حجازية كبيرة نشأت في العصر الجاهلي و زاد نفوذها و هم من العقيليين العامريين القيميين، و قد تعددت فروع القبيلة بعد الإسلام و هاجرت سلالات منها إلى الشام و مصر و العراق و المغرب و الأندلس، و منهم أعلام خالدون في كل مكان، و لا ننسى الشاعر الأموي توبة الخفاجي للعربي الحجازي، و الأمير ابن سنان الخفاجي الحلبي المتوفى عام 466 ه، و الشهاب الخفاجي المصري المتوفى عام 1069 ه، و ابن خفاجة الأندلسي المشبور، و غيرهم.

و من الخفاجيين أسر حاكمة في حلب في القرن الخامس الهجري، و في العراق في القرن الرابع إلى السابع الهجري، و كانت ولاياتهم في الناصرية بقرب الكوفة و كان يتولاها منهم بعد أمير، و كانوا في شبه استقلال داخلي عن الخلافة العباسية.

إن هذا الماضي العريق يحمله الخفاجي في قلبه و دمه و أعصابه و يقف مزودا منه بإيمان راسخ، و عبقرية حادة و قوة ضخمة تعاوند على كفاحه في الحية.

و حفظ الخفاجي القرآن الكريم و تعلم مبادى‏ء و أطرافا من الثقافة الأولى في مكتب القرية أو المدرسة الأولى التي كان يتعلم فيها الشباب في ريف مصر إلى عهد قريب.

و في عام 1927 رحل إلى مدينة الزقازيق يتلقى ثقافته الابتدائية و الثانوية في معهدها الكبير، الذي تخرج منه عام 1936، و بين هذين التاريخين قصة كفاح طويل.

و من أهم ما ظهر على الخفاجي في هذه الفترة الاتجاه الوطني الذي دفعه إلى الكفاح في سبيل وطنه في الأزمات السياسية التي مرت بمصر منذ عام 1934، و كان رئيس اتحاد طلبة أبناء الشرقية في مدينة الزقازيق، و كان‏

479

هذا الاتحاد قوة كبيرة سياسية في هذه الفترة، و الخفاجي و أصدقاء له هم الذين كونوه، و كانت مؤتمراته الوطنية تنشر في الصفحة الأولى في جريدة الجهاد المصرية، و في شتى الصحف في هذه الفترة.

و من أهم ما يلاحظه الخفاجي على الثقافة المصرية في هذه الفترة انعدام التوجيه و ضعف تربية الملكات، و إهمال شئون الطالب النفسية و العقلية إهمالا كبيرا. و قد جاهد الخفاجي في أزمة الأزهر عام 1935 مع زملائه جهادا طويلا.

التحق الخفاجي بعد مرحلة الثانوي بكلية اللغة العربية بالقاهرة و هي إحدى كليات الأزهر الشريف و بدأ دراسته فيها في أول اكتوبر عام 1936، و في اليوم الثاني من أكتوبر من هذا العام توفي والده، و بعد ذلك بعشرين عاما أي في يوم الخميس 27 جمادى الثانية 1375 ه- 9 فبراير 1956 توفيت والدته و تخريج الخفاجي من كلية اللغة عام 1940، حيث كان في طليعة المتفوقين في جميع مراحل الدراسة فيها.

و في خلال هذه الفترة اشترك الخفاجي في الحركة الوطنية، و تابع دراسته، و عمل أحيانا في الصحافة في جريدة السياسة و في صحف أخرى، و كتب المقالات و البحوث و الدراسات في شتى الصحف و المجلات.

و كان قيام الحرب العالمية الثانية في هذه الفترة عام 1939 أهم حدث عالمي تأثر به الشباب العربي أيما تأثر، بل تأثر به شباب العالم قاطبة.

و كان الخفاجي المتنقل بين القرية و العاصمة صورة للشباب المصري المكافح في سبيل وطنه و في سبيل قومية بلاده و في سبيل الثقافة التي حمل لواءها بقوة.

و في هذه الفترة تأثر بآراء عالمين مفكرين كبيرين في الفكر و الثقافة و الإصلاح، هما الأستاذ الأكبر الشيخ إبراهيم حمروش شيخ الأزهر فيما

480

بعد، و الأستاذ الكبير الشيخ محمد عرفة عضو جماعة العلماء بالأزهر. كما كان للإمام محمد عبده صداه العميق في نفسه.

و كان الأستاذ الأكبر الشيخ حمروش عبيد كلية اللغة آنذاك و كان بعقله الواسع و أفق تفكيره البعيد و ثقافته العلمية العريقة أرفع مثال لطلاب كليته، يستمدون منه القدوة، و يحتذون حذوه في الفهم و التفكير.

و كان الأستاذ الكبير محمد عرفة أستاذا للخفاجي في الفلسفة و البالغة، و من ثم بآرائه التجديدية العلمية تأشرا خاصا.

و تخرج الخفاجي في يوليو عام 1940 من كلية اللغة يحمل شهادته العالية.

و التحق الخفاجي بأقسام الدراسات العليا في كلية اللغة العربية في أكتوبر عام 1940 في قسم البلاغة و الأدب، فعكف في خلال الأحداث العالمية التي صاحبت الحرب العظمى، و في خلال أحداث مصر القومية التي امتدت من هذا التاريخ، و في خلال أزمات الأزهر التي كانت نتيجة للصراع بين الحكومة و القصر، و التي كان الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي مظهرا لكثير من صور الحرب الخفية في هذه المعركة، في هذه الظروف عكف الخفاجي على دراساته العليا، إلى أن تخرج عام 1944 يحمل شهادة النجاح في الامتحان التمهيدي لشهادة العالمية من درجة أستاذ.

ثم قدم رسالته الجامعية «ابن المعتز و تراثه في الأدب و النقد و البيان» و نوقش فيها في أكتوبر عام 1946، و نال بها بتفوق شهادة العالمية من درجة أستاذ في الأدب و البلاغة من كلية اللغة العربية و هي أرقى شهادات الأزهر الجامعية و تعادل الدكتوراه الممتازة حرف (أ).

