الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
105

4- وقوف جماعة من مشايخ الطرق و أتباعهم أمام السرادق يقرأون الفاتحة و يبتهلون بأصوات صاخبة مزعجة و ما كانت تلاوة القرآن لذلك و على هذا الوجه.

و قد تأصلت هذه الأعمال في النفوس حتى ظن عامة الناس أنها من الدين أو على الأقل من البدع الحسنة، و الدين يأباها و يرشد إلى أنها من السوء بمكان و في إقراره تضليل للعامة باعتقادهم أنها من الدين و هي ليست من الدين في شي‏ء. و بما أن الواجب شرعا رد المسلمين إلى الحق و الهدى و إرشاد العامة إلى ترك المعتقدات الباطلة و البدع السيئة و قد صح من المأثور أن من أمات بدعة فقد أحيا سنة.

لهذا كله نرجو أن يفتتح هذا العهد الإصلاحي بتطهير العقائد و الأعمال من شوائب المنكرات، و اللّه يوفقكم و يصلح بكم و يسدد خطاكم‏

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

107

الباب التاسع‏

ألوان ثقافية في حياة الأزهر العلميّة

- 1-

كان الأزهر لا يعني كثيرا بالعلوم العقلية في عهد الانحطاط العثماني، و من شواهد ذلك أن أحمد كور باشا الذي تولى ولاية مصر عام 1161 ه في عهد مشيخة الشيخ عبد اللّه الشبراوي، ناقش شيخ الأزهر الشيخ الشبراوي، في إهمال الأزهر و مصر للعلوم الرياضية (1).

و مع ذلك فقد كان هناك قلة من العلماء تعني بهذه العلوم و تدرسها، و من هؤلاء الشيخ حسن الجبرتي الذي كان ذا شهرة عظيمة في العلوم الرياضية، و قد ذكر ابنه المؤرخ في حديثه عنه في تاريخه أنه في سنة 1159 ه- 1805 م أتي إليه طلاب من الفرنجة، و تلقوا عليه علم الهندسة، و أهدوا إليه من مصنوعاتهم و آلاتهم أشياء نفيسة ثم رجعوا إلى بلادهم و نشروا بها ذلك العلم من ذلك الوقت، و أخرجوه من القوة إلى الفعل، و استخرجوا به صناعات بديعة، مثل طواحين الهواء، و جر الأثقال، و استنباط المياه، و ما إلى هذا من الصناعات، فأي شي‏ء بعد هذا يحتاج إليه في إثبات فضل الأزهر على العلم؟ و أية يد أثيمة بعد هذا تحاول‏

____________

(1) 192 و 93 ج 1 الجبرتي.

108

أن تناله بسوء، و أن تقابل فضله بالجحود؟ و قد تلقى الشيخ حسن الجبرتي هذه العلوم الرياضية في الأزهر، و كذلك غيرها من العلوم الدينية و العربية، و هو في الأصل من أهل الحبشة الذين رحلوا إلى الأزهر لطلب العلم، و لهم رواق فيه يسمى رواق الجبرتية، و قد تلقى العلوم الدينية و العربية على السيد محمد البنوفري و الشيخ عمر الأسقاطي و الشيخ أحمد الجوهري و غيرهم، و بدأ تلقي العلوم الرياضية على الشيخ محمد النجاحي، ثم قدم الشيخ حسام الدين الهندي إلى الأزهر، و كان بارعا في العلوم الرياضية و الفلسفية، فتلقاها عليه بعض طلاب الأزهر، مثل الشيخ الوسيمي، و الشيخ أحمد الدمنهوري، فذهب إليه الشيخ حسن الجبرتي و لازمه، و تلقى عليه كتبا نفيسة في هذه العلوم، مثل أشكال التأسيس في الهندسة، و تحرير أقليدس، و المتوسطات و المبادى‏ء و الغايات، و الأكر، و علم الأرتماطيقي، و الجغرافيا، و علم المساحة، و لم يزل يطلب هذه العلوم حتى برع فيها، و طارت شهرته بها، و كان يعرف اللغة التركية و الفارسية، و يتكلم بهما كأهلهما، ثم اشتغل بالتدريس في الأزهر، و تلقى عليه فيه الشيخ أحمد الشيخ عبد الرحمن البنان و الشيخ محمد الصبان و الشيخ محمد عرفة الدسوقي و الشيخ محمد الأمير، و غيرهم من أفاضل علماء الأزهر.

و كان يقتنى كثيرا من الكتب النفيسة في العربية و الفارسية و التركية، و مما كان يقتنيه من الكتب الفارسية كتاب الكلستان، و ديوان حافظ، و شاه‏نامه، و كان بها من الصور العجيبة ما يكسبها رونقا و بهاء، و كان عنده كثير من الآلات الفلكية، و الكرات النحاسية، و الآلات الإرتفاعية، و الميالات، و حلق الأرصاد، و الأسطرلابات، و العدد الهندسية، و آلات أكثر الصناعات كالنجارة و غيرها، و آلات الرسم و التقاسيم، و كان كل ماهر في صناعته يجتمع به ليتسفيد منه، و كان مع هذا يعرف صناعة التراكيب و التقاطير و استخراج المايه، و قد رسم في أيام اشتغاله ما لا يحصى من المنحرفات و المزاول، و في سنة 1172 ه- 1758 م، وقع الخلل في الموازين‏

109

فتحركت همته لتصحيحها، و أحضر الحدادين و السباكين، و حرر المثاقيل و الصنج الكبار و الصغار، و رسمها بطريق الاستخراج على أصل العلم العملي و الوضع الهندسي، و لم ينقص هذا من إلمامه بالعلوم الدينية، بل كان حجة في الفقه و غيره من هذه العلوم، حتى إن القضاة لم يكونوا يثقون إلا بفتواه، و كانت وفاة هذا العالم الأزهري سنة 1188 ه- 1774 م ..

- 2-

و قد نعى الشيخ حسن العطار على الأزهر إهماله هذه العلوم و سواها و ذلك في حاشيته على شرح جمع الجوامع في أصول الفقه‏ (1) و كان من تلامذة العطار رفاعة رافع الطهطاوي الأزهري، الذي سافر مع بعثات محمد علي إلى باريس، و له كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» و كتاب مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، الذي يقول فيه عن محمد علي و عهده‏ (2) إنه جدد دروس العلوم بعد اندراسها، و أوجدت بعد العدم رؤساء العلماء و الفضلاء نتيجة قياسها، لقصد انتشار العلم و الزيادة في الفضائل، فأتى من ذلك بما لم تستطعه الأوائل، غير أنه- حفظه اللّه و أبقاه- و لو أنه أعلى منار الوطن و رقاه. لم يستطع إلى الآن أن يعمم أنوار هذه المعارف المتنوعة بالجامع الأزهر الأنور، و لم يجذب طلابه إلى تكميل عقولهم بالعلوم الحكمية التي كبير نفعها في الوطن ليس ينكر، نعم إن لهم اليد البيضاء في إتقان الأحكام الشرعية العملية و الاعتقادية، و ما يجب من العلوم الآلية كعلوم العربية الإثني عشر، و كالمنطق و الوضع و آداب البحث و المقولات و علم الأصول المعتبر، غير أن هذا وحده لا يفي للوطن بقضاء الوطر، و الكامل يقبل الكمال كما هو متعارف عند أهل النظر، و مدار سلوك جادة الرشاد و الإصابة، منوط بعدول الأمر، بهذه العصابة، التي ينبغي أن‏

____________

(1) 461/ 2.

(2) 28 تاريخ الإصلاح في الأزهر للصعيدي، 247- 250 مناهج الألباب المصرية لرفاعة.

110

تضيف إلى ما يجب عليها من نشر السنة الشريفة، و رفع أعلام الشريعة المنيفة، معرفة سائر المعارف البشرية المدنية، التي لها مدخل في تقديم الوطنية، من كل ما يحمد على تعلمه و تعليمه علماء الأمة المحمدية، فإنه بانضمامه إلى علوم الشريعة و الأحكام، يكون من الأعمال الباقية على الدوام، و يقتدى بهم في اتباعه الخاص و العام، حتى إذا دخلوا في أمور الدولة، يحسن كل منهم في إبداء المحاسن المدنية قوله، فإن سلوك طريق العلم النافع من حيث هو مستقيم، و منهجه الأبهج هو القويم، يكون بالنسبة للعلماء سلوكه أقوم، و تلقيه من أفواههم أتم و أنظم، لا سيما أن هذه العلوم الحكمية العملية التي يظهر الآن أنها أجنبية هي علوم إسلامية نقلها الأجانب الى لغاتهم من الكتب العربية، و لم تزل كتبها إلى الآن في خزائن ملوك الإسلام كالذخيرة، بل لا زال يتشبث بقراءتها و دراستها من أهل أوروبا حكماء الأزمنة الأخيرة، فإن من اطلع على سند شيخ الجامع الأزهر الشيخ أحمد الدمنهوري (1101- 1192 ه)- الذي كانت مشيخته قبل شيخ الإسلام أحمد العروسي الكبير (1132- 1208 ه) جدّ شيخ شيوخ الجامع الأزهر، السيد المصطفوي العلم الشهير (1) رأى أنه أحاط من دوائر هذه العلوم بكثير، و أنه له فيها المؤلفات الجمة، و أن تلقيها إلى أيامه كان عند الجامع الأزهر من الأمور المهمة، فإنه يقول فيه بعد سرد ما تلقاه من العلوم الشرعية و آلاتها معقولا و منقولا:

أخذت عن أستاذنا الشيخ المعمر الشيخ علي الزعتري.

خاتمة العارفين بعلم الحساب و استخراج المجهولات و بما توقف عليها.

كالفرائض و الميقات، وسيلة ابن الهائم و معونته- كلاهما في الحساب- و المقنع لابن الهائم، و منظومة الياسمين في الجبر و المقابلة، و دقائق الحقائق في حساب الدرج و الدقائق لسبط المارديني في علم حساب الأزياج، و رسالتين إحداهما على ربع المقنطرات و أخراهما على ربع‏

____________

(1) يعني بذلك الشيخ مصطفى العروسي (1213- 1293 ه).

111

المجيب- كلاهما للشيخ عبد الله المارديني جد السبط- و نتيجة الشيخ اللاذقي المحسوبة لعرض مصر، و المنخرفات لسبط المارديني في علم وضع المزاول، و بعض اللمعة في التقويم. و أخذت عن سيدي أحمد القرافي الحكيم بدار الشفاء بالقراءة عليه كتاب الموجز و اللمحة العفيفة في أسباب الأمراض و علاماتها بشرح الأمشاطي، و بعضا من قانون ابن سينا، و بعضا من كامل الصناعة، و بعضا من منظومة ابن سينا الكبرى- و الجميع في الطب- و قرأت على استاذنا الشيخ عبد الفتاح الدمياطي كتاب لقط الجواهر في الحدود و الدوائر لسبط المارديني في الهيئة السماوية، و رسالة ابن الشاطر في علم الاضطراب، و رسالة قسطا بن لوقا في العمل بالكرة و كيفية أخذ الوقت منها، و الدر لابن المجدي في علم الزيج. و قرأت على أستاذنا الشيخ سلامة الفيومي أشكال التأسيس في الهندسة، و بعضا من الجغميني في علم الهيئة، و بعضا من رفع الأشكال عن مساحة الأشكال في علم المساحة، و قرأت على الشيخ عبد الجواد المرحومي جملة كتب، منها رسالة في علم الأرتماطيقي للشيخ سلطان المزاحي. و قرأت على الشيخ الشهير بالسحيمي منظومة الحكيم درمقاش المشتملة على علم التكسير و علم الأوفاق و علم الاستنطاقات و علم التكعيب، و رسالة اخرى في رسم ربع المقنطرات و المنحرفات لسيط المارديني، و علم المزاول و منظومة في علم الأعمال الرصدية و روضة العلوم و بهجة المنطوق و المفهوم لمحمد بن صاعد الأنصاري، و هي كتاب يشتمل على سبعة و سبعين علما، أولهما علم الحرف و آخرها علم الطلاسم، و رسالة للإسرائيلي، و رسالة للسيد الطحان- كلاهما في علم الطالع- و رسالة للخازن في علم المواليد- أعني الممالك الطبيعية و هي الحيوانات و النباتات و المعادن- و أخذت عن شيخنا الشيخ حسام الدين الهندي شرح الهداية في علم الحكمة، و متن الجغميني في علم الهيئة- بمراجعة قاضي زاده و مطالعة السيد عليه- و أخذت عن سيدي أحمد الشرفي شيخ المغاربة بالجامع الأزهر كتاب اللمعة في تقويم‏

