موسوعة العتبات المقدسة - ج9

- جعفر الخليلي المزيد...
320 /
205

طويل عليها حتى صارت تدعى بالكاظمية و ما زالت تعرف بهذا الأسم، نسبة الى الأمامين المدفونين فيها. و كان بالقرب منها قبر زبيدة أرملة هارون الرشيد، و قبر ابنها الخليفة الأمين، و كان يقع بجوارها كذلك قبرا الأميرين البويهيين معز الدولة المتوفى سنة 356 (967 م) و جلال الدولة المتوفى سنة 435 (1044 م).

اما الأمامان اللذان نسبت اليهما الكاظمية فهما موسى الكاظم حفيد حفيد الحسين بن علي بن أبي طالب، و محمد الجواد أو التقي حفيد موسى الكاظم الذي سبق ذكره. و أولهما هو سابع أئمة الشيعة، و ثانيهما تاسعهم.

و كان مقتل موسى على يد هارون الرشيد سنة 186 (802 م)، و يقال ان محمدا التقي توفي مسموما في سنة 219 (839 م) في عهد خلافة المعتصم. (1)

و قد تذكر الكاظمية أحيانا بانها قائمة في الشونيزية، فتكون مرادفة لمقابر قريش. و يروي الخطيب (مؤرخ بغداد) قائلا «.. سمعت بعض شيوخنا يقول ان مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير.

فقد كان هناك اخوان يقال لكل منهما الشونيزي، و دفن واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين فنسبت المقبرة اليه».

و قد عرفت المقابر الشمالية في بغداد الغربية بعد ذلك بمقابر «باب التبن»، غير انه يظهر من موقع باب التبن ان هذا الأسم كان قد أطلق بوجه الأجمال على القسم الشرقي منها فقط (2).

و لا يعلم من هو الذي قام بتشييد الكاظمية أولا، غير ان ياقوت يصفها في سنة 623 (1226 م) بقوله «.. و هي مقبرة مشهورة و محلة فيها خلق كثير و عليها سور»، و تقع دورها في هذا التاريخ على مسافة من دجلة تقدر بألف ياردة تقريبا. و يروي المؤرخ الايراني حمد اللّه المستوفي الذي‏

____________

(1) راجع ميرة الأمامين في صدر هذا الجزء و في المدخل من موسوعة العتبات المقدسة.

(2) راجع بحث الدكتور مصطفى جواد في اول هذا الجزء

206

جاء بعد ياقوت بقرن، ان الكاظمية كانت بلدة قائمة بنفسها و كان محيطها يقدر بستة الاف خطوة، و كان في وسطها ضريحا الأمامين الكاظمين. و قد أصبحت في عهودها الأولى مركزا للشيعة في أثناء الخلاف الذي حصل بينهم و بين أهل السنة. و في خلال المنازعات التي أعقبت ذلك هوجمت الكاظمية و نهبت، غير ان أمراء آل بويه كانوا من جهة أخرى يقدمون الهدايا لهذه العتبة المقدسة على الدوام. و المقول أن الخليفة الطائع، الذي حكم من 363 الى 381 (974- 991 م)، كان قد أم صلاة الجمعة في جامع الكاظمين أكثر من مرة.

و قد نهبت الكاظمية و أحرقت في سنة 443 (1051 م)، ثم أعيد بناؤها بعد مدة وجيزة لأن الملحوظ ان ملكشاه السلجوقي قد زارها سنة 479

(1089 م)، و ان الرحالة ابن جبير ذكرها باكبار و اجلال خلال وصفه لبغداد. و قد التهبت النار قبة الأمامين سنة 622 (1225 م)، في خلال حكم الخليفة الظاهر القصير الأمد، فبدأ الخليفة بأعادة تعميرها غير ان المنية عاجلته في السنة التالية، فأتم المستنصر الذي تولى الخلافة بعده عمل أبيه.

على أن اعظم ما حل بالكاظمية من نهب و تدمير ما حصل في فتنة سنة 443 (1051 م)، فورد بالمناسبة ذكر قبر زبيدة و قبر ابنها الخليفة الأمين للمرة الأولى بأنهما كانا قائمين فيما يقرب من هاتين التربتين الشيعيتين.

و المعروف ان الأمين، بعد ان قطع رأسه و بعث به الى المأمون في خراسان، قد دفنت جثته فورا في بستان قريب من باب الحديد على خندق طاهر.

