الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
55

الرجل عليها و القيام بخدمتها و نفقتها و وضعها دون الحجاب الذي يحفظ لها كرامتها و يديم عليها بهجتها لا يجد في المجتمع ما يؤيده و يساعده لأن الناس مغرمون بالتشريعات التي تبيح للمرأة الاختلاط بالرجال و مثل هذه التشريعات تحمل المرأة على أن تترجل و تحمل الرجل على أن يتخنث.

الحق أقول لك أيها السائل: إن في النفس شيئا كثيرا، و يكفي أن أقول لك: إن الرسالة الأزهرية لا يتم أداؤها إلا إذا تعاون معهم أهل السلطان، و هذا هو المنتظر بعد أن يتم القضاء على الاستعمار و أذنابه.

الأزهري و واجبه الديني و الروحي‏

يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم و يأبى اللّه إلا أن يتم و نوره و لو كره الكافرون. ضلت الإنسانية و ذلت البشرية، إن لم تهتد بنور الإسلام المشرق. و ترو سحابة المغدق و تستظل بظله الوارف الأمين. و ساء مثل الأمم و الشعوب إن لم تؤمن بهذه الشريعة الباقية الخالدة، و ذلك الكتاب السماوي الحكيم، الذي جاء به محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) نورا و هدى للناس و روحا و ذكرى للعالم و للمؤمنين. و شاهت وجوه أولئك الوارثين لمجد الإسلام الخالد و تراثه التليد. إن لم يضربوا أروع المثل في سبيل اللّه و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره الكافرون كما ضرب أسلافهم الأرواع المشابيب أكرم الأمثال و قاموا بأروع التضحيات و الجهاد، لتكون كلمة اللّه هي العليا. لقد وقعت المعجزة منذ أربعة عشر قرنا: على يدي هادي الإنسانية و ناشر السلام و علم الدنيا و الآخرة محمد (صلى اللّه عليه و سلّم)، و على أيدي أصحابه الأبطال الميامين، فعلت كلمة الحق، و نشرت راية الفضيلة، و رفع لواء الحضارة و المدنية و الثقافة، و ظهرت على دول العالم القديم الأمة الإسلامية المؤمنة، فكان لها الفوز الأكبر، و النصر المؤزر، و الكلمة العليا، و الشرف العظيم. فلم لا يقوم الأزهر بمثل تلك المعجزة من جديد؟

فيقودها ثورة صارمة في وجه الباطل، و هداية حكيمة تملأ مشارق الأرض‏

56

و مغاربها نورا، حتى يطمئن العقل الحائر، و يسعد العالم الشقي، و تنعم الإنسانية المعذبة، و تسود كلمة الحق و الخير و الفضيلة، و تعود الحياة سيرتها الأولى. و لم لا يستصغر المشقات في جانب روح الأبد، و راحة الضمير ... لا يأس في الدعوة، فإنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون، و لا ونى في الهداية، فإنه لا يبني في ميدان الجهاد إلا من لبس إيمانه بظلم، و لا عمل إلا للّه و رسوله، فإن أجدر عمل بالظفر و السداد ما كانت غايته اللّه و رسوله. فإما أن يحيى للدعوة مجاهدا لإظهار كلمة اللّه، و إما أن يموت في ميدانها شهيدا.

أين الأزهري الذي يدعو الناس بخلقه و أدبه و طريقته، إلى ما يدعوهم إليه بقوله و بيانه و حجته؟ .. و هل تكون العظة ذات أثر إلا إذا صدرت من مؤمن عامل بها، و ممن يأمر بالمعروف و لا ينسى نفسه؟ فما أفحم الداعي إلى مكرمة لم يندب نفسه لها و إن كان بليغا منطقيا. على الأزهري أن يدعو الناس بالحكمة و الموعظة الحسنة، و الحجة البالغة، و الآية المبصرة ...

يأخذ الناس على حسب عقولهم، و يكلمهم بما يؤثر في نفوسهم و يعرض عليه نواحي الجمال في العقيدة الإسلامية، و يبين لهم ما فيها من دعوة إلى الحق و الخير و الجمال و العدالة، و من إعزاز للنفس الإنسانية و سمو بها، و تكريم لقدر الإنسان في الحياة، و ما فيها من ألوان الإصلاح في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و العلم و العمران، و من سماحة في المبادى‏ء و سهولة في التشريع، و يسر في الشعائر، و ما فيها من ديمقراطية عالية، و روحية سامية، و إخاء كريم و عدالة و مساواة و إيثار ضربت بها الأمثال بين الناس.

و عليه أن يضرب لهم الأمثال بالأسلاف الأولين، و ما كان لهم من المواقف الرائعة، و المشاهد الماجدة، و الصفحات الناصعة في كل ميدان ... و أن يفصل لهم المدى الذي بلغته الحضارة الإسلامية و الفكر الإسلامي، و ما كان لهما من آثار بعيدة في النهضة الغربية الحديثة. و أن يعاضد رجال الفكر و الثقافة و الصحافة، و يتخذهم أصدقاء يساعدونه على أداء رسالته الدينية

57

و نشرها بين الناس، و أن ينشى‏ء الجمعيات الدينية التي تسهم بنشاط في نواحي المجتمع و مرافق الأمة، و على الأزهر أن يهضم الثقافة الإسلامية القديمة، و يحيلها غذاء عقليا جديدا بأسلوب يتفق و روح العصر و الزمن، إن الأزهر داعية للدين و الخير .. فعليه أن ينهض بالعب‏ء و يحمل الرسالة، و يؤدي الأمانة. و أن يرشد الناس من جديد إلى كل ما في الدين من حق و خير و جمال.

و التصوف و السمو الروحي في الإسلام جدير بتأمله و دراسته و إذاعته بين الناس، ليفهموا رسالة الروحية الحقة، و السلام الأبدي، و الطمأنينة النفسية العميقة، التي هي «الطب الروحي» و «العلاج النفسي» الصحيح، الذي سبق بالكشف عنه فلاسفة الإسلام و متصوفوه منذ أجيال مديدة في تاريخ الحياة.

الأزهري كما ينبغي أن يكون‏

كتب الأستاذ الأكبر المرحوم محمد مصطفى المراغي حول هذا الموضوع يقول:

أول ما يجب أن يكون عليه الأزهري: هو المحافظة على الشعائر الإسلامية محافظة تامة بحيث لا يقصر في شي‏ء منها، و لا يمكن غيره من الاحتفاظ عليه بزلة، حتى يكون قدوة بعمله لا بقوله فحسب، و القدوة العملية تترك في النفوس أثرا صالحا، تؤثر فيها ما لا تؤثره الأقوال، و الشعائر الدينية في جملتها من أكبر الوسائل لطمأنينة النفس و التحلي بالأخلاق الفاضلة، و هي التي توجد الصلة بين العبد و ربه، و تقوي صلات الأفراد، و تحسن حال الجماعات، و يصاحب هذا ملازمة الأخلاق النبوية، و التبصر في هدى القرآن و السنة، و مجاهدة النفس و رياضتها على احتمال الأذى و المكروه في سبيل العمل بالأخلاق الدينية و أداء الشعائر الإسلامية،

58

حتى تصير الفضيلة شعارا و ملكة، و حتى تصدر أعمال الخير من غير تعمل و روية. و من لوازم الداعي و المرشد أن يكون شجاعا صادقا قوي الإيمان بما يدعو إليه يرى في الإقدام لذة، و حقا للنفس الخيرة يؤديه احتسابا للّه لا على أنه مكلف به، يؤديه للأجر و زيادة الدرجات و المرتبات، و من حق الداعي أن يكون بصيرا بالوسط الذي يعيش فيه، خبيرا بأحوال النفوس، واسع الحيلة في التنقل من طريق إلى طريق، يقصد إلى الهداية المطلوبة من طريقها النافع. و ليس أفعل في النفوس من جلال تسكبه التقوى و ملازمة حدود اللّه، و من جمال يلقيه العلم الناضج على صاحبه، و من هيبة يوجدها الإعراض عن الدنيا و عدم الحرص عليها، و قد شاهدنا فقراء ليس لهم جاه رسمي، و لا عزة عصبية، يهابهم أصحاب المقامات الرفيعة و الأموال المكنوزة، و ينكمشون أمام هيبتهم التي بسطتها التقوى وزانهم بها العزيز الحكيم.

و الحرص على الدنيا يفسد على العالم لذة العلم، و يفسد عليه الغاية التي يطلبها، و هي الهداية، و الناس لا شك زاهدون في العلماء إذا رأوهم مقبلين عليها معرضين عن الآخرة. فلتكن الدنيا مطلوبة بالقدر الذي تستحقه، و في الدرجة التالية لدراسة العلم و تحصيله و اللذة به نفسه، و باعتباره وسيلة من وسائل الآخرة، و طريقا لرضي اللّه و رسوله. و لقد كانت للأزهريين تقاليد متوارثة محمودة، و هي عطف الكبير على الصغير، و توقير الصغير للكبير، و احترام الأسلاف، و الصبر على الدرس و التحصيل، و تفهم المسائل بعللها و أسبابها و ما يتفرع عنها و يتولد منها، لا يبالون في سبيل ذلك بالوقت و الجهد و يرونه أكبر لذة للنفس و أكبر متاع للعقل، و يرونه واسطة المجد و طريق الشرف و الكرامة، و كان طالب العلم إذا لم يفهم كتابا أعاده، و إذا لم يفهم مسألة فتش عمّن يفهمها منه، و كانت اجتماعاتهم لا تخلو من المذاكرة في مسألة من مسائل العلم، و قد رأينا منهم من كان أهلا للتدريس و للتقدم للامتحان و كان يحجم لأنه يريد الاستزادة و تكميل النفس،

59

فالعلم نفسه تفوق لذته لذة الحصول على الدرجة، و الدخول في مضمار الحياة. كانوا يجيدون تحضير الدروس قبل إلقائها على التلاميذ بقدر ما بسمح به الجهد. و كان الطلبة يجيدون تحضير الدروس و فهمها قبل تلقيها عن الشيوخ بل كان نوابغ الطلبة لا يذهبون إلى تلقي الدروس إلا لحل مشكلة عرضت لهم. أو انتظار لتحقيق مسألة من مسائلها .. كانوا يفعلون هذا مع الطمأنينة و اللذة وسعة الصدر، لا للنجاح في الامتحان، و لا لطلب الرزق. و كانت القناعة تجمل فقرهم و تزين علمهم، لا يمكن أن يمر في خاطر أحدهم أن الفقر نقيصة، و أن الإسراف في البحث مضيعة للوقت.

و لا ننكر مع هذا أن ملازمة بعض المؤلفات المختصرة، و ترك المناهل العذبة من كتب الأسلاف، و عدم التوسع في الاطلاع على تراث الأقدمين، ضيق دائرة التفكير، و أوجد إسرافا في تحليل الألفاظ و إبداء ما تحتمله من الوجوه، و أوجد انحرافا عن الجادة القويمة في طلب العلم و بحث مسائله و تحقيقها، و بعدا عن أساليب اللغة العربية الصحية، و إعراضا عن مسايرة الناس في الحياة و إدراك ما تتطلبه الحياة بل و شغلهم عن القرآن و السنة من ناحية الهداية التي جاء لها القرآن، إلى نواح أخرى متكلفة. و تلك هي الأدواء التي ألم منها الناس وسعوا لإزالتها.

لكن في الوقت الذي نريد فيه إزالة هذه الأدواء، لا يصح أن ينسى الأزهري جوهر تقاليده، بل يجب عليه أن يحافظ عليها، و أن يصرفها إلى وجوه الخير، و ما يعود على دينه و أمته و ملته بالصلاح و الفلاح.

حول رسالة الأزهر

في مساء الاثنين 5 من جمادى الأولى سنة 1375 ه (19 من ديسمبر 1955) عقد في دار المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين مؤتمر

60

إسلامي كبير ليبحث فيه «رسالة الأزهر الشريف اليوم».

افتتح المؤتمر فضيلة الأستاذ أحمد الشرباصي الرائد الديني لجمعيات الشبان المسلمين فقال: الأزهر اليوم في محنة، و ما أكثر المحن التي مرت عليه، و لكن محنة اليوم كبطون الليالي المثقلات بالعجائب، و ذكر أن مهاجمة الناس للأزهريين لم يقصد بها ذلك، و إنما قصد بها محاربة رسالتهم، و قال: و الناس في شأن الأزهر ثلاثة أصناف: صديق محب، و ناقد منصف، و عدو حقود. فالصديق المحب يفضل مقام المؤيد على مقام المحاسب المؤاخذ، و الناقد المنصف يروم الكمال و يبغي الرفعة، و أما العدو الحقود فهو الداء الذي يستعصي على الدواء.

