الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
205

الباب الحادي عشر

من تاريخ الأزهر الأزهر جامعا و جامعة

- 1-

أعرق الجامعات العلمية في العالم، فهي أطولها عمرا، و أجلها أثرا في تاريخ الفكر الإنساني، و في تاريخ العقل العربي و الإسلامي بل في تاريخ العلم و ميراث الحضارة كافة.

و الأزهر منذ نشأته حارس التراث العربي، و حامل مشعل الثقافة الإسلامية، و الملاذ الذي تأوي إليه العلماء، و تهوي إليه أفئدة المسلمين في كل مكان، و الضوء الذي ينير لهم الطريق، و يبصرهم سواء السبيل.

و للأزهر مكانته الخالدة في مصر و العالم الإسلامي جميعه، و آراؤه و فتاوى علمائه تقابل من كل مسلم في جميع الشعوب الإسلامية بالتقدير و الإجلال و الحب العميق.

و لم تقم في مصر الإسلامية جامعة علمية بالمعنى الصحيح قبل الأزهر، صاحب التاريخ الطويل، و الذكريات المجيدة، و الآثار العلمية و الدينية و العقائدية.

و تاريخ العلم في الإسلام يرتبط بالمسجد ارتباطا روحيا وثيقا؛

206

فالمسجد الحرام في مكة، و المسجد النبوي في المدينة، و الجامع الأموي في دمشق، و جامع الفسطاط و جامع القيروان، و مسجد البصرة الجامع، و مسجد الزيتونة، و مسجد قرطبة الجامع، و مسجد القرويين بفاس، و الأزهر، و سواها؛ كلها كانت مأوى الحلقات العلمية الجامعية في تاريخ الإسلام، و الجامعة كذلك نسبة إلى الجامع بمعنى المسجد، و في ذلك تفسير واضح لصلة المسجد بالثقافة، و لأهمية الثقافة في الإسلام.

- 2-

و الأزهر، أو جامع القاهرة، كما كان يقال، هذا المسجد الجامعي، قاهري البيئة، فاطمي التأسيسي، أنشأه جوهر العقلي قائد الخليفة المعز لدين اللّه الفاطمي، بعد قيام دولة الفاطميين في مصر بنحو عام، و قد شرع في بنائه يوم السبت لست بقين من جمادي الأولى سنة 359 ه- 970 م، و يذكر بعض المؤرخين أنه شرع في بنائه يوم السبت الرابع من رمضان من العام نفسه؛ و كمل بناؤه لسبع خلون من رمضان عام 361 ه- 22 يونيو 972 م. و كان الغرض من إنشائه أن يكون رمزا للسيادة الروحية للدولة الفاطمية، و منبرا للدعوة التي حملتها هذه الدولة الجديدة إلى مصر، و أطلق عليه اسم الأزهر نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء التي ينتسب إليها الفاطميون، أو لأنه كان يحيط به قصور فخمة تسمى الزهراء، أو لأنه كان يظن أنه أكثر الجوامع فخامة و رواء، أو للتفاؤل بأنه سيكون أعظم المساجد ضياء و نورا. و قد احتفل بافتتاحه في رمضان عام 361 ه، و أصبح مسجد الدولة الرسمي.

و قد حرص وزير المعز و العزيز يعقوب بن كلس على أن يقيما حلقة علمية في الأزهر، حيث كان يقرأ على الناس في مجلس خاص يوم الجمعة مصنفاته في الفقه الفاطمي، كما كان يجتمع يوم الثلاثاء بالفقهاء و جماعة المتكلمين و أهل الجدل.

207

و حرص الخليفة المعز الفاطمي كذلك على تكليف كبار العلماء بإقامة حلقات علمية في أروقة الأزهر لتدريس الفقه الفاطمي، و كان يمنحهم مرتبات شهرية، و من ثم صار الأزهر جامعة علمية، و ظهر ذلك جليا واضحا حينما بدأت حلقاته تتحول إلى دراسات جامعية علمية مستقرة، و ذلك عام 378 ه- 988 م حيث استأذن ابن كلس الخليفة الفاطمي العزيز بالله (365- 386 ه) في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة و الدرس من كل جمعة يعين بعد الصلاة حتى العصر، و كان عددهم 37 فقيها

و في عام 380 ه- 990 م رتب المتصدرون لقراءة العلم بالأزهر؛ و بذلك استكمل الأزهر صبغته الجامعية، و أصبح معهدا جامعيا للعلم و التعليم و الدراسة. و من هذا التاريخ بدأ الأزهر حياته العلمية الخصبة المنتجة.

و استمرت الحركة العلمية و الدينية في الأزهر قوية مزدهرة طيلة العصر الفاطمي، و وقفت عليه الدولة الأوقاف الضخمة، و أحاطته برعايتها و اهتمامها، و كان في مقدمة و أوائل أساتذته المدرسين فيه بنو النعمان قضاة مصر.

و أول درس ألقي في الأزهر كان في صفر 365 ه في نهاية حكم المعز لدين الله، ألقاه قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان، حيث قرأ فيه مختصر أبيه في فقه آل البيت المسمى «الاقتصار» و حضره العلماء و الأمراء، و أثبتت أسماء الحاضرين في سجل خاص أما دروس ابن كلس فبدأت في رمضان عام 369 ه، و لكن جهوده في سبيل تطوير الدراسة في الأزهر كانت سابقة على هذا التاريخ.

و لما أنشأ الحاكم الفاطمي دار العلم (دار الحكمة) لم تزدهر إلا قليلا، و بخاصة في عصر الحاكم نفسه. و بقيت للأزهر منزلته العلمية الرفيعة، و قصده الطلاب من كل مكان، و كان العالم يفخر بأنه أحد أساتذته‏

208

أو أنه قد حاضر فيه يوما من الأيام.

و يذكر المقريزي في خططه أن النساء كن يحضرن حلقات العلم في الجامع الأزهر [2: 226 الخطط للمقريزي‏].

و ممن ألقى محاضراته في الأزهر: المؤيد الشيرازي داعي الدعاة في عهد المستنصر الفاطمي، و أولى محاضراته فيه تقرؤها في كتاب «الأزهر في ألف عام» [1: 32].

و من أوائل الكتب التي درست في الأزهر: الاقتصار للنعمان القيرواني (363 ه)، و كان يدرسه ابنه علي بن النعمان؛ و الرسالة الوزيرية التي ألفها ابن كلس.

و كان التدريس فيه يجري وفق المذهب الشيعي، و شدد على ذلك في بادي‏ء الأمر، حتى أنه في عام 381 ه في عهد العزيز قبض على رجل وجد عنده كتاب «الموطأ» للإمام مالك، و جلد من أجل إحرازه [2: 157 الخطط للمقريزي‏]. و في عام 416 ه أمر الخليفة الفاطمي بتدريس كتاب «دعائم الإسلام».

و من أساتذته في العصر الفاطمي كذلك: العلامة الحوفي (ت:

430 ه) إمام العربية، و صاحب كتاب «إعراب القرآن»؛ و ابن بايشاذ النحوي (469 ه) صاحب كتاب «المقدمة» و «شرح الجمل»؛ و ابن القطاع اللغوي صاحب كتاب «الأفعال»، و المسبّحي الوزير الكاتب (420 ه)، و القضاعي (454 ه) و هو من أقطاب الحديث و الفقه، و ابن زولاق المؤرخ (387 ه)، و ابن يونس المنجم (399 ه) و غيرهم.

- 3-

كانت بيئة العلم في مصر قبل الأزهر تتركز في حلقات جامع عمرو، ففيها يتعلم الطلبة، و يحاضر الأساتذة، و يتخرج العلماء و الأدباء، و كان من‏

209

أوائل الأساتذة الذين درسوا فيه: عبد الله بن عمرو بن العاص، و ابن لهيعة، ثم الليث بن سعد، و عثمان بن سعيد المصري و هو أصحاب القراءات.

و كان للأمام الشافعي حلقة علمية فيه، يدرس فيها مذهبه، و يدوّن آراءه؛ و على يديه تخرج كثير من تلامذته الذين نشروا مذهبه، كالربيع بن سليمان، و المزني و البويطي، و غيرهم، و من ثم أصبحت السيادة للمذهب الشافعي بعد أن كانت للمذهب المالكي، الذي كان أول من أدخله إلى مصر عثمان بن الحكم الجذامي (163 ه).

و قد تخرج أبو تمام (231 ه) في الأدب و الشعر في حلقات مسجد عمرو العلمية، و كان ذو النون المصري (245 ه) ممن تخرج في حلقاته.

و لما أنشى‏ء جامع ابن طولون عام 263 ه في عهد أحمد بن طولون (252- 270 ه) شارك هذا المسجد الجديد جامع عمرو في رفع مشاعل العلم و الثقافة، و أملى الحديث فيه الربيع بن سليمان تلميذ الإمام الشافعي، و صلى فيه القاضي بكار إماما، و خطب فيه أبو يعقوب البلحي.

و كان من أشهر العلماء قبيل انشاء الأزهر ممن كانوا يدرسون في جامع عمرو (المسجد العتيق) و في المسجد الطولوني: أبو القاسم بن قرير، و تلميذه الكندي المؤرخ المشهور، و أبو القاسم بن طباطبا.

و لما وفد المتنبي إلى مصر عام 346 ه كانت له حلقة في مسجد عمرو، و كانت من أحفل حلقات العلم و الأدب و الشعر و اللغة.

و لما قام الأزهر في عاصمة مصر القاهرة بدأ بفرض سيادته العلمية على كل البيئات الثقافية في مصر، و تأكدت هذه السيادة كذلك على بيئات العلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

210

- 4-

و انتهى العصر الفاطمي بعد أن بلغ الأزهر فيه قمة مجده العلمي.

و لم يكد العصر الأيوبي يبدأ حتى بدأت مكانة الأزهر الدينية تتعرض لضغط الحكام و الأمراء، إذ كان الأيوبيون يحاولون القضاء على كل مظاهر التشيع في مصر، و لكن حلقات الأزهر العلمية الجامعية لم تتعرض لمثل ما تعرض له الأزهر جامعا و مسجدا فقد حولت عنه صلاة الجمعة و خطبتها إلى مسجد الحاكم، و لم تعد خطبة الجمعة إلى الأزهر إلا عام 665 ه في عهد بيبرس، و ظلت الشخصية العلمية للأزهر قوية.

و كان موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين الأيوبي يلقي دروسا في الرياضة و الفلك و الطب في الأزهر، و كذلك كان عبد اللطيف البغدادي يحاضر في الكلام و البيان و المنطق و الطب. و كان لابن الفارض حلقة صوفية فيه.

و من أشهر علمائه في هذا العصر: الإمام المنذري المحدث و كان يلقب بشيخ الإسلام، و ابن أبي الإصبع، و القضطي الوزير، و غيرهم.

- 5-

و في عصر المماليك، ازدهرت حلقات الأزهر الجامعية، و قصده أعلام الفكر العربي لذلك الحين من أمثال السهروردي، و ابن خلدون، و ابن منظور، و الفيروز أبادي، و غيرهم. كما أمّة الطلاب من مختلف أنحاء العالم العربي و الإسلامي، يقيمون حوله، و يقطنون في أروقته، و يجلسون في حلقاته، و يشاركون في نشاطه العلمي، و قد بلغ عددهم في أوائل القرن الثامن الهجري زهاء 750 طالبا، و يقول عالم سوداني من خريجي الأزهر يمدح أحد ملوك الفونج في سنار، و هو السلطان بادي أبو دقن:

أيا راكبا يسري على متن ضامر* * * إلى صاحب العلياء و الجود و البر

211

و يطوي إليه شقة البعد و النوى‏* * * و يقتحم الأوعار في المهمة القفر

و ينهض من مصر و شاطى‏ء نيلها* * * و أزهرها المعمور بالعلم و الذكر

و من أشهر علمائه في ذلك الحين: العز بن عبد السلام الإمام العالم الثائر، صاحب المواقف المجيدة في التاريخ الإسلامي، و ابن هشام النحوي، و ابن دقيق العيد، و السبكي، و السيوطي، و شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، و كذلك ازدان الأزهر بآلاف العلماء البارزين في علوم الدين و العربية و الأدب، و من بين من تخرج فيه في ذلك العهد: القلقشندي، و الدميري، و المقريزي، و غيرهم.

