الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
305

صورة عن الامام الشيخ محمد عبده‏

نسبه و مولده و نشأته:

هو محمد بن عبده بن حسن خير الله، من أسرة مصرية ريفية متوسطة الثراء، في قرية من إقليم البحيرة بشمال مصر تسمى محلة نصر، و كان أبوه يشتغل بالزراعة شأنه شأن سكان الريف جميعا. و ولد له ابنه محمد في عام 1266 ه. و نشأ في أول الأمر مدللا ثائرا على وضعه الاجتماعي، فأبى أن يشارك أباه في عمله، و عزف عن التعليم في مكتب القرية على عادة أمثاله ولداته، و ظل كذلك حتى بلغ العاشرة من عمره، و اشتد القلق بوالده فأحضر له فقيها لازمه حتى حفظ القرآن الكريم. و تعلم مبادى‏ء القراءة و الكتابة، ثم أرسل به إلى طنطا فجود القرآن و أحسن تلاوته، ثم ألحقه بمعهدها الديني. و قد بلغت سنة خمسة عشر عاما، و لكن محمدا لم يتفتح قلبه لطرق الدراسة حينذاك، ففر من معهده مرارا، و أبوه يحاوله و يعالجه، و هو يلج في العناد و الإباء. و أخيرا نزل ضيفا على خال لأبيه في إحدى القرى المجاورة لبلدته، و كان عالما ذكيا استطاع أن ينفذ إلى قلبه، و أن يحبب إليه العلم و الدراسة، فلقنه تفسير القرآن. و قرأ عليه عدة كتب في الحديث من أشهرها موطأ الإمام مالك، ثم عاد بعد ذلك إلى معهده فأتم الدراسة فيه، و انتقل إلى الأزهر في عام 1282 ه و رأى أن ينتقل من‏

306

مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة لأنه المذهب الرسمي للحكومة و عليه القضاء و الفتيا، و ظل ينازع نفسه، و يغالب السأم و الملال من الدراسات المعقدة و الأساليب الملتوية، حتى حصل على شهادة العالمية في عام 1294 ه، و قد انتزعها انتزاعا بعد معارضة بعض العلماء في منحة إياها لجرأته و صراحته، و زرايته بنظم الأزهر و طريقة التدريس فيه في ذلك الوقت، و اصطدامه ببعض شيوخه و مخالفتهم في كثير من الآراء و العقائد.

ثقافته و أساتذته:

كان الإمام ذكيا ألمعيا يتمتع بذهن متوقد، و فكر ثاقب، و نفس طلعة متحررة، لا تحب القيود، و لا تخضع لما تواضع عليه الناس، فمال إلى التزود بجميع أنواع الثقافات، و فتن بالعلوم العقلية و اللسانية و الأدبية، و استقى الدين من منابعه الأولى، ضاربا صفحا عما ابتدعه العلماء من مذاهب و عقائد، و ما أدخلوه في الدين من بدع و أساطير و خرافات.

اقتنع الشيخ بانحراف العلماء عن سنة السلف، و مال إلى الدراسة الاستقلالية الحرة، و شغف بالتاريخ و المنطق و الفلسفة الإسلامية، و الرياضة و الفلك، و تلمس السبل لفهم ما استعصى عليه، فاتصل و هو طالب بعالم فحل اسمه الشيخ حسن الطويل، و لازمه و أفاد منه، و وجد عنده ما افتقده عند غيره من العلماء فلم يظفر به، و اتصل كذلك بجمال الدين الأفغاني منذ وفد علي مصر و أخذ عنه الأدب و التوحيد و المنطق و أصول الفقه و الفلسفة و غير ذلك من العلوم- كما أخذ عنه آراءه في السياسة و الاجتماع، و ثورته على ظلم الحكام و استبداد الولاة، و دعوته إلى نظام شورى إسلامي يقضي على المطامع و النفعية و الاستغلال.

بيئته و أثرها في حياته:

نشأ الشيخ في عصر يموج بالأحداث و الأعاصير، و تتوالى فيه الكوارث السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. فقد كبل إسماعيل البلاد

307

بأغلال الدّين، و مكن للأجانب من التدخل في شئونها، و الإشراف على مواردها و منحهم امتيازات سيطروا بها على الوطنيين و انتشروا في المدن و القرى يبيعون الخمر و السموم، و يتعاملون بالربا، و تسقط الثروات في أيديهم كما تسقط أوراق الشجر أدركه الخريف، ثم كان عهد توفيق و قيام الثورة العرابية، و استعانة هذا الحاكم الخائن بالإنجليز ليحتلوا البلاد و ينكلوا بقادتها و زعمائها، و يلقوا بهم في السجون و المعتقلات، و يقذفوا ببعضهم إلى خارج البلاد ليذوقوا مرارة النفي و ألم البعاد و التشريد، و كان للشيخ دور بارز في مقاومة البغي و العدوان، و جاهد بقلمه و لسانه في صفوف الثورة، و أفتى بخلع الخديو فحكم عليه بالنفي، و قضى عدة سنوات بسوريا و فرنسا و تونس، و لقي من الشدائد و الأهوال ما اللّه به عليم.

و لكن الإمام أفاد من هذا الكفاح، و اكتسب خبرة بشئون الحياة لم تتهيأ لغيره من القادة و الزعماء، و لم يكّف عن أداء رسالته الدينية و الوطنية، فتولى التدريس بسوريا و تونس، و اشترك مع جمال الدين الأفغاني في إنشاء صحيفة العروة الوثقى بفرنسا، و عاد من النفي أمر عودا و أصلب مكسرا، و كانت له بعد ذلك جولات و صولات.

تقلبه في مناصب الدولة:

تولى الشيخ عقب تخرجه في الأزهر دراسة التاريخ الإسلامي بدار العلوم، و دراسة اللغة العربية بمدرسة الألسن، ثم عزلته الحكومة من عمله مخافة انتشار آرائه و أفكاره بين التلاميذ، و قوة تأثيره في الأوساط الوطنية و الشعبية، ثم اختير بعد ذلك لرياسة تحرير الوقائع المصرية، و بعد عودته من النفي أبعد عن التدريس، و عين قاضيا بالمحاكم الأهلية، و عضوا في مجلس الأزهر الأعلى، ثم اختير لمنصب الإفتاء و عضوية مجلس الأوقاف الأعلى، كما كان عضوا بمجلس الشورى، و رأس جمعية إحياء العلوم‏

308

العربية التي أسست سنة 1318 ه، و إليه يرجع الفضل في نشاط هذه الجمعية و إحياء كثير من كتب الأدب و الدين و غيرهما.

وطنيته و دعوته للحرية السياسية و الفكرية:

عاش الشيخ طول حياته مجاهدا مكافحا، داعيا للتحرر الوطني، و إرساء قواعد الحكم الشورى، و مقاومة المحتلين و أذنابهم، و عمل على نشر الوعي القومي في نفوس النش‏ء، و تحرير الفكر العربي من شوائب الجهالة، و تكوين مجتمع إسلامي يتعاون أبناؤه لإقامة وحدة تعمل على ترقية شئونهم السياسية و الاجتماعية، و قد ألهب عواطف الوطنيين بقلمه و لسانه، و بث بذور الثورة على الطغيان التركي، و فساد أداة الحكم في مصر. و لو أن العرابيين استمعوا لنصحه، و تريثوا قليلا حتى يستكملوا عدتهم و عتادهم لبلغت الثورة هدفها، و آل حكم البلاد إلى بنيها، و نجت مصر من الاحتلال الإنجليزي الذي جثم على صدرها طويلا.

إصلاحاته و آراؤه. و الصراع بينه و بين علماء عصره:

كان الشيخ يرى أن إصلاح المجتمع الاسلامي يجب أن ينبع من الأزهر، و أن يكون علماء الدين هم رسل النهضة و قادة الإصلاح، و لكي يقوم الأزهر برسالته لا بد له من الخروج عن عزلته و جموده، و أن يوثق صلته بالشعب، و يجدد في نظمه و طرق التدريس فيه، و يطهر الدين من الشوائب و الخرافات، و أن يعيد النظر في الآراء الاجتهادية التي أثبت العلم بطلانها، و يعالج المشاكل التي نبتت في العصور الحديثة و يبين حكم الدين فيها، و أن يعني بالتقويم الخلقي و محاربة البدع و الضلالات، و الرد على ما أثاره خصوم الإسلام من شبه تتناول أصوله و فروعه، و أن يعد أبناءه للاضطلاع بوظائف الدولة، و تولى شئون القضاء و التدريس على النظم الحديثة.

و قد وضع (رحمه اللّه) نظاما لإصلاح المحاكم الشرعية، و مشروعا

309

لإصلاح الأزهر في النواحي الإدارية و العلمية، و أراد أن يجدد في منهج التدريس بطريقة عملية بارعة حببت إلى الناس طلب العلم، و غشى حلقته كثير من الأزهريين و غيرهم، كما درس التفسير و المنطق و الحكمة و الفلسفة و علم الكلام بأسلوب بليغ و عبارات جزلة فياضة. و قوة في الدليل و الترجيح بين الآراء، و نفي ما يثبت بطلانه و عدم جدواه.

و قد ثار بعض المتزمتين من الأزهريين و المتصوفة على الشيخ و رموه بالإلحاد و الزندقة، و الخروج عما تواضع عليه العلماء و المؤلفون. و أقاموا من حوله سياجا من الشك و الشبهات، و لجوا في معارضته و الطعن عليه، و هو صابر محتسب، يقابل أذاهم بالتسامح، و معارضتهم بالحجج الدامغة و البراهين الواضحة. و إلى هذا يشير حافظ إبراهيم في رثائه للإمام إذ يقول:

و آذوك في دين الإله و أنكروا* * * مكانك حتى سودوا الصفحات‏

رأيت الأذى في جانب اللّه لذة* * * و رحت و لم تهمم لهم بشكاة

لقد كنت فيهم كوكبا في غياهب‏* * * و معرفة في أنفس نكرات‏

أبنت لنا التنزيل حكما و حكمة* * * و فرقت بين النور و الظلمات‏

و وفقت بين الدين و العلم و الحجا* * * فأطلعت نورا في ثلاث جهات‏

وقفت لهانوتو و رينان وقفة* * * أمدك فيها الروح بالنفحات‏

و إنما كان غضب بعض الأزهريين عليه لأنه كشف عن جهلهم و عجزهم عن أداء رسالة الدين و العلم- كما كان غضب الصوفية عليه لأنه سلفه طرقهم و أوضح دجلهم و تضليلهم لعقول الناس، حتى أحالوا الدين إلى خرافات و أوهام لا تتصل به من قريب أو بعيد.