ثم قال: و كبر مقتا عند اللّه أن ننكر ما بالأزهر من حاجة ملحة إلى الإصلاح، و لكنه جامعة كبرى يعروها ما يعرو كل كريم من تقلبات الزمن، و قد يكون لبعض المنتسبين إليه ذنوب تحتاج إلى التهذيب. ثم ذكر فضيلته: الفرق بين كلمتي «الأزهر» و «الأزهريين» و قال: إن الأزهريين طائفة يجوز عليهم الخطأ و الزلل، و لكن خطأ الأزهري يكون أوضح مما سواه لأنه مطالب بأن ينفي غاية جهده مواطن الشر من نفسه، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. و لقد يغدو الأزهري أو يروح على كلمة ثناء أو تقدير، و لكنه يغدو على سهام التجريح من مواطنيه.

و فكر فضيلته: أن الأزهر في غير وطنه حصن الإسلام الحصين، و أبناء الإسلام في جميع البلاد يتطلعون إليه كما يتطلعون إلى المساجد الثلاثة، و إذا كانت الرحال تشد إلى هذه المساجد تعبدا فإنها تشد إلى الأزهر تفقها و تدبرا، لينذر أصحابها أقوامهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، و التعبد لا يكون صحيحا إلا إذا قام على التفقه في الدين.

ثم قال: لعل الذين أنشأوا الأزهر أرادوا أن يكون مظهرا من مظاهر الطائفية في الملة، و لكن اللّه لم يرد للأزهر إلا أن يكون للإسلام‏

61

و المسلمين، و لقد زال دعاة الطائفية المذهبية، و بقيت للأزهر عربيته و إسلاميته. ثم ذكر فضيلته أن الناس يرون في الأزهري أنه رجل الدين، و أن واجبه أن يقول للمخطى‏ء: أخطأت. مهما كان شأن هذا المخطى‏ء، و أن يغار على حرمات اللّه، و لكن الواجب على المجتمع أن يمكنه من ذلك. و ذكر: أن البرلمانات في الدول الحديثة تعطي حصانة للنائب تمنع عنه الأذى، فإذا أريد لرجل الدين ذلك كان من واجب المجتمع أن يضمن له حصانة حتى يأمن على نفسه و أهله و كرامته.

و إذا كنا نغار على الأزهر أشد الغيرة، و نذود عنه سهام الكائدين له فإننا في الوقت نفسه نذكر ما على أبنائه من واجبات ضخام و مسئوليات جسام، فما كان لهم أن يرضوا بموروث الذكر الحكيم و لا يمنوا أنفسهم بمقام كريم ما لم يؤدوا لذلك حقه، فعليهم أن يحسنوا القوامة، و أن يبرهنوا قولا و عملا على أنهم أهل لذلك، و إلا مكنوا غيرهم من مهاجمتهم، و أن يتقولوا عليهم بالحق و الباطل.

و اختتم فضيلته حديثه بقوله: فليحذر الأزهريون زائد الثناء، و ليتذكروا دائما أن بقاءهم في الحياة لا يكون إلا بأداء الواجب. و ليحذر أعداء الأزهر لعنة التاريخ و نقمة الجبار، و اللّه يقول الحق و هو يهدي السبيل.

ثم تحدث فضيلة الأستاذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد عميد كلية اللغة العربية عن «الأزهر و العالم الإسلامي» فقال: إن صلة الأزهر بالعالم الإسلامي بدأت منذ بدأ الأزهر، و استمرت في كل طور من أطوار تاريخه. الأزهر ذلك المعهد العتيد دارت الأزمان المتطاولة و علوم الأمم المختلفة ما هو في أقصى الشرق و ما هو في أقصى الغرب. الأزهر هو ذلك المعهد الخالد الباقي و إن رغمت أنوف و عفرت جباه. ثم ذكر فضيلته أن المسلمين كانوا يعيشون بجوار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يتعلمون، و يتهذبون حتى‏

62

انتقل إلى الرفيق الأعلى، ثم تفرقوا في البلاد غازين فاتحين معلمين للناس ما تعلموه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و كيف أن هذه البلاد استفادت منهم و تخرج عليهم علماء كثيرون في مشارق الأرض و مغاربها، و أن الأزهر جمع علم هؤلاء جميعا و علم مدارسهم كلها من مكة و الشام و المغرب و غيرها من البلاد.

و قال بعد ذلك: إن الأزهر منذ بدأ و له علاقته بالعالم الإسلامي لا في الثقافات و المؤلفات فقط و لكن في عالم الأشخاص، و إلا فما هذه الأروقة الكثيرة من أروقة اليمن، و الأتراك، و الجاويين، و الهنود، إلى غير ذلك.

إن الأزهر يبدو- كما يقولون- منطويا على نفسه، و لعمري إن هذه فرية، متى كان الأزهر منطويا على نفسه؟ الآن ..؟ أم في أعماق التاريخ؟ لا أريد أن أقول: إن محمدا عبده قد ذهب إلى بيروت و أوروبا و غيرهما .. و لكني أريد ضرب مثل برجلين من رجال الأزهر القديم هما الشيخان حسن العطار، و الدرديري، و ذكر ما كان لهما من أثر جليل في محاربة الفرنسيين، و قيادة الشعب و تأليبه على الغاصب.

أما رجال الأزهر حديثا فهم أكثر من أن يحصوا، فعلماؤنا اليوم في كل صوب و بلد،- ثم أشار إلى فضيلة الأستاذ عبد المنعم النمر- و قال: و هذا مثل قريب منا فضيلة الأستاذ النمر سيذهب إلى الهند في الأيام القليلة المقبلة مبعوثا من الأزهر إليها.

ثم تحدث فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي مدير التفتيش بالأزهر الشريف فقال: أستطيع أن أحصر كلمتي في سؤالين ثم أجيب عنهما أولا: لم كان الأزهر؟؟ .. ثانيا: و لم كان في مصر و عاش بمصر؟. ثم ذكر أن الدعوة الإسلامية كانت تمتد في أعماق البلاد على ألسنة من يرتحلون من قطر إلى قطر- و أن هذا ليس بكاف للتعليم- ظلت كذلك مرحلة من الزمن حتى جاء الفاطميون، و أقاموا الأزهر.

63

و يقول المؤرخون: إن الأزهر ولد لحاجة سياسية و هي الطائفية، و أعتقد غير هذا. وهبوا أنهم كذلك! فهل قصدوا من إيجاده أن يستأثروا به دون غيرهم، و أن يستخدموه للقضاء على المذاهب الأخرى؟ هم شيعة و لا شك أنهم مسلمون على أية حال لاشتراكهم معنا في الإيمان باللّه ربا و بالإسلام دينا- و إن الختلف مذهبهم الفقهي عنا أقول: إن مصر دخلها الإسلام سنة 20 هجرية، و قبل دخوله كانت مسيحية، و قبلها كانت يهودية أفلا يجوز في نظر العقل أن يكون قصدهم اكتساح اليهودية و النصرانية بإقامة الأزهر؟. تأكدوا أن الأزهر لو كان موجودا لفكرة خبيثة لفني بفنائهم ..

و لكنه بقي و بقي و سيظل بإذن اللّه باقيا .. ثم بين فضيلته أن الأزهر بقي على رسالته العلمية مع تطوره بتطور الزمن و أنه لم تبعث نهضة وطنية إلا و الأزهر باعثها و متعهدها. و ان الأزهر له مكانته العلمية في جميع البلاد، و ما زالت الفتوى ترد إليه من جميع الأقطار لأنه قبلتهم الثانية و أن الأزهر يرسل علماءه إلى البلاد حسب إمكاناته. ثم قال: هم يظلمون الأزهر بقولهم إنه جامد لا يجدد.

و قال فضيلته: إنه لا بد و أن يكون للأزهر أعداء و خصوم لأن هذا شأن كل عظيم ثم اختتم كلمته بقوله: أعلن أن الأزهر كما أنه في ماضيه و أمام العقبات الوكداء لم يتخلف و لم يغلق أبوابه، و لم يسرح علماءه هو في حاضره كذلك، و سيظل فاتحا بابه ناشرا كتابه معلما أبناءه.

ثم تحدث فضيلة الأستاذ الشيخ كامل محمد حسن وكيل كلية اللغة العربية فبين أن رسالة الأزهر هي رسالة محمد (صلى اللّه عليه و سلّم)، و أن علماء الأزهر لا ينجحون في دعوتهم إلا إذا سلكوا مسلك صاحب الدعوة، و بين أن هذا المسلك ينحصر في شيئين: الأول: البيان للناس و تعليمهم أمور الدين.

و الثاني: القوة. و بين فضيلته: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بدأ بالعامل الأول فكشف الحجب، و طهر العقيدة حتى آمن الناس عن رغبة، و لما تخلف عن ذلك قوم حقدا لا عن جهل، و حسدا لا عن عقيدة؛ أعطاه اللّه العامل الثاني‏

64

ليسعد الناس بالإسلام رغم أنوفهم (و المرء يثاب رغم أنفه).

ثم قال: لقد علق أحد الغيورين على ذلك بقوله: إذا كانت للعلماء قوة التأثير فهم ليسوا بحاجة إلى القوة. و جوابي أن ذلك ممكن لقوم يريدون معرفة الحق، و لكن قوما عاندوا لا بد لهم من القوة فقد عميت بصائرهم.

و ليس العلماء مهما بلغوا من قوة التأثير بمثل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و مع ذلك احتاج الرسول إلى الجهاد ليخرج به المعاندين إلى حكم الإسلام. و قال فضيلته:

و أخيرا أعود فأقول: هل أدى الأزهر رسالته؟ الحق أن الأزهريين أدوا نصف رسالتهم التي تتعلق بالبيان، و عجزوا عن النصف الآخر، و هو العمل. ثم ذكر أن المسئول عن ذلك هو الاستعمار فإنه وضع العقبات في طريق الأزهر، و أيضا القوانين التي تحمي الخارجين على الدين.

و اختتم فضيلته كلمته بقوله: لا بد من العلاج لنؤدي النصف الآخر، و إن من حق الأزهر أن يتطلع إلى رجال الثورة في مد يد المساعدة على ذلك، و يوم أن يتم يكون العلماء كالماء يساق إلى الأرض الجرز فينبتها و يخرج ثمراتها يانعة، و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ثم تكلم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي فشرح كلمتي «المجتمع» و «الأزهر» فذكر أن المجتمع يطلق على الأسرة و القبيلة و الشعب و الأمة و العالم، و أن كلمة «الأزهر» كانت تطلق على الجامع ثم أطلقت على المعهد ثم على الجامعة العلمية ثم على الجامعة العلمية الإسلامية. و قال فضيلته: فهل هذا التطور في كلمتي الأزهر و المجتمع له تطور في التلازم بينهما؟ أرى أن كلمة الأزهر تعني كلمة الإسلام، فالصلة بين الأزهر و المجتمع هي الصلة بينهما- الإسلام و المجتمع- ثم تساءل: هل يؤخذ على الأزهر ما يقع في المجتمع من الرقص التوقيعي و الأغاني الخسيسة التي تغزو قلوب الشبان و الشابات؟ هل يؤخذ عليه الحملات التي توجد في الصحف من صور عارية و قصص مثيرة؟ ليس الأزهر من القوة

65

بحيث يطور هذا المجتمع أو يخلع عليه تلك القوة إلا إذا كان هناك تجاوب بينه و بين المسلمين. ثم ذكر فضيلته: أن الأزهر في العرف التاريخي هو كالمسجد الذي ينشأ قبل المدينة ثم تبنى المدينة بعده، و ضرب أمثلة لذلك بمسجد عمرو بن العاص و مدينة الفسطاط، و جامع طولون و مدينة القطائع، و المسجد الأموي و مدينة دمشق .. الخ.

ثم حي فضيلته كثيرا من رجال الأزهر أمثال عز الدين قائد الجيوش ضد التتار، و الشيخ الدرديري و عمر مكرم الذي وقف أمام نابليون 37 يوما، و الشيخ عليش و غيرهم و غيرهم و غيرهم وحي كذلك منبر الأزهر الحر الذي عامت جثث الضحايا حوله في بحر من الدماء.

ثم تساءل مرة أخرى: من الذين يباعدون بين الأزهر و المجتمع؟

أ هؤلاء الذين لا يعرفون في هذه الأمة إلا التضليل، و الحديث عن الوجودية؟ أم هؤلاء الذين يلبسون لكل عهد حلة ليأكلوا على كل مائدة؟

أ هؤلاء هم الذين يرددون أن الأزهر بعيد عن المجتمع؟؟.

و اختتم فضيلته حديثه بقوله: أرجو اللّه أن يكون الأزهر في هذا الجور الحر و نحن في وقت تتكتل فيه الجهود لمحاربة الاستعمار أن يدفع بالأزهر إلى الرعيل الأول ليدافع عن كل نافع، و أن تتجه أمم العرب و المسلمين جميعا إلى الإسلام.