و استكمل الأزهر سيره في العهد العثماني كذلك، محافظا على تراثه، اللغة و علومها، و على الآداب و فنونه، إلى دراساته الإسلامية العتيدة. و من كبار شيوخه في هذا العهد: الإمام السنباطي (950 ه) و مواقفه في مقاومة طغيان الحكام خالدة، و الإمام المهناوي (950 ه)، و العلامة البرماوي (1106 ه)، و الشيخ الخرش المالكي أول شيخ للأزهر، و من عهده صار منصب مشيخة الأزهر من أكبر المناصب العلمية في العالم الإسلامي، و توفي عام 1101 ه. و خلفه البرماوي [1106 ه]، فالتشرتي (1120 ه)، فالقليني، فالشيخ محمد شثن (1133 ه)، فالشيخ الفيومي (1062- 1137 ه)، فالشيخ عبد الله الشبراوي (1171 ه) و له شعر صوفي رفيع، فالشيخ الحفتي (1100- 1181 ه)، و له شعر صوفي رمزي باللغة العربية و اللغة الشعبية الدارجة؛ ثم الإمام السجيني (1182 ه)، فالدمنهوري (1192 ه).

و في عصر الأتراك العثمانيين قاد الأزهر حركات التحرر الكبرى، و من بينها: ثورة الإمام الشيخ الدردير التي قادها عام (1200 ه- يناير 1786 م)، و ثورة الإمام الشيخ عبد الله الشرقاوي عام 1209 ه- 1795؛ و قد كسب الشعب المصري من الثورة الأولى مبدأ دستوريا جليلا هو وجوب‏

212

احترام الحاكم لإرادة المحكومين، و كسب من الثانية مبدأ آخر هو أن الأمة مصدر السلطات، و كانت بمثابة إعلان لحقوق الإنسان سبق به شعب مصر غيره من الشعوب، كما اعترف بذلك المؤرخون في الشرق و الغرب.

و قد حمل علماء الأزهر و طلابه عب‏ء الجهاد لتحرير مصر من الاحتلال الفرنسي منذ دخل جيش نابليون بلادنا فاتحا.

كما قام الأزهر بثورة أخرى بقيادة عمر مكرم في صفر 1220 ه:

1805 م لإنهاء النفوذ التركي من مصر، و هي الثورة التي استغلها محمد علي، فحولها إلى مغانم شخصية له و لأسرته.

و الثورة العرابية هي في الحقيقة ثورة قام بها أحد أبناء الأزهر و خريجيه، و هو الزعيم أحمد عرابي، و وقف علماء الأزهر معه يؤيدونه و يدعمون ثورته، و لكن خيانة توفيق جرت على الوطن الاحتلال الانجليزي البغيض.

و قامت ثورة شعبية بقيادة أزهري آخر هو سعد زغلول، و ذلك في مارس من عام 1919، لإنهاء الاحتلال الانجليزي لمصر.

و من أعظم حركات الإصلاح في العالم الإسلامي في العصر الحديث حركة الإمام محمد عبده، و هو من أجل شيوخ الأزهر، و أعظم علمائه، و من تلامذته: محمد مصطفى المراغي، عبد المجيد سليم، محمد الأحمدي الظواهري، مصطفى عبد الرزاق، إبراهيم حمروش، محمد مأمون الشناوي، و هم من أشهر شيوخ الأزهر في العصر الحديث.

- 6-

و قد أكد صبغة الأزهر الجامعية شيخان جليلان من كبار شيوخه في العصر الحديث هما: الشيخ محمد الأحمدي الظواهري الذي أصدر قانون رقم 49 لسنة 1930 بإنشاء كليات جامعية في الأزهر، و الشيخ محمد

213

مصطفى المراغي، الذي أصدر قانون رقم 26 لسنة 1936 بشأن إصلاح الأزهر و تأكيد الصبغة الجامعية له و إنشاء دراسات عليا فيه.

و كان أعظم حدث علمي في تاريخ الأزهر الحديث هو صدور قانون تطوير الأزهر المعروف بقانون رقم 103 لعام 1961، و بمقتضى هذا القانون قامت في الأزهر الجامعة العلمية الكبرى، تضم كليات إسلامية، و كليات علمية، و أخذت من القانون سند وجودها الرسمي، و إن كان لها من التاريخ سند وجودها الفعلي.

و كما تولى مشيخة الأزهر الشيخ حسن مأمون، و إدارة جامعة الأزهر الدكتور محمد البهي، و الشيخ أحمد حسن الباقوري‏

و حلقات الأزهر العلمية الجليلة تعيش اليوم كما كانت تعيش خلال الأجيال، لتحمل عن العالم الإسلامي رسالة الإسلام الروحية و الدينية و الثقافية، و لتؤديها ناصعة بيضاء كخيوط الفجر، مشرقة هادية كضوء الشمس، و من هذه الحلقات تخرج زعماء العالم الإسلامي القديم، و يتخرج شباب المسلمين اليوم، لأن هذه الحلقات هي عن جدارة بمثابة مصنع يصنع الرجال و الأبطال في كل عصر، و كل مكان من بلاد الإسلام و المسلمين.

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

الجامع الأزهر (1)

كان بناء (المسجد) أول ما يفكر فيه المسلمون عند إنشاء مدينة جديدة، أو استيلائهم على مدائن غيرهم، و قد وضع هذه السياسة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الذي كتب إلى ولاة الأمصار باتخاذ مساجد للجماعة في العاصمة.

و قد نفذت هذه السياسة في مصر منذ الفتح الإسلامي، حيث أسس عمرو بن العاص مدينة (الفسطاط) سنة 21 ه، و بنى فيها جامعة العتيق.

و لما جاء العباسيون أسس صالح بن العباسي مدينة (العسكر) سنة 133 ه، و بنى الفضل ابنه مسجد العسكر سنة 169 ه، و كان قد ولى مصر من قبل الخليفة المهدي على صلاتها و خراجها، فدخلها سلخ المحرم سنة 169 ه.

فلما استقل أحمد بن طولون بمصر بنى مدينة (القطائع) لتكون عاصمة لدولته سنة 256 ه، ثم أنشأ بها جامعه المشهور سنة 263 ه.

و لما استولى جوهر الصقلى قائد المعز لدين الله الفاطمي على مصر

____________

(1) الوعي الإسلامي- ذو الحجة 1388 ه.

216

أسس (القاهرة و بنى بها (الجامع الأزهر) سنة 359 ه، فأنشى‏ء الأزهر غداة ظفر الفاطميين بملك مصر، و مع قيام القاهرة العاصمة الجديدة (1)، فكان الأزهر خير ما خلفه الفاطميون لمصر، بل و للعالم الإسلامي أجمع، فكان بيتا من بيوت اللّه، يعمر النفوس بالإيمان، و يهديها سواء السبيل، ثم صار جامعة دينية إسلامية كبرى، يؤمها طلاب العلم من جميع الأقطار الإسلامية، و يتخرج فيها العلماء و الأئمة في جميع العلوم و الفنون.

تاريخ إنشائه‏

و قد بدى‏ء بإنشاء الأزهر في 24 من جمادي الأولى سنة 359 ه (970 م)، و تم بناؤه في عامين و بضعة أشهر، و افتتح للصلاة في يوم الجمعة السابع، أو التاسع من رمضان سنة 361 ه (972 م)، و سمى (بجامع القاهرة) اسم العاصمة الجديدة، أما تسميته (بالجامع الأزهر) فقد جاءت متأخرة بعد إنشاء القصور الفاطمية في عهد العزيز بالله (365- 386 ه) التي أطلق عليها اسم (القصورة الزاهرة) و من ثم أطلق اسم (الجامع الأزهر)، أو أنه سمي (الجامع الأزهر) تفاؤلا بما سيكون له من مستقبل زاهر، و مكانة سامية بازدهار العلوم فيه، و إن كان المرجح أن هذه التسمية مشتقة من لفظ (الزهراء) لقب السيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول عليه الصلاة و السلام، و زوج الإمام علي رضي اللّه عنه التي نسبت إليها الدولة الجديدة، و سميت باسمها، و قد ظل المسجد الجديد يعرف (بجامع القاهرة، و الجامع الأزهر) ثم تلاشى الاسم الأول مع الزمن و غلب عليه اسم (الجامع الأزهر) إلى اليوم.

____________

(1) دخل جوهر مصر في يوم الثلاثاء 17 من شعبان سنة 358 ه، و اختط مدينة القاهرة يوم السبت لست بقين من جمادي الآخرة سنة 359 ه بعد عام من فتحه لمصر، و حينما انتقل إليها المعز لدين الله سنة 363 ه أصبحت عاصمة الخلافة الفاطمية.

217

و الغرض منه‏

و كان الغرض من إنشائه أن يكون المسجد الرسمي للدولة في حاضرتها الجديدة، و ليكون موطن الدعوة الشيعية، و رمز سيادة الدولة الروحية، و كانت له فوق ذلك أهمية رسمية خاصة، ففيه كان جلوس قاضي القضاة، و فيه مركز المحتسب العام، و فيه كان يعقد كثير من المجالس الخلاقية و القضائية.

فالجامع الأزهر عند إنشائه كانت له الصفة الدينية و الرسمية كسائر المساجد الأخرى، غير أنه لم يلبث أن اتخذ له صفة أخرى هي الصفة (العلمية التعليمية)، و ذلك عند ما فكر الخلفاء الفاطميون في نشر مذهبهم الجديد، عن طريق دروس تلقى في حلقاته، لأن جامع عمرو، و جامع ابن طولون قد جرت الدراسة فيهما، وفق تقاليد علمية، لا تساير تعاليم المذهب الشيعي الجديد فكان من المناسب أن يكون المسجد الجديد (الأزهر) هو المكان المختار، لنشر تعاليم مذهبهم، و أصبح (الجامع الأزهر) مدرسة علمية يتلقى فيها طلاب العلم و رواده الذين قصدوه من كل صوب مختلف العلوم و الفنون، بجانب نشر دعوتهم، و مذهبهم الشيعي الجديد، و سبق الأزهر بصفته العلمية غيره من المساجد الأخرى، التي كانت تقوم إلى جانبه، و ظل مدى قرون، و لا يزال مقصد طلاب العلم من كافة أرجاء العالم الإسلامي.

أول درس فيه‏

و أول درس ألقي في (الجامع الأزهر) ألقاه قاضي القضاة (أبو الحسن علي بن النعمان) في صفر سنة 365 ه في أواخر أيام المعز الفاطمي، قرأ فيه مختصر أبيه في فقه آل البيت المسمى (الاقتصار)، و حضر درسه جمع حافل من العلماء، و الكبراء، و أثبتت أسماء الحاضرين‏

218

في سجل تخليدا لهذا الحدث الجديد، ثم توالت حلقات بني النعمان، و قد أسهمت هذه الأسرة في نشر المذهب الشيعي، و خدمت الفاطميين في بث دعوتهم، و نشر مذهبهم في المغرب و مصر (1)، و كانت في الواقع دروسا مذهبية خالصة أعدت للدعاية السياسية و المذهبية.

ابن كلس‏

و في رمضان سنة 369 ه جلس (يعقوب بن كلس‏ (2)) وزير الخليفة العزيز بالله في الجامع الأزهر، و قرأ على الناس كتابا ألفه في الفقه الشيعي على مذهب الإسماعيلية، و توالى جلوسه بعد ذلك لقراءته في الأزهر، و كان يحضر دروسه الفقهاء و القضاة، و كبار رجال الدولة، كما كانت له مجالس علم في داره، يجتمع فيها الفقهاء و غيرهم من أهل العلم و المعرفة في سائر العلوم و الفنون.

و لم تقف جهود ابن كلس عند هذا الحد، فأراد أن يجعل (الجامع الأزهر) معهدا للدراسة المنظمة المنتظمة، فطلب من الخليفة العزيز بالله تعيين جماعة من الفقهاء للدرس و القراءة في أوقات منتظمة مستمرة و ذلك سنة 378 ه، على أن تعقد حلقاتهم في الأزهر، و أن يجري عليهم الأرزاق، فاستحسن الخليفة الفكرة، و أجابه إلى ما طلب، و كانوا

____________

(1) عميد هذه الأسرة هو. النعمان بن محمد الفقيه الشيعي المعروف (بأبي حنيفة النعمان) قدم القاهرة مع المعز و توفى بها سنة 363 ه، و قد ولى القضاء بعده أبناؤه و أحفاده و أبناء اخوته. (انظر كتاب. التعليم في مصر في العصر الفاطمي الأول للأستاذ خطاب عطية علي، طبعة 1947 م، هامش 2 ص 105).

