الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
255

و كذلك كان القرن الثامن أيضا ظرفا للتواصل الأزهري الزيتوني في مجال العلوم العقلية و الأدب فكانت شهرة آل السبكي، بمصر، حاملة أهل العلوم على الرغبة في الاتصال بهم، و الأخذ عنهم كما ترى ذلك في رحلة خالد البلوي، و كانت شهرة ابن خلدون في تونس و المغرب، ثم رحلته إلى مصر، و تصدره للاقراء بالجامع الأزهر (1) مهيأة لأخذ أعلام الأزهر عنه مثل ابن حجر و المقريزي و الأقفهسي، و زائدة في ذيوع شهرته؛ و شهرة الزيتونة، و علمائها بالمشرق.

و جاء القرن التاسع بأعلامه الذين علا بهم مجد الأزهر فكان للزيتونيين تطلع إليهم، و اتصال بهم، فظهر الحافظ ابن حجر، الذي أخذ عن ابن عرفة و ابن خلدون، فشدت إليه الرحلة من المشرق و المغرب و كان مدرس الأزهر و خطيبه. و قد اتصل به من التونسيين الزيتونيين و أخذ عنه: أبو عبد الله التريكي‏ (2) و أبو الحسن القلصادي‏ (3) الأندلسي الأصل، و الكفيف ابن مرزوق‏ (4) و هو كأبيه ابن مرزوق الحفيد، زيتوني بالطلب و ظهر الجلال المحلي، و السراج البلقيني و غيرهما من الذين حفل بدروسهم و تآليفهم و إسنادهم القرن التاسع، فكان رجوع كثير من الزيتونيين إليهم، و أخذهم عنهم ملاقيا بينهم و بين أعلام الزيتونة من أهل أواخر القرن الثامن و أوائل التاسع. فقد أخذ الحفيد ابن مرزوق عن الجلال المحلي‏ (5) و جمع بينه و بين ابن عرفة و أخذ القاضي ابن فرحون المدني، و هو تونسي الأصل‏ (6) عن ابن عرفة في حجته‏ (7) كما أخذ عن السراج البلقيني، و اعتمده في مواضع‏

____________

(1) ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي رقم 386 ص 145 ج 4 ط القدسي.

(2) ترجمته في نيل الابتهاج ص 323 ط السعادة و شجرة النور 953.

(3) نيل الابتهاج ص 209.

(4) نيل الابتهاج.

(5) نيل الابتهاج.

(6) وفيات ابن قنفذ.

(7) نيل الابتهاج 31.

256

كثيرة من كتابه «تبصير الحكام».

و خلف القرن التاسع لمطلع القرن العاشر الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي بمجده العالي في ذيوع التآليف الكثيرة المهمة، فتأثرت الدراسة في جامع الزيتونة في القرن العاشر باسمه تأثرا قويا امتد إلى القرون التالية، و حطت الرحال على كتبه، و ثار تحقيق المباحث من رسالته، و دارت الروايات على أسانيده و تأثرت الدراسة الزيتونية في القرن العاشر، بأعلام القرن التاسع من الأزهريين و كتبهم، فشاع تفسير الجلالين، و كثير من كتب المحلي، و لا سيما شرحه على جمع الجوامع، و شرح العيني على البخاري، و كتب الشيخ خالد الأزهري، مثل التصريح و شرح الأجرومية، و قد ورد ذكرهما كلها في المشيخات و الإجازات و التراجم، كما شاع التحديث في الإجازات بأسانيد شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري: آنا برواية التونسيين عن تلاميذه المصريين مثل رواية الشيخ أحمد بن إبراهيم الأندلسي عن الشيخ زين العابدين البكري عن أبيه عن الشيخ زكرياء. و آنا برواية التونسيين عمن لقوا الشيخ زكرياء من الفاسيين مثل رواية الشيخ خروف عن سقين العاصمي، كما في كثير من الإجازات التونسية، و المغربية بعامة، بسند الشيخ عبد القادر الفاسي المشهور. و ظهر بالأزهر في القرن العاشر أيضا أمثال الناصر اللقاني، و البدر القرافي، و القسطلاني، و ابن نجيم، فشاعت كتبهم بتونس في القرن نفسه، و لا سيما شرح القسطلاني على البخاري، و كتاب المواهب اللدنية له و شرح العلامة الشنشوري، خطيب الجامع الأزهر على متن الرحبية في الفرائض.

و كان من الذين طلعوا بتونس في أفق الزيتونة في القرن العاشر:

الشيخ محمد خروف و الشيخ محمد مغوش. أما الشيخ خروف فقد رحل إلى مصر، و أخذ عن الناصر اللقاني، و الشمس اللقاني و الشيخ أبي الحسن شارح الرسالة، بعد أن أخذ عن جماعة من التونسيين مثل الزنديري، و سليطن و محمد مغوش و قد شاع الأخذ عن الشيخ خروف في الأسانيد

257

الفاسية برواية أبي عبد الله القصاري و أبي المحاسن الفاسي و بواسطة خروف تتصل الأسانيد الفاسية بكثير من الشيوخ الأزهريين و كتبهم‏ (1) و أما الشيخ مغوش فقد نشأ بتونس و عظم شأنه فيها أواخر العهد الحفصي، ثم خرج إلى المشرق قبل منتصف القرن العاشر، و استقر بمصر، و توفى فيها، و قد انتشرت سمعته العلمية، في المشرق و المغرب، و أخذ عنه المشارقة و المغاربة. و من أشهر المصريين الذين أخذوا عنه شهاب الدين الخفاجي‏ (2).

فهؤلاء هم الذين زادوا بتلاواتهم و كتبهم و أسانيدهم، في تقوية الصلة و كان انتظام القطرين المصري و التونسي، في سلك الخلافة العثمانية في هذا القرن، معينا على زيادة التواصل بين الأزهر و الزيتونة، كما كان ظهور المذهب الحنفي في تونس، باستقرار النظام العثماني، مهيئا لأسباب الاتصال بأعلام من فقهاء المذهب و أساتذته بالأزهر، و ممهدا لانتشار كتبهم في تونس و دخولها في مناهج الدراسة مثل كتب ابن نجيم التي كان بعضها متابعة لدروسه بالأزهر مثل شرحه على المنار. و كتب الشيخ حسن الشرنبلالي التي كانت كذلك ناشئة من دروسه في الأزهر.

و بذلك كان كثير من مدرسي الزيتونة في القرن الحادي عشر تلاميذ لأعلام الأزهر: الشيخ إبراهيم اللقاني، و الشيخ عبد الباقي الزرقاني، و ابنه الشيخ محمد، و الشيخ الشبراخيتي، و شيخ الإسلام محمد الخرشي، فالشيخ المفتي محمد بن مصطفى كان تلميذ الشيخ إبراهيم اللقاني‏ (3) و الشيخ محمد بن شعبان قرأ على الشيخ إبراهيم اللقاني جوهرته في التوحيد

____________

(1) ترجمته في فهرس الفهارس ص 279 ط فاس و شجرة النور الزكية رقم 1061 و الإسناد عنه في إجازة الشيخ عبد القادر الفاسي.

(2) أخباره في كتاب المؤنس لابن أبي دينار ص 154 ط تونس الأولى ترجمته في نيل الابتهاج ص 336 و الشقائق النعمانية ص 52 ج 2 هامش وفيات الأعيان.

(3) ذيل بدائر أهل الإيمان لحسين خوجه ص 77 تونس.

258

بالجامع الأزهر (1) و هو الذي أقرأها بتونس، كما ذكر ذلك متلقيها عنه الشيخ محمد قويسم، في خاتمة كتابه: «سمط للآل» (2).

و كذلك الشيخ محمد زيتونة (3) و الشيخ محمد الصفار (4) و الشيخ محمد العواني‏ (5) و الشيخ أحمد برنار (6) و الشيخ محمد سعادة (7) و السيد أحمد الشريف إمام دار الباشا (8) و الشيخ علي النوري الصفاقسي إمام القراءات المشهور (9) و الشيخ محمود مقديش الصفاقس‏ (10) كانوا كلهم من تلاميذ أولئك الأعلام الأزهريين و بواسطتهم دخلت كتب هؤلاء الأئمة إلى تونس، و شاعت دراستها، و لا سيما شروح الشبراخيتي و الزرقاني و الخرشي على مختصر خليل و شرح الزرقاني على الموطأ، و شرحه على المواهب، و توجد خطوط هؤلاء الشيوخ إلى الآن في المكاتب بتونس: ففي المكتبة العبدلية إجازة الشيخ إبراهيم اللقاني بخطه، و في المكتبة العبدلية أيضا نسخة من شرح الأبي على صحيح مسلم بخطه أيضا كتبها سنة 1012 ه، و في تونس نسخة بخط الشيخ إبراهيم من كتاب مغنى اللبيب لابن هشام، و نسخة من شرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على المختصر هي أصله الذي بخطه.

و في المكتبة العبدلية جزء من شرح المواهب اللدنية للشيخ محمد الزرقاني، كانت من أملاك الأمير حسين باشا و قد قوبلت بإذنه على نسخة منسوخة من أصل المؤلف، المكتوب بخطه، الذي قرأه بدرسه على طلبته بالأزهر في آخر عمود.

____________

(1) الذيل ص 80.

(2) مخطوط.

(3) ذيل 134.

(4) ذيل 120.

(5) ذيل 100.

(6) ذيل 140.

(7) ذيل 161.

(8) شجرة النور 1188.

(9) شجرة النور 1255.

(10) شجرة النور 1462.

259

و كذلك شاعت الرواية بأسانيد أعلام المحدثين بالأزهر في ذلك القرن: مثل أسانيد الشيخ الطولوني يروى بها الشيخ محمد زيتونة، و أسانيد الشيخ الشبراوي يروى بها السيد أحمد الشريف‏ (1) و الشيخ علي النوري‏ (2).

و كان للعلامة التونسي محمد زيتونة رحلتان إلى مصر سنة 1114 ه و سنة 1124 ه خلفا صدى بعيدا و أثرا حميدا، في توثيق الصلات بين علماء الأزهر و علماء الزيتونة، بما عرف أهل الأزهر و علماء الأسكندرية من فضله و علمه، و ما أظهر في دروسه و مجالسه، مما نال ثناءهم، و جلب اعتناءهم لا سيما درسه في تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء ليلة المعراج في رجب من سنة 1114 ه بجامع تربانة بالأسكندرية، الدرس الذي نوه بذكره حسين خوجه في ذيل كتابه بشائر أهل الإيمان‏ (3) و كان ممن أخذ عن الشيخ زيتونة من علماء مصر المحدث الشيخ أحمد الصباغ الأسكندري، صاحب الثبت المشهور.

و كثيرا ما تصدت رحاب الأزهر بطلب الفتوى، في حوادث تنزل بالبلاد التونسية، أو قضايا يدق محل النظر فيها، كما وقع سنة 1046 ه في إمارة يوسف داي، أن وجه سؤال إلى علماء الأزهر في قضية حال تتعلق بتوريث زوجة شهد بطلاقها بعد موت الزوج، و كتب في (المسألة) رسالة الشيخ عمر بن علي الفكروني الأزهري، و هو تونسي الأصل، من مدينة سوسة، و كان قاضيا مالكيا بمصر شيخا لرواق المغاربة بالأزهر- و من تلاميذ الشيخ سالم السنهوري.

و اتصلت سلاسل الرواية، و الملاقاة، و تلقى الدروس، كامل القرن‏

____________

(1) فهرس الفهارس ج 2 ص 79 ط فاس.