ثم تحدث فضيلة الأستاذ عبد المنعم النمر مبعوث الأزهر إلى الهند قائلا: إن الحديث عن الأزهر في الماضي، و عن تاريخه و جهاده في العلم و الدين و الاجتماع، شي‏ء جميل نحب أن نكرره لنعرف الماضي فنصله بالمستقبل. و إننا إذا دافعنا عن الأزهر فلأنه فكرة، و تاريخ مجيد، و لأنه دفاع عن الإسلام و كيانه، و ليس معنى هذا أن الأزهر قد بلغ غايته من النضج. ثم ذكر أن الأزهر له روحيته و شخصيته الموجهة، و له كذلك تربويته و علمه. أما روحيته و مركزه في العالم الإسلامي فهو أقل مما يجب‏

66

أن يكون. فنحن نريد أن يكون موجها حاكما بروحيته و نفوذه.

ثم قام الشاعر محمد بدر الدين فألقى قصيدة حرة جريئة بعنوان «الأزهر» مطلعها:

ركع الزمان ببابك استرضاء* * * و سعى إليك ليقبس الأضواء

و الشمس تطوي ليلها في لهفة* * * لتطوف حولك في النهار ولاء

ثم أجاب بعد ذلك فضيلة الأستاذ أحمد الشرباصي عن أسئلة السامعين و تلا بعدها قرارات المؤتمر و هي:

أولا: إن السهام التي توجه إلى الأزهر محاولة النيل منه أو الغض من شأنه ليست موجهة إلى أبناء الأزهر بقدر ما هي موجهة إلى رسالة الأزهر الكبرى التي تدور حول الإسلام و لغة القرآن.

ثانيا: الأزهر الشريف هو المفخرة الكبرى لمصر العربية الإسلامية، و كل تعويق للأزهر عن السير في طريقه يعد تعويقا لمصر و إساءة لسمعتها الكريمة بين أبناء البلاد العربية و الإسلامية.

ثالثا: من واجب الدولة أن تبسط للأزهر و رجاله الأسباب الموصلة لتحقيق رسالته و ليتم التعاون بين ولاة الأمر في الدولة و في الأزهر، لبناء الوطن المؤمن السليم في عقائده و أخلاقه و تفكيره.

رابعا: قد يكون من وسائل التمكين للعماء في أداء رسالتهم أن تصدر الدولة تشريعا يقضي بتجنيد بعض الأزهريين المختارين من معسكرات الأزهر التدريبية لتكون مهمتهم أن يقاوموا المنكرات الشائعة في المجتمع بصورة عملية، و يكون لهم الامتيازات المكفولة لبوليس الآداب و يسمون «الحرس الخلقي الاجتماعي» كما يكون لهم شعار خاص يعرفون به بين الجمهور.

67

خامسا: من واجب الأزهر أن يسارع إلى الأخذ بأسباب الإصلاح الجدي الصحيح حتى يستقيم الركب الأزهري على الطريق الموصل إلى تحقيق رسالته الإسلامية و العربية و القومية.

سادسا: يأمل الأزهر من الدولة أن تفسح أمام الأزهريين مجال العمل في المدارس و في القضاء و في الإذاعة و في كل مجتمع يحتاج إلى دعاة و مرشدين.

رسالة الأزهر في النصف الثاني من القرن العشرين‏

- 1-

هذا المعهد العريق، و البيت العتيق، و المنارة الشماء، لم يعد لمصر وحدها، و لا للعرب فحسب، و إنما صار مجدا للعالم الإسلامي كافة، و أصبح بعد ذلك كله خير مظهر للإسلام، شريعة اللّه المنزلة على رسوله محمد بن عبد الله (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و التي كان كتابها المطهر هو القرآن الكريم ..

و مصر في انتفاضتها الحاضرة، و وثبتها الراهنة، و نهضتها الباهرة، و في زعامتها العالم العربي، و في قيادتها الروحية للعالم الإسلامي و في حملها لواء القومية العربية المجيدة، مصر هذه مدينة للأزهر بديون كثيرة في ماضيها و حاضرها، و هي مع ذلك كله- في ظلال ثورتها الكبرى- محتاجة إليه أشد الاحتياج، لتوطيد منزلتها في العالمين العربي و الإسلامي، و ليسهم معها في نشر الثقافة و رسالة الإسلام في ربوع أفريقيا و آسيا، و ليكون الدعامة الأولى للقومية العربية، و لقيادة مصر الثقافية و الروحية لشعوب العروبة و الإسلام.

و عند ما نفكر في رسالة الأزهر في النصف الثاني من القرن العشرين،

68

لا بد أن نفكر أولا في طلاب الأزهر و خريجيه و مدرسيه، لا بد أن نكفل لهم الطمأنينة و الاستقرار في حياتهم، و أن نفتح أمامهم الأبواب للمستقبل، و أن نستعين بهم في كل الميادين الثقافية و الروحية و الإدارية، حتى يستطيعوا في ظل هذه الرعاية أن ينصرفوا بكل جهودهم إلى أداء رسالة الأزهر العلمية و الروحية في كل مكان و لا بد مع ذلك كله أن نفكر في احتياجات الأزهر المالية، التي تعينه على أداء مهمته على الوجه الأكمل، و التي تساعد على رفع المستوى العلمي في معاهده و كلياته، و تعين على خلق نهضة فكرية و روحية في أروقته التي عاشت على مرور الأجيال تكافح في سبيل نشر ثقافة الإسلام و علومه و آدابه و حضارته في كل مكان.

- 2-

و عند ما نتحدث عن رسالة الأزهر لا نستطيع أن نقول إنها يجب أن تتجه إلى العناية بالدراسات الإسلامية فحسب، و لا إلى الدعوة إلى الإسلام فحسب، و لكن يجب أن تبنى هذه الرسالة على أصول هاتين الغايتين الكبيرتين معا، على أن نلاحظ هذه الحقائق التي قام عليها الأزهر طول عصور التاريخ التي شاهدها:

1- الأزهر رمز للفكر الإسلامي، لأنه أقدم الجامعات الإسلامية في بلاد المسلمين، و لأن ماضيه أهله لحمل رسالة الفكر الإسلامي ..

2- الأزهر جامعة أمم عربية و إسلامية، ففيه يجلس الطلاب من كل بلاد المسلمين بل من كل شعوب العالم تقريبا، جنبا إلى جنب، يتعلمون العلوم الإسلامية و العربية و الفلسفية.

3- الأزهر ليس ملكا لمصر وحدها، و إنما هو ملك العالم الإسلامي عامة، و من ثم يجب أن تسهم الدول الإسلامية في نفقاته ليقوم الأزهر بنشر رسالة الإسلام في كل جهة.

4- الأزهر ليس في عزلة ثقافية أو فكرية عن المجتمع في مصر و لا

69

في البلاد العربية، إنه قطعة حية من صميم المجتمع الإسلامي، و هو مركز ثقافي ضخم، يسهم في النهوض بالثقافة في مصر خاصة و في العالم الإسلامي عامة عن طريق بعثاته العلمية التي يوفدها الأزهر إلى الأمم العربية و الإسلامية في أفريقيا و آسيا و غيرهما و لا يمكن أن يكون في عزلة و أبناؤه من طلاب و أساتذة هم من مختلف طبقات الوطن على أن التاريخ قد وعى اشتراك الأزهر في كل الثورات القومية و الوطنية في مصر خلال تاريخها الطويل، و على أن ثورات التحرر في العالمين العربي و الإسلامي إنما كان قادتها- في أغلب الأحيان- من أبناء الأزهر و خريجيه.

5- تاريخ الأزهر مرتبط بتاريخ الإسلام، فلا يمكن أن يقول قائل:

إن الأزهر لم تعد له ضرورة: فما دام دين اللّه باقيا على الأرض، فإن الأزهر باق بإذن اللّه لدراسة علوم الإسلام و لنشر هدايته في الأرض جميعا.

و رسالة الأزهر لا بد أن تقوم أولا على خلق وعي فكري إسلامي داخل بيئة الأزهر العلمية، و هذا الوعي جدير بتكوين شخصية فكرية مستقلة للأزهر أولا و لكل من يتخرج منه ثانيا. و لكي نعاون على خلق هذا الوعي يجب أن نفكر أولا: في مناهج الأزهر التي يسير عليها، ففي رأيي أنها لم تعد صالحة كل الصلاحية للسير بالثقافة الإسلامية فيه إلى ما يتمناه لها و له المخلصون.

ثانيا: في الدراسات العليا في الأزهر الجامعي: هذه الدراسات التي لم يعد لها وجود في الأزهر، و التي ترجع بالأزهر من صبغته الجامعية الواسعة النطاق إلى صبغة مدرسية محدودة.

ثالثا: في قوانين الأزهر كلها، المنظمة له، و الموجهة للثقافة فيه و لا بد من الاستعانة في هذه السبيل بنظم الجامعات و لوائحها في مصر و في كل مكان، على ألا يفقد ذلك الأزهر طابعه الإسلامي، و شخصيته التي عرف بها منذ أجيال بعيدة.

70

- 2-

و رسالة الأزهر يجب أن تتناول كل شي‏ء يتصل بفهم الإسلام و نشر هدايته في الآفاق، و من ثم يجب أن يكون من أهم ما تتناوله:

1- خلق جيل جديد متثقف ثقافة واسعة من أبناء الأزهر، ليستطيع حمل رسالته إلى كل مكان.

2- عرض الثقافة الإسلامية القديمة في أسلوب جديد، يلائم أسلوب العصر في الفهم و البحث و الدراسة، و كتابة و نشر بحوث جديدة عميقة عن الإسلام و علومه و ثقافاته.

3- فتح مراكز ثقافية إسلامية في كل عاصمة من عواصم العالم في الشرق و الغرب، تكون مراكز الدعاية للإسلام عن طريق المحاضرة و عن طريق معاونة المشرقين للمترددين عليها من أبناء الإسلام و غيرهم في البحث و الدراسة و عن طريق طبع رسائل للتعريف بالإسلام تقوم هذه المراكز بتوزيعها على الجامعات و على المفكرين و العلماء و المهتمين بالبحوث الإسلامية، و سوى ذلك من الطرق .. و تكون هذه المراكز بمثابة مأوى للمبعوثين من الأزهر إلى مختلف هذه الجهات، على أن تزود بجميع المصادر و الكتب الإسلامية، و بشتى الأجهزة اللازمة لها ...

4- العمل بكل وسيلة على وحدة المسلمين الفكرية و الروحية و الدينية ليكون ذلك معينا على إمكان قيام وحدة سياسية بينهم في المستقبل.

5- الاتصال بشتى المفكرين في مصر و العالم ليكونوا بمثابة أصدقاء و أنصار للأزهر و لرسالته، بشتى طرق هذا الاتصال.

6- الإشراف على التعليم الديني و على الهيئات الدينية جميعها في مصر، و العمل على توجيه الجماعات الإسلامية في مصر و في كل مكان توجيها صالحا.

71

7- إرسال بعثات أزهرية إلى كل مكان في العالم بقصد دراسة أحوال المسلمين و تفهم كل ما يحيط بهم من مشكلات، للعمل على معاونتهم في حلها، و خاصة في الجانب الروحي.

8- الإشراف على ترجمة القرآن الكريم إلى الانجليزية و الفرنسية و الألمانية و الروسية، و على ترجمة طائفة مختارة من الحديث النبوي كذلك إلى هذه اللغات.

9- إقامة مواسم ثقافية على نمط عال في «قاعة محاضرات الأزهر» يتحدث فيها كبار علماء الأزهر و كبار المهتمين بالدراسات الإسلامية من غير الأزهريين.

10- التفكير حاليا في الاحتفال بالعيد الألفي للأزهر (1)، ليمكن عن هذا السبيل ربط الأزهر من جديد بشتى جامعات العالم، على أن يمهد لذلك بطبع مائة مؤلف من خير ما ألف الأزهريون في القديم و الحديث لتوزيعها على الجامعات المختلفة و ممثليها، و بطبع رسالة عن تاريخ الأزهر تترجم إلى شتى اللغات.

____________

(1) احتفل فعلا بهذا العيد بعد كتابة المؤلف لهذا الكتاب القيم.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

الباب الثامن‏

آراء للأزهر في مشكلاتنا الفكريّة

- 1-

أصدر الاستاذ علي عبد الرازق العالم الأزهري، و القاضي الشرعي، عام 1925 كتابه «الإسلام و أصول الحكم»، و كان على رأس الوزارة في ذلك الحين زيور باشا يسنده حزب الأحرار الدستوريين برئاسة عبد العزيز فهمي باشا و حزب الاتحاد برئاسة يحيى باشا إبراهيم .. و كان الوفد في المعارضة برئاسة سعد.