و يعد الأستاذ الإمام مجدد الأدب النثري في العصر الحديث. و محرره من القيود التي أثقلته و جنت عليه في العصور الوسطى. جدد الشيخ في أسلوب النثر، و في معانيه و موضوعاته، و امتازت كتابته بالوضوح و حسن‏

310

الترتيب و سلامة التراكيب، و البراءة من الغريب و الحشو و التوعر.

و المتأمل في أدبه يراه قد تنقل في أطوار عدة، فقد كان أول أمره يميل إلى السجع و التكلف و الصنعة، و بعض المحسنات البديعية و المصطلحات العلمية. و يستعمل ألفاظا دخيلة من اللغات الأوروبية أو التركية، ثم أخذ يتحلل من قيود الصنعة شيئا فشيئا بعد تضلعه في الأدب العربي، و الإكثار من قراءة الكتب القديمة، ثم سما و عذب ورق بعد دراسته اللغة الفرنسية و الآداب الأوروبية الحديثة- و قد شاعت طريقته بين المتأدبين في هذا العصر فترسموا خطاه و ساروا على نهجه.

مؤلفاته العلمية و الأدبية:

لم تدع الأحداث السياسية و الحركات الإصلاحية لدى الأستاذ الإمام متسعا من الوقت للإنتاج و التأليف، و لكنه استرق من وقته فترات ألف فيها رسالة التوحيد و تفسير جزء عم، الإسلام و النصرانية مع العلم و المدنية، و شرح نهج البلاغة، و مقامات البديع، و هو في جميع هذه الكتب محقق، واسع الأفق، عميق الفكرة، واضح الحجة، فخم العبارة، قوي الأسلوب.

و لم يعن الإمام بقرض الشعر مع كثرة حفظه له، و استشهاده به، و لم يسمع عنه سوى أبيات نسبت إليه، و زعم بعض المتصلين به أنه قالها و هو يستقبل الموت، و هي:

و لست أبالي أن يقال محمد* * * أبلّ أو اكتظت عليه المآتم‏

و لكن دينا قد أردت صلاحه‏* * * أحاذر أن تقضي عليه العمائم‏

فيا رب إن قدرت رجعي قريبة* * * إلى عالم الأرواح و انفض خاتم‏

فبارك على الإسلام و ارزقه مرشدا* * * رشيدا يضي‏ء النهج و الليل قاتم‏

311

و إنما كانت عنايته منصرفة إلى النثر في جميع فنونه و أغراضه، و هذه نماذج منه:

1- كتب في رسالة إخوانية إلى بعض أصدقائه، و فيها سجع متخير مقبول، قال:

تناولت كتابك و لم يذكر مني ناسيا، و لم ينبه لذكرك لاهيا، فإني من يوم عرفتك لم يغب عني مثالك، و لا تزال تتمثل لي خلالك، و لو كشف لك من نفسك ما كشف لنا منها لفتنت بها، و لحق لك أن تتيه على الناس أجمعين، و لكن ستر اللّه عنك منها خير ما أودع لك فيها لتزينها بالتواضع، و تجملها بالوداعة، و لتسعى إلى ما لم يبلغه ساع، فتكون قدوة في علو الهمة، و بذل ما يعز على النفس من نفع الأمة، زادك اللّه من نعمه، و أوسع لك من فضله و كرمه، و متعنى بصدق ولائك، و جعلك لي عونا على الحق الذي أدعو إليه، و لا أحيا إلا به و له. و السلام.

2- و كتب إلى حافظ إبراهيم حين أهداه كتاب «البؤساء»، و معه رسالة تقدير و إطراء، فقال:

لو كان لي أن أشكرك لفن بالغت في تحسينه، أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، و يجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت من حولنا، و بسطته على القريب و البعيد من أبناء لغتنا.

زففت إلى العربية عذراء من بنات الحكمة الغربية، سحرت قومها، و ملكت فيهم يومها، و لا تزال تنبه منهم خامدا، و تهز فيهم جامدا، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماتته القسوة، و تقوم من نفوسهم ما أعذرت فيه الأسوة، كلمة أفاضها اللّه على رجل منهم فهدى إلى التقاطها رجلا منا، فجردها من ثوبها الغريب، و كساها حلة من نسج الأديب، و جلاها للناظر،

312

و جلاها للطالب، بعد ما أصلح من خلقها، و زان من معارفها، حتى ظهرت محببة للقلوب، رشيقة في مؤانسة البصائر، تهش للفهم، و تبش للطف الذوق، و تسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا و هي من النفس في مكان الإلهام، فما أعجز قلمي عن الشكر لك، و ما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء.

3- و كتب إلى أحد أصحابه و هو في السجن كتابا يفيض بالألم، استهله بقول الشاعر:

تقلدتني الليالي و هي مدبرة* * * كأنني صارم في كف منهزم‏

ثم قال بعد قليل:

رأيت نفس اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما، لا أرى إنسانا، و لا أسمع ناطقا، و لا أتوهم مجيبا، أسمع ذئابا تعوي، و سباعا تزأر، و كلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، هي ذات الكاتب، ذهب ذوو السلطان في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، و مقذوفات من التهم، و سواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة، و يغشّوها بأغشية من معادن القوة، ليبرزوها في معرض السطوة، و يغشوا بها أعين الناظرين.

و قال في آخره:

آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد خطبه للولاء، و ما أغيره على حقوق الأولياء، و ما أثبته على الوفاء، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم، هو الذي سر قلوبهم بالترقية، و ملأها فرحا بالتقدم.

313

4- و من رسالة له إلى بعض علماء الشام حين هنأه بمنصب الإفتاء، قال:

أما قومي فأبعدهم عني أشدهم قربا مني، و ما أبعد الإنصاف منهم، يظنون بي الظنون، بل يتربصون بي ريب المنون، تسرعا منهم في الأحكام، و ذهابا مع الأوهام، و ولعا بكثرة الكلام، و تلذذا بلوك الملام، أدعو فلا يستجيبون، و أعمل فلا يهتدون، و أريهم مصالحهم فلا يبصرون، و أضع أيديهم عليها فلا يحسون بل يفرون إلى حيث يهلكون، شأنهم الصياح و العويل، و الصخب و التهويل، حتى إذا جاء حين العمل صدق فيهم قول القائل:

لكن قومي و إن كانوا ذوي عدد* * * ليسوا من الشر في شي‏ء و إن هانا

و أقول: و لا في الخير

و إنما مثلي فيهم مثل أخ جهله إخوته، أو أب عقته ذريته، أو ابن لم يحن عليه أبواه و عمومته، مع حاجة الجميع إليه، و قيام عمدهم عليه، يهدمون منافعهم بإيذائه، و لو شاءوا لاستبقوا باستبقائه، و هو يسعى و يدأب، ليطعم من يلهو و يلعب، على أني أحمد اللّه على الصبر، و سعة الصدر، إذا ضاق الأمر، و قوة العزم، و ثبات الحلم، إذا اشتد الظلم، و إن كنت في خوف من حلول الأجل، قبل بلوغ الأمل ... الخ.

5- و من أمثلة كتابته العلمية قوله في أحد فصول رسالة التوحيد:

جاء القرآن فنهج بالدين منهجا لم يكن عليه ما سبقه من الكتب المقدسة، منهجا يمكن لأهل الزمن الذي أنزل فيه و لمن يأتي بعدهم أن يقوموا عليه، فلم يقصر الاستدلال على نبوة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بما عهد الاستدلال به على النبوات السابقة، بل جعل الدليل في حال النبي مع نزول الكتاب عليه في شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته، و لو في مثل أقصر سورة منه، و قص علينا من صفات اللّه ما أذن اللّه لنا، أو ما أوجب علينا أن‏

314

نعلم، لكن لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، و لكنه أقام الدعوى و برهن، و حكى مذاهب المخالفين وكر عليها بالحجة، و خاطب العقل، و استنهض الفكر، و عرض نظام الأكوان و ما فيها من الإحكام و الإتقان على أنظار العقول، و طالبها بالإمعان فيها لتصل إلى اليقين بصحة ما ادعاه و دعا إليه، حتى أنه في سياق قصص أحوال السابقين. كان يقرر أن للخلق سنة لا تغير، و قاعدة لا تتبدل فقال تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا و صرح سبحانه‏ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏.

و اعتضد بالدليل في باب الأدب فقال (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم)، و تآخى العقل و الدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل، و تقرر بين المسلمين كافة- إلا من لاثقة بعقله و لا بدينه- أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود اللّه و بقدرته على إرسال الرسل، و علمه بما يوحى به إليهم، و إرادته لاختصاصهم برسالته، و ما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة، و كالتصديق بالرسالة نفسها، كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشي‏ء قد يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل.

دفاع الشيخ عن الإسلام، و تفنيد مزاعم المبشرين:

شمر الشيخ عن ساعد الجد، و انبرى للمبشرين المسيحيين الذين تناولوا الإسلام بالطعن و التجريح، و سفهوا عقائد المسلمين، و حاولوا النيل من الرسول و صحبه، و شوهوا تعاليمه و مبادئه، و من ورائهم جمعيات مزودة بالمال و المطابع و الصحف، كي يزعزعوا يقين المسلمين في دينهم، و يصدوا عنه من أراد الدخول فيه من غير أهله- انبرى الشيخ لهؤلاء جميعا

315

و من بينهم رينان و هانوتو و إضرابهما، و أخذ يفند مزاعمهم، و يبطل حججهم و يبين أكاذيبهم و خدعهم، حتى صرعهم و فضحهم في المجال الدولي، و عرف العالم الإسلام على حقيقته، و قال بعض فلاسفتهم: إذا كان الإسلام كما يقول الشيخ محمد عبده فأحرى بنا جميعا أن ندخل فيه، و نستظل برايته.