(2) ابن كلس، هو أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، كان يهوديّا من أهل بغداد، اتصل بخدمة كافور الأخشيدي بمصر فأظهر خبرة و براعة، ثم أسلم بعد ذلك فارتفعت مكانته في بلاط كافور، و نال حظوته، ثم أنه رحل إلى المغرب فرارا من وجه الوزير. أبي الفضل جعفر بن الفرات الذي استبد بالأمر في مصر بعد موت كافور، و اتصل بالمعز فقر به و أكرمه، ثم وزر لابنه العزيز بالله، و كان يحظى عنده بمكانة ممتازة، فلما اعترته علة الموت عاده الخليفة العزيز بالله، و لما توفى سنة 380 ه صلى عليه، و ظهر الحزن في وجهه لفقده، و أمر بغلق الدواوين أياما بعده.

219

نيفا و ثلاثين فقيها، فكانوا يحضرون في كل يوم جمعة للصلاة بالأزهر، و يأخذون في قراءة الفقه، و مدارسة الحكمة، و عقائد الدين إلى صلاة العصر.

و هكذا بدأت الدراسة في (الجامع الأزهر)، و اتخذ منذ ذلك التاريخ صفته التعليمية، و قصده الطلاب من كل صوب، و أصبح به طلبة متفرغون للدراسة، و قد وفرت الدولة للمدرسين و الطلاب ما يعينهم على الدراسة و التحصيل حتى لا تشغلهم مطالب الحياة، أو السعي وراء الرزق، فرتبت لهم الأرزاق و الجرايات، و بنت لهم المساكن، و قدمت لهم الكسوة في كل عيد، و يسرت لهم سبل الركوب و الانتقال احتراما لهم، و تقديرا لعلمهم، و استطاع (الأزهر) بما فيه من أساتذة رسميين، و طلاب منتسبين تجري عليهم جميعا الأرزاق الدائمة أن يكون معهدا للدرس، و أن يبدأ حياته العلمية الحافلة المديدة.

و كان الصبغة المذهبية هي الغالبة على الدراسة في الأزهر و لا سيما في أول عهده، لأنه كان مركزا لمجالس الحكمة التي كان يعقدها الدعاة فيه، و التي كانت غايتها بث الدعوة الفاطمية، و توطيد إمامتها، فكانت علوم الشيعة و فقه آل البيت تحتل من حلقاته الدينية المقام الأول، غير أن هذا لم يمنع من تدريس علوم الدين، و اللغة و فروعها، و كان للعلوم الدينية بنوع خاص أوفر نصيب، كما كانت تدرس به علوم: الفلسفة، و المنطق، و الطب، و الرياضيات و إن كان ذلك في حدود ضيقة.

دار العلم أو دار الحكمة

ظل الجامع الأزهر المركز العلمي الرئيسي للثقافة الشيعية، و العلوم الدينية، و العربية، و الكونية حتى ظهر له منافس خطير هو (دار العلم) التي أنشأها الخليفة الفاطمي الحاكم سنة 395 ه (1)، فقد انتزعت منه الكثير من‏

____________

(1) و قيل انشئت دار العلم سنة 400 ه، و قد عنى الخليفة الحاكم بها عناية بالغة، و ألحق بها

220

رواده، و تفوقت عليه، و أثرت في سير الدراسة به، بسبب ما وجد بها من دراسات مختلفة للغة، و المنطق، و الفلسفة، و الطب و الرياضيات في حرية و انطلاق، و لتشجيع الخليفة الحاكم لطلابها، غير أن ازدهار (دار العلم) كان قصيرا، لما انتابها من اضطرابات أخلت بالتعليم فيها، و بقي الأزهر ملاذا للعلوم الدينية، و العربية، و لم يقلل قيام (دار العلم) من شأنه كمعهد للقراءة، و الدرس.

و بقيت الصفة (التعليمية) مميزة للجامع الأزهر طوال العصر الفاطمي، فزاد عدد طلابه و أساتذته، و كثرت أروقته، و حلقات التعليم به، و نمت الدراسة فيه و ازدهرت، حتى بدأ يجتذب إليه الطلاب و العلماء من خارج مصر، و استطاع أن يكون (جامعة علمية) جليلة القدر، و أن يسدي إلى الدين و اللغة أجل الخدمات على مر السنين، حتى غدا كعبة لقصاده من سائر الأقطار الإسلامية، كما قال المقريزي في خططه. «و لم يزل في هذا الجامع- الأزهر- منذ بني عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، و بلغت عدتهم في هذه الأيام- سنة 818 ه- سبعمائة و خمسين رجلا ما بين عجم، و زيالعة- نسبة إلى زيلع- و من أهل ريف مصر، و مغاربة و لكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن، و دراسته، و تلقينه، و الاشتغال بأنواع العلوم، و الفقه، و الحديث، و التفسير، و النحو، و مجالس الوعظ، و حلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله، و الارتياح، و ترويح النفس ما لا يجده في غيره، و صار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب و الفضة

____________

- مكتبة نقل إليها من قصور الخلافة الكثير من الكتب في سائر العلوم و الفنون، و كانت تعرف المكتبة، بدار الحكمة، فدار العلم كانت. مدرسة، و مكتبة، و كذا عرفت. «بدار العلم حينا، و بدار الحكمة حينا آخر»، لأنها جمعت بين ما كانت تقوم به خزائن الحكمة كدور للكتب، و ما كانت تقوم به دور العلم من تعليم، و ظلت تؤدي رسالتها حتى زالت الدولة الفاطمية سنة 567 ه، على يد صلاح الدين الأيوبي فجعلها مدرسة سنية لدراسة المذهب الشافعي طبقا لسياسته في محاربة التشيع.

221

و الفلوس، إعانة للمجاورين فيه على عبادة اللّه تعالى، و كل قليل تحمل إليه أنواع الأطعمة و الخبز و الحلاوات لا سيما في المواسم.

في عهد الدولة الأيوبية

استمر الأزهر في أداء رسالته العلمية، يحمل مشعل المعرفة الوهاج، حتى غدا منار العلم و موئل العلماء طوال العهد الفاطمي، فلما قامت الدولة الأيوبية بدأ نجمه في الأفول، لأن السلطان صلاح الدين الأيوبي قد عمل منذ اللحظة التي استقل فيها بحكم مصر سنة 567 ه على محاربة التشيع، و نشر المذهب السني، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر مركز الدعوة الشيعية أبطلها قاضي القضاة الشافعي في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، المسمى: (صدر الدين عبد الملك بن درباس)، لأن الشافعية لا يجيزون إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، و أقرها في جامع الحاكم، و بقي الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه نحو مائة عام، إلى أن أعيدت إليه في عهد المماليك (الظاهر بيبرس البندقداري) سنة 665 ه.

في أيام المماليك‏

غير أن هذه المحنة لم تؤثر فيه، فقد تابع حياته العلمية، و وجد في ظل المماليك الرعاية الكاملة، و برزت صفته العلمية بروزا واضحا في عصرهم، و تمكن من المحافظة على التراث الإسلامي خلال المحنة التي حلت بالشرق الإسلامي من جراء الغزو المغولي، ثم ما أصيبت به معاهد العلم و المساجد في الأندلس، و بلاد المغرب من ذبول و ضعف، مما جعله مقصد العلماء و الطلاب من المشرق و المغرب، يجدون في رحابه الملجأ و الملاذ، و غدت القاهرة- مقر الجامع الأزهر، و كرسي الخلافة الإسلامية- قلب العالم الإسلامي النابض، و أمل العروبة و الإسلام، و اعتبر عصر المماليك بحق. «العصر الذهبي للجامع الأزهر» من حيث الإنتاج العلمي‏

222

الممتاز، و محافظته على التراث الإسلامي، و قيامه على أداء رسالته العلمية و التعليمية للمسلمين كافة، و احتلاله مركز الزعامة.

في عهد الأتراك‏

و أصل الأزهر سيره، يؤدي واجبه في خدمة الدين و الثقافة بهمة فائقة، و نشاط كبير، حتى منيت البلاد بالفتح التركي العثماني سنة 923 ه (1517 م) فحلت بالديار المصرية الكارثة، و اغتصب السلطان سليم الأول خير ما فيها من تحف و آثار، و كتب نفيسة، و سلب البلاد عمالها و صناعها، و بعث بكل ذلك إلى القسطنطينية العاصمة، و كان طبيعيا أن يصيب الأزهر ما أصاب البلاد من أضرار جسيمة، فاختفت من رحابه الصفوة الممتازة من علمائه الأعلام، و خفت صوته و انكمشت أهدافه و برامجه الدراسية، و اقتصرت الدراسة فيه على العلوم الدينية، و العربية، و اختفت العلوم الرياضية، و الفلسفية، و الطبية و غيرها من سائر العلوم الكونية، و خيم عليه ركود طويل كاد يقضي عليه، و يخمد أنفاسه.

و حين جاءت الحملة الفرنسية

و على غير انتظار احتل الفرنسيون الديار المصرية سنة 1213 ه (1798 م) فأيقظت حملتهم الأزهر من سباته، و نبهته من غفوته، و وجد نفسه تحت ضغط الظروف و الحوادث، تشارك في الحركة القومية بتعبئة قوى الكفاح الشعبي ضد المستعمر الجديد، و غرس الكراهية في النفوس ضد الفرنسيين، الدخلاء، فلعب دورا سياسيا خطيرا إبان الاحتلال الفرنسي، و احتل موضع القيادة الروحية، و الزعامة السياسية في البلاد، فكانت يقظة قومية وطنية قبل أن تكون يقظة علمية، قادها كبار رجال الأزهر بزعامة شيخ الأزهر (الشيخ عبد الله الشرقاوي)، و ثارت القاهرة مرتين في وجه الفرنسيين، ثم قتل (كليبر) نائب نابليون بيد (سليمان الحلبي) المنتمي‏

223

إلى الأزهر و ازعجت هذه الأحداث الفرنسيين، فنزحوا عن البلاد نهائيا بتسليم الجنرال (مينو) في شهر ربيع الآخر سنة 1216 ه (سبتمبر سنة 1801 م) بعد أن مكثوا بها ثلاث سنوات و بضعة أشهر، أرهقوا فيها أهل البلاد عامة من أمرهم عسرا، و نالوا من قداسة الجامع الأزهر و كرامة أهله.

في عهد محمد علي‏

فلما آل حكم الديار المصرية إلى «محمد علي» سنة 1220 ه (1805 م) لم يجد الأزهر عطفا من النهضة القومية في بادى‏ء الأمر، و لم يحفظ سيد البلاد الجديد الجميل لعلماء الأزهر الذين ارتقى على أكتافهم إلى منصب الولاية، و ابتدأ عهده بالاستيلاء على أملاك الأزهر الخاصة الواسعة، و فقد الأزهر بسبب اغتصاب أوقافه أهم موارده المالية، و مع ذلك فإن رغبة محمد علي في الإصلاح، و في إقامة بناء دولته الجديدة على أسس سليمة جعلته يرغب في الاسترشاد بالأفكار الأوروبية، فاتجه إلى إرسال البعوث العلمية إلى الخارج، فأنشأ في سنة 1242 ه (1826 م) البعثة العلمية إلى باريس، و اختار لها نخبة من أنجب طلاب الأزهر ليتلقوا العلم على أساليب جديدة (1)، فكانت هذه خطوة عملية نحو إصلاح الأزهر و إدخال أساليب البحث الحديث فيه، و الاهتمام بالعلوم الحديثة التي كانت مهملة، غير أن الأزهر لم يستجب لهذه المحاولة، و ظل متمسكا بأسلوبه القديم، كما عارض رجاله بشدة دعوة الزعيمين جمال الدين الأفغاني، و الشيخ محمد عبده في إصلاح الأزهر، و ضاعت جهودهما في سبيل إصلاح الأزهر هباء، و إن كانت دعوتهما قد أثمرت في خارجه حيث وجدت استجابة من بعض شباب البلاد، و نشأ جيل من المفكرين الأحرار شارك فيما بعد في إصلاح الأزهر.

____________

(1) من بين أعضاء هذه البعثة، رفاعة بك الطهطاوي الذي عد شيخ المترجمين، و إبراهيم بك النبراوي أحد نوابغ البعثة الطبية، و أحمد حسن الرشيدي بك من أكابر خريجي مدرسة الطب، و البعثات، و غيرهم كثير، كان لهم جميعا على النهضة المصرية فضل كبير.

224

لم يحل جهود الأزهريين دون بذل عدة محاولات لإصلاح الأزهر بإصدار القوانين المنظمة له، فصدر أول قانون سنة 1288 ه (1872 م) في عهد مشيخة الشيخ محمد العباسي المهدي، و أدخلت بمقتضاه عدة إصلاحات على مناهج الدراسة، و نظام الإدارة، و يقرر إدخال (امتحان الشهادة العالمية، و امتحان الطلاب الراغبين في الحصول عليها، أمام لجنة بعينها شيخ الجامع الأزهر من بين علمائه).