(2) شجرة النور 1225.

(3) ص 134 ط تونس.

260

الثاني عشر، قوية نامية متتالية، و فيه شد كثير من التونسيين الرحلة إلى الأزهر لاستكمال تخرجهم فيه بالأساتذة الأعلام الذين كانت سمعتهم السائرة تجلب إليهم الشادين في طلب العلم من الآفاق، لا سيما و قد أثرت القرون الماضية في تشابه مناهج الدراسة، و اتحاد الكتب التي يزاولها الدارسون، و يعتني بتقريرها و التعليق عليها المدرسون، و الشراح، و المحشون، فمختصر خليل، و كتب القرافي، و البيضاوي، و كتب ابن هشام، و شرح الأشموني على الألفية، و كتب العضد، و التفتازاني، و كتب ابن حجر و السيوطي، و القاضي زكرياء، و أسانيد هؤلاء الثلاثة الأخيرين ذكرا، هي التي كان عليها مدار الدراية و الرواية، على السواء، بمصر و بتونس، و عليها عكف الطلبة، و بها تخرج العلماء في المعهدين العظيمين: الأزهر و الزيتونة. ففي الوقت الذي أقبل فيه الشيخ محمد بن سعيد الحجري، الملقب بالنحم الثاني على جامع الزيتونة، آتيا من قرية أبي حجر، في الساحل الشرقي التونسي، كان اثنان من تلك البلاد الساحلية نفسها قد وفدا على الجامع الأزهر: و هما الشيخ محمد سعادة و الشيخ عبد الرحمن بن جاد الله البناني. أما الشيخ محمد سعادة فقد رجع إلى تونس مملوء الوطاب، متين الأسباب، من دروس الشيخ محمد الزرقاني، و الشيخ أحمد الفقهيه، و الشيخ عبد الرءوف البشبيشي، و من أسانيد الشيخ علي الطولوني، و الشيخ عبيد النمرسي‏ (1).

و أما الشيخ البناني فقد أقام بمصر، و كان من أعظم علماء الأزهر و أكثرهم طلبة و أبعدهم شهرة، ناهيكم بشرحه على المحلي، و تقريراته على شرح التفتازاني على التلخيص.

و لقد كانت الكتب التي اعتنى بها كل واحد من هؤلاء الثلاثة: هي الكتب التي اعتنى بها بقيتهم في الزيتونة و في الأزهر: الأشموني، و مختصر

____________

(1) ترجمته في ذيل البشائر ص 160 ط تونس.

261

السعد، و تهذيب المنطق. فقد كتب الشيخ أبي سعيد و الشيخ سعادة كل منهما، حاشية علي الأشموني. أما حاشية الشيخ سعادة فكانت قبل حاشية الصبان، و لكنا لا نعرفها إلا ذكرا. و أما الشيخ ابن سعيد، و حاشيته مشهورة مطبوعة، فقد كان تدريسه الأشموني بتونس، و كتابته «حاشيته عليه في مدة تدريس الشيخ الصبان الأشموني بالأزهر، و وضع حاشيته عليه، فقد أتم الصبان حاشيته سنة 93 و أتم ابن سعيد حاشيته سنة 97 و كان الاتصال بين الحلقتين، بتردد الطلبة محققا، حتى أن الشيخ ابن سعيد كثيرا ما يجاذب الشيخ الصبان أبحاثه، و يعرض طريقته، و زيادة على اعتماد كل منهما على حاشية الشيخ يوسف.

و توجد بتونس كتب من ممتلكات الشيخ الصبان عليها خطة يقرب أن يكون هو- (رحمه اللّه)- مكن منها بعض طلبته و في مكتبتنا نسخة من كتاب النكت للسيوطي عليها تمليك الصبان سنة 1187 و بقيت صلات الود وثيقة بين الشيخ ابن سعيد و الشيخ البناني، و المراسلة بينهما متسقة و هما من قريتين متجاورتين (زينان، و بو حجر). ففي ديوان الشيخ ابن سعيد الذي سماه «الفلك المشحون» (1) رسالة من الشيخ البناني إليه بمناسبة سفر والده الشيخ ابن سعيد للحج و مروره بمصر، يجيبه فيها عن طلبه نسخة من حاشيته على المحلي بأنه سيكتبها بيده و يوجهها إليه فيما بعد، إلى أغراض أخرى. كل ذلك في أسلوب بليغ من خطاب المودة و التعظيم. و كذلك كان جواب ابن سعيد الذي تضمن، فيما تضمن من ثناء و تنويه استنجازا للوعد بإرسال حاشية المحلي.

و قد اشتهر اسم الشيخ ابن سعيد بمصر، و اعتنى بكتبه، مع أنه لم يعمر طويلا، حتى أن الشيخ حسن العطار، في منتصف القرن الثاني عشر اعتمد على حاشيته على شرح الخبيصي على التهذيب و جاذبه كثيرا من‏

____________

(1) مخطوط مكتبتنا الماسورية.

262

مباحثها، في ما كتب هو أيضا على نفس الكتاب، كما صرح بذلك في خطبة حاشيته و في ختامها.

و قد طبعت الحاشيتان معا، كتابا واحدا، في بولاق سنة 1296.

و لم يكن الراحلون إلى الأزهر من الزيتونيين في هذا القرن الثاني عشر محصورين في البناني و سعادة، بل غيرهما كثيرون. منهم الشيخ محمد بن علي الغرياني‏ (1) الطرابلسي الأصل الذي أخذ عن الشيخ محمد بن سالم الحفناوي، و السيد البليدي، و الشيخ محمد العشماوي و الشيخ أحمد العماري، و بعد زيارة- الحرمين الشريفين، و الأخذ عن أعلام البلد الحرام أمثال الجمال الأخير الطبري، و تاج الدين القلعي، و ابن عقيلة، رجع إلى الزيتونة و انتصب للتدريس و كان أستاذ الأساتذة و به اتصلت رواية الزيتونة بالأزهريين، و عنه يروى بتلك الأسانيد الشيخ عمر المحجوب في إجازته شيخ الإسلام محمد بن الخوجه التي في ثبته‏ (2)، و منهم الشيخ محمد بن حسين الهدة، صاحب الحاشية على شرح الورقات فقد أخذ عن الشيخ علي الصعيدي و السيد البليدي، و الشيخ الدمنهوري.

و انتصب للتدريس بجامع الزيتونة (3)، و كان يروي عن الشيخ الحفناوي و أجاز بسنده و عنه يروى به الشيخ عمر المحجوب كما في ثبت الشيخ ابن الخوجه أيضا. و منهم الشيخ إبراهيم بن علي شعيب الذي روى عن الحفناوي أيضا، و عنه روى الموطأ و الصحيحان بذلك السند في جامع الزيتونة، روى عنه الشيخ حمودة إدريس، الذي حدث عنه الشيخ المحجوب، كما في إجازة الشيخ إسماعيل التميمي‏ (4).

____________

(1) ترجمته في فهرس الفهارس ص 252 ج 2.

(2) مخطوط بمكتبتنا.

(3) ترجمته في أخبار أبناء الزمان لابن أبي الضياف ج 2 ص 15 ط تونس.

(4) ترجمة في ذيل البشائر ص 54.

263

و زاد في قوة انجذاب الزيتونيين إلى الأزهر في هذا القرن الثاني عشر أن حفلت مصر بمقدم أسانيد في البلاد الشرقية بلغت سمعتهم عنان السماء، يعتبر في مقدمتهم شهرة و علو مقام الحافظ محمد مرتضى الزبيدي فقد تسابق الناس للأخذ عنه، و تزاحموا على مجالس إملائه، حتى كان القاصدون إلى الحج- و لو من غير خاصة الطلبة يغتنمون إقامتهم بمصر عابرين لحضور مجالسه الجامعة و يكتب لهم الشهادة بالسماع، و الإجازة، و بذلك شاعت الرواية عنه، و انتشر خطه في الإجازات و الأثبات و كتب السنة المقروءة عليه. و من أخص تلاميذه من شيوخ الزيتونة الشيخ عمر بن المؤدب، و الشيخ محمد بن حمودة الصفار، و أبناء الشيخ الغرياني، بل إن عامة طلبة جامع الزيتونة في ذلك العصر يعتبرون طلبة له، لأنه كتب في إجازته لأبناء الشيخ الغرياني: كذا أجزت لطلبة العلم الملازمين في حلقة دروس والدهم و سائر أحبابهم و أصحابهم ممن فيه أهلية التحمل لهذا العلم‏ (1) و قد كان الشيخ مرتضى أخذ عن الشيخ الغرياني، كما أخذ عن الشيخ أحمد بن عبد الله السوسي من علماء الزيتونة و عن هذا الاتصال المحكم بين الأزهر و الزيتونة، في القرن الثاني عشر، تولدت صلات أشد إحكاما، و روابط أتم انتظاما، في القرن الثالث عشر؛ فقد استهل ذلك القرن و سمعة أعلام من الأزهريين قد ضربت ما بين المشرق و المغرب؛ بكتبهم القيمة التي شاعت في عصرهم و عم الإقبال عليها: مثل الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي، الذي عظمت شهرة دروسه و أسانيده و كتبه و اعتمدت حواشيه، و لا سيما حاشيته على شرح الدردير على المختصر الخليلي، التي اعتمدها فقهاء الزيتونة، في الدروس و الفتاوى و الأحكام، و علقوا عليها، و جاذبوا مؤلفها بحوثه و نقوله: و تحقيقاته فكان شيخ الإسلام أحمد بن حسين، و الشيخ المفتي محمد الشاهد، و غيرهما من شيوخ المذهب المالكي في أواسط القرن الثالث عشر، يعتمدون كلام الشيخ‏

____________

(1) بخطه في مكتبتنا.

264

الدسوقي، و يستندون إليه في فتاويهم و تحاريرهم، كما هو ثابت في الوثائق و منقول في الأخبار و كان للطباعة في القرن الثالث عشر، و لا سيما في النصف الأخير منه، أثر في سرعة ايصال الكتب و بسط شهرتها فعرفت كتب الشيخ الخضري، و الشيخ علي الصعيدي، و الشيخ الباجوري، و الشيخ العطار، و شاعت في مناهج الدراسة الزيتونية فقوي بذلك تشابه المناهج بين الزيتونة و الأزهر، حتى لم يبق فرق يذكر، لا في المناهج، و لا في صورة التكوين العلمي للخريجين. ففي الربع الأخير من القرن الماضي كان شيخ الإسلام سالم أبو حاجب‏ (1) يدرس الأشموني بجامع الزيتونة، درسا اشتهر و شدت له الرحال، و كان يتتبع حاشية الصبان. و يكثر البحث فيها و يكتب بحوثه و تقريراته، أو يكتبها طلبته، و كان الشيخ الأنباني، في تلك الأيام نفسها، يدرس الأشموني بالجامع الأزهر، و يكتب على حاشية الصبان و كان بعض الطلبة يتردد بين الدرسين: مثل الشيخ مصطفى بن خليل، فكانت المباحث التي تثار في أحد الدرسين يبلغ صداها إلى الآخر حتى أنه لما طبعت تقريراته الشيخ الإنبابي على الصبان، قضى الشيخ سالم العجب من توارد الخواطر، حتى عدل عن طبع تقريراته، إذ أصبح غالبها مستغنى عنه بما طبع من تقريرات شيخ الإسلام المصري، سمعت ذلك من كثير من أساتذتنا تلاميذ الشيخ سالم، كما سمعت منه شيئا يرجع إلى هذا المعنى في أسلوب حديثه الفكه و هو في العقد العاشر من حياته (رحمه اللّه) و انتهى القرن الثالث عشر بما كان من الروابط موصولا بين الأزهر و الزيتونة في ذات الفقيه الكبير الشيخ محمد عليش، الذي أخذ عن الشيخ محمود مقديش‏ (2) و روى عن الشيخ محمد بن ملوكة (3) و عنه أخذ كثير من الزيتونيين منهم الشيخ مصطفى بن خليل و كثيرا ما كانت تعرض المسائل عن الحوادث‏

____________

(1) شجرة النور 1689.