كتب رحمة اللّه حين سخر هانوتو من تشريع الحج عند المسلمين، و كتب بعض الكاتبين مقالة يرد بها عليه و رأى الأستاذ الإمام أنها تحتاج إلى دعم و توضيح فكتب يقول:

يكتب بعض أرباب الأقلام من المسلمين في حكمة الحج، و يقول:

إنه صلة بين المسلمين في جميع اقطار الأرض، و من أفضل الوسائل للتعاون بينهم، فعليهم أن يستفيدوا منه- و هو كلام حق، لكن لا ينبغي أن يفهم على غير وجهه، فإن الغرض منه أن يذكر المسلمون ما بينهم من جامعة الدين، حتى يستعين بعضهم ببعض على إصلاح ما فسد من عقائدهم، أو أضل من أعمالهم، و في مدافعة ما ينزل بهم من قحط أو ظلم أو بلاء، و هو معهود عند جميع الأمم التي تدين بدين واحد، خصوصا عند الأوربيين.

و كتب إلى الفيلسوف تولستوي حين حرمته الكنيسة لدعوته إلى التوحيد:

أيها الحكيم، لم نحظ بمعرفة شخصك، و لكنا لم نحرم التعارف مع روحك، لقد سطع علينا نور من أفكارك، و أشرقت في أفقنا شموس من آرائك، ألفت بين نفوس العقلاء و نفسك، و نظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد، و وصلت بها إلى حقيقة التوحيد، و رفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك إليه اللّه.

و حقا لقد كان الشيخ محمد عبده عالما فذا، و مصلحا قديرا،

316

و مجاهدا إسلاميا عظيما، و قد عاش مسلما صادقا، و مات و هو في صفوف المجاهدين المؤمنين- و قد توفي (رحمه اللّه) في عام 1323 ه، 1905 م و لا يزال المصلحون يترسمون خطاه إلى اليوم.

317

الشيخ مصطفى عبد الرازق 1885- 15 فبراير 1947

ولد (رحمه اللّه) عام 1304 ه- 1885 م بأبي جرج من أعمال مديرية المنيا، و هو الابن الثاني من أولاد المرحوم حسن عبد الرازق (باشا)، و بعد أن أتم تعليمه الأولى حفظ القرآن الكريم و جوّده، ثم التحق لطلب العلم بالأزهر الشريف، و تخرج في سنة 1906، و حصل على شهادة العالمية من الدرجة الأولى بين زملائه الشافعية، و عين للتدريس في مدرسة القضاء الشرعي، و في سنة 1909 سافر إلى فرنسا و التحق بجامعة السربون ليضم إلى ثقافة الشرق ثقافة الغرب، و ندبه مسيو لابيير لتدريس بعض المباحث الإسلامية بجامعة ليون، ثم عاد من فرنسا في أوائل الحرب الكبرى، و عين سكرتيرا لمجلس الأزهر، و كان ذلك في سنة 1916، و في سنة 1921 عين مفتشا في المحاكم الشرعية، ثم عين سنة 1927 أستاذ للفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، و ظل في كرسي الأستاذية، حتى اختير في سنة 1938 وزيرا للأوقاف في وزارة محمد محمود (باشا) الثانية، اختير عدة مرات في وزارات مختلفة لتولي هذا المنصب، حتى انتقل المغفور له الشيخ المراغي شيخ الأزهر إلى جوار ربه، فاختير لهذا المنصب و هو وزير للأوقاف، و صدر الأمر بتعيينه شيخا للأزهر في 27 ديسمبر سنة 1945، و اختير أميرا للحج في العام الذي توفي فيه، فكان‏

318

خير مبعوث لمصر بين أبناء البلاد الإسلامية عند البيت الحرام، و توفي في 15 فبراير سنة 1947، و يقول عنه محمد فريد وجدي:

«كان الأستاذ الأكبر بشخصيته الممتازة، وسعة أفقه الثقافي، خير من يدرك آثار هذا العهد في حياة الأمم، و أصلح من يوكل إليه أمر التوفيق بينهما لمصلحة الدين و الدنيا معا، فلا غرو إن ساور الهلع كل نفس تنتظر عهد الاستقرار و الهدوء و التقدم، لم أر فيمن قابلت من القادة و الأعلين. أكرم خلقا في غير استكانة، و لا أهدأ نفسا في غير وهن، و لا أكثر بشاشة في غير رخوة، من الشيخ مصطفى عبد الرازق، و كل ذلك إلى حزم لا يعتوره لوث، و احتياط لا يشوبه تنطع، و أناة لا يفسدها فتور، و إدمان على العمل ينسى معها نفسه، و هي صفات كبار القادة، و علية المصلحين، ممن خلقوا لمعالجة الشئون المعقدة، و حسم المنازعات الشائكة، و التوفيق بين المطالب المتنافرة، و هذه مواقف كما تقتضي مضاء العزيمة، تحتاج إلى هوادة الأناة، و كما تستدعي سرعة البت، لا بد لها من القدرة على إزالة الحوائل، و قديما قالوا: رب عجلة أورثت ريثا، و رب إقدام جر إلى نكوص، فكان بما حباه بارئه من هذه المواهب النادرة، كفاء المهمة التي وفق المسئولون في إسنادها إليه، و كنت لا أشك في أنه بما جبل عليه من حب الإصلاح، و ما اتصف به من الصفات التي سردناها آنفا، سيصل إلى حل مشكلة الأزهر حلا حاسما، يعيش تحت نظامه آمنا شر العوادي، و في منجاة من عوامل القلق و الاضطراب، ذلك أنه بما تضلع من إلمام بنظم الجامعات، و ما حصل من علم بمقوماتها و حاجاتها، لتمضيته في صميمها سنين طوالا من حياته طالبا و مدرسا، يعرف من أسرار حياتها و بقائها و بواعث عللها و أعراضها، ما لا يعلمه إلا الأقلون، و الأزهر لا يخرج عن جامعة قديمة في دور انتقال، تتفاعل لتتناسب و العهد الذي تعيش فيه، فهي في حاجة إلى أن تحصل على المقومات التي تؤاتيها بهذا التناسب، و هو لا ينحصر في زيادة ميزانيتها، و لا في تهذيب برامج دراستها، و لكنه يتعداهما

319

إلى ما هو إيجاد المجال الحيوي لخريجيها، و هو أمر لا يستطاع حله إلا بعد تمهيد الطريق إليه، و رفع العقبات دونه. و الشيخ الراحل لما اتصف به من بعد النظر، و تخير الظروف، كان أجدر الناس بإصابة هذا الغرض البعيد، و لكن اللّه آثر له الدار الآخرة، فكان ما أراد، و ترك الأمر لمن يخلفه، و للّه في ذلك حكمة، و هو يتولى الصالحين.

و مما هو جدير بالذكر أن جميع مدرسي الفلسفة في عهدنا الحاضر بجامعتي القاهرة و الأسكندرية من تلاميذه، لم تنقطع صلتهم به، و قد أسندت إليه وزارة الأوقاف مرتين، و لما توفي الأستاذ الشيخ محمد مصطفى المراغي، و عز وجود من يملأ مكانه، أسندت المشيخة إليه في 27 من ديسمبر سنة 1945، و من مؤلفاته العديدة:

1- ترجمة فرنسية لرسالة التوحيد تأليف الشيخ محمد عبده، وضعها بالاشتراك مع الأستاذ ميشيل، و حلاها هو بمقدمة طويلة.

2- رسائل صغيرة بالفرنسية عن المرحوم الأثري الكبير بهجت بك، و عن معنى الإسلام و معنى الدين في الإسلام.

3- كتاب التمهيد لتاريخ الفلسفة.

4- فيلسوف العرب و المعلم الثاني.

5- الدين و الوحي في الإسلام.

6- الإمام الشافعي.

7- الإمام محمد عبده، و هو مجموعة محاضرات ألقيت في الجامعة الشعبية سنة 1919، و كلها مؤلفات تعتبر غاية في الإفادة.

و له كتب لم تنشر، منها: مؤلف كبير في المنطق، و كتاب في التصوف، و فصول في الأدب تقع في مجلدين كبيرين، و كان رئيسا لمجلس إدارة الجمعية الخيرية، التي كان والده من مؤسسيها، و كان عضوا في مجمع اللغة العربية، و المجمع العالمي المصري.

320

و في 27 مارس عام 1947 أقيمت حفلة لتأبينه في جامعة القاهرة، ألقى فيها لطفي السيد، و عبد العزيز فهمي، و الدكتور حسين هيكل، و منصور فهمي، و إبراهيم دسوقي أباظة، و طه حسين، و أمين الخولي، و العقاد و غيرهم كلمات و قصائد في الإشادة بمناقبه.

و من كلمات الشيخ كلمة ألقاها بمناسبة اختياره رئيسا فخريا لجمعيات المحافظة على القرآن الكريم بعد وفاة الشيخ المراغي، قال فيها: القرآن مصقلة القلوب كما ورد في الحديث، و ما أحوج قلوبنا إلى ما يصقلها، و يجلو منها الصدأ، و القرآن هدى و نور، فهل إلا القرآن لما يغشى العالم اليوم من ظلام و ضلال؟ و القرآن من بعد هذا ثقاف للألسن، يقوم عوجها، و يصلح عجمتها، و يغذي من البلاغة مادتها، فمن عملى على تنشئة أطفالنا على حفظ القرآن و ترتيله و مدارسته، فإنما يصلح القلوب، و يقوم الأخلاق، و يخدم العربية، و ما أشرف ذلك مقصدا و أعظمه نفعا! و يتقاضانا الوفاء بمناسبة أول احتفال سنوي بعد وفاة الرئيس الفخري السابق رضي اللّه عنه أن نذكر مآثره الباقيات في خدمة القرآن الكريم: كان (رحمه اللّه) مسلما صادقا، و كان يحب القرآن حبا جما، و قد عنى في أكثر دروسه الدينية بالتفسير في أسلوب يلائم جلال كتاب اللّه، و يوطد أسباب فهمه لأذواق الأجيال الحاضرة، كما كان يصنع من قبل أستاذنا الإمام «الشيخ محمد عبده»، و وجه الأزهر إلى العناية بالدراسات العالمية لعلوم القرآن، و قد أنشأ معهد القراءات و التجويد، و المرجو أن يتابع الأزهر السير في هذه السبيل، فيقوي معهد القراءات و يكمله، و ينشى‏ء إلى جانبه دراسات عالية للحديث و علومه، حتى يستوفي الأزهر جميع الوسائل التي تعده لأن يكون كعبة المسلمين في كل ما يتصل بالقرآن و الحديث ... و في مجلة الأزهر دراسة عن الشيخ مصطفى عبد الرازق الشاعر (1)

____________

(1) عدد شعبان 1370.