و أبعدت زبيدة مع أحفادها أبناء الأمين في أول الأمر، الى الهمانية في منحدر دجلة، و لكنه سمح لهم أخيرا بالعودة الى بغداد حيث توفيت زبيدة سنة 216 (831 م) أي بعد الحصار العظيم بنحو سبع عشرة سنة و قبل وفاة المأمون بسنتين. و قد جاء في الطبري ذكر وفاتها، لكنه لم يتطرق الى موضع دفنها، غير اننا نتذكر ان قطيعة زبيدة التي أقامت حاشيتها فيها، تقع عند

207

باب التبن تماما و تتصل بالكاظمية. و لذلك فمن المرجح ان تكون قد دفنت في هذه المقبرة.

و حدث في سنة 443 (1051 م) خلاف بين السنة و الشيعة في بغداد الغربية، على باب في الكرخ اراد الشيعة نقش كتابة عليها لم يوافق أهل السنة على ما جاء فيها. و قتل زعيمهم خلال النزاع فدفن في اليوم الثاني في مقبرة الشهداء عند قبر ابن حنبل، و تجددت الاضطرابات في هذا اليوم مرة أخرى فقصد أصحابه مشهد الكاظمين و نهبوا ما فيه من قناديل و محاريب ذهب و فضة و ستور و غير ذلك. و لما كان الغد قصدوا المشهد ثانية و أشعلوا النار فيه فاحترقت قبابه‏ (1) المصنوعة من خشب الصاج، و امتد لهيب النار أيضا الى‏

____________

(1) الص 164 من الأصل الانكليزي.

مقبرة الست و زبيدة و هي على مقربة من مدينة الكاظمين.

208

القبرين المجاورين للأميرين البويهيين معز الدولة و جلال الدولة. و حينما استنفدت النار؟؟؟ هذين القبرين التهمت قبر جعفر بن الخليفة المنصور و قبر الأمين مع قبر أمه زبيدة، و كانت الجموع تقوم بأعمال وحشية مرعبة في الوقت نفسه. و يعد ابن الأثير الذي يصف لنا هذا الحادث بأسهاب أول مؤرخ يعين موضع قبر زبيدة، و لما لم يكن هناك سبب يدعونا الى الشك في هذه المعلومات فيمكننا ان نقول ان قبر زبيدة كان موجودا بالقرب من الكاظمين في منتصف القرن الخامس (الحادي عشر الميلادي). و لا ريب في ان ذلك يقضي على الزعم الشائع الآن بأن قبر زبيدة هو البناء الحديث القائم بالقرب من قبر معروف الكرخي على بعد ثلاثة أميال جنوبي الكاظمية ..

و آخر ما يورده لسترنج في هذا الشأن كذلك ما يشير الى وجود قبر مشهور آخر في مقابر قريش، و هو قبر عبد اللّه بن أحمد بن حنبل المتوفى سنة 290 (903 م). فهو يقول ان عبد اللّه هذا كان قد أوصى بأن يدفن هنا أي في المقبرة التي وراء باب التبن و ليس بالقرب من قبر أبيه لأنه كان يقول: (صح عندي ان بالقطيعة نبيا مدفونا، و لأن أكون في جوار نبي أحب الي من ان أكون في جوار أبي.) و على هذا فقد كان قبره ما بين الكاظمية و قطيعة زبيدة، و قد ظل قائما الى حين قيام ياقوت بتدوين كتابه في القرن السابع الهجري (الثالث عشر ميلادي) و لو انه كان متهدما معظمه.

و يشير لسترنج في موضع آخر من كتابه هذا (الفصل الرابع و العشرون) الى ما أصاب المشهد الكاظمي من حريق و تدمير في أثناء استيلاء هولاكو على بغداد. فيقول ان فتح هولاكو لبغداد أعقبه نهبها و أباحتها لمدة أربعين يوما و ان النيران التي اندلعت السنتها بهذه المناسبة التهمت ما جاء أمامها و خربت جامع الخليفة و مشهد الأمام موسى الكاظم، مع قبور الخلفاء في الرصافة.

و في كتابه الآخر (بلدان الخلافة الشرقية) (1) يشير لسترنج كذلك الى ان‏

____________

(1)

Le strange, Guy- The Lauds of the Eastern Caliphate( Cambridje 0391 ).

الص 31.