112

الكواكب السبعة. و لما ذكر ما تلقاه من هذه العلوم أعقبه بما طالعه بنفسه بدون الأخذ عن شيخ فقال: طالعت كتاب إحياء الفؤاد بمعرفة خواص الأعداد في علم الأرتماطيقي، في نحو كراسين، و كتاب عين الحياة في علم استنباط المياه، و رسالة الكلام اليسير في علام البواسير، في نحو كراسين، و رسالة التصريح بخلاصة القول الصريح في علم التشريح، في نحو كراسين، و كتاب إتحاف البرية بمعرفة الأمور الضرورية في علم الطب، في نحو خمسة كراريس، و رسالة القول الأقرب في علاج لسع العقرب، في نحو كراس، و كتاب منهج السلوك في نصيحة الملوك، في نحو عشرة كراريس، و كتاب بلوغ الأرب في أسماء سلاطين العجم و العرب- معنونا باسم السلطان مصطفى خان بن السلطان أحمد خان، المولود في رابع عشر شهر صفر سنة تسع و عشرين و مائة و ألف يوم الأربعاء أول النهار في الساعة الأولى بعد الشمس، الجالس على سرير الملك في سابع عشر صفر الخير سنة إحدى و سبعين و مائة و ألف يوم الأحد قبل الشمس. و يقول رفاعة: فانظر إلى هذا الإمام الذي كان شيخ مشايخ الجامع الأزهر، و كان له في العلوم الطبية و الرياضية و علم الهيئة الحظ الأوفر، مما تلقاه عن أشياخه الأعلام، فضلا عن كون أشياخه كانوا أزهرية، و لم يفتهم الوقوف على حقائق هذه العلوم النافعة في الوطنية، و فضل العلامة الجبرتي المتوفي في أثناء هذا القرن في هذه العلوم، و في فن التاريخ أمر معلوم، و كذلك العلامة الشيخ عثمان الورداني الفلكي، و كان للمرحوم العلامة الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر أيضا مشاركة في كثير من هذه العلوم، حتى في العلوم الجغرافية، فقد وجدت بخطه هوامش جليلة على تقويم البلدان لإسماعيل أبي الفداء سلطان حماة، المشهور أيضا بالملك المؤيد، و للشيخ المذكور هوامش أيضا وجدتها بأكثر التواريخ، و على طبقات لأطباء و غيرها، كان يطلع دائما على الكتب المعربة من تواريخ و غيرها، و كان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية،

113

مع غاية الديانة و الصيانة، و له بعض تآليف في الطب و غيره، زيادة عن تآليفه المشهورة، فلو تشبث من الآن فصاعدا نجباء أهل العلم الأزهريين بالعلوم العصرية التي جددها الخديو بمصر، بإنفاقه عليها أوفر أموال مملكته، لفازوا بدرجة الكمال، و انتظموا في سلك الأقدمين من فحول الرجال، و ربما يتعللون بالاحتياج إلى مساعدة الحكومة، و الحال أن الحكومة إنما تساعد من يلوح عليه علامات الرغبة و الغيرة و الاجتهاد، فعمل كل من الطرفين متوقف على عمل الآخر، فترجع المسألة دورية، و الجواب عنها أن الحكومة قد ساعدت بتسهيل الوسائط و الوسائل، ليغتنم فرصة ذلك كل طالب وسائل، و كل من سار على الدرب وصل، و إنما المكافأة على تمام العمل.

- 3-

و قد ازدهر القرن التاسع عشر بكوكبة من المصلحين، من أمثال الأفغاني (1839- 1897 م) و على مبارك (1823- 1893 م) و السيد عبد الرحمن الكواكبي (1848- 1902 م) و الشيخ محمد عبده (1849- 1905 م)، و كان هؤلاء المصلحون يتجهون أول ما يتجهون إلى إيقاظ الفكر المصري و العربي، و إلى تجديد النهضة الدينية.

و لما حضر جمال الدين الأفغاني إلى مصر لأول مرة سنة 1286 ه أقام في القاهرة أربعين يوما، تردد فيها على الجامع الأزهر، و اتصل به كثير من العظماء و الطلاب، ثم ترك القاهرة إلى الأستانة، فوصل إليها في سنة 1287 ه، و لكن الدسائس أحاطت من كل جانب، و من أجل ذلك عاد جمال الدين إلى القاهرة في أوائل سنة 1288 ه، فأكرمه إسماعيل، و أجرى عليه راتبا يليق به، فجعل من بيته مدرسة يقصدها النابهون من طلاب العلم في الأزهر و غيره، و كان يدرس لهم أمهات الكتب في علم الكلام و الحكمة و الهيئة و التصوف و أصول الفقه، و لم يكن يقصد من دروسه‏

114

التعليم فقط، بل كان يقصد منها الدعوى إلى الإصلاح، و فتح باب الاجتهاد في الدين و العلم و بث الأخلاق العالية في النفوس، و كان إلى هذا يرشد الطلاب إلى مطالعة كتب الأدب، ليتعلموا منها حسن الكتابة و الإنشاء، و يستطيعوا أن ينهضوا بالأمة بالكتابة في الجرائد و غيرها، فأيقظ النفوس من غفلتها، و فتح عيون الطلاب في الأزهر لضعف التعليم فيه، حتى ألفوا من بينهم جماعة تسعى في إصلاحه، و كان أول ما عملوه كتابة منشور علقوه على أعمدة الأزهر في سواد الليل، و بينوا فيه مواضع الخلل في التعليم بالأزهر، و شرحوا الوسائل التي تؤدي إلى إصلاحه، فبدأ جمال الدين بدروسه في الإصلاح، الجهاد في إصلاح الأزهر، و أوجد من أبنائه و غيرهم من يعمل فيه بكل ما يمكنه من الوسائل التي توصل إليه.

و كان نشاطه التعليمي ذا شعبتين: دروس علمية منظمة يلقيها في بيته (في خان الخليلي)، و كان يتلقاها أمثال الشيخ محمد عبده، و الشيخ عبد الكريم سلمان، و الشيخ سعد زغلول، و الشيخ إبراهيم الهلباوي من مجاوري الأزهر و علمائه، و كان يدرس لهم كتب منطق و فلسفة و تصوف و هيئة، و يظهر أن هذه الكتب لم تكن لها قيمة في ذاتها، و إنما قيمتها كانت فيما يضيفه عليها الشيخ في شرح آرائه و أفكاره، و التبسط في مناحي الفكر، و التطبيق على الحياة الواقعية، بربط الحياة العملية بالعلمية، هذا إلى أنه كان يأخذ بيد تلاميذه، فيجعلهم يسيطرون على الكتاب، و يسمون عن قيود الألفاظ و الجمل إلى معرفة الحقائق ذاتها، يحدد لهم موضوع الدرس من الكتاب، و يفيض عليهم في شرحه من عنده حتى يحيطوا به، و يتفهموه من جميع أطرافه.

و كانت مدرسته الثانية غير النظامية أكبر أترا و أعم نفعا، و كان تلاميذه فيها زواره في بيته أو في بيوتهم حين يزورهم، و من يلتقي بهم في (قهوة البوستة) و في المجتمعات من أمثال: محمود سامي البارودي، و عبد السلام المويلحي و أخيه إبراهيم المويلحي و سعد زغلول، و محمد عبده‏

115

و علي مظهر، و أديب إسحق و غيرهم. و في هذه المدرسة حول مجرى الأدب و نقله من حال إلى حال، كان الأدب عند الحكام لا هم له إلا مدح الملوك و الأمراء، و التغني بأفعالهم و صفاتهم، فأتى جمال الدين و سخّر الأدب في خدمة الشعب، يطالب بحقوقه، و يدافع عنه من ظلمه، يبين للناس سوء حالتهم، و يبصرهم بمن كان سبب فقرهم، و يحرضهم أن يخرجوا من بؤسهم و ضلالهم و ألا يخشوا بأس الحاكم فليست قوته إلا بهم، فكان أدبه ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى الحاكم، و ينشد الحرية و يفيض في حقوق الناس و واجبات الحاكم، و يجعل من الأديب مشرفا على الأمراء، لا سائلا يمد يده للأغنياء، كنت تتصفح آثار الأدباء أمثال: السيد على أبي النصر، و الشيخ علي الليثي و عبد اللّه باشا فكري، فلا ترى موضوعاتهم غير غزل في حبيب، أو رسالة إلى صديق، أو مدح لأمير، أو استعطاف له، أو اعتذار إليه، أو وصف سفينة، أو شكر على هدية. أما مصر و حال شعبها، و بؤس أهلها، و ظلم حكامها، و حقوق الناس، و واجبات الحكام، فلا ترى لذلك أثرا. فقلب جمال الدين هذا الوضع و فتح للأدباء منافذ القول، و كانت خطته في ذلك ما يأتي:

1- كون جماعة حبب إليهم الكتابة، و رسم لها خطتها و أوحى إليهم بالمعاني و شجعهم على إنشاء الجرائد، يكتب فيها، و يستكتب القادر منهم، فأنشأ أديب إسحق جريدة «مصر» في القاهرة، و «التجارة» بالأسكندرية، و كان جمال يكتب فيها أحيانا باسم مستعار أو باسمه الحقيقي و قد كتب مقالين: أحدهما في الحكومات الشرقية و أنواعها، و الثاني سماه «روح البيان في الأنجليز و الأفغان» كان لهما صدى بعيد، و لقيت الصحيفتان رواجا كبيرا، ثم أغلقهما رياض باشا و كذلك وجه الكتاب في «الوقائع المصرية» و غيرها، و بذلك ربى طائفة من الكتاب تحسن الكتابة» و اختيار الموضوعات، و وضع النواة الأولى للصحافة الشرقية و الكتاب الذين يعالجون شئون وطنهم و حالة شعوبهم، و الذي ساعده على النجاح في ذلك‏

116

حال مصر المالية و السياسية و تدخل الأجنبي فيهما و جزع الشعب و الحاكم معا لذلك فشجعوا هذا النقد من الصحافة، و لو لا ذلك لخابت دعوة جمال الدين في مصر كما خابت في غيرها.

2- أحاديثه في المقهى و في المحافل و بيوت الزيارة، تواتيه المعاني، و يطاوعه اللسان، فيخلق أمتع الأحاديث، و يحدث كل من بمجلسه بلسان عربي مبين، فيدهش السامعين، و يفحم السائلين، و يبكم المعترضين، و بذلك خرج مدرسة عجيبة تحسن السمر و الحديث و الاستطراد، و تملك على السامع لبه من أمثال محمد عبده، و سعد زغلول، و الهلباوي، و لطفي السيد، و غيرهم.

و هكذا بدأ جمال الدين تعليمه في حجرة ثم في مقهى أو مجتمع، ثم في محفل يريد توسيع العقول، و تعليم الحرية في البحث و النقد، و تبصير الشعب بحقوقه و واجبات الحاكم نحوه، و يضع يده في صميم السياسة فيريد أن يسيطر على الوزارات و الحكومة بمحفله، و رأى أول أمره أن لا قيمة لمجلس النواب ما دام الشعب غافلا جاهلا، فلما نضجت الأمة و استبد الحكام، غير رأيه و ألح في طلب الحكم النيابي و حرض عليه. و كان يلتقي بالأمير توفيق في المحفل فيقدره و يدين بمبادئه، و لكنه لما تولى الحكم بعد إسماعيل دس له الدساسون، فاجتمع مجلس الوزراء و قرر نفي جمال الدين فقبض عليه في 24 أغسطس سنة 1871، و نفى إلى بمباي في الهند، و كان ذلك آخر عهد له بمصر.

و سافر الأفغاني إلى لندن عام 1883 و منها إلى فرنسا، و وافاه إليها تلميذه و صديقه الشيخ محمد عبده و كان منفيا في بيروت. و أخذا يتشاوران فيما يعملان من وجوه الإصلاح، و كان من رأى الشيخ محمد عبده بعد ما رأى من غدر الناس في ثورة عرابي أن يذهبا إلى مكان بعيد، ينشئان فيه مدرسة للزعماء يختاران لها أنجب التلاميذ من الأقطار الإسلامية،

117

و يعدانهم للزعامة و نشر الإصلاح، و لكن لم يعجب السيد هذا الرأي، و رأى فيه خورا و ضعفا و يأسا، و وضع خطته بإنشاء جريدة في باريس للعالم الإسلامي تبصره بحقوقه و واجباته و وظيفته، و كانت جريدة «العروة الوثقي» للسيد فيها الأفكار و المعاني، و للشيخ التحرير و الصياغة، و ميرزا محمد باقر يعرب لها عن الصحف الأجنبية ما يهم الشرق، و كان وراءها جمعية سرية في جميع أقطار الإسلام، و لها فروع في بلدانه يجتمعون للمذاكرة، و يتبرعون بالمال ينفق منه على الجريدة و القائمين بها، فقد كانت ترسل بالمجان أكثر أعدادها، و كان الأعضاء يقسمون اليمين لأحياء الأخوة الإسلامية، و تقوية الإسلام بقدر ما يستطيعون. و كان أهم أغراض الجريدة كما لخصت هي ذلك في أول عدد لها:

1- بيان الواجب على الشرقيين، و أسباب فساد حالهم.

2- إشراب النفوس عقيدة الأمل و ترك اليأس.

3- الدعوة إليالتمسك بالأصول التي كان عليهم أسلافهم و عزوا بها.

4- الدفاع عما يتهم به الشرقيون عموما و المسلمون خصوصا من أنهم لن يتقدموا ما داموا متمسكين بدينهم.

5- إخبارهم بما يهمهم من حوادث السياسة العامة و الخاصة.

6- تقوية الصلات بين الأمم الإسلامية، و مناصرة من لا يجحف بحقوقهم من أمم الخارج.

و أخذ يكتب في ذلك في الجريدة و يفصل هذه الأسباب في مقالات، و كان مثله الأعلى حكومة إسلامية موحدة للجميع، و لما رأى عدم إمكان ذلك دعا إلى أن تحكم الأقطار الاسلامية بحكومات إمامها القرآن، و أساسها العدل و الشورى و ترتبط جميعا بروابط محكمة.

