البحرين في صدر الإسلام‏

- عبد الرحمن عبد الكريم العاني المزيد...
238 /
155

يسلم، بدليل عدم إشارة المصادر الإسلامية إلى دور قام فيه في الدفاع عن الإسلام ضد المرتدين الذين نشطوا على أثر وفاة الرسول و حاصروا المسلمين‏ (1)، غير أنه في نفس الوقت لم يقم بعمل فعال ضد الإسلام، و ليس في المصادر إشارة إلى سيبخت غير مراسلة الرسول له مما يدل على أن الفرس لم يرضوا عن موقفه من الإسلام و عزلوه. و تذكر المصادر أيضا أن المكعبر (2) فيروز بن جشيش‏ (3) و هو قائد للقوات الساسانية في البحرين‏ (4)، كان مرزبانا على البحرين، و من الصعب القول بأن الساسانيين عينوا مرزبانين على البحرين في وقت واحد، لذا نرجح أن فيروز أصبح مرزبانا على البحرين بعد عزل سيبخت، و لعل عزله تم بسبب لين موقفه من الإسلام، و قد جعل فيروز مركزه الزارة (5)، و لعل ذلك راجع إلى أن الزارة تقع على‏

____________

(1) كايتاني/ 6/ 122.

(2) سمته العرب بالمكعبر لأنه كان يقطع الأيدي و الأرجل. الطبري/ 1 ق 2/ 985.

(3) في الطبري/ 1 ق 2/ 985 آزاد فروز بن جشنس، و في حمزة الأصفهاني/ تاريخ سني ملوك الأرض و الأنبياء/ 116، 119 داد فروز حشنشفان، و في الكامل/ 1/ 468 آزاد فيروز بن جشيش، و في الأغاني/ 16/ 75 كزارجر، و في الميداني/ مجمع الأمثال/ 1/ 95 مردان به.

(4) فتوح/ 85، حمزة الأصفهاني/ 116، ياقوت/ 1/ 511، حمد الجاسر/ أبو علي الهجري و أبحاثه في تحديد المواضع/ 232، و وصفه الطبري بأنه عامل كسرى على البحرين. الطبري/ 1 ق 2/ 985، انظر أيضا الكامل/ 1/ 468، ابن خلدون/ 2/ 360، الميداني/ مجمع الأمثال/ 1/ 195، الزمخشري/ المستقصي في أمثال العرب/ 1/ 49، آثار البلاد/ 110- 111، و وصفه ابن رشيق بأنه عامل كسرى على هجر. العمدة/ 2/ 206، انظر أيضا يوم المشقر في الفصل الثالث.

(5) أبو عبيد/ الأموال/ 310، خليفة بن خياط/ التاريخ/ 1/ 93، فتوح/ 85- 86، الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد/ 11/ 435، الجاحظ/ كتاب البغال/ رسائل الجاحظ/ 16/ 2/ 291- 292، الحربي/ المناسك 621، ياقوت/ 1/ 511، 2/ 907، الاستيعاب/ 3/ 1086.

156

الساحل حيث يرسو الأسطول الساساني و القوات التي تسنده، و بذلك تكون مؤخرته أمينة، في حين أن هجر كانت قد سيطر عليها المسلمون، فلم تعد قاعدة أمينة للساسانيين، فضلا عن أن موقعها داخلي يعرض الحاكم الساساني إلى خطر التطويق، و كان يرتبط العاصمة الساسانية بالبرد (1)، و أنه قاوم الإسلام و قتل عام 13 ه (2).

و من المعلوم أن الساسانيين اعتمدوا في تأمين حدودهم الغربية و ضبط القبائل العربية على العرب أنفسهم، ففي أطراف العراق ساندوا دولة المناذرة التي اتخذت مركزها في الحيرة (3)، و استطاعت أن تبسط سلطانها على معظم القبائل الواقعة في شرقي الجزيرة، و امتد نفوذها إلى أطراف البحرين‏ (4). أما في البحرين فقد اتبعوا سياسة مشابهة، فعوضوا عن ضعف قواتهم العسكرية فيها، بالاستفادة من العرب في الإدارة، و كان العرب في البحرين يسيرون تبعا للتنظيمات القبلية، فكان لهم رؤساؤهم و شيوخهم الذين يشغلون مراكزهم عن طريق اختيار أبناء القبيلة لهم و من دون فرض من الفرس، و قد ساعد ضعف سلطة الساسانيين و الروح القبلية على حدوث انقسامات و خلافات بين القبائل، غير أن وجود المدن في البحرين، و ازدهار التجارة فيها، كان يتطلب إيجاد تنظيمات إدارية خاصة تيسر سير الأمور، و مع أن هذه التنظيمات لا بد أن تختلف عن التنظيمات التي عند القبائل، إلا أن‏

____________

(1) الجاحظ/ كتاب البغال/ رسائل الجاحظ/ 16/ 2/ 291- 292.

(2) انظر الزارة في الفصل الثالث.

(3) عن دولة الحيرة انظر غنيمة/ الحيرة المدينة و المملكة العربية، مطبعة دنكور الحديثة، بغداد 1936، العلي/ محاضرات في تاريخ العرب/ 1/ 64 و ما بعدها.

(4) الطبري/ 1 ق 2/ 898، 985، الكامل/ 1/ 437- 439، و يبدو أن كلا من الطبري و ابن الأثير قد أخطأ في اسم المنذر بن النعمان، و الصواب هو المنذر بن امرى‏ء القيس الثالث المعروف بالمنذر بن ماء السماء و هو المنذر الثالث.

157

الفرس اعتمدوا في هذه الإدارة على العرب أيضا، فكان والي البحرين عند ظهور الإسلام المنذر بن ساوى من بني تميم، فيذكر ابن حبيب أن سوق المشقر بهجر «كان ملوكها من بني تميم بن عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوى، و كانت ملوك الفرس تستعملهم عليها كما يستعملون بني نصر على الحيرة و بني المستكبر على عمان، و كانوا يصنعون فيها و يسيرون فيها بسيرة الملوك في دومة الجندل، و كانوا يعشرونهم» (1)، و يقول البلاذري «و كانت أرض البحرين من مملكة الفرس ... و كان على العرب بها من قبل الفرس على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة، و عبد الله بن زيد هذا هو الاسبذي» (2)، و يذكر الطبري أنه صاحب البحرين‏ (3)، و يذكر ابن حزم أنه صاحب هجر (4)، و يذكر ابن هشام أنه ملك البحرين‏ (5)، و يذكر ابن حجر أنه عامل البحرين‏ (6)، و كان يرتبط بالعاصمة الساسانية ...........

____________

(1) المحبر/ 265، انظر أيضا المرزوقي/ الأزمنة و الأمكنة/ 2/ 162- 163، ياقوت/ 1/ 508، الكامل/ 2/ 215، أبو الفدا/ المختصر في أخبار البشر/ 1/ 46، ابن الوردي/ التاريخ/ 1/ 128، صبح الأعشى/ 6/ 367.

(2) فتوح/ 78، انظر ياقوت/ 1/ 508.

(3) الطبري/ 1 ق 3/ 1561/، انظر المطهر المقدسي/ البدء و التاريخ/ 4/ 229، 5/ 102، ابن خلدون/ 2/ 788، أسد الغابة/ 4/ 417.

(4) جمهرة أنساب العرب/ 232، انظر ياقوت/ 1/ 237 (عن الهيثم بن عدي)، القلقشندي/ نهاية الارب في معرفة أنساب العرب/ 251- 252.

(5) سيرة ابن هشام/ 4/ 79، انظر ابن سيد الناس/ عيون الأثر/ 2/ 259، ابن قيم الجوزية/ زاد المعاد/ 1/ 31، الاستيعاب/ 3/ 1086، الإصابة/ 3/ 439، النويري/ نهاية الإرب/ 18/ 166، صبح الأعشى/ 1/ 411، تاريخ الخميس/ 2/ 116، 183.

(6) الإصابة/ 3/ 439.

158

بالبرد (1)، و الراجح أن للمنذر تبعية اسمية للساسانيين و أن سلطته كانت واسعة على أهل المدن، أما على القبائل فقد كانت سلطته محدودة ضيقة، كما أن نفوذه لم يمتد إلى جميع أجزاء البحرين، بدليل أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل عدة كتب‏ (2) كل منها إلى مجموعة معينة في البحرين و إلى عدد من كبار رجالها (3).

الإدارة الإسلامية في القرن الأول الهجري:-

بعد انتشار الإسلام في البحرين في زمن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) بقي المنذر و رؤساء القبائل، و بعد القضاء على الردة و استقرار دولة الإسلام و هيمنتها على كل جزيرة العرب و أصبحت البحرين جزءا من دولة الإسلام، جعلت تابعة في إدارتها للحجاز (4)، و في زمن الخليفة عثمان بن عفان ألحقت البحرين بالبصرة (5)، عند ما أصبحت الأخيرة قاعدة لفتوح فارس و جنوب إيران‏ (6)، فصار ولاتها تابعون لأمير البصرة (7)، و قد عزز هذا صلة البصرة بالبحرين و وثقها، و كان من‏

____________

(1) الجاحظ/ كتاب البغال/ رسائل الجاحظ/ 16/ 2/ 292.

(2) عن كتب الرسول انظر الملحق الأول.

(3) انظر كايتاني/ 6/ 125.

(4) ابن عبد ربه/ العقد الفريد/ 5/ 8، أبو نعيم الأصبهاني/ تاريخ أصبهان/ 1/ 29.

(5) خليفة بن خياط/ التاريخ/ 1/ 136، أنساب الأشراف ج 8 ورقة 16 أ، الطبري/ 1 ق 5/ 2832، الكامل/ 3/ 100، الذهبي/ تاريخ الإسلام/ 2/ 81- 82، ابن خلدون/ 2/ 1009.

(6) العلي/ التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري/ 42، 141 (ط 2).

(7) خليفة بن خياط/ التاريخ/ 1/ 136، أنساب الأشراف ج 8 ورقة 16 أ، الطبري/ 1 ق 5/ 2832، الكامل/ 3/ 100، الذهبي/ تاريخ الإسلام/ 2/ 81- 82، ابن خلدون/ 2/ 1009.

159

عوامل هجرة عبد القيس و الأزد إلى البصرة (1).

و قد ظلت البحرين مرتبطة في العصر الأموي بالبصرة التي كان أميرها يشرف أيضا على إدارة العراق و المشرق بما في ذلك خراسان و كافة الأقاليم الواقعة على الخليج العربي‏ (2)، و مع ذلك فكان للبحرين و آل خاص، و قد ذكرت قائمة بأسماء ولاة البحرين‏ (3)، و لا بد أن عملهم كان يشبه عمل معظم الولاة في العهود الأولى، حيث كان للوالي السلطة العليا في إدارة ولايته، و كان من أهم واجباته الإشراف على جباية الأموال‏ (4)، و القيام بحفظ الأمن و النظام، و قد أشارت المصادر إلى وجود الشرطة في البحرين، حيث يذكر المدائني أن أبا البهاء كان على شرطة القطيف في عام 80 ه (5)، و لا بد أن للأماكن الأخرى شرطة غير أن المصادر لا تذكرها. و للوالي أيضا حق النظر و الحكم في القضايا و الخلافات التي تظهر بين الناس، و قيادة الجيوش التي في ولايته، كما أنه هو الذي يعين الولاة على المراكز الصغرى الداخلة ضمن ولايته.

فالوالي هو صاحب السلطة الذي يمثل الخليفة، و هو المرجع الأولى في أمور الإدارة غير أن سعة البلاد و تباين الأحوال فيها كانت‏

____________

(1) العلي/ التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في القرن الأول الهجري/ 42، 141 (ط 2).

(2) الطبري/ 2 ق 1/ 73، ياقوت/ 1/ 507.

(3) انظر قائمة الولاة في الملحق الثاني.

(4) ابن سعد/ 1 ق 2/ 19، 27- 28، الإصابة/ 3/ 439، مسند ابن حنبل/ 5/ 52، الزيلعي/ نصب الراية/ 4/ 420، فتوح/ 79، تاريخ الخميس/ 2/ 116، ياقوت/ 1/ 509، النويري/ نهاية الإرب في فنون الأدب/ 18/ 167.

(5) أنساب الأشراف ج 6 ورقة 41 أ.