209

المقابر الشمالية التي كانت تقع ما وراء محلة الحربية من بغداد الغربية في عهد العباسيين، اشتهرت مؤخرا بأسم الكاظمين و سميت بهذا الأسم نسبة الى أثنين من أئمة الشيعة العظام.

و يؤيد ذلك أيضا ما جاء في كتاب (الرافدان) (1) لمؤلفه المستر سيتون لويد، الذي عمل خبيرا لمديرية الآثار القديمة في العراق مدة طويلة من الزمن. فهو يقول بعد الأشارة الى نشوء القسم الشرقي من بغداد في بادى‏ء الأمر، ان مقبرتين قد دشنتا فيها: أحداهما في موقع مقبرة زردشيته قديمة تسمى الأعظمية في يومنا هذا، و الأخرى في شمال المدينة المدورة حيث تحوط جامع الكاظمين اليوم بضريحي أثنين من الأئمة الأثني عشر. ثم يشير الى ان الخليفة المنصور نفسه قضى نحبه بعد الانتهاء من تشييد بغداد، و لئلا يتسنى لأي عدو من أعدائه العبث برفاته في يوم من الايام حفر له مئة قبر ثم دفن سرا في قبر آخر غيرها. و يقول لويد في مناسبة (2) أخرى ان المنصور حينما عزم على أنشاء بغداد انتخب لها بعد مداولات متطاولة مع مشاوريه، و مع الفلاحين النازلين في دورة من دورات دجلة على مقربة من جنوبي الكاظمية الحديثة.

الكاظمية فيما كتبه دونالدسون و ريشارد كوك‏

و يأتي الدكتور دوايت دونالدسون في كتابه (عقيدة الشيعة) (3) الذي سبقت الأشارة اليه بكثرة في هذه الموسوعة، على الكثير مما يلقي الضوء على الكاظمية في بداية عهدها كذلك. فقد زارها مع زوجته في 1928، و هو يقول ان كل‏

____________

(1)

Lioyd, Seton Twin Rivers( Oxford University Press 3491 )

الص 158.

(2) المرجع الاخير، الص 155.

(3)

Donaldson, Dwight MThe Sh`ite Religion, AHistory of Islam in Persia Iraq( London 3391 ).

الفصل 12، الص 198.

210

من يصل الى بغداد من الشمال أو الغرب لا بد من أن يجتذبه منظر المآذن المذهبة الأربع في الكاظمية التي يوجد فيها المشهد الكاظمي المشهور في العالم الأسلامي.

ثم يقول عن المشهد المطهر نفسه ان البنيان بشكله الحالي يرجع بتاريخه الى بداية القرن السادس عشر، و قد أبقي بحالة ممتازة من العمران حتى اليوم. و هو يمثل التجديد الذي كان قد أمر بأجرائه الشاه اسماعيل الصفوي (1502- 1524)، برغم التزيينات التي أدخلها فيه السلطان سليمان القانوني حينما فتح بغداد سنة 1534 و مكث فيها أربعة أشهر قام خلالها بزيارة العتبات الشيعية المقدسة. على أن الألواح او الصفائح الذهب التي كسيت بها القبتان كان قد صرف عليها في 1796 أغا محمد خان أول شاهات الأسرة القاجارية المالكة. و في سنة 1870 أمر ناصر الدين شاه بأصلاح هذه الصفائح في المآذن و أحدى القبتين. و يستد دونالدسون في قوله هذا على ما جاء في دائرة المعارف الاسلامية. (1)

سقف المدخل لضريح الامامين الكاظمين‏

ثم يتابع دونالدسون بحثه في تاريخ المشهد الكاظمي فيقول أنه يحب ان يؤخذ بنظر الاعتبار ان الأمامين الكاظمين المدفونين في هذا المشهد قد توفيا في بداية القرن الثامن للميلاد، و أنه يلاحظ من هذا ان سبع مئة سنة كانت‏

____________

(1)

Gible, H A. R. Kramero, G. H.- Encyclopedia of Islam, art. »Kazimain«.