و من الجدير بالذكر أن الخفاجي قدم للكلية مع رسالته المخطوطة

481

ثلاثة كتب له مطبوعة عن ابن المعتز في جوانب تخدم موضوع رسالته و هذه أول مرة يقدم فيها باحث رسالة علمية مخطوطة و معها ثلاثة كتب تخدم رسالته و في موضوعها.

و كان هذا الجهد الأدبي موضع تنويه الأدباء و العلماء و الصحف في حينه.

و لا ننسى أن نقول: أن الخفاجي أمضى مع عمله الضخم هذا سنوات طوالا يشغل وظيفة أستاذ في الليسيه فرانسيه فرع شبرا.

و قد ترك بعد حصوله على شهادة العالمية من درجة أستاذ وظيفته في الليسيه ليتولى أستاذية البلاغة في معهد أسيوط الكبير الذي عمل فيه من نوفمبر عام 1946 حتى أكتوبر عام 1947، ثم في معهد الزقازيق الذي كان طالبا فيه من قبل، و الذي عمل فيه من عام 1947 إلى عام 1948.

و انتقل الخفاجي في 17 أغسطس عام 1948 إلى كلية اللغة العربية مدرسا للأدب و النقد و البلاغة فيها، و لا يزال حتى اليوم يتولى هذا المنصب فيها.

و من الطريف أن نذكر أن الخفاجي متزوج من عام 1948 و له ولد هو ماجد خفاجي، و توفيت له بنت كان اسمها «وفاء خفاجي».

و هو كذلك رئيس رابطة الأدب الحديث في القاهرة، و عضو في شتى الهيئات العلمية و الأدبية في مصر و العالم. و قد اختير عضوا في اتحاد أبناء الدقهلية و هو من أكبر دعاة التجديد و الإصلاح و التعاون و القومية العربية.

و لا أنسى أن أنوه بكفاح الخفاجي في سبيل إصلاح الأزهر، منذ التحاقه بقسم الدراسات العليا حتى اليوم.

و في هذا السبيل ناضل كل شيوخ الأزهر، و طالبهم بالإصلاح و التجديد و البناء.

482

و أنوه كذلك بكفاحه في سبيل الأدب الذي أنفق عليه كل ما يملك من مال.

ثم بكفاحه من أجل وطنه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.

و كفاحه من أجل الثقافة قد لا يصل إليه كفاح آخر.

عمل في كلية اللغة العربية بالقاهرة مدرسا فأستاذا مساعدا فأستاذ فرئيس قسم الأدب و النقد. ثم اختير عميدا لكلية اللغة بأسيوط، ثم عاد إلى القاهرة أستاذا متفرغا يدرس لطلابه في الدراسات العليا علوم الأدب و النقد.

و العوامل الثقافية التي أثرت في عقلية أديبنا يمكن تلخيصها فيما يلي:

1- العامل الأول: ثقافة الأسرة و هي أسرة تنتمي إلى أصول عربية قديمة بسط صاحبها تاريخها في كتاب خرج منه حتى الآن تسعة أجزاء- و من هذه الأسرة أعلام قديمة و حديثة و معاصرة من الأدباء و العلماء و الشعراء و الكتاب، و قد بسط صاحبنا تاريخهم في كتابه «بنو خفاجة».

2- العامل الثاني: ثقافته في الأزهر الذي عاش فيه تلميذا من سنة 1927 إلى 1946 حيث تخرج من كلية اللغة العربية يحمل شهادة «العالمية من درجة أستاذ في البلاغة و الأدب» و تعادل الدكتوراه حرف (أ) من الجامعات المصرية- و تخول لحاملها التدريس في كليات الأزهر و كليات الجامعات المصرية، و كانت الرسالة التي قدمها هي كما قدمنا «ابن المعتز و تراثه في الأدب و النقد و البيان» و هي مطبوعة.

3- العامل الثالث: مطالعاته الشخصية في الأدب قديمة و حديثة، و يقول لنا: إنه حتى تخرجه طالع ما لا يقل عن خمسة آلاف كتاب في الأدب عدا الكتب الثقافية الأخرى.

483

4- اتصاله الوثيق بالبيئات و المدارس و المذاهب الأدبية المعاصرة، و دراساته في كلية اللغة لتلاميذه.

5- الاستعداد الشخصي و الملكات الذاتية، التي تكون لصاحبها أفكارا ثقافية و أدبية خاصة متميزة.

6- اتصاله المباشر بالبيئات الثقافية و الأجنبية التي كان لعمله في الليسيه الفرنسية مدرسا أثر ما في حياته، و كذلك اتصاله بالعديد من العناصر و البيئات الثقافية.

يؤمن أديبنا الخفاجي بضرورة الملكة الأدبية و الموهبة الذاتية كأساس لبناء الأديب من الجانب الفني و الثقافي، و من ثم نجده يحيل كل الخصائص الذاتية التي تميز أديبا عن أديب إلى أثر هذه المواهب.

و يرى أن الثقافة الأدبية الحديثة للأدب يجب- فوق تناولها لجميع الثقافات الممكنة- أن تتناول التعرف إلى جميع الثقافات الأدبية القديمة و الحديثة و المعاصرة عند جميع الشعوب، و من ثم يحرص على الاتصال بروائع الآداب الأوروبية المترجمة و يرى وجوب التعاون و الإخاء الأدبي بين الأدب العربي و هذه الآداب، كما يرى وجوب دراسة الآداب الشرقية عامة و العربية خاصة عند جميع الشعوب التي يتصل تاريخنا بتاريخها و حياتنا بحياتها.

و يرى أن الأدب لا بد أن يخدم هدفا اجتماعيا أو قوميا أو انسانيا و إلا فقد جزءا كبيرا من مقوماته و من أجل ذلك نراه في كتابته عن الأدب المعاصر يشيد بروائع الآثار الواقعية في الأدب و الشعر (راجع مقدمة قصص من التاريخ).