160

تقضي إيجاد تقسيمات إدارية فرعية، و قد ذكر بعض جغرافيي القرنين الثالث و الرابع الهجري تقسيمات البحرين الإدارية، و لا شك أن كلامهم ينطبق على أحوال الزمن الذي عاشوا فيه، و أنهم استمدوا معلوماتهم من الدواوين و سجلاتها في بغداد و مما سمعوه عن أحوال البحرين، و من الراجح أن هذه التقسيمات، أو معظمها يرجع تأريخها إلى القرن الأول الهجري، إن لم يكن إلى ما قبل ذلك، و في كتاب المسالك و الممالك لابن خرداذبة قائمة بأقسام البحرين الإدارية، و هي أقدم و أوسع قائمة وصلتنا، و هي الأساس الذي اعتمد عليه بقية الجغرافيين حيث نقلوها، مع بعض الحذف أو الإضافة، فيذكر ابن خرداذبة أن قرى البحرين هي «الخط و القطيف و الارة و هجر و الفروق و بينونة ... و المشقر و الزارة و جواثا ... و سابور و دارين و الغابة و الشنون» (1)، و قد نقلها ابن الفقيه و لكنه حذف الفروق و الشنون و أضاف الصفا و الشبعان‏ (2)، كما نقلها قدامة بن جعفر و لكنه حذف الارة و هجر و الفروق و بينونة و الزارة و الشنون و أضاف الرميلة و السوم‏ (3)، أما الهمداني فلم يذكر من قرى البحرين إلا هجر و القطيف و أضاف العقير و الإحساء (4)، أما ابن حوقل فقد أضاف إلى قائمة الهمداني أوال‏ (5)، و ذكر المقدسي السابون‏ (6) و العقير و الاحساء

____________

(1) المسالك و الممالك/ 152.

(2) مختصر كتاب البلدان/ 30 (عن أبي عبيدة) و نقل ياقوت ما ذكره ابن الفقيه بنفس السند و لكنه حذف الشبعان. ياقوت 1/ 507.

(3) الخراج/ 249.

(4) صفة جزيرة العرب/ 168.

(5) صورة الأرض/ 25، و يضيف إلى قائمته بيشة و انجرح أما خطأ أو تشير إلى تطور متأخر.

(6) في ابن خرداذبة/ 152 «السابور».

161

و أوال و الزرقاء (1)، و لعل هذه الخلافات تعود إلى نقص في أصول الكتب المطبوعة، و أخطاء في الطبع، و إلى تبدل أحوال البحرين.

لقد اقتصرت المصادر على تعداد هذه الأماكن دون الإشارة إلى أصنافها الإدارية و علاقتها مع بعضها، ما عدا المقدسي الذي ذكر أن الإحساء قصبة هجر (2).

لقد ذكرت بعض المصادر منابر في البحرين، و في أماكن أخرى من جزيرة العرب، و لا ريب أن المقصود بالمنبر المكان الذي تقام فيه الجمعة، و يتفق الفقهاء على أن من شريطة وجوده وجود مجتمع مقيم ذو عدد كاف، و يرى البعض ضرورة وجود وال فيه دون أن يعينوا مكان ذلك الوالي‏ (3)، فيذكر الحربي أن «بهجر منبران عظيمان بينهما فراسخ أحدهما في مملكة ابن عياش من عبد القيس نحم اهجر و الآخر في مملكة موسى بن عمران بن الرجاف و هو بجبلة و ساكنها عبد القيس» (4)، و بالعقير منبر لنبي الرجاف من عبد القيس، و في ثاج منبر، و في القليعة منبر (5)، و في يبرين منبران‏ (6)، و في القطيف منبر (7). واضح من سياق كلام المؤلف أنه يقصد بها هنا المواضع‏

____________

(1) أحسن التقاسيم/ 71.

(2) أحسن التقاسيم/ 71.

(3) العلي/ إدارة الحجاز/ 8 «محاضرات ألقيت على طلبة ماجستير التاريخ الإسلامي لسنة 1968- 1969.

(4) المناسك/ 621.

(5) المناسك/ 620- 621.

(6) ن. م./ 621، انظر أيضا ياقوت/ 4/ 1005- 1006، مراصد الاطلاع/ 3/ 333- 334، تاج العروس/ 3/ 625.

(7) ديوان الفرزدق/ 1/ 51.

162

التي فيها الولاة، غير أنه لا يحدد فيما إذا كانت هذه الأماكن وحدات إدارية كل منها تتبع القصبة هجر أم أن بعضها وحدات إدارية صغرى تتبع وحدة أكبر متصلة بهجر، و الواقع أنه ليس في المعلومات المتجمعة من قوائم الجغرافيين ما يثبت أن كافة الأماكن التي ذكرها الحربي كانت مراكز إدارية، إذ أنها لا تعتبر ثاج و القليعة و يبرين مراكز إدارية.

و من التعابير الإدارية التي استعملتها بعض المصادر و التي قد تدل على التقسيمات الإدارية «المسجد الجامع» يقول ابن الفقيه «و المسجد الجامع في المشقر» (1)، و روي عن ابن عباس أنه قال «أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين» (2).

ذكرت المصادر أسماء ولاة البحرين، و قد جمعتها في الملحق الثاني غير أنها لم تذكر أسماء ولاة الأقسام الإدارية، و لا بد أن سلطات هؤلاء كانت محدودة، و أنهم كانوا يرتبطون بوالي البحرين و يخضعون له، إذ كان يتولى أمر تعيينهم، كما أنه لم يرد في الأخبار شي‏ء عن تنظيمات البدو و العشائر، و يبدو أنهم احتفظوا بتنظيماتهم القبلية، و أنهم كانوا يخضعون لشيوخهم و رؤسائهم، و أن سلطة الوالي عليهم كانت ضعيفة محدودة.

____________

(1) مختصر كتاب البلدان/ 30، انظر ياقوت/ 4/ 541، مراصد الاطلاع/ 3/ 105.

(2) البخاري/ الجامع الصحيح/ 3/ 165، انظر أبو داود/ السنن/ 1/ 264.

163

الفصل السابع الخوارج في البحرين‏

يربط المؤرخون نشأة الخوارج بحادثة التحكيم في حرب صفين، فالخوارج في أصل نشأتهم هم الذين خرجوا على الإمام علي (رض) عند قبوله التحكيم في صفين و هم لا يقرون بالتحكيم القائم على المناقشات النظرية (1)، و قد اتخذوا شعارهم «لا حكم إلا للّه»، و قد حاول الإمام علي إقناعهم بصحة عمله و لما لم يفلح في ذلك قاتلهم في النهروان و قتل منهم عددا كبيرا (2)، و لكنه لم يقض على حركتهم،

____________

(1) لقد بحث نشأة الخوارج عدد كبير من المؤلفين القدماء و المحدثين، راجع مثلا و لهاوزن: الخوارج و الشيعة 1- 31، ترجمة عبد الرحمن بدوي، مطبعة لجنة التأليف و الترجمة و النشر، القاهرة 1958.

و كولدزيهر: العقيدة و الشريعة في الإسلام: 170، ترجمة محمد يوسف و آخرون، دار الكتاب العربي، القاهرة 1946.

قلماوي: أدب الخوارج في العصر الأموي: 2، مطبعة لجنة التأليف و الترجمة و النشر، القاهرة 1945.

عرفان عبد الحميد: دراسات في الفرق و العقائد الإسلامية: 66- 76، مطبعة الإرشاد، بغداد 1967، و لم أفصل في نشأتهم لأنها خارجة عن نطاق دراستي.

(2) المبرد: الكامل في اللغة و الأدب و النحو و التصريف: 3/ 892- 893، 910- 912، 916- 917، 925، 938، 942- 945، تحقيق زكي مبارك، مطبعة-

164

و قد قام أحد رجالهم باغتياله‏ (1).

و قد أدّى تأييد أهل الكوفة للإمام علي و مناصرتهم العلوية، و كذلك تضييق الولاة الأمويين عليهم إلى ضعف حركتهم في الكوفة، و قد حاولوا اتخاذ البصرة مركزا لهم غير أنهم لم يحضوا بنجاج كبير بسبب تطرفهم و لأنّ أهل البصرة أخذوا يعتمدون في حياتهم على التجارة و الحياة الاقتصادية التي تتطلب الاستقرار و الهدوء، و لذلك كان أهل البصرة مؤيدين للدولة الأموية، و قد أتاح ذلك للولاة الأمويين استعمال الشدة لقمع حركات الخوارج في البصرة (2).

و لما حدثت الفتنة على أثر وفاة يزيد بن معاوية، و انقسم العالم الإسلامي نشط الخوارج من جديد، و حاولوا الاتصال بابن الزبير و مناصرته، ثم اختلفوا معه و تبرأوا منه و انصرفوا عنه، فذهب جماعة منهم إلى البصرة و اختاروا نافعا بن الأزرق رئيسا لهم، و ذهب سالم بن مطر مولى‏ (3) بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، و أبو فديك عبد الله بن ثور بن قيس بن ثعلبة، و عطية بن الأسود الحنفي إلى اليمامة (4).

____________

- مصطفى البابي الحلبي و ألاده، مصر 1937. و الطبري: 1/ ق 6/ 3360 و ما بعدها.

(1) المبرد: الكامل في اللغة: 3/ 926- 929. و الطبري: 1/ ق 6/ 3456 و ما بعدها.

(2) البلاذري: أنساب الأشراف، ج 4 ورقة 25 ب، 26 أ، مخطوطة مصورة في مكتبة معهد الدراسات الإسلامية العليا- الملغى- برقم 1634- 1644.

المبرد: الكامل في اللغة، 3/ 985- 990، 994- 997، 1001، 1004، 1007، 1017- 1020.

(3) في بعض الروايات أنه من بني زمان و ليس مولاهم. أنساب الأشراف: ج 4، ق 2/ 95. و ابن الأثير: الكامل 4/ 167.

(4) أنساب الأشراف: ج 4، ق 2/ 95- 96، ج 6، ورقة 15 ب، الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول/ 126. الطبري: 2/ ق 1/ 425، 513- 517.-

165

و لا بد أن هؤلاء الخوارج اختاروا اليمامة لإدراكهم بأن الأوضاع في اليمامة تلائم مجي‏ء الخوارج إليها و إن لهم فيها من يسندهم و يعطف عليهم، و لعل للشعور القبلي أثر في ذلك و أنهم من عشائر اليمامة.

في سنة 65 ه اختار خوارج اليمامة أبا طالوت رئيسا لهم على أن يكون لهم حق إبداله و مبايعة من هو أفضل منه عندما يجدون ذلك‏ (1). و قد استولى أبو طالوت على الخضارم في اليمامة- و كانت في الأصل لبني حنيفة ثم أخذها معاوية بن أبي سفيان و جعل فيها أربعة آلاف من الرقيق و أسرهم- و قد وزع أبو طالوت العبيد على أتباعه، فكان في عمله هذا يناقض مبدأ المساواة الذي نادي به الخوارج و يظهر أن المساواة التي يدّعونها تقتصر على الأحرار دون العبيد، و قد أقام أبو طالوت أشهرا ازداد خلالها عدد أتباعه‏ (2)، و لا بد أن يكون بعضهم من الأعراب الذين انضموا إليه طمعا في الغنائم، و البعض الآخر من بكر و حنيفة، و قد أيدوا الخوارج بسبب العصبية القبلية، و سخطهم على الحكم الأموي، و لأن طبيعة الخوارج تنسجم مع روح البداوة التي تمجد القتال.

و لما خرج نافع بن الأزرق و أتباعه من البصرة إلى الأهواز سنة

____________

- ابن الأثير: الكامل 4/ 123، 165- 167. الذهبي: تاريخ الإسلام 2/ 367.

المبرد: الكامل في اللغة 3/ 1021- 1030.

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. و انظر الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 116.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 126- 127. ابن الأثير: الكامل 4/ 201، ابن خلدون: 3/ 313.

ياقوت: 2/ 450.

166

64 ه، تبنى آراء متطرفة منها أن التقية غير جائزة مستدلا بقوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً (1)، و أن مخالفيهم مشركين كفرة لا تحل مناكحتهم و موارثتهم، أو أكل ذبائحهم، و لا يجب ردّ أماناتهم، و أباح قتل نساء و أطفال من لم يعتنق مذهبهم، و اكفر القعدة منهم، و امتحن المهاجر إليه، غير أن هذه الآراء المتطرفة لم يقبلها عدد من الخوارج الذين كانوا معه فتركه نجدة بن عامر الحنفي و أصحابه و خرجوا حيث انفصلوا عنه لأنهم اعتبروا آراءه التي نادى بها مخالفة للقرآن و السنة و لآراء الخوارج القدماء، و قد أطلق عليهم «أهل الوقوف» لأنهم وقفوا عند الشبهة فقالوا لنافع «أحدثت ما لم يكن عمله السلف من أهل النهروان و أهل القبلة فقال: هذه حجة قامت عليّ لم تقم عليهم» (2)، و كان نجدة يرى أن التقية جائزة مستدلا بقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (3)، و قوله عز و جل: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ‏، و أن القعود جائز و الجهاد إذا أمكن أفضل، و قد قال اللّه تعالى: وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (4)، و أن ردّ الأمانات إلى أهلها واجب، و لم يقبل بقتل الأطفال، و أن المقام في دار الكفر (محل إقامة المسلمين) حلال، و لم يؤمن بالامتحان‏ (5).