ثم في عهد مشيخة الشيخ سليم البشري صدر القانون رقم 10 لسنة 1911 م الذي يعتبر من أهم قوانين إصلاح الأزهر في حينه، و أكثرها عناية بمناهجه، و خطة الدراسة فيه، و بمقتضاه حددت اختصاصات شيخ الأزهر، و أنشى‏ء مجلس الأزهر الأعلى، و جماعة كبار العلماء، و شيوخ المذاهب الأربعة، و أدخلت العلوم الحديثة فيه.

كما صدر في عهد مشيخة الشيخ محمد الأحمدي الظواهري المرسوم بقانون رقم 49 لسنة 1930 م، الخاص بإعادة تنظيم الجامع الأزهر، و المعاهد الدينية العلمية الإسلامية، و الذي حولت بموجبه الدراسة العالية بالأزهر (القسم العالي) إلى كليات ثلاث، و إلى إنشاء أقسام للتخصص في المادة، و المهنة بعد الحصول على الشهادة العالية من إحدى الكليات، و لذا فإن هذا القانون يعتبر بحق أول خطوة رسمية في تمكين الجامع الأزهر من مسايرة التقدم العلمي و الاجتماعي في العصر الحاضر في تزويد طلابه بما يجب أن يحيط به رجل الدين الحديث من العلوم و من الاتجاهات.

مشيخة الشيخ المراغي‏

ثم كانت خطوة أوسع نحو الإصلاح على عهد مشيخة الشيخ محمد مصطفى المراغي الثانية (1935- 1945 م) بصدور المرسوم بقانون رقم 26 لسنة 1936 م، و قد نجح هذا القانون في معالجة الكثير من مشاكل‏

225

الإصلاح في الأزهر، و في النهوض بالأزهر إلى مستوى الجامعات الحديثة الكبرى، و قد أرفق الشيخ المراغي مشروع هذا القانون بمذكرة أوضح فيها وجهة نظره، و أنه يريد للأزهر أن يساير الحياة المعاصرة عن فهم و إدراك، كما أنه يريد بهذا الإصلاح أن يفي الأزهر بالأغراض التي تحقق آمال المسلمين فيه، و ترجع به إلى عصوره الزاهرة من البحث العلمي السليم، و التفكير الحر، و دراسة الفنون التي تتفق مع طابعه القديم، و تطابق مقتضيات العصر، و تلبي رغباته، و أن يتصل بالنهضة الحديثة في الغرب عن طريق تعلم اللغات الأجنبية ليرد شبهات المضللين، و يدفع التهم الموجهة إلى الدين في كتابات الأجانب المغرضين، و يفيد من طريقة وضعهم للكتب، و معالجتهم للمسائل العلمية، و نورد فيما يلي بعض فقرات من تلك المذكرة، فقد جاء فيها. «.. و نحن إذ نحاول إصلاح الأزهر نريد أن نوجد طالبا يفهم مسائل العلم فهما صحيحا، و يفهم أغراضها، و صلتها بأدلتها، و صلتها بعضها ببعض، و يستطيع التطبيق على الجزئيات، و يستطيع الاستنباط و التدليل، و يستطيع فهم الكتب القديمة التي ألفت في العصور المختلفة في جميع الفنون الإسلامية، ...، و أحب أن توجد كتب في جمع الفنون الحديثة على أسلوب عربي صحيح مناسب لأذواق الأجيال الحاضرة، تهذب فيه المسائل على أحسن ما وصل إليه التحقيق العلمي، و أن تحيا الكتب القديمة الجيدة في الأسلوب و الوضع، ...، هذا الذي نحاوله بالتجديد. يجب- على ما أرى- أن يضعه الناس أمامهم، و أن يجدوا للوصول إليه، ...، و لقد كان أسلافنا أشد الناس عناية بالعلم، فلم يمض الزمن القليل حتى أخذوا علم اليونان، و أدب الفرس، و حكمة الهند و استعانوا بذلك كله في تفسير القرآن، و في وضع علم الكلام على الأسس التي نراها في مثل المواقف و المقاصد، و استعانوا به في تنظيم مسائل العلوم جميعها، فلم يخل علم من أثر الفلسفة و المنطق، و لقد كانت لهم محاولات جديرة بالإعجاب في التوفيق بين الدين‏

226

و نظريات الفلسفة، ... و تغيرت نظريات الفلسفة، و حدثت نظريات أخرى، و كان من شأن هذا كله أن توجه على الأديان جملة، و على الإسلام خاصة حملات، و صار من الواجب الحتم على علماء المسلمين أن يحيطوا علما بكل ما يوجه إلى الأديان عامة، و إلى الإسلام خاصة من مطاعن، و أن يردوا تلك المطاعن التي توجه إلى الإسلام، و يذودوا عن عقيدتهم بأدلة ناصعة، و أسلوب مقنع ممتع، ليجنبوا المتعلمين تعليما مدنيا الشبه الزائفة، و ليضموا إلى الإسلام أفرادا و شعوبا من الأمم التي تتطلع إلى الإسلام، و تبتغي الوقوف على خصائصه و مزاياه، و هذا لا يتم لهم على ما ينبغي إلا بالاتصال بغيرهم اتصالا علميا، و بتعرف اللغات الحية التي يكثر فيها الانتاج العلمي، و التي يتناول بها العلماء مسائل الإسلام، و مسائل اللغة العربية، لذلك وجب أن يكون لأهل الأزهر نصيب من هذه اللغات، و هنالك فائدة أخرى لتعلم اللغات، و هي أنها تساعد على معرفة طريقة وضع الكتب، و على معرفة الأسلوب الحديث في التأليف و التفكير، و طريقة عرض المسائل على أنظار المتعلمين ..... الخ ..».

بهذا الإصلاح يكون الشيخ المراغي قد أتم ما بدأه الشيخ محمد عبده، و قد كرس الشيخ المراغي فترة السنوات العشر التي أعقبت صدور القانون رقم 26 لسنة 1936 م على تنفيذ هذه الإصلاحات حتى لقي ربه في الثاني و العشرين من أغسطس سنة 1945 م (رحمه اللّه).

و قد تعاقب على كرسي مشيخة الجامع الأزهر بعد الشيخ المراغي عدد من جلة شيوخ الأزهر هم. الشيخ مصطفى عبد الرزاق، و كان مؤمنا بالإصلاحات التي أدخلها الشيخ المراغي، غير أن المنية قد عاجلته سنة 1947 م ثم الشيخ محمد مأمون الشناوي، و الشيخ عبد المجيد سليم للمرة الأولى، و الشيخ إبراهيم حمروش، و الشيخ عبد المجيد سليم للمرة الثانية، و الشيخ محمد الخضر حسين، و الشيخ عبد الرحمن تاج، و الشيخ محمود شلتوت، و قد صدرت خلال هذه الحقبة عدة قوانين معدلة للقانون‏

227

رقم 26 لسنة 1936 م، و القانون رقم 40 لسنة 1956 م، ثم القرار الجمهوري رقم 1525 لسنة 1959 م، و كلها تستهدف إصلاح الأزهر و النهوض به، و الارتفاع بمستواه العلمي و المادي.

و هكذا تقلبت الأحوال بالأزهر من عسر و يسر، و ذاق خلالها حلاوة العزة و القوة، و مرارة الوهن و الضعف خلال فترة تجاوزت الألف عام من عمره المديد، و رغم الظروف و الأحداث التي مرت به لم يقصر في أداء واجبه، و ظل عامرا بالطلاب، زاخرا بالعلماء يؤدي رسالته العلمية و الوطنية في ثقة و اطمئنان، و أخيرا صدر القانون رقم 103 لسنة 1961 م بشأن إعادة تنظيم الأزهر، و الهيئات التي يشملها في عهد الشيخ محمود شلتوت، و أصبح الجامع الأزهر لأول مرة بموجب هذا القانون (جامعة)، و أضيف إليه عدد من الكليات بجانب كلياته الثلاث السابقة، و أصبحت كليات (جامعة الأزهر) الجديدة اليوم هي، المعاملات و الإدارة (التجارة) و البنات الإسلامية، و الهندسة و الصناعات، و الطب، و الزراعة، و التربية، و قد ترك الباب مفتوحا لإنشاء كليات أخرى- غير الكليات التسع- و معاهد عالية طبقا لحاجة التطور و مسايرته.

و كان هذا التطور الجديد ضرورة تحتمها الحياة المعاصرة، و تقتضيها ظروف المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي الذين ينظرون إلى الأزهر على أنه من بين مقدساتهم، لجليل نفعه، و عظيم أثره في خدمة علوم الدين و اللغة، و حفظ تراث الإسلام و العروبة.

و قد نوهت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 103 لسنة 1961 م بمكانة الأزهر، و ما يرجى له من مستقبل، و بما يمكن أن يؤديه من خدمات جليلة في جميع أجراء العالم الإسلامي بعد إعداد أهله وفق أهداف هذا القانون، فقد جاء فيها: «... لقد قام الأزهر بدور عظيم في تاريخ العلم، و في تاريخ الإسلام، و في تاريخ العروبة، و في تاريخ الكفاح القومي على توالي‏

228

العصور، و وقف قلعة شامخة في وجه كل المحاولات لاستعبادنا، و السيطرة علينا، و تحطيم كياننا القومي و الروحي»، «و كانت التقاليد العلمية في الأزهر أساسا للنظام الجامعي، و التقاليد الجامعية في كل بلاد الدنيا، فهو أقدم جامعة في العالم، و إن لم يكن اسمه بين أسماء جامعاتنا».

(و من علم الأزهر شع نور الإسلام في بلاد كثيرة من أفريقيا، و من آسيا، و أزداد عدد المسلمين عشرات الملايين، و كانت بعوث الأمم المختلفة إلى الأزهر سببا لتوثيق علاقاتنا ببلاد كثيرة، و شعوب كثيرة منذ أقدم العصور إلى اليوم، و قد اكتسب اسم الأزهر بذلك قدسية، و اكتسب المنتسبون إليه احتراما، و صار رأيه هو الرأي في كل ما يتعلق بالعقيدة و الشريعة، و صار هو الجامعة الإسلامية الكبرى في الشرق و الغرب، لا يطلب أحد علوم الإسلام إلا عن طريق الأزهر، و لا تتجه قلوب المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها إلى معهد يفد إليه أولادهم للتزود من أسباب المعرفة غير الأزهر .... الخ).

ثم تناولت المذكرة بالتفصيل المبادى‏ء التي تحقق ما يهدف إليه القانون من إصلاح الأزهر حتى يعود إليه شبابه، و ترتفع مكانته، و ينهض برسالته في الداخل و الخارج و يصبح ابن الأزهر قادرا على المشاركة بدور إيجابي نافع لمجتمعه خاصة، و المجتمع الإسلامي عامة، «و حتى يتوافر للأمة نوع من الخبرات التي تملك إلى جانب العقيدة الواعية كفاية عملية و مهنية و علمية، تشارك في مجالات العلم و الإنتاج في نفس الوقت الذي تدعو فيه إلى سبيل اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة».

فالأزهر اليوم سيد جامعات الإسلام دون منازع، و إليه يرجع الفضل في صيانة الثقافة الإسلامية العربية في ظلمات العصر التركي العثماني بمصر، و في مقدور الأزهر اليوم أن يشق طريقه في ظل هذا التطوير، و تلك الرعاية التي تظله بها الدولة ليؤدي إلى العالم الإسلامي أعظم الخدمات،

229

و يضيف إلى مآثره القديمة مجدا جديدا إذا جدد نفسه، و فهم رسالة الإسلام العلمية كما كان يفهمها سلفنا العظيم، حتى تتأكد زعامته، و تتألق مشاعل المعرفة من أرجائه، حتى يعم نورها أرجاء المعمورة، ذلك ما نرجوه، و اللّه ولي التوفيق.

230

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

231

بين الأزهر و جامعة القرويين‏

هناك التشابه بين الأزهر الذي قام بالقاهرة و جامع القرويين الذي قام بفاس في نقطة البداية. كل منهما قام على أنه مسجد، ثم أصبح بعد ذلك مسجدا جامعا لفترة من الفترات، ثم مقرا للدراسات الإسلامية و العربية.

و عند ما صار كل منهما مقرا للدراسات الإسلامية و العربية تناولت الدراسة فيهما جميع فروع المعرفة المختلفة التي يتكون منها التراث الإسلامي و العربي.

فبجانب علوم اللغة و الفقه و علوم التفسير و الحديث و العلوم الأخرى الدينية كانت الطبيعة و كان الطب و كانت الرياضة و كانت الفلسفة، كل منها يكون جانبا من جوانب فروع المعرفة التي عنى بها الأزهر و جامع القرويين.