و قد قاده هذا التفكير في الحكومة الإسلامية و أخلاق الشعب التي‏

118

يجب أن يكون عليها إلى أن يناهض في الجريدة الاحتلال الأجنبي في الأقطار الإسلامية و خاصة في مصر، و شغل هذا حيزا كبيرا منها بأسلوب مهيج و عبارات شديدة، كما استخدم بجانبها رسلا متخفين إلى الأقطار المختلفة ينشرون التعاليم التي لا يستطيع نشرها في الجريدة، و كان منهم الشيخ محمد عبده- و هو محكوم عليه بالنفي- فجاء إلى مصر و تونس و كان من نتائج هذا أن روقبت الجريدة من أصحاب السيادة على حكومات الهند و مصر، فمنعت من دخولهما، و استحال وصولها إلى أصحابها و قرائها فاحتجبت عن أداء رسالتها.

و قد كان يدعو إلى الاجتهاد و ترك التقليد في الدين، فإن الأئمة اجتهدوا و أحسنوا و لكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، و الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء. و يرى أن التفرقة بين أهل السنة و الشيعة سببها مطامع الملوك، فالفريقان يؤمنان بالقرآن و رسالة محمد، ففيم الخلاف و القتال؟. و يرى أن الإشتراكية في الإسلام ملتحمة مع الدين، ملتصقة مع الخلق، يبعث عليها حب الخير، على النقيض من إشتراكية الغرب التي يبعث عليها جور الحكام و عوامل الحسد في العمال لأرباب الغنى. كما يرى أن المرأة تساوي الرجل في تكوينها العقلي و التفاوت بينهما أتى من التربية و إطلاق السراح للرجل، و تقييد المرأة في البيت.

و مهمتها في هذا أسمى، و لا تقل عن مهمة الرجل، و من يطلب مساواتها فهو مخطي، و لا مانع من أن تعمل في الخارج إذا فقدت عائلها، و اضطرتها ظروفها و لكن بطهارة. كما أنه لا مانع عنده من رفع الحجاب إذا لم يتخذ وسيلة للفجور. و يرى كذلك أن الدين لا يخالف الحقائق العلمية، و إذا ظهر غير ذلك وجب تأويله، فالقرآن أعظم من أن يخالف العلم الحقيقي خصوصا في الكليات.

و قد أجمع معاصروه و من درسوا تاريخ حياته على أن له غرضين واضحين:

119

1- بث الروح في الشرق لينهض بثقافته و علمه و تربيته، و تنقية عقيدته من الخرافات و استعادة عزه و مكانته.

2- مناهضة الاحتلال الأجنبي حتى تعود الأقطار الشرقية إلى استقلالها مرتبطة بروابط على أي شكل، لتلقي ما يحيط بها من أخطار.

و لما مات حمل المصلحون بعده لواء هذين الغرضين متفرقين و قد كان يحمل لواءهما معا، فحمل الشيخ محمد عبده لواء الإصلاح الثقافي، فإن الواجب الأول على المصلح في رأيه تثقيف الشعب و تهذيبه، ثم الاستقلال يكون الخاتمة. و قد رفع العلم الآخر و هو العلم السياسي لمناهضة الحكم الأجنبي عبد الله نديم، ثم مصطفى كامل و فريد، ثم سعد زغلول. و كذلك كان في غير مصر من أقطار الشرق من حملوا لواء الإصلاحين و ساروا على هداه و لكن في بطء لا يعجبه فقد كان طموحا إلى مقصده، شجاعا مقداما لا يهاب الموت، حديد المزاج، لا يريد الحق إلا من طريق الحق، يريده غاية و يريده وسيلة، و لكن سياسة الدنيا غير ذلك تقوم على المصالحة، و أخذ شي‏ء بترك شي‏ء، و من أراد الحق كاملا فليطلب ذلك في المثل الأعلى للخلق لا في السياسة أو فلينتظر حتى تخضع السيادة للخلق و لن يكون.

- 4-

و يقول. في إهمال العلوم الرياضية و الفلسفية في الأزهر- الأستاذ مصطفى بيرم من رسالة له عن الأزهر قدمها لمؤتمر علماء اللغات الشرقية المنعقد بمدينة همبورج بالمانيا عام 1902: إن تلك العلوم الرياضية و الجغرافية و العقلية و الفلسفية مهجورة من الأزهر ينظر إليها بعين السخط، و يفر من سماعها فرار الصحيح من الأجرب، و لكن بفضل اللّه و كرمه لم يطل الأمر على ذلك كثيرا، حتى قيض اللّه لنا علماءنا الأعلام من ثنيه لأسباب تأخرنا العلمي، و أخذوا في السعي لإعادة تدريس تلك العلوم‏

120

النافعة المقوية للملكة الذهنية، و لخشية المفاجأة بإعادة تدريسها للجامع بعد ما رسخ في أذهان الكثير من أن بها ما يعدوا على الدين، رأى ولاة الأمور أن يمهدوا السبيل لادخالها في الجامع الأزهر بأخذ آراء أفاضل العلماء الأزهريين، فكلفوا والدي المرحوم السيد محمد بيرم بهاته المهمة العلمية، و بعد أخذ و عطاء بينه و بين المرحومين: العلامة الشيخ محمد الأنبابي شيخ الإسلام بمصر و شيخ الجامع الأزهر، و الشيخ محمد البنا مفتي الديار المصرية في ذلك العهد، استقر الرأي أن يكتب لهما استفتاء صورته، بعد الديباجة: «ما قولكم رضى اللّه عنكم؟ هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية؟ مثل الهندسة و الحساب و الهيئة و الطبيعيات و تركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء، و غيرها من سائر المعارف، لا سيما ما ينبني عليه منها من زيادة القوة في الأمة، بما تجاري به الأمم المعاصرين لها في كل ما يشمله الأمر بالاستعداد بل هل يجب بعض تلك العلوم على طائفة من الأمة؟ بمعنى أن يكون واجبا وجوبا كفائيا على نحو التفصيل الذي ذكره فيها الإمام حجة الإسلام الغزالي في إحياء العلوم، و نقله علماء الحنفية أيضا و أقروه، و إذا كان الحكم فيها كذلك، فهل يجوز قراءتها مثل ما تجوز قراءة العلوم الآلية من نحو و غيره الرائجة الآن بالجامع الأزهر و جامع الزيتونة و القرويين؟ أفيدوا الجواب، لا زلتم مقصدا لأولى الألباب: فأجابه العلامة الشيخ محمد الأنبابي بالفتوى الآتية بعد الديباجة: يجوز تعلم العلوم الرياضية مثل الحساب و الهندسة و الجغرافيا، لأنه لا تعرض فيها شي‏ء من الأمور الدينية، بل يجب منها ما تتوقف عليه مصلحة دينية أو دنيوية وجوبا كفائيا، كما يجب علم الطب لذلك «كما أفاده الغزالي في مواضع من الإحياء، و إن ما زاد على الواجب من تلك العلوم مما يحصل به زيادة التمكن في القدر الواجب فتعلمه فضيلة، و لا يدخل في علم الهيئة الباحث عن أشكال الأفلاك و الكواكب و غيرها علم التنجيم المسمى بعلم أحكام النجوم و هو الباحث عن الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية، فإنه حرام كما

121

قال الغزالي، و علل ذلك بما محصله أنه يخشى من ممارسته نسبة التأثير للكواكب، و التعرض للإخبار بالمغيبات، مع كون الناظر قد يخطى‏ء لخفاء بعض الشروط، و أما الطبيعيات و هي الباحثة عن صفات الأجسام و خواصها و كيفية استحالتها و تغييرها- كما في الإحياء في الباب الثاني من كتاب العلم- فإن كان ذلك البحث على طريق أهل الشرع فلا منع منها، كما أفاده العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في جزء الفتاوي الجامع للمسائل المنتشرة بل لها حينئذ أهمية بحسب أهمية ثمرتها، كالوقوف على خواص المعدن و النبات المحصل للتمكن في علم الطب، و كمعرفة عمل الآلات النافعة في مصلحة العباد، و إن كان على طريقة الفلاسفة فالاشتغال بها حرام، لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع، كما أفاده العلامة المذكور، نعم يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارس للكتاب و السنة، للأمن عليه مما ذكرنا، قياسا على المنطق المختلط بالفلسفة، على ما هو المعتمد فيه من أقوال ثلاثة، ثانيها الجواز مطلقا، و نسبه الملوى في شرح السلم للجمهور، و ثالثها المنع مطلقا، و نسبه صاحب السلم لابن الصلاح و النووي، قال الملوي: و وافقهما على ذلك كثيرا من العلماء.

و لما كان الإمام النووي ممن يقول في المنطق بالمنع مطلقا مشى على نظير ذلك في الطبيعة، فعد في كتاب السير من الروضة من العلوم المحرمة علوم الطبيعيات بدون أن يفصل، لكن حيث يعتمد التفصيل هناك فلنعتمده هنا، إذ لا فرق في ذلك، فإن مظنة الضرر و النفع موجودة في كل منهما، و الظاهر أن موضوع كلام الروضة ما كان على طريقة الفلاسفة، إذ غيره لا محظور فيه اتفاقا كالمنطق الخالص، كما يشعر بذلك تعبيرها بعلوم الطبائعيين دون علوم الطبيعة. و أما علم تركيب الأجزاء المعبر عنه بالكيمياء فإن كان المراد به البحث عن التركيب و التحليل بدون تعرض لما يخشى منه على العقيدة الإسلامية. فلا بأس به، بل له أهمية حسب ثمرته، و إلا جرت فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، و أما العلم المعروف بعلم جابر، و يسمى أيضا

122

علم الصنعة و علم الكاف، و هو الذي ينصرف إليه علم الكيمياء عند غالب الناس، فقد أفاد العلامة ابن حجر في شرحه على المنهاج أنه إن قلنا بالمعتمد من جواز انقلاب الجسم عن حقيقته و كان العلم الموصل لذلك يقينا جاز تعلمه و العمل به، و إلا حرم، و لفقد هذا الشرط لم يتحصل المشتغلون به فيما رأينا إلا على ضياع الأموال، و تشتت البال، و تغيير الأحوال- فعلم أن العلوم الرياضية لا بأس من قراءتها كما تقرأ علوم الآلات. و كذا الطبيعيات و علم تركيب الأجزاء، حيث كانت تقرأ على طريقة لا يفهم منها منابذة الشرع بحال، كبقية العلوم العقلية مثل المنطق و الكلام و الجدل، بل يجب كفاية من هذه الثلاثة ما يحتاج إليه في الحجاج عن العقائد الدينية.

و كتب الشيخ محمد البنا مفتي الديار المصرية في ذلك لعهد هذه الفتوى: «ما أفاده حضرة شيخ الإسلام موافق لمذهبنا، و ما استظهروه من أن الخلاف الجاري في علم المنطق يجري في علم الطبيعة أيضا وجيه.

و اللّه سبحانه و تعالى أعلم». و كانت فتوى الشيخ الأنبابي في غرة ذي الحجة سنة 1305 ه، و كانت فتوى الشيخ البنا في 17 من هذا الشهر (1).

- 5-

كانت العلوم و الكتب التي تدرس بالأزهر في القرن التاسع عشر و أول القرن العشرين كما جاء بيانها في رسالة مقدمة من شيخ الأزهر إلى الخديو في سنة 1310 ه، هي كما اشتملت عليه هذه الرسالة (2):

1- علم التوحيد، و الكتب التي تدرس فيه هي أم البراهين الصغرى للشيخ محمد يوسف السنوسي بشرح المؤلف و الهدهدي و الباجوري، و أم‏

____________

(1) 39 تاريخ الإصلاح في الأزهر.

(2) ص 50 تاريخ الاصلاح في الأزهر.

123

البراهين الكبرى للسنوسي، و جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم اللقاني بشرح عبد السلام اللقاني، و العقائد النسفية بشرح السعد التفتازاني، و الخريدة للشيخ أحمد الدردير، و المقاصد لسعد الدين التفتازاني، و المواقف للشيخ عبد الرحمن العضد بشرح الجرجاني، و طوالع الأنوار للبيضاوي بشرح الأصفهاني، و متن السباعي بشرح الباجوري.

2- التصوف، و الكتب التي تدرس فيه هي الإبرير للشيخ عبد العزيز، و الأنوار القدسية للشيخ عبد الوهاب الشعراني، و بستان العارفين للشيخ نصر السمرقندي، و تاج العروس لابن عطاء الله السكندري، و التجليات الإلهية للشيخ محي الدين بن عربي، و تحفة الإخوان للشيخ الدردير، و تفليس إبليس لعز الدين بن عبد السلام، و تنبيه الغافلين للشيخ نصر السمرقندي، و التنوير في إسقاط التدبير لابن عطاء الله السكندري، و الإحياء للغزالي، و قوت القلوب لأبي طالب المكي، و المنن الكبرى للشيخ الشعراني.

3- التفسير، و الكتب التي تدرس فيه هي الكشاف للزمخشري.

و تفسير الجلالين بحاشية الشيخ الجمل، و تفسير الخطيب الشربيني، و تفسير عبد الله بن عمر البيضاوي، و تفسير أبي السعود، و تفسير الفخر الرازي، و تفسير الخازن، و تفسير النسفي، و الاتقان للسيوطي.

4- التجويد و القراءات، و الكتب التي تدرس فيه هي تحفة الأطفال للشيخ سليمان الجنزوري، و الجزرية للشيخ الجزري، و التمهيد له أيضا، و جهد المقل للشيخ علي زاده، و إرشاد الرحمن للشيخ عطية الأجهوري، و الشاطبية للشاطبي، و الوقف و الابتداء للشيخ الأشموني.

