الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
355

قصّة الأزهر الجامعي بعد عشرين عاما (1)

الأزهر القديم حافل بالذكريات المجيدة الخالدة المشهورة، التي فصل الحديث فيها المؤرخون و الباحثون.

أما «أزهرنا» اليوم فلا حول و لا قوة إلا باللّه، فليس فيه من الأزهر القديم شبه، و ليس بينه و بينه صلة، و هو حائر الرأي، متبعثر الخطى، كأنما يريد أن ينقض إشفاقا على حملة تراثه، من جسامة المئولية، و فداحة التبعة، و هول الحساب .. و أما «أزهرنا» في الغد، فأتخيله منارة مشرقة، و جامعة تعود إلى فهم رسالتها، و إلى أدائها، و إلى الجهاد مرة أخرى من أجل الإسلام و المسلمين و تقدم النهضة الفكرية، و من أجل ازدهار حركة الأحياء و التجديد و الإصلاح الديني .. و سيكون الفضل في ذلك راجعا إلى يقظة الرأي العام في الأزهر بعد سبات، و إلى انتباه الشباب فيه بعد غفلة، و إلى حرص الأمة و المسئولين على إصلاح الأزهر و تجديد معالم النهضة الدينية و العلمية في أروقته و محاربيه.

سيكون الأزهر بعد عشرين عاما جامعة هيكلا و روحا و رسالة، بعد أن كان في القديم جامعة بهيكله، و بعد أن كان في عصرنا الراهن جامعة اسما

____________

(1) ص 155 قصص من التاريخ للمؤلف.

356

فحسب .. و ستؤدي هذه الجامعة الأمانة العلمية و الدينية الملقاة على كاهلها على خير الوجوه و أجلها، و ستعود حلقات الدرس في الأزهر إلى نشاطها العلمي من جديد، منقحة و محققة و مجددة مبتدعة، و سيحفل الأزهر آنذاك بعديد الأعلام من بنيه، الذين سيكونون خير سند لنهضته الفكرية و الروحية.

و ستمتلى‏ء نفوس الأزهريين بعد عشرين عاما بالعزة و الكرامة، فلا تجد فيهم ضعيف الرأي، أو منافق اللسان، أو هداما يستر عيوبه بالحقد على الناس، أو أنانيا يسعى لنفسه و لو كان في ذلك الهلاك للجماعة ..

و ستقوى صلة الأزهر بالأمة، فتنزله منها منزلة الرائد الأمين، و يحلها من نفسه مكانة عزيزة بالتوجيه و الإيثار و النصح، و الدعوة إلى المثل العليا الكريمة التي يدعو إليها الإسلام الكريم.

أما مناهج الأزهر و كتبه و كنوزه القديمة فسينالها ثورة العصر الجديد، فتعود كنوزنا العلمية إلى التأثير في العقل العربي الحديث تأثيرا قويا نافعا، و تصبح مناهج الأزهر و كتبه و نظمه محققة لرسالته الجامعية الصحيحة ..

و سيكون منصب «شيخ الأزهر» بالانتخاب من حملة الدكتوراه أو ما يعادلها من الأزهر، و سيعود لمنصب المشيخة سالف مجده و عظمته و هيمنته الروحية الكبيرة على العالم الإسلامي كافة، و ستنال جماعة كبار العلماء و لجنة الإفتاء و مجلة الأزهر و مكتبته و أروقته و معاهده و كلياته و بعوثه الإسلامية نصيبها من الإحياء و البعث و التجديد، و ستسهم البعوث الإسلامية الأزهرية في ميادين النشاط الديني و العلمي بنصيب كبير، و ستحمل مدرجات الأزهر أسماء الخالدين من أبنائه .. و يطلق على الكراسي العلمية المنشأة في كلياته كذلك أسماء الأعلام من علمائه .. و سنرى مدينة الأزهر الجامعية، و اتحاد الأزهر الجامعي، و حفلات الذكرى الألفية لإنشاء الأزهر، و اللغات الحية التي تدرس في جميع أقسامه و فروعه، و قلوبنا يملؤها البشر و الفخر و الإعجاب.

357

و سوف تقيم كليات الأزهر مواسم علمية و أدبية ضخمة، و سيعلن آنذاك عن رحلات لطلبة كليات الأزهر في البلاد العربية و الإسلامية خلال إجازة نصف السنة و في الإجازة الصيفية.

و سيكون في كلية اللغة العربية عدة كراسي علمية، للنقد الأدبي و مذاهب الأدب و أصول النحو و البلاغة و اللغات السامية و اللهجات القديمة و الحديثة و سيتبعها معهد للصحافة، و تنطق باسمها مجلة علمية ضخمة، و سيعلن عن مناقشة رسالة للدكتوراه فيها آنذاك، عنوانها: «مذهب أدبي جديد» يبشر صاحبها فيها بالمثالية الأدبية. و في كلية أصول الدين ستنشأ كراسي أخرى للفلسفة و التصوف الإسلامي و علم الأخلاق الديني و علم الاجتماع و مناهج الوعظ، و سواها. و سيعلن آنذاك عن مناقشة رسالة للدكتوراه. فيها موضوعها «فلسفة الشك بين ابن عربي و ديكارت»، و عن مناقشة رسالة ثانية موضوعها «علم الاجتماع بين أرسطو و الفارابي و ابن خلدون و غوستاف لوبون» و سيعكف أحد طلبة الدكتوراة فيها آنذاك على كتابة رسالة عن «الذرة عند فلاسفة الإسلام» .. و في كلية الشريعة ستنشأ كذلك كراسي علمية جديدة لأصول الاجتهاد و القانون «المقارن» و الشريعة الإسلامية و مذاهب المجتهدين و سواها، و سيعلن عن قيام طلبة الدكتوراة في الكلية بنشر مجموعات القوانين الجنائية و المدنية و الاقتصادية و القانون الدولي في الشريعة الإسلامية، و ستناقش رسالة للدكتوراه عنوانها أصول مذهبي الأوزاعي و الليث بن سعد .. و ستتبادل الجامعات في الشرق و الغرب رسائل الأزهر العلمية.

و من أهم حركات التجديد في الأزهر توطيد النظام الجامعي و رفع مستوى الكادر الجامعي في كلياته و تبادل الأساتذة بين الأزهر و شتى جامعات العالم، و ستقوم الدول الإسلامية بعب‏ء الأموال اللازمة للبعوث الإسلامية الأزهرية، و سيتولى الأزهر الإشراف على المساجد و المعاهد الكبرى في‏

358

العالم الإسلامي، و ستعلن جامعة «هارفرد» عن قدوم أستاذ أزهري زائر فيها لتدريس «أصول التشريع الإسلامي و أثرها في نشأة علم الاجتماع و في الحضارة العالمية».

و يومذاك سيكون للأزهر معاهد علمية ثقافية في الخرطوم و إشبيلية و القدس و كراتشي و بغداد و لندن و برلين و باريس و نيويورك، و سترسل ثلاثون بعثة علمية لشتى جامعات الغرب .. و ستستعين جامعة إيران و جامعة موسكو و برلين و لندن و السوربون و جامعات الهند و الصين و باكستان و سواها بأساتذة من الأزهر. و من أهم ما سنراه في الأزهر بعد عشرين عاما تبادل الطلاب بين كلية اللغة و كليات الآداب في مصر و الغرب، و بين كليات الشريعة و كليات الحقوق، و بين كلية أصول الدين و كليات الفلسفة في العرب، و كذلك اعتراف الجامعات في العالم بشهادات الأزهر العلمية، و سيدرس الطب العربي القديم في الأزهر، و سيباح لخريجي كلية أصول الدين فتح «عيادات» نفسية للطب النفسي العلاجي. و سيكون لخريجي الأزهر دخول الكلية الحربية عاما واحدا يمنحون بعده رتبة عسكرية و يعملون في الجيش في شتى وحداته، و سيكون القائد العام للجيش المصري آنذاك أزهري التعليم، و سينشى‏ء الأزهر كلية الجامعية للفتاة المصرية .. و ستنال المعاهد الابتدائية حظها من الرعاية و التجديد و الإصلاح، و يباح تبادل الطلاب بين الأزهر و المدارس الابتدائية و الثانوية، و سيوحد الزي بين الأزهر و الجامعات المصرية.

و يومئذ سيكون الأزهر الصرح الإسلامي الأكبر في البلاد الإسلامية.

359

الأزهر حصن العربية

يعني الأزهر فيما (1) يعني المعقل الذي حفظ الثقافة العربية ألف سنة و نيفا، يسهر عليها و يزيد فيها و ينفق منها على طلاب المعرفة في الشرق و الغرب، على حين دمر الجهل و الكفر حصونها في بغداد و الأندلس.

و يعني الأزهر فيما يعني، الحصن الذي اعتصمت به اللغة العربية من عدوان الشعوبية و العامية و التركية حين استعجم اللسان و استترك السلطان و فشت الجهالة، و ضعفت الخلافة و عز الناصر و ذل الأهل.

و يعني الأزهر فيما يعني القبلة الثانية التي يوجه المسلمون في جميع أقطار الأرض قلوبهم إليها يتلمسون على هداها الطريق إلى الحق و السبيل إلى اللّه.

و يعني الأزهر فيما يعني الملاذ للشعب المظلوم كلما عسفه الطغيان و بغي عليه الحكم فيأوي منه إلى ركن شديد و حام قادر.

و يعني الأزهر فيما يعني الجامعة العالمية التي يؤمها الطلاب من كل أرض و من كل جنس و من كل لون ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا

____________

(1) محلة الأزهر- عدد رمضان 1380 ه- احمد حسن الزيات.

360

رجعوا إليهم، لا يبغون من وراء ذلك مالا و لا جاها و لا شهرة.

و يعني الأزهر فيما يعني الخانقاة التي آوت العباد و الزهاد و الوعاظ و حفظة القرآن و حملة البركة.

و يعني الأزهر فيما يعني القاعدة الروحية التي كان يخشاها المستعمرون فحاولوا سرا و علنا أن يدمروها ليتقوها، فلما استيأسوا من تدميرها أو إضعاف تأثيرها سالموها و نافقوها. ثم جهدوا أن يستميلوها ليستغلوها.

و يعني الأزهر فيما يعني، الصرح الوطني الذي أجج الثورات على الفساد، و خرّج القيادات للجهاد، و قام من نهضة العرب الحديثة مقام الرأس و اليد، يمدها بالروح و يرفدها بالقوة. ثار على الغزو الفرنسي بقيادة ستة من علمائه، و ثار على الطغيان التركي بقيادة شيخه عبد الله الشرقاوي، و ثار على الظلم الخديو بقيادة ابنه أحمد عرابي، و ثار على الاحتلال البريطاني بقيادة ابنه سعد زغلول.

كل أولئك يعنيه لفظ الأزهر، و أكثر من أولئك يلازم معنى الأزهر، و لكني بسبيل الحديث عن نصيب اللغة العربية من فضل الأزهر فلا أخوض في حديث غيره.

إن فضل الأزهر على اللغة العربية مستمد من فضل القرآن الكريم عليها؛ و بعض فضله أنه كسبها عذوبة في اللفظ و رقة في التركيب و دقة في الأداء و قوة في المنطق و ثروة في المعانى. و كان سببا في استحداث العلوم الشرعية و الأدبية التي حفظت مادتها بالقواعد و في المعجمات، و وسعت دائرتها بالألفاظ و المصطلحات، كالنحو و الصرف و الاشتقاق لدفع اللحن عنه، و المعاني و البيان و البديع لتقرير الإعجاز فيه، و على اللغة و الأدب لتفسير غريبه و توضيح مشكله، و الحديث و الأصول و الفقه و التفسير لاستنباط أحكام الشرع منه، و هو الذي وحدها على كل لسان، و نشرها معه في كل‏

361

مكان. و حفظها أربعة عشر قرنا إلا قليلا لا تفسد و لا تجمد و لا تتغير مصداقا لقول اللّه تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» و حفظ القرآن يستلزم حفظ لغته، و الناظر في تاريخ الأديان السماوية و الأرضية لا يجد دينا حملته لغته التي أنزل بها أو كتب فيها إلى أقصى الشرق و أقصى الغرب في مدى 1380 سنة ثم بقيت محافظة على قوتها وجدتها و وحدتها و طبيعتها إلا دين الإسلام و لغة العرب، أما سائر الأديان فلا تقرأ كتبها الأصلية إلا في لغة البلد الذي ظهرت فيه. فإذا نقلت إلى بلد آخر عن طريق الدعوة قرئت مترجمة إلى لغته، و اختص بمعرفة الأصل طائفة قليلة من رجال ذلك الدين، فمدونة الأسفار البوذية المسماة بالسلات الثلاث لا يقرأها أتباع هذه الملة في الصين و اليابان إلا منقولة إلى الصينية و اليابانية، و التوراة و الإنجيل- و هما كتابان منزلان- لا يقرآن في العالم المسيحي إلا في لغة كل قطر من أقطاره، لذلك ظل تأثيرهما في الآداب الأخرى ضئيلا حتى ترجما إلى اللاتينية و التوتونية القديمة فظهر أثرهما قويا في الآداب الأوروبية.