211

قد مرت على الضريحين المطهرين قبل ان يقوم الشاه اسماعيل الصفوي بتجديدهما. و كان الأمامان (عليهما السّلام) قد عاشا في ايام بغداد الأولى حينما كانت أسوار مدينة المنصور المدورة لا تزال قائمة في الجانب الغربي من دجلة. و كانت هناك مدافن في شمالها و شمالها الغربي تسمى بأسماء مختلفة: مقبرة باب الشام، و مقبرة العباسيين، و مقبرة باب التبن، و قد دفن الأمامان الكاظمان في غرب مقبرة باب التبن مباشرة. و لكن المنطقة الشمالية كلها أصبحت تسمى مقبرة قريش بوجه عام حينما كتب ياقوت كتابه المعروف. هذا و يذكر دونالدسون كذلك ان الشيعة يدعون بأن الأمامين قد قتلا بالسم، بأمر من الخليفتين الحاكمين. لكنه من المهم ان يذكر أيضا بالنسبة لوفاة الأمام الجواد ان مراسيم الدفن و الفاتحة كان قد قرأها على روحه الطاهرة ممثل عن الأسرة المالكة، و هذا من شأنه ان يميز الأمام (عليه السّلام) باعتباره من الشخصيات المهمة. و يستند دونالدسون في روايته هذه على خبر يرويه الكليني في كتابه (اصول الكافي الص 203).

اما ما يختص بزيارة الضريحين المقدسين في المشهد الكاظمي المطهر، و الوقت الذي بدأ فيه الناس بها، فيقول دونالدسون ان المعلومات الوحيدة المتيسرة بشأنها هي ما يروى عن ما قاله الأمام الرضا (عليه السّلام) لأتباعه عن كيفية زيارة قبر والده الأمام الكاظم في الظروف التي كانت السلطات الحكومية في بغداد تمنع الناس فيها عن الزيارة. فقد أشار عليهم بتأدية واجب الزيارة، و الصلاة عليه، من وراء سور المشهد المطهر او في المساجد المجاورة له. و قد أخبرهم أن ذلك يعادل زيارة قبر الأمام الحسين في كربلاء، أو ضريح الأمام علي في النجف. و ما يستنتج من هذا هو ان نوعا من أنواع البناء حول الضريح المطهر كان قائما في ذلك الوقت المبكر من تاريخ المشهد المقدس، و أن سورا كان يقوم من حوله. و المعروف ان هناك رواية مماثلة أخرى تروى عن الأمام علي الهادي الذي بدأت أمامته بعد ذلك، في أواخر

212

خلافة المعتصم. أذ يروى عنه أنه أوصى بالتوصيات التالية من أجل زيارة الضريح المقدس:

«فأذا أردت زيارة قبر موسى بن جعفر و قبر محمد بن علي بن موسى فعليك أولا أن تستحم و تطهر نفسك، و أن تتضمخ بالطيب و تلبس البستك النظيفة، و عليك بعد ذلك ان تقول ما يأتي عند قبر الأمام موسى:

السلام عليك يا صديق اللّه‏

السلام عليك يا دليل اللّه‏

السلام عليك يا نور اللّه‏

ايها النور الذي ينير الظلمة في أنحاء الأرض‏

جئتك زائرا، معترفا بحقك‏

كارها لأعدائك، و مصادقا لأصدقائك‏

فتشفع لي عند ربك.

[كيف كان الوضعية فى زمان البويهيين فى بغداد]

و حينما تسنى للبويهيين ان يأخذوا زمام السلطة في بغداد بأيديهم، أعلنوا اعتبار العشرة الأولى من شهر محرم الحرام من أيام الحزن و الحداد على الحسين (عليه السّلام)، و كثيرا ما كانوا يتحفون المشهد الكاظمي بالهدايا و الهبات.

و يروى عن الخليفة الطائع أنه كان يوم المصلين في جامع الكاظمية أيام الجمع و لذلك يلاحظ ان المشهد الكاظمي قد أصبح له شأن يذكر في ظل البويهيين.

و يقول‏ (1) دونالدسون ان هذه الفترة بالذات ألفت فيها الكتب الشيعية الأربعة، التي تحتوي على معظم عقائد الشيعة و تقاليدهم. فقد توفي الكليني في بغداد سنة 939 م بعد الأنتهاء من تأليف كتابه العظيم (الكافي في أصول الدين). و كان ابن بابويه قد جاء الى بغداد من خراسان في 966 فكرّس وقته كله للكتابة و التعليم، حتى أصبح كتاب (من لا يحضره الفقيه) الذي‏

____________

(1) الص 202.

213

ألفه من أعظم كتب الشيعة في الفقه و العقائد. و بعد ان توفي ابن بابويه بستة عشر عاما قدم الطوسي الى بغداد من خراسان كذلك، و فيها كتب الكتابين الآخرين من كتب الشيعة الكبيرة الأربعة، و هما كتاب (تهذيب الأحكام) و كتاب (الاستبصار).