5- الحديث، و الكتب التي تدرس فيه هي صحيح البخاري بشرح و العسقلاني و العيني و زكريا الأنصاري، و مختصر البخاري للشيخ ابن أبي حمزة، و صحيح مسلم بشرح النووي، و الشفاء للقاضي عياض‏

124

بشرح الخزرجي و منلا على قاري، و موطأ الإمام مالك بشرح الزرقاني و ابن عبد البر، و الجامع الصغير للسيوطي بشرح العزيزي و المناوى و الأبياري، و الأذكار للنووي بشرح ابن علان، و التجريد للزبيدي، و الشمائل المحمدية للترمذي بشرح الجمل، و الترغيب و الترهيب للمنذري، و الأربعين للنووي، و صحيح الترمذي، و صحيح النسائي، و صحيح الأشعث و صحيح ابن ماجه، و المواهب اللدنية للقسطلاني، و السيرة الحلبية للحلبي.

6- مصطلح الحديث، و الكتب التي تدرس فيه هي ألفية الحافظ العراقي بشرح شيخ الإسلام العدوي. و تقريب النووي بشرح الجلال السيوطي، و النخبة لابن حجر العسقلاني، و البيقونية للشيخ عمر البيقوني بشرح الزرقاني و منظومة الصبان.

7- فقه الحنفية، و الكتب التي تدرس فيه هي نور الإيضاح بشرح الشرنبلالي، و الكنز للنسفي بشرح الطائي و ابن نجيم و الزيلعي و العيني و مثلا، و تنوير الأبصار للتمرتاش بشرح الحصفكي، و البداية للمرغيناني، و الهداية، و الغاية، و فتح القدير، و الأشباه و النظائر لابن نجيم، و الخراج للإمام أبي يوسف، و ملتقى الأبحر للحلبي بشرح الحصفكي، و مجمع البحرين لابن الساعاتي، و متن القدوري للبغدادي، و جامع الفصولين، و السراجية للسجاوندي.

8- فقه المالكية، و الكتب التي تدرس فيه هي العشماوية للشيخ العشماوي بشرح ابن تركي، و العزية لأبي الحسن علي الشاذلي بشرح الزرقاني، و رسالة ابن أبي زيد القيرواني بشرح الحسن الصعيدي، و أقرب المسالك للدردير، و مختصر خليل بشرح الدردير و الخرسي و الزرقاني و الحطاب و الشبراخيتي، و المجموع للشيخ الأمير، و العاصمية، و التبصرة لابن فرحون، و القلصاوي للقرسي.

9- فقه الشافعية، و الكتب التي تدرس فيه هي التقريب لأبي شجاع‏

125

بشرح ابن قاسم و الخطيب الشربيني، و الأشباه و النظائر للسيوطي، و التحرير للشيخ زكريا الأنصاري، و منهج الطلاب له أيضا، و الروض لابن المقري، و منهاج الطالبين للنووي، و العباب لابن المدحجي، و نهج الطلاب للجوهري، و البهجة لابن الوردي، و الوجيز للغزالي، و الروض للنووي، و الإرشاد لابن المقري، و كشف النقاب للونائي، و فتاوى ابن حجر، و فتاوى الرملي، و الرحبية، و الترتيب للمارديني، و كشف الغوامض للسبط، و ألفية ابن الهائم.

10- فقيه الحنبلية، و الكتب الذي تدرس فيه هي الدليل للشيخ مرعي، و زاد المستقنع للبهوتي، و المنتهي للفتوحي، و الإقناع للحجاوي، و المقنع لابن قدامة، و مختصر المقنع للحجاوي، و الإنصاف للمرداوي، و مختصر الشطي.

11- أصول الفقه، و الكتب التي تدرس فيه هي جمع الجوامع للسبكي بشرح المحلي، و مختصر ابن الحاجب بشرح العضد. و منار الأنوار للنسفي بشرح بن مالك و الحصفكي و ابن نجيم، و التنقيح لصدر الشريعة، و تنقيح الفصول للقرافي، و الورقات لإمام الحرمين بشرح المحلي و ابن القاسم، و الورقات للحطاب، و التحرير للكمال ابن الهمام، و فصول البدائع، و المرآة.

12- اللغة، و الكتب التي تدرس فيها هي القاموس للفيروزبادي بشرح السيد مرتضى، و الصحاح للجوهري، و مختار الصحاح للرازي، و المصباح المنير للفيومي، و فقه اللغة للثعالي، و الأساس للزمخشري، و المزهر للسيوطي، و لسان العرب للأنصاري.

13- النحو، و الكتب التي تدرس فيه هي الأجرومية للصنهاجي بشرح الكفراوي. و الشيخ خالد، و الأزهرية و شرحها للشيخ خالد، و قطر الندى لابن هشام، و شذور الذهب له أيضا، و ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل‏

126

و الأشموني، و مغنى اللبيب لابن هشام، و الكافية لابن الحاجب، و التسهيل لابن مالك.

14- الصرف، و الكتب التي تدرس فيه هي المراح لأحمد بن علي بن مسعود، الشافية لابن الحاجب بشرح شيخ الإسلام و الرضى، و التصريف للغزي بشرح السعد التفتازاني، و الترصيف للأخضري، و نظم العقود للطحاوي بشرح الشيخ عليش، و لامية الأفعال لابن مالك، و رسالة الجوهري في الإشتقاق.

15- علوم البلاغة، و الكتب التي تدرس فيها هي التلخيص للخطيب القزويني بشرح السعد، و المفتاح للسكاكي بشرح السعد و السيد، و الجوهر المكنون للأخضري بشرح الدمنهوري، و عقود الجمان و شرحه للسيوطي، و منظومة ابن الشحنة، و الرسالة البيانية للصبان، و السمرقندية.

16- العروض و القوافي، و الكتب التي تدرس فيه هي الكافي للقنائي، و الخزرجية و منظومة الصبان.

17- الوضع و الكتب التي تدرس فيه هي: الرسالة العضدية بشرح السمرقندي، و عنقود الزواهر.

18- المنطق و الكتب التي تدرس فيه هي السلم للأخضري بشرح المؤلف و القويسني و الملوي و الباجوري، و إيساغوجي للأبهري بشرح الشيخ زكريا الأنصاري، و التهذيب للسعد التفتازاني بشرح الخبيصي، و الشمسية للكاتبي بشرح القطب الرازي و المختصر للسنوسي، و المطالع للأرموي بشرح الرازي.

19- أدب البحث و المناظرة، و الكتب التي تدرس فيه هي آداب الكلنبوي بشرح حسن باشازاده، و آداب السمرقندي بشرح الشيرواني و شيخ الإسلام، و آداب الساجقلي للمرعشي، و آداب الجرجاني.

127

20- التاريخ و الكتب الذي تدرس فيه هي تاريخ الخميس للقاضي حسين الديار بكري، و إسعاف الراغبين للصبان، و مقدمة ابن خلدون، و تاريخه العبر و ديوان المبتدأ و الخبر، و الكامل لابن الأثير، و الخطط للمقريزي، و نفح الطيب للمقري، و تحفة الناظرين للشرقاوي، و العقد الفريد لابن عبد ربه، و الطبقات الصغرى لابن السبكي، و طبقات الشعراني، و لواقح الأنوار له أيضا، و خلاصة الأثر للحلبي، و أخبار الأول للإسحاقي.

21- الحساب و الجبر، و الكتب التي تدرس فيهما هي الوسيلة لابن الهائم، و التحفة السنية للسبط، و السخاوية للسخاوي، و الياسمينية لابن الهائم، و منظومة في الحساب للأخضري، و نزهة النظار لابن الهائم، و الدرة البيضاء للأخضري، و الخلاصة للعاملي، و التخليص للدمياطي، و اللمعة لابن الهائم.

22- الميقات و الهيئة، و الكتب التي تدرس فيهما هي دقائق الحقائق للسبط، و خلاصة المختصرات لابن عائشة، و رسالة في العمل بالربع للجبرتي، و المقدمة لمحمد المجدي، و تحفة الإخوان لابن قاسم، و الوضع على الجهات للمالكي الأندلسي، و هداية الحائر للسبط، و رسالة الوقت و القبلة للقليوبي، و رسالة في معرفة التواريخ لابن مهدي، و دستور علم الميقات لرضوان أفندي، و زاد المسافرين لأحمد بن المجدي، و تسهيل الدقائق لخليل الفرازي، و رسالة المنحرفات له أيضا، و التذكرة للطوسي، و المطلع السعيد لحسين زائد.

23- الحكمة، و الكتب التي تدرس فيها هي الإشارات لابن سينا، و الهداية لأثير الدين الأبهري، و حكمة العين للكاتبي، و مقولات السجاعي، و مقولات البليدي، و مقولات المرصفي، و غالية النشر لعبد الجواد القباني.

128

24- الرسم و الكتب التي تدرس فيه هي منظومة في الرسم العثماني رسم مصحف عثمان- و منظومة في الرسم القياسي.

من صحائف الذكرى‏

في سنة 1280 ه (1)- 1863 م، أراد السلطان عبد العزيز أن يزور الديار المصرية، و كان هذا في عهد إسماعيل باشا خديوي مصر، فلما وصل إلى القاهرة اختار إسماعيل باشا أربعة من علماء الأزهر، ليذهبوا إلى تهنئة نيابة عن إخوانهم، و هم السيد مصطفى العروسي شيخ الجامع الأزهر، و الشيخ السقا، و الشيخ عليش، و الشيخ حسن العدوي، و كان لمقابلة سلاطين آل عثمان آداب لا يعرفها علماء الأزهر فطلب إسماعيل باشا من قاضي قضاة مصر- و كان يختار من علماء دولة آل عثمان- أن يعلمهم آداب المثول بين يدي السلطان، فذكر لهم أن المقابلة ستكون في حجرة يقف السلطان في صدرها على منصة مرتفعة، و أنه يجب إذا ما وصلوا إلى باب الحجرة و وقعت أعينهم على السلطان أن ينحنوا انحناء عظيما، ثم يلقوا (عليه السلام)، ثم يكرروا الانحناء و التسليم إلى أن يرد السلطان عليهم تحيتهم، فينحنوا و يسلموا مرة أخرى، و يرجعوا متقهقرين إلى الوراء إلى أن يصلوا إلى باب الحجرة، فينحنوا مرة أخرى، ثم ينصرفوا إلى خارج الحجرة. و قد وقعت هذه الآداب من العلماء الأربعة موقع الاستغراب، فقال لهم قاضي القضاة: إن هذا لا بد منه، فقالوا قد فهمنا. ثم ذهبوا إلى مقابلة السلطان، فدخل الشيخ العروسي أولا، و أدى المقابلة بالشكل الذي ذكره قاضي القضاة، ثم أداها مثله الشيخ السقا و الشيخ عليش، و كان الخديوي إسماعيل واقفا وراء السلطان و عينه ترقب حركاتهم، فسر لإتقانهم آداب المقابلة، و ظهورهم بهذا المظهر الذي كان موقع استغراب منهم، ثم دخل بعدهم الشيخ العدوي و كان عالما شجاعا لا يخشى إلا اللّه، و لا يقيم‏

____________

(1) ص 155 تاريخ الاصلاح في الأزهر.

129

وزنا لعظمة سواه، فانحنى انحناءة خفيفة عند الباب، ثم أقبل نحو السلطان منتصب القامة، و لم يكرر الانحناء أمامه، فخفق قلب إسماعيل باشا لما فعل، و لا سيما حين رآه يجاوز الحاجز و يصل إلى السلطان، ثم يقول له:

السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه. فيبتسم السلطان له و يرد عليه تحيته، و ينحني له انحناء خفيفا، فيكلمه الشيخ العدوي فيما يجب على السلطان لرعيته، و يبين له عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، و أن ثوابه عند اللّه سيكون بقدر تلك المسؤولية و حسن قيامه بها، و أن عقابه عنده سيكون بقدر تقصيره فيها. فلما رأى ذلك إسماعيل باشا إصفر لونه، و أخذ يتوقع غضب السلطان عليه لهذه المقابلة، و لكن وجد السلطان لم يبد عليه أي أثر للغضب، بل وجده مرتاحا للكلام الذي سمعه. و قد خرج الشيخ العدوي بعد أن انتهى من موعظته، و لم يخرج بظهره كما خرج غيره، بل ولى وجهه نحو الباب و خرج، فوجد العلماء الثلاثة ينتظرونه أمام الباب فأخبرهم بما فعل مع السلطان، فأخذوا يلومونه على ما فعل، و يخوفونه عاقبة هذا الأمر: فقال لهم: أما أنا فقد قابلت أمير المؤمنين، و أما أنتم فكأنكم قابلتم صنما، و كأنكم عبدتم وثنا، و لما انصرف الشيخ العدوي سأل السلطان عبد العزيز إسماعيل باشا عنه، فقال له: هذا شيخ من أفاضل العلماء، و لكنه مجذوب، و أستميح جلالتكم عفوا عن سقطته، فقال له السلطان: كلا، بل إني لم أنشرح لمقابلة أحد انشراحي لمقابلته.

ثم أمر له بخلعة سنية، و ألف جنيه.

شعلة لا تنطفى‏ء

لما استولى صلاح الدين على مصر، و أبطل منها مذهب الشيعة الفاطمية أبطل الخطبة في الجامع الأزهر، و أقرها بالجامع الحاكمي لسعته و بقي الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه زمن الدولة الأيوبية، و بعضا من عصر المماليك البحرية- أي نحو مائة سنة- و أهمل أمره مدة تعطيل الجمعة

130

فيه، و أنشئت مدارس أخرى لتدريس فقه الشافعية و التفسير و الحديث و غيرها.