____________

(1) القرآن الكريم: سورة النساء، آية: 77.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب، الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 80، 126. ابن الأثير: الكامل 4/ 167. المبرد: الكامل في اللغة 3/ 1030- 1032. الشهرستاني: الملل و النحل 1/ 93.

(3) الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 78- 79.

(4) القرآن الكريم: سورة آل عمران، الآية: 28.

(5) القرآن الكريم: سورة المؤمن، الآية: 28.

167

إن الآراء الشديدة الغالية التي تبناها نافع بن الأزرق وضعت الخوارج في بداية مرحلة خطيرة، فقد فتحت مجالا واسعا أمام مجتهديهم لمناقشات نظرية واسعة استمرت فترة من الزمن، و أدت إلى ظهور آراء متباينة و مواقف مختلفة، و كانت سببا في تفرقهم، و لا ريب أن الاتجاه المعتدل الذي يمثله النجدات هو أقرب إلى آراء عامة المسلمين.

إن جماعة من الخوارج الذين انشقوا على نافع بن الأزرق بزعامة نجدة بن عامر الحنفي ساروا إلى اليمامة و نزلوا بأباض‏ (1)، و لا بد أن يكون سبب اختيارهم لليمامة هو عزلتها و تذمر أهلها، و حضارتها القديمة و ثروتها، و النزاع بين شرقي الجزيرة و الحجاز، و لعل للشعور القبلي أثر في ذلك و أنهم من عشائر اليمامة.

و اعترض نجدة عند جبلة (2) قافلة من البصرة كانت في طريقها

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 81. ابن الأثير: الكامل 4/ 201. المبرد: الكامل في اللغة 3/ 1031- 1032. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/ 10. و أباض: قرية بعرض اليمامة.

ياقوت: 1/ 72. و في رواية أخرى أن نجدة لم يكن مع نافع في الأهواز و إنما كان في اليمامة مع جماعة من أتباعه، و لكنه أراد الذهاب و اللحوق بنافع فاستقبله عدد من الخوارج كانوا قد انفصلوا عن نافع بعد أن أظهر البراءة من القعدة عنه بعد أن كانوا على رأيه و سماهم مشركين و استحل قتل أطفال و نساء مخالفيه، و هم أبو فديك و عطية بن الأسود احنفيو راشد الطويل و مقلاص و أيوب الأزرق و جماعة من أتباعهم، فأخبر هؤلاء نجدة بن عامر و أتباعه بأحداث نافع وردوهم إلى اليمامة و بايعوا نجدة و أكفروا من قال بأكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم و أكفروا من قال بإمامة نافع البغدادي الفرق بين الفرق: 87.

(2) جبلة: من أرض تميم على خمس ليال من حجر. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب.

168

إلى مكة التي كان يسيطر عليها ابن الزبير، و استولى عليها و جلب الغنائم إلى أبي طالوت بالخضارم، حيث وزعت، و قد نصح نجدة الخوارج بأن يردوا العبيد الذين وزعهم عليهم أبو طالوت من قبل إلى الأرض لاستثمارها لصالحهم‏ (1)، أي أنه أبقى الرق و لم يلغه، و بذلك أقر بأن المساواة التي يدعو إليها هي بين الأحرار، و لكنه أراد متباعة سياسة الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في تثبيت ملكية الدولة دون الأفراد، فاستحسن الخوارج هذا الرأي و بايعوه و بايعه أبو طالوت خليفة لهم على ألا يخلع إلّا بجور ظاهر و ذلك في سنة 66 ه (2)، و كان عمره يومئذ 30 سنة (3)، و صار هؤلاء الخوارج يسمون بالنجدات أو النجدية نسبة إلى الرئيس الذي اختاروه‏ (4).

أقام نجدة بعد مبايعته باليمامة أشهرا كثر خلالها اتباعه، و لا بد أن يكون أكثرهم من بكر بن وائل و حنيفة، و هما القبيلتان التي تكونان‏

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. انظر الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 126- 127. الكامل: 4/ 168، 201. ابن خلدون: 3/ 313.

و في رواية أخرى أن القافلة كانت قادمة من البحرين في طريقها إلى مكة. انظر أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 127. الكامل: 4/ 201. ابن خلدون: 3/ 313.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. انظر أيضا الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 127- 128. الكامل: 4/ 201. ابن خلدون: 3/ 313. المبرد:

الكامل في اللغة 3/ 1032- 1033.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 128.

(4) عن النجدات النظر البغدادي: الفرق بين الفرق: 87. ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل: 4/ 190. الإسفراييني: التبصير في الدين، 30. الشهرستاني:

الملل و النحل 1/ 91. فخر الدين الرازي: اعتقادات فرق المسلمين و المشركين/ 47. القلقشندي: صبح الأعشى 2/ 8.

169

أكثر سكان اليمامة، فسرح نصر بن مالك الحنفي مع 300 رجل إلى البحرين، و لكن سعيد بن الحارث الأنصاري عامل البحرين ضد هجومهم، فوجه نجدة حملة أخرى مع قدامة بن المنذر بن النعمان في 300 رجل‏ (1)، و لكن هجوم صبني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة على سوق ذي المجاز بالقرب من عرفة و نهبهم إياه جعلت نجدة يعدل عن مهاجمة البحرين، فكتب إلى قدامة بن المنذر و أبي سعدة العجلي و الذين وجههم إلى البحرين فردهم، و وجه حر بن وائل و قدامة بن المنذر بن النعمان مع 300 رجل إلى بني كعب بن ربيعة و هم بذي المجاز ثم تبعهم نجدة في 400 رجل‏ (2) فالتقوا هناك، فهزمهم نجدة و قتل منهم عددا كبيرا (3)، و كانت العصبية القبلية سببا في اهتمامه بذي المجاز (4)، ثم عاد نجدة إلى اليمامة، و في الطريق انضم إليه عدد كبير من الناس، فكثر اتباعه حتى بلغ عددهم ثلاثة آلاف‏ (5)، فاستخلف باليمامة عمارة بن سلمى‏ (6) من ولد الدول بن حنيفة المشهور بعمارة

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول، 128.

(2) عن النجدات انظر البغدادي: الفرق بين الفرق: 87. ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل: 4/ 190. الاسفراييني: التبصير في الدين، 30. الشهرستاني:

الملل و النحل 1/ 91. فخر الدين الرازي: اعتقادات فرق المسلمين و المشركين/ 47. القلقشندي: صبح الأعشى 2/ 8.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول، 128.

(4) و يقال في 50 رجل. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 129.

(5) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. و انظر الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 131. الكامل: 4/ 202. ابن خلدون: 3/ 313.

(6) في الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 131 «عمارة بن سلم».

170

الطويل‏ (1)، و تقدم سنة 67 ه نحو البحرين، و قد رحب به الأزد و انضموا إليه، أما عبد القيس فلم يذعنوا له و قرروا محاربته، و التقوا معه بالقطيف، و لكنهم انهزموا و قتل منهم جمع كبير، و سبى نجدة من قدر عليه من أهل القطيف‏ (2). و قد أقام نجدة بالقطيف بعد فتحها، و وجه ابنه المطرح ليتعقب فلول المنهزمين من عبد القيس، فالتقى بهم في الثوير (3) و لكن المطرح قتل و جماعة من أصحابه‏ (4)، و في ذلك يقول جمال بن سلمة (5):

إن تقتلونا بالقطيف فإننا* * * قتلناكم يوم الثوير و صحصحا

و إن تقتلوا منا وكيعا و عاصما* * * فإنا قتلنا طارقا و المطرحا

ثم أرسل نجدة أيضا سرية إلى الخط بقيادة داود العكلي‏ (6) فظفر

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6 ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 131.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب، انظر أيضا الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 131- 132. الكامل: 4/ 202. ابن خلدون: 3/ 313، و في ياقوت 4/ 144 «و كان أبو نجدة الحروري أنفذ ابنه المطرح في خيل إلى عبد القيس بالقطيف ليتصدفهم فقتل المطرح في الحرب ثم انتصرت الخوارج عليهم».

و يذكر الذهبي إن فتح نجدة للبحرين كان في سنة 66 ه. تاريخ الإسلام: 1/ 33.

العبر في خبر من غبر: 1/ 74.

(3) الثوير: أبيرق أبيض لبني أبي بكر بن كلاب قريب من سواج من جبال حمى ضرية. ياقوت: 1/ 939- 940.

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. انظر الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 132. الكامل: 4/ 202.

(5) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 132.

(6) نسبة إلى بني عكل بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ابن حزم: جمهرة أنساب العرب: 480.

171

بأهله‏ (1)، و هكذا اتسع سلطانه إلى جزء كبير من البحرين و الخط.

يتبين مما مر أن حركة الخوارج بدأت في اليمامة، و أنها اعتمدت على بكر و حنيفة (2)، و أن أهل البحرين لم يؤيدوا الخوارج في هذه المرحلة مما حمل الخوارج على إخضاعهم بالقوة، كما أن البحرين لم تساهم في الحركة في مراحلها الأولى عندما كانت في اليمامة، و كانت عبد القيس في هذا الوقت معادية لهم، و يرجع ذلك إلى عدة عوامل منها:-

1- الروح المحلية: إذ أن البحرين قاومت بدافع الحفاظ على شخصيتها و استقلالها- محاولات خوارج اليمامة للسيطرة عليها، فإن البحرين كانت وحدة جغرافية تفصلها عن جزيرة العرب رمال الصمان، و كان أهلها أكثرهم من عبد القيس.

2- الروح القبلية: فإن عبد القيس و قامت- بدافع العصبية القبلية- حركة خوارج اليمامة التي اعتمدت على بكر بن وائل و حنيفة.

أما الأزد فقد أيدوا حركة الخوارج في هذه المرحلة مدعين إنكار نجدة الظلم‏ (3)، و لا بد أن هذا كان بسبب الروح القبلية و الرغبة في تحقيق مصالحهم و تقوية مركزهم، إذ كانوا أقلية في البحرين.

و مما ساعد نجدة على فتح البحرين الانقسامات بين أهلها، كما

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 132. الكامل: 4/ 202. ابن خلدون: 3/ 314.

(2) انظر ولهاوزن: أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام- الخوارج و الشيعة: 75.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 131- 132. الكامل: 4/ 202. ابن خلدون: 3/ 313- 314.

172

أن الوضع العام في الدولة الإسلامية كان مساعدا للنجدات لتوسيع نفوذهم، فالانقسامات و المشاكل الداخلية في العراق أضعفت حكومة ابن الزبير، أما الأمويون في الشام فلم يكن يهمهم في هذه الفترة سوى القضاء على حركة ابن الزبير.

الحرب بين نجدة و ابن الزبير:-

هدد هذا النمو في قوة نجدة في الجزيرة العربية مباشرة سلطة عبد الله بن الزبير، و قد حاول حمزة بن عبد الله بن الزبير الذي كان واليا على البصرة من قبل أبيه إخراج نجدة من البحرين، فأرسل ضده عبد الله بن عمير الليثي مع جيش من 14 ألف مقاتل من أهل البصرة سنة 67 ه، و لما اقترب من جيش نجدة اعتزل داود العكلي و جماعة من الخوارج القتال لعوامل لا تذكرها المصادر، و ربما يعود ذلك إلى اختلافهم مع نجدة، و قد ثبت نجدة فيمن بقي معه، و هاجم معسكر ابن عمير على حين غرة فقاتلهم طويلا ثم افترقوا، و أصبح ابن عمير فهاله ما رأى في عسكره من القتلى و الجرحى، فتشاغل و من في عسكره بموتاهم و جرحاهم، فباغتهم نجدة فلم يلبثوا أن انهزموا و غنم ما في عسكرهم‏ (1)، و بذلك اتسع نطاق سلطانه و ازدادت قوته.