(2) شجرة النور 1544.

(3) شجرة النور 1559.

265

و الأحكام على الشيخ محمد عليش لأخذ فتواه فيها.

و قد كان من أجل الراجلين من الزيتونة إلى الأزهر في القرن الثالث عشر: الشيخ مصطفى بن خليل فقد كان أكمل تحصيله بالزيتونة و سمى عدلا بتونس، ثم سافر إلى مصر، فقرأ بالأزهر على الشيخ إبراهيم السقاء، و الشيخ عليش، و الشيخ الإنبابي، و أجازة الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الطهطاوي. و يوجد نص إجازته له بخطه في دار الكتب المصرية، ثم رجع الشيخ مصطفى إلى تونس في أواخر القرن الثالث عشر، و سمي مدرسا من الطبقة العليا بجامع الزيتونة، و علت منزلته، و أخذ عنه و تخرج به كثير من علماء النصف الأول من القرن الحاضر.

و إنه ليكفي لإظهار الامتزاج الذي اكتمل في القرن الماضي بين الأزهر و الزيتونة الرجوع إلى قوانين التعليم في المعهدين، حتى يتبين أن الكتب التي تدرس في مراتب التعليم الثلاث: الابتدائية و المتوسطة، و العالية، إنما كانت متحدة بصفة غالبة، لا يستثنى من ذلك إلا عدد قليل جدا، على ما جاء في الفصول 3، 4، 5، من الأمر العالي الصادر بضبط قانون التعليم في جامع الزيتونة سنة 1262 مع مقارنتها بما أثبته المرحوم الشيخ منصور رجب من أسماء أشهر الكتب التي تدرس بالأزهر في كتابه: «الأزهر بين الماضي و الحاضر» علاوة على أن الكتب التي كانت تدرس- بجامع الزيتونة و ضبطها قانون 1292 و هي مائة و خمسون كتابا يوجد من بينها ستة و أربعون كتابا هي مصرية أزهرية و كذلك ارتبط القرن الحاضر بالقرن قبله، إذ انعقدت من القرنين أسباب امتدت من السابق منهما و شدت باللاحق».

نعم «كانت العروة الوثقى لا انفصام لها» الجمعية التي أنشأها السيد جمال الدين الأفغاني، بعد خروجه من مصر سنة 1299 الوثاق الذي شدت به الصلات المتينة بين رجال من علماء الأزهر، انتصبوا لقيادة حركة الإصلاح في العالم الإسلامي، و آخرين من علماء الزيتونة، ساروا معهم‏

266

في ذلك السبيل‏ (1) فيهم الشيخ محمد بيرم، و الشيخ محمد السنوسي، و الشيخ أحمد الورباني، و استمر ذلك الاتصال يملأ قرننا الحاضر حركات متحدة المصادر، متشابهة المظاهر. بين الأزهر و الزيتونة و زار الشيخ محمد عبده تونس زيارته الأولى سنة 1302 و امتزج بعلمائها ثم عاد بعد عشرين سنة و ألقى محاضرته القيمة «العلم لطرق التعليم» و كان لمجلة المنار رواج واسع في تونس و أثر قوي في إشاعة دعوة الشيخ محمد عبده الإصلاحية.

و لا نريد أن ندخل في صلة هذه الحركة بالأزهر: و ما كان بين المنار و الأزهر، مما كتب فيه صاحب المنار كتابا خاصا. و لكننا نكتفي بأمرين هامين يتضح بهما ما كان لهذه الحركة من انتساب متين إلى الأزهر؛ يجعل انتشار دعوتها بتونس داخلا في موضوعنا أولهما أن قوام مجلة المنار، و أعظم مادتها، إنما كان ما تنشره من تلخيص دروس الشيخ محمد عبده في تفسير القرآن العظيم، و هي دروس أزهرية كانت تلقى في الرواق العباسي، و ثانيهما أن أهم ما تحدده المنار، من دعوة الشيخ محمد عبده، هي دعوته إلى إصلاح التعليم في الأزهر، و أقصى ما تقصد إلى تحقيقه هو أن يتولى الأستاذ الإمام أمر الأزهر، أو أن يكون مشاركا فيه مشاركة ذات نال، فكان من هنالك منشأ الأحداث التي شطرت الأزهر شطرين: بين مناصرين لدعوة الشيخ محمد عبده، و معارضين لها. و كان ذلك الانقسام ساريا إلى جامع الزيتونة فنشأت فيه حركة (2) فكرية قوية شطرت رجاله أيضا إلى شطرين بين أنصار دعوة الشيخ محمد عبده و المنار و خصومها، و جعلت أكثر الطلبة من شيعة مفتي الديار المصرية، و مطالبين بإصلاح التعليم الزيتوني على المبادى‏ء التي طالب بها لإصلاح التعليم الأزهري، و كانت حركات الطلبة في الأزهر مثالا موجها لحركات الطلبة في الزيتونة فلما أضرب الطلبة في‏

____________

(1) فهرس الفهارس ص 280 ج 1.

(2) كتاب الحركة الفكرية و الأدبية بتونس ص 43 ط معهد الدراسات العربية العليا بالقاهرة سنة 1956.

267

الأزهر سنة 1327 لم يتأخر الطلبة الزيتونيون أكثر من أربعة أشهر حتى ابتدأوا المظاهرات و الاضرابات و دخلت بذلك الحياة الزيتونية، تبعا للحياة الأزهرية في طور جديد (1).

و إلى جانب هذا التواصل في الحركة الإصلاحية، كان جانب آخر من التواصل الزيتوني الأزهري يتمثل في ما كان متمثلا فيه من قبل من البحث العلمي و الدراسة لقد استمر طلبة من الزيتونة يقصدون الأزهر، و آخرون من الأزهر يأتون الزيتونة و أصبحت الحياة النظامية في المعهدين تمهد لهؤلاء و هؤلاء سبيل الالتحاق بكل من المعهدين باعتبار ما بلغ إليه الطالب من درجة في المعهد الآخر. و إن من أشهر الأزهريين الذين آووا إلى الزيتونة فاعتبرت له دراسته الأزهرية. و سمح له بذلك الاعتبار أن يتقدم إلى امتحان «التطويع» مباشرة بدون أن يتدرج في مراحل الدراسة العلامة المرحوم، شهيد حركة العلماء المسلمين في الجزائر الشيخ محمد العربي التبسي الذي تخرج بشهادة التطويع عقب رجوعه من الأزهر سنة 1340.

كما استمرت آثار الدروس الأزهرية العليا محل الاعتناء و الإقبال من الأساتذة الزيتونيين، و الرواية متصلة الأسانيد بينهم أيضا.

فكان لشيخ الإسلام عبد الرحمن الشربيني في حياته، رواج عظيم لكتبه في الزيتونة حتى أن حاشيته على البناني على المحلي على جمع الجوامع كان يدرسها تدريسا شيخ شيوخ الزيتونة يومئذ أستاذنا شيخ الإسلام محمد بن يوسف فضلا عن أعلام الزيتونة من تلاميذه مثل أستاذنا المحقق الشيخ محمد الصادق القاضي، كان ذلك و الشيخ الشربيني حي، و قد علت سمعة تلك الحاشية، و اهتم الناس بها، و أصبحت مناط البحث و التحليل، حتى أن اتقان تدريس المحلي كان يقاس في الزيتونة باتقان تحليل الشربيني و تأصل ذلك في مقايس دروس المناظرات التي يتقدم بها خريجو الزيتونة

____________

(1) الحركة الفكرية ص 97.

268

لنيل منصب التدريس من الطبقة الثانية. و كذلك كان مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت معتني بتحاريره و أسانيده متلقاة من أكفائه سنا و مقاما- فقد اجتمع به الشيخ محمد بن يوسف في رحلته إلى مصر و الشام سنة 1327 و روى عنه، و حدث بسنده و قد حدثني به- رضي اللّه عنه- في إجازته إياي المكتوبة بخطه سنة 1342 عن الشيخ عبد الرحمن الشربيني عن الشيخ إبراهيم السقا عن الشيخ الأمير الصغير عن الشيخ الأمير الكبير ...

و أخذت سهولة الموصلات، و تيسير وسائل الحج تنمو بعد الحرب العالمية الأولى، فنمت معها الاتصالات الأزهرية الزيتونية و كثر سفر شيوخ الزيتونة للحج و العمرة، و كثرت بذلك زياراتهم للأزهر و التقاؤهم بعلمائه.

و حدثت بعد الحرب العالمية الثانية صور من التلاقي لم تكن تعرف من قبل، إذ نشأ التواصل الرسمي بين الجامعتين الأزهرية و الزيتونية فيما ربطت المواصلات بين الشيخين على عهد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور و الشيخ مصطفى عبد الرازق، و ما اتسق من صور التعاون الرسمي بين الجامعتين حتى أنه لما توفى شيخ الأزهر سنة 1367 أعلن شيخ جامع الزيتونة نعيه في الصحف ببلاغ رسمي، و عطلت الدروس في جميع المعاهد الزيتونية بالقطرين التونسي و الجزائري و كذلك اتبع الأمر في المناسبات المشابهة.

و لم تزل مظاهر الاتصال تبرز فيما بين المعهدين متعاقبة فقد ولى الشيخ محمد الخضر حسين التونسي مشيخة الأزهر الشريف عام 1374 ه، ثم كانت زيارة الأستاذ مدير الجامعة الأزهرية الشيخ أحمد حسن الباقوري، و التف حوله علماء الزيتونة و عظموا مقدمه، و قد خطب في جامع الزيتونة و قد انتدب غير مرة أستاذا زائرا للكلية الزيتونية المرحوم الشيخ منصور رجب الذي وافاه الأجل في مدينة تونس في ذي الحجة 1384- 15 أبريل 1965 بعد أن ترك فيها جمهورا من التلاميذ و الأحبة، و قد صلى عليه‏

269

شيوخ الزيتونة صفوفا بإمامة شيخهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قبل نقل جنازته إلى مصر.

و طالما اعتزت الكلية الزيتونية بتوالي زيارة الدكتور الشيخ عبد الحليم محمود الذي كانت زيارته الأولى سنة 1382، و جلس تحت قبة جامع الزيتونة الأعظم. ثم ترادف فضيلته على الكلية و أبنائها حتى أصبحت مشيخته للزيتونيين لا تضيق عن مشيخته للأزهريين.

270

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

271

الباب الثاني عشر

شخصيّات .. و مواقف‏

ابن السّبكى‏

عرف تاريخ الثقافة العربية كثيرا من البيوتات العلمية التي استفاض العلم فيها، و كان إرثا طيبا يؤول إلى الأبناء فيما يؤول إليهم من عقار و حطام، فكان علم الأبناء امتدادا ناضجا لعلم الآباء. و قد صان هؤلاء الأبناء ذلك الموروث العلمي العظيم، و عملوا على إثرائه و إخصابه.