و ليس كذلك الحال في القرآن، فإن المسلمين اعتقدوا بحق أن لغته جزء من حقيقة الإسلام، لأنها كانت ترجمانا لوحي اللّه و لغة لكتابه و معجزة لرسوله و لسانا لدعوته، ثم هذبها النبي الكريم بحديثه و نشرها الدين بانتشاره و خلدها القرآن بخلوده. فالقرآن لا يسمى قرآنا إلا فيها، و الصلاة لا تكون صلاة إلا بها، لذلك سارعوا إلى تعلمها و التكلم بها و التأليف فيها و التعصب لها و الدفاع عنها و الدعوة إليها حتى حلت محل الفارسية في العراق و الرومية في الشام و القبطية في مصر و البربرية في المغرب، و أصبحت في عصر بني العباس و هو عصرها الذهبي لغة الدين و الأدب و العلم و السياسة و الإدارة و الحضارة في أكثر الدنيا القديمة، و أصبح المسلم على اختلاف جنسه ينتقل من قطر إلى قطر في عالمه الإسلامي كما ينتقل من بلد إلى بلد في وطنه الأصلي، لا يجد مشقة في التفاهم، و لا صعوبة في التعامل، و لا شدة في المعيشة ثم شغل المسلمون- عربهم و عجمهم- بالقرآن و فرغوا له، فكان‏

362

دعاءهم في المسجد، و نظامهم في البيت، و منهاجهم في العمل، و دستورهم في الحكومة، فسري هدية منهم مسرى الروح، و جري وحية فيهم مجرى الطبع، و أثر في ألسنتهم و أفئدتهم و أنظمتهم تأثيرا لم يؤثره كتاب سماوي آخر في أهله و من هنا كانت ثقافة الإسلام قائمة على ركنين أساسيين هما الدين بعلومه المختلفة و اللغة بفنونها المعروفة، و هذان الركنان يشد احدهما الآخر و يمسكه، فالإسلام بغير العربية ينبهم و يضمحل، و العربية من غير الإسلام تنكمش و تزول، و اللغات السامية مدينة ببقائها للدين، فلو لا اليهودية ما بقيت العبرية، و لو لا المسيحية ما بقيت السريانية، و لو لا الإسلام ما بقيت العربية، و لكن الفرق بين بقاء العربية و بقاء العبرية و السريانية هو الفرق بين الروح و الذماء أو بين العين و الأثر. و الأزهر و هو وارث النبوة و حامي العقيدة و ناشر الدعوة لا يمكن أن تقوم رسالته إلا على هذين الركنين، و قد أداها بتأييد اللّه و توفيقه تأدية أحلته من العالم الإسلامي كله محل الزعامة.

على أن فضله على علوم القرآن و علوم اللسان قد يشاركه فيه بالكثير أو بالقليل طائفة من المدارس و الجوامع أنشأها السلاطين في القاهرة و دمشق و حلب و بغداد و النجف و قرطبة و القيروان و الزيتونة، كالناصرية و القمحية و الصلاحية و المؤيدية و المنصورية و الشيخونية و الظاهرية و الكاملية و النظامية؛ و لكن هذه المدارس التي عفى على أكثرها الزمن لم تستطع في حياتها منفردة أو مجتمعة أن ت (اول الأزهر فضله الخالد على اللغة العربية في بقائها لسانا للعلم و رباطا للمسلمين إلى اليوم.

تحيفت الخطوب السود لغة القرآن في محنتين أشفت فيهما على الموت لو لا أن تداركها اللّه بفضله: محنة الغزو المغولي في منتصف القرن السابع حين انتكث فتل العباسيين في العراق بتنافس الفرس و الترك، و تحارب الشيعة و السنة، و ذهاب جلال الخلافة من النفوس، فقوص هولاكو عرشها سنة 656 ه، و تضعضع أمر الأمويين في الأندلس بتغلب‏

363

البربر و الموالي على ملكهم و تقسيمه بينهم إلى دويلات سهل على الفرنج ازدرادها قطعة قطعة حتى ابتلعوها لقمة سائغة سنة 898 ه .. و دالت دولة الفاطميين في مصر و الشام فوقعتا في أيدي الأيوبيين، ثم صارتا إلى المماليك و ظلتا تحت سلطانهم حتى دخلتا في حكم الأتراك العثمانيين سنة 923 ه، فأتى على العرب ستون و خمسمائة عام لم يكن لهم فيها سلطان و لا ملك، فأصبحت ديارهم و آثارهم نهبا مقسما بين المغول و الترك و الفرس و الجركس ثم الأسبان بعد قليل، و كان أكثر هؤلاء الأعجام وحشيين أميين فخربوا الدور و هتكوا الخدور و فجعوا اللغة و آدابها و علومها بتحريق المكاتب و تعطيل المدارس و تقويض المراصد و تقتيل العلماء. ناهيكم بما فعله التتار في بخاري و بغداد، و الصليبيون بالشام، و الإفرنج بالأندلس، فلو أن الزمان عفى على اللغة العربية و ألحقها بأخواتها السامية لما كان ذلك خارقا لطبيعة الأشياء و لا بدعا في منطق التاريخ، و لكنها بقيت على الرغم من هذه الخطوب لسانا للدين و العلم، و لغة للحكومة و الأمة في بلاد المغرب و مصر و الشام و بلاد العرب و الجزيرة، و لو لا نعرة الترك و عصبية الفرس لكانت لغة المسلمين كافة. و الفضل في بقائها بعد إدبار الزمان و السلطان عن أبنائها، إنما كان لهذا الأزهر الجليل الذي اختصه اللّه بمزايا تميز بها على غيره، منها صبغته العربية الخالصة بحكم نشأته و بيئته، و موقعه الوسط بين الشرقين الأدنى و الأوسط، فكان ملتقى المسلمين من هنا و من هناك، و منها قربه من الحجاز فكان طريق الحجاج و الرحالين من علماء إفريقية و الأندلس. و منها تخريجه طائفة كبيرة من أعلام الفقه و أعيان الأدب جمعوا شتات اللغة و العلوم و الآداب في أسفار أشبه بدوائر المعارف، و منها مكانته التي بلغت من قلوب المسلمين و الحاكمين مبلغ القداسة و كان لها أثر بالغ في حل بعض المشكلات السياسية و الاجتماعية، و منها كفايته الأساتذة و الطلاب مؤونة العيش بأن كفل لهم الغذاء و الكساء و المأوى و الكتاب، و منها إيواؤه الناجين بحياتهم و دينهم و علمهم و أدبهم و كتبهم من غارة المغول حين‏

364

اكتسحوا خراسان و الفرس و العراق، فكان من مهاجرة هؤلاء العلماء من الشرق و الغرب إلى القاهرة من البحث و الابتكار ما كان لمهاجرة علماء المسيحية من القسطنطينية إلى روما من البعث و الازدهار. و منها مناصرة الأيوبيين له بالمال و التعضيد؛ لأنهم و إن كانوا أكرادا قد تكلموا بلغة العرب و تأدبوا بأدب العرب و نبغ من بينهم الشاعر و العالم و المؤرخ، كالملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء، و الملك الأفضل علي بن صلاح الدين، و كان هذا الملك ضعيف الرأي كثير الغفلة فغلبه عمه العادل أبو بكر و أخوه العزيز عثمان على ملك الشام و مصر، فكتب إلى الخليفة الناصر العباسي كتابا يشكو إليه فيه ذلك و قد بدأه ببيتين من الشعر أجاد في نظمهما كل الإجادة و هما:

مولاي إن أبا بكر و صاحبه‏* * * عثمان قد أخذا بالسيف حق على‏

فانظر إلى حرف هذا الاسم كيف لقي‏* * * من الأواخر ما لاقى من الأول‏

يريد بأبي بكر عمه، و بعثمان أخاه، و بعلي نفسه، فأجابه الخليفة الناصر بقوله:

وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا* * * بالصدق يخبر أن أصلك طاهر

غصبوا عليا حقه إذ لم يكن‏* * * بعد النبي له بيثرب ناصر

فاصبر فإن غدا عليه حسابهم‏* * * و أبشر فناصرك الإمام الناصر

و الجزالة ظاهرة في شعر الملك الكردي ظهور الركاكة في شعر الخليفة العربي!.

كذلك أقول في المماليك فقد أيدوه و أمدوه؛ لأنهم اتخذوا مصر وطنا، و الإسلام دينا، و العربية لغة، و كان من بينهم شعراء عالجوا القريض و أجادوه كالسلطان الغوري، هؤلاء المماليك قد عضدوا العلماء و قربوا الأدباء، و شدوا أزر المعلمين و المؤلفين، حتى خرّج الأزهر في ظلمهم أولئك الأئمة الذين استودع اللّه صدورهم ذخائر العلم و الحكمة فأودعوها

365

الكتب، و أخرجوها للناس: كجمال الدين بن منظور، و جمال الدين بن هشام، و شمس الدين النويري، و ابن فضل الله العمري، و شمس الدين الذهبي، و الحافظ بن حجر العسقلاني، و أبي العباس القلقشندي، و تقي الدين المقريزي، و بدر الدين العيني، و سراج الدين البلقيني، و بدر الدين الدماميني و شمس الدين السخاوي، و كمال الدين الدميري، و جلال الدين السيوطي، و تقي الدين الدميري، و جلال الدين السيوطي، و تقي الدين القشيري المعروف بابن دقيق العيد.

لهذه المزايا انتهت إلى الأزهر في القرون الثلاثة السابع و الثامن و التاسع زعامة الثقافة في جميع البلاد العربية و الإسلامية، فحفظ وجود اللغة، و رفع سقوط الأدب، و جمع شمل العلم، و لولاه لا انقطع ما بين الأدبين القديم و الحديث.

أما المحنة الأخرى التي امتحنت بها العربية و كان للأزهر الفضل في وقايتها و سلامتها فهي محنة الغزو التركي في أوائل القرن العاشر حين استولى السلطان سليم على مصر و الشام سنة 923 ه فأصبحت الخلافة عثمانية لا عباسية، و عاصمة الإسلام القسطنطينية لا القاهرة، و اللغة الرسمية التركية لا العربية، و مكث الغازي سليم في مصر بعد الغزو ثمانية أشهر سلبها فيها أنفس أعلاقها من الكتب و التحف و الآثار لنوابغ الفنانين و المؤلفين الذين تخرجوا في الأزهر و أنتجوا في مصر مدى القرون الثلاثة التي سبقت الغزو العثماني، و أخذ الغزاة يغلبون لغتهم على اللغة العربية في الدواوين، و يطاردونها في المدارس، حتى كانوا يعلمون قواعد اللغة العربية باللغة التركية في الشام و العراق! ففشا في اللغة العامي و الدخيل، و ذهبت أساليبها من النظم و النثر، و خيم الظلم و الظلام على النفوس فخمدت القرائع، و ضعفت رغبة الحكام في العلم، و انقطعت أسباب الطلب له، و استطاع الترك أن يترّكوا كل شي‏ء في مصر من سياسة و إدارة و تعليم و جيش إلا الأزهر، فقد راعهم ما أحسوا من جلاله و ما سمعوا عن مجده، فوقفوا على‏

366

أبوابه خاشعين يلتمسون منه العون على ما ينجم من أحداث، و الرأي فيما يشكل من الأمور.