و لما ولي ملك مصر الظاهر بيبرس البندقداري كان من أمراء دولته الأمير عز الدين أيدمر الحلي، و كانت داره بالقرب من الأزهر، فرعى فيه حرمة الجوار، و استعان بماله و جاهه عند السلطان في عمارته، فجمع بعض ما بددته أيدي الفاطميين من أوقافه، و أمده السلطان بالمساعدة، فعمر الواهي من أركانه، و رفع سقوفه، و بلطه، و فرشه، و أثر فيه آثارا حسنة، حتى عاد حرما آمنا في وسط المدينة. و أنشأ بيلبك الخازندار مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من الفقهاء، و محدثا يتلو الحديث النبوي و يلقي المواعظ و مقرئين للقرآن، و وقف على ذلك الغلات الدارة.

و لما كانت الدراسة معطلة في الأزهر من بدء الدولة الأيوبية فقد أريد إعادة الخطبة فيه، فامتنع قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز من إقامة خطبتين للجمعة، فيه و في الجامع الحاكمي، وفقا لمذهبه، و هو مذهب الإمام الشافعي. فولي السلطان قاضيا حنفيا فأذن في إعادتها، و أخذ بذلك خطوط العلماء. و أعيدت إقامة الجمعة فيه باحتفال عظيم حضره أكابر الدولة، و عاد مسجدا جامعا، و مدرسة عظيمة. و كان هذا الإذن أساسا اعتمد عليه سلاطين المماليك و كبراؤهم في صحة بناء مساجد جامعة كثيرة في القاهرة و غيرها. و عظمت عناية المماليك بالأزهر فجددوه مرارا، و رفعوا حواليه المنارات السامية، و أضافوا إليه بضع عشرة مدرسة، حبست عليها الحبوس الجليلة، و فتحوا أبوابه للعلم، و أجروا على قاصديه الجرايات من الطعام و الحلوى، فقصده الطلاب و العباد من أقاصي البلاد. و بلغ عدد طالبي العلم به سنة 818 ه نحو سبعمائة و خمسين طالبا من مصريين و مغاربة و أعاجم، و هم عدد عظيم بالإضافة إلى ما كان ينافسه في الشهرة و ينازعه هذه المكرمة، نحو مائة مدرسة و جامع أنشأها سلاطين المماليك‏

131

و أمراؤهم، و وقفوا عليها أضعاف ما وقف على الأزهر.

و كانت الدراسة فيه مقصورة أول الأمر على علوم اللغة و الدين، ثم أدخلت فيه بعض علوم الرياضة و النجوم و الطبيعة، و لكنها لم تعش طويلا، و عادت الدراسة فيه سيرتها الأولى. و ظل كذلك تتوالى عليه أحوال عسر و يسر، إلى أن نهض المصلحون لأخذ طلابه بقسط من علوم الحياة:

كالتاريخ، و تقويم البلدان، و العلوم الرياضية، فلقوا شيئا من المعارضة.

على أن الأزهريين لم يلبثوا أن اطمأنوا إلى هذه العلوم، و أقبلوا جاهدين على دراستها طالبين المزيد منها، و الإصلاح في جميع أنواع التعليم بمعهدهم الجليل فعولج الإصلاح بعدة مشروعات، و تم لهم ما أرادوا و سن للأزهر قانون جعل التعليم فيه على ثلاث مراحل: هي مراحل التعليم الابتدائي ثم الثانوي، ثم العالي، و أنشى‏ء للمرحلة الأخيرة ثلاث كليات، بكل منها أقسام للتخصص. و اقتضى النظام الجديد أن يختص كل مدرس بنوع من العلم لطائفة من الطلاب محدودة العدد من طبقة واحدة، فضاق نطاق الأزهر عن فرق الدراسة، فوزعت على كثير من الأمكنة. و ألحق بالأزهر في نظامه و إدارته العليا كثير من المعاهد العلمية، كمعهد الأسكندرية، و الجامع الأحمدي، و الجامع الدسوقي، و معهد دمياط، و معهد أسيوط، و معهد شبين الكوم، و معهد الزقازيق.

و للأزهر الفضل الذي لا يجحد في حفظ علوم الدين و اللغة في تلك الحقبة الطويلة، التي ابتليت فيها مصر بالفقر و الجهل و سائر ألوان الفساد.

و كان ملاذ القاصدين من أبناء اللغة العربية، و غياث المتعطشين لورود مناهلها من سائر الممالك الإسلامية، و مصباحا ينبعث منه نور الهداية إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي، و له عظيم الأثر في النهضة الحديثة، إذ كان الملجأ الذي لجأ إليه محمد علي في نهضته، فاختار من بين طلابه بعوثه الى البلاد الأوروبية للتوسع في العلوم و الفنون، فعادوا و كانوا أئمة المصلحين. و استعان بعلمائه في القيام بكثير من شئون مملكته، كتعليم‏

132

اللغة و الدين بالمدارس التي أنشأها، و الإشراف على طبع الكتب و تصحيحها، و تحرير الوقائع المصرية، و المشاركة في وضع مصطلحات العلوم المترجمة. و من الأزهر استمدت مدرسة القضاء الشرعي و دار العلوم طلابها، و تخرج من المدرسة الأولى طائفة من رجال الشريعة، نهضوا بأعباء القضاء في المحاكم الشرعية، و أعمالها الكتابية، كما تخرج من الثانية كثير من مدرسي المدارس المصرية في العصر الحديث، و إلى الأزهر يرجع الفضل في توسيع نطاق التعليم. فقد أمد مدارس المعلمين الأولية بما تحتاج إليه من التلاميذ، و ساعد المدارس الحكومية و الأهلية برجاله، و عمل طلابه على إزالة الأمية، و نشر الثقافة العامة في قرى القطر المختلفة لإنبثائهم بها، و إقامتهم فيها، و به أصبحت مصر مركز الثقافة العربية، و المثابة الأخيرة لعلوم الدين و اللغة.

علماء من الأزهر القديم و الحديث‏

- 1-

ليس في وسعي في هذا الكتاب إحصاء جميع العلماء الذين تخرجوا من الأزهر أو درسوا فيه أو تولوا مناصبه الدينية و العلمية الكبرى، فذلك شي‏ء لا يمكن أن يحيط به باحث.

و قد ذكرت في فصول الكتاب أشهر الأعلام في الأزهر، خلال عصور التاريخ المختلفة، و نذكر الآن أسماء عديدة، بعضهم ممن سبق ذكرهم، و لكن هنا تحقيق دقيق لتاريخ ميلادهم و وفاتهم، و من الأعلام الأزهريين:

1- الشيخ محمد بن عمر الخفاجي المصري المتوفى عام 1019 ه، و هو والد الشهاب الخفاجي، و كان من جلة العلماء و له آثار علمية كبيرة (1).

____________

(1) 411 ج 7 دائرة معارف البستاني، 116 الريحانة للشهاب الخفاجي، 58 ج 2 بنو خفاجة.

133

2- الشهاب الخفاجي المصري‏ (1) (975- 1069 ه 1658 م) و كان من جلة العلماء و المؤلفين، و تولى رياسة القضاء في مصر، و رحل إلى الحرمين و الشام و القسطنطينية، و من مؤلفاته: الريحانة، و طراز المجالس، و شفاء الغليل و شرح درة الغواص، و حاشية على الشفاء، و حاشيته المشهورة على البيضاوي، و سواها، كما أن له كثيرا من الكتب المخطوطة (2).

و الشهاب اسمه أحمد بن محمد شهاب الدين الخفاجي المصري، و قد ولد بسرياقوس و تلقى دروسه بالقاهرة ثم رحل مع أبيه إلى الحرمين، ثم الآستانة، و عين قاضيا على الروملي في سلانيك، و عينه السلطان مراد قاضيا للعسكر بمصر، ثم استقال و سافر إلى دمشق فحلب فالآستانة، و توفي سنة 1069 ه. و كان أديب عصره، عالما باللغة و علومها، كاتبا شاعرا مؤلفا. و من شعره قوله:

إن وجدي بمصر وجد مقيم‏* * * و حنيني كما ترون حنيني‏

لم يزل في خيالي النيل حتى‏* * * زاد عن فكرتي ففاضت عيوني‏

و قوله:

فديتك يا من بالشجاعة يرتدي‏* * * و ليس لغير السمر في الحرب يغرس‏

فإن عشق الناس المها و عيونها* * * من الدل في روض المحاسن تنعس‏

فدرعك قد ضمتك ضمة عاشق‏* * * و صارت جميعا أعينا لك تحرس‏

و قوله مضمنا:

يا صاح إن وافيت روضة نرجس‏* * * إياك فيها المشي فهو محرم‏

____________

(1) الريحانة (272- 309) و 331- 343 ج 1 خلاصة الأثر، 420- 407 سلافة العصر، و سوى ذلك من المرجع، كما ترجمت له شتى الكتب المؤلفة في تاريخ الأدب العربي.

(2) راجع ترجمته بتفصيل في 58- 72 ج- 2 بنو خفاجة.

134

حاكت عيون معذبي بذبولها* * * (و لأجل عين ألف عين تكرم)

و قال يتغزل و يتطرق إلى مدح محمد بن القاسم الحلبي:

حتام يغزوني صدوده‏* * * و الصبر قد كثرت جنوده‏ (1)

لم أدر: فاتر جفنه‏* * * و الخصر، أسقم أم عهوده‏ (2)

نشوان يعبث بي كما* * * عبثت بآمالي و عوده‏ (3)

لو لا مياه الحسن جا* * * لت فيه لاحترقت خدوده‏

كالصب لو لا دمعه‏* * * يهمي لأحرقه وقوده‏ (4)

يخفي الهوى و عيونه‏* * * بغرامه المضني شهوده‏

فسقي رياض الحسن من‏* * * دمعي حيا يهمي مديده‏ (5)

زمن يجيد اللهو قد* * * نظمت على نسق عقوده‏ (6)

إذ دوح أنسى يانع‏* * * بكئوسنا انفتحت وروده‏ (7)

و الكأس نجم لاح في‏* * * فلك المسرة لي سعوده‏

يصفو فيحلو ذكر من‏* * * قد زين الدنيا وجوده‏

ذاك ابن قاسم الذي‏* * * ما زال في تعب حسوده‏

3- الشيخ محمد الأمير الكبير (1154- 1232 ه- 1741- 1817 م)، و قد تولى مشيخة السادة المالكية في الأزهر.

4- الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي صاحب حاشية البلاغة المشهورة

____________

(1) حتام أصلها (حتى ما) فخدمت ألف ما الاستفهامية لجرها بحتى. يغزوني: يسير إلى قتالي و انتهابي. و الصدود: الإعراض.

(2) جفن فاتر: غير حاد النظر. و الخصر: وسط الانسان. و العهود: المواعيد.

(3) النشوان: السكران. و يعبث بي: يلعب بي.

(4) الصب: المشتاق الذي يكابد حرارة الشوق. يهمى: يسيل. وقوده: اتقاده و اشتعاله.

(5) الحيا: المطر. المديد: الممدود المتصل.

(6) نسق: نظام واحد.

(7) الدوح: الأشجار العظيمة. الورود: جمع ورد.

135

على شرح التلخيص و توفي سنة 1230 ه.

5- الشيخ عبد الله الشرقاوي (1150- 2 شوال سنة 1227 ه- 1737- 1812 م) و قد تولى مشيخة الأزهر الشريف.

6- الشيخ مصطفى بن أحمد الصاوي من الأزهريين الذين اشتهر ذكرهم أيام غزو نابليون لمصر و كان من أدباء الأزهريين‏ (1).

7- الشيخ محمد الخالدي المعروف بابن الجوهري قرأ الدروس في الأزهر و طار صيته، و توفي في 411+ 5 1215 ه- 1801 م.

8- الشيخ حسن العطار (1180- 2 ذي القعدة 1250 ه- 1766- 1835 م).

9- الشيخ حسن قويدر (1204- 1262 ه- 1785- 1846 م).

10- الشيخ شهاب الدين الشاعر المصري (1218- 1274 ه- 1803- 1857 م) و قد درس في الأزهر.

11- الشيخ إبراهيم البيجوري شيخ الإسلام (1198- 1277 ه- 1784- 1860)، و قد ولد بمديرية المنوفية و طلب العلم في الأزهر.

و اشتهر بالنبوغ بين طلابه، و ألف كتبا عديدة، و تولى التدريس في الأزهر، و طار صيته، و ذاعت شهرته، و له كتب مشهورة في الفقه الشافعي.

12- الشيخ رفاعة الطهطاوي و قد درس في الأزهر، و سافر في بعثة أرسلها محمد علي إلى فرنسا، و عاد منها و تولى كبريات المناصب في الدولة (1216- 1290 ه- 1801- 1873 م).

13- الشيخ محمد الأنبابي شيخ الأزهر (1240- 1313 ه- 1824- 1896 م).

____________

(1) 313- 315 ج 3 الجبرتي.

136

14- الشيخ عليش أحد مشايخ السادة المالكية (1237- 1219 ه- 1802- 1882).

15- الشيخ حسين بن أحمد المرصفي المتوفى سنة 1307 ه- 1889 م.