321

الأزهري يرد على اسماعيل باشا

نشبت الحرب بين مصر و الحبشة في عصر الخديو إسماعيل .. و على غير ما كان يتوقع الخديو توالت الهزائم على مصر و تواردت الأخبار كل يوم من ميادين المعارك تحمل إليه مزيدا من الأسى و اليأس .. و الخلاف و الخلاف الذي يدب بين قواده!!

و ضاق صدر الخديو يوما بما يتلقاه من أنباء سيئة فاستدعى شريف باشا و ركب معه محاولا أن يرفه عن نفسه .. و فجأة التفت الخديو إلى شريف باشا و قال له:

- ما ذا تصنع حينما تلم بك ملمة تريد أن تدفعها؟!

قال شريف باشا:

- يا أفندينا إن اللّه عودني إذا حاق بي شي‏ء من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرأه لي علماء أطهار الأنفاس فيفرج اللّه عني!

انزاح الهم عن صدر الخديو و اتسعت الابتسامة على وجهه .. فإذا كان الأمر كما يقول شريف باشا فبمقدوره أن يحول الهزائم إلى انتصارت دون أن يكلف خزانته شيئا!!

عاد الخديو إلى قصره و أرسل في استدعاء الشيخ العروسي شيخ‏

322

الأزهر وقتئذ و طلب منه أن يجمع له جمعا من العلماء الصالحين ليقوموا بتلاوة البخاري إمام القبلة القديمة في الجامع الأزهر بنية دفع الهزيمة عن مصر!

نفذ الشيخ العروسي أمر الخديو و جلس جمع العلماء، المختارين بعناية .. أمام القبلة يتلون البخاري أناء الليل و النهار، و لكن دون جدوى .. فالهزائم لم تتوقف ساعة واحدة .. و أخبارها تتوالى دون انقطاع!!

و استبد الغضب بالخديو فصحب شريف باشا إلى العلماء .. و قال لهم.

- أما أن هذا الذي تقرأونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح فإن اللّه لم يدفع بكم و لا بتلاوتكم شيئا؟!

و جم العلماء و لم يجد أحدهم جوابا .. و وسط الصمت الرهيب الذي ساد المكان ارتفع صوت شيخ من أخر الصف موجها حديثه للخديو:

- منك يا إسماعيل .. فإنا روينا عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللّه عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم»!

ركب الفزع وجوه المشايخ لهذه الجرأة من صاحبهم و توقعوا عقابا صارما يشملهم جميعا .. إلا أن الخديو لم ينبس بكلمة و سارع بالانصراف هو و شريف باشا!

التف العلماء حول صاحبهم و أخذوا في تأنيبه و لومه .. و بينما هم كذلك أقبل شريف باشا يسأل عن الشيخ الذي رد على الخديو .. ثم صحبه معه و زملاؤه يودعونه وداع الذاهب إلى حتفه ..

323

دخل شريف باشا و معه الشيخ على الخديو في قصره فطلب من الشيخ أن يجلس على كرسي بجواره و قال له: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر، فأعاد العالم قوله و شرح للخديو حديث الرسول الكريم .. فقال الخديو:

- و ما ذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟

قال الشيخ:

- يا أفنديا أ ليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟

أ ليس الفجور برخصة، أ ليس الخمر مباحة ..

و أخذ يعدد للخديو أنواع المنكرات التي تجري دون أن ينكرها أحد .. ثم قال: فكيف تنتظر النصر من السماء؟!

قال الخديو:

- و ما ذا نصنع و قد عاشرنا الأجانب و هذه مدينتهم؟!

- إذن فما ذنب البخاري و ما حيلة العلماء؟!

قال الشيخ:

سكت الخديو و أطرق طويلا .. ثم قال له:

- صدقت .. صدقت .. عاد الشيخ إلى زملائه بعد أن يئسوا من لقائه في الدنيا، و قد رتب له الخديو مبلغا كبيرا يتقاضاه كل شهر!!!

و انتهت قصة الشيخ الذي حقق قول رسول اللّه: «لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه» ..

أما التاريخ فلم ينته .. إنه ماض في طريقه يضع بصمته على مصير الشعوب!!

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

مفتي .. قبرص!

عاش طالبا في الأزهر منذ سنوات و عاد هذا الشهر إلى القاهرة يحمل لقب مفتي قبرص .. خامس مفتي للأتراك رشح لمنصبه بالانتخاب في الجزيرة الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط .. عاد يحمل لقب دكتور في الشريعة الإسلامية من جامعة أنقرة .. دكتور مصطفى رفعت مصطفى 43 سنة، أحد الوجوه التي اشترك لأول مرة في القاهرة في المؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر.

«بدأ التاريخ الإسلامي في قبرص أيام الخليفة عثمان بن عفان عند ما أرسل معاوية إلى الشام في حملة استولت على جزيرة قبرص عام 28 ه.

و كانت الحملة تضم السيدة أم حرم بنت ملحان خالة النبي في الرضاعة و التي كان النبي يجلها كثيرا و يعتبرها كأمه و كممرضة أولى في الإسلام كما جاء في الحديث النبوي الشريف و عند ما تقدم الجيش الإسلامي الذي فتح الجزيرة من سواحلها الجنوبية سقطت بنت ملحان من فوق فرسها و ماتت على الفور و دفنت في المكان الذي توفيت فيه و أصبح ضريحها هذا منذ ذلك التاريخ البعيد مكانا مقدسا يحج إليه المسلمين و يتبركون به ثم جلب معاوية إلى الجزيرة 12 ألفا من المسلمين و أسكنهم فيها و أنشأ مدنا إسلامية مختلفة

326

في الجزيرة و بعد الأمويين جاء العباسيون و الفاطميون و الأيوبيون إلى أن جاءت دولة المماليك حيث فتحوا الجزيرة و أسروا ملكها و أخذوه معهم إلى مصر و بعد مدة أعادوه ملكا على الجزيرة عند ما تأكدوا من إخلاصه لهم و أصبح كل الملوك الذين حكموا بعده تابعين لأوامر المماليك في مصر حتى عام 571 عند ما استولى العثمانيون على قبرص و بقيت تحت حكمهم و إدارتهم أكثر من ثلاثة قرون».

و جميع الأتراك مسلمون في الجزيرة على مذهب السنية و يقيمون جميع شعائر الإسلام بل أن ركعات صلاتهم كثيرة فهي تضم الفروض و السنن المؤكدة و السنن غير المؤكدة فمثلا ركعات صلاة الجمعة 16 ركعة.

و أسماؤهم محمد و أحمد و إبراهيم و مصطفى و عائشة و أم كلثوم و فاطمة.

أكبر التزامات الأسرة التي تنجب أنثى أن تدخر من أجلها الكثير لتقدم بها عقد زواجها منزلا مستقلا و عربة لتنقلاتها مع زوجها .. و الطفل يبدأ صلاته في سن الخامسة و صيام رمضان في السابعة .. المرأة غير محجبة لكنها لا تذهب إلى الجامع بل تصلي في بيتها .. صلواتهم و دعاؤهم باللغة العربية الفصحى و تحيتهم «السلام عليكم».

327

مسيرة الألف عام مجلة الاذاعة المصريّة 25/ 11/ 1972

كل مسيرة تبدأ بخطوة .. كذلك بدأت رحلة الألف عام من 14 رمضان سنة 359 هجرية .. عند ما بدأ القائد جوهر الصقلي- بعد التمكين للفاطميين في مصر- من بناء الجامع الأزهر ..

و هذه الألف سنة، ليست عمر .. المآذن و الصحن و القباب فحسب، و لكنها عمر مصر أيضا، بكل ما تمثله من ريادة في مختلف نواحي الحياة الدينية و الاجتماعية و السياسية، و كمركز إشعاع يفيض بنوره الذي يصل إلى أركان الدنيا، فقد امتزج تاريخ الأزهر امتزاجا عضويا بتاريخ «الشعب المصري» على توالي الحقب و القرون، بحيث يصعب الفصل بينهما ..

و شمخ الأزهر طوال حياته المديدة و العامرة .. بوصفه أقدم و أعظم جامعة في دنيا الإسلام، و كان أعتي المتاريس التي تصدت لكل احتلال طمع في مصر، و معقلا من أهم معاقل القومية العربية، ثم ها هو يستجيب لدواعي التطور و أسبابه فيصبح جامعة عصرية .. تضم جنباته مختلف الكليات العلمية، و تستوعب مدرجاته طلابا من 65 دولة إسلامية ..

و لم يكن دور الأزهر، مقصورا منذ البداية، على إقامة الشعائر فقط، بل كان مدرسة لعلوم الدين و الفقه .. و ارتبط في أذهان العالم الإسلامي‏

328

كجامعة إسلامية .. حملت لواء الفكر الإسلامي و الإنساني، و مشعلا من المشاعل التي أضاءت للبشرية طريقها على امتداد القرون، و لمع في صحنه و أروقته .. كثير من الأسماء الخالدة .. التي أعطت و ألهمت و غذت مسيرة الإسلام .. مثل «ابن الفارض» .. و «ابن خلكان» و «البوصيري»، و «ابن دقمان» المؤرخ المصري، و «المقريزي» صاحب الخطط و «السيوفي» و له 500 مؤلف من بينها تاريخ الخلفاء، و «ابن إياس» المؤرخ المصري و تألق بجانب هؤلاء .. مفكرون جاءوا إلى مصر ليتلقوا العلم في الأزهر ... مثل «ابن خلدون» .. و «ابن بطوطة» ..

و «الجبرتي».

و لا شك أن الفكر المصري و الإسلامي .. يدين بالكثير للأزهر ..