و بعد هزيمة ابن عمير و سيطرة نجدة في البحرين بعث جيشا إلى‏

____________

(1) ديوان الفرزدق: 2/ 47 (رواية أبي عبيدة). أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 132. الطبري: 2 ق 2/ 751- 752 (عن المدائني)، و في رواية أخرى أن الموجه للحملة هو مصعب بن الزبير عامل البصرة سنة 69 ه. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 133- 134، اليعقوبي: 2/ 325. الكامل: 4/ 202. ابن خلدون: 3/ 314.

173

عمان بقيادة عطية بن الأسود الحنفي، و كان يحكمها عباد بن عبد الله الجلندي، و أبناه سعيد و سليمان يعشران السفن و يجبيان البلاد، فهاجمها عطية و قتل حاكمها و استولى عليها، و أقام بها أشهرا ثم عاد إلى البحرين تاركا في عمان نائبه أبا القاسم الذي قتله العمانيون‏ (1).

في هذا الوقت اختلف عطية بن الأسود الحنفي مع نجدة (2)، فعاد إلى عمان و لكنه لم يستطع دخولها بسبب مقاومة العمانيين له، فتوجه إلى كرمان حيث حقق نجاحا و ضرب الدراهم العطوية (3)، غير أن المهلب أرسل إليه جيشا فهرب إلى سجستان ثم إلى السند حيث قتله جيش المهلب في قندابيل‏ (4).

إخضاع شمال البحرين:-

و في سنة 68 ه أخضع نجدة المناطق الشمالية من البحرين، و قاتل بني تميم في كاظمة و طويلع و أجبرهم على أن يؤدوا له الصدقة، و بذلك امتد سلطانه إلى أطراف العراق، ثم سار مع قوة صغيرة إلى‏

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 15 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 135. ابن الأثير: الكامل 4/ 203. ابن خلدون: 3/ 314.

(2) عن أسباب الخلاف بين نجدة، و عطية بن الأسود الحنفي انظر الخلاف بين نجدة و أتباعه.

(3) يوجد الآن من نقوده قطع أشارWalker في الجزء الأول من كتابه:A Catalogue of the Muhammedan coins ص 196 إلى محلات وجودها و المقالات التي كتبت عنها، كما و ذكر في صفحة 111 وصف الدرهم العطوي و هو مطبوع على الطراز الساساني و باللغة البهلوية و لكن كتب عليه بالعربية «باسم اللّه ولي الأمر».

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 135. ابن الأثير: الكامل 4/ 203. ابن خلدون: 3/ 314.

و في رواية أخرى أن الخوارج قتلوه. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ، الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 135. الكامل: 4/ 203. و قندابيل مدينة بالسند و هي قصبة لولاية يقال لها السندهة. ياقوت: 4/ 183.

174

صنعاء فدخلها حيث بايعه أهلها خوفا منه، وجبى من مخاليفها الصدقة، و كانت اليمن في حالة ضعف، فمن المعلومات أنها كانت عند ظهور الإسلام مفككة، يسود فيها كثير من الأذواء المتقاتلين، و لما دخلت في حظيرة الإسلام خرج عدد كبير من رجالها مع الجيوش الإسلامية للقيام بالفتوحات التي كانت متجهة نحو الشمال، فأصاب اليمن الإهمال و أدى هذا إلى ضعفها، ثم أرسل نجدة أبا فديك عبد الله بن ثور إلى حضرموت فجبى الصدقات من أهلها أيضا (1).

و في تلك السنة (2) ذهب نجدة مع ما يقرب من ألف‏ (3) من أتباعه إلى مكة للحج‏ (4)، ثم توجه بعد الحج إلى المدينة فاستعد أهلها لقتاله، و كان من بينهم عبد الله بن عمر، فلما كان بنخل‏ (5) و أخبر باستعداد ابن عمر إلى مقاومة الخوارج رجع أدراجه‏ (6)، لأنه أدرك أن خروج عبد الله بن عمر يدل على أنه سيلقي مقاومة من المتدينين‏

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. انظر أيضا الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 136- 137. الكامل: 4/ 203. ابن خلدون: 3/ 314.

(2) في خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 206 أنه حج سنة 66 ه، و يذكر ابن الأثير أنه حج في سنة 69 ه. الكامل: 4/ 203. و في أنساب الأشراف ج 6، ورقة 16 أ.

و في الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 137 أنه حج سنة 70 ه.

(3) في أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. «1600 رجل»، و في الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول:، 13 «2600». و في الكامل: 4/ 203. و ابن خلدون: 3/ 314. «تسعمائة و قيل ألفين».

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 137. اليعقوبي: 2/ 314. الطبري: 2 ق 2/ 781- 783. الكامل: 4/ 203. البداية و النهاية: 8/ 294. ابن خلدون: 3/ 314.

(5) نخل: منزل من منازل بني ثعلبة، من المدينة على مرحلتين. ياقوت: 4/ 768.

(6) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ، الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 137. الكامل: 203- 204. ابن خلدون: 3/ 314.

175

و ذوي المكانة عند المسلمين، و في هذا خطر كبير عليه لأنه سيؤدي إلى إثارة المسلمين ضد الخوارج‏ (1).

ثم توجه نجدة إلى الطائف فبايعه عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي عن قومه، ثم سار إلى تبالة (2) و عاد منها إلى البحرين، و في طريق عودته تحقق نجدة من قوته و سيطرته على تلك المناطق فعين الحاروق الحنفي على الطائف و تبالة و السراة و سعد الطلائع على نجران، و وجه حاجب بن حميصة لجمع صدقات بني هلال و نمير (3).

الخلاف بين نجدة و أتباعه:-

و بالرغم من نجاح نجدة و امتداد نفوذه، فإنه كانت هناك تيارات تعمل لهدم سلطته، فقد دب الخلاف بين نجدة و أتباعه، و يرجع هذا الخلاف إلى عدّة أسباب منها:-

1- عدم المساواة في توزيع الفي‏ء بين أتباعه، فقد وجد سرية برا و أخرى بحرا و فضل الذين بعثهم في البر على الذين بعثهم في البحر في العطاء، فنازعوه على ذلك و بينوا أنه ليس من حقه أن يفضل بعضهم على بعض‏ (4)، و هذا يظهر تزمت الخوارج و تطرف آرائهم،

____________

(1) يري و لهاوزن أن سبب تراجع نجدة يعود إلى أن سائر الخوارج كانوا يوقرون أباه عمر بن الخطاب (رض) توقيرا شديدا. الخوارج و الشيعة: 80.

(2) تبالة: موضع باليمن بينها و بين مكة 52 فرسخا نحو مسيرة ثمانية أيام، و بينها و بين الطائف ستة أيام. ياقوت: 1/ 816- 817.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 137- 139. الكامل: 4/ 203- 204. ابن خلدون: 3/ 314- 315.

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ- 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 142- 143. ابن خلدون: 3/ 315. الفرق بين الفرق: 88.

و في رواية أخرى أنه فضل سرية البحر على سرية البر. انظر الاسفراييني: التبصير في الدين/ 31. الكامل: 4/ 205.

176

و كان له أثر بيّن في تصدع كيانهم و ظهور جبهات المعارضة، و كان نجدة ضحية لذلك، و هذا أيضا كان من أسباب الخلاف بين نجدة و عطية بن الأسود.

2- المراسلة بينه و بين عبد الملك بن مروان، حيث كتب عبد الملك إلى نجدة يدعوه إلى طاعته و بيعته على أن يهدر له ما أصاب من الدماء و الأموال، و أن يوليه اليمامة و ما حولها، و لكن نجدة رفض ذلك، فطعن عليه أصحابه، و كان ذلك من أسباب الخلاف بينه و بين عطية بن الأسود (1).

3- عدم موافقته على معاقبة أحد أتباعه بسبب شرب الخمر بحجة أنه شديد النكاية على العدو، فاتهمه أتباعه بتعطيله الحد في شرب الخمر (2).

4- إرجاعه بنتا لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان كانت قد أسرت في إحدى الغارات فاشتراها نجدة من ابن بحدج الذي كانت في يده وردها إلى عبد الملك بن مروان، فنقم عليه أتباعه لأنه ردّ جارية لهم إلى عدوهم‏ (3).

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ- 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 142- 143. الكامل: 4/ 205. ابن خلدون: 3/ 315. و في الأشعري: مقالات الاسلاميين/ 92. و الشهرستاني: الملل و النحل 1/ 92:

«و كاتب عبد الملك بن مروان فأعطاه الرضا».

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143. الكامل: 4/ 205. مقالات الإسلاميين: 91. الفرق بين الفرق:

89. الملل و النحل: 1/ 92.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 137- 138. اليعقوبي: 2/ 325. الكامل: 4/ 204. الفرق بين الفرق:

88. التبصير في الدين: 31.

177

5- و كلم نجدة في رجل فأعطاه فرسا فاتهموه بأنه يعطي على الشفاعة، و هذا أيضا كان من عوامل الاختلاف بين نجدة و عطية بن الأسود (1).

6- و من أسباب النقمة عليه أنه أعذر أهل الخطأ في الاجتهاد بالجهالات، إذ أنه بعث قوة إلى القطيف بقيادة ابنه المطرح، فغنموا و سبوا، فأخذوا عدة من نسائهم فقوموا كل واحدة منهن بقيمة على أنفسهم، و اتفقوا إن صارت قيمهن من حصتهم فهو ما أرادوه و إلا فإنهم يؤدون الفصل، و أخذوا من الغنائم قبل أن تقسم، فلما رجعوا و أخبروا نجدة بذلك بين لهم أن ذلك لا يحق لهم فأخبروه أنهم كانوا لا يعرفون أن ذلك لا يحق لهم، فعذرهم نجدة بجهالتهم‏ (2).

7- و لما وافى مالك بن مسمع ثاج يوم الجفرة (3)، كتب هميان بن عدي السدوسي إلى نجدة، و هو خليفة على البحرين «أنه قد ورد علينا قوم لهم شرف و قيم لو قدموا على أبي بكر و عمر لعرفا مكانهم فإن رأيت إن أعطيهم من سهم المؤلفة قلوبهم فعلت، فكتب إليه نجدة: ليس في عطية المؤلفة وقت معلوم، فأعطهم ما ترى أن يحل أن يعطي مثلهم» (4)، فأعطاهم هميان كل ما كان في بيت المال‏ (5)، و يقدر ما أعطى مالك بن‏

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 142- 143.

(2) مقالات الإسلاميين: 90. الفرق بين الفرق: 88- 89. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/ 8.

(3) عن يوم الجفرة انظر البلاذري: أنساب الأشراف، ج 4 ق 2/ 155 و ما بعدها.

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. انظر الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 146- 147.

(5) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 147.

178

مسمع بعشرة آلاف درهم‏ (1)، فنقموا عليه لأنه يمنع المال عن ذوي الحاجة منهم‏ (2)، و هذا يظهر تمسك الخوارج بمبدأ المساواة.

إن أكثر الاتهامات التي وجهت إلى نجدة فردية، و هي إن صحت، حجج ظاهرية، و لكنها تخفي وراءها شعورا متناميا ضده يعمل على هدم سلطته و التخلص منه، و لا بد أن يكون للتعصب القبلي بين قيس بن ثعلبة و حنيفة أثر بيّن في ذلك، إذ أن أبا فديك عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة لعب دورا رئيسا في خلع نجدة و قتله، و كان الهدف الرئيسي لبني قيس بن ثعلبة من ذلك قيادة الحركة و نقل مركزها إلى البحرين حيث كان معظمهم يقطن هناك، و هذا يظهر لنا الدور الذي لعبته البحرين في توجيه الخلافات بين خوارج اليمامة، و قد تحقق بالفعل ما كان يصبو إليه بنو قيس بن ثعلبة، حيث تولى أبو فديك زعامة الخوارج، و نقل مركزه إلى البحرين، كما أن الموالي لعبوا دورا مهما في الخلافات بين نجدة و أتباعه، و ذلك للسيطرة على حركة الخوارج و توجيهها لصالحهم‏ (3).

و قد استتابه أكثر أتباعه فاعلن توبته، ثم أن طائفة رأوا أن استتابته خطأ لأنه أمام و له الاجتهاد، و لا يحق لهم استتابته و طلبوا منه أن يتوب من توبته و أن يستتب الذين استتابوه و إلا نابذوه، ففعل ذلك فافترق عليه أصحابه‏ (4).

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143. اليعقوبي: 2/ 325.

(2) مقالات الإسلاميين: 92.