و كان لكل فرع من هذه الفروع علماء مبرزون هنا و هناك يرحل إليهم طلاب العلم و يقيمون لديهم فترة طويلة أو قصيرة للتلمذة عليهم في موضوع المعرفة و التعرف على منهجهم في البحث. و كان من أشهر العلماء في الأزهر الأئمة العلماء: ابن الحاجب، و خليل و الخرشي، و الزرقاني، و العدوي، و الدرديري، و الأمير، و البناني، و ابن السبكي، و جلال الدين المحلي، و السيوطي، و شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، و ابن حجر، و العيني،

232

و الأسنوي، و الأشموني، و الصبان، و الملوي، و ابن الهيثم الذي وضع الأسس العلمية لنظريات نيوتن في علم الطبيعة. و كان من أشهرهم في القرويين: الأئمة العلماء الحافظ أحمد بن علي بن قاسم الزقاق، و المفتي محمد بن قاسم القصار، و الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف الصنهاجي، و المتكلم أبو عمرو السلالجي و هو من طبقة أبي المعالي الجويني في الشرق، و المحدث ابن رشيد السبتي و الحافظ أبو العلاء العراقي، و اللغوي ابن زاكور، و الرياضي ابن البناء المراكشي، و الطبيب أبو القاسم الوزير

و كان هناك تشابه بين الأزهر و جامع القرويين في طريقة الدرس و في منهاج البحث: فكانت هناك الحلقة، و كانت هناك المناقشة، و كانت هناك المحاضرة و التعقيب عليها، و كان أسلوب الدراسة في واقع أمره أسلوبا لتربية العقل، و تخطيط طريق التفكير و الوصول إلى الحق في ذاته. و ما كان للجامع الأزهر و لجامع القرويين من أسلوب في البحث إذ ذاك هو ما للجامعات المعاصرة اليوم في منهج البحث.

و هناك التشابه فيما طرأ على التعليم في كل منهما من تغيير و ما أصابه من تقلبات، تبعا للعهود السياسية التي مرت على كل من القاهرة و فاس:

فنجد تشابها في طابع التعليم أيام أن حكم الفاطميون في مصر و الأدارسة في المغرب، و تشابها في طابع التعليم أيام حكم الأيوبيون بمصر و الموحدون بالمغرب. كما نجد تشابها في إطار المعرفة نفسه: اتسع فترة فشمل جميع الفروع المختلفة التي يضمها اسم التراث الإسلامي و العربي، و ضاق في فترة أخرى فلم يشمل علوم الرياضة و الطبيعة و الطب و الفلسفة.

و هناك تشابه كذلك بين الأزهر و القرويين فيما مر على التعليم في كل منهما من مراحل الإصلاح و التطور: سواء في طريقة التعليم أو في نظام الاختبار أو في تعدد المراحل أو في منهاج المواد، أو في تغيير الكتاب:

فقسمت مراحل التعليم في كل منهما إلى ثلاث، و أخذ بنظام المحاضرة

233

بجانب نظام الحلقة في طريقة التدريس، و رتبت كتب التعليم على حسب ما بينها من اختلاف في الحجم و في أسلوب التعبير، و على أية حال لم ينتقل التعليم في كل منهما طفرة ليساير الوضع الغربي سواء بسواء بسبب ما لكل منهما من طابع المحافظة على ما ورثناه من تراث روحي و فكري و علمي، و ما لهما من طابع التمسك بالقيم التي خلفها آباؤنا في حياتنا و توارثناها جيلا بعد جيل. و ربما كان لهذا الطابع الذي للأزهر و جامع القرويين على السواء دخل كبير في مقاومة الغزو الفكري، و الغزو السياسي و الاقتصادي للوطن العربي.

و يسوقنا من أجل ذلك الحديث عن وجه التشابه بين الأزهر و جامع القرويين في موقف كل منهما تجاه المستعمرين الغازين، و فيما قام به كل منهما من حمل راية الجهاد و الكفاح ضد المستعمر الأجنبي، و فيما أصاب كلا منهما من نقمة المستعمر و عنته، و فيما سببه المستعمر لحملة التراث الإسلامي و العربي في كل منهما من أذى و أضرار مادية و أدبية في المجتمع العربي الخاص و العام، و فيما ضيقه من خناق على هؤلاء و أقامه من عقبات في سبيل سعيهم في الحياة، و في الحصول على وضع في المجتمع يجعل منهم مواطنين لهم ما لمواطنيهم الآخرين من حقوق، و عليهم ما عليهم من واجبات.

و هناك التشابه بين الأزهر و القرويين في حفظ التراث الإسلامي و العربي و صيانته من التبديد و الضياع، فلم تفتر عناية كل منهما عن رعاية حفظ القرآن الكريم و درسه و تفهم معانيه و لم تفتر رعاية كل منهما عن نقل ما كان للأولين العرب و المسلمين إلى خلفائهم من بعد جيلا بعد جيل من أفهام في القرآن، و من حلول لمشاكل الحياة و من معارف كانت تدور في محيطهم الثقافي. و قد كانت صدور علماء و طلاب كل من الأزهر و جامع القرويين مقرا للقرآن الكريم، و كانت عقولهم مرجعا لتفكير المسلمين، و كانت‏

234

ألسنتهم تنطق بأسلوب كتاب اللّه، و هو الأسلوب العربي المبين، فحفظوا القرآن من التحريف، و حفظوا التفكير من الضياع.

و هناك التشابه بين الأزهر و القرويين في تأثر الأزهر بعلماء بغداد الذين وفدوا في عهد المماليك إلى القاهرة في سنة 656 ه بعد سقوط بغداد، و في تأثر القرويين بعلماء الأندلس الذين وفدوا إلى المغرب بعد سقوط الأندلس في القرن الرابع عشر الميلادي.

و هناك التشابه في حركة الإصلاح القوية التي قام بها محمد عبده في الأزهر في نهاية القرن التاسع عشر و الشيخ أبو شعيب الدكالي في القرويين في أوائل القرن العشرين.

و هناك التشابه بين الأزهر و جامع القرويين في تربية الحماس القومي، و ننمية الروح الوطني، و القيام بالحركات المعبرة عن سخط الوطن و تكوين الرأي العام، و الدفع إلى بقائه في النضال بين الدخلاء الغاضبين و بين أصحاب الوطن المعتدي عليهم.

كل هذه الأوجه من التشابه بين الأزهر و جامع القرويين تجعل لجامع القرويين في القاهرة صدى قويا لا يتضاءل و لا يضعف مهما فرق الاستعمار فيما مضى بين أجزاء الوطن الواحد و مهما حاول بأساليبه المختلفة أن يضعف من الصلات الثقافية و الترابط الروحي بين فاس و القاهرة، و مهما حاول و بذل في وضع العقبات المادية و المعنوية في طريق لقاء العربي القاهري بالعربي المغربي.

و جامعة القرويين من أقدم جامعات العالم بعد الأزهر إذ أن مسجد القرويين لم يتحول إلى جامعة للتدريس إلا سنة 538، أما الأزهر فقد هيى‏ء لتدريس الفقه و العلوم في الرابع الأخير من القرن الرابع الهجري. و على ذلك تكون الجامعة الأزهرية أقدم جامعات العالم على الإطلاق. و يعزي إليها- و إلى شقيقتها: «الزيتونة» في تونس، و «الأزهر الشريف» في‏

235

القاهرة، أكبر الفضل في نشر الإسلام الحنيف و الحفاظ على تعاليمه السمحة و حماية لغة القرآن و آدابها و العمل على إثرائها في جميع فروع المعرفة ... بالإضافة إلى ما قامت به هذه الجامعات الإسلامية الكبرى من تزويد شعوبنا العربية خلال مراحل تطورها بالقادة و العلماء و المرشدين الروحيين طوال القرون الماضية.

و تاريخ جامعة القرويين بالذات يرتبط أوثق ارتباط بتاريخ مدينه «فاس» التي كانت منذ إنشائها عاصمة للدولة المغربية في عهد الآدارسة و من خلفهم إلى مستهل القرن الهجري الحالي، حيث أخذ الاستعمار يتسلل إليها. و قد سارت هذه الجامعة في تاريخها الطويل العامر، ككل كائن حي، تنهض و تنمو آنا، و تجمد و تتعثر آنا آخر ... و لكن الأمر الذي لا يمكن أن ينكره أحد عليها، أنها ظلت- في كل الأحوال- تحمل علم الدراسات الإسلامية و ما يتصل بها عن جدارة، في هذا الجزء الهام من وطننا العربي الكبير. و استطاعت أن تثبت حقا أنها منارة الهدى و العرفان، و أساس الارتكاز الروحي عند المسلمين كافة في المغرب العربي.

و الفصول الأولى لقصة إنشاء القرويين، تبدأ- كما يجمع المؤرخون- مع هجرة ثمانمائة عائلة أندلسية، تبعتها هجرة ثلاثة آلاف عربي من القيروان بتونس، إلى مدينة فاس، و اتخاذهم لها وطنا ثانيا في أوائل القرن الثالث للهجرة.

و قد استقر المغتربون من الأندلس في شرقي المدينة بضاحية عرفت فيما بعد، باسم «عدوة الأندلسيين». أما المغتربون من القيروان، فقد استقر بهم المقام في الجهة المقابلة بضاحية على الضفة اليسرى كانت تسكنها القبائل، و سميت أيضا باسم «عدوة القرويين».

و كان بين المغتربين التونسيين رجل ورع، يعيش في بسطة من الرزق بسبب ما حمله معه من المال، هو «محمد بن عبد الله الفهري‏

236

القيرواني». و قد توفى عقب فترة وجيزة من وصوله إلى فاس. و خلف ثروة طائلة لابنته «فاطمة أم البنين» و شقيقتها «مريم».

و عقدت الشقيقتان العزم على إنفاق جزء كبير مما ورثتاه عن أبيهما في بناء مسجد يخلد اسم أسرتهما و اسم البلاد التي نزحتا منها. و كان من أهم الدوافع لهما على ذلك علمهما بحاجة الناس الملحة في كل «عدوة» من فاس إلى مساجد يؤدون فيها الصلاة، نظرا لضيق المسجدين القديمين القائمين فيها بالناس.

و لم يطل تفكير الشقيقتين، فشرعت «مريم» في بناء مسجد «الأندلس» في شرق المدينة. و بدأت «فاطمة» في بناء مسجد «القرويين» في جنوبها. و كان ذلك في يوم سبت- و هو يصادف غرة رمضان من سنة 245 الموافق 30 نوفمبر من سنة 859 و هو المسجد الذي عرف بعد ذلك باسم «جامعة القرويين».

و لقد كانت الطريقة التي سلكها البناءون في البناء أنهم التزموا أن يأخذوا كل حاجاتهم من الرمال و الحجارة من نفس البقعة دون غيرها. كما أنهم عثروا على عين ماء غزيرة تجاور الموقع الذي اختير لإقامة المسجد.

و كان ذلك كله تحريا من المشرفين على البناء كي لا تدخل في بناء المسجد شبهة- على ما يقول «ابن أبي زرع» في كتاب «الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى». و ظلت «فاطمة» صائمة منذ أن شرع في بنائه، إلى أن تم و اكتمل و أقيمت فيه الصلاة.

و قرويين الأمس، ليست هي قرويين اليوم ... إذ لم تكن القرويين عند نشأتها الأولى، تشتمل إلا على أربع صحون و على محراب و فناء غرست فيه بعض الأشجار .. و حينما بنيت لم تكن بها حلقات للدرس كما أصبحت فيما بعد، بل كانت مجرد مسجد يحضره الناس الذين يؤدون فيه صلاة الجمعة، و كانت الفكرة في إنشائها- كما يروي «أبو الحسن علي‏

237

الجزنائي» في كتابه «زهرة الآس في بناء مدينة فاس»- هي ضيق المساجد التي يصلي فيها أهل العدوة و افتقارهم إلى مسجد جامع يلم شعثهم و يجمع شملهم و تلقى من فوق منبره الخطبة الرسمية.

و لقد تطلب تزايد عدد السكان و اتساع نطاق المدينة إدخال إصلاحات جمة على مباني القرويين القديمة و استحداث مبان و صحون جديدة ألحقت بها ... فلم يكد ينقضي إلا نحو قرن حتى أصبحت مساحتها أربعة أضعاف ما كانت عليه بعد بنائها. كما ذكر مؤلف كتاب «القرطاس في أخبار ملوك المغرب و تاريخ فاس».