على ان هذا الدور الذي استطاع فيه الشيعة ان يمارسوا عباداتهم و طقوسهم بحرية، تحت ظل البويهيين، لم يمر بسلام عليهم في بغداد. فقد هوجموا سنة 1051 في الكرخ، و هوجم المشهد الكاظمي فنهب و أحرق كما مر ذكره فيما كتبه لسترنج عن الموضوع. لكن هذا الحادث الأليم لم يمر عليه سوى مدة وجيزة حتى حل سلاطين الأتراك السلجوقيين في محل البويهيين الفرس في الاستئثار بالسلطة، و عزل الخليفة عن شؤون الدولة و مهامها الجسيمة.

غير ان السلجوقيين هؤلاء لم يصدر منهم ما يسي‏ء الى المشهد الكاظمي بشي‏ء، و حينما زاره السلطان ملكشاه في سنة 1086 كانت الأضرار التي لحقت به من جراء مهاجمته قبل خمسة و ثلاثين عاما قد تلوفيت على ما يبدو.

و قبل ان تنقضي مئة عام على هذا الحادث، قدر للمشهد الكاظمي المطهر ان تشب فيه النيران من جديد فتنزل به أضرارا فادحة. و قد اعتبر هذا شيئا بالغ الأهمية بحيث أصبح أمر إعادة تعميره المشهد المهمة الكبير الوحيدة التي اضطلع بها الخليفة الظاهر خلال مدة حكمه القصيرة، كما يذكر ابن الطقطقي في (الفخري). و كان ابن الطقطقي هذا قد خلف يومذاك والده في الأشراف على شؤون العتبات الشيعية القريبة من بغداد. و يقول الدكتور دونالدسون ان هذا مع أنه يدل على تمتع الأقلية الشيعية في بغداد بشي‏ء من الحقوق في نطاق ضيق، فأن مقرهم لم يعد له وجود في بغداد نفسها و انما انتقل الى الحلة و أعصيت أهمية أكبر الى النجف و كربلاء باعتبارهما من مراكز الزيارة المهمة.

و تعليقا على ما يذكره دونالدسون حول التعميرات التي أجريت في المشهد الكاظمي بأمر من أقا محمد شاه القاجاري نقول ان المراجع العربية (العراق‏

214

بين احتلالين) تذكر ان العمل بدأ بها في سنة 1207 ه، و كان يتضمن أتمام ما كان الصفويون قد بدأوا به من قبل. و تشتمل هذه التعميرات على أنشاء المنائر الكبرى الثلاث، و كانت الرابعة قد شيدت في عهد السلطان سليم العثماني كما مر سابقا. و من تلك الأعمال كذلك تأسيس صحن واسع يحيط بالحرم من جهاته الشرقية و الجنوبية و الغربية، و تخطيط الصحن بحيث اتخذ شكله الحالي. و قد استمرت التحسينات و التعميرات في ايام فتح علي شاه كذلك بعد ان توفي أقا محمد شاه، فنقش باطن القبتين بماء الذهب و الميناء و قطع الزجاج الملون. على أن أبرز أعمال هذا الشاه كان عمله في تذهيب القبتين و المنائر الصغار الأربعة، و كان ذلك في سنة 1211 للهجرة.

اما المستر ريتشارد كوك فيورد في كتابه (بغداد مدينة السلام) (1) كثيرا مما يختص بتاريخ الكاظمية و أحوالها، مما يقارب بوجه العموم ما يورده المؤرخون الغربيون الآخرون. فهو يقول عن نشوء الكاظمية، في معرض بحثه عن خطط بغداد، ان مقبرة كبيرة كانت قد اتخذت في خارج باب التبن فكان من اول من دفن فيها جعفر بن الخليفة المنصور. و قد أصبحت هذه المقبرة فيما بعد مدفنا لأمامين من أئمة الشيعة، و تسامت فوق ضريحها عتبة الكاظمية الفخمة، التي لا تزال من ابرز المعالم في يومنا هذا .. و استدعت كثرة العبور و التنقل بين جانبي المدينة أنشاء جسرين آخرين من الزوارق: أحدهما في الشمال و الآخر في الجنوب، و صار الجسر الشمالي يربط القسم الشمالي من ربض الحربية، أي الزبيدية و باب التبن، بالقسم الشمالي من الرصافة. و يمثل هذا الجسر اليوم على وجه التقريب الجسر الذي يربط الأعظمية بالكاظمية.