و هو العلامة اللغوي الأديب المحقق الشيخ حسين بن أحمد المرصفي. ولد بمصر و نشأ فيها. و بعد أن حفظ القرآن الكريم، و كان مكفوف البصر، جي‏ء به إلى الأزهر، فأخذ العلم عن كبار شيوخه، حتى أدرك منه قدرا جليلا، و تصدر للتدريس فيه. و كان شديد الشغف بعلوم العربية و آدابها، فجد في دراستها، و أطال النظر في وجوه بلاغاتها. و لم يطمئن إلى ذلك الأدب الذي كان شائعا في عصره. بل كان من أوائل من تفطنوا في هذه البلاد إلى قدر الأدب القديم. فأقبل على كتب اعلام البلاغة السابقين، و دواوين فحول الشعراء المتقدمين. و جعل يقرأ و يحفظ و يتدبر، ما اتسع له الوقت للقراءة و الحفظ و التدبير. كما جعل يروض قلمه على البيان الصحيح المتين، حتى أصبح الأديب التام الأداة. و درس الأدب في دار العلوم للسابقين من طلابها. و كان منهم حفني ناصف و أترابه. و أخذ عنه كبار المتأدبين في عصره من أمثال البارودي، و عبد الله فكري، و صاحبوه و لازموه، و عرضوا عليه بيانهم في منظومهم و منثورهم، فهذب و نقح، و هدى إلى الأجمل الأصلح. و كتب في مجلة (روضة المدارس) فعلم الأدب علما، كما درب بالعمل و القدرة، على صحيح البيان. و قد ألف في البلاغة كتابا جليلا دعاه (الوسيلة الأدبية). فشاع الانتفاع به، و لا يزال هذا الكتاب مرجع المتأدبين إلى اليوم. و له كذلك رسالة دعاها (الكلم الثمان)، تحدث فيها عن معاني: الأمة، و الوطن، و الحكومة، و العدل، و النظام، و السياسة، و الحرية، و التربية.

و على كل حال، فالشيخ حسين المرصفي، (رحمه اللّه)، يعد من‏

137

أقوى الدعائم التي قامت عليها النهضة الحديثة في اللغة و الأدب.

16- الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري الأديب الأزهري المؤلف النابه (1236- 1306 ه- 1821- 1888 م).

- 2-

و يذكر أحمد أمين هذه الأغنية الشعبية المصرية، و هي بعد حذف ديباجتها: «حصاني في الخزانة، و الخزانة «عاوزة» سلم، و السلم عند النجار، و النجار عاوز مسمار، و المسمار عند الحداد، و الحداد عاوز بيضة، و البيضة في بطن الفرخة، و الفرخة عاوزة قمحة، و القمحة عند القماح، و القماح عاوز فلوس، و الفلوس عند الصريف، و الصريف عاوز عصافير، و العصافير في الجنة، و الجنة عاوزة حنا» الخ ....

و يقول عنها: إنها أغنية لطيفة حقا، لا يزال أطفالنا إلى الآن يتغنون بها بتوقيعهم الظريف، و صوتهم الشجي، و هم إذ ينشدونها لم يدروا أنهم يتغنون بفلسفة عالية، و فكرة سامية، قد يلاحظ عليها أن الربط في بعضها محكم كحاجة السلم إلى النجار و النجار إلى المسمار، و بعضها غير محكم كحاجة الحداد إلى البيضة، و حاجة الصريف إلى العصافير، و لكن أظن أن تحكيم المنطق الدقيق الحاد في الأدب كالشعر و الأغاني و سار الفنون مجاوزة للحد، فالأغنية لطيفة رغم المنطق، و من أسباب جمالها هذا النوع البديع الذي يصح أن أسميه «جمال الدوران» أو جمال التسلسل، مثل قولهم «لا سلطان إلا برجال، و لا رجال إلا بمال، و لا مال إلا بعمارة، و لا عمارة إلا بعدل».

و قولهم: الحجر يكسر الزجاج، و الحديد يكسر الحجر، و النار تذيب الحديد، و الماء يطفي‏ء النار، و الريح تلعب بالماء. و الإنسان يتقي الريح.

و الخوف يغلب الإنسان. و الخمر تزيل الخوف. و النوم يغلب الخمر.

138

و الموت يغلب النوم». و مثل قولهم: «العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا. و الجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما» الخ .. و بعد فما تاريخ هذه الأغنية و من واضعها؟ لا بد أن يكون فيلسوفا أو حكيما بعيد النظر. و مما يؤسف له أن هذه الأغاني و الأزجال و المواويل لم يعن بها عناية الأدب الأرستقراطي. فبينا يعني العلماء و الأدباء بنسبة بيت الشعر إلى قائله. و القصيدة إلى منشئها. و يحتدم بينهم القتال على ذلك. إذ بنا لا نجد هذه العناية و لا بعضها في الأغاني و الأزجال الشعبية. و هذا نوع مما أصاب الأدب الشعبي من الظلم. و كم أصابه من أنواع! و ها هي ذي الأغاني التي تخترع في عصرنا نجدها على الأفواه و نستعذبها، و تهش لها نفوسنا. و لا نكلف أنفسنا مؤنة البحث عن منشئها و لكن من حسن حظ هذه الأغنية أو من حسن حظنا نحن، أننا نجد ظلا لتاريخها فقد ذكرها الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة 1143 هجرية. فيكون عمرها أكثر من قرنين و ربع و ظلت الأجيال تتعاقبها إلى يومنا. و يظهر من كلام الجبرتي أن واضعها عالم كبير جليل من أكابر علماء الأزهر في القرن الثاني عشر. هو الشيخ الحفناوي أو الحفني، كان سيد الأزهر في أيامه، له حلقات الدروس الحافلة بنوابغ الطلبة، يقرأ فيها أغوص الكتب و أصعبها، كجمع الجوامع و الأشموني و حاشية السعد، و له التآليف الكثيرة في البلاغة و الميراث و الجبر و المقابلة. كما كان بيته ساحة كرم يغشاه أعيان مصر و علماؤها و أدباؤها، و يلجأ إليه الفقراء و ذوو الحاجات و كان راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الأردب، و طاحون بيته دائر ليل نهار، و يجتمع على مائدته الأربعون و الخمسون و الستون، إلى هيبة و وقار، حتى يهاب العلماء سؤاله لجلاله.

و هو مع هذا كله ظريف أديب، سمع تلميذا له يوما يقول:

قالوا تحب المدمس؟ قلت بالزيت حار* * * و العيش الأبيض تحبه؟ قلت و الكشكار

139

فضحك الشيخ و قال أنا لا أحبه بالزيت الحار. و إنما أحبه بالسمن ثم قال:

قالوا تحب المدمس؟ قلت بالمسلى‏* * * و البيض مشوي تحبه؟ قلت و المقلي‏

و له المواويل الظريفة كقوله:

بحياة يا ليل قوامك و صوم الحر* * * تحجز لنا الفجر دا فوت الرفاقه حر

لما يجي الفجر يصبح ركبهم منجر* * * أزداد لوعة و لا عمري بقيت أنسر

إلى غير ذلك، فيحدث تلميذه أن الشيخ الحفني قال له يوما «أحدتك حدوتة بالزيت ملتوتة، حلفت ما آكلها، حتى يجي التاجر، و التاجر فوق السطوح و السطوح عاوز سلم الخ» فحكاية التلميذ و لم يكن يسمعها من قبل و روايته لها عن شيخه، ترجع الظن أنها من عمل الشيخ الحنفي. و قد زاد الشيخ على ذلك فشرح الأغنية على طريقة الصوفية ففسر التاجر بالمرشد الكامل و المربي الواصل، و التاجر فوق السطوح في مستوى عال. و السطوح لا يمكن صعوده إلا بمعراج الخ. و قد كان للشيخ جانب آخر صوفي عظيم. فالأشموني و جمع الجوامع، و الحواشي و التقارير كلها لم تمنع الشيخ العالم الأزهري الجليل من أن يكون أديبا و زجالا، يضع الأغاني و المواويل يتغنى بها الشعب. و هذا يذكرني بما سمعت عن الأستاذ الشيخ عبد الرحمن قراعة المفتي الأسبق من أنه واضع الدور المشهور: اللّه يصون دولة حسنك».

أموال المسلمين الموقوفة على الأزهر

رصد المسلمون على الأزهر أوقافا كثيرة طول العصر الإسلامية.

و لما جاء محمد علي اغتصب الكثير من هذه الأوقاف و أهداها لأسرته- و قد كان شيخ الأزهر يشرف على هذه الأوقاف و نظارتها، و في العهود الأخيرة

140

تولت وزارة الأوقاف المصرية النظارة على هذه الأوقاف، و قد أنشئت وزارة الأوقاف (و كانت تسمى ديوان الأوقاف) قبل إنشاء الأزهر بأكثر من مائتين و أربعين عاما، و يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 118 ه، و يروي أن إنشاءه كان في عهد هشام بن عبد الملك فقد تولى قضاء مصر توبة بن نمر في زمن هشام بن عبد الملك، و كانت أوقاف المسلمين في أيدي أهلها و في أيدي أوصيائهم، فقال توبة: ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء و المساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظا لها من الإلتواء و التوارث، و صنع ذلك عام 118 ه، فكان ذلك أول إنشاء ديوان الأوقاف في مصر و لم يمت توبة حتى صارت الأحباس ديوانا عظيما.

و في العهد الأخير و بعد حل الأوقاف الأهلية صودرت جميع أوقاف الأزهر و حول مصرفها إلى جهات خيرية، و أبعد عنها العلماء المدرسون بالأزهر، على خلاف نصوص الواقفين و شروطهم.

بعض آراء في الإصلاح‏

الأزهر جامعة دينية كبرى، يؤمه المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها، و هو أمانة في يدي مصر ائتمنه عليه الشرق الإسلامي كله، و مصر مسئولة أمام اللّه و التاريخ عن هذه الجامعة العتيدة الخالدة، و عن النهوض بها و تمكينها من أداء رسالتها.

و أول خطوة للإصلاح في رأيي هي جعل جماعة كبار العلماء ممثلة تمام التمثيل لكبار رجال الدين، و في مقدمتهم شيوخ الكليات و المعاهد الثانوية، و أساتذة الكليات حرف ا، و رئيس المحكمة العليا الشرعية و مفتي الديار المصرية و شيخ الطرق الصوفية و شيخ الأزهر و وكيله، و شيوخ الأزهر السابقين، و شيوخ المذاهب الأربعة .. و تكون مهمة الجماعة ما يلي:

(1) الافتاء في المسائل الدينية و الشرعية، بتكوين لجنة من بين‏

141

الجماعة لهذا الغرض، يساعدها بعض الأساتذة المتخرجين من تخصص المادة و المدرسين في كلية الشريعة الإسلامية و تحل هذه اللجنة محل- لجنة الفتوى الحالية في الأزهر.

(ب) بحث نظام الإسلام الاجتماعي و الاقتصادي بحثا كافيا .. و وضع أصول التشريعات اللازمة للحياة الحاضرة في مصر و العالم الإسلامي ..

و نشر البحوث المتصلة بذلك .. على أن تقوم بذلك لجنة تختار لهذه المهمة من بين أعضاء الجماعة، و يختار لها أساتذة مساعدون من أساتذة الكليات (حرف ب و ج).

(ج) بحث نظم التعليم في الأزهر، و وجوه الإصلاح فيه .. و يقوم بذلك لجنة تختار من أعضاء الجماعة، و لها أن تختار مساعدين لها من بين أعضاء هيئات التدريس في الأزهر، أو من كبار الموظفين الإداريين في الأزهر.

(د) الإشراف على الجماعات الدينية الإسلامية في مصر، إشراف توجيه و إصلاح، و يقوم بهذا الإشراف جماعة تختار من بين أعضاء الجماعة، يكون من بينها: شيخ الأزهر، و المفتي، و رئيس المحكمة العليا الشرعية.

و يقوم التعليم في الأزهر الآن على تخريج عالم لا على تخريج رجل دين. و أرى أن يعالج هذا النقص علاجا سريعا بما يلي:

1- تعميم دراسة أحاديث و آيات قرآنية مختارة في جميع مراحل الدراسة في الابتدائي و الثانوي .. و دراسة مادة «قصص الأنبياء» و مادة «التصوف»، و مادة «الأخلاق الإسلامية» في جميع سني الدراسة الابتدائية و الثانوية.

و دراسة أصول الإسلام و أهدافه و مناهجه في الإصلاح الديني و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و السياسي في كليات الأزهر.

142

2- جعل حفظ القرآن ضروريا للنجاح في شهادات الأزهر، و احتساب عامين من مدة التعليم الابتدائي في الأزهر لحفظ القرآن الكريم.

3- تنظيم طلاب البعوث الإسلامية، و إعدادها إعدادا يليق بمهمتها الجليلة.

4- تنظيم محاضرات أسبوعية في كل معهد أو كلية أزهرية يلقيها الأساتذة.

5- حسن أختيار الكتب الدراسية في الأزهر.

6- جعل اختيار شيوخ الكليات الأزهرية عن طريق انتخاب هيئات التدريس في هذه الكليات.

7- العناية بدراسة الآثار الإسلامية و التاريخ الإسلامي دراسة كاملة صحيحة.

8- الإكثار من بعثات الأزهر التعليمية إلى أوروبا، و يختار أعضاؤها للسفر في بعثات منظمة إلى معاهد التعليم في أوروبا وفق الحاجة.

9- فتح أقسام الدراسات العليا في كليات الأزهر التي أغلقت أبوابها منذ عام 1940- إلى غير ذلك من شتى الإصلاحات التعليمية، و من بين الإصلاحات الواجبة:

1- إصلاح مجلة الأزهر.

2- مساواة أساتذة الكليات بأساتذة الجامعات المصرية، و مساواة أساتذة المعاهد بنظرائهم في وزارة المعارف.