و بحسبنا في هذا المقام أن نذكر الامام أبا حاتم الرازي، محمد بن إدريس بن المنذر، المتوفي سنة 277 ه. و ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، المتوفي سنة 327، من أئمة علم الجرح و التعديل. و الإمام ضياء الدين خطيب الري، عمر بن الحسين بن الحسن، و ابنه الفخر الرازي، محمد بن عمر، المتوفي سنة 606 ه من فرسان علم الكلام.

على أنه لم يستعلن تأثير والد في ولده كما استعلن في تاريخ الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، المولود في سنة 683 ه و المتوفى في سنة 756 ه. و ولده العلامة تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي، المولود في سنة 727 ه، و المتوفى في سنة 771 ه.

و قد أجمع المؤرخون على فضل الوالد وسعة علمه، فيقول عنه‏

272

الذهبي- فيما ينقل عنه السبكي:

«القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، كان صادقا ثبتا خيرا دينا، من أوعية العلم، يدري الفقه و يقرره، و علم الحديث و يحرره، و الأصول و يقربها، و العربية و يحققها». و يكفي دليلا على علم هذا الرجل أنه كان الوحيد من بين علماء عصره الذي تصدى لابن تيمية- على عنفه و شدته- ورد عليه في مسألتي الطلاق، و زيارة قبر النبي عليه الصلاة و السلام، و هما المسألتان اللتان زعزع بهما ابن تيمية كيان العلماء في عصره. فرد عليه الإمام السبكي في مسألة الطلاق برسالتين: رافع الشقاق في مسألة الطلاق. و التحقيق في مسألة التعليق. ورد عليه في الزيارة برسالة: شفاء السقام في زيارة خير الأنام. أو شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة. و يقول فيه ابن تيمية: «لقد برز هذا على أقرانه».

و قد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري- عصر الموسوعات العلمية، هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الاسلامي، و التي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.

و قد ولد تاج الدين بالقاهرة، و نسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية. و لم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو و اللعب، كما يفعل لداته و أترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم و تطلب الفتيا. فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل و اتئاد في الأزهر الشريف حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد. و كان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، و جلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد «طبقات الشافعية الكبرى».

لقد انفسح هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب‏

273

الشافعي- لكثير من المباحث الفقهية و الفتاوي الشرعية، و المقالات، و المناظرات، و النوادر و الملح، كما حفل بالضوابط اللغوية و مسائل علم الكلام و الأصول. كما كان مصدرا أدبيا لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب.

و كان أيضا مرجعا أصيلا في جمع أشعار الشعراء. على أن أهميته الكبرى بعد كل ذلك ترجع إلى أنه حفظ لنا كثيرا من النصوص التي ضاعت أصولها. كتاريخ نيسابور، للحاكم النيسابوري محمد بن عبد اللّه، المعروف بابن البيع، المتوفى سنة 405 ه و تاريخ مصر لابن يونس، عبد الرحمن بن أحمد المتوفى سنة 347 ه، و غير هذين الكتابين كثير من هذه الأمهات التي عبث بها الزمان.

و قد عالج ابن السبكي في كتابه هذا ذلك المنهج العلمي، الذي عرف فيما بعد، و نسب إلى ابن خلدون، ذلك المنهج القائم على تمحيص الأخبار، و التنبه لما تفعله المعاصرة و العصبية في المذهب.

استمع إليه يقول في ترجمة أحمد بن صالح المصري، في الطبقة الثانية: «و مما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد، و اختلافها بالنسبة إلى الجارح و المجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة، فجرحه لذلك». و لم تقف تلمذته للإمام الذهبي حائلا دون نقده مر النقد لمخالفته هذا المنهج القائم على الحيدة و التجرد، فيقول عنه: «و هو شيخنا و معلمنا، غير أن الحق أحق أن يتبع، و قد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه».

و لكن هذه الحياة العلمية المخلصة لم تشغل صاحبنا عن أن يلمس مظاهر الضعف و العسف التي استعلنت في الحكم المملوكي الجائر.

فظهرت دعواته الإصلاحية النقدية في كتابه القيم: «معيد النعم و مبيد النقم». لقد كان هذا الكتاب ثورة عاتية على نظم الحكم، و أخلاق الناس‏

274

فقد أتيح لابن السبكي من خلال مشاركته في الحياة العامة- مدرسا و خطيبا و قاضيا- أن يرى و بحس مدى التمزق الذي شمل الأمة نتيجة للحكم المملوكي البغيض، الذي نبتت فيه فكرة «تركي و فلاح». و الذي استأثر فيه المماليك بالمناصب الكبرى، و تركوا أصحاب الأرض الحقيقيين يشربون العرق و يقتاتون السهد. و قد وضع ابن السبكي كتابه هذا ردا على سؤال ورد عليه، أو وضعه هو بين يدي كتابه، موضوعه: «هل من طريق لمن سلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه، وردت عليه» و أجابه عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة و صراحة طوائف الأمة، ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف، آخذا في طريقة نواب السلطان و القضاة و المدرسين و رجال الدين من العلماء و الصوفية.

استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عموما، فيقول: «و قد اعتبرت كثيرا من الأتراك يميلون إلى أول شاك، و ما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم» ثم يسخر من هؤلاء الأتراك و تعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة، فيقول: «و أما أنك ترتكب ما نهى اللّه عنه و تترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان، فلا و اللّه لن يتقبله اللّه تعالى أبدا». ثم يتكلم عن السلطان و يحدد اختصاصاته فيقول:

«إن اللّه لم يوله على المسلمين ليكون رئيسا آكلا شاربا مستريحا، بل لينصر الدين و يعلي الكلمة». و حين يتحدث عن العلماء و المفتين يأخذ على بعض هؤلاء و أولئك تعصبهم لمذاهبهم، و أضاعتهم الوقت في الخلافيات، فيقول مخاطبا العلماء: «لو أن الشافعي و أبا حنيفة و مالكا و أحمد أحياء يرزقون لشددوا النكير عليكم و تبرأوا منكم فيما تفعلون» ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «و منهم طائفة تصلبت في أمر دينها، فجزاها اللّه خيرا، تنكر المنكر و تتشدد فيه، و تأخذ بالأغلظ، و تتوقى مظان التهم، غير أنها تبالغ فلا تذكر لضعفة الايمان من الأمراء و العوام إلا أغلظ المذاهب، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم و سرعة نفورهم. فمن حق هذه الطائفة

275

الملاطفة و تسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير، إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقا، كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شي‏ء من حرمات اللّه».

و يرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجا تربويا راشدا حين يقول:

«و حق عليه أن يحسن إلقاء الدرس و تفهيمه للحاضرين، ثم أن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم و يأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق و إن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات». و تتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة و الإقطاع. فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش و تحديد اختصاصاته يقول: «و من قبائح ديوان الجيش الزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة. و الفلاح حر، لا يد لآدمي عليه، و هو أمير نفسه».

و بعد ... ألا تعتقد معي أيها القارى‏ء الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا، كمصلح اجتماعي، و كعالم نفساني، بصير بالنفس الإنسانية، عالم بضعفها.

و كان طبيعيا بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم و أخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل و مصير أسرته للزوابع و الأعاصير. فيعزل عن منصب القضاء، لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» و تجري له محاكمة، يحكم عليه فيها بالحبس سنة. و لكن هل ضعف ابن السبكي، أو تخاذل؟ استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن و الشدائد ما لم يجر على قاض قبله. و حصل له من المناصب و الرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، و إبان في أيام محنته عن شجاعة و قوة على المناظرة، حتى أفحم خصومه، ثم لما عاد عفا عنهم، و صفح عمن قام عليه».

276

و بعد هذه الحياة الخصبة الزاخرة بالعلم و الإصلاح انطفأت هذه الشعلة التي توهجت عبر أربع و أربعين سنة. و حق لابن السبكي أن يقول في زهو و رضا، في ورقة كتبها إلى نائب الشام: «و أنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة».

توفي تاج الدين شهيدا بالطاعون (بالدهشة) ظاهر دمشق، في ذي الحجة. خطب يوم الجمعة، و طعن ليلة السبت رابعه، و مات ليلة الثلاثاء سابعه سنة 771 ه و دفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع و أربعين سنة، بعد أن جلا صفحة مشرقة في تاريخ علماء المسلمين.

277

الشيخ محمد الحفني شيخ الأزهر

الشيخ‏ (1) الإمام العلامة، أوحد زمانه علما و عملا، المشهود له بالتحقق و الكمال، و المجمع على تقدمه في كل مجال أبو الأنوار شمس الدين محمد الحفني بن السيد سالم بن علي الحفناوي، الأزهري، الشافعي الخلوتي، الذي ينتسب إلى الإمام الحسين بن علي رضي اللّه عنهما، و هو الثامن من الأئمة الكبار، الذين تولوا مشيخة الأزهر الشريف.

ولد رضي اللّه عنه على رأس سنة 1100 ه بقرية حفنا التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، و نسب إليها، حتى صارت هذه النسبة علما عليه بالغلبة، و صار لا يذكر إلا بها.

نشأ بقريته، و حفظ بها من القرآن الكريم إلى سورة الشعراء، و كان أبوه وكيلا لأحد الأمراء، و يقطن بالقاهرة. مقر عمله، فأبقاه لديه. و لما أكمل حفظ القرآن الكريم، اشتغل بحفظ المتون: كألفية ابن مالك، و السلم، و الجوهرة، و غيرها، ثم جاور بالأزهر الشريف و أخذ عن شيوخه العلم- و كلهم أئمة بنورهم ينجلي الظلام، و أقطاب ببركتهم يدرك المرام- منهم: محيي السنة الشيخ أحمد الخليفي، و الشيخ أحمد الملوي،

____________

(1) عن مجلة الأزهر الأستاذ أحمد نصار.

278

و الشيخ محمد الديربي، و الشيخ عبد الرءوف البشبيشي، و الشيخ محمد السجاعي، و الشيخ يوسف الملوي، و الشيخ عبده الديوي، و الشيخ محمد الصغير.

و من أجل شيوخه، الذين سمع منهم: شيخ المحدثين الشيخ محمد البديري الدمياطي الشهير بابن الميت. أخذ عنه التفسير و الحديث و الإحياء للإمام الغزالي، و صحيح البخاري و مسلم و سنن أبي داود، و سنن النسائي، و سنن ابن ماجه و الموطأ و المعجم الكبير و الأوسط و الصغير للطبراني، و صحيح ابن حبان، و الحلية للحافظ أبي نعيم، و غير ذلك.

و اجتهد و لازم، حتى شهد له شيوخه جميعا بالتفوق، و أثنوا على دقة فهمه، و رجحان عقله، و سعة معرفته و أجازوه بالإفتاء و التدريس، و هو لم يتجاوز الثانية و العشرين من عمره المبارك، فكان أمره عجبا يلفت النظر، لقصر هذه المدة، التي حفظ فيها القرآن، و أتم طلب العلم فصار أهلا للإفتاء و الجلوس للتدريس، و لكن ابن العناية ملحوظ فأقرأ الكتب الدقيقة في حياة شيوخه، و شهد له معاصروه بالبراعة، و الإجادة في الإفادة و لازم درسه أكثر طلبة العلم.