و السلطان سليم نفسه قد زاره مرارا فصلى فيه و تبرك به. و من قبل قد غزا الأزهر بلاد الأتراك بعلمه و أدبه و كتبه فعرب طائفة منهم تعلموا العربية و تكلموا بها و ألفوا فيها كالفيروز أبادي و أبي السعود و الفناري و ملا خسرو و الجامي و الخيالي و خوجه زادة و ملا مسكين و ملا لطفي و حاجي خليفة و طاشكيري زاده و ابن كمال باشا و كان سلاطين العثمانيين أنفسهم يدرسون العربي و آدابها كما كانوا يدرسون التركية و آدابها، و منهم من قرض الشعر العربي و رواه كالسلطان أحمد الأول فقد رووا له قصيدة غزلية مطلعها.

ظبي يصول و لا وصول إليه‏* * * جرح الفؤ بصارمي لحظيه‏

و لم تضعف عناية علماء الترك بالعربية إلا في عهد السلطان محمود الثاني و ابنه السلطان عبد المجيد الأول حين أحييا اللغة التركية و قربا مواردها و بسطا قواعدها و سمياها اللغة العثمانية، فأنتم ترون أن اللغة العربية قد أتى عليها ستة قرون قضتها بين الاحتضار و الموت، ثلاثة منها في العصر المغولي، و ثلاثة أخرى في العصر العثماني، أمحت فيها من الهند و خراسان و العراق و بلاد الروم و الأندلس، و بقيت في الأقطار العربية بقاء المريض أشرف على الموت و لم يبق منه إلا رمق ذلك الرمق هو الذي كفله الأزهر و تعهده فغذاه و قواه و رعاه، حتى إذا انجاب عن مصر قتام الحكم العثماني و أراد اللّه لشمس الحضارة أن تشرق مرة أخرى على وادي النيل زايل اللغة الوهن و سرت فيها الحياة، ففي الأزهر كان ملاذها و غياثها، و في الأزهر كان بقاؤها و انبعاثها.

كان الأزهر بعد انتهاء تلك الغمرة باحتلال نابليون، و ابتداء هذه النهضة باستقلال محمد علي، قائد الشعب في الكفاح و رائد الحكومة في الإصلاح، تمثلت قيادته في شيوخه الأجلاء خليل البكري، و عبد الله‏

367

الشرقاوي، و محمد المهدي و سليمان الفيومي، و حسن العطار. و تجلت ريادته في طلابه النجباء الذين أرسلوا إلى أوروبا ليستفيدوا و يستزيدوا، كإبراهيم النبراوي، و أحمد حسن الرشيدي، و محمد علي البقلي، و رفاعة الطهطاوي، و علي مبارك، و تلك يد أخرى لهذا المعهد الجليل على اللغة العربية، ساعدها على النهوض، كما حماها من قبل دون السقوط.

هاتان هما المحنتان اللتان عانتهما العربية في عهدين متواليين، ثم جعل اللّه نجاتها منهما بفضل الأزهر حفظا لكتابه و صونا لدينه.

و هناك محنة ثالثة تجتازها اللغة اليوم و توشك أن تبلبل اللسان و تعطل القرآن و تقطع الدين عن أصله، و تفصل العربي عن أهله، و تهبط بالأدب من جبل الوحي و هيكل عطارد حيث الترفع و السمو و النبل، إلى حضيض المادية حيث التسفل و التبذل و الفحش.

تلك هي محنة الإباحية اللغوية التي تغلب العامية على الفصحى، و تؤثر أدب العامة على أدب الخاصة، و تفضل الموضوع المثير على الموضوع المنير، و تريد أن يكتب الكاتب و ينظم الشاعر كما يشاء، لا يتقيد بقاعدة من نحو و لا قياس من صرف و لا نظام من بلاغة و لا وزن من عروض و لا مثال من خلق. و لهذه المحنة أو المشكلة أصلان: الاستعمار و الجهل.

أما الاستعمار فلأنه رأى أن الرابطة بين المسلمين على اختلاف أقطارهم و تباعد ديارهم هي الدين و اللغة، و ما دامت أمة محمد روحا واحدا بالإسلام، و لسانا واحدا بالعربية، فإن استغلالها موقوت و إن طال، و إن استقلالها آت و إن تأخر، لذلك سعت فرنسا سعيها الدائب في الجزائر لفتنة البربر عن دينهم بإصدار الظهير المعروف، و قطع العرب عن لغتهم بطردها من المدارس و الدواوين. و لكن دين اللّه كان أقوى من ظهير فرنسا، و لغة المصحف كانت أمضى من لغة السيف. و اكتفت انجلترا على عادتها من الدهاء و الكياسة بمحاربة الفصحى فدعت إلى العامية بلسان موظفيها

368

و مبشريها و مستشرقيها؛ لأن اللغات العامية تختلف في البلاد العربية اختلافا شديدا يكاد يجعل من كل لهجة منها لغة مستقلة. و إذا انهزمت أمامها اللغة المشتركة و هي الفصحى استحال التفاهم و ضعفت العقيدة و انقطعت الصلة و تفرقت الوحدة و تبددت القوة و استطاع المستعمر أن يلتقمها لقمة لقمة فلا يغص و لا يشجى. و لكن هذه الدعوة فشلت بضعف الاستعمار في الشرق، و قوة الوعي في العرب. و أما الجهل و هو الأصل الآخر لمحنة اللغة العربية فقد خلف الاستعمار في هذه الدعوة المجرمة، و المراد بالجهل جهل أبناء العربية بها، و عزوفهم عن علومها و أدبها، و هو جناية المدرسة المدنية الحديثة، فقد فشلت بعد طول الزمن و كثرة التجارب في تخريج القارى‏ء الذي يقرأ بفهم، و الكاتب الذي يكتب عن علم، و المفكر الذي يفكر عن أصالة، و ليس أدل على هذا الفشل من أن الطالب يتعلم النحو عشر سنين دأبا ثم لا يستطيع بعد ذلك أن يعبر عن فكره تعبيرا صحيحا لا بلسانه و لا بقلمه، فإذا دفعه استعداده الأدبي إلى الكتابة آثر العامية على الفصحى و دعا إلى التحلل من القواعد و القيود ليجعل الفوضى نظاما و الخطأ مذهبا و العجز شركة. كانت علوم العربية تدرس في الأزهر و دار العلوم و مدرسة القضاء الشرعي و فيما يجري على منهجه من معاهد لبنان و سورية و العراق و المغرب دراسة عميقة تمكن الطالب المجتهد المستعد من فهم ما يقرأ و فقه ما يعلم و تعليل ما ينقد و تحليل ما يذوق. فإذا اتصل النظر بالعمل و اقترن الحكم بالتطبيق و صادف ذلك استعدادا في المتعلم ظهر الكاتب الذي يكتب فيجيد، و الشاعر الذي ينظم فيبدع، و الناقد الذي يحكم فيصيب، أما إذا فتر الاجتهاد و ضعف الاستعداد ظهر الأديب العالم الذي يهي‏ء الوسائل و يقرب المناهل و يوجه المواهب و يسدد الخطى، و من هاتين الفئتين تستمد الحركة الأدبية عناصرها الحيوية فتقوى لتزدهر و تنمو لتنتشر و تسمو لتخلد.

و كان من خريجي هذا المنهج القديم أولئك الأدباء الأصلاء الذين حفظوا تراث اللغة و جددوا شباب الأدب و أسسوا هذه النهضة الأدبية الحديثة، و لا

369

يزال من هذه الطبقة الكريمة فئة قليلة في أقطار العروبة تستبطن لغتها و تتعمق أدبها و تعرف لماذا تكتب الجملة على وضع دون آخر، فإذا خلا المجتمع بعد أجل طويل أو قصير فهل يخلف من بعدهم خلف يحملون أمانة اللغة و يبلغون رسالة الأدب؟

الجواب عن هذا السؤال عند الأزهر وحده؛ فهو بحكم طبيعته و علة وجوده معتصم اللغة و منجاها في الماضي و المستقبل، أما المعاهد الأخرى فكل شي‏ء فيها يبعث على التشاؤم: منهج تطبيقي يكاد يخلو من القواعد، و تعليم سطحي مقتضب لا هدف له إلا اجتياز الامتحان العام بأية وسيلة، فالمطولات تختصر، و المختصرات تختزل، فلا يبقى بعد ذلك في ذاكرة الطالب إلا رموز على معان عائمة غائمة لا هي مستقرة و لا هي واضحة.

ذلكم إلى زهادة في الجدي النافع من ثقافة اللسان و القلم تقعد النش‏ء عن تعمق الأصول و تقصى الفروع، و تقنعهم بالقدر الذي ينقلهم من سنة إلى سنة أو من شهادة إلى شهادة، فإذا ما تخرج الناشى‏ء بهذا الحظ المنكود من اللغة و كان في نفسه ميل إلى الأدب، و في طبعه استعداد للكتابة، انصرف عن كنوز الأدب العربي، لأن مفاتيحها ليست عنده، و أقبل على روائع الأدب الغربي يحاكيها و يستوحيها حتى إذا امتلأ ذهنه و فاض شعوره و أراد أن ينتج شيئا يفيد الناس وجد في نفسه الملكة التي تخلق و في حسه الصورة التي تمتع، و لكنه لا يجد في لسانه اللغة التي تعبر، و لا في قلبه الأسلوب الذي يؤثر، فيضيق و يسخط و يثور، و يزعم أن قواعد اللغة غصة لا تساغ، و أن إعراب الكلمة عقبة لا تذلل، ثم يتطرف فيدعو إلى إطلاق الحرية للكاتب فيكتب كما يشاء.

تلك حال المتخرج الأديب بطبعه أما المتخرج العادي فإنه يعود أميا كما بدأ، لا يقرأ إذا قرأ إلا السهل، و لا يطلب هذا السهل إلا في قصة عامية تخدر الشعور، أو في مجلة فكاهية تنبه الشهوة، حتى نشأ من إفراط القراء في هذا الطلب، إفراط الكتاب الخفاف في عرض الأدب اللذيذ

370

الذي لا ينفع، أو الأدب الماجن الذي لا يرفع، ذلكم إلى طغيان الأدب الأوروبي بمذاهبه و نزعاته و ترهاته على عقول النائين الذين ثقفوا هذه الثقافة الأدبية الهشة ففتنتهم عن أدبهم و صرفتهم عن تاريخهم، فالمتفرنسون منهم يعرفون هوجو و لا يعرفون المتنبي، و يدرسون فولتير و لا يدرسون الجاحظ، و يقرءون لا مرتين و لا يقرءون البديع، و من هنا نشأت هذه التبعية التي فرضها الشباب على أدبنا لأدب الغرب، فأساليبهم الكتابية اليوم هي أساليب الكتابة في الغرب، و مذاهبهم الأدبية هي مذاهب الأدب في الغرب، و مقاييسهم النقدية هي مقاييس النقد في الغرب، حتى الرمزية و هي بنت الأفق الغائم و النفس المعقدة و اللسان المغمغم يريدون أن تتبناها العربية بنت الصحراء المكشوفة و الشمس المشرقة و الطبع الصريح، و حتى الوجودة و هي بنت الخلق المنحل و الذوق المنحرف و الغريزة الحرة، يحاولون أن تتقبلها العربية لغة الرسالة الإلهية التي كرمت الإنسان و فصلته من سائر الحيوان بحدود من الدين و الخلق لا يتعداها و هو عاقل، و لا يتحداها و هو مؤمن.

ليس الأمر في الأدب كالأمر في العلم، الأدب للنفس و العلم للناس، الأدب مواطن و العلم لا وطن له؛ الأدب روح في الجسد و دم في العروق يكون شخصية الفرد فيحيا مستقلا بنفسه، و يبرز شخصية الشعب فيحيا متميزا بأفراده، الأدب جنس و لغة و ذوق و بيئة و عقلية و عقيدة و تاريخ و تقاليد. و العلم شي‏ء غير أولئك كله، فإذا جاز طبعا أن نأخذ من غيرنا ما يكمل نقصنا من العلم، فلا يجوز قطعا أن نأخذ من هذا الغير ما يمثل أنفسنا من الأدب.