3- إنشاء اتحاد عام لطلاب الأزهر على غرار اتحاد طلبة الجامعة المصرية.

4- التفكير جديا في الاحتفال بالذكرى الألفية للأزهر.

5- قيام الأزهر بنشر أصول كتب الشريعة و الحديث و اللغة و رسائل المتخصصين من أبنائه و نشرها في العالم الإسلامي.

143

الأزهر و الذكريات القومية

يشارك الأزهر الأمة الفرح بالأعياد القومية، و من أول هذه الأعياد عيد الجلاء، بمناسبة توقيع الاتفاقية المصرية الانجليزية عام 1954 الخاصة بجلاء الجيوش الانجليزية عن مصر.

و قد وقعت اتفاقية الجلاء بين مصر و انجلترا الساعة 10 مساء يوم الثلاثاء 19 أكتوبر 1954- 21 صفر 1374 ه في البهو الفرعوني بدأ مجلس النواب في القاهرة، و قد وقعها بالنيابة عن حكومة مصر الرئيس جمال عبد الناصر، و احتفلت البلاد احتفالات قومية بتوقيعها، و من الطريف أن يوم 19 أكتوبر 1801 وقعت فيه اتفاقية جلاء الجيوش الفرنسية عن مصر.

و قد دعا شيخ الأزهر إلى حفلة ابتهاج باتفاقية الجلاء، و ذلك بقاعة المحاضرات بمبنى الكليات الأزهرية في الساعة السادسة يوم الاثنين 27 من صفر 1374 ه- 25 أكتوبر 1954، و قد تحدث فيها شيخ الأزهر، الشيخ عبد الرحمن تاج و الشيخ عبد اللطيف السبكي مدير التفتيش بالأزهر، و ألقى الأستاذ حسن جاد قصيدة بليغة من عيون الشعر.

قال شيخ الأزهر من كلمته:

الآن .. و قد مكنتم بحمد اللّه لمصر أمرها، و ثبتم لها عزتها، و أزحتم الأجنبي عن ديارها، و أعدتم إليها كامل استقلالها.

الآن .. و قد حللتم مشكلة مصر الخارجية فعليكم أن تعملوا على حل مشاكلها الداخلية، و أن تسيروا في خطة الإصلاح و الإنشاء الذي بدأتم فيها، و قطعتم منها شوطا كبيرا .. بنفس العزم و القوة كي تنهض مصر إلى المستوى الجدير بها و الجديرة به، أن تنصروا اللّه ينصركم و يثبت أقدامكم و لينصرن اللّه من ينصره، و اللّه قوي عزيز.

144

و ألقى الاستاذ الشيخ عبد اللطيف السبكي مدير التفتيش بالأزهر و عضو هيئة كبار العلماء كلمة حيا فيها قادة الثورة، و قارن بين حياة مصر و شعبها المجيد الذي حكمه أبناؤه بعد أجيال من الاضطهاد و العذاب، و بين ما كان عليه في العصور التي ابتلينا فيها بالغرباء الطغاة ثم قال:

و تهيأ لمصر، الوطن الإسلامي الكبير، نخبة من أبناء جيشها، و تملكتهم العزة القومية، و جاشت في صدورهم الوطنية، و قوى فيهم الإحساس بما تقاسيه مصر، فأصبح كل منهم يسمع في أعماق نفسه هاتفا ينادي: أن أنقذ مصر من عثرتها، فاتحدت عزائمهم، و استمدوا من هدى الرسالة المحمدية ما أوضح لهم السبيل، و دفهم إلى الغاية النبيلة فصرخوها صرخة مدوية: لبيك لبيك يا مصر، و كان لهم من جانب اللّه تأييد و توفيق فبارك اللّه لمصر يومها العظيم 23 يوليو، و أبقاهم لشعب مصر حراسا أمناء، و مصلحين أكفاء.

و هذه هي قصيدة الشاعر حسن جاد:

سنا فجره المأمول لاحت بواكره‏* * * و هزت ربوع المشرقين بشائره‏

أطل على ليل الحيارى و أشرقت‏* * * على ظلمات اليأس غرا منائره‏

و خف إليه الدهر يرهف سمعه‏* * * و يزحم ركب النور فيمن يسايره‏

و طالعت النيل السعيد بصبحه‏* * * متى طالما جاشت بهن خواطره‏

تزف بها بشرى الجلاء وعيده‏* * * فترقص في شطيه نشوى أزاهره‏

و تعتنق الأرواح فوق ضفافه‏* * * عرائس واد جن بالحسن سامره‏

على لهوات الطير من صبواتها* * * طرائف شدو أبدعتها حناجره‏

هو النيل و البشرى استخفت و قاره‏* * * ترنح عطفاه و جاشت هوادره‏

و ما فاض في شطأنه غير فرحة* * * تضيق بها يوم الجلاء سرائره‏

و ما هو ماء ما يفيض و إنما* * * عواطفه جياشة و مشاعره‏

ثوى في قيود الذل سبعين حجة* * * يكاتم غيظا أو تثور ثوائره‏

145

و صابر الاستعباد مستأسد المنى‏* * * يؤمل يوما أن تقال عواثره‏

تداركه فجر الخلاص بيمنه‏* * * فصحت أمانيه و قرت نواظره‏

فمن رام الاستقلال فليشهد الحمى‏* * * تغنت به أريافه و حواضره‏

و من ضاق بالأغلال فالقيد حطمت‏* * * سلاسله و الغل لانت مكاسره‏

و من ضل في ليل المظالم سعيه‏* * * فقد هتكت أستاره و ستائره‏

و من سره أن يشهد البعث ماثلا* * * فهذي معانيه و تلك مظاهره‏

و من شاقه يوم الجلاء و عيده‏* * * فهذي مجاليه و تلك مناظره‏

كفى يومه أن الزمان بأسره‏* * * أوائله يحسدنه و أواخره‏

رعى اللّه للوادي جمالا و صحبه‏* * * أسوأ جرح وادي النيل فالتأم ناغره‏

لقد صيروا حلم الجلاء حقيقة* * * و كان سرابا يخدع العين ظاهره‏

و كان لتجار السياسة مغنما* * * على سوقه السوداء قامت متاجره‏

و كم من ندى كان قصة لهوه‏* * * يرددها مخموره و مقامره‏

فساد و ظلم و انحلال و نكسة* * * أصيب بها الوادي فضلت مصائره‏

و ما كحمى الأخلاق حصن لأمة* * * إذا نكبت فيه فما ذا تحاذره؟

و قد ينهض الشعب الجريح بروحه‏* * * و ليس يقوم الشعب ماتت ضمائره‏

تدارك رحمن السماء مصيره‏* * * و طاحت بعرش الظالمين مقادره‏

مضوا يتساقون الندامة علقما* * * و باءوا بشؤم طار بالنجس طائره‏

و أضحى كناس النيل غابا ممنعا* * * تهاب بوازيه و تخشى قساوره‏

صناديد راع الظلم بأس زئيرهم‏* * * فزلزل مغناه و دكت مقاصره‏

هي الثورة البيضاء ما شابها دم‏* * * و لا فارقت غمد الكمي بواتره‏

فقد بعثوا من رقدة الموت واديا* * * أعدت له أكفانه و مقابره‏

فحل هراء المرجفين فما ثنى‏* * * أخا العزم يوما جاحد الفضل ناكره‏

و قل للذي تعيشه أضواء نهضة* * * مضى ليلك الداجي و ولت دياجره‏

يحث الخطا للمجد موكب نورها* * * و يدفعه قلب الحمى و يؤازره‏

سيبنى فلا يثنيه هدم معوق‏* * * و يمضي فلا يلوى على من يكابره‏

146

و من يجعل الإخلاص رائد عزمه‏* * * إلى رفعة الأوطان فاللّه ناصره‏

بنى الشرق هذا الغرب ضل ضلاله‏* * * و أعمته أطماع تظل تساوره‏

و دان بشرع الغاب بغيا و شرة* * * فضلت عن الحق القويم بصائره‏

يعد أساليب الفناء بعلمه‏* * * هل العلم أن يفنى من الكون عامره؟

لقد عزه في الشرق قوة روحه‏* * * فراح بأنواع السلاح يفاخره‏

إذا العرب الأمجاد فيه توحدت‏* * * صفوفهمو عادت أمانا مخاطره‏

و هذا زمان ليس فيه لأعزل‏* * * مكان و لا يصغي لشكواه قاهره‏

فما ينفع المظلوم منطق حقه‏* * * و منطق سفاك الحقوق بواتره‏

إذا الذئب لم يسمع لغير ضراعة* * * من الحمل الواني فما هو عاذره‏

هو الحق لا يعطي لذلة طالب‏* * * و لكن إذا ضجت غضابا كواسره‏

به مشعل النور استفاض على الحمى‏* * * سناه و جاب المشرقين مسافره‏

و في ساحة شب الجهاد تحوطه‏* * * شريعة حق ما تزال تؤازره‏

تماثل للبعث الجديد و قد صحت‏* * * أمانيه و اهتزت رجاء منابره‏

ألح عليه السقم من طول يأسه‏* * * و شقت من الحرمان مطلا مرائره‏

و أوهن عهد الظلم بأس شيوخه‏* * * و كان أعز المالكين يحاذره‏

و صار يلقي الأمر من كل تابع‏* * * و كانت على الحكام تلقى أوامره‏

أتنساه مصر و هي تفخر باسمه‏* * * و يذكره بالقول لا الفعل ذاكره‏

و تمنع دون الجامعات حقوقه‏* * * و تعطي كما شاءت مناها نظائره‏

إذا ما شكا قالوا عهدناه قانعا* * * تقشفه في العيش تروى مآثره‏

و إن ضاق بالحرمان قيل له اتئد* * * و علله بالزهد من لا يصابره‏

أليس لنا حق الحياة كغيرنا* * * و أين سبيل العدل إن جار جائره؟

مضى عهد تفريق الطوائف و انقضى‏* * * و راح زمان الظلم، لا عاد غابره‏

و أدركه عهد المساواة منصفا* * * فهل يرتجى في ظله اليوم كادره؟

متى ينصفوه ينصفوا خير معهد* * * موارده محمودة و مصادره‏

و إن تنهضوه تنهضوا بحماكمو* * * و يزهى على الماضي، و يعتز حاضره‏

147

و قال جمال عبد الناصر بعد انتهاء كلمات المتحدثين: إخواني رجال الأزهر:

أحييكم ... و أعبر لكم عن سعادتي في هذه الفرصة التي جمعتنا للاحتفال بجلاء قوات الاحتلال عن أرض الوطن في رحبات الأزهر.

و في هذه المناسبة العظيمة، لا يسعني إلا أن أذكر لهذا الأزهر جهاده على مر السنين، فقد حمل الأزهر دائما الرسالة و لم يتخل مطلقا عن الأمانة، و كافح كفاحا مريرا في سبيل الحصول على أهداف الوطن. و كفاح الأزهر أيام الحملة الفرنسية معروف، و كم قاسى رجاله، و عذبوا و قتلوا و شردوا، و اقتحم المحتلون الأزهر فلم يتوان عن المطالبة بحقوق الوطن ... و استمر الأزهر يحمل الرسالة حتى سلمها إلى الجيش، و إلى عرابي الذي قام متسلحا بروح الأزهر المعنوية إلى جانب القوات المادية، يطالب بحقوق البلاد ... و عند ما وطئت أقدام المستعمر أرض مصر، حاول بكل قواته أن يقضي على رسالة الأزهر، كما حاولوا القضاء على الجيش و قوته و رسالته، و رغم هذا، استمر الأزهر على مر السنين يكافح .. ففي ثورة 1919 حمل الأزهر العلم، و قام بأداء الرسالة و الأمانة مرة أخرى.

و عمل المستعمر على تفريق الشعب شيعا و أحزابا و تحطم الجيش و فصله و فصل الأزهر عن الوطن.

و اليوم و بعد أن قامت الثورة أقول لكم عليكم حمل الرسالة و الأمانة مرة أخرى فإن أمامنا عملا شاقا طويلا، و هذا العمل يطالبكم بأن تجاهدوا من أجل الأهداف الكبرى التي كافح من أجلها السابقون. و رجال الأزهر على طول السنين.

الأزهر و معارك التحرير الأولى‏

في أوائل القرن الثالث عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) افتتح رجال الأزهر أولى حركات التحرير في تاريخنا القومي، فاشترك كبار العلماء

148

في إعداد الثورات و رسم خطط المقاومة الشعبية مضحين في سبيل الدفاع عن الوطن بأموالهم و أنفسهم فمنهم من صودرت أملاكه، و منهم من عذب، و منهم من استشهد، و قد كان لهذه التضحيات أكبر أثر في بعث روح المقاومة في الشعب الذي نهض ليواجه قوات الاحتلال في شجاعة نادرة المثال.

إعلان الجهاد:

اضطرب المماليك حين وصلهم نبأ احتلال نابليون للأسكندرية في صفر 1213 ه (1798 م)، و عقدوا اجتماعا للتشاور في الأمر و دعوا العلماء لحضوره- و كانوا قادة الرأي العام إذ ذاك- فحضر منهم السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، و الشيخ السادات، و الشيخ الشرقاوي، و الشيخ سليمان الفيومي، و الشيخ الصاوي، و الشيخ المهدي، و الشيخ العربي، و الشيخ محمد الجوهري. و جرت أثناء الاجتماع مناقشة حادة بين العلماء و الأمراء حتى قام الشيخ السادات و وجه الكلام إلى الأمراء قائلا «إن كل هذا من سوء مقالكم و ظلمكم. و آخر أمرنا معكم أنكم ملكتمونا للأفرنج» ثم نظر إلى مراد بك قائلا له: «و خصوصا بأفعالك و تعديك أنت و أمراؤك على متاجرهم و أخذ بضائعهم». و أخيرا اتفق المجتمعون على إخطار الدولة العثمانية بالأمر و تجهيز العساكر للحرب.