و قد أثار الكتاب معركة اشترك فيها كل صاحب رأي أو قلم .. و قبل أن نعرض الصراع الذي دار حول هذا الكتاب نوضح فكرته الأساسية التي ذهب إليها المؤلف ... و فكرته هي: أن الإسلام لم يقرر نظاما معينا للحكومة، و لم يفرض على المسلمين نظاما خاصا يجب أن يحكموا بمقتضاه. بل ترك لنا مطلق الحرية في أن ننظم الدولة طبقا للأحوال الفكرية و الاجتماعية و الاقتصادية التي توجد فيها، مع مراعاة تطورنا الاجتماعي و مقتضيات الزمن. و أن الإسلام بري‏ء من نظام الخلافة، و الأدواء التي عصفت به. فإن الخلافة شلت كل تطور في شكل الحكومة عند المسلمين نحو النظم الحرة، خصوصا بسبب العسف الذي أنزله بعض الخلفاء بتقدم العلوم السياسية و الاجتماعية، إذ صاغوها في قالب يتفق مع مصالحهم.

74

و قد أثار الكتاب ضجة كبرى في محيط الأحزاب و الشعب و رجال الأزهر، فجمع شيخ الأزهر الشيخ أبو الفضل الجيزاوي هيئة كبار العلماء و قررت أن ما في الكتاب من آراء هي كفر و إلحاد و خروج على الدين، كما قررت استدعاء الشيخ علي عبد الرازق- باعتباره من العلماء لمحاكمته، عن تهم سبع وجهتها إليه، و انعقدت الجلسة في 5 أغسطس سنة 1925.

و جلس العلماء على مائدة كبيرة، و استدعى الشيخ علي عبد الرازق، فدخل الحجرة، و أشار إليه شيخ الأزهر بالجلوس.

و دفع المؤلف دفعا فرعيا، هو أنه لا يعتبر نفسه أمام هيئة تأديبية و طلب من الهيئة أن لا تعتبر حضوره أمامها اعترافا منه بأن لها حقا قانونيا في محاكمته.

و في 25 أغسطس، أصدرت هيئة العلماء حكمها، «بتجريد الشيخ علي عبد الرازق من العالمية، لأنه أتى بأمور تخالف الدين و القرآن الكريم و السنة النبوية و إجماع الأمة!. و قد تساءلت «الأخبار» عن موقف عبد العزيز فهمي و حزبه بعد أن أحرجته جريدته بدفاعها عن الكتاب. و أما «السياسة» فقد نشرت كلمة الشيخ علي عبد الرازق يقول فيها: «لا جرم أننا تقبلنا مسرورين إخراجنا من زمرة العلماء، و قلنا كما يقول القوم الذين إذا خلصوا من الأذى قالوا «الحمد للّه الذي أذهب عنا الأذى و عافانا» ..

و من هذا اليوم، هجر علي عبد الرازق ملابس الشيوخ، و أصبح «أفنديا»! ..

أيه أيها الطريد من الأزهر، تعالى إلى نتحدث عن هذه القصة المضحكة، قصة كتابك و الحكم عليه و عليك و طردك من الأزهر. ما بال رجال الأزهر لم يقضوا على كتابك بالتمزيق، فقد كان يلذ لنا أن نرى نسخه في صحن الأزهر أو أمام «باب المزينين» أو في ناحية من هذه الأنحاء التي لا يأتيها الباطل و لا يصل إليها المنكر، و لا يسعى إليها إلا الأخيار و الأبرار

75

ثم تضرم فيها النار.! دعنا نتحدث في حرية و لا تكن أزهريا، فقد أخرجت من الأزهر!.

- 2-

و جاء في قرار هيئة كبار العلماء في محاكمته:

من حيث أن الشيخ عليا جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم و التنفيذ في أمور الدنيا فقد قال في ص 87 و 79 و الدنيا من أولها لآخرها و جمع ما فيها من أغراض و غايات أهون عند اللّه من أن يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من عقول و حبانا من عواطف و شهوات و علمنا من أسماء و مسميات هي أعون عند اللّه من أن يبعث لها رسولا و أهون عند رجل اللّه من أن يشغلوا بها و ينصبوا لتدبيرها»، و قال في ص 85 أن كل ما جاء به الإسلام من عقائد و معاملات و آداب و عقوبات فإنما هو شرع ديني خالص للّه تعالى و لمصلحة البشر الدينية لا غير. و أوضح من كلامه أن الشريعة الإسلامية عنده شريعة روحية محضة جاءت لتنظيم العلاقة بين الانسان و ربه فقط أما ما بين الإنسان من المعاملات الدنيوية و تدبير الشئون العامة فلا شأن للشريعة به و ليس من مقاصدها. و هل فيه استطاعة الشيخ على يشطر الدين الإسلامي شطرين يلغي منه شطر الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا و يضرب بآيات الكتاب العزيز و سنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) عرض الحائط؟

و ما ذا يعمل الشيخ علي في مثل قوله تعالى‏ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ و قوله تعالى: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ‏ و قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏، و قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ‏ و قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما. و قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ أَهْلِها. و ما ذا يعمل الشيخ علي في ما رواه البخاري و مسلم في صحيحهما أن ابنة النضر أخت‏

76

الربيع لطمت جارية فكسر سنها فاختصموا إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فأمر بالقصاص.

فقالت أم الربيع يا رسول اللّه أنقص من فلانة؟ لا و اللّه. فسبحان اللّه. يا أم الربيع كتاب اللّه القصاص و مثل ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنهما أنه قال: قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود و صرفت الطرق فلا شفعة. و ما رواه أيضا عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أنه قال قضى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إذا تشاجروا في الطريق اذرع- و ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قضى باليمين على المدعي عليه و ما رواه أيضا عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قضى بيمين و شاهد.

و من حيث أنه زعم الدين لا يمنع من أن جهاد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين و لا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين. فقد قال في ص 53 «و ظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين و لا لحمل الناس على الإيمان باللّه و رسوله» .. ثم قال في ص 53 «و إذا كان (صلى اللّه عليه و سلّم) قد لجأ إلى القوة و الرهبة فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين و إبلاغ رسالته إلى العالمين و ما يكون لنا أن نفهم إلا أنه كان في سبيل الملك، فالشيخ علي في كلامه هذا يقطع بأن جهاد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين و لا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين، و في كلامه يزعم أن الدين لا يمنع من أن جهاده كان في سبيل الملك فعلم من كلامه هذا أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان في سبيل الدين و لا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين و هذا أقل ما يؤخذ عليه في مجموعة نصوصه. على أنه لم يقف عند هذا الحد بل كما جوز أن يكون الجهاد في سبيل الملك و من الشئون الملكية جوز أن تكون الزكاة و الجزية و الغنائم و نحو ذلك في سبيل الملك أيضا و جعل كل ذلك على هذا خارجا على حدود رسالة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لم ينزل به وحي و لم يأمر به اللّه تعالى.

و من حيث أنه زعم أن نظام الحكم في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان موضع‏

77

غموض أو إبهام أو اضطراب و نقض، و موجبا للحيرة فقد قال في ص 40 «لاحظنا أن حال القضاء زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) غامضة و مبهمة من كل جانب».

و إذا كان قد اعترف ببعض أنظمة الحكم في الشريعة الإسلامية فإنه نقض الاعتراف و قرر أن هذه الأنظمة ملحقة بالعدم.

و ما زعمه الشيخ علي مصادم لصريح القرآن الكريم.

و من حيث أنه زعم أن مهمة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كانت بلاغا للشريعة مجردا عن الحكم و التنفيذ، فقد قال الشيخ علي في ص 71: «ظواهر القرآن المجيد تؤيد القول بأن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يكن له شأن في الملك السياسي و آياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان. ثم عاد فأكد ذلك فقال ص 73 «القرآن كما رأيت صريح في أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يكن من عمله شي‏ء غير إبلاغ رسالة اللّه تعالى إلى الناس و أنه لم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ و ليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به و لا أن يحملهم عليه .. و لو كان الأمر كما زعم هو كان ذلك رفضا لجميع آيات الأحكام الكثيرة في القرآن الكريم. و دون ذلك خرط القتاد.

و قد قال الشيخ علي في دفاعه: «إنه قرر في مكان آخر من الكتاب بصراحة لا موارية فيها أن للنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) سلطانا عاما و أنه ناضل في سبيل الدعوة بلسانه و سنانه. و هذا دفاع لا يجدي إذ لو كان معنى الذي قرره في ص 66 و 70 كما أشار إليه أن عمل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) السماوي يتجاوز حدود البلاغ المجرد عن كل معاني السلطان لما كان سائغا أن يقول بعد ذلك في صفحة 71 إن آيات الكتاب متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان، و أن يقول بعد ذلك في صفحة 73 «إن القرآن صريح في أنه عليه الصلاة و السلام لم يكن معه شي‏ء غير بلاغ رسالة اللّه إلى الناس و لم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ، و ليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به و لا أن يحملهم عليه. و الواقع أن السلطان الذي أثبته إنما هو

78

السلطان الروحي. كما صرح به في مذكرة دفاعه حيث قال فيها: «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يستولي على كل ذلك السلطان لا من طريق القوة المادية و إخضاع الجسم كما هو شأن الملوك و الحكام و لكن من طريق الإيمان له إيمانا قلبيا و الخضوع له خضوعا روحيا»، لكان دفاعه إثباتا للتهمة لا نفيا لها، على أنه قد نسب في ص 65 و 66 السلطان إلى عوامل أخرى من نحو الكمال الخلقي و التمييز الاجتماعي لا إلى وحي اللّه و آيات كتابه الكريم، كما أنه جعل الجهاد في موضع آخر من كتابه وسيلة كان على النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يلجأ إليها لتأييد الدعوة و لم ينسبه إلى وحي له، و كلام الشيخ علي مخالف لصريح كتاب اللّه تعالى الذي يرد عليه زعمه و يثبت أن مهمته (صلى اللّه عليه و سلّم) تجاوزت البلاغ إلى غيره من الحكم و التنفيذ فقد قال اللّه تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ و قال تعالى: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏.

و روى عن ابن سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه أتى إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) برجل قد شرب فقال اضربوه. و روي عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت و قالوا من يكلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و من يجترى‏ء عليه إلا أسامة حب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، فكلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فقال: أتشفع في حد من من حدود اللّه. ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه و إذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، و إيم اللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها. فهل يجوز أن يقال بعد ذلك في محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) إن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان و أنه لم يكلف أن يأخذ الناس بما جاءهم به و لا أن يحملهم عليه؟

و هل يجوز أن يقال بعد ذلك في القرآن الكريم أنه صريح في أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يكن من عمله شي‏ء غير إبلاغ رسالة اللّه إلى الناس و ليس عليه أن يأخذ

79

الناس بما جاءهم به و لا أن يحملهم عليه.

و من حيث أنه أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام و على أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين و الدنيا فقد قال في ص 22 «أما دعوى الإجماع في هذه المسألة- وجوب نصب الإمام- فلا تجد مساغا لقبولها بأية حال و محال إذا طالبناهم بالدليل أن يظفروا بدليل، على أننا مثبتون لك أن دعوى الإجماع هنا غير صحيحة و لا مسموعة سواء أرادوا بها إجماع الصحابة وحدهم أم الصحابة و التابعين أم علماء المسلمين أم المسلمين كلهم». ادعى الشيخ علي أن حظ العلوم السياسية في العصر الإسلامي كان سيئا على الرغم من توافر الدواعي التي حمل على البحث فيها، و أهمها إن مقام الخلافة منذ زمن الخليفة الأول كان عرضة للخارجين عليه، غير ان حركة المعارضة كانت تضعف و تقوي، ثم ساق بعد أمثلة يؤيد بها ما يدعيه من أن الخلافة كانت قائمة على السيف و القوة لا على البيعة و الرضا و لو سلم للشيخ علي ذلك جدلا لما تم له ما يزعمه من إنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب إمام للمسلمين. فإن إجماعهم على ذلك شي‏ء و إجماعهم بيعة إمام معين شي‏ء آخر و اختلافهم في بيعة إمام معين لا يقدح في اتفاقهم على وجوب نصب الإمام، أي إمام كان. و قد ثبت إجماع المسلمين على امتناع خلو الوقت من إمام. و نقل إلينا ذلك بطريق التواتر فلا سبيل إلى الإنكار.

و من حيث أنه أنكر أن القضاء وظيفة شرعية فقد قال في ص 103 «و الخلافة ليست في شي‏ء من الخطط الدينية و لا القضاء و لا غيرهما من وظائف الحكم و مراكز الدولة، و إنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها فهو لم يعرفها، و لم ينكرها و لا أمر بها و لا نهى عنها، و إنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل و تجارب الأمم و قواعد السياسة». و كلام الشيخ علي في دفاعه يقضي بأن الذين ذهبوا إلى أن القضاء وظيفة شرعية جعلوه متفرعا عن الخلافة فمن أنكر الخلافة أنكر القضاء.

80

و قال الشيخ علي في دفاعه: «إن الذي أنكر أنه خطة شرعية إنما هو جعل القضاء وظيفة معينة من وظائف الحكم و مراكز الدولة و اتخاذه مقاما ذا أنظمة معينة و أساليب خاصة».