و هو مع ذلك يرى أن الأدب المعاصر تنقصه الملكة و الذوق البلاغي كما أن الأدب القديم كان ينقصه الاتجاه و المذهب و الرسالة و من أجل ذلك‏

484

فهو يبشر بأدب جديد تتجلى فيه خصائص الأدبين أكثر وضوحا عما هي عليه الآن.

و يقول عنه الدكتور أحمد زكي أبو شادي رائد مدرسة أبو للو:

الخفاجي ظاهرة فذة شائقة في الوراثة و الإطلاع و الاستقراء و الإنتاج فهو سبط الأديب الكبير الشيخ نافع الخفاجي و هو من أسرة بني خفاجة التي تنتمي إلى أصول عربية «قديمة»، و منها الأمراء الخفاجيون في إقليم الكوفة و الأمراء الخفاجيون بحلب، و منهم الأمير ابن سنان الخفاجي الحلبي، و من أشهر النابغين في مصر من الخفاجيين الشهاب الخفاجي المصري. و هذا الرجل يحمل أعلى شهادات الأزهر العلمية و هي «شهادة الأستاذية في الأدب و البلاغة» التي تعادل (الدكتوراه) من الجامعات السامقة كالسوربون مثلاه و الذي أخرج حتى الآن نحو ستين كتابا في فنون الأدب. و من العسير أن يختار المرء كتابا من كتبه للعرض في مجال الحديث عن الأدب العربي، نظرا لكثرتها و تنوعها متناولة جميع فروع الأدب. و الأستاذ خفاجي ليس لغويا و لا أديبا فحسب، بل هو شاعر أيضا، شأنه في ذلك شأن الدكتور طه حسين، و ذلك- إلى جانب ثقافته الواسعة التي تلتهم كل معرفة ميسورة- كان طابع كتابته شعريا جميلا مع الحرص على الدقة العلمية في الوقت ذاته. و لذلك نالت تصانيفه احتراما عاما في جميع الأوساط الأدبية ببلاد الغرب و في دوائر الاستشراق‏ (1).

و يقول عنه الأستاذ روكس العزيزي:

«الأستاذ الخفاجي واحد من هؤلاء الأفذاذ الذين وقفوا على ماضي الأدب العربي وقوف فهم و تعمق و دراسة و رافقوا جديده فكانوا من خيرة مجدديه، لأن فكرته في التجديد فكرة نيرة حاذقة. لذا جاءت أحكامه‏

____________

(1) من حديث اذيع في صوت أمريكا عام 1953.

485

محكمة تتميز بالالمعية فهو يجمع بين دقة العالم، صفاء ذهن الباحث، و قدرة الكاتب المجيد و روح الشاعر المرهفة الحساسة، و يضاف إلى هذا أنه أستاذ في معهد كان و ما زال أمينا على تراث هذه الأمة الأدبي و الفكري.

و قال الناقد مصطفى السحرتي في الخفاجي‏ (1):

أصدق تعريف بالخفاجي أنه هادي‏ء ثائر معا، حريص على الإصلاح و الجهر برأيه حتى في أدق الظروف و المناسبات و له في ذلك مواقف عديدة في الأزهر و في خارج الأزهر على السواء.

و هو رائد في الأدب و الشعر و النقد و التاريخ و التصوف كما هو رائد في علوم الدين‏ (2).

و قال عنه الدكتور سعاد جلال الأستاذ بجامعة الأزهر:

الخفاجي عرفته المجامع العلمية و الأدبية باحثا مدققا مبرزا، فيه الكثير من تواضع العلماء، و تبريز الباحثين و المفكرين، مما يصوره أدبه و إنتاجه و تآليفه، التي هي آثار أدبية يعتز بها أدبنا المعاصر، و التي ستبقى خالدة على الأيام.

و قال الدكتور عبد المنعم النمر فيه:

إنني أطالب مجلس الفنون و الآداب بإعادة طبع موسوعات الدكتور الخفاجي كي يعم النفع بها و أطالب النفع بها و أطالب إدارة الأزهر بإخلائه من العمل ليضاعف الإنتاج و بهذا نكون قد كرمنا الرجل حقا و وضعناه في مكانه.

____________

(1) ص 75 من رواد الأدب المعاصر لحليم متري.

(2) ص 76 من رواد الأدب المعاصر.

486

و قال عنه الأديب الحجازي الكبير الأستاذ عبد الله الجبار:

إن الأدب العربي ليفخر بنتاج الخفاجي الأدبي و العلمي المتصل المستمر على مرور الأيام.

و قال الأديب الحجازي الكبير أحمد عبد الغفور عطار (1):

الخفاجي أحد أعلام العلماء الذين خرجهم الأزهر، و يفخر بهم، و هو أعجوبة من الأعاجيب. فهو قد ألف و صنف العديد من الكتب و كتب مئات الفصول و الرسائل. و لئن كنا ندهش عند ما تقرأ أن الكندي و ابن سينا و السيوطي و غيرهم من أقطاب العلماء الذين ألفوا كتبا و رسائل تسد بالمئات فإن هذا الدهش سيزول عند ما نجد عالما معاصرا مشغولا بالتدريس و الأندية و الجمعيات الأدبية و العلمية و مشغولا بكثير من أعمال هذه الحضارة و هذا المجتمع المضطرب يستطيع- مع كل مشاغله- أن يخرج لنا العديد من المؤلفات. بينها من الكتب ما يتجاوز عدد صفحاته الآلاف .. إنه أديب متمكن، و شاعر مبدع، و عالم كبير.

و قال فيه الشاعر الكبير محمود غنيم:

هتفوا بذكر أغر نابه‏* * * عمرو بن يجر في نيابه‏

إن لم يكنه في حقي* * * قته فبينهما مشابه‏

لا في ملامح وجهه‏* * * بل في توفره و دابه‏

حبيت فيه طالبا* * * للعلم أمعن في طلابه‏

بل كاتبا في الأفق حلا* * * ق غير و إن عن شهابه‏

أن ينسب سفر إلي* * * ه تاه فخرا بامتسابه‏

فندفق الأسلوب نح* * * سبه غيرا في أنسابه‏

____________

(1) ص 4 مقدمة كتاب الخفاجي «الإسلام دين الإنسانية الخالد».