إن دراسة العربية على النهج الصحيح المنتج بعد المدرسة لا يكلف المتأدبين من الجهد و الزمن أكثر مما تكلفهم دراسة الفرنسية و الإنجليزية:

و لكنهم في عصر السرعة يطلبون القريب و يتوخون السهل و يتخطفون العلم و يتعجلون الإنتاج، ثم يحقدون على من يلزمونهم التأني و يجشمونهم الدرس و يقولون لهم إن أحدا لا يعرف في تاريخ الآداب القديمة و الحديثة

371

من يعد في لغته كاتبا أو شاعرا أو قصاصا أو مؤلفا، و هو لا يعرف من قواعدها الأساسية ما يقيم لسانه و قلمه، و إذا كان الناس يقرءون الصحيفة أو الكتاب و لا يقعون فيها على الخطأ الذي يفضح المستور و يكشف الغش فالفضل لأولئك الجنود المجهولين من الأزهريين الذين يرابطون ليل نهار في دور الصحافة و النشر و يسمونهم المصححين؛ فإنهم يمرون بأقلامهم الحمر على المعوج فيستقيم، و على المعجم فيعرب، و على الركيك فيقوى.

لا بأس أن ييسر النحو و الصرف و البلاغة على الطلاب: و لكن البأس كله في المدى الذي بلغه هذا التيسير، لا بأس أن نخفف على غير المتخصصين من عب‏ء التقديرات و التعليلات التي فلسف بها النحاة النحو، و من حفظ وجوه الإعراب التي بقيت في اللغة أثرا لاختلاف اللهجات في الجاهلية فهو شت القواعد و جعلت كل خطأ صوابا و كل صواب خطأ، و لكن البأس كله في أن تجرد علوم العربية من خصائص القوة و الخصوبة و البراعة لتصبح أشبه بالهيكل العظمي، فيه الخفة و البساطة و الشكل، و ليس فيه العضل و العصب و الروح. إن ما يبقى من هذا المنقوص بعد النسيان، لا تحيا به لغة و لا يبقى عليه أدب، فإذا استطاع يوما أن يجيز امتحانا أو ينيل شهادة فلن يستطيع أبدا أن يخرج أمثال من خرجهم الأزهر بشيوخه و كتبه، كمحمد عبده، و سعد زغلول، و المنفلوطي، و البشري، و طه حسين، و لا أمثال من خرجتهم دار العلوم كشاويش، و المهدي، و الخضري و السكندري و الجارم و لا أمثال من خرجتهم مدرسة القضاء الشرعي. كأحمد أمين و عزام و الخولي. و لا أمثال من خرجتهم دار المعلمين العليا، كالمازني و شكري و أبو حديد. و لا أمثال من خرجتهم كتب الأزهر كالعقاد، و الرافعي، و شوقي، و حافظ في مصر. و كالبستانيين و اليازجيين و الشدياق و مطران و الخوري في لبنان. و كالمغربي و الشهابي، و جبري، و الطنطاوي، في سوريا. و كالرصافي، و الزهاوي و كاشف الغطاء، و الشبيبي، و الأثري في العراق، و كالنشاشيبي و السكاكيني في فلسطين.

372

إني أدعو إلى التوفيق بين الفصحى و العامية، و مذهبي في مجمع اللغة العربية إمداد الفصحى بما تزخر به العامية من ألفاظ الحضارة و تراكيبها التي دخلت في الحياة العامة حتى تضيق مسافة الخلف بين اللهجتين و ينتهي بهما الأمر بفضل الصحافة و الإذاعة و التعليم إلى لغة واحدة عامة فيها من الفصحى السلامة و الجزالة و البلاغة و السمو، و فيها من العامية الدقة و الطبيعية و الحيوية و التجدد و الوضوح. أما أن تكون لغتنا كلغة الهمج لا تقوم على قواعد، و لا تجري على أنظمة، و لا تشعرنا بجمال، و لا تحفزنا لكمال، و لا تربطنا بماض، و لا تصلنا بمستقبل، و لا تجمعنا في وحدة، فذلك مذهب لا يقول به رجل و هو جاد، و دعوة لا يستجيب لها إنسان و هو عاقل.

فإذا تركنا الأمور تجري كما تجري انتهت بنا إلى تغلب العامية لأن أساليبها غالبة على السمع، و قواعدها جارية على الطبع، فلا يحتاج تحصيلها إلى كتاب و معلم و مدرسة، و إنما يحتاج إلى بواب و خادم و شارع و تغلب الأساليب العامية معناه كما قلت فصل الأدب عن الدين و قطع الحاضر عن الماضي و توهين الصلات بين العرب. و في يقيني أن أمر العربية لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله: فقه أسرارها كل الفقه، و فهم قواعدها أدق الفهم، و حفظ أدبها أشد الحفظ، و ذلك يستلزم الجهد و الجد في إعداد المعلم، و العلم و الخبرة في وضع المنهج، و المنطق و الذوق في تأليف الكتاب، و الكتاب الأزهري الذي تخرجنا عليه و ما زلنا نرجع إليه كنز من المعارف لا يعوزه إلا سهولة مأخوذة و حسن تنسيقه و جمال عرضه، فالفرق بينه و بين الكتاب الحديث في العرض كالفرق بين حانوت من حوانيت العطارة في الغورية، و بيت من بيوت التجارة في قصر النيل، قد يكون في الحانوت القديم ما ليس في المتجر الحديث من السلع التواجر و الطرف النوادر؛ و لكن اختفاءها في ركن غير ظاهر، و عرضها في معرض غير لائق، يضعف الإقبال عليها و يقلل الاستفادة منها، فإذا عرضت الكنوز

373

الأزهرية عرضا جميلا مشوقا في الدروس و المحاضرات و المذكرات و الكتب كان ذلك عسيا أن يدنى قطوفها من الطلاب على غير مؤونة و لا كد ذهن.

إن رسالة الأزهر قائمة كما قلت على ركنين من دين و لغة، و لكن الأمر في تأديته إياها جد مختلف. الدين كامل لأنه من عمل اللّه، و اللغة ناقصة لأنها من عمل الإنسان، و الكامل الإلهى لا يتأثر بالمكان و لا بتغير بالزمان و لا يضيق بالحضارة و لا يبرم بالعلم، فهو جديد أبدا، صالح أبدا، ثابت أبدا. أما الناقص فهو عرضة للفساد و الجمود و التخلف، و موضع للزيادة و التجديد و التطور، لذلك كان الاجتهاد في اللغة و علومها أمرا تحتمه الضرورة و تقتضيه الطبيعة؛ لأن اللغة لا يمكن أن تثبت ثبوت الدين، و لا أن تستقل استقلال الحي، فهي ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، و الأغراض لا تنتهي، و المعاني لا تنفذ، و الناس لا يستطيعون أن يظلوا خرسا، و هم يرون الأغراض تتجدد و المعاني تتولد، و الحضارة ترميهم كل يوم بمخترع، و العلوم تطالبهم كل حين بمصطلح، و لا علة لهذا الخرس إلا أن البدو المحصورين في حدود الزمان و المكان لم يتنبأوا بحدوث هذه الأشياء، و لم يضعوا لها ما يناسبها من الأسماء.

نشأ من إنكار حق الوضع اللغوي على المولدين و حصره فيمن يعتد بعربيتهم من عرب الأمصار حتى آخر المائة الثانية، أو أعراب البوادي حتى آخر المائة الرابعة، أن طغت اللغة العامية طغيانا جارفا حصر اللغة الفصحى في طبقات العلماء و الأدباء و الشعراء و الكتاب يكتبون بها للملوك، و يؤلفون فيها للخاصة، و سيطرت على حياة الأمة في شئونها العامة و أغراضها المختلفة؛ لأن العامية حرة تنبو على القيد، و طبيعية تنفر من الصنعة، فهي تقبل من كل إنسان، و تستمد من كل لغة، و تصوغ على كل قياس. و الناس في سبيل التفاهم يؤثرون السهل، و يستعملون الشائع، و يتناولون القريب.

و تخلف اللغة عن مسايرة الزمن و ملاءمة الحياة معناه الجمود. و النهاية

374

المحتومة لجمود اللغة اندراسها بتغلب لهجاتها العامية عليها و حلولها محلها، و قد تنبه مجمع اللغة العربية لهذا الخطر فقرر فيما قرر استجابة لاقتراح عرضته، فتح باب الوضع اللغوي للمحدثين بوسائله المعروفة من الاشتقاق و التجوز و الارتجال، و إطلاق القياس ليشمل ما قيس من قبل و ما لم يقس. و تحرير السماع من قيود الزمان و المكان ليشمل ما يسمع اليوم من طوائف المجتمع كالبنائين و النجارين و غيرهم من أرباب الحرف و الصناعات، و اعتماد الألفاظ المولدة و تسويتها بالألفاظ القديمة، و على هذه المبادى‏ء و غيرها وضع معجمه الوسيط الذي سيظهر قريبا.

أما الاجتهاد في الدين فقد فتحت أبوابه أول الأمر لمن تجهز بجهازه و اعتد له بعدته، حتى إذا زخر الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه مدى عصوره بالآراء المحكمة و الوجوه المحيطة، وجد فيه المسلمون جوابا شافيا عن كل سؤال يخطر على الذهن، و حلا جامعا لكل إشكال يعرض في المجتمع، و حكما عادلا في كل قضية ترفع إلى القضاء، فاستغنوا بغزارته و إحاطته عن الاجتهاد فيه، و انصرفوا إلى اجتهاد من نوع آخر هو الاجتهاد في اختيار الرأي المناسب، و ترجيح الحكم الموفق. جاء في كتاب الولاة و القضاة للكندي أن قاضيا شافعي المذهب كان بمصر في عصر الإمام الطحاوي و كان يتخير لأحكامه ما يرى أنه يحقق العدل من آراء الأئمة و لا يتقيد بمذهب من المذاهب، و كان مرضي الأحكام لم يستطع أحد أن يطعن عليه في دينه و لا في خلقه و لا في حكمه، سأل هذا القاضي الإمام الطحاوي عن رأيه في واقعة من الوقائع فقال الطحاوي: أ تسألني عن رأيي أو عن رأي أبي حنيفة؟ قال القاضي: و لم هذا السؤال؟ قال الطحاوي ظننتك تحسبني مقلدا فقال القاضي: لا يقلد إلا عصبي أو غبي. هذه الثروة الفقهية الضخمة لم يحجبها عن الناس إلا أسلوب التأليف القديم، و اليوم و قد تطورت المدينة و تغيرت العقلية ينبغي أن يطابق التعليم و الكتاب مقتضيات العصر. هذه هي المحنة الثالثة التي تعانيها اللغة العربية اليوم.

375

و هي لا تختلف عن سابقتيها إلا في أن موقف الأزهر منها يجب أن يكون إيجابيا: يقابل العمل بالعمل، و يرد الكيد بالكيد، و يقاوم الدعاية بالدعاية، و يقف بالمرصاد لكل من يسول له جهله أو هواه أن يبعث بلغة الإسلام، و يوهن رابطة العرب. و الأزهريون الذي حملوا أمانة اللّه، و بلغوا رسالة نبيه أكثر من عشرة قرون يستطيعون أن يدرءوا خطر هذه الإباحية عن اللغة و الدين متى صدقوا الجهاد و ذكروا أنهم جند اللّه يرمي بهم العدو في كل وقت و في كل أرض و على أية صورة، فيعيشون للموت كالجنود، و يعملون للحياة كالقادة، و يعزفون عن الدنيا كالرسل، و اللّه سبحانه و تعالى قد ضمن للعربية بقاء البيان ببقاء القرآن و على أيدي أبناء الأزهر- المؤمنين برسالته- صدق اللّه وعده، إن اللّه لهو خير الصادقين؟

376

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

377

الأزهر من بعيد .. و من قريب‏

كتب محمد زكي عبد القادر في يومياته في الأخبار عام 1961 يقول:

الأزهر عزيز عليّ جدا، لا لأنه منارة الإسلام و المسلمين عبر قرون طويلة فحسب، و لكن لأنه اقترن بصباي، فقد كان عمي طالبا في الأزهر و كنت تلميذا بالمدارس الثانوية أقيم معه و يرعى شئوني و أنا و هو مغتربان في القاهرة لطلب العلم .. و كنت لهذا ألتمسه في فناء الأزهر، و أراه يشهد الدروس، فأجلس معه أستمع فلا أفهم و لكنني أعجب لطول الدرس و طول الأناة و يشوقني أن أرى الشيخ يلقي ما يلقي و يسأل من وقت إلى آخر:

ظاهر .. ظاهر .. فيسمع همهمة تقول: ظاهر ياسي الشيخ ..