و ما زعمه الشيخ علي من إنكار أن القضاء وظيفة شرعية و خطة دينية باطل و مصادم لآيات الكتاب العزيز، قال اللّه تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً و قال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ‏ و قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏.

و من حيث أنه يزعم أن حكومة أبي بكر و الخلفاء الراشدين من بعده رضي اللّه عنهم كانت لا دينية فقد قال في ص 9: «طبيعي معقول إلى درجة البداهة ألا توجد بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) زعامة دينية. و أما الذي يمكن أن يتصور وجوده فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس متصلا بالرسالة و لا قائما على الدين، هو إذا نوع لا ديني». و هذه جرأة لا دينية فإن الطبيعي و المعقول عند المسلمين إلى درجة البداهة أن زعامة أبي بكر رضي اللّه عنه كانت دينية يعرف ذلك المسلمون سلفهم و خلفهم جيلا بعد جيل.

و من حيث أن التهمة الموجهة ضد الشيخ علي عبد الرازق ثابتة عليه و هي مما لا يناسب وصف العالمية وفاقا للمادة (101) من القانون رقم 10 لسنة 1911، فبناء على هذه الأسباب حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة و عشرين عالما معنا من هيئة كبار العلماء باخراج الشيخ علي عبد الرازق أحد علماء الجامع الأزهر و القاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية و مؤلف كتاب «الإسلام و أصول الحكم» من زمرة العلماء.

81

- 3-

و كانت الثورة الثانية عند ما أخرج الدكتور طه حسين عام 1926 كتابه «الشعر الجاهلي» فأحدث ضجة هائلة في مصر و بين رجال الدين، استمر صداها أمدا طويلا. و كان أول أثر لهذا الصدى هو مصادرة الكتاب، و قد حققت النيابة العامة مع الدكتور و اتخذت النيابة أخيرا قرارا بحفظ أوراق التحقيق إداريا لأن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن و التعدي على الدين، بل أن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها».

و قد أخرج الدكتور طه كتابه بعنوان جديد هو «في الأدب الجاهلي» و حذف منه بعض الفقرات التي كانت سببا لثورة الجماهير و رجال الدين على الكتاب، و قد بسطت المسائل الأدبية التي أوردها الدكتور في كتابه (الشعر الجاهلي)، و ناقشتها مناقشة تحليلية في كتابي (الحياة الأدبية في العصر الجاهلي)، فلا داعي للعودة إليها في هذا الكتاب.

- 4-

و في عهد الشيخ المراغي فكر في ترجمة القرآن سنة 1936، و قد ثار الكثير على الشيخ المراغي و عارضوا مشروع الترجمة، و قدم الشيخ إلى رئيس مجلس الوزراء مذكرة بشأن المشروع جاء فيها:

اشتغل الناس قديما و حديثا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات المختلفة و تولى ترجمته أفراد يجيدون لغاتهم و لكنهم لا يجدون اللغة العربية و لا يفهمون الاصطلاحات الإسلامية الفهم الذي يمكنهم من أداء معاني القرآن على وجه صحيح، لذلك وجدت في التراجم أخطاء كثيرة و انتشرت تلك التراجم و لم يجد الناس غيرها فاعتمدوا عليها في فهم أغراض القرآن‏

82

الكريم و فهم قواعد الشريعة الإسلامية فأصبح لزاما على أمة إسلامية كالأمة المصرية لها المكان الرفيع في العالم الإسلامي أن تبادر إلى إزاحة هذه الأخطاء و إلى إظهار معاني القرآن الكريم نقية في اللغات الحية لدى العالم، و لهذا العمل أثر بعيد في نشر هداية الإسلام بين الأمم التي لا تدين بالإسلام ذلك أن أساس الدعوة إلى الدين الإسلامي إنما هو الإدلاء بالحجة الناصعة و البرهان المستقيم، و في القرآن الكريم من الحجج الباهرة و الأدلة الدامغة ما يدعو الرجل المنصف إلى التسليم بالدين و الإذعان له. و فائدة أخرى للأمم الإسلامية التي لا تعرف العربية و تشرئب أعناقها إلى اقتطاف ثمرات الدين من مصدرها الرفيع فلا تجد أمامها إلا تراجم قد ملئت بالاخطاء، فإذا ما قدمت لها ترجمة صحيحة تصدرها هيئة لها مكانتها الدينية في العالم اطمأنت إليها و ركنت إلى أنها تعبر عن الوحي الإلهي تعبيرا دقيقا.

لذلك اقترح أن يقرر مجلس الوزراء ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة رسمية على أن تقوم بذلك مشيخة الأزهر بمساعدة وزارة المعارف و أن يقرر مجلس الوزراء الاعتماد اللازم لذلك المشروع الجليل، فأرجو النظر في هذا.

و قد أرفق المراغي بمذكرته نص فتوى كبار العلماء، و قد وجه إليهم سؤالا جاء فيه.

ما قول السادة حضرات أصحاب الفضيلة جماعة كبار العلماء في السؤال الآتي؟ بعد ملاحظة المقدمات الآتية:

1- لا شبهة في أن القرآن الكريم اسم للنظم العربي الذي نزل على سيدنا محمد بن عبد الله (صلوات اللّه عليه و على آله).

و لا شبهة أيضا في أنه إذا عبر عن معاني القرآن الكريم بعد فهمها من‏

83

النص العربي بأية لغة من اللغات لا تسمى هذه المعاني و لا العبارات التي تؤدي هذه المعاني قرآنا.

2- و مما لا محل للخلاف فيه أيضا أن الترجمة اللفظية بمعنى نقل المعاني مع خصائص النظم العربي المعجز مستحيلة.

3- وضع الناس تراجم القرآن الكريم بلغات مختلفة اشتملت على أخطاء كثيرة و اعتمد على هذه التراجم بعض المسلمين الذين لا يعرفون اللغة العربية، و بعض العلماء من غير المسلمين ممن يريد الوقوف على معاني القرآن الكريم.

4- و قد دعا هذا إلى التفكير في نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى على الوجه الآتي:

يراد أولا فهم معاني القرآن الكريم بوساطة رجال من خيرة علماء الأزهر الشريف بعد الرجوع لآراء كبار أئمة المفسرين و صوغ هذه المعاني بعبارات دقيقة محدودة، ثم نقل هذه المعاني التي فهمها العلماء إلى اللغات الأخرى بوساطة رجال موثوق بأمانتهم و اقتدارهم في تلك اللغات بحيث يكون ما يفهم في تلك اللغات من المعاني هو ما تؤديه العبارات العربية التي يصنعها العلماء، فهل الإقدام على هذا العمل جائز شرعا أو غير جائز؟.

هذا مع العلم بأنه سيوضع تعريف شامل يتضمن أن الترجمة ليست قرآنا و ليس لها خصائص القرآن و ليست هي ترجمة كل المعاني التي يحتملها النظم العربي و إنما هي ترجمة للمعاني التي فهمها العلماء و أنه ستوضع الترجمة وحدها بجوار النص العربي للقرآن الكريم.

و قد أجاب السادة العلماء على ذلك بالفتوى الشرعية الآتي نصها:

الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسول اللّه، و بعد فقد أطلعنا على جميع ما

84

ذكر بالاستفتاء المدون بباطن هذا و نفيد بأن الإقدام على الترجمة على الوجه المذكور تفصيلا في السؤال جائز شرعا و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

إمضاءات: محمود الديناري عضو جماعة كبار العلماء و شيخ معهد طنطا، عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين و عضو جماعة كبار العلماء، إبراهيم حمروش شيخ كلية اللغة العربية و عضو جماعة كبار العلماء، محمد مأمون الشناوي شيخ كلية الشريعة و عضو جماعة كبار العلماء، عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية و عضو جماعة كبار العلماء، محمد عبد اللطيف الفحام وكيل الجامع الأزهر و عضو جماعة كبار العلماء، دسوقي عبد الله البدوي عضو جماعة كبار العلماء، أحمد الدلبشاني عضو جماعة كبار العلماء، يوسف الدجوي عضو جماعة كبار العلماء، محمد سبع الذهبي شيخ الحنابلة و عضو جماعة كبار العلماء، عبد المعطي الشرشيمي عضو جماعة كبار العلماء، عبد الرحمن قراعة عضو هيئة كبار العلماء، أحمد نصر عضو جماعة كبار العلماء، محمد الشافعي الظواهري عضو جماعة كبار العلماء:

حيث أن الترجمة المرادة هي ترجمة لمعاني التفسير الذي يضعه العلماء فهي جائزة شرعا بشرط طبع التفسير المذكور بحوار الترجمة المذكورة، كتبه بيده الفانية: عبد الرحمن عليش الحنفي من جماعة كبار العلماء.

و لما تلقى المراغي هذه الفتوى الشرعية أرفقها بكتاب منه هذا نصه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. وجهت هذا السؤال إلى حضرات أصحاب الفضيلة جماعة كبار العلماء و أنا أوافقهم على ما رأوه و لا أرى داعيا للحفظ الذي أبداه فضيلة الشيخ عبد الرحمن عليش و هو طبع التفسير مع الترجمة لعدم الحاجة الى ذلك بعد مراعاة الشروط المدونة في السؤال. رئيس جماعة كبار العلماء: محمد مصطفى المراغي.

85

و مع ذلك فقد بدأت لجنة في عهد الشيخ المراغي في ترجمة القرآن، ثم توقفت عن العمل، و لم تنجز شيئا من مهمتها.

و لما تولى المشيخة الأستاذ الأكبر إبراهيم حمروش فكر في طبع رسائل إسلامية للتعريف بالإسلام بشتى اللغات، و مع ذلك لم ينجز شي‏ء من هذا العمل.

و في أكتوبر عام 1954 كتب الدكتور طه حسين يطالب بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الحية، و أجابت مشيخة الأزهر على تساؤله بأن المشيخة تفكر في وضع و طبع رسائل إسلامية تكتب بشتى اللغات العالمية الحية.

- 5-

و في عام 1947 ألف الأستاذ محمد أحمد خلف اللّه رسالة سماها «الفن القصصي من القرآن الكريم» و قدمها إلى كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول للحصول على الدكتوراه.

و قد ثار على هذه الرسالة علماء الأزهر، و في مقدمتهم الشيخ عبد المجيد سليم، و المرحوم الشيخ عبد الفتاح بدوي الأستاذ بكلية اللغة العربية سابقا، و الشيخ شلتوت و كان معهم أحمد أمين، و بعضهم أساتذة الجامعة.

و وقف الأستاذ أمين الخولي و صاحب الرسالة يدافعان عن الكتاب ..

و قد كانت أخبار اليوم و بعض الصحف و المجلات تنشر بين الحين و الحين أنباء المعركة حول هذه الرسالة، و قد قررت الجامعة عدم صلاحية الرسالة، و طالبت المؤلف بتقديم رسالة أخرى، و قد نشر كتابه بعد ذلك.

- 6-

و في عام 1950 أخرج الدكتور طه حسين كتابه (الوعد الحق)، و اتفقت معه بعض شركات السينما على إخراجه في (فيلم سينمائي) ...

86

فوافق على ذلك بعض العلماء، و ثار آخرون على هذا الفيلم الذي تعرض فيه للصحابة على الشاشة البيضاء، و منهم المرحوم الشيخ محمود الغمراوي عضو جماعة كبار العلماء الذي كتب في الأهرام يوم 10/ 8/ 1950 يقول:

قرأت ما أملاه الدكتور طه حسين وزير المعارف على مندوب الأهرام جوابا عن سؤاله الخاص بوضع سيادته سيناريو عن الدين الإسلامي عند ظهوره، و قد جاء فيما أملاه الدكتور علي المندوب أنه أصدر في شهر يناير الماضي كتابا عنوانه «الوعد الحق» و إن هذا الكتاب يصور الاضطهاد الذي لقيه المسلمون عند ظهور الإسلام، و كيف ثبت المسلمون لهذا الاضطهاد و صبروا عليه و انتصروا على الذين كانوا يضطهدونهم. و إن هذا الكتاب ظهر و تلقاه القراء لقاء حسنا، ثم قص ما عرضه عليه الأستاذ عز الدين من رجائه للدكتور أن يأذن له في أن يستقي من هذا الكتاب سيناريو لفيلم سينمائي، فاستغرب الدكتور الأمر و استبعد أن يكون تحقيقه ممكنا و لكنه لما كلمه فيه مرة و مرة اقتنع بإمكان ذلك، و طلب إليه أن يستأذن من رجال الدين شيخين عينهما، فلما جاءه منهما كتابان أذنا فيهما بهذا العمل و أظهر استحسانا شديدا له، أخذ الدكتور في مراجعة السيناريو الذي كان قد وضعه المخرج، و انتهيا أخيرا إلى إقراره بعد جهد طويل.