و كان إذ ذاك في ضيق من العيش. و في ذلك يقول:

إني أقول لنفسي و هي ضيقة* * * و قد أناخ عليها الدهر بالتعب‏

صبرا على شدة الأيام، إن لها* * * وقتا و ما الصبر إلا عند ذي الحسب‏

و لكن هذا الحال، لم يخرجه عن القناعة و الرضا، و لم يبد منه أن لدنيا عنده قدرا فقد أنشد:

خبز و ماء و ظل‏* * * هو النعيم الأجل‏

جحدت نعمة ربي‏* * * إن قلت إني مقل‏

ثم أخذ بالأسباب لزيادة دخله، فاشتغل بنسخ الكتب بالأجر، و إن كان ذلك‏

279

قد شق عليه، خوفا من أن يشغله النسخ عن متابعة إقراء العلم، و لكنه لم يستمر طويلا حتى أذن اللّه فجاءه الفرج و أقبلت الدنيا عليه، و صار رزقه فيضا إلهيا، فاتجه بكليته إلى العلم و عقد الدروس، و قرأ جمع الجوامع للعلامة السبكي، و الأشموني على الألفية و مختصر السعد، و حاشية حفيده عليه. و ابن عبد الحق على البسملة، و غيرها.

و اشتغل بعلم العروض، حتى برع فيه و أجاد نظما و نثرا، حتى عرف بالفصاحة، و جودة البيان، و كثيرا ما كان يرتجل الشعر، فمن ذلك قوله:

أتطلبون رضائي الآن عن نفر* * * قلوبهم بنفاق لم تزل مرضى‏

تجاهروا بقبيح الفسق، لا ربحوا* * * إن كنت أرضى، فإن اللّه لا يرضى‏

و من نثره: من رسالة لبعض تلاميذه في الطريق، و قد جمعت بين قوة الأسلوب و عذوبة اللفظ، و ضمت إلى حسن التوجيه، نهجا عاليا في التربية و التهذيب، قال فيها:

«.. و من زاد عليك إقباله، و توجهت إليك بالصدق آماله، فاصرف قلبك إليه، و عول في التربية عليه، و من عنك بهواه صد، بعد أخذك عليه وثيق العهد، فدعه و لا تشغل به البال، و أنشده قول أستاذنا (أي السيد مصطفى البكري) لمن عن طريقنا قد مال:

ألم تدر أنا من قلانا سفاهة* * * تركناه غب الوصل يعمى بصده‏

و من صدعنا حسبه الصد و الجفا* * * و إن الردى أصماه من بعد بعده‏

و من فاتنا يكفيه أنا نفوته‏* * * و أنا نكافيه على ترك حمده‏

و إنا غدا لما نعد محبنا* * * و اتباعنا لسنا نهم بعده‏

و من أردت زجره للتربية و إرشاده، فليكن ذلك على انفراد، إذ هو أرجى لإسعاده، و لا تزجر بضرب و لا نهر بين الناس، فإن ذلك ربما أوقع المريد من اليأس، و لا تلتفت لمن أعرض، و لا لمن يصحبك لغرض،

280

و عليك بالرفق للإخوان، سيما أخوك فلان، فالخير لمن صاحب بإحسان، و الأدب و اللطف محمودان، و الغلظة و الحقد موبقان، فاصرح القال و القيل، و اصفح الصفح الجميل، و لك و لكل من أخذ عنك أو حبك، منا و من أهل سلسلة طريقتنا ما سرك، فابشر إن عملت بما أشرنا بكل خير، و مزيد الفتح، و المسير في السير».

و قد تخرج عليه غالب أهل عصره و طبقته، و من دونهم: كأخيه الشيخ يوسف الحفناوي، و الشيخ إسماعيل الغنيمي صاحب التآليف البديعة، و التحريرات الرفيعة، و شيخ الشيوخ على الصعيدي العدوي، و الشيخ محمد الغيلاني، و الشيخ محمد الزهار، و غيرهم، و كانت على مجالسه هيبة و وقار قلما يسأله أحد لجلالته.

و من مؤلفاته المشهورة التي أتحف بها المكتبة العربية في كل علم و فن:

1- الثمرة البهية في أسماء الصحابة البدرية: في التاريخ.

2- حاشية على شرح الأشموني على الألفية: في النحو.

3- حاشيته على شرح الهمزية لابن حجر الهيثمي: في الأدب.

4- رسالة في التسبيح و التحميد: في الفضائل و الآداب.

5- رسالة في التقليد في الفروع: في أصول الفقه.

6- رسالة في الأحاديث المتعلقة برؤية النبي (صلى اللّه عليه و سلّم).

7- حاشية على الجامع الصغير للسيوطي في جزءين: في الحديث.

8- حاشية على شرح الشنشوري على الرحبية: في المواريث.

9- حاشية على مختصر الشيخ التفتازاني.

281

10- حاشية على شرح الحفيد على مختصر جده التفتازاني: في البلاغة.

و كان الشيخ الحفني، حسن السمت، مهيب الطلعة، معتدل القامة، لا بالطويل البائن و لا بالقصير، عظيم الهامة، كث اللحية أبيضها، مقوس الحاجبين، رحب الراحتين، سواء الظهر و البطن، أبيض اللون مشرب بحمرة، كأن على وجهه قنديلا من النور.

و كان كريم الطبع، جميل، السجايا لم يضبط عليه مكروه، على جانب عظيم من الحلم، ما جهل عليه أحد إلا قابل السيئة بالحسنة. يعظم كل الناس، و يتمثل قائما لكل قادم، و يخاطب كل إنسان على قدر عقله، و يصغي لكلام كل متكلم و لو كان تافها، و لا يضجر إن أطال عليه، بل يظهر له المحبة، حتى يظن أنه أعز الناس عليه، و أقربهم إلى قلبه. و كان لا يعلق نفسه بشي‏ء من الدنيا فلو سأله إنسان أعز حاجة عليه أعطاها له، كائنة ما كانت و يجد لذلك أنسا و انشراحا و إذا دعى أجاب، إلا أنه كان يعتذر من عدم حضور الولائم. لأنه يرى أنها غير مضبوطة بالأمور الشرعية.

و له صدقات و صلات خفية، و كان يتولى الصرف على بيوت كثير من أتباعه المنتسبين إليه و لا ينقطع ورود الواردين عليه ليلا و نهارا، و قد قيل إن راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الأردب. و يجتمع على مائدته ما لا يقل عن الأربعين.

و لما بلغ الثلاثين من عمره، كثر انقطاعه للعبادة. و تهيأ للسلوك و الاندماج في الطريق فأخذ عن الشيخ أحمد الشاذلي المعروف بالمقري و تلقى منه بعض الأحزاب و الأوراد و كان يتردد على زاوية سيدي شاهين الخلوتي بسفح المقطم و يمكث فيها الليالي متحنثا. و قد ذكر الشيخ حسن شمه: أنه كثيرا ما كان ينشد في الدياجي.

خل الغرام لصب دمعة دمه‏* * * حيران توجده الذكرى و تعدمه‏

282

و اسمح له بعلاقات علقن به‏* * * لو اطلعت عليها كنت ترحمه‏

و قال: سمعته مرة ينشد من شعره:

لو فتشوا قلبي لا لفوا به‏* * * سطرين قد خطا بلا كاتب‏

العلم و التوحيد في جانب‏* * * و حب آل البيت في جانب‏

و لما قدم السيد مصطفى البكري عمدة أهل الطريقة الخلوتية من الشام سنة 1133 ه اجتمع عليه و حصل بينهما الارتباط القلبي حال المشاهدة، فأخذ عليه العهد في أول لقاء، ثم اشتغل بالذكر و المجاهدة و لما علم السيد صدق حاله، و حسن فعاله، قدمه على خلفائه، و أولاه حسن ولائه، و دعاه بالأخ الصادق.

و في سنة 1149 ه حن إلى زيارة شيخه البكري، فسافر إلى القدس الشريف، و أقام عنده أربعة أشهر، عاد بعدها إلى القاهرة، و أدار مجالس الأذكار، بالليل و النهار، و أحيا طريق الخلوتية، المؤيدة بالشريعة الغراء، في الديار المصرية و لم، يزل أمره في ازدياد و انتشار حتى شاع ذكره و أقبل عليه الوافدون من كل فج، و صار الكبار و الصغار، و الرجال و النساء، يذكرون اللّه بطريقته، و أصبح قطب الوقت بحق، و لم يبق ولي من أهل عصره إلا أذعن له.

و كان من تلاميذه: شيخ القراء المحدثين، و صدر الفقهاء المتكلمين العابد الزاهد الشيخ محمد السمنودي المعروف بالمنير، و علامة وقته الشيخ حسن الشبيني، و الشيخ محمد السنهوري و الشيخ محمد الزعيري، و الشيخ خضر رسلان، و الشيخ محمود الكردي. و الشيخ عبد اللّه الشرقاوي الذي تولى مشيخة الأزهر، و الإمام الأوحد الشيخ محمد بدير، و الشيخ محمد الهلباوي الشهير بالدمنهوري، و الشيخ محمد السقا، و الشيخ محمد الفشني، و الشيخ عبد الكريم المسيري الشهير بالزيات، و أبو البركات الشيخ‏

283

أحمد محمد الدرير العدوي، و الشيخ حسن بن علي المكي المعروف بشمة.

قوم إذا جن الظلام عليهم‏* * * قاموا هنالك سجدا و قياما

و للشيخ الحفني رضي اللّه عنه، كرامات و بشارات و خوارق و عادات يطول شرحها ذكر بعضها تلميذه الشيخ حسن شمه، الناظم الناثر في كتابه الذي ألفه في نسبه مناقبه و قد ضمنه مقامة في مدحه، أسماها: فيض المغني في مدح الحفني، جمع فيها سائر فنون الشعر، و لتلميذه العلامة الشيخ محمد الهلباوي الدمنهوري كذلك مؤلف في مناقبه و من قصيدة له في مدحه:

سبحانك اللّه ما الحفني ذا بشر* * * لكنه ملك قد جاء للبشر

محجب عن عيون الواصلين فما* * * بال الخليين من سر و من ثمر

هذا الفريد الذي نادى الرفاق به‏* * * فسار كل أسير نحو مقدر

جلت محاسنه عن كل ما وصفوا* * * فليس يحصرها لب من الغرر

و هو الذي ورثته الأنبيا رتبا* * * فضلا من اللّه لا بالجد و السهر

علما و حلما و توفيقا و مكرمة* * * و حسن حال مع التسليم للقدر

و قد تولى مشيخة الأزهر في سنة 1171 ه و مكث فيها حتى وافاه داعي السماء، بعد أن ملأ الدنيا نورا و بركة، قبل ظهر يوم السبت 27 ربيع الأول سنة 1181 ه، و صلى عليه في الأزهر يوم الأحد، في مشهد عظيم جدا و دفن بقرافة المجاورين القديمة مع أخيه العلامة الشيخ يوسف الحفناوي المتوفى سنة 1178 ه.

284

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

285

أزهريون خالدون‏

كانت للعلماء، في جميع عصور الإسلام، الريادة و القيادة: يرودون الحياة أمام الناس و يقدمون لهم ثمرة هذه الريادة من العلم و التجربة و الثقافة و الفضائل و التقوى. و يقودونهم- أفرادا و جماعات- إلى طريق الخير و الفلاح. و في بعض عصور التاريخ نجد لهؤلاء العلماء ريادة أخرى و قيادة للسياسة و الثورة في سبيل رفع الظلم و رد العدوان. كان ذلك أوضح ما يكون الوضوح في مصر في القرن الثامن عشر، حين أفحش الظالمون في ظلمهم و اعتدى المعتدون على وطنهم.