و كان من أوائل الذين لهم فضل السبق في إدخال هذه الإصلاحات على مسجد القرويين الخليفة عبد الرحمن الأموي الذي أسهم بمال كثير في تجديده، و كان شديد الشغف بالمباني و المنشآت، و كذلك السلطان علي بن يوسف بن تاشفين، و غيرهما من الأمراء الذين عملوا على توسعة رقعته بشراء الأملاك و الأراضي المجاورة له و ضمها إلى القرويين، حتى صار أعظم مسجد في أفريقيا الشمالية. و بدأت مع حلول سنة 538 هجرية، تعقد فيه حلقات التدريس في علوم الفقه و الشريعة على أيدي علماء أجلاء وفدوا من القيروان و نقلوا معهم جل العلوم الدينية، و إليهم يعزى الفضل في تحقيق هذه الخطوة التي تأخرت قرنين أو يزيد!

و تدور عجلة الأيام دوراتها السريعة و يزداد ازدهار القرويين في عهد المرابطين الذين بنوا فيها للعلم أمجادا و صروحا شامخة خلدها التاريخ.

و استطاعت الجامعة أن تخرج عظماء و علماء أحالوا المغرب في مدى قصير من «دويلة» كانت تتهاوى من الضعف، و أمة يشيع فيها التأخر و الجهالة، إلى دولة يحكمها دستور السماء الكريم الذي أنزل على محمد (عليه السلام).

و ظلت القرويين معهد دراسة و علم، و تخرج فيها ملايين من المغاربة

238

في أجيال مختلفة. و ظلت على مر القرون حصنا للعروبة و الإسلام.

و اجتذبت شهرتها التي طبقت الآفاق عددا كبيرا من العلماء الأجانب من أنحاء أوروبا و منهم الرحالة «جريريتا» و البابا «سلفستر» الذي نقل الأرقام العربية إلى الغرب، كما نقل نظريات الفقه الإسلامي و استخدمها في تطوير القانون الروماني، و كثير غيرهم من العلماء الأوروبيين الذين توافدوا على مر السنين- على القرويين- للإفادة من خزانتها التاريخية المملوءة بالمؤلفات و الكتب و المخطوطات النفيسة النادرة، في مختلف فروع العلوم و المعرفة، و أطلعوا العالم بعد عودتهم إلى بلادهم على الحضارة التي تغمر البلاد الإفريقية و المغرب العربي بنوع خاص!.

و لعل أزهر عهد تحقق فيه للقرويين ما كانت تصبو إليه من أسباب النمو و التقدم، كان عهد السلطان «أبي عنان المريني» ففيه أنشأت الجامعة أضخم مكتبة مزودة بالمخطوطات النادرة، و شيدت مساكن خاصة للطلاب الذين يردون عليها من أطراف البلاد، كما أجرى السلطان عليهم «جرايات» شهرية تكفيهم ليتفرغوا لطلب العلم ... كما كان للعلماء دور خاصة لسكناهم، و خدم معينون يوفرون لهم كل وسائل الراحة حتى يستطيعوا التوفر على أداء رسالتهم نحو طلابهم على أكمل وجه.

و كان علماء القرويين من أغنى طبقات الشعب، بسبب ما كان يسبغه عليهم الملوك من الهدايا و ما يجرونه عليهم من الرواتب الضخمة!.

و استمرت جامعة القرويين تقوم بواجبها، في حرية تامة ... إلى أن ابتلى المغرب بالاستعمار الفرنسي، و أوجس الفرنسيون منها خيفة ...

أرادوا في مبدأ الأمر أن يوصدوا أبوابها أمام الطلاب، أو يحددوا عددهم، زاعمين أن في ذلك ترقية للبلاد ... و لكنهم اصطدموا بمعارضة شديدة ... إذ فطن «المولى يوسف» الجالس على عرش البلاد لغرض المستعمرين من ذلك .. و أدى الصراع بينه و بينهم إلى انتباه جماعة من‏

239

العلماء و اتجاههم إلى بعث الحركة السلفية و محاربة الجمود، و تطوير الدراسات لتساير روح العصر .. و كانت الخطوة الإيجابية لتحقيق ذلك الغرض، عند ما عين جلالة الملك محمد الخامس في سنة 1937، الأستاذ «محمد الفاسي»، و هو من علماء القرويين، و من الذين استكملوا دراستهم في جامعة باريس، مديرا للقرويين فأدخل العلوم العصرية و اللغات الأجنبية في مناهج التعليم، إلى جانب المواد الدينية، كما أنشأ قسما خاصا بالقرويين لتعليم الفتيات، و قد تخرجت فيه إلى الآن عشرات منهن يحملن شهادة «العالمية»!.

و يزدان تاريخ الحركة الوطنية في المغرب بأنصع الصفحات التي سجلها كفاح علماء القرويين و طلابها ضد القوى الاستعمارية ... و دورها في تحرير المغرب يماثل تماما دور الأزهر الشريف في ثورة سنة 1919 و ما بعدها ...

و أصبحت اليوم تضم ألافا من الطلاب، فضلا عن فروعها التي تتمثل في المعاهد الدينية المنتشرة في أنحاء المغرب، سواء في «تطوان» أو «طنجة» أو «مراكش» أو منطقة «سوس».

240

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

241

بين الزيتونة و الأزهر

الزيتونة أزهر تونس، و الزيتونيون أزهريون كما يقول الزيتونيون أنفسهم اعتزازا بالأزهر و كما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور و أنفاس من الأزهر ما تزال تسري و تداخل جسم الزيتونة، و أخرى من الزيتونة ما تزال ترجع على الأزهر (1).

و جامع الزيتونة أقيم في أوائل القرن الثاني للهجرة على يد بانيه عبيد الله بن الحبحاب السلولي، و قد كان واليا على مصر، و منها قدم إلى تونس، بعد أن استخلف ابنه أبا القاسم على مصر (2)- و كانت مدينة الفسطاط، دار ابن الحبحاب، و جامعها، جامع عمرو، الذي هو أبو الجامع الأزهر، قد كان ابن الحبحاب إمام محرابه، و خطيب منبره، فلا ضير أن ابن الحبحاب كان واقفا على تخطيط جامع الزيتونة بتونس، و في ذهنه صورة جامع الفسطاط، و في قلبه حنين إليه، و اهتمام به، و حنين و اهتمام بابنه أبي القاسم، و قد خلفه فيه.

و كانت صحبة علي بن زياد التونسي لليث بن سعد، و روايته عنه‏

____________

(1) ص 85 التوجيه الاجتماعي في الإسلام- من مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية.

(2) ابن خلدون 189 ج 4 بولاق.

242

بمصر، ثم انتصابه بجامع الزيتونة محدثا و مدرسا في منتصف القرن الثاني‏ (1) حلقة أولى في سلسلة من الاتصالات العلمية، ظهرت في مصر القديمة ثم امتدت إلى القاهرة و أزهرها، و ارتبطت بها حلقات كان منها ما هو واضح إشعاعا، و أتم ظهورا. فالإمام سحنون: عبد السلام بن سعيد التنوخي‏ (2)، و القاضي أسد بن الفرات، بعد أن تخرجا بابن زياد في تونس بجامع الزيتونة، قد شدا الرحلة إلى مصر. فأخذا عن ابن القاسم، و أشهب، و ابن وهب، و ابن الحكم، و تكونت بذلك المدونة، فكانت أصل المذهب المالكي، و انعكست الرحلة من القيروان على مصر، و تتابع العلماء من تونس و القيروان و غيرهما من البلاد الإفريقية، على الرحلة إلى مصر يسمعون و يهتفون، مثل: عبد الله بن أحمد التميمي، نسيب بني الأغلب، و حمد يس الأشعري، و القاضي عيسى بن مسكين، و جبلة بن حمود، و غيرهم من أهل القرن الثالث الذين أخذوا في مصر عن بني عبد الحكم، و يونس بن عبد الأعلى، و ابن المواز، على ما فصله القاضي عياض في «المدارك» و من بعده في كتب الطبقات.

و قامت الدولة العبيدية في أواخر القرن الثالث، و كان الاتصال بين علماء تونس و علماء مصر، مقويا أهل السنة، و لا سيما المالكية بتونس و بمصر، و بدأ العبيديون يحاولون إغراء العلماء بموالاتهم.

نقل عياض في المدارك عن أبي الحسن القابسي: «أن المعز الفاطمي أرسل قبل دخوله مصر إلى أبي إسحاق بن شعبان صلة من مائة مثقال و كتابا، فقرض ابن شعبان من الكتاب «بسم اللّه الرحمن الرحيم» و أحرق باقيه في الشمعة أمام الرسول. ورد المائة عليه.

____________

(1) الديباج لابن فرحون ص 192 ط السعادة و أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي ص 37.

(2) الديباج 98 و 160.

243

و جاء القرن الرابع: قرن أبي عثمان الحداد (1) و ابن أبي زيد (2) و الجبلياني‏ (3) و القابسي‏ (4) و ابن شبلون‏ (5) و ربيع القطان‏ (6) و تأكدت الصلات بين مصر و تونس و القيروان بما كان بين ابن شعبان و ابن أبي زيد، و بين التلباني المصري‏ (7) و أبي الحسن القابسي و بين أبي بكر الحويكي‏ (8) و أبي الحسن القابسي أيضا، و التهبت نار الثورة بمدينة تونس، على العبيدين، و على أمير القيروان باديس الصنهاجي لموالاته إياهم و طاعتهم، و تولى أمر أهل تونس في ذلك صالح المدينة و عالمها و عابدها الشيخ محرز بن خلف الصديقي‏ (9) فكان لفقهاء مصر في وجه بني عبيد مثل ما كان لفقهاء تونس و القيروان، و أصبح القول المتردد على ألسنة المتفقهين في حلق جامع الزيتونة و جامع القيروان و جامع الفسطاط قولا متصادقا متجاوبا و كان بعضه صدى لبعض، فكانت حلقات أبي بكر بن نصر، أبي الذكر التمار، و أخيه مؤمل و ابن الأسواني، و ابن أبي حجرة القرطبي. في جامع الفسطاط بمصر القديمة، و قد ذكرها عياض في الطبقة الخامسة، صورة من حلقات أبي عثمان الحداد بالقيروان و الشيخ محرز بن خلف و الشيخ معاوية بن عتيق بتونس. و هكذا امتدت فكرة مقاومة الدعوة العبيدية، و الامتناع عن مطاوعتها، من المغرب إلى المشرق، حتى بلغت البلاد الشامية.

ذكر عياض في المدارك ترجمة أبي بكر النابلسي، شهيد مصر سنة

____________

(1) ترجمته في المدارك من أهل أفريقيا من الطبقة الرابعة و في أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي.

(2) المدارك أهل أفريقيا من الطبقة السادسة و الديباج ص 136 ط السعادة و أعلام الفكر الإسلامي.

(3) المدارك أهل أفريقيا الطبقة السادسة و الديباج ص 86 ط السعادة.

(4) المدارك أهل أفريقيا الطبقة السابعة و الديباج ص 199 السعادة.

(5) الديباج ص 158 ط السعادة.

(6) المدارك أهل أفريقيا الطبقة الخامسة و شجرة النور 161.

(7) المدارك أهل مصر من الطبقة الخامسة.

(8) المرجع السابق.

(9) المدارك أهل أفريقيا الطبقة الثامنة.

244

364 ه: «كان شديدا على بني عبيد حين ملكوا مصر و الشام ذامّا لهم، منفرا العامة منهم، قاليا لهم، و نقل عن الرقيق أن أبا بكر «كان يفتي في المحافل باستحلال دم من أتى من المغرب، و يستنفر الناس لقتالهم». يريد بني عبيد، ثم قال عياض: «و إنما سلك في هذا مسلك شيوخ القيروان في خروجهم عليهم ... و لم يستقر للفاطميين بسبب ذلك قرار، ففرضت ثورة تونس على خليفتهم المعز بن باديس الصنهاجي أن ينقض طاعتهم حتى فعل‏ (1) و تتابعت مظاهر التمرد عليهم، و الاستخفاف بهم في مصر من ولاية العزيز بن المعز الفاطمي‏ (2) ثم ولاية الحاكم و اغتياله‏ (3) بعد أن أعلن الرضوخ لقوة الأمة في الدفاع عن عقيدتها، و صلابتها في التمسك بسنتها فكتب سجله بما فيه، و أتى اليوم بما يقتضيه، يطوي ما كان فيما مضى، فلا ينشر، و يعرض عما انقضى، فلا يذكر، و لا يقبل على ما مر و أدبر، من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية: أيام آبائنا (4) ...» ثم كانت ولاية الظاهر الذي بدأت الدولة تتضعضع في مدته، إلى أن انتهى حكمهم الحقيقي في ولاية المستنصر و استبداد بدر الجمالي بأمرهم، و تلاشى سيادتهم في ظلمة العدوان الصليبي‏ (5).