الذي تخرج فيه «ابن الهيثم» العالم الذي يشيد بفضله الأوروبيون خصوصا في الطبيعة و طب العيون. و «الشعراني» إمام المتصوفة في مصر، و مؤرخ! ... «رفاعة الطهطاوي» مؤسس الفكر المصري الحديث ..

خصوصا في الترجمة و الصحافة. و «الشيخ محمد عبده» و «عبد الله النديم» و «أحمد عرابي» زعيم الثورة العرابية .. و «سعد زغلول» قائد ثورة 1919. و «الدكتور طه حسين» .. عميد الأدب العربي ... و ..

و ..

329

و في رسالة الدكتوراه عن دور الأزهر في الحياة المصرية أثناء الحملة الفرنسية التي كتبها د. مصطفى رمضان‏

أبرز الباحث حركة علماء الأزهر قبل الحملة في مجالين: المعارضة الدستورية في الديوان العثماني، مما يدل على أن علماء الأزهر شاركوا في قضايا المجتمع، و قيادة علماء الأزهر للحركات الشعبية الثورية ضد الحكام الظالمين من العثمانيين و المماليك، و بذلك نظموا كفاح الشعب المصري قبل مجي‏ء الحملة الفرنسية ..

و أبرزت الرسالة شخصية الأزهر أثناء الحملة الفرنسية، و بروز الزعامة الشعبية في مجال الدفاع الداخلي، و استشهاد عدد كبير من زعماء الأزهر:

و قد دبرت خطة لاغتيال كليبر قائد الحملة الفرنسية و كان المنفذ سليمان الحلبي، و هو من أبناء حلب بالشام.

و تتضمن الرسالة عدة نقاط أهمها:

إبراز دور الأزهر بعد الحملة الفرنسية حيث عاشت مصر في ظل عهد من الفوضى السياسية و الاجتماعية و تعددت مراكز القوى في البلاد و حمل الأزهر لواء المعارضة و إظهار الكيان المصري مهما كان الثمن:

حارب الأزهر الابتزاز التركي للشعب.

330

- عارض علماء الأزهر سياسة الممالك في استغلال الشعب، و تزعموا حركة لطردهم من القاهرة سنة 1804.

- عند ما جاء «خورشيد» إلى الحكم، يدفعه جشع شديد لابتزاز الأموال، نظم الأزهر حركة ثورية بقيادة «عمر مكرم»، و حاصرت خورشيد بالقلعة 1805، و أجبرته على التخلي عن الحكم، و عينت «محمد علي» واليا على مصر، متوسمة فيه الحرص على مطالب الشعب .. و لكن «محمد علي» خان مبادى‏ء الشعب و زعماءه، و لعب دورا في تصفية الزعامة الشعبية، بعد أن استفاد بها في المجالات الآتية:

جمع الضرائب و خداع المماليك و عدم السماح لهم بدخول القاهرة.

مقاومة الحملة الانجليزية بقيادة فريزر عام 1807.

331

حوار بين العلماء و الوالي‏

في عام 189 جاء إلى مصر وال تركي جديد هو «أحمد باشا» المعروف بكور وزيرا و كان الوزير كما يقول الجبرتي من «أرباب الفضائل و له رغبة في العلوم الرياضية ... و قابله صدور العلماء في ذلك الوقت و هم الشيخ عبد الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر، و الشيخ سالم النفراوي و الشيخ سليمان المنصوري، فتكلم معهم و ناقشهم و باحثهم ثم تكلم معهم في الرياضيات فأحجموا و قالوا: لا نعرف هذه العلوم فتعجب و سكت».

و يواصل الجبرتي رواية هذه الحادثة الهامة الطريفة معا «في الجزء الأول من عجائب الآثار ص 194، و قد نقل الدكتور حسين فوزي النجار هذه الفقرة عن الجبرتي في كتابه عن رفاعة الطهطاوي ص 9» .. يقول الجبرتي:

إن الشيخ الشبراوي دخل على الباشا في يوم جمعة يحادثه كعادته فقال له الباشا: المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل و العلوم و كنت في غاية الشوق إلى المجي‏ء إليها، فلما جئتها وجدتها كما قيل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال له الشيخ هي يا مولانا كما سمعتم معدن العلوم و المعارف: فقال و أين هي و أنتم أعظم علمائها و قد

332

سألتكم عن مطلوبي من العلوم فلم أجد عندكم منها شيئا، و غاية تحصيلكم الفقه و المعقول و الوسائل و نبذتم المقاصد، فقال له: نحن لسنا أعظم علمائها و إنما نحن المتصدرون لخدمتهم و قضاء حوائجهم عند أرباب الدولة و الحكام، و غالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشي‏ء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفراض و المواريث كعلم الحساب و الغيار فقال له: و علم الوقت كذلك من العلوم الشرعية بل هو من شروط صحة العبادة كالعلم بدخول الوقت و استقبال القبلة و أوقات الصوم و الأهلة و غير ذلك فقال: نعم معرفة ذلك من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، و هذه العلوم تحتاج إلى لوازم و شروط و آلات و صناعات و أمور ذوقية كرقة الطبيعة و حسن الوضع و الخط و الرسم و التشكيل. و الأمور العطاردية، و أهل الأزهر بخلاف ذلك غالبهم فقراء و أخلاط مجتمعة من القرى و الآفاق فيندر فيهم القابلية لذلك، فقال: و أين البعض، فقال: موجودون في بيوتهم يسعى إليهم، ثم أخبره عن الشيخ الوالد «يقصد أباه الشيخ حسن الجبرتي» و عرفه عنه و أطنب في ذكره، فقال التمس منكم إرساله عندي، فقال يا مولانا إنه عظيم القدر و ليس هو تحت أمري فقال: و كيف الطريق إلى حضوره؟ قال: تكتبون له ارسالية مع بعض خواصكم فلا يسعه الامتناع ففعل ذلك، و طلع إليه و لبى دعوته و سر برؤياه و اغتبط به كثيرا و كان يتردد عليه يومين في الجمعة و هما السبت و الأربعاء، و أدرك منه مأموله و واصله بالبر و الإكرام الزائد».

ثم يقول الجبرتي بعد ذلك «و كان المرحوم الشيخ الشبراوي كلما تلاقى مع المرحوم الوالد يقول له: سترك اللّه كما سترتنا عند هذا الباشا فإنه لو لا وجودك كنا جميعا عنده حمير».

هذه هي القصة الواقعية التي يرويها الجبرتي عن مصر في منتصف القرن الثامن عشر، فمصر آنذاك لم يكن فيها سوى عالم واحد استطاع‏

333

باجتهاده الخاص أن يتعلم بعض أصول الرياضيات، أما بقية علماء مصر فلم يكونوا يعرفون أكثر من العلوم التي تدور حول اللغة و الدين مثل الفقه و النحو و ما إلى ذلك.

334

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

335

الأزهر أكسفورد الشرق‏ (1)

تذكرت الأزهر .. و أنا أطوف في أرجاء «أوكسفورد» .. صور الأساقفة ذكرتني بشيوخ الأزهر الذين عاصروا الحملة الفرنسية، و سجنتهم الثورة الفرنسية في القلعة، و انتهز فنان الجيش المناسبة، فخلدهم في لوحات، قبيل إعدامهم أو جلدهم أو تغريمهم.

المدينة حول الجامعة، يعيش فيها الطلاب و الأساتذة، ذكرتني بجو الأزهر في عصور سالفة .. يوم كان قلب القاهرة النابض يعيش فيه العلماء في منازل مستقلة، طابقها الأسفل مفتوح باستمرار للضيوف من العلماء أو الطلبة (المجاورين) يتجادلون و يتبادلون المعرفة و الأحاجي ..

القاعات و الخزائن و الردهات، و بقايا مساكن الطلبة في القرون الماضية كلها منقولة عن أروقة الأزهر ..

«فأوكسفورد» التي قامت بعد الأزهر بقرنين .. إنما أنشئت على نظام الأزهر و وفق تقاليده، بل و بكتب مترجمة عن مؤلفات علماء الأزهر، بعد أن عاد الصليبيون من الشرق، و قد تعلموا عادتين: الاستحمام و العلم ...

و حملوا أول ورقة كتابة إلى أوروبا من إنتاج مصانع الورق العربية!.

____________

(1) جريدة النهضة الكويتية- عام 1973.

336

فلم تكن «أوكسفورد» في البداية، إلا مكانا يلتقي فيه بعض العارفين، ببعض الراغبين في المعرفة ثم تطورت إلى جامعة لعلوم اللاهوت، تنقسم إلى أروقة لكل رواق «ماستر» أو «شيخ الرواق»، كما كان الحال في الأزهر، و يسكن فيها الطلبة الذين كان سنهم لا يزيد على 13 سنة عند الالتحاق .. و قد استمر نظام الأروقة حتى القرن الخامس عشر ..

و لكن الكليات كانت قد ظهرت منذ أواسط القرن ال 13 بينما استمر نظام الأروقة في الأزهر إلى القرن العشرين.

و كان لكل رواق شيخ .. يضم الرواق أبناء جهة واحدة، فهناك رواق للمغاربة و رواق للشوام، و آخر للصعايدة .. و كان لكل رواق جراية (أي راتب) خاصة، يوقفها عليه الأمراء و الأغنياء، و نفس النظام في «أوكسفورد» ..

و كانت الجراية في الأزهر تدفع خبزا، و هي درجات: رغيفان للطالب المنتسب، و الذي يتحقق انتسابه بحصوله على خزانة يضع فيها كتبه، و انتسابه إلى رواق ينام فيه، و جراية «أوتوزبير» (اسم مملوك) و هي أربعة أرغفة لا تعطى إلا لمن يجتاز امتحانا خاصا .. و جراية زينب هانم خمسة و عشرون رغيفا .. و تعطى للعلماء .. و كانت هناك جرايات نقدية بعضها يصل إلى ثلاثمائة جنيه في السنة، و أبطل الجراية الشيخ المراغي ..

و هذه الوقفيات، مكنت الأساتذة من التفرغ للعلم، و العيش مع الطلبة .. و كانت الدراسة حرة على أحدث النظم الجامعية الحالية، أو بمعنى أصح، كما نقلت النظم الجامعية المعاصرة عن الأزهر ..