487

في لفه قلم لعا* * * ب النحل قصر عن لعابه‏

أسفاره منهلة* * * كالغيث تهطل من سحابه‏

أناره نست علي* * * ه و جردته من نقابه‏

كالطيب في الاخفاق ين* * * فخ ريحه رغم احتجابه‏

السيف سيف مصلبا* * * أو مستكا في قرابه‏

و قال فيه الشاعر الكبير الدكتور حسن جاد:

حيو الأديب الذكيا* * * و العالم الألمعيا

رب اليراع المجلسي‏* * * رسائلا و دويا

و من يهز .. خطيبا* * * و يستثر النديا

فما يمل دءوبا* * * و لا يكل مضيا

فقل لمن كرموه‏* * * رمتم مراما عصيا

حوى الفنون جميعا* * * فليس ينقص شيئا

و شق كل طريق‏* * * من ذا يصد الأتيا؟

و طبق الشرق ذكرا* * * و شهوة و دويا

حتى شاى كل ميت‏* * * و بذ من كان حيا

و لم يدع للسيوطي‏* * * في الكتب ذكرا بقيا

أخا الصبا و صديقي‏* * * أفديك خلا وفيا

مؤلفاتك شتى‏* * * و ما برحت فتيا

الدين جليت فيه‏* * * كتابه القدسيا

و كم خدمت احتسابا* * * حديثه النبويا

و كم سهرت لتحيي‏* * * تاريخنا العربيا

تكسو البيان جديدا* * * من الثيات بهيا

و انهض إلى المجد و اصعد* * * إلى مدار الثريا

و اللّه حسبك حصنا* * * مكافئا و وليا

488

و قال فيه الشاعر كامل أمين:

يا أخا الخير، يا خفاجة، و الخير شباب الندى و روح الحياة كل أرض نما بها البر روح ألبسته الحياة ثوب النبات، قد عهدناك يا أخي تعبر الناس فتسعى بهم كسعي الفرات تبعث البائس القنوط من الآمال كبعث الحياة بعد الممات.

يا أخي كيف مد سحرك في الليل فمد الصباح بين بيانك ريشة الساحر الصناع بكفيك و سحر البيان تحت لسانك و خيال الحديث يجذب كاللحن فإذا عزفته في كمانك الكمان الذي استحال يراعا عز داود فيه من ألحانك.

و قالت فيه الشاعرة جليلة رضا:

إنه كالفجر في سناه الوليد ذائم الخلق، دائم التجديد و هو الحق و الفضيلة و الصدق و نور الإيمان و التوحيد و هو العلم و البلاغة و الفصحى و رمز الإجلال و التمجيد و هو كالطفل في سماحته الحلوة في قلبه الشفيف الودود و هو كالوحش إن غزا الكتب استأسد و انقض فوقها كالأسود و هو في مجلس التشاحن و البغض كوجه السماء بعد الرعود بسمة كالندى و وجه صبوح و اتضاع في عزة و صمود فإذا هم بالحديث فأطراق العذارى و حكمة ابن الرشيد قلم عاشق و طرس عشيق و بيان يفي بكل الوعود هكذا بذرع الوجود خفاجي بين بحث و فكرة و جهود فهو فخر الكتاب في عصرنا الحاضر رمز البقاء و التخليد و أبو المجد و العلا للخفاجيين من قبل و من قديم الجدود.

و قال الشاعر محمود الماحي فيه:

إني أكرم همة لم يؤتها* * * بشر بعصر قد نسى كتابه‏

و لسان مقتدر عليم بسارع‏* * * مستصغر رغم الشقاء عذابه‏

في هذه الدنيا التي من هولها* * * سئم الأديب و عودها الخلابة

يجري وراء سرابها و سرابها* * * يجري بلا أمل يريد سرابه‏

489

يا أيها القلم السخي بعلمه‏* * * درر الحجا و قلائد منسابه‏

لا جف منك و مدادك الغالي و لا* * * فارقت قلبا مبديا إعجابه‏

و قال عنه الشاعر أحمد أبو المجد عيسى:

هذا الذي هام بالأسفار يكتبها* * * حبات عقد بديع جد مؤتلق‏

لك الأنامل كم صاغت لنا أدبا* * * به شغلنا عن الأجيال و الحدق‏

لك الطرائف من علم و من أدب‏* * * سارت مسير ضياء الشمس في الأفق‏

و أنت للجيل أستاذ تعلمه‏* * * بما يحليك من علم و من خلق‏

و نلت بالعلم جاها أنت كاسبه‏* * * و لم تتله بتزييف و لا ملق‏

و كم رفعت أديبا كان في ظلم‏* * * كأنما عاش تحت الأرض في نفق‏

و نحن حولك إن كنا ذوي أدب‏* * * فالطير تهفو لفيض الجدول الغدق‏

و الصادح العبقري اللحن يسعده‏* * * أن يستجيب إلى بستانه العبق‏

يكفيك أنك في الأقطار جامعة* * * تزود الفكر بالأضواء و الالق‏

و قال عنه الشاعر إبراهيم شعراوي:

خفاجي، هاتف ينساب طهرا* * * بأعماقي و يسكب في نشوه‏

فاهتف و النداء يهز نفسي‏* * * خفاجي لفظة كالشهد حلوه‏

أبي يا فرس الآداب إني‏* * * لأبصر فيك ميدانا و صهوه‏

إذا ما سأرجع الناس يوما* * * إلى العليا بتصميم و قوه‏

لكنت كشعلة بين الدياجي‏* * * تسير أمام هذا الجمع خطوه‏

490

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

491

أبو الجامعات في الشرق و الغرب قلعة حضارية في تاريخ مصر الإسلامية

هذا البناء الشامخ، و المسجد العريق القائم في نهاية شارع الأزهر بالقاهرة، و المجاور لميدان الحسين، و الذي رفع قبابه جوهر الصقلى، قائد جيش فتح مصر في عهد المعز الفاطمي- هو جامعة الجامعات، و معهد العلم في عاصمة مصر قاهرة المعز الخالدة، و هو حقا قلعة حضارية في تاريخ مصر الإسلامية طوال ألف عام أو يزيد .. إنه الأزهر أبو الجامعات في الشرق و العرب.