(3) انظر التفصيلات في «خلع نجدة و مقتله و مبايعة أبي فديك».

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143. الكامل: 4/ 205. مقالات الإسلاميين: 92. التبصير في الدين:

31. الملل و النحل: 1/ 92.

179

و قد استغل أعداء الخوارج الخلاف بين نجدة و أتباعه و ما نتج عنه من ضعف و انقسام في صفوفهم، فثاروا على عماله، فقد ثار أهل الطائف على عامله الحاروق الحنفي فهرب، ثم قتله في عقبة (1) عبد الله بن النعمان الدوسي رئيس أزد السراة، كما أن سعد الطلائع عامله على نجران، قتله ناجية الجرمي بعد أن منعه الصدقة (2).

عزل نجدة و مقتله و مبايعة أبي فديك:-

و قد أدت الخلافات بين نجدة و أتباعه إلى خلعه، و ولوا أمرهم أحد الموالي و ثابت التمار، مما يدل على تأثير الموالي القوى في حركة الخوارج، و محاولتهم قيادتها، و لكن سرعان ما تبينوا أنه لا بد لمن يكون أميرهم أن يكون عربيا خالصا، فأظهروا أن شعورهم القبلي أقوى من عقيدتهم الخارجية، و الواقع أن الخوارج في هذه الفترة التي تميزت بالتعصب القبلي لا يمكن أن يبايعوا بالأمرة عليهم رجلا من الموالي و معظمهم من العرب، و قد طلبوا من ثابت التمار أن يختار لهم خليفة، فاختار زوج أخته أبا فديك عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة فنال البيعة (3).

____________

(1) عقبة: منزل في طريق مكة بعد واقصة و هو ماء لبني عكرمة بن بكر بن وائل.

ياقوت: 3/ 692.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول. 140- 141 الكامل: 4/ 205.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب، 37 ب. انظر أيضا الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143. اليعقوبي: 2/ 325- 326. الكامل: 4/ 205.

مقالات الإسلاميين: 92. الفرق بين الفرق: 89. التبصير في الدين: 30- 31.

الملل و النحل: 1/ 92. و لهاوزن: الخوارج و الشيعة/ 83. و في رواية أخرى أنهم عهدوا إلى نجدة ليختار لهم إماما فاختار أبا فديك. انظر الفرق بين الفرق: 89.

ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/ 8.

180

ثم خشى نجدة من أبي فديك فاختفى في إحدى قرى حجر، و نزل أبو فديك باباض و برى‏ء أصحابه من نجدة، و شعر أبو فديك بضرورة التخلص من نجدة و قتله لأن بقاءه مصدر خطر عليه‏ (1)، فأرسل جماعة من أتباعه في طلب نجدة (2)، كما أرصد جائزة عشرة آلاف درهم لمن يدلهم عليه، و أن أي مملوك يدلهم عليه فهو حر (3)، ففر نجدة إلى أخواله بني تميم و استخفى عندهم، ثم أراد اللجوء إلى عبد الملك و مبايعته، و لكنه قتل سنة 72 ه، و تولى قتله جماعة من أصحاب أبي فديك فيهم أبو طالوت و ثابت التمار (4).

و قد أثار قتل نجدة جماعة من أصحاب أبي فديك ففارقوه، ثم طعنه أحد أتباعه مسلم بن جبير بسكين، و لكنه برى‏ء، و قد قتل المعتدي و هو حجازي كان قد انضم إلى الخوارج و استقر باليمامة (5).

و قد سار أبو فديك من اليمامة إلى البحرين و جعل مقره في‏

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143- 144. الكامل: 4/ 205- 206. ابن خلدون: 3/ 315.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143. الكامل: 4/ 206.

(3) البغدادي: الفرق بين الفرق/ 90.

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. انظر الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 143- 145. الطبري: 2 ق 2/ 829. الكامل: 4/ 325.

الذهبي: تاريخ الإسلام 3/ 111. العبر في خبر من غبر: 1/ 77. البداية و النهاية:

8/ 324. ابن خلدون: 3/ 315. مقالات الإسلاميين: 92. الفرق بين الفرق: 90.

التبصير في الدين: 31. الملل و النحل: 1/ 92. و في رواية أخرى أنه قتل عام 70 ه. خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 263- 264. و يذكر الذهبي أنه قتل عام 69 ه.

العبر في خبر من غبر: 1/ 77.

(5) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 16 ب. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 147. الكامل: 4/ 206. ابن خلدون: 3/ 316.

181

جواثا (1)، في سنة 72 ه (2) و ذلك بعد حادث الاعتداء على حياته و خوفا من بني حنيفة الذين كانوا يؤيدون نجدة بن عامر الحنفي و الذي قتله أبو فديك‏ (3).

و قد حاول مصعب بن الزبير و كان يلي العراق لأخيه عبد الله أن يضع حدا لنشاط الخوارج في البحرين، مستفيدا من الخلاف الذي دب بين الخوارج و أدى إلى قتل نجدة و مجي‏ء أبي فديك، لذلك أرسل سنة 72 ه جيشا من أهل البصرة بقيادة محمد بن عبد الرحمن بن الاسكاف ضدهم‏ (4)، و لكن أبا فديك هزمهم‏ (5)، ثم هزم جيشا آخر من أهل البحرين و البصرة أرسله المصعب بقيادة زياد بن القرشي‏ (6).

و لما قتل المصعب و استعاد الأمويون سيطرتهم على العراق، اهتموا بأمر الخوارج و عملوا على القضاء على حركاتهم، ففي سنة 73 ه (7) أرسل خالد بن عبد الله بن أسيد، و كان واليا على البصرة لعبد الملك، جيشا بقيادة أخيه أمية بن عبد الله عدته 12 ألف ضد

____________

(1) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 264. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 37 ب.

الطبري: 2 ق 2/ 829. الكامل: 4/ 345. الذهبي: تاريخ الإسلام/ 3/ 111. ابن كثير: البداية و النهاية 8/ 324.

(2) في رواية أخرى في سنة 71 ه. خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 264. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 1/ 186- 187.

(3) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 37 ب.

(4) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 264. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 37 ب.

الذهبي: تاريخ الإسلام 3/ 107. النجوم الزاهرة: 1/ 186- 187.

(5) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 264. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 37 ب- 38 أ.

(6) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 38 أ.

(7) في رواية أخرى أن الحملة كانت في سنة 72 ه. الطبري: 2 ق 2/ 829.

الكامل: 4/ 345. الذهبي: تاريخ الإسلام 3/ 311. البداية و النهاية: 8/ 348.

182

أبي فديك الذي كان عدد أتباعه 700، و لكن أمية و جيشه وقعوا في كمين أعده أبو فديك فتشتتوا (1).

ثم أرسل عبد الملك بن مروان حملة أخرى من أهل الشام يقودها عمر بن عبيد الله بن معمر ضد أبي فديك‏ (2)، و ضم إليه من أهل الكوفة حوالي ثمانية آلاف رجل‏ (3) و وضعهم تحت قيادة محمد بن موسى بن طلحة و أمرهم بالتوجه إلى البصرة، ثم تبعهم إلى البصرة حيث جمع ثلاثة عشر (4) ألف رجل تحت قيادة ابن أخيه عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، و قد جعل عمر أهل الكوفة على الميمنة، و أهل البصرة في الميسرة، و خيله في القلب، و تقدم سالكا الطريق الصحراوي حتى وصل هجر و نزل في خندق في جواثا، و كان أبو فديك في المشقر مع اثنى عشر ألف من أتباعه، منهم عدد كبير من الأعراب الذين انضموا إليه بعد هزيمة أمية بن خالد- طمعا في الغنائم- و قد تفرقوا عنه، فلم يبق معه إلا حوالي ألف رجل اشتبكوا مع جيش عمر بن عبيد الله في المشقر، و في معركة استمرت خمسة أيام كانت كفة أبي فديك هي الراجحة في البداية، و لكن شجاعة

____________

(1) البلاذري: أنساب الأشراف 4 ق 2/ 152- 153، 164، ج 5، ورقة 10 أ، ج 6، ورقة 37 ب- 38 أ. الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول: 17- 18. اليعقوبي: التاريخ 2/ 325- 326. الطبري: 2 ق 2/ 829. الكامل: 4/ 345. تاريخ الإسلام: 3/ 111. البداية و النهاية: 8/ 324. العقد الفريد: 1/ 142- 143، 4/ 47. النويري: نهاية الارب 3/ 351. ياقوت: 4/ 492- 493 «مادة مرداء».

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 38 أ. انظر أيضا الطبري: 2 ق 2/ 852.

الكامل: 4/ 362. تاريخ الإسلام: 3/ 115- 116. ابن خلدون 3/ 322.

(3) في الطبري: 2 ق 2/ 852 عشرة آلاف. و في الكامل: 4/ 362. ابن خلدون: 3/ 322 عشرة آلاف من البصرة و الكوفة.

(4) في الطبري: 2 ق 2/ 852 و تاريخ الإسلام: 3/ 115- 116 عشرة آلاف.

183

و خبرة عمر غيرت الموقف و قتل أبو فديك و أخذ رأسه إلى الخليفة، و قد طورد أتباعه و حصروا في المشقر، فقتل الموالي بينما أطلق العرب‏ (1)، و ذلك في سنة 74 ه (2)، و هكذا انتهت سيطرت النجدات في البحرين.

و لما انتقلت حركة الخوارج إلى البحرين انضم إليها بنو عبد القيس، و ساهموا مساهمة فعالة في الحركات المتأخرة، فجميع الثورات في تلك الفترة قام بها رجال من عبد القيس، و قد حملت ثورات الخوارج المتكررة من عبد القيس في البحرين الحجاج على أخذ جماعة من زعمائهم حيث عاقبهم بشدة أما بقطع أعضائهم أو بسجنهم‏ (3)، ففي سنة 78 ه ثار في البحرين بنو محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أقصى بن عبد القيس، و قد طلب محمد بن صعصعة الكلابي والي البحرين المساعدة من الحجاج الذي كانت قواته من مقاتلة البصرة و الكوفة مشغولة في محاربة الأزارقة بقيادة المهلب، لذلك سأل الخليفة أن يأمر إبراهيم بن عربي والي اليمامة لمحاربة الخوارج، فتقدم إبراهيم و هزم الثوار و رجع إلى اليمامة (4).

و في السنة التالية «79 ه» ثار الريان النكري‏ (5) ..........

____________

(1) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 38 ب- 39 أ. اليعقوبي: 2/ 326. الطبري: 2 ق 2/ 852- 853. الكامل: 4/ 362. تاريخ الإسلام: 3/ 115- 116. ابن خلدون: 3/ 322. الفرق بين الفرق: 90. التبصير في الدين: 31. الملل و النحل:

1/ 92.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 39 أ.

(3) ن. م. ج 6، ورقة 42 أ.

(4) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 42 أ. و المصادر لا تصرح باسم قائد الثورة.

(5) نسبة إلى نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. انظر الفصل الثاني.

184

بقرية طاب‏ (1) من الخط بالبحرين، ثم انضم إليه ميمون‏ (2) الذي جاء في أصحابه من عمان فنزلوا دارين، ثم تقدم إلى الزارة و الريان أمامه، لذلك استدعي محمد بن صعصعة والي الحجاج على البحرين أهل البحرين لحرب الريان و جماعته، و لكن عبد القيس أيدت الخوارج في هذه الفترة و رفضت طلب الوالي، فأرسل محمد ضد الخوارج جيشا من الأزد بقيادة عبد الله بن عبد الملك العوذي من الأزد، و لكنه هزم و قتل، و لذلك ترك محمد البحرين، و لكن خلافا ظهر بين الريان و ميمون أدى إلى ترك الأخير البحرين بعد أربعين يوما فقط من خروج محمد منها و ذهب إلى عمان، و أقام الريان بالزارة، و لكن محمد مع ذلك لم يحاول الاستفادة من هذا الموقف، فلم يرجع إلى البحرين و يستغل الخلاف بين أعداءه، ثم أرسل الحجاج يزيد بن أبي كبشة مع اثنى عشر ألفا من مقاتلة الشام و قد التقى بالريان الذي كان معه 1500 في ميدان الزارة، فقتل الريان مع عدد كبير من أتباعه سنة 80 ه (3). ثم ثار داود بن محرز (4) أحد عبد القيس و اتخذ القطيف مركزا له، و قد أعانه أهل البحرين على إنزال جثة الريان و أتباعه المصلوبين و دفنوهم، و نجح في إلحاق الهزيمة بجيش أرسل ضده بقيادة أبي البهاء صاحب شرطة القطيف، كما ألحق الهزيمة بعبد الرحمن بن النعمان العوذي من الأزد و كان لهذه الهزيمة أثر كبير في اتفاق الأزد مع سكان القطيف ضد داود و عبد القيس، و بهذه المحالفة هزم داود و أتباعه و قتلوا.