فالأستاذ ذو الكرسي .. أو بتعبير العصر القديم: «من له عامود في الأزهر» هو الذي امتحنته لجنة من العلماء .. و أجازت له حق التدريس، و يتم الامتحان علنا أمام جمهور من الطلبة، و على يد لجنة من شيوخه ..

فإذا جاز الطالب الامتحان سمح له بأن يضع مقعدا بجوار أحد أعمدة

337

المسجد و بدأ في تلاوة درسه، و ينضم لحلقته من يشاء من الطلبة الذين يحضرون ما يحلو لهم من دروس بلا تقييد .. و يتقدمون للامتحانات متى وجدوا في أنفسهم استعدادا .. و كانت تدرس في الأزهر شتى العلوم من الفقه إلى ضرب العود و الكمان كما كان يفعل الشيخ العطار في مطلع القرن التاسع عشر ..

أبراج الكنائس التي يعتليها طلبة «أوكسفورد» في شهر مايو (أيار) من كل عام يتلون من فوقها صلاة لاتينية تمجد الثالوث المقدس .. ذكرتني بمآذن الأزهر التي كان يعتليها المجاورون (الطلبة) يتلون الابتهالات و المدائح النبوية في أيام الرضا .. و يكبرون في غير أوقات الصلاة، إذا ما نشب خلاف بين الأزهر و سلطات المدينة، أو قاد الأزهر ثورة الأهالي ضد استبداد السلطة .. تماما كمعارك طلاب «أوكسفورد» و «كمبريدج» مع سلطات المدينة منذ سبعة قرون .. لقد نشأت أوكسفورد في القرن الثاني عشر .. بينما وضع حجر الأساس في بناء الأزهر في نيسان (ابريل) 970 و تم بناؤه في حزيران (يونيو) 972، أي أنه أكمل ألف عام .. شهد فيها الفصل الدرامي من تاريخ حضارتنا .. تألقها .. فجمودها .. ثم انهيارها ..

و لا شك أن كل الذين قارنوا بين تاريخ الأزهر، و «أوكسفورد»، و عرفوا كيف قامت جامعات أوروبا الحديثة على غرار الأزهر و وفق نظمه، بل و بالمعرفة التي نقلتها أوروبا عن الأزهر.

يدركون أن أقدم كتاب في جامعة «أوكسفورد» مكتوب سنة 1379 ..

و عند ما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر- و هي أكبر فصل في تاريخ الأزهر كمؤسسة قيادية- كان أحدث الكتب التي تدرس فيه قد كتبت حول هذا التاريخ! ..

338

فالأزهر كان ذروة تألق حضارة بدأت رحلة الانهيار .. أما «أوكسفورد»، فكانت بداية حضارة جديدة في طريق النمو و الازدهار ..

فنمت الجامعات مع المجتمع النامي من حولها.

عند ما بني الأزهر كانت الحضارة العربية قد امتلكت كل أسس المعرفة اللازمة لانطلاق الثورة الصناعية، لو لا أن هب على العالم الإسلامي اعصاران .. الحروب الصليبية، ثم الخراب المغولي .. فتحول المجتمع المدني المتحضر، إلى مجتمع عسكري خشن .. و تراجع العلماء ليحكم العسكر .. و حشدت موارد البلاد و استنزفت في القتال .. و أحرقت المدن و المزارع و كل آثار الحضارة على يد الفاتح المتقدم، أو المنهزم المنسحب ..

و انتقلت شعلة الحضارة من الشرق المغزو، إلى الغرب الغازي و هناك افرخت و نمت، و تطورت إلى الحضارة الحديثة ..

و كان الثمن فادحا:

تخلفت مسيرة الحضارة العالمية، حوالي خمسة قرون، قضتها أوروبا في النقل الحذر المستريب للعلوم الإسلامية مع حصر المعرفة بها في دوائر خاصة .. ثم التوسع في الترجمة و الدرس و الفهم و التمثل و أخيرا التطور .. و لو استمرت شعلة الحضارة في النمو على شواطئنا، لما كانت هناك هذه الفجوة ..

كذلك اقترن النمو الحضاري الجديد بالاستعمار، و لو مضت حضارتنا في نموها لما كانت البشرية قد عرفت الاستعمار، و لا كان التخلف قد فرض على ثلاثة أرباع شعوب العالم، من أجل تقدم و رفاهية الربع ..

فحضارتنا لم تعرف الاستعمار، بل قامت مراكز المدنية و الرفاهية في كل البلدان، و على قدم المساواة، و وفق إمكانات كل بلد، و لعل أقلها حظا كانت الجزيرة، بلاد الفاتحين ..

339

ألف عام .. بدايتها الأزهر .. الجامع الجامعة، و الأصل في المسجد أنه جامعة .. و من المسجد و في المسجد ظهر و نبغ كل العلماء، و درست كل العلوم ..

و إن كان الجيل المعاصر، يحفظ أسماء طلاب أوكسفورد و كمبريدج عن ظهر- قلب من اسحق نيوتن إلى سبنسر، و جون ميلتون .. فليسمحوا لنا في الذكرى الألفية للأزهر أن نقدم لهم أحد العلماء الذين درسوا فيه سنة (1038) .. تعرفنا به كاتبة ألمانية هي الدكتورة «سيجريد هونكة» فتقول:

«إن الحسن بن الهيثم توصل إلى نظرية في علم الضوء خاصة بالأشعة و انكسارها كانت نقطة تحول في أبحاث الطبيعة و بخاصة علم الضوء .. و هو الذي أثر في أوروبا تأثيرا بعيدا و عرفته باسم «الهزن» و كان أشهر الأساتذة العرب الذين أخذوا بيدها في هذا المضمار من البحوث. فقد وضع نظرية حول حركة الأفلاك .. و قد ظلت هذه النظرية تدرس بغير تعديل في أوروبا أربعة قرون، فوجدت مائدة في ألمانيا محفورة سنة 1428 عليها نظرية «الحسن» في حركة الأفلاك».

«و قد نقد الحسن سنة 1038 نظرية اقليدس و بطلميوس في علم الضوء، فقال: إن الأجسام المرئية هي التي يصدر منها شعاع الضوء فتراه العين و ليس العكس». «و كانت هذه النظرية قفزة في علم الضوء. و هو مؤسس العلم التجريبي و ليس روجيه بيكون أو باكوفون فرولام أو ليوناردو دهفينشي أو جاليليو .. و أصبح اسم الحسن بن الهيثم هو النجم الذي أضاء الطريق و مهد لقيام الأبحاث الحديثة بعد أن سبق أوروبا إليها» ... و هو الذي فسر خسوف الشمس و القمر، و اكتشف أن القمر جسم مظلم بعكس النجوم، و هو أول من اخترع صندوقا للضوء يشبه آلة التصوير، و هو أول إنسان رأى صورة العالم مقلوبا من خلال مرور الصورة في جهازه العجيب .. و هو الذي فسر انكسار الضوء في الهواء و الماء و استطاع تحديد

340

ارتفاع الطبقة الهوائية المحيطة بالكرة الأرضية. «و الجدير بالذكر أنه توصل إلى تحديدها بدقة، و عرف أنها خمسة عشر كيلومترا» ..

«و فسر قوس قزح الذي عجز أرسطو عن تفسيره، و اخترع أول نظارة للقراءة .. و حتى يومنا هذا تعرف في جامعات أوروبا المسألة المعقدة المتصلة بالإلمام بالطبيعة و الرياضة معا و التي حلها الحسن بن الهيثم بمعادلة من الدرجة الرابعة أظهرت نبوغه الرياضي في الجبر .. إذ حسب البعد البؤري لمرآة مقعرة .. تعرف هذه المسألة باسم «مسألة الهزن» (الحسن)».

و كتابه المتضمن لهذه النظريات لا وجود له بالعربية، بل بقت ترجمته اللاتينية .. ضاع الأصل العربي مع ضياع الحضارة، و نفي العالم العربي و كتابه: «كتاب المناظر» إلى أوروبا حيث ساهم في بناء العلم الحديث.

و إذا كانت جامعة «أوكسفورد» قد بدأت مكتبتها بكتابين لا زالا مربوطين بالسلال إلى الآن كما كان وضعهما في القرن الثالث عشر .. فإن مكتبة الأزهر في القرن العاشر كان بها مليون و ستمائة ألف كتاب .. و لكن الانهيار الحضاري جعل الخليفة يسدد مرتبات الجند و الموظفين بالكتب ..

و كان «الفرنجة» يشترون هذه الكتب بالرطل، و ينقلونها إلى كنائس و أديرة .. فجامعات أوروبا.

فالأزهر لم يبدأ بالفقه و النحو و العروض وحدهم كما يتصور البعض، بل كانت تدرس فيه كل علوم العصر، من علوم الدين و الفلسفة و المنطق إلى الرياضيات و الطب و الهندسة و الفلك .. و استمر الحال على ذلك رغم التدهور الحضاري .. ذلك أن الإسلام، بطبيعته، يحتم دراسة حد أدنى من العلوم التطبيقية، فنظام الميراث يحتم دراسة الحساب بل و يقود إلى الجبر و كذلك الزكاة، و ضبط الكيل و الميزان يفتح الباب لدراسة الأثقال و الحجوم و الروافع و خواص المواد التي تصنع منها. و مراقبة الهلال لمعرفة

341

أوائل الشهور و دراسة حركة الشمس و الظل لتحديد مواقيت الصلاة، و تحديد العدة، و القبلة .. كلها تحتم دراسة الفلك و تقسيم الزمن، و تفتح الباب لدراسات عن الجغرافيا و الهندسة و الطب، و قادت إلى اكتشاف البوصلة.

و قد تمركزت الزعامة الشعبية في العلماء، و كان الأزهر هو مركز القيادة الشعبية، و حلقة الوصل بين السلطة و العامة، و قائد مقاومة الجماهير ضد استبداد السلطة و انحرافها .. و قد سلمت السلطة بهذه المكانة لشيوخ الأزهر، و التفت الجماهير حول الشيوخ .. الذين قادوها في أكثر من معركة سجل منها تاريخ القرن الثامن عشر معارك تتعلق باستقلال الجامعة الأزهرية، فعند ما حاول السلطان و الأمراء تعيين شيخ للأزهر من المذهب الحنفي، و هو المذهب الرسمي للدولة، رفض الشيوخ، لأن ذلك اعتداء على استقلال الأزهر، و العرف المقرر فيه أن يكون شيخ الأزهر شافعيا ..