في هذا القرن كانت تقوم ثورات شعبية كثيرة يهب فيها أهل مصر لرد عدوان الظالمين- و عقابهم أيضا- و كان علماء الأزهر (1) يشاركون الشعب إحساسه و ثورته، بل كثيرا ما كانوا يقودونه في ثورته، و يحرضونه.

الشيخ الدردير يقود ثورة:

و للشيخ أحمد الدردير- و كان مفتيا للمالكية و من أكبر علماء عصره- في ذلك مواقف كريمة نذكر بعضا منها:

____________

(1) الاستاذ محمود الشرقاوي عن مجلة الأزهر.

286

في يوم من أيام ربيع الأول من سنة 1200 ه (يناير 1786 م) قام حسين بك شفت‏ (1) أحد كبار المماليك، و معه طائفة من جنوده قاصدا منطقة الحسينية و اقتحم دار رجل اسمه أحمد سالم الجزار، كان رئيسا على دراويش الشيخ البيومي، و نهب الأمير حسين دار هذا الشيخ. و في صباح اليوم التالي ثار جماعة من الحسينية، و خرجوا إلى الأزهر، و شكوا أمرهم إلى الشيخ أحمد الدردير، فشجعهم في ثورتهم، و غضب لهم و قال لهم: أنا معكم. فقام الغاضبون إلى أبواب الأزهر فغلقوها، و صعدت طائفة منهم على المآذن يصيحون، و يدقون الطبول، و انتشر الناس في الأسواق و قد ظهر عليهم الغضب و التحفز، و أقفل التجار متاجرهم. فلما رأى الشيخ الدردير ثورتهم هذه قال لهم: موعدنا غدا لنجمع الناس من أطراف المدينة، و بولاق و مصر القديمة، و أسير معكم إلى بيوت هؤلاء الأمراء ننهبها كما ينهبون بيوتنا. و سينصرنا اللّه عليهم، أو نموت شهداء. و بعد ساعات من النهار أرسل إبراهيم بك: شيخ البلد و كبير المماليك، نائبه، و أميرا آخر إلى الشيخ الدردير يرجوه أن يرسل إليه قائمة بجميع ما نهب من بيت الشيخ الجزار حتى يرده إليه.

و في شهر جمادى الآخرة من السنة نفسها كان مولد السيد البدوي، في طنطا، و كان الشيخ الدردير في المولد، و جاء كاشف‏ (2) الغربية، من قبل إبراهيم بك، ففرض على الناس مغارم ثقيلة، و أخذ إبلا لبعض الأعراب كانوا يبيعونها في المولد، فشكوا أمرهم إلى الشيخ، فأمر بعض أتباعه أن يذهبوا إلى الكاشف، فخشوا بطشه و لم يذهبوا، فركب الشيخ بنفسه و معه بعض أتباعه، و كثير من العامة. فلما أقبل على خيمة الكاشف ناداه فحضر إليه. و كلمه الشيخ، و هو على ظهر بغلته، و قال له: إنكم لا تخافون اللّه، و اشتد عليه بالزجر و التأنيب. فلما رأى الناس ذلك خرجوا عن‏

____________

(1) يقول الجبرتي إن «شفت» معناها اليهودي و الأرجح انها محرفة من كلمة «جفت» التركية.

بهذا المعنى.

(2) كاشف: حاكم.

287

طورهم، و ضربوا نائب الكاشف، و قامت فتنة بينهم و بين الجند ضرب فيها و أسر واحد من أتباع الشيخ، و ذهب كاشف المنوفية و كاشف الغربية بعد ذلك يعتذران إلى الشيخ، و لما عاد إلى القاهرة قدم إبراهيم بك بنفسه إلى منزله معتذرا و معه كبار المماليك.

الشيخ عباس و وقف المغاربة:

و قبل ذلك بعشر سنوات آلت بعض الأوقاف المحبوسة على طلبة العلم إلى طلبة المغاربة، و لكن واضع اليد جحد هذه الأيلولة و أبى أن يسلم الحق لأصحابه، و لجأ في ذلك إلى الأمير يوسف بك أمير الحج فنصره هذا على باطله، و أقام المغاربة دعواهم أمام القاضي فأثبت لهم حقهم، و لكن الأمر كبر على يوسف بك، و أبى أن يمتثل لحكم القضاء، بل أمر بالشيخ عباس- زعيم المطالبين بوقف المغاربة- أن يساق إلى السجن. فلما ذهب رسل الأمير يوسف بك إلى الأزهر لأخذ الشيخ عباس طردهم الأزهريون و سبوهم و لم يمكنوهم منه، ثم قصدوا إلى الشيخ أحمد الدردير فأخبروه الخبر، فكتب الشيخ إلى يوسف بك ألا يتعرض لأهل العلم، و ألا يعاند في حكم أصدره القاضي، و أرسل الشيخ كتابه هذا إلى يوسف بك مع شيخين اختارهما لذلك. فلما وصل الشيخان برسالة الدردير أمر يوسف بك بالقبض عليهما و زجرهما زجرا شديدا ثم سجنهما.

و وصل خبر ذلك إلى الشيخ الدردير، و أهل الأزهر، فاجتمعوا عند الصباح و أبطلوا دروس العلم، و الأذان، و الصلاة. و أقفلوا أبواب الجامع.

و جلس العلماء عند القبلة القديمة. و كان الأزهر يموج بالناس، فصعد الصغار منهم إلى المنارات و المآذن يكثرون من الدعاء على الأمراء. و شارك الشعب أهل الأزهر شعورهم بالسخط و احتجاجهم على الظلم، فغلقت الحوانيت و المتاجر، و عرف الأمراء ما جرى فأرسلوا إلى يوسف بك ليطلق سراح الشيخين، فأطلقهما، و أرسل شيخ البلد إبراهيم بك، كبيرا من‏

288

رجاله إلى العلماء، فلم يستطع إرضاءهم، و جاء كبير آخر يطلب إلى الناس أن يفتحوا متاجرهم، و ينصرفوا لشأنهم. فذهب إليه طلبة الأزهر، و جموع من الشعب بأيديهم العصى و المساوق، و ضربوا أتباع هذا الكبير و رجموهم بالحجارة. فأطلق عليهم هو و رجاله الرصاص. و قتل ثلاثة من الطلبة، و جرح بعض أفراد الشعب و خشى الأمراء بعد ذلك أن يتفاقم الخطب، و تزيد ثورة الشعب و العلماء اشتعالا، فأرسلوا في اليوم التالي كبيرا منهم، مع الشيخ السادات، و آخرين من الأمراء. و رأوا من الحكمة ألا يذهبوا إلى الأزهر، في وسط هذه الفتنة فجلسوا في مسجد الأشرف، و أرسلوا إلى أهل الأزهر و من معهم من الثائرين، أن طلباتهم أجيبت، فلم يقنعهم ذلك، و لم يتركوا أماكنهم. فلم ير إسماعيل بك، كبير الأمراء، بدا من أن يذهب بنفسه إليهم، فنزل مع الشيخ السادات، و لم يستطع أن يواجه الثائرين داخل الأزهر، فجلس مع السادات في مسجد المؤيد، و أرسلا إليهم كتابا تعهد فيه إسماعيل بك أن يجيب رغائبهم و يقبل جميع ما يطلبون، و قال: إن ضمينه في ذلك الشيخ السادات، و ظل إسماعيل بك يراسل المتترسين داخل الأزهر يوما كاملا حتى استجابوا، و فتحوا أبواب الأزهر، و كان مما شرطوه على إسماعيل بك ألا يمر الأغا، و لا الوالي، و لا المحتسب قريبا من الأزهر.

الشيخ السادات يقود الثورة:

كان الشيخ السادات، من أكبر الشيوخ مقاما، و أعظمهم شأنا، و أوسعهم جاها و ثروة، و أعزهم منزلة لدى الناس، و لدى الأمراء على السواء. و لكنه، مع اختيار نابليون له عضوا في الديوان، و زيارته له في بيته، كان من أكبر خصوم الفرنسيين، و المحرضين على الثورة عليهم.

فعند ما قامت ثورة القاهرة الأولى تبين أن زعيمها الأول هو الشيخ السادات. و ثبت لديهم ذلك حتى أمر الجنرال كليبر بإعدامه، و لكن نابليون‏

289

رده عن ذلك، مع يقينه من زعامته للثورة، و قال: إن قتل شيخ في مكانة السادات يضر أبلغ الضرر بمركز الفرنسيين، و يزيد في حقد المصريين و كراهتهم له.

ثم قامت ثورة القاهرة الثانية على الجنرال كليبر. و كان السادات من المحرضين عليها. فجاءت فرصة كليبر لشفاء ما في نفسه من السادات.

و كان يذكر نصيحة نابليون فلم يقتله. و لكنه أوقع به من العذاب و المهانة شيئا كثيرا. حيث فرض عليه ضريبة فادحة، قدرها مائة و خمسون ألف فرنك. فلما رفض أن يدفعها أمر بسجنه في القلعة. و كان ينام على التراب، و يمشون به على قدميه في شوارع القاهرة، و يضرب في صباح كل يوم خمس عشرة عصا، و مثلها في كل مساء و حبسوا أتباعه و خدمه. و طلبوا زوجه و ابنه فلم يجدوهما. فعذبوا خادما له عذابا شديدا حتى دل على مكانهما، فسجنوهما. و وضعوا معه زوجته في سجن واحد، فكانوا يضربونه أمامها، و هي تبكي. و هاجموا داره، ففتشوها و نهبوا ما كان فيها من مال و متاع و حفروا أرضها للبحث عما فيها من سلاح و مال. و جعلوا على بيته عشرين حارسا. و عندما أعادوا تشكيل «الديوان» (1) أخرجوه منه.

و بعد أن أنزلوه من القلعة عادوا فسجنوه فيها مرة أخرى خمسين يوما، ثم أخرجوه بعد أن أتم دفع ما فرضوا عليه، و لكنهم عادوا فصادروا جميع ممتلكاته و إقطاعياته- و كانت شيئا كثيرا- و حبسوا مرتباته و أوقافه و أوقاف زوجاته، و ريع الأوقاف التي كانت محبوسة على زوجة أجداده. و شرطوا عليه ألا يجتمع بالناس، و ألا يخرج إلا بإذنهم، و أن يقتصد في نفقاته، و ينقص عدد أتباعه و خدمه.

____________

(1) عند ما دخل نابليون القاهرة ألف «الديوان» من طبقتين «العمومي» و «الخصوصي» و كان الأخير يتألف من كبار العلماء و التجار و أهل الرأي و المنزلة من المصريين. و كان رئيسه الشيخ عبد الله الشرقاوي و من أبرز أعضائه الشيخ السادات.

290

و يخاف منه الأتراك أيضا:

و عند ما قدمت الحملة التركية الإنجليزية لحرب الفرنسيين و إخراجهم من مصر، سنة 1801، و علم الجنرال مينو، نائب نابليون و قائد الجيوش الفرنسية، أنها نزلت أبي قير في الأسكندرية، أمر، للمرة الرابعة، بالقبض على الشيخ السادات حتى لا يثير المصريين عليهم. و سجن في القلعة، و بقي فيها سجينا حتى بارح الفرنسيون مصر.

و قد مات ابن الشيخ السادات و هو في السجن فلم يسمحوا له بالخروج ليراه، بل أذنوا له بالسير في جنازته تحت الحراسة، ثم أعادوه إلى السجن.