و الروح التي كانت تعمر الزيتونة بتونس و جامع الفسطاط في مصر، هي الروح التي ملأت الأزهر و إن كانت السلطة التي أمرت ببنائه نابية عن تلك الروح؛ لنستنتج من ذلك كله: إن الإخاء قد كان تاما وثيقا بين جامع الزيتونة و الجامع الأزهر من يوم أنشى‏ء الأزهر، إخاء كان في الباطن و الروح، و إن لم يبد في الظاهر و الشكل، فيبقى الأزهر وفيا لروح العابدين العاكفين فيه، مزورّا عن روح الحاكمين المباهين به.

____________

(1) المؤنس لابن أبي دينار ص 65 ط تونس الأولى.

(2) خطط المقريزي ص 167 ج 2 و ما بعدها ط المليجي بالقاهرة.

(3) المقريزي ج 4 من ص 68 حتى ص 74 المليجي القاهرة.

(4) ابن خلدون ص 60 ج 4 بولاق.

(5) المقريزي ج 4 ص 49، ص 193 ط المليجي.

245

و كذلك أقام بنو عبيد بالقاهرة ما أقاموا، و زال ملكهم عنها بعد استقراره فيها مائتي سنة و خمس سنين من دخول المعز إليها سنة 362 ه إلى وفاة العاضد سنة 567 ه فبقيت القاهرة بعدهم، و بقي جامعها الأزهري كما قال أبو العلاء:

تفنى الملوك و مصر بعد فقدهم‏* * * مصر على العهد و الإحساء إحساء

و قام حكم السلطان صلاح الدين، و عاد التواصل و الامتزاج بين الأزهر و جامع الزيتونة، و أنشئت المدارس الصلاحية و الخوانق، و انتظمت الدراسة العلمية على الخطة الجامعة بين السنة و الكلام و الفقه و التصوف، و هي الخطة التي درج عليها، منذ القرن الرابع، الأشعري، و الماتريدي، و الباقلاني، و إمام الحرمين، و القشيري: يجمعون بين أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد بن حنبل و الجنيدي، و هي التي برزت واضحة مستعلنة في حكمة الغزالي و بخاصة في كتابه «إحياء علوم الدين».

و كانت المدارس التي أنشأها صلاح الدين في مصر على مثال المدرسة النظامية في بغداد، و المدارس التي أنشأها الملك العادل نور الدين في دمشق. أما الذي أنشأه العبيديون بمصر فلم يكن يعدو مجالس مرتبة في الجامع الأزهر و جامع الفسطاط، و كان يظلها حكم الدولة، و يتحين لها اجتماع الناس يوم الجمعة (1) فعمرت المدارس، و توافر فيها الشيوخ و الطلاب، و انتظمت حلق العلم في جامع الفسطاط، و شاع الفقه على المذاهب الأربعة، و سارت الدراسة في العلوم على المناهج المتصلة بتلك المذاهب.

و لكن الجامع الأزهر قد اعتراه انطواء امتد إلى أواسط القرن السابع، فلم يكن لهذه الحركة العلمية فيه مجال. و طال كسوف الأزهر قرنا كاملا، إذ لم تقم فيه الجمعة إلا سنة 765 ه أيام الملك الظاهر بيبرس و بدأ من‏

____________

(1) المقريزي ج 4 ص 4، ص 193 المليجي.

246

يومئذ يستعيد مجده، حتى انتظم أمره، و علا شأنه في منتصف القرن الثامن على يد الأمير بشير الجامدار في عهد الناصر بن قلاوون‏ (1).

أما في تونس ففي نحو عام 441 ه جاء خطاب الخليفة العباسي من بغداد بتقليد المعز بن باديس ولاية أفريقية (2). و أعقب ذلك زحف العرب الهلالية، فسقطت القيروان، و خربت، و جلا عنها المعز و آوى إلى المدينة. و انتشر الاضطراب في البلاد، و قامت إمارات الطوائف: في صفاقس، وسوسة، و قابس، و قفصة، و بنزرت، و طبرقة، و الكفاف، و غيرها، أما مدينة تونس فقد خلعت طاعة المعز، و قرر أهلها الانضمام إلى ملك الفرع الصنهاجي الآخر الدي كانت عاصمته قلعة بني حماد، جنوبي بجاية، فتوجه وفد من مشيخة مدينة تونس إلى بجاية، و لقوا ملكها الناصر بن حماد، فولى بإشاراتهم على مدينة تونس أحد أبنائها و هو عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان‏ (3) فقامت به في تونس دولة أساسها الشورى، و عمادها إسناد الأمر إلى أهل المدينة؛ لتدبير حمايتها من هجمات القبائل، و من غزوات الولاة. و عظم شأن بني خراسان، و سما مظهر ملكهم بتونس، و كان لعلمائها عندهم منزلة مرعية. فكان أهل تونس و بخاصة علماؤها، و هم أهل جامع الزيتونة، في منعة و ظهور أمر، إلى أن مضى الثلث الأول من القرن السادس، إذ امتدت إليهم يد أمير بجاية، ثم كانت الطامة الكبرى باحتلال النصارى الترمانديين أصحاب صقلية السواحل الشرقية للبلاد الأفريقية، فتحركت الثورة من جديد، للاستعداد لمقاومة الاحتلال الأجنبي، و انعكست روح الثورة على المدينة، فتقاتل ربضاها:

الجنوبي ربض باب الجزيرة، و الشمالي ربض باب السويقة إلى أن دخلها عبد المؤمن بن علي سنة 552 ه، ثم استنقذ جميع البلاد الساحلية من‏

____________

(1) المقريزي أيضا ج 4 ص 53.

(2) ابن خلدون ص 159 ج 6 بولاق.

(3) ابن خلدون ج 6 ص 165 و ما بعدها بولاق.

247

المغيرين الإفرنج، و استنقذ بقية البلاد من أمراء الطوائف، و وحد البلاد المغربية كلها في ملكه الذي امتد من الأندلس إلى حدود برقة (1).

و في صدر القرن السابع كانت البلاد الإفريقية قد ازدهرت برد غارات الإفرانج النرمانديين، و صارت تونس عاصمة البلاد باستقرار الدولة الحفصية و صارت حلق الوعظ و التعليم القائمة بجامع الزيتونة مزدهرة و كذلك كان شأن مدينة القاهرة قبل ذلك بخمسين سنة تقريبا. لما ردت عنها الغارات الصليبية، و قامت فيها الدولة الأيوبية، و صارت الحلق في الجامع الأزهر لا تختلف عن الحلق التي يقبلون عليها في جامع الفسطاط: كلها حلق سنية، لا شائبة فيها للأهواء، ترعاها الدولة، و يغشاها الناس غير مكرهين، و لا وجلين. إلا أن هذا المعنى لم يظهر ظهوره التام في الجامع الأزهر، و إن ظهر حواليه، فلم يظهر في الأزهر بذاته إلا في منتصف القرن السابع لما جددت عمارته، و أقيمت فيه الجمعة على مذهب أهل السنة و الجماعة، و رتبت فيه دروس الحديث و الفقه‏ (2).

فجامع الزيتونة لما قام الأزهر في منتصف القرن السابع برسالته العلمية السنية، قد كان قائما على تلك الرسالة نفسها، شديد الساعد في الاضطلاع بها فالتحمت بذلك الصلات بين الجامعين، و زاد في تأكيد اللحمة تشابه المناهج العلمية، و تقارب الأساليب التدريسية، و الاتحاد في أكثر مواد الدراسة، و التفاضل المطرد بين شيوخ المعهدين: أخذا و عطاء.

فالمذهب المالكي بعد أن انقطع علماؤه من الديار المصرية، في أواخر القرن الرابع تحت حكم الفاطميين، بدأ يعاود منزلته في أواخر القرن السادس‏ (3) بمن رحل إلى مصر من الأفارقة و الأندلسيين و الصقليين الذين رفعوا لواء المذهب المالكي فيها من جديد، مثل أبي محمد التونسي‏

____________

(1) ص 163 نفس الجزء.

(2) المقريزي ص 52 ج 4 ط المليجي.

(3) شجرة النور ص 93.

248

و محمد بن الفرح القروي الطليلي- و قد ذكرهما عياض في المدارك، و مثل أبي بكر الطرطوشي‏ (1) محمد بن مسلم الصقلي المازري‏ (2) و ابن الحكار العقلي‏ (3) و غيرهم. فشاعت بذلك الكتب المغربية، و مناهج الدراسة الأفريقية و الأندلسية، مثل المدونة، و تهذيبها، و كتب ابن أبي زيد، و كتب أبي الوليد الباجي، و انبعثت في أصول الدين و أصول الفقه طريقة الأشعري، و الباقلاني و إمام الحرمين، و الغزالي، و المازري، و توصلت بذلك المذاهب السنية و لا سيما المذهبان المالكي و الشافعي و كان لشيوع دعوة الغزالي إلى وصل التصوف بعلوم الشريعة، أثرها في تقريب المحدثين و الفقهاء و المتكلمين من الصوفية، و تأثر هؤلاء بهؤلاء، تأثرا ظهر في طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني و انتشر في المغرب كله بأبي مدين و أصحابه، ثم تأصل بتونس في طريقة الشيخ أبي الحسن الشاذلي التي أوصلها هو أصحابه إلى مصر، و عم انتشارها من تونس و من مصر غربا و شرقا.

فهذه الأسس هي التي كانت قوام طريقة التخرج في مصر و تونس على السواء، عليها مضى القرن السادس، و عليها سار القرن السابع حتى منتصفه لما قامت الدراسة في الجامع الأزهر، و استمرت- عليها مناهج الدراسة في الأزهر بقية القرن السابع و القرون بعده.

فكانت الدراسات بالأزهر و بالزيتونة طيلة هذه القرون، تسير على منهج واحد، و تعتمد مادة من الكتب مشتركة، و سندا من العلماء متحدا:

فيهم المصريون، و فيهم الأفارقة و فيهم غير المصريين و غير الأفارقة: من الأندلسيين و المغاربة، أو من الشاميين و العراقيين و الأعاجم و علماء الروم.

____________

(1) ترجمته في الديباج لابن فرحون ص 276 ط السعادة و في وفيات الأعيان لابن خلكان «محمد».

(2) ترجمته في نيل الابتهاج هامش الديباج ص 277 ط السعادة.

(3) من شراح المدونة ترجمته في شجرة النور الزكية رقم 125.

249

ففي فجر القرن السابع ظهرت المدارس بمصر (1) و اتسع إليها نطاق التدريس بعد أن كان مقصورا على المساجد. و كان إنشاء المدارس الأولى بمصر في الفسطاط حول جامع عمرو. فهنالك أنشئت المدرسة الصلاحية، و المدرسة القمحية فكان فيها مدارس أنشئت للفقهاء المالكية مثل القمحية، و كانت الدراسة فيها بالاعتماد على أمهات المذهب المالكي المشهورة: من كتب العراقيين و الأفريقيين و الأندلسيين، و من بينها كتب ابن أبي زيد و القابسي و المازري و ابن بشير و غيرهم من أبناء البلاء التونسية. يشهد لذلك ما ذكره ابن فرحون في الديباج في ترجمة أبي محمد ابن شاس‏ (2) المتوفى سنة 610 ه أنه كان مدرسا بالمدرسة المجاورة للجامع العتيق، مع ما ورد في كتاب الجواهر الثمينة لابن شاس من اعتماد على ابن أبي زيد و يسميه الشيخ، و ابن بشير و يسميه أبا الطاهر، و المازري و يسميه الإمام أبا عبد الله، زيادة على أمثال أبي الوليد الباجي، و ابن رشد، و ابن العربي، من الأندلسيين و عبد الوهاب و الأبهري، و ابن القصار، من العراقيين.

فلما ظهرت المدارس بتونس في أوائل القرن السابع، كانت الدروس فيها، و في حلق جامع الزيتونة، سائرة على نفس ذلك المنهج، و معتمدة نفس تلك الدواوين. زيادة على ما كانت تتلافى فيه المناهج العلمية بين مصر و تونس، في الفنون الأخرى غير الفقه المالكي، من الحديث و الأصول و التصوف، و فنون العربية، مما زاد له تأكد الصلات، و قوة الامتزاج، و رواج الأخذ و العطاء، طردا و عكسا، بين المركزين.