و كنت أخشى الأزهر في عبض الامسيات حين أكره وحدتي في مسكني، فيقول عمي: لا عليك .. هات كتبك و اجلس معنا ذاكر دروسك .. و كنت في سن صغيرة أخشى فيها الوحدة، فأوثر أن أحمل كتبي، و آخذ مقعدي كما كان يفعل طلاب الأزهر حينئذ، جالسين على الحصر الممدودة، و من فوقهم قناديل بيضاء جميلة، ترسل نورا كليلا، و لكنه كاف لكي أرى و أقرأ من غير صوت و لكي يروا و يقرءوا بصوت،

378

يجتمع مع الأصوات الأخرى، فإذا الأزهر كله خلية نحل لا تكف عن الهمهمة، بل ما يشبه الضجيج .. و كان كلاهما يحول بيني و بين أن يأخذني النوم الذي كان يطاردني إذا آثرت أن أبقى في البيت.

و فرغت من دراستي الثانوية، و التحقت بكلية الحقوق، و عمي يرعاني، و صلتي بالأزهر لا تنقطع، أغشاه لكي أقرأ و أدرس، و أغشاه لكي أجلس إلى زملاء عمي من طلاب الأزهر، و أنصت أحيانا إلى ما يقرأون فلا أفهم شيئا أيضا على الرغم من أنني حينئذ كنت قد بلغت من الفهم و الدرس ما أفضي بي إلى الدراسة الجامعية ..

و مرت الأيام و تخرجت، و افترقت الحظوظ بيني و بين من عرفت من طلاب الأزهر، و لكن صورة الأزهر ظلت خيالا يلازمني طوال حياتي، و قرأت ما قرأت و وعيت ما وعيت و أدركت من تاريخ الأزهر الكثير، و اقترنت القراءة عنه بالصورة التي كابدتها و عرفتها و ثبتت في خيالي‏

و كنت أزوره بين الوقت و الآخر، صحيح أن الفترات بين زياراتي كانت متباعدة، و لكنني كنت أزوره لكي تظل صورة هذا المسجد العتيق العريق الأمين حية في خاطري و قد اقترنت في حياتي بمطلع صباي، و قرأت تاريخه منعما متأملا، و قارنت بين مراحل تاريخه و المرحلة التي كان يعيش فيها، فوجدت الفرق الكبير بين الصورتين .. كان الأزهر فيما مضى و منذ إنشائه إلى تاريخه الوسيط منارة العلوم الدينية و الدنيوية، كان ينبوع المعرفة في الطب و الفلك و الهندسة و الكيمياء و الجغرافيا إلى جانب المعرفة في علوم الدين. كان يقدم للوطن و الإسلام خلاصة الرجال الذين رفعوا ذكره و رفعوا عنه العدوان .. كان المنارة التي تشع المعرفة بكل أنواعها في العالم الإسلامي و العالم العربي. ثم شاءت ظروف الحكم و السياسة و قهر الشعب أن ترد الأزهر بعض الشي‏ء عن المشاركة الفعلية في حياة البلاد، فقصرته‏

379

على دراسة الدين و فصلته أو كادت عن شئون الدنيا المتطورة من حوله.

و ليس هذا في شي‏ء من الدين و لا هو في شي‏ء من الإسلام، فالدين لا يفرق بين شئون الدين و الدنيا، و الإسلام منذ وجد منهج للحياة، و مشاركة خالصة في سعادة الإنسان في الدنيا بحسبانه عضوا في جماعة متطورة لا بد أن يأخذ حظه من العلم و الحضارة و التقدم المادي‏

380

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

381

الأزهر الخالد

تمهيد: الأزهر هو أعرق الجامعات العلمية في العالم، فهو أطولها عمرا و أجلها أثرا في تاريخ الفكر العربي و الإسلامي، بل في تاريخ العلم كله.

و الأزهر طوال عصور التاريخ حارس التراث العربي و حامل مشعل الثقافة الدينية، و الملاذ الذي تهوي إليه أفئدة المسلمين من كل مكان، و الضوء الذي ينير لهم الطريق و يبصرهم سواء السبيل.

و للأزهر مكانة كبرى في مصر و العالم الإسلامي جميعه، و آراؤه فتاوي علمائه تقابل من كل مسلم في العالم الاسلامي بمزيد من التقدير و الإجلال و الطاعة.

و لم تقم في مصر جامعة علمية بالمعنى الصحيح قبل الأزهر، الذي له تاريخ طويل و ذكريات مجيدة و آثار علمية و دينية عديدة.

من تاريخ الأزهر:

أنشأ الجامع الأزهر جوهر الصقلى قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين اللّه بعد فتحه مصر بنحو عام، و قد شرع في بنائه يوم السبت لست بقين من‏

382

جمادي الأولى سنة 359 ه- 970 م، و يذكر بعض المؤرخين أنه شرع في بنائه في يوم السبت الرابع من شهر رمضان في العام نفسه. و قد كمل بناؤه لسبع خلون من شهر رمضان سنة 361 ه- 22 يونيو سنة 972 م، و كان الغرض من إنشائه أن يكون رمزا للسيادة الروحية للدولة الفاطمية- و منبرا للدعوة التي حملتها هذه الدولة الجديدة إلى مصر.

و قد أطلق على هذا المسجد اسم الأزهر نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء التي ينتسب إليها الفاطميون، أو لأنه كان يحيط به قصور فخمة تسمى بالقصور الزهراء، أو لأنه كان يظن أن هذا الجامع أكثر الجوامع فخامة و رواء، أو للتفاؤل بأنه سيكون أعظم المساجد ضياء و نورا .. و قد احتفل بافتتاحه في أول جمعة من رمضان عام 361 ه.

و أصبح هذا الجامع مسجد الدولة الرسمي، و قد حرص وزير المعز يعقوب بن كلس على أن يقيم حفلة علمية في الأزهر، حيث كان يقرأ على الناس في مجلس خاص يوم الجمعة مصنفاته في الفقه الفاطمي، كما كان يجتمع يوم الثلاثاء بالفقهاء و جماعة لمتكلمين و أهل الجدل، و حرص الخليفة كذلك على تكليف كبار العلماء بإقامة حلقات علمية في أروقة الأزهر لتدريس الفقه الفاطمي، و كان يمنحهم مرتبات شهرية. و لهذا صار الأزهر جامعة علمية، و ظهر ذلك جليا حينما بدأت حلقاته تتحول إلى دراسة جامعية علمية مستقرة. و ذلك عام 378 ه- 988 م حينما استأذن ابن كلس الخليفة العزيز باللّه في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة و الدرس في كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر، و كان عددهم 37 فقيها.

و في عام 380 ه رتب المتصدون لقراءة العلم بالأزهر ... و بذلك صار الأزهر معهدا جامعيا للعلم و التعليم و الدراسة. و من هذا التاريخ يبدأ الأزهر حياته العلمية الجامعية الصحيحة.

و قد استمرت الحركة العلمية و الدينية في الأزهر قوية مزدهرة في عهد

383

الفاطميين الذين وقفوا عليه الوقوف و أحاطوه بالرعاية، و كان في مقدمة الأساتذة المدرسين في الأزهر بنو النعمان قضاة مصر.

و لما قامت الدولة الأيوبية في مصر عام 567 ه. على يدي مؤسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي، محا من مصر المذهب الفاطمي و أحل محله المذهب السني، و غالى الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة و أفتوا بإبطال إقامة الجمعة في الأزهر ..، فلبثت معطلة فيه نحو مائة عام، فقضى الأزهر هذه المدة في ركود طويل، و قد ظلت حلقات الدراسة فيه على الرغم من ذلك مستمرة دون أن تحظى هذه الحلقات في ذلك العصر بكثير من رعاية الدولة.

و في عام 665 ه أعيد افتتاح الأزهر لصلاة الجمعة في عهد بيبرس الذي شجع العلم فيه هو و لأمراء و القواد، و وقفوا عليه الأوقاف الطائلة ...

و استمر الأزهر يؤدي واجبه الديني و العلمي في عهد المماليك و عهد الدولة العثمانية و عهد النهضة المصرية الحديثة.

و أول شيخ تولى مشيخة الأزهر كما يحدثنا التاريخ هو الشيخ الخرشي المالكي المتوفى عام 1101 ه و تولى بعده الكثير من مشايخ الأزهر حتى بلغوا حتى اليوم 41 شيخا آخرهم شيخ الأزهر الحالي الشيخ عبد الرحمن تاج.

و في عهد محمد علي و أسرته انتقصت أوقاف الأزهر و حقوقه، و لكنه ظل يؤدي واجبه العلمي و الديني بنشاط كبير. و من الأزهر كان طلبة البعوث الذين بعث بهم محمد علي إلى أوروبا و عادوا إلى مصر ينشرون العلم و المعرفة و النهضة في كل مكان، و كانت جل المدارس التي أنشأها محمد علي تأخذ طلبتها من طلبة الأزهر الشريف، و لما أنشئت دار العلوم عام 1871 م و مدرسة القضاء الشرعي عام 1907 م استمدتا طلبتهما من الأزهر. و كان مدرسو الدين و اللغة العربية في جميع مدارس الدولة

384

و معاهدها من خريجي الأزهر الشريف. و كذلك كان طلبة مدرسة المعلمين الأولية و أساتذتها.

و قد قام لأزهر بنشاط كبير، و أسهم بنصيب ضخم من الجهاد الوطني في جميع المواقف القومية الوطنية فهو الذي قاوم الاحتلال الفرنسي لمصر و هو الذي أذكى لهيب الثورة العرابية، و هو الذي غذي ثورة عام 1919، و له في كل موقف وطني جهاد مذكور مشكور.

و منذ آخر القرن التاسع عشر إلى عصرنا وضعت قوانين منظمة لشئون الأزهر. و من أشهر هذه القوانين قانون عام 1930 م بإصلاح الأزهر الشريف، و آخر هذه القوانين قانون عام 1936 م الذي يسير الأزهر عليه اليوم في نظامه الجامعي و العلمي، و في تقسيمه إلى معاهد و كليات‏ (1).

فضل الأزهر على العلوم و الآداب:

الأزهر بيت العلم العتيق و مثابة الثقافة الإسلامية. حمل لواء المعرفة في مصر و في الشرق الإسلامي قرونا متصلة و حفظ التراث الإسلامي في الدين و اللغة و العلوم و نشره على الآفاق طيلة ألف سنة أو يزيد. و قد تخرج فيه أفواج من العلماء خلال عصور التاريخ ممن انتشروا في بقاع الأرض و حملوا معهم مشاعل المعرفة و الثقافة التي تزودوا بها في الأزهر فأضاءوا الأرض علما و نورا و رشادا.

و لا يزال الأزهر حتى اليوم كعبة العلوم و الآداب و معقد آمال المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها.

و الأزهر هو الذي حفظ العلوم الإسلامية و اللغة العربية من الضياع و الاندثار و هو الذي حفظ للأدب العربي، في شتى بلاد العروبة، رونقه‏

____________

(1) راجع الأزهر في ألف عام- 3 أجزاء- تأليف محمد خفاجي.

385

و بهاءه. و قد تخرج فيه العديد من العلماء و الأدباء و الكتاب و الخطباء و الشعراء في كل عصر و كل جيل.

أثر الأزهر في التوجيه الديني:

و الأزهر منذ أنشى‏ء حتى اليوم هو الذي يتولى قيادة الحركة الدينية في العالم الإسلامي، و آراء شيوخه في الحجة القوية التي يقابلها المسلمون في شتى بقاع الأرض بالطاعة و الامتثال و القبول. و قد خرج الأزهر الكثير من رجال الدين منذ أنشى‏ء إلى اليوم، و خريجوه هم الذين تولوا قيادة الحركة الدينية في كل مكان من بلاد العالم الإسلامي.

و في الأزهر هيئة كبار العلماء التي أنشئت بمقتضى قانون عام 1911 م. و فيه كذلك لجنة للفتوى عام 1937 م. و هاتان الهيئتان لهما أثر كبير في التوجيه الديني في العالم الاسلامي.