و من مواقف الشيخ السادات الوطنية الكريمة، أنه عند ما ضرت الحرب و الحصار بالثائرين في القاهرة، التزم بالإنفاق على المحاربين و المجاهدين في المنطقة التي كان يقيم فيها، عند قناطر السباع.

و مات الشيخ السادات بعد ذلك في مارس سنة 1813 في عهد محمد على بعد أن عرف له الناس و سجل التاريخ هذه الشجاعة و هذا البذل.

291

الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي‏

فرغ الشيخ سليمان الجوسقي‏ (1) من صلاة الفجر في الجامع الأزهر على عادته في كل يوم، و لكنه في ذلك اليوم كان يبدو على غير عادته في كل شي‏ء، فهو ساهم واجم يستغرقه تفكير عميق ثقيل، و هو في تفكيره منصرف عن كل شي‏ء من حوله، حتى كان إخوانه يتلقونه بتحية الصباح فلا يجيبهم، و كان طلابه يكبون على يده يقبلونها فيلقيها إليهم في إغفال و استسلام كأنه لا يبالي شيئا من أمرهم.

و مضى الشيخ الجوسقي إلى حلقة الدرس و هو على هذه الحال، ساهم واجم، مستغرق في ذلك التفكير العميق الثقيل، و لقد أخذ مكانه في حلقة الدرس و الطلاب يحفون به منصتين، و لكنه جلس صامتا واجما لم يتكلم بكلمة، و لم يعنه أن يسأل الطلاب فيما حققوا من مسائل الدرس أو صادفوا من مصاعبه كشأنه معهم في كل يوم.

و ما كان الشيخ الجوسقي هكذا أبدا، و لا عرف طلابه عنه هذه الحال في يوم من الأيام، فقد كان شيخا مكفوف البصر، يتولى شئون طائفة العميان و التدريس لهم في الأزهر، و لكنه لم يكن يرى في تلك المحنة حدا

____________

(1) مجلة الأزهر الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف.

292

يعوقه عن أي شأن من شئون الحياة، فكان معروفا بين إخوانه بقوة الشكيمة و الصرامة في الحق، يحرص كل الحرص على مصالح طائفته، و يبذل كل الجهد لاستخلاص حقوقهم، و لو أدى ذلك إلى الاعتماد على القوة، و الالتحام في المعركة، و كان إلى جانب هذا متفتح النفس، يهش للدعابة، و يطيب له التبسط في الحديث مع طلابه و مريديه، و يعنيه أن يتحقق بنفسه شئونهم العامة، و مسائلهم الخاصة، و من ثم كان طلابه يخشونه أشد الخشية، و يحبونه أعظم الحب، و كان إذا ما أقبل على الدرس في كل يوم بعد الصلاة الأولى أقبلوا عليه، فيفضون إليه بما في نفوسهم، و يسمعون منه بما يشير به عليهم، ثم يفرغون معه لدرس التفسير في كتاب اللّه الكريم، و ما يزالون حتى ترتفع الشمس، ثم ينصرفون للاستعداد لدرس آخر.

و لكن الشيخ أقبل على طلابه في ذلك اليوم، و هو على تلك الحال التي لم يألفوها منه، و لم يعرفوها عنه، و أشفق الطلاب أن يكون قد نزل بشيخهم مكروه في نفسه أو في أسرته، فقال قائل منهم: لا بأس على مولانا الشيخ فيما نرى، فقد فات موعد الدرس و هو منصرف عنا!

قال الشيخ في صوت محتبس أجش: كيف و هذا هو اليأس يأخذ بنواصينا و أقدامنا، و هذا هو الكرب يشد على خناقنا شدا عنيفا، فليس لنا منه متنفس. و فيم أنتم و هذا الدرس، و ما هو إلا كلام تلو كونه بألسنتكم، و تخورون به خوار البقر، و لكنكم و اللّه لا تحسونه بقلوبكم، و لا تعرفون فيه حق دينكم، و هل حسبتم أن الإسلام هو تلك الكلمات التي ترددونها و تناقشونها ثم تنصرفون بها إلى الناس، و كأنها تجارة كلامية، حسبكم من الربح فيها تلك الفضلات التي تقيم أودكم، و تمسك رمقكم، إذن فيا ضيعة الإسلام فيكم، و يا خسارته بكم، و لست أدرى أهي نهاية الزمان، أم أن اللّه مقيض لهذا الأمر من ينهض به و يبعثه بعثا جديدا في عقول هذه الأمة و قلوبها؟!

293

قال الطالب: و هل عرف شيخنا على أحد منا سوءا في دينه، أو تفريطا في حق من حقوقه؟!

قال الشيخ: و ما ذا بقي هناك من حقوق دينكم؟ و أي أثر لذلك في نفوسكم؟ لقد جل الخطب حتى أوشك أن لا يبقى من هذا الدين بقية تتصل بأرواحكم، هؤلاء هم الفرنسيون الكفار قد وطأوا بلادكم فسكتم، ثم انتهبوا دوركم و أموالكم فأذعنتم، ثم انتهكوا حرماتكم و أعراضكم فرضيتم و صبرتم، و ها هم أولاء- فيما عرفت- يعمدون إلى تغيير نظام المواريث في دينكم، فيجعلون حق الإرث كله للبنت و ليس للولد منه شي‏ء كما هو شرعهم، و متى بطل جزء من الشريعة فإنها جميعها لا بد صائرة إلى المسخ و الزوال، و إنكم لصائرون غدا أرقاء في خدمة هؤلاء الفرنسيس الكفار، و بكم تكون نهاية هذا الدين، و زوال الملة، و نعوذ باللّه من هذا الزمان.

و سرت بين الطلاب همهمة و غمغمة، و ارتفعت الصيحات استنكارا لتلك النازلة الساحقة التي حلت بالمسلمين في دارهم، و وقف بعض الطلاب يتكلمون، فمنهم من يلقي اللوم على أولئك المماليك الجبناء الذين فروا من مواجهة العدو و تركوا الشعب يتلظى في أتون المعركة، و منهم من يعتب على دولة بني عثمان التي تركت الفرنسيين يصلون إلى فتح هذه الديار، و منهم من يسب الخائنين و المارقين من أبناء الطوائف الدخيلة على البلاد لأنهم تعاونوا مع العدو و مكنوه من رقاب الشعب، و منهم من يقول:

إنه غضب اللّه على المسلمين جزاء ما فرطوا في دينهم، و حقوق ملتهم.

و عاد الشيخ الجوسقي يتكلم فقال: حسبكم يا أبنائي هذا الضجيج على غير طائل، إننا اليوم لسنا في مقام توزيع التبعات و ليس من الحكمة أن نترك السفينة تهوي إلى القاع و نحن مشغولون بمعرفة الملوم في هذه الكارثة، و إنما الواجب أن نفزع لدفع النازلة التي حلت بنا ثم نصفي أمورنا

294

إذا بقي لنا أمر بعد ذلك، فحرام عليكم طعامكم و شرابكم، و حرام عليكم أن تقيموا على الضيم في وطنكم، و أن تجلسوا في هذا المكان باسم الإسلام و الفرنسيون يصنعون بإسلامكم ما شاءوا أن يصنعوا.

قال قائل منهم: و ما ذا في طاقتنا أن نصنع إزاء حرب الفرنسيين. و قد حرمنا نعمة البصر فما ندري إلى أين نسير، و اللّه يقول: «ليس على الأعمى حرج».

و لم يكد الطالب بتم قولته حتى انفجر الشيخ كالبركان قائلا: ألا لعنة اللّه عليكم إن كان هذا هو مدى إدراككم و يقينكم، نعم لا حرج عليكم فيما هو من شئونكم الخاصة، و لكنكم اليوم إزاء كارثة حلت بدار الإسلام، و إنها لآخذة برقابكم جميعا، و اللّه يقول: «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»، فانفروا إلى الناس في دورهم، و حيث هم في أعمالهم، و تفرقوا على أبواب الطرق و الحارات، و قولوا لكل من لقيتم إنكم اليوم بين شقي الرحى، و إن الفرنسيين قد استباحوا حرماتكم، و أهانوا شرفكم، و نهبوا أموالكم، و بدلوا دينكم، فلا عزة لكم بين الأمم، و لا كرامة لكم عند ربكم إذا ما رضيتم بهذا الأمر فيكم.

و وقف الشيخ في انفعال و قوة، و أخذ يصرخ قائلا و الدموع تنحدر على خديه: و اللّه ما قام عمود هذا الدين إلا بالجهاد، و لا أزهرت شجرة الإسلام إلا بدماء الشهداء، و لقد خاض رسول اللّه الحرب حتى شج وجهه و كسرت رباعيته، و في سبيل اللّه استشهد سادتنا من الصحابة و التابعين، فلعنة اللّه علينا إن كنا من القاعدين بعد اليوم .. ثم اندفع الشيخ و اندفع معه طلابه إلى الخارج و هم يصيحون: إلى الجهاد و الاستشهاد، إلى الموت في سبيل اللّه .. و كانت الثورة.

كانت الشمس ترتفع للضحى، و كانت القاهرة تبدو هامدة واجمة

295

تحت وطأة ذلك الكابوس الفرنسي الذي جثم على قلبها فجأة، و كان الناس يغدون و يروحون و هم لا يدرون من أمرهم شيئا لليوم أو الغد، فما هي إلا ساعات من نهار حتى كانت القاهرة تغلي كالمرجل، و كان الناس يقفون فيها على قدم و ساق متوثبين متحفزين لأمر له ما بعده، فقد تفرق شيوخ الأزهر و طلابه على أبواب الطرق، و تغلغلوا في الحارات و الأزقة بحي الأزهر و الحسينية، و راحوا يتحدثون إلى الناس بشأن هؤلاء الفرنسيين الذين استعمروا بلادهم و نهبوا أموالهم، و اسباحوا حرماتهم، و أخذوا يذكرونهم بحق الدين في الجهاد و الاستشهاد، و كأنها كانت الشرارة قد اندلعت في الهشيم، فإذا بالجموع تتداعى من كل ناحية، و الصيحات ترتفع من كل جانب: إلى الجهاد، إلى الاستشهاد، النصر للإسلام.

و اتصل الخبر بالسلطات الفرنسية، فركب الضابط «ديوي» على رأس قوة كبيرة من الفرسان و الجنود، و مر بشارع الغورية، و عطف على خط الصنادقية، ثم قصد إلى بيت القاضي فوجد جموعا كبيرة من المصريين و هم يصيحون و يتوعدون، فتراجع أمامهم و أراد أن يخرج من بين القصرين، و لكنهم أدركوه و التحموا به في معركة عنيفة أسفرت عن جرح «ديوي» بجراح بالغة و قتل أكثر فرسانه و جنوده، و لم يفلت القائد الفرنسي من براثنهم إلا بأعجوبة ... و أيقن أبناء القاهرة أن هذه المعركة ليست إلا بداية موقف حاسم بينهم و بين الفرنسيين، و أخذوا من وقتهم يستعدون لهذا الموقف، فرابطت الجموع عند الأطراف و على مداخل القاهرة عند باب الفتوح و باب النصر و البرقية و باب زويلة و باب الشعرية، و أقاموا المتاريس في كل مكان مفتوح للهجوم، و أخرجوا ما عندهم من السلاح و الذخيرة، و باتوا الليل ساهرين منتظرين.