و فشلت كل جهود الدولة في حماية مرشحها و مذهبها الرسمي، و انتصرت إرادة المشايخ .. و إذا كان عمدة «أوكسفورد» قد أحرق كل وثائق الملكية الخاصة بعلماء و طلبة جامعة «أوكسفورد» عام 1381 .. فإن علماء الأزهر في ذلك التاريخ كانوا يملكون بيع سلطان مصر في المزاد العلني (حادثة العز بن عبد السلام) .. و بعد ذلك بأربعة قرون (1735) حاول السلطان العثماني أن يعيد تنظيم الأوضاع المالية، بما يشكل اعتداء على الحقوق المكتسبة لبعض الفئات، و ليس المشايخ منهم. فاعترض المشايخ و ألغوا قرار السلطان معلنين أنه «ليس من حق السلطان تجاوز التشريعات لقائمة». و كان ذلك قبل سقوط الباستيل بنصف قرن و قبل أن يفكر عقل في لقارة الأوروبية بتحدي سلطة الملوك الإلهية.

و أخيرا قاد المشايخ ثورة فلاحين لانتزاع أول دستور مكتوب ..

1794 .. في الوقت نفسه الذي كان العامة في فرنسا يبحثون هل دم لأمراء أزرق؟).

342

فعند ما جاء نابليون بأول احتلال غربي للوطن العربي .. كان الأزهر هو القلعة التي اصطدم بها، بعد انهيار المؤسسة العسكرية (المماليك)، و قاد الأزهر المقاومة العربية ضد الاحتلال الفرنسي، فكانت ثورة القاهرة الأولى، التي قادتها لجنة من مشايخ الأزهر بقيادة الشيخ السادات استطاعت أن تشكل تنظيما دقيقا يمتد من صحن الأزهر إلى أصغر قرية في الريف المصري، و هو تنظيم عجز العالم العربي عن تكرار مثله لأكثر من قرن بعد تنحي الأزهر .. و عرف نابليون، ممثل الثورة الفرنسية، خصمه الحقيقي، فصب هجومه على الأزهر، و ضرب المسجد .. الجامعة .. القيادة ..

التراث .. التاريخ .. و أهم من ذلك أنه كان إمكانية المستقبل .. ضرب ذلك كله بالمدافع، و احتله الجنود و دخلته الخيل لأول مرة في تاريخه ..

معلنة هزيمة الحضارة التي يمثلها ..

و أصدر نابليون أمره بأن «يباد كل من في الجامع»، و دخلت الجند المسجد: «و هم راكبون الخيول، و بينهم المشاة كالوعول، و تفرقوا بصحنه و مقصورته و ربطوا خيولهم بقبلته، و عاثوا بالأروقة و الحارات، و كسروا القناديل و السهارات، و هشموا خزائن الطلبة و المجاورين، و الكتبة. و نهبوا ما وجدوه من المتاع، و الأواني و القصاع، و الودائع و المخبآت بالدواليب و الخزانات، و رشقوا الكتب و المصاحف و على الأرض طرحوها، و بأرجلهم و نعالهعم داسوها، و أحدثوا فيه و تغوطوا، و بالوا و تمخطوا، و شربوا الشراب، و كسروا آوانيه، و ألقوها بصحنه و نواحيه، و كل من صادفوه به عروه و من ثيابه أخرجوه».

و أعدم نابليون ثمانين شيخا من قيادة الثورة ..

صحيح أن عدوان نابليون على الأزهر، قضى على كل آماله في الشرق، و لكنه أيضا كشف للأمة العربية أنها عزلاء، لا تستطيع حماية قيادتها، و مقدساتها ..

343

و أصبحت القضية مطروحة على النحو التالي: من وجهة نظر الاستعمار الغربي .. لا بد أن تتحطم قيادة الأزهر لكي تخضع الأمة العربية للاستعمار.

و من وجهة نظر الأمة العربية، لا بد من حركة بعث قادرة على مواجهة الغرب الاستعماري.

و أدرك الاستعمار أن تحطيم الأزهر بالمدافع لا يجدي .. فبعد ضربه و احتلاله في الثورة الأولى، عاد و نظم ثورة القاهرة الثانية (1800)، و هي الثورة الكبرى المعروفة.

344

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

345

الأزهر و أثره في الحياة الإنسانية

إن الأزهر الشريف‏ (1) يرجع في قيامه إلى ألف سنة مضت. و قام ليؤدي رسالة و يحتفظ بتراث. أما الرسالة فهي تنوير المسلمين بمبادى‏ء الإسلام. و أما التراث الذي يحتفظ به فهو تراث المسلمين العقلي و الروحي و الأدبي على السواء.

و ظل يقوم بهذه الرسالة و يحتفظ بهذا التراث طوال هذه المدة الطويلة التي مضت على قيامه. و قد مرت به أحداث، و عاصر ظروفا و خرج من هذه و تلك دون أن يفقد هذه الرسالة، و دون أن يبدد هذا التراث.

فهو مدرسة و سجل للتاريخ معا. ترى في بحوثه و دراساته آثار المسلمين الذهنية، و تسمع من خلال هذه الآثار مبادى‏ء الإسلام كما ذكرنا.

و لأنه قام لمهمة مرتبطة بالبحوث الإسلامية كان لا يحتك به من الأحداث إلا تلك التي تتصل بكيان الأمة الإسلامية و الشعوب العربية، و في مقدمة هذه الشعوب شعب الاقليم المصري.

و التحول الذي طرأ على التوجيه فيه من أنه كان مدرسة لتعاليم‏

____________

(1) د. محمد البهي- مجلة قافلة الزيت.

346

الفاطميين ثم تغير الوضع فيه إلى أن يكون التوجيه الذي يباشره يتصل بتوجيه أهل السنة- هذا التحول لا يغير من مهمته الأصلية و هي العناية بنشر مبادى‏ء الإسلام و الاحتفاظ بتراث المسلمين العقلي و الروحي. و لذا فمحاولة وضع هوة في تاريخه بين عهدين له، و إبراز مراحل تطوره على أنه كان لاتجاه معين انقلب إلى ضده فيما بعد- لا تقلل من شأن رسالته في واقع الأمر من حيث أنها رسالة الأمة الإسلامية و الشعب العربي.

و الأزهر بما له من هذا الماضي الطويل و بما وضع لنفسه من رسالة احتل في العالم الإسلامي منزلة كبيرة و خالدة في الوقت نفسه. و أصبح مركز تنوير المسلمين بمبادى‏ء دينهم و أصبح أمر الاحتفاظ بالتراث الثقافي و الروحي و الأدبي للمسلمين مرتبطا ارتباطا قويا بمهمة الأزهر و بما يباشره من وظيفة و رسالة.

و إذا كان قد مرت على الأزهر أحداث تأثر بها و هي الأحداث التي تتصل بالوطن الإسلامي أو العربي، و إذا كانت هذه الأحداث قد غيرت من اتجاهه و تحول بسببها من جانب إلى جانب، فإن الشي‏ء الذي يمكن الوقوف عنده في تاريخه هو سير الحركة العلمية و تغير طريقة البحث و الدرس فيه. فحركة التأليف العربي التي وجدت في آخر القرن الأول الهجري و ازدهرت في القرنين التاليين له مالت رويدا رويدا إلى الضعف من جانب و الركود من جانب آخر، و كان للأحداث الخارجية و هي أحداث المغول و التتار في الشرق و أحداث الصليبيين من الغرب أثر آخر بجانب ما لضعف حركة التأليف و ركود النشاط فيه. و هذا الأثر سواء أ كان عن طريق الأحداث الخارجية أم طريق العوامل الداخلية و المحلية هو تقوية روح التبعية للخصومات المذهبية و للمؤلفين فيما كتبوا في العهود المتأخرة في تاريخ التأليف العربي.

و الأزهر عند ما قام يؤدي رسالة تنوير المسلمين اعتمد في ارسال‏

347

إشعاعه و في بحوثه و نشر تعاليمه على قسط كبير من كتب أولئك المؤلفين الذين تأخر بهم الزمن في تاريخ التأليف و تأثروا بموجة الضعف و الركود الداخلية و الخارجية. و لأن مهمة الأزهر تتصل بالدين، أخذ خصيصة التقاليد و هي عدم قبوله لمبدأ التطور لا في الدين نفسه و لكن فيما صنعه الإنسان المسلم المفكر حول الدين و فيما سطره من آراء يخرج بها بعض أفكاره. و هنا كان تقبل الأزهر للخروج عن نطاق هذه الكتب التي تمثل ظاهرة الضعف و الركود الفكري في تاريخ التأليف العربي أمرا ليس هينا، و إن تقبل مبدأ التغير و الانتقال من عهد إلى عهد في التعرف على مبادى‏ء الإسلام و آراء المسلمين فإنه يتقبلها في احتياط و في بطء.

و من ثم كانت مسايرة الأزهر- لا أقول لمبدأ التطور، و إنما أقول لفكرة الانتقال من عهد إلى عهد في تاريخ التأليف العربي، أي الانتقال من عهد الضعف و الركود مثلا إلى عهد القوة و الأصالة في العصور السابقة على هذا العهد- مسايرة تجمد تارة و تبطى‏ء في سيرها تارة أخرى.

و من هنا كان لتوجيهه أثر على الشعوب الإسلامية ينعكس في هذا الأثر ما يتلزمه هو في دائرة التوجيه من الركون إلى آراء معينة أو الوقوف في استمداد التعاليم الإسلامية من بعض مصادر التأليف في الحقبة الأخيرة.

و بمقدار ما يتحرك الأزهر في دائرة التأليف العربي الإسلامي بمقدار ما يكون لتوجيهه من أثر إيجابي أو سلبي.

و الحركات الإصلاحية التي قامت فيه و التي باشرها بعض شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ محمد عبده لم تقصد إلى الخروج عن دائرة التراث الثقافي و الروحي للمسلمين كلية. و إنما قصدت إلى شي‏ء واحد هو محاولة الانتقال- كي يفهم الإسلام فهما صحيحا- من عهد الركود إلى عهد الإمامة و الأصالة في تاريخ التأليف العربي الإسلامي. إذ أن تأليف المتقدمين من علماء المسلمين كان أقرب إلى أصول الإسلام و إلى التعبير عما يهدف إليه القرآن مما كان للمؤلفين المتأخرين.