و ظهر في ذلك القرن في مصر العلامة ابن دقيق العيد، و الإمام عز الدين بن عبد السلام و الحافظ المنذري، فصربت سمعتهم إلى تونس، و أخذ عنهم من رجال الزيتونة مشاهير منهم أبو يحيى بن جماعة التونسي أخذ

____________

(1) المقريزي ج 4 ص 191 و ما بعدها.

(2) الديباج ص 40 السعادة بمصر.

250

عن ابن دقيق العيد (1) و القاضي أبو القاسم بن زيتون أخذ عن المنذري و عن عز الدين بن عبد السلام‏ (2) و القاضي عبد الحميد بن أبي الدنيا أخذ عن عز الدين بن عبد السلام‏ (3) و ظهر في تلك الحقبة بتونس الإمام النحوي أبو الحسن بن عصفور، و ظهر كتابه «المقرب» في النحو و كتابه «الممتع» في التصريف، و غيرها من كتبه فطار صيتها إلى مصر، و تلقاها عنه بتونس الشيخ أبو حيان، فروجها في مصر و التزمها و هو الذي اختصر المقرب‏ (4) و وفد على مصر الإمام الصوفي الشهير أبو الحسن الشاذلي بطريقته التي كان قد أسسها بتونس من أواخر القرن السادس و فيها ربى أصحابه، و لقن أحزابه و كان له مجلس بجامع الزيتونة، ثم تردد هو بنفسه على مصر و أخذ عنه فيها و صارت الأسكندرية المركز الثاني لطريقته و استقر بها خليفته أبو العباس المرسي، و عنه أخذها ابن عطاء الله و انتقل بها إلى مصر، و اشتهرت الطريقة الشاذلية في مصر، و انتشرت منها انتشارها الشرقي كما انتشرت انتشارها الغربي من تونس‏ (5).

و كذلك استمر هذا التواصل بين القاهرة و تونس يزيد ثباتا و توثقا بابن الحاجب، و القرافي، و ابن جماعة، إذ كان من الآخذين عليهم: ابن راشد، أخذ عن القرافي‏ (6) و ابن جابر الوادناشي، أخذ عن ابن جماعة (7) و ناصر الدين الزواوي، أخذ عن ابن الحاجب. الذي نشر مختصره الفرعي في أفريقيا و المغرب‏ (8) و إبراهيم التنسي المطماطي، أخذ عن القرافي ..

____________

(1) شجرة النور الزكية رقم 714.

(2) الديباج ص 99 ط السعادة القاهرة.

(3) شجرة النور 45.

(4) ترجمة أبي حيان في بغية الوعاة للسيوطي (محمد بن يوسف) و كذلك ترجمة ابن عصفور (علي بن مؤمن).

(5) الدكتور عبد الحليم محمود الإمام أبو الحسن الشاذلي و طريقته.

(6) نيل الابتهاج هامش الديباج ص 235 ط السعادة.

(7) الديباج ص 312 ط السعادة.

(8) شجرة النور 764 و ابن خلدون ص 376 ج 1 بولاق.

251

و قابل ظهور هؤلاء بمصر أن ظهر بتونس أمثال ابن هارون الطائي، و ابن الغماز، و التجاني و ابن هارون الكناني، و ابن عبد السلام، فاعتمدوا كتب المصريين و رووا عنهم، و رووا عن المتخرجين بهم، مثل ابن زيتون، و ابن راشد.

و كان، في القرن السابع، و الذي بعده، للرحالين المشاهير، الذين رحلوا من تونس إلى مصر أثر في إشاعة أسماء الأعلام من القطرين، كل في القطر الآخر و نعني بهؤلاء أمثال ابن جابر الوادناشي، صاحب الفهرس المفصل الممتع الذي يوجد مخطوطا بالأسكوريال، جمع فيه تراجم شيوخه و الكتب التي أخذها عنهم، و أسانيدهم في تلك الكتب إلى مؤلفها، و بواسطته اتصل كثير من شيوخ مصر بالتونسيين، كما اتصل كثير من شيوخ تونس بالمصريين من طريقه مباشرة أو بواسطة (1) ابن رشيد الفهري السبتي المتوفى بفاس سنة 721، صاحب الرحلة الشهيرة التي شملت الأندلس و المغرب الأقصى و القطر الجزائري و القطر التونسي و مصر و الشام و الحرمين الشريفين، فاتسعت رواياته، و كثرت لقاءاته، و جمع أحاديث ذلك كله في رحلته الحافلة التي سماها «مل‏ء العيبة بما جمع طول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة و طيبة» (2) و قد جمع في مشايخه أعلاما من التونسيين: مثل ابن هارون الطائي و ابن زيتون، و أعلاما من المصريين:

مثل الحافظ المنذري و ابن دقيق العيد، و تواصلت بواسطته أسانيد هؤلاء، كما تلاقت فيه كثير من الأسانيد المغربية و الأسانيد المشرقية، و خالد البلوري الذي رحل أواسط القرن الثامن بعد أن أقام بتونس، و دخل مصر، و جمع من أخبار مشيخته في القطرين، و أورد عنهم من فوائد العلوم و نكت‏

____________

(1) ترجمته في الديباج ص 311 ط السعادة.

(2) ترجم له المقري في أزهار الرياض أثناء ترجمة ابن الحكيم في الكلام علي ابن خميس أواخر الروضة الأولى: روضة الورد، و قال عن رحلته أنه جمع فيها من الفوائد الحديثة و الفوائد الأدبية، كل قريبة و غريبة، و توجد رحلة ابن رشيد منقوصة في الأسكوريال و يقوم على تحقيقها و دراستها و فهرستها ابنتا الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة.

252

الآداب ما طفحت به رحلته التي سماها «تاج المفرق في تحلية علماء المشرق» و توجد منها نسخ عديدة في مصر و في تونس و غيرهما- مراجع أيضا للمدرسين و القضاة و المفتين.

و في القرن الثامن بلغ التواصل العلمي بين مصر و تونس أوجه، فتأكد اشتراك المشيخات، و تبادل الإفادة و الاستفادة، و تناقل التأليف و الروايات، و استمر ذلك ممتدا متسعا مغرقا في القرون الموالية. فكان ظهور الشيخ خليل بن إسحاق، الفقيه المالكي، في القرن الثامن، و بروز شرحه على مختصر ابن الحاجب، الذي سماه «التوضيح» ثم بروز مختصره الفقهي الجامع الذي نال إعجاب أهل المغرب، ممكنا لمصر منزلتها عند فقهاء المالكية بتونس، كما كان في كتاب التوضيح أثر ظاهر للمشيخة التونسية في اعتماده على شراح ابن الحاجب الزيتونيين: ابن عبد السلام و ابن هارون، و ابن وليد (1) و في المختصر أثر واضح لمتقدمي الفقهاء الأفارقة، مثل:

اللخمي، و ابن يونس، و المطرزي، و هم ثلاثة من الأربعة الذين بني على اختياراتهم مختصر خليل، كما هو مبين في خطبته.

و ما ظهر مختصر خليل حتى أقبل الناس عليه بالحفظ و الدراسة، و تعليق الشروح و رسخت مكانته في دراسات جامع الزيتونة، رسوخا لم ينقطع بعد. و شرح مختصر خليل أول ما شرح، في مصر: شرحه القاضي بهرام الدميري‏ (2): شرحيه الكبير و الصغير، فاقترن الشرحان بالأصل في اتساع السعة، حتى أصبح بهرام يلقب بين جميع الكاتبين على مختصر خليل، من بعد، بلقب «الشارح» و درس المختصر بتونس و جميع البلاد المغربية، فكان من أشهر من اعتنى به تدريسا و شرحا: العلامة ابن مرزوق الحفيد (3) و هو تونسي زيتوني، بالطلب و المجاورة و التدريس، و تتابع عليه‏

____________

(1) تراجمهم الثلاثة في شجرة النور 722، 731، 736.

(2) ترجمته في نيل الابتهاج ص 101 هامش الديباج ط السعادة.

(3) ترجمته في نيل الابتهاج أيضا ص 293.

253

الشراح و الدارسون و المعلقون من بعد، فكان من أصول كتب الدراسة بجامع الزيتونة، قرونا متتالية، و مرجع القضاء و الفتوى الذي لا محيد عنه و كان حفظه متنا عن ظهر قلب شائعا بين الطلبة. و صارت شروحه التي صنفت من بعد بمصر.

و قابل ظهور خليل بمصر ظهور شيخ الزيتونة و إمامها: ابن عرفة بتونس‏ (1) و اشتهاره بتحقيق الفقه المالكي، نظرا و نقلا، و تصنيفه المختصر الذي قال فيه الأبي: «ما وضع في الإسلام مثله لضبطه فيه المذهب مسائل و أقوالا مع زوائد مكملة و التنبيه على مواضع مشكلة و تعريف الحقائق الشرعية»: فكانت سمعة ابن عرفة و شهرة كتبه بالغة إلى مصر، ثم كانت رحلته بنفسه، و أخذ الكثيرين بمصر عنه، و منهم الحافظ ابن حجر، و رحلة طلبته من بعده، و أخذهم عن المصريين، و أخذ المصريين عنهم، ذات أثر في وصل ما بين الطريقتين طريقة ابن عرفة، و طريقة خليل، وصلا ظهر بصورة جليلة في شرح ابن مرزوق على المختصر، إذ كثيرا ما اعتمد في شرح كلام خليل على استظهارات ابن عرفة، كما ظهر الاتصال بين الطريقتين أيضا في كتاب الشامل للشيخ بهرام، كثيرا ما أشار إلى تحقيقات ابن عرفة، كما نبه على ذلك شراحه‏ (2) و من يومئذ أصبح لا يرى شرح لمختصر خليل، و لا حاشية على شرح له، إلا و مدار التحقيق على كلام ابن عرفة.

و هذا الذي حصل في الفقه المالكي، في القرن الثامن، من التواصل الأزهري الزيتوني قد حصل مثله أيضا في علوم العربية. فقد ظهر بمصر، في ذلك القرن، إمام العربية: أثير الدين أبو حيان، و قد مر ذكر أخذه عن ابن عصفور بتونس، و جمال الدين بن هشام، فأظهرا في علم النحو آثارهما

____________

(1) ترجمته في الديباج ص 337 و نيل الابتهاج ص 274 ط السعادة و في نيل الابتهاج أخذ ابن حجر عنه بنقل تصريح ابن حجر بذلك في أنباء الغمر.

(2) الكامل على الشامل للسخاوي مخطوط.

254

الجليلة جمعا و تحقيقا و حسن تصنيف فكانا فرسي رهان في خدمة العربية مواصلة لطريق ابن مالك، و اتقانا لأثره، و كان ما بينهما. من كثرة المخالفة و تراد المباحث عتنا مع أبي حيان بابن عصفور، يضع مباحث ابن عصفور بينهما على بساط المجادلة.

و اختصت كتب ابن هشام بالإقبال عليها، و لا سيما كتاب «مغنى اللبيب» فقد اشتهر و ذاع صيته بالزيتونة منذ القرن الثامن، في حياة مؤلفه الذي يقول ابن خلدون عنه‏ (1): «وصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها استوفى فيه أحكام الإعراب فأتى من ذلك بشي‏ء عجيب دل على قوة ملكته و اطلاعه» فدخل «مغنى اللبيب» في كتب الدراسة بالزيتونة من أوائل القرن التاسع، درسه الحفيد ابن مرزوق، و كان قد تلقاه بمصر عن ابن المؤلف الشيخ محيى الدين بن هشام‏ (2) و اشتهرت دراسة المغنى و الاعتماد عليه، و قد ألف الشيخ محمد الرصاع، في منتصف القرن التاسع كتابه في ترتيب آي مغنى اللبيب، فنوه فيه باشتهار كتب ابن هشام، و لا سيما المغنى، و تتابع العلماء على التسليم بعظيم قيمته من قديم، كما صرح بما يشهد لرواج كتب أبي حيان، و خصوصا تفسيره البحر المحيط، و الاعتناء بما في جامع الزيتونة و اعتماد المدرسين عليه و على الزمخشري في تفسير القرآن‏ (3) و كان ذلك في الوقت الذي يدرس فيه المغنى بالجامع الأزهر: فقد ذكر بدر الدين الدماميني في حاشيته على المغنى، المعروفة بالحواشي المصرية (4) أنه قرأ المغنى بالأزهر في مدة مائة و ثلاثين يوما سنة 812 ه.

____________

(1) ص 481 ج 1 بولاق.

(2) نيل الابتهاج ص 297 هامش الديباج ط السعادة.

(3) ذكر من ذلك بحثه مع شيخه ابن عقاب في درسه للتفسير سورة آل عمران قوله تعالى:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ و الكتاب مخطوط.

(4) مخطوط المكتبة العبدلية بتونس.