و أصبح الصباح، و كانت القوات الفرنسية قد أخذت أماكنها فوق تلال البرقية و القلعة، و هي مستعدة بالعتاد الكامل، و المدافع الثقيلة، ثم أخذت تقصف القاهرة بالقنابل و ركزت الضرب على حي الأزهر بصفة خاصة،

296

و تساقطت القنابل على الدور و فوق السكان، و لم يكن دوي القنابل مألوفا لعامة الشعب، فسار بينهم الفزع و الرعب، و لكن المرابطين على المتاريس وقفوا ثابتين يدافعون في شجاعة و عناد، و أمضت القاهرة ليلة مظلمة لم تعهدها من قبل، فكنت لا تسمع في وسط ذلك الظلام الخانق الرهيب، إلا دوي القنابل و هي تتساقط في كل مكان، و إلا صيحات المجاهدين و المدافعين و هي تتجاوب بالثبات و الإقدام، و طال الترقب، و الفريقان يتبادلان الرمي و الضرب، و أرسل الفرنسيون إلى شيوخ الأزهر أكثر من مرة لعلهم يتدخلون لتهدئة الثورة، و لكن المواطنين أصروا على الكفاح إلى آخر رمق من حياتهم.

و استمرت المعركة دائرة يومين و ليلة و تساقط القتلى من الجانبين في الشوارع و الطرقات و تهدمت الدور في كثير من المواقع، و بقي المواطنون في أماكنهم صامدين، يناضلون و يدافعون حتى فقدت الذخيرة منهم، فوقفوا عن الضرب و الرمي، و انفتحت الأبواب أمام الفرنسيين، فانحدروا إلى القاهرة بخيلهم و رجلهم و هم يمعنون في الأهالي العزل قتلا و فتكا، و عاثوا في حي الأزهر جميعه، ثم اقتحموا الجامع الأزهر بخيولهم، و استباح أولئك الذين جاءوا يبشرون في الشرق بمبادى‏ء الثورة الفرنسية ذلك الحرم المقدس، فربطوا فيه خيولهم، و شربوا فيه الخمور، و عاثوا بكل ما فيه من المصاحف و الكتب و الخزائن فسادا و تلفا و داسوها بنعالهم.

و أصبح الصباح في اليوم التالي، و كانت القوات الفرنسية كلها قد تجمعت في حي الأزهر و في جميع الأحياء التي عضدت الثورة، و أخذوا ينهبون الدور و يبحثون عن السلاح في كل مكان، ثم أخذوا يبحثون عن الشيوخ الذين تزعموا الثورة و اعتقلوا الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان، و الشيخ أحمد الشرقاوي، و الشيخ عبد الوهاب الشبراوي، و الشيخ يوسف المصيلحي، و الشيخ إسماعيل البراوي، و حبسوهم في بيت البكري‏

297

بعض الوقت، ثم نقلوهم إلى القلعة ..

و قصد الشيخ السادات و معه بعض كبار المشايخ بالأزهر إلى القائد الفرنسي و طلبوا منه العفو عن الشيوخ المعتقلين فأمهلهم بعض الوقت، و في كل يوم كانوا يذهبون إليه متشفعين فيمهلهم حتى يستقر الأمن، و بعد خمسة عشر يوما انكشفت الحقيقة في صنع الاستعماريين، فقد وجدت جثث الشيوخ الخمسة وراء سور القلعة، بعد أن قتلهم الفرنسيون و مثلوا بهم أشنع تمثيل، ذلك لأنهم ارتكبوا أشنع جرم في حق أبناء المدنية الفرنسية، فطالبوا بحق أمتهم في الحرية و الحياة ...

298

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

299

رفاعة رافع الطهطاوي‏

* رفاعة رافع الطهطاوي .. ولد في ديسمبر سنة 1801 ببلدة طهطا محافظة جرجا و يختلف المؤرخون حول يوم مولده.

* كان والده تاجرا صغيرا توفي و رفاعة في سن الخامسة عشرة فرحل إلى القاهرة طلبا للعلم و التحق بالأزهر و قد كانت وسيلة سفره سفينة شراعية فاستغرقت الرحلة أسبوعين.

* في عام 1824 عين واعظا و إماما لإحدى فرق الجيش النظامي الذي أسسه محمد علي و كان قائدا لفرقة حسن المانسترلي «بك».

* سافر إلى فرنسا عام 1826 إماما للبعثة التعليمية المصرية بباريس و تقرر له مرتب يوزباشي .. و حضر قيام الثورة الفرنسية ضد شارل العاشر سنة 1830.

* تأثر بالعلوم السياسية الفرنسية فترجم الدستور الفرنسي «دستور 1814» معلقا على مواده بما يدل على فهم دستوري صحيح.

* عاد إلى مصر سنة 1831 فتولى منصب أستاذ ترجمة و تدريس اللغة الفرنسية بمدرسة الطب.

300

* في عام 1833 نقل من مدرسة الطب إلى المدفعية برتبة أميرلاي و عهد إليه بترجمة العلوم الهندسية و الفنون الحربية.

* أنشأ مدرسة الألسن سنة 1836 بسراي الألفي بالأزبكية.

* في عام 1851 أرسله الخديو عباس الأول إلى السودان بعد أن أغلق مدرسة الألسن بحجة توليه إدارة مدرسة أنشئت بالسودان و كان القصد إبعاده.

* عاد من السودان عام 1854 بعد وفاة الخديو عباس و تقلب في عدة وظائف حتى أسندت إليه سنة 1855 وكالة المدرسة الحربية.

* أسس أول مدرسة لتعليم البنات سنة 1873.

* من أشهر كتبه .. «تخليص الإبريز في تلخيص باريس».

* توفي في 27 مايو سنة 1873 .. و نشر نعيه بالوقائع السرية جريدة الدولة الرسمية.

إن أول صحفي في مصر (1) بل و في العالم العربي كله، كان أزهريا و هو المرحوم الشيخ إسماعيل بن سعد الشهير بالخشاب قال عنه:

(الفيكونت فيليب دي ترازي) في كتابه (تاريخ الصحافة العربية) عند حديثه عن البعثة العلمية التي رافقت حملة نابليون بونابرت إلى مصر أنها أحضرت معها مطبعة من باريس ثم يقول:

(و أول عمل باشرته هذه البعثة العلمية أنها نشرت ثلاث جرائد في المطبعة المذكورة إحداها (الحوادث اليومية) كان يحررها إسماعيل بن سعد الخشاب و هي جدة الصحف في لغة الناطقين بالضاد).

و يقول عنه الجبرتي في كتابه التاريخي المعروف: (تولع السيد إسماعيل بحفظ القرآن ثم بطلب العلم و لازم حضور السيد علي المقدسي‏

____________

(1) مجلة الأزهر- الأستاذ محمد علي غريب.

301

و غيره من أفاضل الوقت و أنجب في الفقه الشافعي و المعقول و تثقيف اللسان و الفروع الفقهية الواجبة و الفرائض.

إلى أن يقول:

و لما رتب الفرانساوية ديوانا لقضايا المسلمين تعين المترجم في كتابة لتاريخ لحوادث الديوان، و ما يقع فيه من ذلك اليوم .. لأن القوم كان لهم مزيد اعتناء بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم و أماكن أحكامهم ثم يجمعون المتفرق في ملخص، يرفع في سجلهم، بعد أن يطبعوا منه نسخا عديدة يوزعونها في جميع الجيش ... حتى لمن يكون منهم في غير المصر من قرى الأرياف، فتجد أخبار الأمس معلومة للجليل و الحقير منهم.

فلما رتبوا ذلك الديوان، كما ذكر كان هو المتقيد برقم كل ما يصدر في المجلس: من أمر و نهي، أو خطاب أو جواب، أو خطأ أو صواب، و قرروا له في كل شهر سبعة آلاف و نصف فضة.

فلم يزل متقيدا في تلك الوظيفة مدة ولاية عبد الله جاك مينو، حتى ارتحلوا من الإقليم. و لقد جمع من سجلات الحوادث عدة كراريس و لا أدري ما فعل بها.

هذا هو إسماعيل الخشاب، أول صحفي عربي على الإطلاق، خرج من الأزهر إلى الصحافة، و كانت صحيفته صغيرة لا يقرؤها إلا القليلون.

و يجيى‏ء من بعده المغفور له الشيخ (رفاعة رافع الطهطاوي) و هو المقصود بحديثنا و صاحب أكبر فضل على النهضة العلمية و الأدبية و الاجتماعية في مصر، و لقد ولد عام 1801 و توفي عام 1873 و كانت مسقط رأسه مدينة (طهطا) في الصعيد و لقد نشأ في أسرة كانت من أهل اليسار ثم أخنى عليها الدهر فمضى والده في طلب الرزق إلى مدينة (قنا) و بعدها إلى مدينة (فرشوط).

302

و قد سافر إلى فرنسا و رأى حرية هناك جعلته يشعر بالطغيان الذي يعانيه أبناء وطنه مصر و رأى ما يمكن أن يقدمه الفكر الراجح من أساليب النشاط الإنساني في شتى مناحي الحياة، و في فرنسا رأى الصناعة الزاخرة بالخير و النفع على الفرنسيين أجمعين فدعا إلى التصنيع في بلاده.

و لقد دعا رفاعة الطهطاوي، المصريين إلى الحفاظ على نعمة الحرية و إعلاء شأن الفكر و إنشاء المصانع لتنافس أمتهم أرقى شعوب العالم في الحضارة و المدنية، و لتعود إليها سيرتها الأولى في التقدم و الازدهار.

و عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر و كله شعلة من الوطنية المتأججة، فأشار على محمد علي بأن يصدر صحيفة «الوقائع المصرية» و تولى الشيخ رفاعة رياسة تحريرها و راح يكتب فيها المقالات التي تحث على استنهاض الهمم و بعث الشعور القومي و شحذ العزائم في سبيل خدمة الوطن.

و هي أقدم جريدة عربية على الإطلاق إذ لم تسبقها جريدة عربية أنشأها عربي في وطننا العربي الكبير.

و ما صنعه رفاعة الطهطاوي لأمته يكثر إحصاؤه على المغرمين بالأرقام، فقد ترجم عشرات الكتب من الفرنسية إلى العربية و أودع ثمراتها عقول أولئك المتعطشين إلى العلم و المعرفة، و بارك اللّه في جهوده فألف و صنف، و كانت غاية جهاده أن يرتقي بأمته إلى المكان الذي رأى فيه فرنسا.

و لقد خلف رفاعة الطهطاوي وراءه ثروة أدبية ضخمة هي طراز لما يجب أن يقوم به الرائد العظيم نذكر منها: (خلاصة الإبريز) و الديوان النفيس) و (التعريبات الشافية لمريد الجغرافية) و (جغرافية ملطبرون) و (قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل و الأواخر) و (المرشد الأمين في تربية البنات و البنين) و (التحفة المكتبية) و (مواقع الأفلاك في أخبار تليماك) و (مباهج الألباب المصرية في مناهج الألباب العصرية) و

303

(مختصر معاهد التنصيص) و (المذاهب الأربعة) و (شرح لامية العرب) و (القانون المدني الإفرنجي) و (توفيق الجليل و توثيق بني إسماعيل) و (هندسة ساسير) و (رسالة في الطب) و (جمال الأجرومية) و (نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز).

و هكذا عاش رفاعة الطهطاوي حياته كلها خادما أمينا للدين و للعلم و للمعرفة باذلا غاية جهده في تحريك موجات الفكر في بحرنا الآدمي المتلاطم.

304

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}