من هذا الاجتماع نستطيع أن ندرك لأول وهلة موقف الأزهر بالنسبة للفرنسيين، فهو موقف المقاومة المسلحة؛ كما أن العلماء بصفتهم وكلاء عن الشعب وضعوا قاعدة دستورية هامة، و هي محاسبة الحكام على تفريطهم في حقوق الشعب‏ (1).

و لما وصل نابليون إلى إمبابة أعلن السيد عمر مكرم و العلماء الجهاد

____________

(1) مجلة الأزهر- من مقال لاحمد عز الدين خلف اللّه.

149

و استنفروا الشعب و دعوا إلى التطوع العام، و سار السيد عمر مكرم في مقدمة المتطوعين للقتال، و قام بعرض شعبي في شوارع القاهرة استجاب له جميع الأهالي، و لكن إذا كان العلماء قد نجحوا في تعبئة الشعب إلا أن تخاذل المماليك أسرع بالبلاد نحو الخاتمة المنتظرة.

بين الأزهر و نابليون:

استفز الفرنسيون المصريين بفرض الضرائب الثقيلة و القتل و مصادرة الأملاك و الاعتداءات المتوالية، مما عجل بقيام ثورة القاهرة الأولى في (جمادى الأول سنة 1213 أكتوبر سنة 1798). فقام العلماء و على رأسهم الشيخ السادات يدعون إلى الجهاد ضد الفرنسيين، و انتخبوا مجلسا للثورة كي ينظم حركات المقاومة و يمونها بالأسلحة و الذخائر، و في ذلك يقول نابليون في مذكراته: «إن الشعب قد انتخب ديوانا للثورة، و نظم المتطوعين للقتال، و استخرج الأسلحة المخبوءة. و أن الشيخ السادات انتخب رئيسا لهذا الديوان». و ذكر في تقريره إلى حكومة الدير كتوار أن لجنة الثورة كانت تنعقد في الأزهر.

انتشر رجال الأزهر في القاهرة يبثون الثورة في النفوس و يدعون الشعب إلى الجهاد و يعاهدونه على المقاومة، بينما كان مجلس الثورة يوزع الأسلحة على أحياء العاصمة، حتى اقترب الوعد فعقد المجلس اجتماعا ليلة الأحد (10 جمادى الأولى 1213- 21 أكتوبر سنة 1798) لرسم خطة العمل في صبيحة ذلك اليوم.

يقول الكولونيل ديتروا في يومياته وصفا للثورة كما شهدها: في الساعة السادسة صباحا من يوم 21 أكتوبر احتشدت الجموع في كثير من أحياء القاهرة و كان المؤذنون يدعون إلى الجهاد على المآذن، و كان المعسكر العام للثائرين الجامع الكبير المسمى بالأزهر ذلك المسجد الجميل الذي‏

150

طارت شهرته في أنحاء المشرق و قد قام الثوار بإقامة المتاريس في الطرق و الأزقة المفضية إليه حتى أصبح من المستحيل أن تقتحمه المدفعية أو الجنود المشاة.

و في الساعة العاشرة صباحا اصطدم الثوار بكتيبة من الفرسان يقودها الجنرال ديبوي قومندان القاهرة و تغلب الأهالي على الكتيبة و قتل الجنرال ديبوي أثناء المعركة. و امتدت الثورة حتى اشتبكت الجماهير بدوريات الجنود في كل مكان.

كان نابليون في ذلك الوقت يطوف بسرعة ليتفقد الاستحكامات العسكرية في مصر القديمة و الروضة و لما عاد إلى بولاق بلغة مصرع الجنرال ديبوي فأصدر أمرا بتعيين الجنرال بون خلفا له و كلفه بإجراء اللازم لإعادة النظام إلى المدينة.

هال الجنرال بون تفاقم الحالة في العاصمة فكتب إلى نابليون في الساعة العاشرة مساء من يوم الثورة يطلب اتخاذ إجراءات في غاية الشدة و الصرامة مع حي العرب حيث يوجد الجامع الأكبر (الأزهر).

و في صباح يوم 11 جمادى الأولى 1213 (22 أكتوبر 1798 م) بلغت حماسة الثوار مبلغا عظيما حتى حاولوا ضرب الاستحاكات الفرنسية في القلعة من مسجد السلطان حسن، كما تمكنوا من قتل الكولونيل سلكوسكي في معركة عند باب النصر.

و في هذا اليوم أرسل نابليون الجنرال (برتييه) رئيس أركان حربه في الساعة الثانية بعد الظهر و معه أمر بضرب الأزهر بالمدافع سلمه للجنرال بون و قد أوصى نابليون بوضع المدافع في أصلح المواقع ليكون تدميرها شديدا.

كما أصدر أمرا إلى الجنرال (دومارتان) بالاستيلاء على جميع المنافذ المفضية الى الأزهر و مما جاء في هذا الأمر (و عليكم أن تقتحموه بجنودكم‏

151

تحت حماية المدافع و أن تقتلوا كل من تلقونه في المسجد و أن تضعوا فيه حرسا قويا من الجنود).

و ابتدأ الضرب من بعد الظهر حتى الساعة الثامنة مساء، و أخذت رسائل الوحشية المقنعة بالمدينة تهال في صورة آلاف من القنابل على الأزهر حتى قال ريبو: أوشك الجامع أن يتداعى من شدة الضرب فيدفن تحت أنقاضه الجماهير الحاشدة فيه و أصبح الحي المجاور للأزهر صورة من الخراب و التدمير. و لما وجد العلماء أن الاستمرار في المقاومة سيفضي إلى كارثة محققة، شرعوا في مفاوضة نابليون لإيقاف الضرب.

محاكمة العلماء الثائرين:

في 12 جمادى الأولى 1213 ه (23 أكتوبر 1798 م) أصدر الجنرال (برتييه) أمرا باسم نابليون إلى الجنرال (بون) قومندان القاهرة بهدم الأزهر ليلا إذا أمكن، و من هذا نرى أن نابليون أراد أن يقضي على المقاومة الشعبية بهدم مركزها، ثم عدل عن هذه الفكرة خوفا من إثارة الحماس الديني.

و في 24 أكتوبر توجه وفد من العلماء إلى نابليون يسأله العفو عن الأهالي ليسكن روعهم، فطالبهم نابليون بإرشاده عمن تسبب في الثورة من العلماء، فلم يرشدوه إلى أحد فقال لهم: «نحن نعرفهم واحدا واحدا».

قبض نابليون على ثمانين من أعضاء لجنة الثورة أعدموا سرا و ألقيت جثثهم في النيل أما الذين حوكموا رسميا من المقبوض عليهم باعتبارهم زعماء الثورة فهم الشيخ إسماعيل البراوي و الشيخ يوسف المصيلحي و الشيخ عبد الوهاب الشبراوي و الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة المكفوفين و الشيخ أحمد الشرقاوي و كلهم من العلماء و قد حكم عليهم بالإعدام و نفذ

152

الحكم في الساعة الثامنة صباحا من 23 جمادى الأولى 1213 ه (نوفمبر 1798 م).

و في كتاب تحفة الناظرين للشيخ عبد الله الشرقاوي أن الفرنسيين قتلوا في هذه الثورة ثلاثة عشر عالما.

بين الأزهر و الجنرال كليبر:

لم تكد تدوي مدافع معركة عين شمس في 23 شوال 1214 ه (20 مارس 1800 م) حتى دوى في القاهرة نداء الحرية فلبت العاصمة النداء مستمدة قوتها من إيمان أهلها و حماستها من وطنيتهم و استبسالها من تضحيتهم وهب السيد عمر مكرم و السيد أحمد المحروقي و الشيخ السادات و الشيخ الجوهري و غيرهم من زعماء الثورة يحرضون الناس على القتال.

و لما رجع كليبر بعد انتصاره على الجيش العثماني في معركة عين شمس وجد العاصمة أشبه ببركان ثائر لا يهدأ فاشتبك مع الثوار في معارك طاحنة دامت أكثر من ثلاثين يوما دمرت خلالها بولاق تدميرا تاما. و للمرة الثانية شرع العلماء في مفاوضة الفرنسيين على أساس العفو عن جميع سكان القاهرة فوافق كليبر على هذا الشرط و لكنه سرعان ما نقضه و فرض على الأهالي غرامة فادحة قدرها (إثنا عشر مليونا من الفرنكات) و ألزم الأهالي بتسليمه عشرين ألف بندقية و عشرة آلاف سيف. و كانت أشد الغرامات المفروضة غرامة الشيخ السادات و قدرها ثمانمائة ألف فرنك هذا فضلا عما تعرض له من التعذيب و الإهانة إذ كان يجلد صباحا و مساء في معتقله، و كانت غرامة الشيخ الصاوي (000، 260 من الفرنكات) و الشيخ محمد الجوهري و أخيه فتوح الجوهري مثل ذلك.

مصرع الجنرال كليبر:

كان إسراف كليبر في الأنتقام و إهانته للعترة النبوية ممثلة في شخص‏

153

الشيخ محمد السادات من أهم الأسباب التي أدت إلى مصرعه في 20 المحرم 1215 ه (14 يونيه 1800 م) بيد سليمان الحلبي، و سرعان ما اتجهت أنظار الفرنسيين نحو الأزهر فقاموا بتفتيشه و تفتيش أروقته و قبضوا على من ذكرهم سليمان الحلبي في التحقيق كما قبضوا على العلماء المعروفين بقيادة الثورات الوطنية. و رأى كبار العلماء أن الفرنسيين سيتخذون من تفتيش الأزهر بين حين و آخر ذريعة للإيقاع بهم فتوجه الشيخ الشرقاوي و الشيخ الصاوي و الشيخ المهدي إلى الجنرال مينو و استأذنوه في إغلاق الأزهر فأغلق في 27 المحرم 1215 ه (21 يونيه 1800 م). و كان هذا ما يريده الفرنسيون و قد استمر الأزهر مغلقا حتى تم جلاء الفرنسيين عن مصر.

يقول تيير: «لو بقي كليبر حيا لاستمرت مصر خاضعة للحكم الفرنسي حتى انهيار نابليون على الأقل، فقد ضاع أكبر قائد و أكفأ من يؤسس الاستعمار الفرنسي في الشرق».

و هنا لا بد من أن نقول كلمة عن المنشورات التي كان يصدرها الفرنسيون على لسان أعضاء الديوان من العلماء: إذ كان الغرض من هذه المنشورات تضليل الشعب و بث التفرقة بينه و بين زعمائه، و أكبر دليل على براءة من اشترك من العلماء في الديوان أنهم كانوا من المعروفين لدى الفرنسيين بقيادة الثورات و التحريض عليها.

الأزهر يحرض على قتال الحملة الإنجليزية الأولى:

في المجرم 1222 ه (مارس 1807 م) نزل الإنجليز الأسكندرية بقيادة الجنرال فريزر و ما كادت تصل أنباؤهم إلى العاصمة حتى قام السيد عمر مكرم و الشيخ الشرقاوي و الشيخ الأمير يدعون الناس إلى الدفاع عن الوطن، و حث الخطباء في المساجد الناس على القتال، فأقبل هؤلاء يتطوعون في حماس نادر المثال و انضم إليهم طلبة الأزهر و العلماء و كان‏

154

المتطوعون يذهبون يوميا لضرب الاستحكامات خارج القاهرة تحت إشراف السيد عمر مكرم و كبار الشيوخ، كما تطوع البعض الآخر للسفر ليشترك في فك حصار الإنجليز لرشيد.

و أمام هذا التضامن الشعبي الرائع وجد الإنجليز أنفسهم عاجزين عن متابعة احتلال البلاد فقرروا الجلاء عن القطر المصري في 10 رجب سنة 1222 ه (14 سبتمبر 1807 م).

هذا هو الدور الذي قام به الأزهر في معارك التحرير الأولى، و قد كان لهذه المعارك أكبر أثر في تكوين الوعي القومي الذي بدأ منذ ذلك الوقت يوجه تاريخنا الحديث.

إنتاج الأزهر العلمي في العصر الحديث‏

في مكتبات كليات الأزهر الثلاث مجموعة كبيرة من الرسائل القيمة التي نوقشت في الأزهر، و قدمها أصحابها للحصول على العالمية من درجة أستاذ، و نال مقدموها هذه الدرجة العلمية الرفيعة، و شغل بعضهم مناصب التدريس في الكليات الأزهرية.

و كذلك في مكتبات الكليات توجد طوائف كبيرة من رسائل حاملي شهادة التخصص القديم، الذين تولى أكثرهم المناصب الإدارية في الأزهر و مناصب التدريس في الكليات و المعاهد الثانوية الأزهرية.

و في مكتب شيخ الأزهر يوجد رسائل علمية قدمت لنيل عضوية جماعة كبار العلماء في الأزهر الشريف، و هذه الرسائل على جانب كبير من الأهمية العلمية و الدينية.

و لو عني الأزهر بنشر هذه الرسائل كلها، أو جلها لسدت فراغا كبيرا في الثقافة الإسلامية، و مثلت إنتاج الأزهر العلمي في العصر الحاضر في صورة مشرقة زاهية- و هذه الرسائل إلى جانب ما نشره أساتذة كليات الأزهر