____________

(1) في أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 42 أ. «على فراسخ من معوق الخط».

(2) لا تذكر المصادر من هو ميمون و من هم أتباعه.

(3) خليفة بن خياط/ التاريخ/ 1/ 276- 278، 300. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 42 أ. الذهبي/ تاريخ الإسلام/ 3/ 126- 128. النجوم الزاهرة: 1/ 199.

(4) يذكر خليفة بن خياط أنه داود بن عامر بن الحارث. التاريخ: 1/ 378.

185

و في سنة 86 ه (1) ثار بالبحرين مسعود بن أبي زينب المحاربي من عبد القيس‏ (2) فهرب عاملها الأشعث بن عبد الله بن الجارود من البحرين و سيطر مسعود قرابة 19 سنة، و قام بقتل كل من عبد الرحمن بن النعمان العوذي و منصور بن أبي رجاء العوذي الأزديين‏ (3)، و قام بغزو اليمامة فخرج و اليها سفيان بن عمرو العقيلي مع بني حنيفة لقتال مسعود فالتقوا بالخضرمة (4) فقتل مسعود (5)، فتولى قيادتهم هلال بن مدلج فقتل الكثير من الخوارج و تفرقوا و بقي مع نفر يسير فدخلوا في قصر فتحصنوا فيه، فصعد إليهم بنو حنيفة فقتل هلال و استأمن الباقون‏ (6).

و بعد مقتل مسعود ثار في هجر أخوه سعيد، و لكن خالفه عون بن بشير أحد بني الحارث بن عامر بن حنيفة واحد أتباعه المشهورين و أكفره، فافترق أتباعه فرقتين: فرقة مع سعيد بقيت في هجر، و الأخرى مع عون جعلت القطيف مركزا لها، و قد انحاز إلى عون عدد كبير من الخوارج، و لكن سعيد دبر اغتياله و تخلص منه، أما سعيد فبقي في هجر و لم يعتقل‏ (7). أما جماعة عون فلم تتوفر لدينا

____________

(1) في رواية أخرى في سنة 96 ه. خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 324.

(2) في ديوان الفرزدق: 1/ 226. «مولى لعبد القيس».

(3) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 318، 324. أنساب الأشراف: ج 7، ورقة 25 أ.

الكامل: 5/ 119. ياقوت: 1/ 570- 571.

(4) الخضرمة: بلد بأرض اليمامة. ياقوت: 2/ 451.

(5) يقول ياقوت في برقان «موضع قتل فيه مسعود»: 1/ 570- 571، و برقان اليوم في جنوب الكويت و هو من حقول الزيت المهمة. مختصر تاريخ الكويت: 28.

تحفة المستفيد: 1/ 9.

(6) ديوان الفرزدق: 1/ 119، 226، 2/ 50. تاريخ خليفة بن خياط: 1/ 344.

أنساب الأشراف: ج 7، ورقة 25 أ. الكامل: 5/ 118- 119. ياقوت: 1/ 570- 571.

(7) أنساب الأشراف: ج 7، ورقة 25 أ.

186

معلومات عما حلّ بهم بعد مقتله، و لا بد أن تكون العصبية القبلية سببا في الخلاف الذي نشب بينه و بين سعيد، الذي يبدو أن موقفه كان ضعيفا و لم يؤيده الخوارج.

و قد امتد نشاط خوارج البحرين في عهد عبد الملك إلى البصرة أيضا، و لا بد أن يكون هذا دليلا على شعورهم بأن أوضاع البصرة تلائمهم، و بأن لهم من يسندهم و يعطف عليهم، و لعل للشعور القبلي أثر في ذلك، إذ أن البعض من عبد القيس كانوا يقطنون البصرة، هذا فضلا عن قربها من البحرين، فقد قام عدد منهم بإشعال ثورات خارجية فيها، و منها الثورة التي قام بها سنة 78 ه خارجي من عبد القيس يدعى أبو معبد الشني‏ (1)، و قد جاء من البحرين و اتخذ مركزه في موقوع قرب البصرة، غير أن الحكم بن أيوب و كان على الشرط في البصرة قضى عليه و شتت أصحابه‏ (2).

و في سنة 86 ه (3) ثار في البصرة داود بن النعمان أحد بني أنمار بن وديعة بن عبد القيس، و قد قدم إليها من البحرين و جعل موقوع أيضا مركزا لثورته، ثم ذهب إلى البصرة مع أربعين رجلا فانضم إليه عدد من خوارجها، إلا أن الحكم بن أيوب استطاع التغلب عليه و قتله مع عدد من أتباعه بعد مقاومة عنيفة (4).

____________

(1) في ياقوت: 4/ 688 أبو سعيد المثنى الخارجي العبدي.

(2) أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 41 ب- 42 أ. اليعقوبي: 2/ 328- 329.

ياقوت: 4/ 688. و في رواية أخرى أنه ثار في عهد الوليد بن عبد الملك. انظر أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 42 أ.

(3) يذكر خليفة بن خياط أن داود بن النعمان ثار في سنة 75 ه. التاريخ: 1/ 269.

(4) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 269- 270. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 42 أ- 42 ب. و في رواية أخرى أن الحكم بن أيوب وجه إليه عباد بن الحصين فقتله.

خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 269- 270. و يذكر البلاذري أن داود قتل في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 87 ه. أنساب الأشراف: ج 6، ورقة 42 ب.

187

يتبين مما مرّ أن عبد القيس انضمت إلى حركة الخوارج عندما انتقلت إلى البحرين، و أنهم ساهموا مساهمة فعالة في حركات الخوارج المتأخرة و قاتلوا في صفوفهم. أما دوافع انضمام عبد القيس إلى الخوارج في هذه المرحلة فهي:

1- الروح المحلية (العصبية الاقليمية): إذ أن البحرين أخذت بعد الفتح الإسلامي تفقد مركزها التجاري المهم، و لم تعد سلع الهند و الشرق الأوسط تفرغ في موانئها، كما أنها لم تعد قاعدة لفتوح فارس و جنوب إيران، حيث أن البصرة احتلت تلك المكانة (1)، و قد أدى ذلك إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في البحرين.

2- الروح القبلية (العصبية القبلية): نظرا لما للبحرين من حضارة، و شعور عبد القيس بالمخاطر التي تهددهم من جراء كساد تجارتهم، و عدم حصولهم على العطاء حيث إن الأموال كانت ترسل إلى البصرة التي توزع العطاء على مقاتلتها، هذه الأمور مجتمعة جعلت عبد القيس تتماسك و تنضم إلى الخوارج للثورة على الحكم الأموي، و لا بد أن بعضهم كانوا نصارى أو أعراب لم يمس الإسلام إلا ظاهرهم.

3- الشعور الديني: اصطبغت جميع الفرق الإسلامية السياسية بصبغة دينية، و عندما أظهر الخوارج تمسكهم بالعقيدة الدينية انضم إليهم عدد كبير من عبد القيس الساخطين على الحكم الأموي لتقويض دعائمه و إقامة الحكم العادل.

4- الاستياء من الحكم المركزي: إذ أن حركة الخوارج تعطيهم‏

____________

(1) انظر الفصل الرابع و السادس.

188

حرية التصرف في بلادهم بحيث لا يخضعون لسلطان يفرض عليهم.

5- و لا ريب أن عددا آخر من عبد القيس انضموا إلى الخوارج طمعا في الحصول على الغنائم.

أما الأزد فقد وقفوا ضد الخوارج في الحركات المتأخرة و قاوموا في كثير من الأحيان تلك الثورات، كما حدث في ثورة الريان النكري، و ثورة داود بن محرز، و لا بد أن ذلك راجع إلى العصبية القبلية، التي كانت تدفعهم لاتخاذ مواقف مناقضة لمواقف عبد القيس.

و قد انضم إلى الخوارج عدد من الموالي، و اشتركوا في الثورات التي قامت ضد الحكم الأموي و وصل بعضهم إلى مركز الرئاسة و منهم أبو طالوت سالم بن مطر مولى بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الذي قاد الحركة في مراحلها الأولى في اليمامة، و ثابت التمار الذي اختاره الخوارج رئيسا لهم بعد عزل نجدة بن عامر و لكنه خلع بسرعة، كما قاتلوا مع أبي فديك عبد الله بن ثور في المشقر و قتلوا هناك.

إن القدر اليسير المتوفر لدى من أسماء الموالي لا يمكنني من إعطاء صورة دقيقة عن توزيعهم بين العشائر، خاصة و أن أصل ولائهم متنوع، و لعل العشائر التي اشتركت في الفتوحات الأولى و التي كان لها نصيب أوفر من أسرى الحرب، أصبح لها عدد أكبر من الموالي، و بذلك يمكن القول إن الموالي لم يكونوا موزعين بين العشائر بالتساوي أو وفق خطة معينة، بل كان لبعض العشائر موالي أكثر من غيرها (1).

____________

(1) العلي: التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري:

81، ط 2.

189

[أقسام الموالي:]

و يمكن تقسيم الموالي إلى قسمين:

موالي العتاقة:

و كانوا في الأصل من العبيد إلا أنهم تحرروا من العبودية لأسباب اقتصادية أو دينية، غير أنهم ظلوا بعد العتق مرتبطين بالولاء لعشيرة سيدهم، و بقيت حريتهم مقيدة في بعض الأمور، و قد اشتغل هؤلاء بعد اعتاقهم بمختلف المهن و الأعمال.

[الموالي من الأعاجم:]

و قد ظهر بجانب موالي العتاقة نوع آخر من الموالي من الأعاجم الأحرار الذين قدموا إلى الأمصار لأسباب مختلفة كالتجارة و الصناعة، و ارتبطوا بالعشائر بمحض اختيارهم، و كانت حالة هؤلاء أفضل من موالي العتاقة، كما أن نظرة المجتمع العربي إليهم أفضل من موالي العتاقة.

لقد ضمن الدين الإسلامي المساواة للأعاجم بعد إسلامهم بالعرب المسلمين سواء في الحقوق أو الواجبات، و لكن المجتمع العربي و الدولة الأموية لم يعيروا هذه المساواة أهمية، فكان العرب ينظرون إليهم بازدراء، و لم يقبل العربي أن يتزوج المولى امرأة عربية، و لا يمكن للمولى أن يشغل بعض المناصب الهامة كالقضاء و قيادة الجيش، يضاف إلى ذلك أن معظم الموالي لم يكونوا يأخذون العطاء، و إذا كان فيهم من يأخذ العطاء كما كانت الحالة في الأزمنة القديمة فإن عطاءهم لم يكن مساويا للعرب‏ (1).

و الخلاصة فإن معاملة الدولة الأموية و المجتمع العربي للموالي كانت سيئة، و لم تكن لهم أية حقوق سياسية، كما أن حالتهم‏

____________

(1) انظر التفصيلات في كتاب: التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري للدكتور صالح أحمد العلي: 77- 102 (فصل الأعاجم)، ط 2.

190

الاجتماعية و الاقتصادية كانت رديئة.

و لا ريب أن الموالي أرادوا أن يبدلوا أوضاعهم السيئة، و قد وجدوا في الدين الإسلامي سندا لدعواهم في المساواة الكاملة مع العرب، فانضم عدد غير قليل منهم إلى الخوارج الذين أعطوهم بعض الأمل بما كانوا ينادونه من مساواة بين المسلمين، و كانوا يعطونهم العطاء (1).

إن انتهاء سيطرة النجدات في البحرين لم يؤثر على قوة الخوارج فيها، إذ أن حركاتهم المتأخرة كانت قوية جدا، و امتازت حروبهم بعنف لا نجده عند غيرهم، و يرجع ذلك إلى قوة الإيمان التي امتازوا بها، و إلى شباب القائمين بالأمر، فكثيرا ما كان قوادهم من الشباب، و مما يدل على قوة الخوارج في البحرين، و تأييد عبد القيس الكامل للحركة هو فشل جميع محاولات الولاة في القضاء عليهم، و أن الجيوش التي تولت القضاء على ثوراتهم كانت تأتي من خارج البحرين.