و من أعلام الأزهر و أئمته في التوجيه الديني الإمام محمد عبده (1266 ه- 1905 م) و له فضل كبير في الإصلاح الديني و في إصلاح الأزهر.

و من أعلامه كذلك محمد مصطفى المراغي، و مصطفى عبد الرازق و سواهما، ممن قادوا الحركة الدينية و وجهوها توجيها قويا في العالم الاسلامي كافة.

و الأزهر بحق قائد الحركة الدينية في العالم الإسلامي قاطبة.

مكانة الأزهر في العالم الإسلامي:

و لقد ورث الأزهر الحديث ميراثا روحيا و ثقافيا ضخما جليلا عن الأزهر القديم، ورث عنه الرسالة الدينية التي قام منذ أن أنشى‏ء لحمل أمانتها، و التي أخذها بكلتا يديه ليؤديها إلى العالم شعلة مضيئة هادية، و مثلا إنسانيا

386

رفيعا، و مذهبا فكريا قادرا على قيادة الحياة و البشرية جميعا إلى السلام و الإخاء و الأمن و الرفاهية.

و ورث عنه الرسالة الثقافية التي جاهد من أجلها أجيالا طوالا، و التي قامت عليها أروقته و محاريبه و قبابه و مآذنه الشم، و دأبت على الكفاح في سبيلها حلقاته الطاهرة، التي تجمع فيها شباب المسلمين- من شتى الأقطار و الشعوب- على كلمة الحق و التقوى و المعرفة، استجابة لأمر اللّه، و تحقيقا لفكرة الإسلام، و سعيا وراء الحقيقة التي هي أكبر محرر للأمم، و الجماعات و الأفراد. من أغلال الجهل و الجمود و التأخر.

و عاشت حلقات الأزهر الجليلة طويلا خلال هذه الأجيال، و هي نحمل عن العالم الإسلامي رسالة الإسلام الروحية و الدينية و الثقافية، و تؤديها ناصعة بيضاء كخيوط الفجر، مشرقة هادية كضوء الشمس، و من هذه الحلقات تخرج زعماء العالم الاسلامي في القديم، و كانت عن جدارة بمثابة مصنع يصنع الرجال و الأبطال، ممن قادوا الشعوب الإسلامية إلى النهضة، و الحضارة و العزة، مما جعل للأزهر مكانة كبرى في العالم الإسلامي.

مواقف خالدة للأزهر:

و لا ننس أن الأزهر قد قاد في القديم ثورتين كبيرتين تعدان من أسبق الثورات الدستورية العالمية، قاد إحداهما عام 1200 ه- يناير 1786 م الشيخ الدردير، و قاد الأخرى عام 1209 ه- 1795 م شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ عبد اللّه الشرقاوي، و كسب الشعب المصري من الثورة الأولى مبدأ دستوريا جليلا هو وجوب احترام الحاكم لإرادة المحكومين، و كسب من الثانية مبدأ آخر هو أن الأمة مصدر السلطان، و كانت بمثابة إعلان لحقوق الإنسان، و وثيقة فريدة في سبيل التحرير سبق بها شعب مصر غيره‏

387

من الشعوب، كما اعترف بذلك المؤرخون من العرب و الغرب.

و قد حمل علماء الأزهر عب‏ء الجهاد لتحرير مصر من الاحتلال الفرنسي منذ دخل جيش نابليون أرض الوطن فاتحا. و لا ننس كذلك أن الأزهر قام بثورة ثالثة في صفر عام 1220 ه- 1805 م لانهاء النفوذ التركي من مصر، و لكن دجالا سياسيا بارعا يتدفق في أعصابه الدم التركي استطاع بدهائه أن يحول المعركة إلى مغانم شخصية له و لأسرته التي حكمت مصر نحو قرن و نصف من الزمان.

و كان قائد الثورة المصرية الرابعة كذلك أزهريا صميما، هو الزعيم الوطني القائد «أحمد عرابي» الذي قاد الثورة العرابية للقضاء على نفوذ المستعمرين من الأتراك و المستغلين من الإنجليز. كما كان زعيم الثورة الشعبية الخامسة أزهريا صميما هو المرحوم سعد زغلول، الذي كان يعمل للقضاء على الاستعمار الإنجليزي و تحرير شعب مصر من أغلاله. و لا ننس كذلك أن قادة ثورة مصر الأحرار تتلمذوا على شيخ أزهري ورع زاهد متصوف كان رائدا روحيا لهم هو الشيخ محمد الأودن من علماء الأزهر المعاصرين.

الأزهر و التجديد:

و لقد تطورت البيئة الثقافية في الأزهر في العصر الحديث: بتأثير الحضارة الفكرية الغربية، و بفضل لفيف من علمائه الأعلام الخالدين.

و من الحق أن الأزهر منذ بدأ القرن التاسع عشر كان يتطلع إلى ثقافة الغرب و حضارته في شي‏ء من الفتور و الكراهية، إيمانا بقومية المسلمين السياسية و الفكرية و الثقافية، و لكنه لم يجحد فكرة السعي إلى النهضة، أو الإيمان بالتطور: فسافر بعض أبنائه في بعثات حكومية إلى باريس و لندن و سواهما من عواصم الغرب، و كان من أشهرهم رفاعة الطهطاوي.

388

و تطلع بعض علمائه في أواخر القرن التاسع عشر إلى معرفة بعض اللغات الغربية لدراسة أصول حضارة الغرب الحديثة الفكرية و الثقافية، و للرد على ما يثيره بعض الغربيين حول الإسلام من شبهات، و كان في مقدمة هؤلاء الإمام محمد عبده، الذي كان أكبر رائد أزهري للفكر المصري في العصر الحديث.

و لقد نهض شيوخ الأزهر منذ أواخر القرن التاسع عشر بعب‏ء إصلاح البيئة الثقافية داخل الأزهر، و بعث روح التجديد و الحياة في حلقات الأزهر العلمية، لتكون على صلة بينابيع الفكر الحديثة المتدفقة.

و في الحق أن الأزهر المحافظ المتمسك بتقاليده و شعائره و نظمه و حياته الثقافية كان أرجح كفة من عوامل التجديد، و تيارات الجديد.

و منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، أو بالتحديد في مايو سنة 1928 تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي و هو تلميذ من تلامذة الإمام محمد عبده، و لكنه ما لبث أن استقال منها في أكتوبر سنة 1929، و خلفه الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، ثم عاد الشيخ المراغي إلى المشيخة في 26 أبريل سنة 1935، و ظل فيها إلى أن توفي في 22 أغسطس 1945.

و على يد الشيخ الظواهري تحول الأزهر إلى جامعة علمية لها كليات ثلاث: هي الشريعة و اللغة و أصول الدين، و فيها أقسام للدراسات العليا ذات نظام علمي جامعي، و لكن أثر ذلك لم يظهر إلا في عهد الشيخ المراغي و على يديه و بتشجيعه و رعايته، فكان يشرف هو و معاونوه من شيوخ الكليات الأزهرية على نظم هذه الدراسات، و يشترك في امتحاناتها و مناقشات رسائلها، و يرعى خريجي هذه الأقسام و يضعهم في منازلهم العلمية في كليات الأزهر. و بذلك صار الأزهر يخضع في حياته الثقافية الجديدة للنظم الجامعية الصحيحة.

389

هذا عدا ما صنع الشيخ من تقدير للكفايات العلمية، و رعاية للبحث الثقافي الحر في داخل الأزهر، فصنع بذلك نهضة ثقافية جديرة بالتأمل و التقدير.

الأزهر الخالد

الأزهر جامعة الإسلام العريقة، و منارته الهادية، و سيظل النور متألقا منه إلى قيام الساعة. و من عجب أن تقوم في مصر دعوة إلحادية ترمي إلى إلغاء التعليم الديني بحجة توحيد التعليم، أوقل إلى إلغاء المعاهد الإبتدائية و الثانوية الأزهرية، و التي تمثل ثلثي بناء الأزهر العالمي، و نحو 80 في المائة من طلبة الأزهر الشريف.

و نحن نسائل هؤلاء الداعين إلى توحيد التعليم: هل ألغت فرنسا أو انجلترا أو أمريكا التعليم الديني في بلادها؟ كلا ... و هل ألغت هذه الشعوب التعليم الديني في المستعمرات التي تحكمها؟ كلا ... و هل ألغت فرنسا المعاهد الابتدائية و الثانوية لجامعة الزيتونة الدينية في تونس بحجة توحيد التعليم؟ كلا ...

إن هذا الموقف الذي يقفه طه حسين من الأزهر يدلنا على سخف شديد و تفاهة واضحة. فطه حسين هو سفير فرنسا الثقافي في الشرق الأوسط، و هو الذي تعامل عام 1947 مع وكالة يهودية و أصدر لها مجلة الكاتب المصري، و حشد لها الأقلام ليكونوا جميعا عمالا و أجراء لدى الوكالة اليهودية في مصر.

و في الحق أن نقول: إن الأزهر ليس ملكا لمصر وحدها، بل كذلك ملك للعالم الإسلامي كله، و قد شارك العالم الاسلامي الأزهر في الدفاع عن الأزهر و مقوماته، و أيدت الجماعات الإسلامية في كل مكان الأزهر الشريف، و إن طه حسين الذي يثرثر في الصحف و يقول فيما يقول: إن‏

390

الأزهر لا يتعلم كما يتعلم الناس، يفوته أو ينسى أنه في عام 1951 كان و هو وزير للمعارف يصرح في وفود الأزهر بأن الأزهر هو المكان الأول الذي تحيا فيه علوم الدين و العربية، و ينسى كذلك ما كتبه في مناسبات عديدة في تمجيد الأزهر و ثقافته.

و الدكتور لطفي السيد لا يمكن أن يكون متعصبا للأزهر، و له كلمة في التنويه بالأزهر و ثقافة بمناسبة ترؤسه لجنة مناقشة رسائل العالمية من درجة أستاذ عام 1944، و قد قال في كلمته هذه: أحمد اللّه أن أصبح الأزهر اليوم في مستوى علمي رفيع، و صرنا نتحدث فيه في الفلسفة القديمة، و يتحدث أصحاب الرسائل العلمية من خريجيه عن (الإله عند أرسطو) و إنها لنهضة تبشر بالخير كل الخير بإذن اللّه، و كلمته مسجلة في الجزء الثاني من كتاب (المنتخبات) لعميد الجيل الدكتور لطفي السيد.

و شهادة الدكتور منصور فهمي و أمين الخولى و سواهم للأزهر، لا يمكن أن تحمل على أي لون من العصبية، و قد كان هؤلاء و سواهم ممن أسهموا في أعمال مناقشة رسائل خريجي أقسام العالمية من درجة أستاذ في الأزهر الشريف.

على أن مناهج الأزهر اليوم متخمة بالعلوم الحديثة في شتى مراحل التعليم فيه، و هذه العلوم من الكثرة إلى حد أن صرنا نشكو من أنها أصبحت تستأثر بوقت الطالب الأزهري، و تضعف مستواه في العلوم الدينية و العربية.

و إنا لنرجو أن تزداد الثقة بالأزهر يوما بعد يوم، و ما ذلك على اللّه بعزيز، و إنه لم يجن على الأزهر إلا تدخل السياسة قديما في شئونه، و نرجو للأزهر اليوم كل عزة و كرامة، و نهضة و تقدم، في شتى جوانب نشاطه الروحي و الفكري و الثقافي.

391

الدكتور طه حسين و الازهر

يرى د. طه أن إغلاق ثلثي الأزهر إصلاح له .. و أن إبعاد 90 في المائة من طلاب الأزهر عن معهدهم الذي ينهلون منه الثقافة الإسلامية الصحيحة يجب أن يكون هو الخطوة الثانية التي تخطوها مصر في عهد ثوارها. و الدكتور طه لم يدع في يوم من الأيام إلى إلغاء جامعة من جامعاتنا اكتفاء بأخواتها، و هو الذي حارب إدماج أقسام اللغة العربية في آداب الجامعات الثلاث في قسم واحد. و في عهده في وزارة المعارف كان يشجع إنشاء المدارس الأجنبية و الخاصة و الحرة، و لم يزعم أن من مبادى‏ء الإصلاح إدماج هذه المدارس أو الجامعات بعضها في بعض، فكيف به يقف من الأزهر هذا الموقف العابث الذي لا يتصور طه نفسه خطره على نفسه و على مصر و على العالم العربي و الإسلامي.