و شيخ معاهد العلم في مختلف أرجاء العالم. و إذا كان مسجد القرويين قد أنشى‏ء في فاس عام 245 ه 859 م، فإنه لم يتحول إلى جامعة إلا في زمن متأخر جدا، بينما صار الجامع الأزهر جامعة إسلامية بعد إنشائه بسنوات، و صار مقصد الطلاب و الأساتذة من أنحاء الدنيا، و قام برسالة ثقافية كبيرة طيلة ألف عام، مما لم يحدث في تاريخ أية جامعة من الجامعات في الشرق و لا في الغرب.

و كان إنشاء الأزهر و قيام الحلقات العلمية الجامعية فيه بعد إنشائه مباشرة و حتى اليوم، معجزة المعجزات في تاريخ الثقافة الإسلامية ..

و الأزهر هو أبو الجامعات الدينية، في عالم الإسلام، و هو الذي‏

492

يمدها بالتوجيه و الخبرة، و بالخطط العلمية المدروسة، و بالمناهج و الأساتذة، و على نمطه قامت مختلف الجامعات الاسلامية الحديثة في أنحاء العالم الاسلامي، و صار هو الصورة المشرقة لكل الجامعات و هو الذي يلخص تاريخ الحضارة الإسلامية كلها طوال ألف عام ..

إنه روح هذه الحضارة، و المعبر عنها و المترجم لثقافاتها. و هو موئل العربية و ملاذها الأمين. منذ قيامه إلى اليوم و قد سمي الأزهر لأنه كان محاطا بقصور زاهرة في رأي، أو لأنه كان أكبر الجوامع على الاطلاق رواء و جلالا و فخامة في رأي، أو لأنه ينتسب إلى الفاطمية و إلى فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) في رأي آخر، أو للتفاؤل بما سيكون له من المكانة و الجلال و الازدهار العلمي في تاريخ الثقافة الاسلامية.

و قد شرع المعز الفاطمي منذ تولى الحكم في دولة الفاطميين في المغرب في بناء دولة واسعة، و امبراطورية ضخمة لآل البيت في وسط العالم الإسلامي، و من ثم امتد بصره إلى مصر، و شرع في التمهيد لفتحها، و نشط الدعاة الفاطميون في الدعوة لآل البيت في أنحاء مصر كلها، ثم عين قائده جوهرا قائدا لجيش الفتح، فخرج من القيروان بجيش ضخم في 14 من ربيع الأول عام 357 ه فبراير 969 م، فاستولى على الأسكندرية، ثم واصل زحفه إلى الجيزة، فدخلها في 11، من شعبان عام 358 ه- يوليو 969 م، و في اليوم التالي دخل جوهر الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية الأولى آنذاك.

و مكث جوهر في شمالي الفسطاط ثمانية أيام استراحت فيها جنوده بعد عبورهم النيل من الجيزة إلى الفسطاط و أخذ جوهر في وضع أساس عاصمة جديدة لمصر الفاطمية، فوضع أساسها في يوم الثلاثاء 17 من شعبان 358 ه 7 يوليو 969 م كما ورد في خطط المقريزي (ج 2 ص 204)، و وضع أساس القصر الفاطمي الكبير- الشرقي في اليوم التالي ليكون مقر

493

الخليفة الفاطمي المعز لدين اللّه.

و في يوم السبت 24 من جمادى الأولى عام 359 ه- 12 من أبريل 970 م شرع القائد جوهر في بناء الجامع الأزهر إلى جانب القصر الكبير- الخطط ج 3 ص 373- و ظل البناء عامين (970- 972 م)، و تم البناء و أقيمت الصلاة فيه لأول مرة في السابع من رمضان عام 361 ه- 22 من يونيو عام 972 م و لم يلبث ان صار هذا المسجد هو المسجد الرسمي لدولة الفاطميين، و بعد تسعة أشهر من افتتاحه أخذ الناس يتلقون فيه عقائد المذهب الفاطمي.

و كانوا يجتمعون كل يوم جمعة فيما بين صلاة الظهر و صلاة العصر، و على رأسهم الوزير أبو يعقوب قاضي الخندق (خطط المقريزي ج- 5 ص 49) و منذ عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي بنيت الأروقة حول الأزهر، و صارت جزءا منه، و فرشت بما يلزم من الفرش، و صارت مساكن يقيم بها الطلاب، و في مقدمتهم الطلاب الوافدون على الأزهر من أنحاء العالم الإسلامي و من شتى مدن مصر الفاطمية.

و كان نظام الحلقات الذي كان متبعا في تلك الحقبة من الزمن هو النظام الوحيد للدراسة في الجامع الأزهر، و هو أساس الحياة العلمية و الثقافية في مصر. و كان لكل مذهب من المذاهب الأربعة عمود معين من عمد الجامع لا يجلس فيه إلا أهل هذا المذهب، و كان شيخ المذهب حريصا على أن تكون حلقته العلمية بجوار هذا العمود، و كان من عادته في أثناء إلقاء الدروس أن يجلس على الأرض بجوار العمود مستقبلا القبلة، ثم صار أخيرا يجلس على كرسي من الخشب أو الجريد، و صارت تلك الكراسي من أخص امتيازات كبار العلماء فيه، و من ذلك أخذت الجامعات نظام الأساتذة ذوي الكراسي، و كان الطلبة يجلسون حول أستاذهم على هيئة حلقة و لكل طالب مكان في الحلقة لا يتعداه. و كان في الحلقة طالب‏

494

من أنبه طلابها يكلفه الأستاذ بإعادة درسه على زملائه و بقراءة الموضوع العلمي للدرس في مختلف مصادره، و سمي هذا الطالب معيدا، و عن الأزهر أخذت الجامعات نظام المعيدين أيضا. و كانت طريقة التعليم إذ ذاك هي أن يبدأ الشيخ درسه بالبسملة و الحمد للّه و الصلاة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، ثم يلخص موضوع درسه، ثم يقرأ النصوص التي كتبت حوله في مختلف المصادر، و يقوم الطلاب بسؤال أستاذهم في كل ما غمض عليهم، و يستمر الحوار و المناقشة و الأسئلة و الإجابة عنها طول الدرس بين الأستاذ و طلبته!