إن معظم ثورات و حركات الخوارج المتأخرة في البحرين لم تنجح و قضي عليها بشدة، و يرجع ذلك إلى عدة أسباب منها قوة الدولة الأموية، كما أن تلك الحركات كان ينقصها التخطيط و التنسيق و التروي.

____________

(1) يقول المبرد «و ذلك الرجل من مجوس كانوا أسلموا و لحقوا بالخوارج ففرض لكل واحد منهم خمسمائة». الكامل في اللغة: 3/ 1108.

191

الملاحق‏

192

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

193

الملحق الأول رسائل الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى البحرين‏

[كتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المنذر بن ساوى العبدي‏]

يروي الواقدي بسند عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أنه قال: «بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين و كتب إليه كتابا فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه إلى المنذر بن ساوى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك إلى الإسلام، فأسلم تسلم، أسلم يجعل اللّه لك ما تحت يديك، و اعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف و الحافر» (1). و قد أجاب المنذر بن ساوى الرسول بإسلامه و تصديقه «و إني قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم من أحب الإسلام و أعجبه و دخل فيه، و منهم من كرهه، و بأرضي مجوس و يهود فأحدث إليّ في ذلك أمرك» (2).

____________

(1) الزيلعي: نصب الراية لأحاديث الهداية/ 4/ 419- 420.

(2) ابن سعد: 1 ق 2/ 19. و هناك روايات أخرى بنفس المعنى مصح اختلاف بالنص و التفصيل، انظر ابن سيد الناس/ عيون الأثر/ 2/ 267، زاد المعاد/ 3/ 61، الزيلعي/ نصب الراية/ 4/ 420، تاريخ الخميس/ 2/ 116، الحلبي/ السيرة الحلبية/ 3/ 284، دحلان/ السيرة النبوية/ 2/ 198.

194

ثم كتب الرسول إلى المنذر بن ساوى كتابا آخر هذا نصه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه إلى المنذر بن ساوى.

سلام اللّه عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إلا إلا هو، أما بعد فمن استقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما لنا.

و عليه ما علينا، و من لم يفعل فعليه دينار من قيمة المعافري‏ (1)، و السلام و رحمة اللّه، يغفر اللّه لك» (2).

و بعث الرسول بكتاب آخر إلى المنذر بن ساوى هذا نصه‏ (3).

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه إلى المنذر بن ساوى.

سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه‏ (4)، الذي لا إله إلا هو،

____________

(1) المعافرية: نوع من البرود اليمانية، يقول الأزهري «برد معافري منسوب إلى معافر اليمن ثم صار اسما لها بغير نسبة» تهذيب اللغة/ 2/ 353، انظر أيضا ياقوت/ 4/ 570، لسان العرب/ 4/ 590 «مادة عفر».

(2) أبو يوسف/ الخراج/ 131، «و توجد روايات أخرى بنفس المعنى مع اختلاف في النص و التفصيل». انظر ... أبو يوسف/ الخراج 131، أبو عبيد/ الأموال/ 20، ابن سعد/ 1 ق 2/ 19، فتوح/ 80- 81 الطبري/ 1 ق 3/ 1600، أسد الغابة/ 4/ 417، صبح الأعشى/ 6/ 376، الزرقاني/ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية/ 3/ 352.

(3) عيون الأثر/ 2/ 267، انظر/ ابن سعد/ 1 ق 2/ 19 يذكره مختصرا ابن قيم الجوزية/ زاد المعاد/ 3/ 61- 62، السيرة الحلبية/ 3/ 283، دحلان/ السيرة النبوية/ 2/ 198، نصب الراية/ 4/ 420، نقلا عن السهيلي، تاريخ الخميس/ 2/ 116، الزرقاني/ 3/ 351- 352.

(4) في الحلبي: السيرة الحلبية/ 3/ 384 ... فإني أحمد اللّه إليك.

195

و أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله‏ (1)، أما بعد فإني أذكرك‏ (2) اللّه، عز و جل‏ (3)، فإنه من ينصح فإنما (4) ينصح لنفسه، و أنه من يطع رسلي و يتبع أمرهم فقد أطاعني، و من نصح لهم فقد نصح لي، و أن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، و أني قد (5) شفعتك في قومك، فأترك للمسلمين ما أسلموا عليه، و عفوت عن أهل الذنوب، فأقبل منهم‏ (6)، و أنك‏ (7) مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك‏ (8)، و من أقام على يهوديته أو مجوسيته‏ (9)، فعليه الجزية» (10).

____________

(1) في الزرقاني/ 30/ 351، دحلان/ السيرة النبوية/ 2/ 198 ... و إن محمدا رسول اللّه.

(2) في الزيلعي: نصب الراية/ 4/ 420 ... فإني أذكر اللّه.

(3) في دحلان: السيرة النبوية/ 2/ 198. فإني أذكرك اللّه فإنه.

(4) في أن قيم الجوزية: زاد العاد/ 3/ 61 فإنه من ينصح إنما.

(5) في الزيلعي: نصب الراية/ 4/ 420 و إني شفعتك.

(6) في دحلان/ السيرة النبوية/ 2/ 198 و عفوت عن أهل الذنوب و أنك مهما تصلح.

(7) في ابن سعد: الطبقات/ 1 ق 2/ 19، النويري/ 18/ 167 ... أنك.

(8) في القلقشندي/ 6/ 368 ... فلن نعزلك و من أقام ...

(9) في ابن سعد: 1 ق 2/ 19، النويري/ 18/ 167، ابن قيم الجوزية/ زاد المعاد/ 3/ 62، و الزيلعي/ نصب الراية/ 4/ 420، و من أقام على يهودية أو مجوسية، و في القلقشندي: 6/ 368 و من أقام على مجوسيته، و في تاريخ الخميس: 2/ 116 أن من ثبت على المجوسية.

(10) في النويري: 18/ 167 فعليه الجزية و بألا تنكح نساؤهم و لا تؤكل ذبائحهم، و في تاريخ الخميس/ 2/ 116 خذ منه الجزية و لا يناكحهم المسلمون و لا يأكلون ذبائحهم، و في دحلان: السيرة النبوية: 2/ 198 في رواية كتب إليه أن «أعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أخذت منهم الجزية على أن لا تنكح نساؤهم و لا تؤكل ذبائحهم».

196

كتاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى اسيبخت بن عبد الله مرزبان هجر:

يروي البلاذري أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى أسيبخت مرزبان هجر حين كتب إلى المنذر بن ساوى يدعوه إلى الإسلام أو الجزية (1)، أما نص الكتاب فلم نعثر عليه في المصادر، و يروي ابن سعد كتابا للرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أسيبخت يظهر من فحواه أنه ليس الكتاب الأول و هذا نصه «إلى أسيبخت بن عبد الله صاحب هجر: أنه قد جاءني الأقرع بكتابك و شفاعتك لقومك، و أني قد شفعتك و صدقت رسولك الأقرع في قومك، فأبشر فيما سألتني و طلبتني بالذي تحب، و لكني نظرت أن أعلمه و تلقاني، فإن تجئنا أكرمك، و أن تقعد أكرمك، أما بعد فأني لا أستهدي أحدا و أن تهد إليّ أقبل هديتك، و قد حمد عما لي مكانك، و أوصيك بأحسن الذي أنت عليه من الصلاة و الزكاة و قراية المؤمنين، و أني قد سميت قومك بني عبد الله فمرهم بالصلاة و بأحسن العمل و أبشر، و السلام عليك و على قومك المؤمنين» (2).

كتاب (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الهلال صاحب البحرين:-

يروي ابن سعد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى الهلال صاحب البحرين كتابا هذا نصه «سلم أنت، فأني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو لا شريك له، و أدعوك إلى اللّه وحده، تؤمن باللّه و تطيع، و تدخل في الجماعة، فإنه خير لك، و السلام على من اتبع الهدى» (3).

____________

(1) البلاذري: فتوح/ 78، انظر أيضا ياقوت/ 1/ 508، ابن حجر/ الإصابة/ 2/ 115.

(2) ابن سعد: الطبقات/ 1 ق 2/ 27.

(3) ابن سعد: 1 ق 2/ 27.

197

كتاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أهل البحرين:-

يروى البلاذري عن عباس بن هشام عن أبيه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال كتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أهل البحرين «أما بعد، فإنكم إذا أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و نصحتم اللّه و رسوله و آتيتم عشر النخل و نصف عشر الحب و لم تمجسوا أولادكم، فلكم ما أسلمتم عليه، غير أن بيت النار للّه و رسوله، و أن أبيتم فعليكم الجزية» (1).

كتاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أهل هجر:-

يروى ابن سلام عن عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى أهل هجر:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب‏ (2) من محمد النبي رسول اللّه‏ (3) إلى أهل هجر.

سلم أنتم، فأني أحمد إليكم اللّه‏ (4)، الذي لا إله إلا هو، أما بعد:

فأني أوصيكم باللّه و بأنفسكم‏ (5)، أن لا تضلوا بعد إذ هديتم‏ (6) و أن لا (7)

____________

(1) البلاذري: فتوح/ 79.

(2) في ابن سعد: 1 ق 2/ 27 ... أما بعد، فتوح/ 79، اليعقوبي: 2/ 89- 90 من محمد ...

(3) في الفتوح/ 79 محمد النبي إلى ... اليعقوبي: 2/ 89- 90 محمد رسول اللّه إلى ...

(4) في اليعقوبي: 2/ 90 أحمد اللّه إليكم.

(5) في اليعقوبي: 2/ 90 و أنفسكم.

(6) في ابن سعد: 1 ق 2/ 7 إن هديتم، و في الفتوح: 79 إذا اهتديتم.

(7) في اليعقوبي: 2/ 90 و لا.

198

تغووا بعد إذ رشدتم‏ (1)، أما بعد (2)، فأني‏ (3) قد جاءني‏ (4) وفدكم فلم آت إليهم‏ (5) إلا ما سرهم و أني لو (6) جهدت حقي فيكم كله‏ (7)، أخرجتكم من هجر، فشفعت غائبكم، و أفضلت على شاهدكم‏ (8)، فأدركوا (9) نعمة اللّه عليكم.

أما بعد: فاني‏ (10) قد أتاني الذي صنعتم‏ (11)، و أنه من يحسن‏ (12) منكم فلا يحمل‏ (13) عليه ذنب السي‏ء، فإذا جاءكم أمرائي‏ (14) فأطيعوهم و أنصروهم على أمر اللّه و في سبيله، فأنه‏ (15) من يعمل منكم عملا صالحا (16)، ................ ..........

____________

(1) في الطبقات: 1 ق 2/ 27 إن رشدتم، و في الفتوح: 79 إذا رشدتم.

(2) في اليعقوبي: 2/ 90 أما بعد ذلكم.

(3) في الطبقات: 1 ق 2/ 27، فتوح: 79، اليعقوبي: 2/ 90 فإنه.

(4) في الفتوح: 79- 80 أما بعد فقد أتاني ... الخ مقدم، و أما بعد فقد جاءني ...

الخ مؤخر.

(5) في اليعقوبي: 2/ 90 آت فيهم.

(6) في الطبقات/ 1 ق 2/ 27 و لو أني ...

(7) في الطبقات: 1 ق 2/ 27 اجتهدت فيكم جهدي كله، و في اليعقوبي: 2/ 90 كله فيكم.

(8) في اليعقوبي: 2/ 90 فشفعت شاهدكم و مننت على غائبكم ...

(9) في الطبقات: 1 ق 2/ 27، الفتوح/ 80 فاذكروا، و في اليعقوبي: 2/ 90 اذكروا.

(10) في الطبقات: 1 ق 2/ 27، الفتوح/ 79، اليعقوبي: 2/ 90 فإنه ...

(11) في اليعقوبي: 2/ 90 ما صنعتم ...

(12) في اليعقوبي: 2/ 90 و أنه من يجلم منكم.

(13) في الطبقات: 1 ق 2/ 27 لا أحمل عليه، و في الفتوح/ 79، اليعقوبي: 2/ 89- 90 لا يحمل عليه.

(14) في اليعقوبي: 2/ 90 أمراؤكم.

(15) في الطبقات: 1 ق 2/ 27 و أنه.

(16) في الطبقات: 1 ق 2/ 27 صالحة.

199

فلن يضل له‏ (1) عند اللّه و لا (2) عندي» (3).

كتاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى عبد القيس:-

يروى ابن سعد عن علي بن محمد عن يزيد بن عياض عن الزهري أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى عبد القيس «من محمد رسول اللّه إلى الأكبر بن عبد القيس: أنهم آمنون بأمان اللّه، و أمان رسوله، على ما أحدثوا في الجاهلية من القحم، و عليهم الوفاء بما عاهدوا، و لهم أن لا يحبسوا عن طريق الميرة، و لا يمنعوا صوب القطر، و لا يحرفوا حريم‏ (4) الثمار عند بلوغه، و العلاء بن الحضرمي آمين رسول اللّه على برها و بحرها و حاضرها و سراياها، و ما خرج منها، و أهل البحرين خفراؤه من الضيم، و أعوانه على الظالم، و أنصاره في الملاحم، عليهم بذلك عهد اللّه و ميثاقه، لا يبدلوا قولا، و لا يريدوا فرقة، و لهم على جند المسلمين الشركة في الفي‏ء، و العدل في الحكم، و القصد في السيرة، حكم لا تبديل له في الفريقين كليهما و اللّه و رسوله يشهد عليهم» (5). و بعث الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) بكتاب آخر إلى عبد القيس هذا نصه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول اللّه لعبد القيس و حاشيتها (6) من‏

____________

(1) في الطبقات: 1 ق 2/ 27 فلن تضل.

(2) في الفتوح: 80 عند اللّه و عندي.

(3) ابن سلام: الأموال: 199- 200، انظر ابن سعد/ الطبقات: 1 ق 2/ 27، البلاذري: فتوح/ 79- 80، اليعقوبي: 2/ 89- 90 و يضيف «أما بعد يا منذر بن سادي فقد حمدك لي رسولي و أنا إن شاء اللّه منيبك على عملك».

(4) لعل الصواب جريم الثمار، و الجرم: القطع أو الصرم. لسان العرب: 12/ 90.

(5) ابن سعد: الطبقات/ 1 ق 2/ 32- 33.

(6) حاشية كل شي‏ء جانبه و طرفه، و تحشى في بني فلان إذا اضطموا عليه و آووه-

200

البحرين و ما حولها، أنكم أتيتموني مسلمين، مؤمنين باللّه و رسوله، و عاهدتم على دينه، فقبلت على أن تطيعوا اللّه و رسوله فيما أحببتم و كرهتم، و تقيموا الصلاة، و تؤدوا الزكاة، و تحجوا البيت، و تصوموا رمضان، و كونوا قائمين للّه بالقسط و لو على أنفسكم، و على أن تؤخذ من حواشي أموال أغنيائكم فترد على فقرائكم، على فريضة اللّه و رسوله في أموال المسلمين‏ (1).

كتاب الرسول إلى مجوس هجر:-

يروى أبو عبيد عن الأشجعي و عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد أنه قال: «كتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قبل منه، و من لا ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة و لا تنكح له امرأة» (2). أما نص كتابة (صلى اللّه عليه و سلم) فيرويه الزيلعي بسنده عن هاشم بن القاسم عن المرجاني رجاء عن سليمان بن حفص عن أبي أياس معاوية بن قرة أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى مجوس هجر «أما بعد من شهد منكم أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله، و استقبل قبلتنا، و أكل ذبيحتنا فله مثل ما لنا، و عليه مثل ما علينا، و من أبى فعليه الجزية، على كل رأس دينار على الذكر و الأنثى، و من أبى فليأذن بحرب من اللّه و رسوله» (3).

____________

- و هؤلاء حاشيته أي فين احيته و ظله. لسان العرب: 14/ 180- 181 و المراد هنا بحاشية عبد القيس الجماعات التي دخلت فيها من قبائل متعددة.

(1) حميد الله الحيدر آبادي/ الوثائق السياسية/ 95.

(2) أبو عبيد: الأموال/ 31، انظر/ ابن سعد/ الطبقات/ 1 ق 2/ 19، البلاذري:

فتوح/ 80، البيهقي/ السنن: 9/ 192، الزرقاني: شرح الزرقاني على المواهب:

3/ 352.

(3) الزيلعي: نصب الراية/ 3/ 447.

201

الملحق الثاني ولاة البحرين في القرن الأول الهجري‏

الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) العامل العلاء بن الحضرمي‏ (1)

أبو بكر الصديق العلاء بن الحضرمي‏ (2)

____________

(1) أبو يوسف: الخراج/ 131، أبو عبيد: الأموال/ 32- 33، البخاري، الجامع الصحيح: 2/ 291- 292، سيرة ابن هشام: 4/ 271، ابن سعد: 4 ق 2/ 77، الاستيعاب 3/ 1085- 1086، أسد الغابة: 4/ 7، الإصابة 2/ 491، خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 62، فتوح/ 81، أنساب الأشراف، 4 ق 2/ 129، ج 5، ورقة 7 ب، الطبري: 1 ق 4/ 1750، الكامل 2/ 301، الذهبي: دول الإسلام 1/ 6، مجهول: تاريخ الخلفاء: 705، الهمداني الإكليل: 2/ 30، ياقوت: 1/ 508- 509، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب: 161، و في رواية أخرى أن النبي عزل العلاء و ولى ابان بن سعيد بن العاص. انظر الشافعي: الام/ 416، ابن سعد/ 4 ق 2/ 77، الاستيعاب 1/ 62، أسد الغابة 1/ 35- 37، خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 62 فتوح/ 81، و يذكر ابن حبيب أن أبان بن سعيد بن العاص كان واليا على الخط و العلاء بن الحضرمي على القطيف. المحبر: 126، انظر أيضا فتوح/ 81، اليعقوبي 2/ 81، ابن حزم: جوامع السيرة: 24، 81، ياقوت 1/ 509.

(2) ابن سعد 4 ق 2/ 77- 78، الاستيعاب 3/ 1085- 1086، أسد الغابة 4/ 7، خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 91، فتوح/ 81، اليعقوبي 2/ 156- 157، الطبري-

202

عمر بن الخطاب العلاء بن الحضرمي‏ (1)

عمر بن الخطاب عياش بن أبي ثور (2)

قدامة بن مظعون‏ (3)

أبو هريرة (4)

____________

- 1 ق 4/ 1880- 1881، 2135- 2136، الكامل: 2/ 346، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب: 461.

(1) ابن سعد: 4 ق 2: 78- 79، خليفة بن خياط/ الطبقات 73، الاستيعاب 4/ 1086، أسد الغابة 4/ 7، الإصابة 2/ 491، فتوح 81- 82، الطبري 1 ق 4/ 2212، الكامل 2/ 449، الذهبي: تاريخ الإسلام 2/ 2، 43، ابن كثير: البداية و النهاية 7/ 50، 120، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 1/ 76، تاريخ الخميس 2/ 183، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب 461، السمعاني: الأنساب 4/ 181، ياقوت 1/ 509.

(2) خليفة بن خياط التاريخ 1/ 128، الاستيعاب 3/ 1230، أسد الغابة 4/ 161.

(3) ابن سعد 5/ 408- 409، البخاري: التاريخ الكبير 1 ق 2/ 235، الاستيعاب:

3/ 1277- 1279، أسد الغابة 4/ 198- 199، الإصابة 3/ 220 «خليفة»:

التاريخ 1/ 128، ابن حبيب: المنمق في أخبار قريش 496- 497 البلاذري:

فتوح/ 81- 82، أنساب الأشراف/ ج 9 ورقة 7 ب- 8 أ، الطبري: 1 ق 5/ 2594، الكامل 2/ 569، البداية و النهاية 7/ 101، الجاحظ: الحيوان 1/ 120- 121، ابن قتيبة: الشعر و الشعراء: 109، البخراي: الصحيح 3/ 67- 68، البيهقي: السنن 8/ 315، الزمخشري: الفائق في غريب الحديث 1/ 404- 405، معجم ما استعجم 1283، ياقوت 1/ 509.

(4) أبو يوسف: الخراج/ 114، ابن سعد: 4 ق 2/ 59- 60، الاستيعاب 4/ 1771 د أسد الغابة 5/ 317، الاصابة 4/ 207، تاريخ خليفة 1/ 128، فتوح: 81- 83، اليعقوبي 2/ 181، الطبري 1 ق 5/ 2594، الكامل 3/ 21 الذهبي: تاريخ الإسلام 2/ 43، 333 البداية و النهاية 7/ 101، 120، 8/ 113، ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/ 53- 54، ابن عبد ربه: العقد الفريد 1/ 45- 46، الثعالبي: لطائف المعارف: 14، الزمخشري: الفائق في غريب الحديث 1/ 84- 85، ياقوت 1/ 509، و في رواية أخرى أن عمر ولاه البحرين و اليمامة. الطبري 1 ق 5/ 2594، البداية و النهاية 7/ 101.

203

عثمان بن عفان الربيع بن زياد الحارثي‏ (1)

عثمان بن أبي العاص‏ (2)

عثمان بن أبي العاص‏ (3)

عبد الله بن سوار العبدي‏ (4)

مروان بن الحكم‏ (5)

____________

(1) المبرد: الكامل في اللغة 1/ 131- 132، العقد الفريد 1/ 14- 15 ابن سعد:

3735، الاستعاب 3/ 1035، 1277، أسد الغابة 3/ 372- 373، خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 104، 128، المحبر: 127، فتوح 81- 82، 431- 432، الدينوري: الأخبار الطوال 140- 141، الطبري 1 ق 5/ 2798، البدء و التاريخ 5/ 184، الكامل 3/ 77، ابن قتيبة المعارف 268- 269، ابن دريد: الاشتقاق/ 302، ابن حزم: جوامع السيرة 349، ياقوت 1/ 509، و تذكر المصادر السابقة أنه ولي البحرين و عمان فسار إلى عمان و وجه أخاه الحكم إلى البحرين، و يذكر البلاذري أن خليفته على عمان و البحرين و هو بفارس أخوه المغيرة. فتوح/ 82، و يذكر الطبري أن عثمان بن أبي العاص ولي البحرين و اليمامة. الطبري: 1 ق 5: 2425- 2426، انظر أيضا الكامل 2/ 508، البداية و النهاية 7/ 61، و يذكر اليعقوبي أن عامل عمر على البحرين عند وفاته الحارث بن أبي العاص الثقفي.

التاريخ 2/ 185- 186.

(2) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 136، أنساب الأشراف ج 8، ورقة 16 أ، الطبري 1 ق 5/ 2832 الكامل 3/ 100، تاريخ الإسلام 2/ 81- 82، ابن خلدون 2/ 1009.

(3) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 159، و في ابن خلدون 2/ 1053- 1054 «عبد الله بن قيس الغزاري».

(4) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 159، تاريخ مجهول 11/ 152.

(5) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 184، أنساب الأشراف ج 2، ورقة 25 ب، اليعقوبي 2/ 236، الطبري: 1 ق 6/ 3101، الكامل: 3/ 221- 222، تاريخ الإسلام 2/ 286- 287، المعارف: 136، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب:-

204

علي بن أبي طالب عمر بن أبي سلمة (1) النعمان بن العجلان الأنصاري‏ (2) قدامة بن العجلان‏ (3) عبيد الله بن العباس‏ (4)

معاوية بن أبي سفيان: الأحوص بن عبد أمية (5) مروان بن الحكم‏ (6)

يزيد بن معاوية سعيد بن الحارث الأنصاري‏ (7) عبد الملك بن مروان ابن أسيد بن الأخنس بن شريق الثقفي‏ (8) سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي‏ (9) موسى بن سنان‏ (10)

____________

- 144، و في الاستيعاب 3/ 1159 «ولي فارس و البحرين»، أسد الغابة 4/ 79، الإصابة 2/ 512- 513.

(1) تاريخ خليفة 1/ 184، أنساب الأشراف ج 2، ورقة 25 ب، اليعقوبي 2/ 236- 237، الطبري: 1 ق 6/ 3101- 3102، الاشتقاق: 461، أسد الغابة 5/ 26، إصابة 3/ 532، و في مجهول: تاريخ الخلفاء 2/ 104 ولي البحرين و عمان.

(2) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 184.

(3) الطبري: 1 ق 5/ 3474.

(4) مصعب الزبيري/ نسب قريش/ 152، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب/ 576، الإصابة: 1/ 36.

(5) ابن قتيبة: المعارف 253، أنساب الأشراف 5/ 126.

(6) مجهول: تاريخ مصنف مجهول 11/ 128.

(7) تاريخ خليفة بن خياط 1/ 299.

(8) ابن سعد: 7 ق 1/ 90، خليفة بن خياط: تاريخ خليفة 1/ 299.

(9) ابن سعد: 7 ق 1: 90، خليف بن خياط: التاريخ 1/ 299.

(10) خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 299.