تلك هي قصة وضع ذلك السيناريو الذي اعتزم الدكتور طه حسين أن يبرز به المسلمين و خلفاءه الراشدين و أصحابه الأبرار المجاهدين مصورين في فيلم سينمائي، فيزلزل إيمان العامة، و يفتن جماهير المسلمين إذ يكون النظارة من الدهماء و غيرهم عند عرض هذا الفيلم عليهم بين أمرين لا ثالث لهما: فإما أن يستقبلوه كعادتهم عند عرض ما يستغرب عليهم فيتلقوه بالصفير و النعير، و لازمة ذلك الإستهزاء و التحقير و ذلك هو الإثم البواح و الكفر الصراح.

87

أو يتلقوا هذه الصور الكريمة بما يليق لأصحابها من احترام و توقير، و تعظيم و تقدير، فيدخلوا في باب من أبواب التشبه بعبدة الصور، و حينئذ يلجون على الشرك أو يلج عليهم الشرك من باب أمرنا الإسلام بسده، و نهى الدين عن ولوجه، أو أن يحوم المسلمون حوله بتحريم التصوير و لعن المصورين و حظره اتخاذ الصور، هذا إلى أن تصوير النبي و صحبه و خلفائه (و هم الذين يحرمون التصوير و يحظرون اتخاذ الصور) مؤذن باستخفاف المصور و كل من يقره أو يرضى عن عمله بأصحاب هذه الصور.

فمن أبرز إنسانا على هيئة أو صورة يكره اتخاذها لغيره، بله أن يكون قد جاء بدين يحرم اتخاذ الصور فهو مزدر بصاحب هذا الدين و مستخف به.

و لو أن إنسانا رسم الدكتور طه حسين الآن في زي: فوق رأسه عمامة و عليه قفطان و جبة و بيده مسبحة، فإني أحكم بأن الذي فعل ذلك مستخف بالدكتور مستهزى‏ء به، ذلك بأني أعلم أن الدكتور طه نبذ الزي منذ أعوام و حرمه على نفسه، فمن يصور النبي و هو يعلم أن النبي قد حرم التصوير و نهى عن اتخاذ الصور، فقد اقترف إثما مبينا، و اقترب من الكفر بهذا النبي و شريعته و دينه. إن للدكتور طه أن يكتب للناس و يخلبهم بسحر بيانه و أن يعرض على القراء من صفحات التاريخ الإسلامي صفحات رائعات يبين لهم فيها أن المسلمين في أول ظهور الإسلام لم يكسبوا حريتهم إلا بالجهد و الصبر و المقاومة و الثبات، تلك الخلال المجيدة التي كسبهم إياها أيمانهم و مكنها من قلوبهم صدقهم في الإيمان، و أن يصور لهم في ذلك ما يشاء بأسلوبه الطلي و بيانه الساحر الوحي، لعلهم يرجعون إلى نفوسهم، و يتعرفون مكامن الداء في قلوبهم فيداووها، فإن اللّه ليشكر له و يجزل ثوابه على ما يقدم من عمل على حسب نيته، غير أني أرباء بالدكتور عن أن يخرج عن طبيعته و يعدل عن صنعته و أن يحاول أن يجحد بيانه و يبدل سحره و إحسانه، و يجعل من ذلك صورا ميتة و رسوما جامدة لا فائدة من ورائها، فإن أبى لنفسه إلا ذلك فإني أنصح له ألا يسي‏ء إلى المسلمين و ألا يمتهن‏

88

قداسة النبيين و الصديقين، يروج الوزير لمشروعه الخطير بأنه سيكون له أثر حسن جدا من ناحيتين ذكرهما! فأما عن الناحية الأولى فقد قدمنا ما سيكون من النظارة عند ما يعرض عليهم هذا الفيلم و ذكرنا ما ينجم عنه من خطر على عقيدتهم و دينهم.

و إذا كنا نئن و نتوجع مما تأتيه الجماهير من الآهات المكررة و الأصوات المنكرة حين سماعها للقرآن و هو الذي تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر اللّه فتراهم حين يسمعون القرآن من قارى‏ء متكسر في تلاوته يصيحون و يكثرون من التأوه بالنغمة و استحسانا للوحدة ذاهلين عن معاني الآيات التي تقرع أسماعهم فلا تخشع لها جوارحهم أو تلين قلوبهم- فكيف يكون الحال عند ما يشاهدون أبطال المسلمين و نبي الإسلام في ثياب بالية مهلهلة و في هيئة تنبو عنها أبصارهم و تنفر منها أذواقهم، و هل يبقى لواحد من هؤلاء الدهماء دينه، أو يثبت معه أيمانه و يقينه عند ما يهجم على قلبه الاشمئزاز و النفور من تلك الهيئة البدوية و الصورة العربية الوحشية التي ينكرها ذوقه و يشمئز منها حسه. أيظن معالي الدكتور أن يكون الدهماء فلاسفة عند ما يشاهدون السيناريو الذي يعده معاليه لهم فتقتحم أبصارهم تلك الصور و تتخطى ما يحيط بها من الأستار و يطفرون بعقولهم و يشبون بأفكارهم إلى ما وراء هذه الصور الشوهاء الملخبطة فيدركون ما تخفي ورائها من المعاني و الأسرار.

أما الناحية الثانية التي يروج بها الدكتور لمشروعه و هي الناحية الفنية و نهوض صاحبه بها و تقدمه فإنا نتمنى لصاحبه ما يتمناه هو له من النبوغ و التقدم، و أن يكون في فنه من العبقريين على أن لا يجري ريشته في رءوس المسلمين.

أما بعد فإن عهدي بالدكتور طه حسين أنه من أولئك الرجال الذين لا يستفتون غيرهم و إنما يستفتون قلوبهم و إن أفتاهم المفتون لا يدفعه إلى أمر

89

دافع، و لا يرجعه أو يثنيه عن رغيبة أرادها راجع، فما باله اليوم ينزل عن مطيته، و لا يمضي لطيته حتى يجيزه اثنان ارتضاهما من بين رجال الدين.

ثم أقول لحضرتي الشيخين اللذين أجازا في كتابيهما هذا العمل و أظهرا استحسانهما الشديد له: على أي أساس بنيتما هذا الأذن و كيف كان هذا الاستحسان؟ فهل غاب عنكما و أنتما من أعرف الناس بروح هذا العصر، و ما يغلب على أهله من التمرد على الدين و الإلحاد فيه- ما يترتب على هذا العمل من خطر، و ما ينشأ عنه من فتن تفتح أبوابها و تفغر أفواهها، و هل نسيتما سد الذرائع؟ عسى أن تعدا في العصريين، و ألا تكونا مثلنا عن ركب الحياة متخلفين!

خدعونا بقولهم حسناء* * * و الغواني يغرهن الثناء

ربنا اغفر لنا ذنوبنا و اسرافنا في أمرنا و ثبت أقدامنا يا أرحم الراحمين.

- 7-

حول كتاب من هنا نبدأ:

و قد أخرج الشيخ خالد محمد خالد من العلماء كتابا عام 1950 سماه «من هنا نبدأ» .. و قد ثار العلماء على هذا الكتاب، و كثرت حركة النقد حوله مما هو مشهور و معروف.

و قد صودر الكتاب و نظرت قضية مصادرته أمام القضاء، فحكم بإلغاء أمر مصادرته، لأن حرية الرأي مكفولة في حدود القانون، و الكتاب لا ينطوي على جريمة ما، و قد كتب خالد محمد خالد مقالة في المصري بعنوان «شموع لا حراب» قال في آخرها: «لقد احتكم الأزهر إلى القضاء، و قال القضاء كلمته، فلننحن لها في خشوع و إعجاب، فإنها كضوء الفجر منيرة هادية».

90

- 8-

و طالبت الهيئات النسائية بإعطاء المرأة حقوقها السياسية، و أيدها في ذلك بعض الأفراد، فنشر مفتي الديار المصرية الشيخ مخلوف عام 1952 فتوى جاء فيها:

عني الإسلام أتم عناية بإعداد المرأة الصالحة للمساهمة مع الرجل في بناء المجتمع على أساس من الدين و الفضيلة و الخلق القويم و في حدود الخصائص الطبيعية لكل من الجنسين فرفع شأنها و كون شخصيتها و قرر حريتها و فرض عليها كالرجل طلب العلم و المعرفة، ثم ناط بها من شئون الحياة ما تهيؤها لها طبيعة الأنوثة و ما تحسنه حتى إذا نهضت بأعبائها كانت زوجة صالحة و أما مربية و ربة منزل مدبرة و كانت دعامة قوية في بناء الأسرة و المجتمع.

و كان من رعاية الإسلام لها حق الرعاية أن حاط عزتها و كرامتها بسياج منيع من تعاليمه الحكيمة و حمى أنوثتها الظاهرة من العبث و العدوان و باعد بينها و بين مظان الزيف و بواعث الافتتان فحرم على الرجل الأجنبي الخولة بها، و النظرة العارمة إليها، و حرم عليها أن تبدي زينتها إلى ما ظهر منها، و أن تخالط الرجال في مجامعهم، و أن تتشبه بهم فيما هو من خواص شئونهم، و أعفاها من وجوب صلاة الجمعة و العيدين مع ما عرف عن الشارع من شديد الحرص على اجتماع المسلمين و تواصلهم، و أعفاها في الحج من التجرد للإحرام، و منعها الإسلام من الأذان العام، و إمامة الرجال للصلاة، و الإمامة العامة للمسلمين، و ولاية القضاء بين الناس، و أثم من يوليها، بل حكم ببطلان قضائها على ما ذهب إليه جمهور الأئمة، و منع المرأة ولاية الحروب و قيادة الجيوش و لم يبح لها من معونة الجيش إلا ما يتفق و حرمة أنوثتها.

و قد قال تعالى للمؤمنين بعد أن أمرهم بطاعة اللّه و طاعة رسوله و أولي‏

91

الأمر (فإن تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى اللّه و الرسول إن كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا) و الرد إلى اللّه و الرسول هو الرد إلى القرآن و السنة، و قال تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فليس للمرأة المؤمنة أن تترك ما حدده لها الشارع الحكيم و تأخذ بما نهاها عنه، و قد قال تعالى لنساء نبيه صلى الله عليه و سلم و نساء الأمة تبع لهن‏ وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ عن أنس رضي اللّه عنه أن بعض النساء قلن يا رسول اللّه ذهب الرجال بالفضل و الجهاد في سبيل اللّه فما لنا من عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل اللّه تعالى فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) (من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل اللّه تعالى و الجهاد سنام الإسلام و عموده و ما دونه لا يدانيه فضلا و أجرا)، و قال تعالى: وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ‏. قال القرطي و يدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى و بما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها و صوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا للضرورة القصوى و في الحديث (المرأة عورة و إذا خرجت استشرفها الشيطان و إنها تكون أقرب إلى اللّه منه في بيتها)، و في الحديث الصحيح (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي رحم) و فيه (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)- و فيه (لعن رسول اللّه المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال) و فيه (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر بها الناس و نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها) و هذا من أعلام النبوة التي وقعت. و لا سبيل الى استقصاء الآيات و الأحاديث الواردة في ذلك لكثرتها، بل ما كنا في حاجة إلى ذكرها و هي من بديهيات التشريع و فيها الدلالة القاطعة على أن الشريعة الإسلامية لا تبيح للمرأة ما تطالب به الآن مما سمته حقوقا لها و هو اعتداء منها على الحقوق التي خص بها الرجال. و كل ما أباحه لها الشارع و ما

92

منعها إنما هو لخيرها و صونها و سد ذرائع الفتنة منها و الافتتان بها حذرا من أن يحيق بالمجتمع ما يفضي إلى انحلاله و انهيار بنائه و اللّه أعلم بما للطبائع البشرية من سلطان و دوافع و بما للنفوس من ميول و نوازع و الناس يعلمون و الحوادث تصدق. و لقد بلغ من أمر الحيطة للمرأة أن أمر اللّه تعالى نساء نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم) بالحجاب و هن أمهات المؤمنين حرمة و احتراما و أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لم تمس يده و هو المعصوم أيدي النساء اللاتي بايعنه- و أن المرأة لم تول ولاية من الولايات الإسلامية في عهده و لا في عهد الخلفاء الراشدين و لا في عهود من بعدهم من الملوك و الأمراء و لا حضرت مجالس تشاوره (صلى اللّه عليه و سلّم) مع أصحابه من المهاجرين و الأنصار.