و لا ننسى أنه بعد انتهاء الدولة الفاطمية، و تولى صلاح الدين الأيوبي حكم مصر عام 567 ه. أفتاه قاضيه صدر الدين بن عبد الملك بن درباس الشافعي بامتناع اقامة خطبتين في بلد واحد كما هو مذهب الإمام الشافعي، فأبطل صلاح الدين الخطبة و التدريس في الجامع الأزهر، و أقر الخطبة في الجامع الحاكمي بحجة أنه أوسع، ثم أعيدت إلى الأزهر الدراسة، و كان أول ما درس به من مذاهب أهل السنة مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، ثم درست المذاهب الأخرى على التتابع، فلما تولى الملك الظاهر بيبرس حكم مصر عام 658 ه لم يلبث أن أعاد الخطبة الى الجامع الأزهر عام 665 ه- 1266- 1267 م.

و زاد بيبرس في بناء الجامع و شجع العلم و التعليم فيه، و أقام الأمير عز الدين أيدمر الحلى احتفالا رسميا عظيما في الجامع الأزهر، ابتهاجا بعودة الخطبة إليه، كما أقام احتفالا عظيما آخر في داره حضرهما رجال الدولة و قادتها، و كان هذا الأمير يجاور الأزهر بسكناه، و تبرع له الكثير من ماله الخاص، و جمع له الكثير من التبرعات من الدولة و من الأمراء، و أخذ في ترميم مبانيه، و في عمارته.

و لقى الأزهر من عناية الشعب الشي‏ء الكثير فعاد الى حلقاته العلمية

495

الازدهار و الجلال، و بخاصة بعد أن دمر المغول في غزواتهم كل معاهد العلم في العالم الاسلامي، و بعد أن قضى الاسبانيون على المدارس الإسلامية في الأندلس، و لم يبق في العالم الإسلامي على رسالة العلم و الثقافة و بناء الحضارة غير الأزهر الشريف.

و لما فتح سليم الأول العثماني مصر، أخذ يظهر التودد إلى العلماء، و الرعاية للأزهر، و يكثر من زيارته و الصلاة فيه، و أمر بتلاوة القرآن به، و تصدق على فقراء طلابه.

و في عام 1004 ه- 1595 م جدد الأزهر و إلى مصر العثماني الشريف محمد باشا في عهد السلطان العثماني محمد الثالث، و رتب لطلبته الفقراء طعاما يجهز لهم كل يوم، فكان ذلك حافزا كبيرا على زيادة الاقبال عليه.

و لم يكن للأزهر قانون معين، حتى عام، 1288 ه- 1872 م، ففي هذا العام، و في عهد شيخه الشيخ محمد العباسي وضع قانون للتدريس في الأزهر صدر به مرسوم خديوي بتاريخ 22 من ذي القعدة عام 1287 ه- 3 فبراير 1872 م- نص فيه على ما يلي:

1- أن يكون الحصول على شهادة العالمية بامتحان يجري على يد لجنة من العلماء يختارهم شيخ الجامع.

2- أن يقسم العلماء إلى درجات ثلاث: أولى و ثانية و ثالثة.

3- أن تكون العلوم التي يمتحن فيها الطلاب هي: الفقه- الأصول- التوحيد- الحديث- التفسير- النحو- الصرف- البلاغة- المنطق.

و لم يكن يسمح بدخول الامتحان إلا لستة من الطلاب، فإذا ازداد العدد يرجح منهم من امتاز بالشهرة أو بكبر السن.

و في عام 1312 ه- 1895 م في عهد الخديو عباس الثاني وضع‏

496

قانون جديد للأزهر، ألف بمقتضاه مجلس لإدارة الأزهر من أكابر شيوخه الممثلين للمذاهب الأربعة، و من ممثل للحكومة.

و لا ننسى أن أقدم أساتذة الأزهر كان هو القاضي أبو الحسن علي بن النعمان (- 374 ه) فهو أول أستاذ ألقى درسا في الأزهر- ثم تلاه أخوه القاضي محمد بن النعمان (- 389 ه- 999 م)- ثم ابنه الحسين بن النعمان قاضي الحاكم بأمر اللّه الفاطمي.

و من أساتذته أبو عبد اللّه القضاعي الفقيه و المؤرخ (- 454 ه- 1062 م) و كان هو سفير المستنصر باللّه الفاطمي إلى قيصرة القسطنطينية «تيودورا» لعقد صلح بين مصر و الامبراطورية الرومانية الشرقية، و من كتبه «المختار في ذكر الخطط و الآثار».

و من الأساتذة كذلك الأمير المختار عز الملك محمد المشهور بالمسبحي (- 420 ه- 1029 م) و هو من أقطاب العلماء و مشهوريهم و له كتاب بعنوان «أخبار مصر و فضائلها».

و منهم كذلك الشاطبي (538- 590 ه- 1194 م) إمام القراءات في عصره.

و ممن قام بالتدريس في الأزهر المؤرخ عبد اللطيف البغدادي (- 629 ه)، و قد قدم على مصر عام 589 ه- 1193 م، و تولى التدريس بالأزهر أعواما عدة، في مواد الكلام و البيان و المنطق، كما ألقى بعض دروسه الطبية في حلقات خاصة.

و كذلك الشاعر الشيخ الصوفي الكبير شرف الدين عمر بن الفارض (- 632 ه- 1234 م)، و ابن خلكان شمس الدين (- 680 ه- 1281 م) الذي وفد على القاهرة عام 637 ه- 1239 م.

و كذلك ابن هشام أمام العربية في مصر (- 646 ه)، و شيخ‏

497

المؤرخين ابن خلدون (- 808 ه- 1406 ه). و لما قدم ابن بطوطة إلى مصر عام 726 ه- 1325 م زار الأزهر، و تعرف بعلمائه و ذكر بعضهم، و منهم: قوام الدين الكرماني- شرف الدين الزواوي المالكي- شمس الدين الأصبهاني (راجع الرحلة لابن بطوطة ص 25).