348

و هذا معناه أن يكون للعالم الأزهري فرصة في اختيار الرأي من بين آراء المسلمين. كما تكون له فرصة عرض بعض آراء المسلمين اعتمادا على القرآن الكريم و السنة الصحيحة. و أي الآراء من بينها أقرب إلى روح القرآن و السنة الصحيحة هو أقواها وضوحا في التعبير عن رأي الإسلام و أكثرها قبولا للمسلم في حياته اليومية.

و النتيجة الحتمية لهذه الحركة الإصلاحية هي وضع العلماء في مواجهة القرآن وضعا مباشرا دون وسيط يلتزم رأيه و ينفذ حكمه على أداء القرآن لأحكام اللّه و للطريق العملي الذي يسلكه المسلم. و هنا يكون مبدأ التوجيهات حقيقة واقعية يمارسها القادرون في فهم القرآن أو تحت ضوء القرآن و ضوء السنة الصحيحة.

و بمقدار ما تعبر التعاليم التي يرسلها الأزهر إلى خارجه في نطاق الشعوب العربية و الإسلامية بمقدار ما تتحقق روح الإسلام في حياة المسلمين. و روح الإسلام هي روح الإنسانية الصافية في معاملة المسلم للمسلم و معاملة المسلم لغير المسلم من أهل الكتاب و معاملة المسلم لمن ليس بذي دين أو لمنكر الدين و الإيمان.

و معاملة المسلم للمسلم- كما تملي روح الإسلام- هي معاملة الأخ للأخ و الصديق للصديق و معاملة الإنسان للإنسان في دائرة دفع الأذى و الضرر و تحقيق السلم و الرخاء العام. و معاملة المسلم لغير المسلم ممن ليس بذي دين أو لمنكر الدين هي معاملة الإنسان لمن يتحدى خصائص الإنسانية و يتحدى علاقة السلم و تبادل النفع و الرخاء بين الناس جميعا. إذ الذي ينكر الدين و الإيمان باللّه ينكر على البشر أن يسلكوا طريق الحق، و سبيل الاستقامة و سبيل الإنسانية مذعنين لتوجيه القادر العليم مدبر الكون كله.

ينكر على البشر أن يطيعوا اللّه خشية منه، و يحرضهم في الوقت نفسه على أن يتمردوا على القيم البشرية بدعوى ممارسة الحرية الفردية، أو بدعوى‏

349

سمو الإنسان عن خالقه، أو بدعوى الاستجابة لوحي الطبيعة و ما تمليه من توجيه و ما ترسمه من قدر و مصير.

و الإنسان مهما سما في تفكيره و إدراكه لا يصل إلى تحديد المنهج المستقيم تحديدا واضحا لا خلط فيه، أو تحديدا مستمرا صالحا لجماعة معينة فضلا عن أن يكون صالحا لجماعات و شعوب كثيرة. و الطبيعة أن ترك الإنسان نفسه يطيع ما ترسمه من توجيه فإنها ستجعله يطيع دوما ما تمليه مظاهر الحس المختلفة و عندئذ يكون شأن الإنسان شأن الحيوان في تبعيته لما يحس و عدم ارتفاعه عن هذا الذي يحس للسيطرة عليه و توجيهه.

و من هنا كان أثر الأزهر الديني في توجيه المسلمين أثرا إيجابيا في علاقة المسلم بالمسلم، و في علاقة المسلم بأهل الكتاب، و في موقف المسلم من الالحاد و التحدي بإنكار الإيمان، ما يعبر في تعاليمه التي، ينشرها عن الإسلام في صفاء آرائه و وضوح هدفه.

أما الأثر الأدبي للأزهر و رسالته فهو خدمة الإنسانية و خدمة المستوى الفاضل لها. فالإسلام إذا سار المسلمون على مبادئه يكون من الدعائم القوية في تركيز خصائص الإنسانية في نفوس البشرية. فهو رسالة كرسالة اللّه فيما أوحاه إلى موسى و إلى عيسى (عليهما السلام) تساوق الطبيعة الإنسانية في أخص صفاتها و مقوماتها. و أخص هذه الصفات و المقومات التي تدعو إليها الرسالة الإلهية هي: المحبة، الأخوة، السلام. و لا شك أن هذه الغايات لا تتحق إلا إذا ارتفع الإنسان عن مستوى الخصومة و مستوى الحقد و الضغينة بسبب التهالك على المادة أو بسبب الانطواء تحت مظاهر الحس التي يدعو إليها الالحاد، و يدعو إليها التحدي للإيمان.

و الدين الإلهي لذلك ضرورة لضمان تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في حياة الإنسان. و إذا ما تحققت هذه الأهداف في حياة الإنسان أصبحت البشرية في أوضح مظاهرها حقيقة عملية، و بالتالي أصبح الناس سعداء لأن‏

350

الشر أو الشقاء لا يكمن إلا في الخصومة و في القلق و الاضطراب و الحيرة.

و ليس من أسباب الخصومة و القلق و الاضطراب و الحيرة سوى تنافس الناس على ما في أيدي بعضهم بعضا، و هنا كان الطمع و الجشع أمرا مكروها لذلك في كل رسالة إلهية. و كان البر و الإحسان أمرا مطلوبا في كل رسالة إلهية.

إن رسالة الأزهر في تمكين السلام العالمي و استقرار النفوس البشرية و توكيد الترابط الأخوي و الإنساني و دفع شرور الالحاد و تحدي الإيمان باللّه، و هو لذلك ضرورة في حياة مجموعة الشعوب العربية و الإسلامية كضرورة الدين نفسه في حياة الإنسانية.

351

قرارات لمؤتمر البحوث الإسلاميّة

في الدورة الثانية لمؤتمر مجمع البحوث الإسلامية الذي عقد بالأزهر و استمر شهرا كاملا .. كانت هذه الدورة مقصورة على أعضاء المجمع في المؤتمر الذين عهد إليهم بدراسة صورة المجتمع الإسلامي. و انتهت الدراسات إلى حصر المشكلات التي تواجه المجتمع الإسلامي المعاصر تحت أربعة عناصر رئيسية هي: مقاومة العدو المشترك للإسلام و المسلمين.

و تجريد الإسلام مما علق به من الفضول و الشوائب.

و تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية بين المسلمين على أساس إسلامي سليم العمل على توحيد كلمة المسلمين و محو أسباب التقاطع بينهم و إزالة أسباب الخلافات المذهبية.

و قد اتخذ المؤتمر أربعة قرارات هامة تدور حول هذه العناصر، و هي:

أولا: يقرر المؤتمر أن الاستعمار- سواء في البلاد التي لم تزل ترزح تحت نيره أو في البلاد التي جلا عنها مخلفا آثاره- هو الخطر الأول الذي يجب على المسلمين أفرادا و جماعات و دولا أن يجاهدوه بالمقاومة الجادة

352

المستمرة حتى يتم تحرير المسلم قلبا و ضميرا و وطنا و معرفة، و أن كل تقصير في ذلك هو عصيان للّه- تعالى- و إثم كبير لأنه يقوي يد العدو على إنزال الأذى بالمسلمين.

و إن الصهيونية التي يحاول الاستعمار بعد أن تحطمت أسبابه الظاهرة أن يغلف بها أهدافه تحت ستار جديد، هي داء استعماري خبيث يستهدف به الاستعمار أن يتمكن بآثاره في حياة المسلمين لاستمرار سيطرته عليهم، و من ثم كانت مجاهدتها فرضا كذلك على كل مسلم حيثما كان .. و كل تخلف عن ذلك عصيان للّه ..

ثانيا: يقرر المؤتمر أن الكتاب الكريم و السنة النبوية هما المصدران الأساسيان للأحكام الشرعية، و أن الاجتهاد لاستنباط الأحكام منهما حق لكل من استكمل شروط الاجتهاد المقررة، كما أن السبيل لمراعاة المصالح و مواجهة الحوادث المتجددة هي أن يتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفي بذلك، فإن لم يكن في أحكامها ما يفي به فالاجتهاد الجماعي المذهبي، فإن لم يف كان الاجتهاد الجماعي المطلق.

ثالثا: أن موضوع الزكاة و الموارد المالية في الإسلام و طرق الاستثمار و علاقتها بالأفراد و المجتمعات و حقوق الملكية الخاصة و العامة، هي موضوعات الساعة لأنها ملتقى شعبتين من شعب الشريعة الإسلامية و هما العبادة و السلوك الاجتماعي.

و من أجل ذلك يقرر المؤتمر أن تكون هذه الموضوعات محور نشاط المجمع في دورته المقبلة.

و يقرر المؤتمر، بعد الدراسة المستفيضة لموضوع الملكية، أن حق التملك و الملكية الخاصة من الحقوق التي قررها الإسلام و كفل حمايتها ..

و أن من حق أولياء الأمر في كل شلدان يحدوا من حرية التملك بالقدر الذي يكفل درء المفاسد و تحقيق المصالح و أن أموال المظالم و سائر الأموال‏

353

المشبوهة يجب أن ترد إلى ذويها أو إلى الدولة .. بل أن المال الطيب، إذا احتاجت المصلحة العامة إلى شي‏ء منه، أخذ من صاحبه نظير قيمته يوم أخذه و أن تقدير المصلحة من حق أولياء الأمور ..

رابعا: يقرر المؤتمر أن واقع المجتمع الإسلامي المعاصر يفرض على مجمع البحوث الإسلامية أن يلتمس الوسائل لتوثيق الصلة بين المسلمين في شتى بلادهم ليجمعهم كلمة و يوحدهم رئيسا و ينظمهم للتعاون أفرادا و جماعات على ما فيه خيرهم و خير الإنسانية من غير إقليمية و لا مذهبية و لا تنازع.

كما يقرر أن استكمال المجمع لأجهزته اللازمة لنشر المبادى‏ء الإسلامية و تجليتها أمر ضروري تجب المبادرة إليه لينهض المجتمع الإسلامي بمسئولياته التي يفرضها عليه واقعه.

354

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}