ذلك شأن المرأة في الإسلام و مبلغ تحصينها بالوسائل الواقية، فهل تريد المرأة الآن أن تخترق آخر الأسوار و تقتحم على الرجال قاعة البرلمان فتزاحم في الانتخاب و الدعاية و الجلسات و اللجان و الحفلات و التردد على الوزارات و السفر إلى المؤتمرات و الجذب و الدفع و ما إلى ذلك مما هو أكبر إثما و أعظم خطرا من ولاية القضاء بين خصمين و قد حرمت عليها و اتفق أئمة المسلمين على تأثيم من يوليها تاركة زوجها و أطفالها و بيتها وديعة في يد من لا يرحم. إن ذلك لا يرضاه أحد و لا يقره الإسلام بل و لا الأكثرية الساحقة من النساء اللهمّ إلا من يدفعه تملق المرأة أو الخوف من غضبتها إلى مخالفة الضمير و الدين و مجاراة الأهواء و لا حسبان في ميزان الحق لهؤلاء .. على المسلمين عامة أن يتعرفوا حكم الإسلام فيما يعتزمون الإقدام عليه من عمل، فهو مقطع الحق و فصل الخطاب، و لا خفاء في أن دخول المرأة في معمعة الانتخاب و النيابة غير جائز لما بيناه.

و إننا ننتظر من السيدات الفضليات أن يعملن بجد و صدق لرفعة شأن المرأة من النواحي الدينية و الأخلاقية و الاجتماعية و العلمية الصحيحة في حدود طبيعة الأنوثة و التعاليم الإسلامية قبل أن يحرصن على خوض غمار الانتخاب و النيابة- و أن نسمع منهن صيحة مدوية للدعوة إلى وجوب تمسك‏

93

النساء عامة بأهداب الدين و الفضيلة في الأزياء و المظاهر و الاجتماعات النسائية و غير ذلك مما هو كمال و جمال للمرأة المهذبة الفاضلة.

و أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر حول هذا الموضوع هذه الفتوى:

إن لجنة الفتوى تتوخى جهدها هذه الأصول و المبادى‏ء- في بحث ما يعرض لها من المسائل- و تسير على هذا النهج في بحث المسألة الحاضرة:

مسألة حق المرأة في الانتخاب. و هي تقرر أن هذه المسألة ذات شقين:

الأول: أن تكون المرأة عضوا في البرلمان.

الثاني: أن تشترك في انتخاب من يكون عضولا فيه.

و لمعرفة الحكم في هذين الأمرين اللذين يتضمن أولهما نوعا من ولاية التصرف في شئون عامة، يلزم بيان أن الولاية نوعان. ولاية عامة و ولاية خاصة.

فالولاية العامة: هي السلطة الملزمة في شأن من شئون الجماعة، كولاية من القوانين و الفصل في الخصومات، و تنفيذ الأحكام، و الهيمنة على القائمين بذلك.

و الولاية الخاصة، هي السلطة التي يملك بها صاحبها التصرف في شأن من الشئون الخاصة بغيره كالوصاية على الصغار، و الولاية على المال، و النظارة على الأوقاف. و قد فسحت الشريعة للمرأة في هذا النوع الثاني من الولاية فهي تملك منها ما يملكه الرجل كما تملك التصرف في شئون نفسها الخاصة بها. فلها حق التصرف في أموالها بالبيع و الهبة و الرهن و الإجارة و غيرها من التصرفات و ليس لزوجها و لا لأحد من أهلها حق معها في ذلك.

ملكتها الشريعة ذلك كله مع إرشادها إلى ما يحفظ كرامتها و حياطتها بما فيه ضمان شرفها و مكانتها.

أما الولاية العامة- و من أهمها مهمة عضو البرلمان و هي ولاية سن‏

94

القوانين و الهيمنة على تنفيذها- فقد قصرتها الشريعة الإسلامية على الرجال إذا توافرت فيهم شروط معينة.

و قد جرى التطبيق العملي على هذا من فجر الإسلام إلى الآن. فإنه لم يثبت أن شيئا من هذه الولايات العامة قد أسند إلى المرأة، لا مستقلة و لا مع غيرها من الرجال و قد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، و فيهن من تفضل كثيرا من الرجال كأمهات المؤمنين.

و مع أن الدواعي لاشتراك النساء مع الرجال في الشئون العامة كانت متوافرة لم تطلب المرأة أن تشترك في شي‏ء من تلك الولايات و لم يطلب منها هذا الاشتراك، و لو كان لذلك مسوغ من كتاب أو سنة لما أهملت مراعاته من جانب الرجال و النساء بإطراد. و هذه قصة سقيفة بني ساعدة في اختيار الخليفة الأول بعد الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) قد بلغ فيها الخلاف أشده ثم استقر الأمر لأبي بكر و بويع بعد ذلك البيعة العامة في المسجد، و لم تشترك امرأة مع الرجال في مداولة الرأي في السقيفة و لم تدع لذلك، كما أنها لم تدع و لم تشترك في تلك البيعة العامة.

و كم من اجتماعات شورية من النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه، و من الخلفاء و إخوانهم في شئون عامة لم تدع إليها المرأة و لم تشترك فيها.

و الدليل الشرعي على هذا المنع هو ما رواه البخاري في صحيحه و أخرجه أحمد في مسنده و النسائي في سنته و الترمذي في جامعه- قال البخاري: حدثنا عثمان بن الهيثم قال حدثنا عوف عن الحسن البصري عن أبي بكر قال «لقد نفعني اللّه بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن فارس ملكوا ابنة كسرى قال «لن يفلح قوم و لو أمرهم امرأة». و ظاهر أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لا يقصد بهذا الحديث مجرد الأخبار عن عدم فلاح القوم الذين يولون المرأة أمرهم، لأن وظيفته عليه الصلاة و السلام بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير و الفلاح. و ما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم‏

95

من الشر و الخسار، و إنما يقصد نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شي‏ء من الأمور العامة إلى المرأة. و قد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم و انتظام شملهم على الامتثال. و هو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمرا من أمورهم. و لا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شي‏ء من الولايات العامة و هذا العموم تفيده صيغة الحديث و أسلوبه كما يفيده المعنى الذي من أجله كان هذا المنع، و هذا هو ما فهمه أصحاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و جميع أئمة السلف لم يستثنوا من ذلك امرأة و لا قوما و لا شأنا من الشئون العامة. فهم جميعا يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى و القضاء و قيادة الجيوش و ما إليها من سائر الولايات العامة. هذا الحكم المستفاد من الحديث و هو منع المرأة من الولايات العامة ليس حكما تعبديا يقصد مجرد امتثاله دون أن تعلم حكمته و إنما هو من الأحكام المعللة بمعان و اعتبارات لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان: «الرجل و المرأة». ذلك أن هذا الحكم لم ينط بشي‏ء وراء «الأنوثة» التي جاءت كلمة «امرأة» في الحديث عنوانا لها. و إذا فالأنوثة وحدها هي العلة فيه.

و واضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها الطبيعي عدم العلم و المعرفة و لا عدم الذكاء و الفطنة حتى يكون شي‏ء من ذلك هو العلة، لأن الواقع يدل على أن للمرأة علما و قدرة على أن تعلم كالرجل بل قد تفوق الرجل في العلم و الذكاء و الفهم؟ فلا بد أن يكون الموجب لهذا الحكم شيئا وراء ذلك كله.

إن المرأة بمقتضى الخلق و التكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، و هي مهمة الأمومة و حضانة النش‏ء و تربيته و هذه قد جعلتها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة و هي مع هذا تعرض لها عوارض طبيعية تتكرر عليها في الأشهر و الأعوام من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية

96

و توهن من عزيمتها في تكوين الرأي و التمسك به و القدرة على الكفاح و المقاومة في سبيله و هذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها. و لا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال و الميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها و عصورها. فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمى بيئة نسوية إلى تغليب العاطفة على مقتضى العقل و الحكمة، و آيات من سورة الأحزاب: تشير إلى ما كان من نساء النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و تطبعهن إلى زينة الدنيا و منعتها و مطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما أفاء اللّه به من الغنائم حتى يعشن كما تعيش زوجات الملوك و رؤساء الأمم. لكن القرآن قد ردهن إلى مقتضى العقل و الحكمة في ذلك‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً، و آية أخرى من سورة التحريم تحدث عن غيرة بعض نسائه عليه الصلاة و السلام و ما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة على العقل، مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به على الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قد ردهن القرآن إلى الجادة إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ، وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.

هذه هي المرأة في أسمى البيئات النسوية لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة و لم تنهض قوتها المعنوية على مغالبة نوازع الغيرة مع كمال إيمانها و نشأتها في بيت النبوة و الوحي، فكيف بامرأة غيرها لم تؤمن إيمانها و لم تنشأ نشأتها و ليس لها ما تطمع به أن تبلغ شاؤها أو تقارب منزلتها؟!

فالحق إن المرأة بأنوثتها عرضة للانحراف عن مقتضى الحكمة و الاعتدال في الحكم، و هذا هو ما عبر عنه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بنقصان العقل و رتب عليه- كما جاء في القرآن الكريم- إن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل و قد بنت الشريعة على هذا الفرق الطبيعي بين الرجل و المرأة التفريق بينهما في كثير من الأحكام:

97

جعلت القوامة على النساء للرجال؟ الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏، و جعلت حتى طلاق المرأة للرجل دونها و منعتها السفر دون محرم أو زوج أو رفقة مأمونة و لو كان سفرها لأداء فريضة الحج. و جعلت لها حق الحضانة للصغار دون الرجل، و أوجبت على الرجل حضور الجمعة و الجماعات و الجهاد و لم توجب عليها شيئا من ذلك.

و إذا كان الفرق الطبيعي بين الرجل و المرأة قد أدى في نظر الشريعة إلى التفرقة بينهما في هذه الأحكام التي لا تتعلق بالشئون العامة للأمة فإن التفرقة بينهما بمقتضاه في الولايات العامة- التي يجب أن تكون بمنأى عن مظان التأثر بدواعي العاطفة- تكون في نظر الحكمة أحق و أوجب.

و من هنا تقرر لجنة الفتوى، أن الشريعة الاسلامية تمنع المرأة- كما جاء في الحديث الشريف- أن تلي شيئا من هذه الولايات، و في مقدمتها ولاية سن القوانين التي هي مهمة أعضاء البرلمان. هذا- و ليس من الولايات العامة التي تمنع منها المرأة ما يعهد به إلى بعض النساء من الوظائف و الأعمال كالتدريس للبنات و عمل الطبيبة و الممرضة في علاج المرضى من النساء و تمريضهن، فإن هذه الأعمال و ما شابهها ليس فيها معنى الولاية العامة، الذي هو سلطان الحكم و قوة الإلزام، و قد استند دعاة حق المرأة في الانتخاب إلى بعض وقائع حسبوها من الولاية العامة التي تولتها المرأة على حين أنها ليست من هذه الولاية في شي‏ء، فقد قالوا إن السيدة عائشة رضي اللّه عنها تولت قيادة الجيش في واقعة الجمل لمقاتلة حزب علي رضي اللّه عنه، و إيراد هذه الوقعة على هذا الوجه ليس فيه إنصاف للحقيقة و التاريخ. فإن السيدة عائشة لم تخرج محاربة و لا قائدة لجيش محارب، و إنما خرجت داعية للمطالبة بدم عثمان رضي اللّه عنه، و قد دفعها إلى ذلك أنها كانت ساخطة- كغيرها من أهل عثمان و أشياعهم- على خطة التريث و التمهل و عدم المبادرة بالبحث قبل كل شي‏ء عن قتلة عثمان و الاقتصاص منهم، و هذا أمر ليس من الولاية العامة في شي‏ء كما قلنا. على أن صنيع‏

98

السيدة عائشة هذا ليس فيه دليل شرعي يصح الاستناد إليه، فإن كان عن اجتهاد منها. و كانت مخطئة فيه. و قد أنكر عليها بعض الصحابة هذا الخروج فاعترفت بخطئها و ندمت على خروجها. و في ذلك يروي الحافظ بن حجر في شرح صحيح البخاري يقول: أخرج عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة أرسلت إلى أبي بكرة- تدعوه إلى الخروج معها- فقال: إنك لأم و إن حقك لعظيم. و لكن سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يقول: «لن يفلح قوم تملكهم امرأة» و لم يخرج معها أبو بكرة.

و ورد كذلك من طريق قيس بن أبي عاصم قال: لما أقبلت عائشة فنزلت ببعض مياه بني عامر نبحث عليها الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا:

الحواب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة فقالت لها بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح اللّه ذات بينهم. فقالت: إن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قال لنا ذات يوم: «كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحواب؟» و أخرج هذا أحمد و أبو يعلى و البزار و الحاكم و صححه بن حبان و سنده على شرط الصحيح. و ورد عن طريق عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قال لنسائه: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب (1) تخرج حتى تنبحها كلاب الحواب يقتل عن يمينها و عن شمالها قتلى كثيرة و تنجو بعد ما كادت»، و أخرج أحمد و البزار بسند حسن من حديث أبي رافع أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قال لعلي بن أبي طالب: «إنه سيكون بينك و بين عائشة أمر» قال:

فأنا أشقاهم يا رسول اللّه؟ قال: لا، و لكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها.