و لو كان الدكتور طه يحرص على سمعة الفكر المصري المعاصر حقا لما لجأ إلى هذا المنطق السوفسطائي العجيب الذي يجعل به الحق باطلا و الباطل حقا، و يظن أن الناس قد صدقوا هذا المنطق المقلوب. و أنا أزعم أن الدكتور طه سوفسطائيا و إنما هو يحاول أن يلجأ إلى منطق السوفسطائيين ليقنع الناس برأيه لغرض في نفسه. و أشهد أن فرنسا الاستعمارية لم تحاول في يوم من الأيام أن تغلق الأقسام الابتدائية و الثانوية من جامعة الزيتونة الدينية في تونس، بدعوى توحيد التعليم، أو باسم إصلاح الزيتونة، و التعليم الابتدائي و الثانوي في الأزهر- و هو الذي تجمع مناهجه بين ثقافات وزارة المعارف و علوم الدين و اللغة على أوسع نطاق- ليس هو الذي تعمل الدولة على تصفيته لأن الشعب نفسه، و الدولة نفسها، لا ترى فيه إلا الخير كل الخير لمصر و للعالم الإسلامي كافة. و لو قدر الغي التعليم الابتدائي و الثانوي من الأزهر لما استطاع مثل الدكتور طه أن يتعلم و أن يسمع به الناس.

392

و الشعوب الإسلامية كافة ترسل أبناءها إلى الأقسام الابتدائية و الثانوية في الأزهر، فماذا يريد الدكتور طه لأبناء هذه الشعوب الإسلامية بعد إغلاق المعاهد الأزهرية الابتدائية و الثانوية، أظنه سيحاول أن يشرع لهذه الشعوب، كما يحاول اليوم أن يشرع لمصر و لشعب مصر و لثورة مصر.

و في البلاد الإسلامية معاهد ابتدائية و ثانوية على غرار الأزهر، و بعضها تتبع الأزهر، فما ذا تصنع يا دكتور طه بهذه المعاهد بعد إغلاق مثيلاتها من الأزهر في مصر؟.

و أنت تعلم أن مثل هذه المعاهد هي الوسيلة الوحيدة لتعليم الثقافة الإسلامية و العربية في بعض الشعوب المسلمة التي يحكمها الاستعمار.

و يعمل جاهدا على أن يحطم فيها كل مقوماتها لتظل فريسة في أنيابه إلى الآن.

و ما رأيك يا دكتور طه و أنت تدعو إلى تعليم الشعب في أن هذه الأقسام الابتدائية و الثانوية هي التي كان يلجأ إليها أبناء الشعب ليتعلموا و يتثقفوا، ثم هي الوسيلة الوحيدة للتعليم لدى أغلبية الريف الذين لا يؤمنون إلا بالأزهر و ثقافته.

و الدكتور طه لا يجهل أن هذا التعليم الديني قد قام تحقيقا لمشيئة أهل مصر الإسلامية، و وقف عليه المسلمون في مصر و غيرها أوقافا طائلة، و لا يزالون يمدونه بالعون و الرعاية في مصر الإسلامية و في غيرها من الشعوب المسلمة، و أنه هو الذي تحققت فيه مجانية التعليم و ديمقراطيته و ظروف تكافؤ الفرص أمام الشباب الإسلامي لا اليوم فحسب، و لا الأمس فقط، بل طيلة ألف عام أو يزيد.

و الدكتور طه يدعو إلى توحيد التعليم تحت راية وزارة المعارف و جعل كليات الأزهر معاهد للتخصص في الثقافة الإسلامية، و كيف يتخصص طالب في شي‏ء لم يمهد له؟ و من الذي يستطيع أن يفهم بعد التوجيهية

393

أصول الفقه و علوم أصول الدين و فلسفة العربية في كتاب سيبوية و غيره، و فلسفة اللغة في الخصائص و المخصص و غيرهما.

و الدكتور طه يقول: إنه يحب أن يشارك الأزهريون في كل ميدان، فيكون منهم مهندسون و أطباء و سوى ذلك، و أنا أحب أن يشرح الدكتور للناس ذلك، فلقد أحب ألا يكون هناك تعليم ابتدائي أو ثانوي خاضع للأزهر، ثم فرض أن حامل التوجيهية سوف يدخل كليات الأزهر ليتخصص في الدين و اللغة، فمتى يكون مهندسا أو طبيبا؟ أيكون ذلك و هو يحمل التوجيهية فقط، أم سوف يكون كذلك بعد تخرجه من الأزهر؟ أليس هذا هو عين سوفسطائية الدكتور طه، التي ينعتها بلقب التجديد و اسم المنطق.

و الدكتور طه، يعلم أن حامل التوجيهية لن يدخل الأزهر لأنه لا يستطيع أن يدرس بعد التوجيهية علوم الأزهر و ثقافته. أرح نفسك يا دكتور من هذا الالتواء و التعقيد و التكلف البغيض، ادع في الناس إلى إغلاق الأزهر لا لذنب جناه الأزهر و لكن لأنه لم يستطع أن يؤمن بمنطقك بأفكارك. ثم لأن له تاريخا مضيئا، و منزلة كريمة في العالم الإسلامي منذ عشرة قرون.

إي و اللّه عشرة قرون كاملة، حقق الأزهر فيها لمصر العزة و الكرامة و معاني القومية الصحيحة و رباها على الحرية، و تعشق الثورة و الإيمان بمصر، مصر الخالدة العزيزة و ظل فيها معقل القومية، و ملاذ الفكر الحر المتوثب المنطق إلى أهدافه النبيلة في الحياة.

الأزهر في القرن العشرين‏ (1)

من روح مصر، و من ضميرها الوطني، و كفاحها القومي، انبثق فجر الحرية و الثورة و الكرامة و العزة و الاستقلال لمصر الخالدة، مصر التي تقهر

____________

(1) محاضرة القيتها في هيئة التحرير عام 1955.

394

الأحداث، و التي تسلم أبناؤها الثائرون أمانة الوطن المفدي، بعد أجيال طويلة ملؤها النضال في سبيل الشعب: حريته و عزته و كرامته.

و في هذا المجال نذكر الأزهر، الأزهر العريق في التاريخ، في المجد، في الجهاد، و الذي عرفت له مصر أروع الأعمال، و سجلت الأيام له أمجد الصفحات في تاريخنا القومي و الوطني.

و عند ما نريد الحديث عن «رسالة الأزهر في القرن العشرين» لا بد أن نشير إلى تاريخ الأزهر في الكفاح الوطني، لأنه جزء لا يتجزأ من تاريخه الثقافي و الديني، و من رسالته التي حملها خلال العصور و الأجيال، بل من تاريخ بلادنا التي حملت رسالة الثقافة و الحضارة، و ألهمت الإنسانية أرفع معاني النهضة و التقدم و الحياة.

و في هذه السبيل نذكر الشيخ الإمام الدردير (رضوان اللّه عليه)، و تذكر كفاحه من أجل مصر و شعبها الحر الأبي، ففي عام 1200 ه: 1786 م أعلن علماء الأزهر الشريف الثورة ضد الأمراء من المماليك، لإسرافهم في فرض الضرائب، و نهب أموال الشعب، و كانت الثورة بقيادة الشيخ الدردير، الذي بادر فأعلن تصريحه الخالد المأثور: سنثور مع الشعب، و ننهب بيوت المماليك كما ينهبون بيوتنا، و نموت شهداء أو ينصرنا اللّه عليهم».

و جاء الأمراء يعتذرون للإمام الزعيم، و لم يقبل الشيخ اعتذارهم حتى ألزمهم بميثاق وطني مكتوب، أعلن فيه لأول مرة حقوق الإنسان قبل ميلاد الثورة الفرنسية بسنوات ثلاث، و نص فيه على حرية الشعب، و عدم جواز فرض ضرائب إلا بإرادته، و على أن الأمة مصدر السلطان.

و نذكر كذلك الشيخ الإمام عبد اللّه الشرقاوي، و جهاده من أجل مصر. ففي عام 1209 ه: 1795 م أعلن علماء الأزهر الشريف الثورة

395

على المماليك، و أجمعوا على مقاومة أمرائهم بالقوة إلى أن يستجيبوا لمطالب الشعب، و كان قائد هذه الثورة هو الإمام الشيخ عبد اللّه الشرقاوي شيخ الأزهر أيام ذاك، و كان مجلس الثورة يعقد في الأزهر، و أعضاؤه هم:

الشيخ الشرقاوي: و الشيخ البكري، و الشيخ الأمير، و السيد عمر مكرم، و لم تنته الثورة إلا بعد اعتذار أمراء المماليك، و بعد أن أصدر أعضاء مجلس قيادة الثورة وثيقة وقعوا عليها و ألزموا الأمراء بالتوقيع كذلك عليها، و كانت إعلانا وطنيا جليلا لحقوق الشعب، حيث تضمنت ما يلي:

1- ألا تفرض ضريبة إلا إذا أقرها مندوبو الأمة.

2- أن ينزل الحكام على مقتضى أحكام المحاكم.

3- ألا تمتد يد ذي سلطان إلى فرد من أفراد الأمة إلا بالحق و الشرع.

و عند ما دخلت الحملة الفرنسية مصر نبعت ثورة القاهرة الأولى من الأزهر الشريف عام 1213 ه- 1798 م، و كان مجلس الثورة مكونا من كبار علماء الأزهر آنذاك؛ و رئيسه هو الشيخ السادات؛ و كان يعقد اجتماعاته في الأزهر. و قد بطش نابليون بالثوار الأحرار، و أغلق الأزهر، و أعدم ثلاثة عشر عالما من أبر علمائه بوطنهم و دينهم.

و كذلك قامت ثورة القاهرة الثانية عام 1214 ه- 1800 م من قلب الأزهر، و كانت بزعامة الشيخ الأزهري و السيد الوطني عمر مكرم نقيب الأشراف في مصر، و قد أخمدت هذه الثورة بقوة و عنف، و قبض على زعمائها، و نكل بهم تنكيلا شديدا.

و في عام 1220 ه- 1805 م أعلن علماء الأزهر الثورة على الوالي التركي خورشيد باشا»، و أجمعوا على عزله، و كتبوا للخليفة العثماني بذلك؛ و قد كان عمر مكرم زعيم هذه الثورة، و لا ننسى كلمة خالدة له‏

396

يومذاك، عند ما ذكره أحد قواد الأتراك بالآية الكريمة: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»؛ فرد عليه عمر مكرم في عزة و إباء: أولو الأمر هم العلماء و حماة الشريعة و السلطان العادل.

و لما ولي محمد على حكم مصر استبد بالحكم، و تنكر للشعب، و بطش بالحريات، و أسرف في فرض الضرائب، و خان العهد الذي عاهد عليه العلماء بأن يحكم بالعدل و الشريعة، فاجتمع في الأزهر الشريف مجلس وطني من العلماء، في أواسط جمادى الأولى 1224 ه- أول يوليو 1809 م لمقاومة محمد علي حتى يخضع لمشيئة الشعب في عدم فرض ضرائب جديدة، و إلغاء الضرائب المستحدثة، و رفض السيد عمر مكرم زعيم العلماء التوقيع على ميزانية محمد علي السنوية، و قال كلمة خالدة مأثورة: «إن هذا الحاكم- يريد محمد علي- محتال، و إذا تمكن فسيصعب إزالته، فلنحاربه من الآن، و أسرع محمد علي فخلع السيد عمر مكرم من نقابة الأشراف، و نفاه إلى دمياط، و قد ألقى السيد عمر مكرم تصريحا عقب إبلاغه بصنيع محمد علي معه، جاء فيه: «إني راغب عن منصب النقابة، زاهد فيه، فليس فيه إلا التعب. و أما النفي فهو غاية مطلوبي، حتى لا أكون مسئولا أمام اللّه عن ظلم يقع على الشعب، و إني لا أريد إلا أن أعيش في بلدة لا تدين لحكم محمد علي». و ظل السيد عمر مكرم منفيا في دمياط و طنطا حتى توفاه اللّه عام 1237 ه- 1822 م.