و كذلك ممن درسوا في الأزهر ابن حبان الغرناطي العالم اللغوي المشهور، حيث كان يلقي دروسه فيه.

و كذلك المؤرخ المشهور تقي الدين المقريزي.

و منذ أواخر القرن الثامن قلما نجد شيخا مشهورا أو أستاذا كبيرا، لم يأخذ مجلسه في الأزهر، و بحسبنا أن ابن خلدون شيخ المؤرخين اتخذ حلقة علمية له فيه، و كان تدريسه في الأزهر و جلوسه في حلقاته العلمية، حدثا علميا كبيرا.

و ممن درسوا فيه كذلك: تلميذ ابن خلدون المؤرخ المشهور العلامة المغربي محمد تقي الدين الفاسي (- 842 ه).

و من شيوخه كذلك: الإمام شهاب الدين بن عبد الحق السنباطي (- 950 ه- 1543 م)، و الشيخ الخرشي المالكي شيخ الجامع الأزهر (- 1101 ه- 1689 م)، و الشيخ إبراهيم بن محمد البرماوي (- 1106 ه- 1695 م) و كان من شيوخ الأزهر الشريف، و الشيخ حسن بن علي الجبرتي (- 1116 ه- 1704 م) و هو جد المؤرخ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي.

و منهم كذلك العلامة المغربي شهاب الدين المقري (- 1041 ه- 1633 م) و قد وفد على مصر عام 1027 ه- 1618 م و منذ ذلك التاريخ لازم التدريس في الجامع الأزهر، و أقبل على حلقته العلمية الأساتذة و الطلاب.

498

و منهم كذلك الشيخ الإمام الصوفي عبد الغني النابلسي الذي زار مصر عام 1105 ه، و الذي تصدر حلقة علمية من حلقاته، و كذلك مرتضى الزبيدي اليمني صاحب شرح القاموس، و كان من كبار العلماء في الحديث و اللغة و الأدب، و كتابه «تاج العروس من جواهر القاموس» مشهور، و قد ترجم له تلميذه الجبرتي في تاريخه (2 ص 208- 220 عجائب الآثار للجبرتي).

و من أعلام شيوخه و مدرسيه الإمام محمد عبده (- 1905 م) مفتي مصر، و مصلح الأزهر، و منشى‏ء مكتبته، و واضع أهم قوانينه. و كان يلقي دروسه في التفسير فيه في الرواق العباسي.

و ممن تخرجوا فيه أو درسوا فيه طائفة كبيرة من أعلام نهضة مصر، و منهم الزعيم أحمد عرابي، و سعد زغلول، و عبد اللّه فكري باشا (- 1889 م)، و المنفلوطي (- 1924 م)، و الشيخ محمد شاكر (- 1939 م)، و الشيخ عبد العزيز البشري (- 1943 م)، و الشيخ أحمد الزين، و د. زكي مبارك (- 1952)، و طه حسين، و أحمد حسن الزيات، و غيرهم.

و من أعلام المتخرجين فيه كذلك: الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري (- 1888 م)- و الشيخ حسين المرصفي (- 1889 م)، و الشيخ حمزة فتح اللّه (- 1918 م)، و الشيخ سيد المرصفي (- 1931)، و غيرهم.

و قد تولى مشيخة الجامع الأزهر منذ العصر العثماني إلى اليوم ثمانية و أربعون شيخا، أولهم الشيخ محمد بن عبد اللّه الخرشي المالكي المتوفى في 17 من ذي الحجة عام 1101 ه.

و منهم: الشيخ البرماوي (- 1106 ه) و النشرتي (- 1120 ه)،

499

و الشيخ عبد اللّه الشبراوي أمام الصوفية في عصره (1092- 1171 ه) و منهم الشيخ عبد اللّه الشرقاوي الشافعي (1150- 1227 ه: 1737- 1812 م) و الشيخ حسن العطار (- 1250 ه)، و الشيخ مصطفى العروسي، و الشيخ محمد العباسي المهدي، و الشيخ محمد الإنبابي، و الشيخ حسونة النواوي، و الشيخ عبد الرحمن النواوي، و الشيخ سليم البشري المتوفى في 17 من أكتوبر عام 1917 م، و الشيخ أبو الفضل الجيزاوي ثم الشيخ المراغي، و الشيخ الأحمدي الظواهري، و الشيخ المراغي للمرة الثانية حتى توفي عام 1945، ثم الشيخ مصطفى عبد الرازق (- 1948)، فالشيخ مأمون الشناوي، فالشيخ إبراهيم حمروش، فالشيخ عبد المجيد سليم، فالشيخ محمد الخضر حسين، فالشيخ عبد الرحمن تاج، فالشيخ محمود شلتوت، فالشيخ حسن مأمون، فالشيخ محمد الفحام، فالشيخ عبد الحليم محمود، فالشيخ محمد عبد الرحمن بيصار شيخه الذي تولى مشيخة الأزهر.

و لا ننسى ثورات الأزهر الوطنية، ثورة الشيخ الدردير التي وضعت أول ميثاق لحقوق الإنسان، و ثورة الشيخ عبد اللّه الشرقاوي التي ألزمت الحكام المماليك بالعدالة في معاملة الشعب، ثم ثورة عرابي، و ثورة عام 1919، و هما اللتان أيدهما الأزهر و شارك فيهما مشاركة فعالة .. و لا ننسى كذلك ثورة القاهرة الأولى و الثانية التي قام بها الأزهر من أجل تحرير مصر من الاحتلال الفرنسي.

و بعد، فهذا هو الأزهر، و هذا هو تاريخه الحافل، في بناء الثقافة و الفكر و الحضارة في مصر الإسلامية، بل في العالم الإسلامي كافة. و لا يزال الأزهر يتصدر حتى اليوم الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي.