من هذه الأحاديث المتعددة الطرق يتضح لمن اشتبه عليهم الأمر أن موقف السيدة عائشة رضي اللّه عنها في واقعة الجمل كان عن اجتهاد منها لم يقرها عليه كثير من الصحابة و إنها تذكرت ما أنبأ به النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فندمت على خروجها و اعترفت بخطئها.

و قد روى الطبراني بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال عمار بن‏

99

ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكن- يشير إلى قوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ‏ فقالت: «أبو اليقظان؟ قال نعم قالت: و اللّه إنك ما علمت لقوال بالحق، قال الحمد للّه الذي قضى لي على لسانك» فهي تعترف بخطئها و تقر عمارا على إنكاره لصنيعها و توافقه على أن الخروج لمثل ذلك الشأن لا يجوز للنساء.

و يجدر أن نسوق هنا ما رواه أبو يعلي و البزار عن أنس قال: أتت النساء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فقلن يا رسول اللّه ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل اللّه فما لنا عمل ندرك به عمل الجهاد في سبيل اللّه؟ فقال:

«مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل اللّه»، هذا إلى ما قدمناه من أن خروج السيدة عائشة في هذه الواقعة ليس من الولاية العامة، فلا يتصل بموضوع اليوم في شي‏ء.

و أبعد من ذلك عن الموضوع ما يستدل به أنصار حق المرأة في الانتخاب من أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بايع النساء كما بايع الرجال. و مبايعة النساء هذه، هي التي جاء بها القرآن الكريم في قول اللّه تعالى في سورة الممتحنة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى‏ أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنِينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، هذه هي المبايعة التي يستدل بها أنصار حق المرأة في الانتخاب و هي عهد من اللّه و رسوله قد أخذ على النساء ألا يخالفن أحكام اللّه و أن يتجنبن تلك الموبقات المهلكات التي كان أمرها شائعا فاشيا في العرب قبل الإسلام، فأي شي‏ء في هذا يصلح مستندا لأنصار هذا الرأي؟. إنه لم يدع أحد أن المرأة ممنوعة من تلقي دروس العلم و المعرفة أو من حضور مجالس العلم محتشمة لسماع تعاليم الدين و الوعظ و الارشاد، بل إن الإسلام يحتم عليها أن تتعلم و تتثقف و تتأدب بآداب الدين الصحيحة كما يحتم ذلك على الرجل، فهذا حق لها و واجب عليها. حق لها على‏

100

الأمة أن تمكنها من أن تتعلم كل ما يصلح لها في دينها و دنياها. و واجب عليها أن تبذل جهدها في سبيل هذه المعرفة، و لا يجب عليها أن تسأل في ذلك عما تجهل و أن تناقش فيما لا تقتنع به مما تسمع و مما هي في حاجة إليه من العلوم و المعارف. و لها في ذلك أسوة ببعض نساء السلف إذا اعترضت إحداهن على عمر و قد كان يخطب الناس في المسجد ينهاهم عن المغالاة في المهور فقالت: أيعطينا اللّه و يمنعنا عمر؟ تشير إلى قوله تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً، و في هذا يروي ابن أبي يعلي عن مسروق أن عمر لما راجعته تلك المرأة بعد ما نزل من المنبر قال: كل الناس أفقه من عمر ثم صعد المنبر فقال: كنت نهيتكم أن تزيدوا على أربعمائة، فمن طابت نفسه فليفعل، كل هذا لائق بالمرأة و هو كما قلنا حق لها و واجب عليها لكنه لا نسبة له بما تطالب به اليوم من الولاية العامة و ما تدعيه من حق الاشتراك في الانتخاب.

و في رأينا أن مبايعة النساء للرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) إن دلت على شي‏ء يصح التمسك به في المسألة الحاضرة فذلك هو التفرقة في الأعمال بين ما ينبغي أن يكون للرجال أو للنساء، فهي حجة على أنصار دعوى المساواة بين الرجل و المرأة و ليست دليلا لهم، ذلك أن مبايعة النساء هذه كانت عقب فراغ النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من مبايعة الرجال عند الصفا يوم فتح مكة. فقد بايع هؤلاء الرجال أولا و لكن على ماذا؟ على الإسلام و الجهاد. فإن هذا الأمر الذي يليق بهم و ينتظر منهم. كما بايعهم قبل ذلك في الحديبية سنة ست من الهجرة على ألا يفروا من الموت، و كما بايع نقباء الأنصار في منى قبل الهجرة على السمع و الطاعة و النصرة و أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم و أبناءهم.

أما مبايعة النساء فكانت على ما قدمنا مما وردت به الآية الكريمة من سورة الممتحنة. و للّه الحكمة البالغة، لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها. إذا

101

لا شي‏ء مما يستدل به دعاة حق المرأة في الانتخاب يصح أن يكون دليلا لهم. و لا شي‏ء منه يمكن أن يكون من الولاية العامة.

أما الذي هو من الولايات العامة فهو تولى شجرة الدر ملك مصر. لكنا لا نظن أحدا من أهل الجد في القول يلجأ إلى هذا الأمر فيجعل منه دليلا شرعيا على أن الإسلام يجيز في الملك أن تتولاه امرأة، هذا ما رأته اللجنة في حكم أحد الأمرين و هو الخاص بانتخاب المرأة لتكوين عضوا في البرلمان.

أما الأمر الثاني و هو اشتراكها في انتخاب من يكون عضوا فيه، فاللجنة ترى أنه باب تريد المرأة أن تنفذ منه إلى تلك الولاية العامة التي حظرتها عليها الشريعة ذلك أن من يثبت له حق الاشتراك في الانتخاب فإنه يثبت له حق ترشيح نفسه لعضوية البرلمان متى توافرت فيه الشروط القانونية لهذه العضوية. و بعيد أن ينشأ للمرأة قانون يبيح لها الاشتراك في التصويت ثم يمنعها- لأنوثتها- من ترشيح نفسها للعضوية و هي التي لا تقنع بأن الأنوثة تمنعها من شي‏ء و لا ترضى إلا بأن تكون مساوية للرجل في كل شي‏ء.

و إذا لا يصح أن يفتح لها باب التصويت عملا بالمبدأ المقرر في الشريعة و القانون.

إن وسيلة الشي‏ء تأخذ حكمه. فالشي‏ء الممنوع بسبب ما يلازمه أو ما يترتب عليه من ضرر أو مفسدة تكون الوسيلة إليه ممنوعة لهذا السبب نفسه، فإنه لا يسوغ في عقل و لا شرع أن يمنع شي‏ء لما يترتب عليه أو يلازمه من مضار و يسمح في الوقت نفسه بالوسائل التي يعلم أنها تتخذ طريقا إليه، و بهذا يتبين أن حكم الشريعة في اشتراك المرأة في انتخاب عضو البرلمان هو كحكمها في اختيارها لتكون عضوا فيه. كلاهما ممنوع. هذا- و يتبين مما قدمنا أن الحكم في المسألة بشقيها على هذا الوجه لم ينظر فيه إلى شي‏ء آخر وراء طبيعة هذين الأمرين، أما إذا نظرنا إلى ما يلازم عملية

102

الانتخاب المعروفة و الترشيح لعضوية البرلمان من مبدأ التفكير فيه إلى نهايته. فإنا نجد سلسلة من الاجتماعات و الاختلاطات و الأسفار للدعاية و المقابلات و ما إلى ذلك مما تتعرض المرأة فيه لأنواع من الشر و الأذى، و يتعرض لها فيه أرباب القلوب المريضة الذين ترتاح أهواؤهم و تطمئن أنفسهم لمثل هذا الاختلاط بين الرجال و النساء فهذه مواقف لا ينبغي للمرأة أن تزج بنفسها في معتركها غير المأمون. و يجب عليها أن تنادي بنفسها عنها حفظا لكرامتها و صونا لسمعتها. و هذا واقع لا ينبغي إغفاله أو التغافل عنه و يجب تقدير الأمور و تقرير الأحكام على أساسه، و قد تكفي هذه الإشارة في التنبيه إلى مضار الاختلاط في اجتماعات الرجال و النساء، و آيات من الكتاب العزيز ترسم لنا الطرق الصالحة في التربية الاجتماعية و التهذيب الخلقي و الأدب الديني الصحيح، فعلينا أن نعتبر بها و نقيس بتعاليهما ما هو واقع في اجتماعاتنا لنعرف مدى قربنا أو بعدنا من هذه التعاليم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ‏ وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى‏ جُيُوبِهِنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ عَوْراتِ النِّساءِ وَ لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏، بإمضاء: محمد عبد الفتاح العناني رئيس لجنة الفتوى بالأزهر.

و قد كتب الدكتور أحمد زكي بك و الأستاذ إسماعيل مظهر يؤيدان‏

103

قضية المرأة، ورد عليهما علماء الوعظ بالأزهر بآيات و أحاديث شريفة، مغزاها خلاف ما ذهب إليه الدكتور زكي و الأستاذ مظهر.

و قد نشر الشيخ علام نصار المفتي آراء له حول: تعدد الزوجات، و الطلاق و سواها .. و قد قامت معركة حول هذه الآراء، و اشتركت في مناقشتها و الرد عليها «جبهة علماء الأزهر» في كتاب نشرته.

- 9- فكرة توحيد التعليم:

هذه الفكرة أيدها الدكتور طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة»، فرأى أن يكون التعليم موحدا في الدولة و أن تكون المعاهد الثانوية مدارس ثانوية خاضعة لوزارة المعارف، و تستقل كليات الأزهر بالدراسات الدينية.

و قد كتب الدكتور محمد يوسف موسى في 6 اغسطس 1950 كلمة في الأهرام يؤيد فيها هذا الرأي، ورد عليه الأستاذ الشيخ الطيب النجار عضو جماعة كبار العلماء و غيره من أساتذة الأزهر.

- 10-

لمناسبة الاحتفال بسفر المحمل و الكسوة الشريفة عام 1952 و ما يلازم هذا الاحتفال عادة من تقاليد و الطقوس بعث علي ماهر رئيس الوزراء سابقا إلى فضيلة مفتي الديار المصرية بكتاب يستفتيه في حكم الشريعة في هذه التقاليد و الطقوس و قد جاء فيه: جرت العادة في حفلة المحمل السنوية على نظم و تقاليد و طقوس نرجو التفضل ببيان الحكم الشرعي فيها قبل الموعد المحدد للحفلة في هذا العام، مع الإحاطة بأننا نعتبر هذه لا تعدوا أن تكون إيذانا بافتتاح موسم الحج، و إذا رأيتم فضيلتكم الاتصال بصاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر و صاحب الفضيلة رئيس المحكمة الشرعية

104

ليكون الرأي إجماعيا نكون لكم من الشاكرين.

و قد قدم حضرة صاحب الفضيلة مفتي الديار المصرية فتواه في الرد على رئيس الوزراء مؤيدة برأي فضيلة شيخ الجامع الأزهر و فضيلة رئيس المحكمة العليا الشرعية إلى الرئيس علي ماهر، و جاء فيها ما يلي بعد الديباجة: تشرفت اليوم بتلقي كتابكم المؤرخ 18/ 8/ 1952 الذي تطلبون فيه الرأي الشرعي في النظم و التقاليد و الطقوس التي تجري في الحفلة السنوية للمحمل، و نفيد أننا منذ مدة قد بينا الحكم في ذلك بيانا واضحا و استنكرنا بعض هذه التقاليد استنكارا صريحا لمخالفتها لتعاليم الإسلام، و قد جرت العادة على إقامة هذه الحفلة كل عام عند سفر المحمل و عند عودته بما في ذلك هذه التقاليد التي ينكرها الشرع و التي هي بدع سيئة لا أصل لها في الدين و يجب إزالتها و القضاء عليها، من ذلك:

1- الطواف بالمحمل سبع مرات حول الدائرة التي ترسم له أمام السرادق المعد للاجتماع الرسمي رمزا إلى الطواف حول الكعبة سبعة أشواط مع أن الطواف لم يشرع إلا حول الكعبة في مناسك الحج و العمرة، و لا يجوز الرمز إلى ذلك بأية حال.

2- دوران عدة من الجمال حول هذه الدائرة و عليها رجال يطبلون و يزمرون بملابس خاصة و صورة مزرية.

3- تقبيل أمير الحج و العظماء المدعوين إلى الحفلة مقود الجمل الذي يحمل الهودج المرموز به إلى هودج شجرة الدر حين حجت في عهد دولة المماليك و ليس لهذا أصل في الدين فضلا عن أنه مما تأباه النفوس الكريمة. فالتقبيل لم يؤذن به شرعا في المناسك أو غيرها إلا في الحجر الأسود و فيه قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: «و اللّه إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع و لو لا أني رأيت رسول اللّه يقبلك لما قبلتك».