و لسنا ننسى الثورة العرابية و زعيمها الأزهري المصري القائد: أحمد عرابي، و كيف وقف علماء الأزهر وراءه صفا موحدا، يدعون الشعب إلى الجهاد تحت رايته، و أصدروا فتوى شرعية بمروق الخديوي توفيق عن الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده. و أعلنوا في المؤتمر الوطني عزل توفيق، و وقف أوامره و تكليف عرابي بالدفاع عن البلاد، و أن يبلغ المجلس الوطني هذه القرارات إلى السلطان.

397

و قد نكل الإنجليز و توفيق بعد ذلك بعلماء الأزهر تنكيلا شديدا.

و استمر شيوخه لا يبالون بالحكام من أسرة محمد علي، و لهم في ذلك مواقف مشهورة، حتى قامت الثورة المصرية عام 1919. فنبعت من قلب الأزهر، و اشتعلت شرارتها في صحته، و انبثق من منبره و محرابه فجر الحرية لشعبنا المجيد الذي نال ما تمناه بفضل كفاحه الطويل العتيد.

و لا ننس موقف الشيوخ الثلاثة: عبد المجيد سليم و مأمون الشناوي و إبراهيم حمروش، من سياسة القصر و عبثه بقوانين الأزهر و استقلاله و حريته، و كيف أصدروا بيانا مطبوعا موجها إلى العالم الإسلامي، ينددون فيه بفاروق و رئيس ديوانه و رئيس وزرائه، و يسجلون عليهم في صراحة تدخلهم في شئون الأزهر و عبثهم بقوانينه. و للشيخ عبد المجيد سليم عند ما هدده رئيس الديوان بالخطر كلمة مأثورة خالدة: ما دمت أتردد بين بيتي و المسجد فلا خطر بإذن اللّه، و له كلمة أخرى ندد فيها بفاروق و عبثه و مجونه عند ما أقام في كابري لاهيا عابثا، قالها الشيخ و أعلنها و سارت مسير الأمثال، و هي: «تقتير هنا و إسراف هناك».

هذه قطرة من كفاح الأزهر و أدائه لرسالته، و للأمانة الملقاة على كواهل علمائه نحو الشعب. و هي تصور لنا في وضوح روح الأزهر و جوهره و سر خلوده و بقائه شاهق الذرى على مر الأجيال، راسخا يرسل الضوء و النور و الهدى إلى كل مكان رسوخ الجبال الراسيات. و هل هناك أروع من أن يصدر شيخ معمم فتوي ببيع أمراء المماليك الأتراك ليصرف ثمنهم في مصالح المسلمين، لأن حكم الرق سار عليهم، و هم أرقاء لسادتهم من أبناء مصر، لأن السلطان اشتراهم من مال الدولة، و لا يزال حكم الرق مستصحبا عليهم. و كان من جملة هؤلاء الأمراء نائب السلطنة، و كلهم أصحاب حكم، و سلطان و نفوذ و جاه، و كان ذلك في منتصف القرن السابع الهجري، و بعد منتصف القرن الثاني عشر الميلادي بقليل، و كان هذا

398

الإمام هو الشيخ عز الدين بن عبد السلام (رضوان اللّه عليه).

و بعد فإن رسالة الأزهر في القرن العشرين تشمل الرسالة الدينية الكبرى، و الرسالة الثقافية و الأدبية، و رسالته الوطنية و الاجتماعية.

فمن صميم رسالته الدينية:

1- إنشاء المراكز الإسلامية في دول أوروبا و أمريكا و الشرق الأقصى و أفريقيا لنشر رسالة الإسلام و تعاليمه الصحيحة.

2- و تلخيص رسالة الإسلام في مؤلفات حديثة، و نشرها بجميع اللغات العالمية.

3- و محاربة المادية و المذاهب الهدامة الوافدة علينا من أوروبا و أمريكا و الدعوة إلى الروحية السامية المهذبة، و إذاعتها بين جميع الطبقات.

4- و العمل على إنماء الأخوة الدينية و الروحية بين المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، و نشر رسالة التقدم الروحي و الديني في البلاد الإسلامية.

5- و إذاعة مبادى‏ء الإسلام و أصوله الرفيعة الصالحة لقيادة الإنسانية بين مختلف الجماعات و الطبقات، و إحياء الشعور الديني و تنمية روح التدين بين الأفراد و الشعوب.

و من صميم رسالة الأزهر الثقافية و الأدبية:

1- نشر التراث القديم في شتى العلوم الإسلامية نشرا علميا حديثا.

2- و وضع مؤلفات حديثة في جميع فروع الثقافة، و تناول مشكلاتنا العامة و الخاصة بالدراسة و البحث على ضوء الدين.

3- و إقامة معاهد دينية في جميع مدن مصر و العواصم العربية و الإسلامية لتعميم الثقافة الدينية الصحيحة.

399

4- و ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة دقيقة إلى شتى اللغات.

5- و النظر إلى مناهج الأزهر و علومه و كتبه الدراسية نظرة جدية جديدة تتفق و حياتنا الفكرية و مطالبنا الروحية.

6- و دعم التقاليد الجامعية الصحيحة في الأزهر مما يتفق و تقاليده القديمة الموروثة، و تعزيز النظام العلمي الجامعي فيه، و إقرار نظام الدراسات العليا فيه على أسس جامعية رفيعة.

7- و إنشاء أقسام جديدة في كليات الأزهر لدراسة اللغات و الآداب الأوروبية الحديثة، و أهم المذاهب الروحية و الفكرية المعاصرة.

8- و تنمية التعاون الثقافي بين الأزهر و مختلف المعاهد و الجامعات في الشرق و الغرب.

9- و كذلك نشر الثقافة العربية و الأدبية، و إخراج أمهات كتب اللغة و مصادر الأدب إخراجا علميا منظما.

10- و تنظيم المواسم الثقافية و الأدبية لزيادة ثقافة الشباب، و الارتفاع بمستواهم الفكري.

و من صميم رسالة الأزهر الوطنية و الاجتماعية.

1- العمل على بعث الروح الثوري في الشعب.

2- و مشاركة الدولة في التوجيه الاجتماعي و الوطني في صفوف الأمة.

3- و المعاونة في محو الأمية، و في نشر الأمن، و إذاعة الوئام بين الناس، و في خلق روح التضحية و القومية و الإيثار و العدل و حب تحمل المسئولية في نفوس الشباب.

4- و تخفيف الآلام عن المنكوبين و المحرومين و الأشقياء في‏

400

المجتمع، إلى غير ذلك من صميم رسالة الأزهر التي هي جزء لا يتجزأ من رسالة الإسلام ديننا الكريم.

و من المؤسف حقا أن تكون القوانين في الأزهر رجعية عتيقة بالية إلى الحد الذي يحول بين الكثير من الشباب و التعليم الديني، و أن تهمل أمور الشباب فيه إهمالا خطيرا فلا يلقون رعاية و لا توجيها خارج حجرات الدراسة. و لا يتمتعون برحلات علمية منظمة، و لا بنواد رياضية صغيرة أو كبيرة، و لا باتحاد منظم يرعى شئونهم إلى غير ذلك من شتى ألوان التقصير الذي نشكو منه و نطالب بتلافيه.

و يحضرني هنا رأي قديم للمرحوم مصطفى صادق الرافعي، إذ قال:

إنه لا ضير على الأزهر أن تعاونه الشعوب و الحكومات الإسلامية بالمال و النفقة الواسعة؛ ليسير قدما نحو أداء رسالته كاملة غير منقوصة في خدمة الشعوب العربية و الإسلامية، و إنه لا ضير عليه كذلك من منح ألقاب علمية للمفكرين المسلمين في كل مكان، فإن في ذلك زيادة لنفوذه الديني و الروحي في شتى أنحاء العالم الإسلامي.

و بعد فلقد اجتمعت كلمة مصر و الأزهريين على النهوض بهذا المعهد العتيق، و رفعه إلى الأمام بيد قوية و عقل فتي، و روح وثاب، و نحن لا ننسى موقف الثورة منا؛ و رعايتها للأزهر وسط المحن و الشدائد و الدعوات الإلحادية السافرة، فلقادة الثورة و أبطالها الشكر و التقدير على تصريحاتهم القوية النبيلة التي أعزوا بها من شأن الأزهر، و دافعوا فيها عن حضارة الإسلام و معهده العتيق.

و منذ اليوم سيساند الأزهر الثورة و تساند الثورة الأزهر لخلق مصر الناهضة الحرة الأبية، و لإعزاز الدين و الإسلام و الوطن.

401

الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي‏

فقدت مصر و العالم الإسلامي في مارس 1969 عالما من أجل علماء الأزهر .. هو فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي عضو جماعة كبار العلماء و رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، انتقل للرفيق الأعلى عن 73 عاما .. قضاها في سبيل نشر لواء العلم و الدين .. كان آخر من تولى منصب شيخ مذهب الحنابلة بالأزهر .. و آخر بحوثه التي أعدها بحثا من المقدس و بحثا عن الجهاد في سبيل اللّه .. و آخر كتاب- ما زال تحت الطبع- هو كتاب الوحي و يقع في 300 صفحة و سيصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، و كان قد أتمه قبل وفاته بساعات.

تخرج الشيخ السبكي في الأزهر الشريف عام 1925 و عين فور تخرجه مدرسا بمعهد الزقازيق الديني، ثم نقل أستاذا بكلية الشريعة عام 1935.

و في نفس العام عين عضوا بلجنة الفتوى حين كان الإمام الراحل الشيخ المراغي شيخا للأزهر و تولى رئاسة اللجنة منذ خمس سنوات .. و اختير مفتشا عاما للعلوم الدينية و العربية بالأزهر سنة 1947، و في عام 1951 عاد إلى منصبه أستاذا بكلية الشريعة و ظل بها حتى أحيل للمعاش عام 1959، و قضى 44 عاما في خدمة العلم و الدين، و جند نفسه لتفسير الدين كما أنزله اللّه.

402

اتسع نشاط لجنة الفتوى في عهده و أصبحت تتلقى الفتاوى و ترد عليهم .. و كان للشيخ السبكي مكانة في مقدمة العلماء الدارسين في علوم الدين و اللغة .. و عين شيخا لمذهب الحنابلة بالأزهر و هو آخر من تولى هذا المنصب و في عام 1954 عين مديرا لمجلة الأزهر و عضوا في جماعة نشر الثقافة بالأزهر.

و في السنوات الأخيرة عين رئيسا للجنة إحياء التراث الإسلامي و العربي و عضوا بلجنتي الخبراء و موسوعة عبد الناصر للفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

و قبيل وفاته بأيام راجع فيلما تليفزيونيا عن الإسلام سجله تليفزيون النمسا و أعد مادته العلمية فضيلة الشيخ عبد الحكيم سرور مدير الشئون العامة بالأزهر. و شاهد الشيخ السبكي- (رحمه اللّه)- الفيلم في عرض خاص و أشاد بجودته، و سيترجم الفيلم إلى مختلف اللغات، و يعرض في أنحاء العالم.

ترك سجلا حافلا من التراث الإسلامي .. في مقدمته كتب نغمات القرآن، و رياض القرآن، و في ظلال الكعبة و الهجرة النبوية، كما ترك عددا كبيرا من المقالات في منبر الإسلام و لواء الإسلام و الوعي الإسلامي و مجلة الأزهر و الشبان المسلمين، و العديد من الأحاديث المسجلة بالتليفزيون و الإذاعة .. في برامج نور على نور، و رحاب الإيمان، و رأي الدين.

و أبناؤه هم المهندس حباب المعيد بهندسة جامعة الأزهر و الدكتور عادل بالقصر العيني وهاني و وفاء بطب قصر العيني جامعة القاهرة.

لقد عاش الشيخ السبكي عالما و معلما و سيظل مثلا أعلى يذكره بنوه و تلاميذه و عارفو فضله- بالتقدير و الوفاء- في أرجاء العالم الإسلامي ..

403

ما ذا حدث؟

في 14 اغسطس عام 1859 .. ما ذا حدث؟: استنكر رجال الأزهر الأمر الصادر بالسماح بإقامة «الحانات» بالقاهرة و كتبوا عريضة ضمنوها استنكارهم و رفعوها إلى جناب الباب العالي .. و جاء بالعريضة أن عدد الحانات بالقاهرة بلغ 12 حانة مما ينذر بالخطر الوبيل على سمعة الدين.

404

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}