و سوف تحتفل مصر الخالدة بالعيد الألفي للأزهر بعد شهور قليلة،

500

لتقدم باسمها و باسم العالم الإسلامي لهذه الجامعة العريقة كل عرفان بالفضل، و تقدير للصنيع، على ما قام به طوال ألف عام من بناء للفكر و للوطن و للإنسان.

501

ترجمة القرآن الكريم‏

اقترح شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات العالمية و تقدم بها مشيخة الأزهر بمساعدة وزارة المعارف و أن يقرر مجلس الوزراء المصري الاعتماد اللازم لذلك المشروع الجليل.

و ذلك في خطاب بعث به الشيخ المراغي إلى رئيس مجلس الوزراء في مصر.

و قد ناقش المشروع كثير من الناس، و كتب الشيخ محمد سليمان القاضي الشرعي كتابا بعنوان «حدث الأحداث في الإسلام الإقدام على ترجمة القرآن»، و أخرج محمد مصطفى الشاطر كتابه «الرد على مشروع ترجمة القرآن الكريم».

فأصدرت جماعة كبار العلماء في الأزهر الشريف فتوى بإجازة ترجمة معاني القرآن الكريم، وقع عليها الأعضاء، و هم:

- محمود الديناري شيخ معهد طنطا.

- عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.

- إبراهيم حمروش شيخ كلية اللغة.

- محمد مأمون الشناوي شيخ كلية الشريعة.

502

- عبد المجيد سليم مفتي مصر.

- محمد عبد اللطيف الفحام وكيل الأزهر.

- دسوقي عبد اللّه العربي.

- يوسف الدجوي.

- محمد سبيع الذهبي شيخ الحنابلة.

- أحمد الدلبشاني.

- عبد المعطي الشرشيمي.

- عبد الرحمن قراعة.

- أحمد نصر.

- محمد الشافعي الظواهري.

و بعد ذلك أصدر مجلس الوزراء قرارا بالموافقة على ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة رسمية في جلسته المنعقدة في 16 أبريل 1936.

503

الشيخ المراغي‏

هو الشيخ محمد مصطفى المراغي، ولد في مراغة أحد مراكز سوهاج في مارس 1881، بدا رحلته التعليمية بحفظ القرآن الكريم، ثم ذهب إلى طهطا لمواصلة العلم و اتجه بعدها إلى الأزهر الشريف و حصل منه على العالمية في عام 1904، اشتغل في مستهل حياته الوظيفية بالسودان، و قد عين قاضيا في دنقلة في نفس السنة التي تخرج فيها من الأزهر ثم عين قاضيا لمديرية الخرطوم في ديسمبر 1906 و رقى بعدها ليشغل وظيفة قاضي القضاة في ديسمبر 1908 و هو أكبر منصب قضائي في السودان كله، نظم خلاله القضاء الشرعي بالقطر الشقيق. ثم نقل إلى مصر في سبتمبر 1919، و ظل يرقى المناصب القضائية إلى أن عين رئيسا لمحكمة مصر الشرعية العليا في عام 1923 مما أتاح له أن ينهض بقانون الأحوال الشخصية بعد أن برم الناس به، و استطاع أن يأخذ من التشريع الإسلامي من غير تقيد بمذهب، و لمس الناس أثر إصلاحاته الكبرى.

ثم حاول القيام بأخطر مهمة في تاريخ الأزهر و ذلك عن طريق تطويره و إصلاحه و مسايرته لروح العصر إذ عين شيخا للجامع الأزهر في مايو 1982. بدأ عمله بنهج طيب مفاده أن يحفظ للخريج مكانته. إذ أرادت وزارة الأوقاف منذ عام مضى (أي في عام 1927) إنشاء مدرسة الوعظ

504

و الإرشاد، لأنها ظنت أن علماء الأزهر غير قادرين على تأدية هذه المهمة.

و كان لهذه المدرسة مخصصات في ميزانية 1928. فتدخل الشيخ متعللا بأنه في الإمكان الاستغناء عن تلك المدرسة بعد إصلاح الأزهر، و كان بالفعل قد سار شوطا في هذا المجال. فكتب مذكرته الإصلاحية الشهيرة- و التي تعتبر بحق دستور الإصلاح في الأزهر الحديث- ضمنها آراءه و أفكاره و خلاصة تجاربه، و أهم ما جاء فيها تقسيم القسم العالي بالأزهر إلى كليات ثلاث: كلية أصول الدين و الشريعة و اللغة العربية و إنشاء قسم للدراسات العليا يسمى تخصص المادة، ثم بعض المواد في كيفية ادارة الأزهر.

و انقسم الأزهر أمام تلك الآراء إلى قسمين: مؤيد و معارض، وقف الملك فؤاد بجانب الفريق المعارض، للخلاف الناشى‏ء بينه و بين المراغي في بعض مواد القانون فقدم استقالته من مشيخة الأزهر، و بالرغم من قصر المدة التي قضاها و هي لا تتعدى أربعة عشر شهرا، إلا أنها كانت فترة حافلة بآثارها و نتائجها. فقد كان لآرائه وقع كبير في نفوس كل من العلماء و طلبة الأزهر، يدل على ذلك أن قام الأزهريون عن بكرة أبيهم شيوخا و طلابا في مظاهرة من العنف و الشدة و من ورائهم الأمة جمعاء، و ليس لهم من مطلب سوى عودة الشيخ إلى الأزهر ليواصل المسيرة الإصلاحية، فرضخ المسئولون و على رأسهم الملك لمطلب الشعب و عاد الشيخ إلى الأزهر.

فسكنت نفوس الأزهريين و أرادوا التعبير عن ولائهم له و السرور بعودته فأقاموا لتلك المناسبة حفلا لتكريمه بأرض المعرض الزراعي احتشد فيه أكثر من ثلاثين ألف رجل من جميع فئات الشعب، و حضره بعض الأمراء و رجال الفكر و السياسة في العالم.

و قد صدرت الصحف صباح الحفل تشيد بنظامه و مما ألقى فيه من خطب و قصائد و تهنى‏ء الشيخ و تغبطه على مقامه في الأزهر و في الأمة حتى‏