اما الآخر فقد كان يربط الكرخ بالقسم الجنوبي من المخرم، و يمثله تقريبا

____________

(1)

Cope, Richard- Baghdad The City of Prace( London 5391 )

215

هذا اليوم معبر القطار (1) (اي الجسر الحديد في الصرافية الذي أنشي‏ء بعد كتابة ريتشارد كوك لكتابه).

ثم يقول في موقع آخر (2) .. و في هذه المقبرة الكائنة في خارج باب التبن، ربض بغداد الغربية، دفن في سنة 802 موسى الكاظم سليل الحسين من الظهر الرابع و شهيد كربلاء الذي يقدسه الشيعة باعتباره الأمام السابع من أئمتهم و قد كانت وفاته تعزى الى الحبس الذي فرضه عليه هارون الرشيد بعد ان صار يخشى نفوذه و تأثيره في الناس. و بعد ثلاثين سنة دفن حفيده محمد التقي تاسع أمام، في البقعة نفسها فأصبحت تسمى في النهاية «الكاظمين». و دفن هنا أيضا القاضي الحنفي المشهور أبو يوسف معتمد الرشيد و موضع ثقته، و ما زال قبره قائما هناك حتى اليوم. و بانحطاط بغداد الغربية في السنين المتأخرة، و تقلص حجمها. بطل استعمال المقبرة للدفن فنشأ ربض مستقل حول ضريحي الأمامين له اسواقه و اسواره. و من المحتمل ان تكون زبيدة زوجة هارون الرشيد قد دفنت هنا، و كذلك ابنها الخليفة الأمين السي‏ء الطالع، لكن قبورهم قد اختفت وقت الاحتلال المغولي في القرن الثالث عشر الذي دمر المشهد الكاظمي فيه تدميرا غير يسير .. و أخيرا فأن أحد المؤرخين في القرن الثالث عشر، و هو ابن الأثير، يذكر بالفعل ان زبيدة كانت قد دفنت في الكاظمية صراحة، مع انه الوحيد في ايراد هذا الخبر.

و يشير المستر كوك كذلك (الص 108)، عند بحثه عن البويهيين و تشيعهم الى ان معز الدولة قد دفن بعد موته في الكاظمية، و كان متطرفا في تشيعه بحيث كان يفكر عند دخوله الى بغداد في عزل الخليفة العباسي لكنه عدل عن ذلك برأي من مشاوريه السياسيين- كما يشير في موضع آخر الى ان الخليفة الطائع العباسي كانت له ميول شيعية قوية، حتى انه كان في بعض‏

____________

(1) الص 44 و 45.

(2) الص 66 و 67.

216

المناسبات يؤم الناس في صلاة الجمعة في جامع الكاظمية.

و حينما يأتي المستر كوك على أخبار سنة 1051 للميلاد (في الص 114) يقول انها عرفت في تاريخ بغداد بوقوع شغب فيها ما بين السنة و الشيعة بسبب كتابة خاصة كان يراد كتابتها على احد الابواب في الكرخ فاعتبرها اهل السنة شيئا و ثنيا في لهجته. و قتل في اثناء النزاع رئيس من رؤسائهم، فاغتنم انصاره فرصة تشييع الجنازة في اليوم الثاني في مقبرة باب حرب و جددوا النزاع فهاجمت الجموع الكاظمية و احتلت المشهد المقدس، و بعد أن نهبوا الذهب و النفائس جميعها اضرموا النار في البناء. فلحقت اضرار واسعة بجميع القبور المجاورة بما فيها قبر زبيدة و ابنها الخليفة الأمين.

و يتطرق كذلك (الص 132 و 133) الى وصف الرحالة ابن جبير لبغداد، ثم يذكر الحريق الشهير الذي وقع في الكاظمية فدمر قبتي الأمامين (عليهما السّلام) في عهد الخليفة الظاهر الذي أسرع في المباشرة بأعادة البناء المقدس في عهده. و يقول المستر كوك كذلك ان جامع قمرية المشهور في الكرخ، و الذي كان يعرف بأن أصح قبلة توجد فيه، كان قد بني في ذلك الوقت أيضا.

الكاظمية في عهد المغول‏

و حينما شاخت دولة العباسيين و أخذ نجمهم بالأفول قيض اللّه لدولتهم جموع المغول المتوحشة، فزحفت على بغداد أم البلاد بجيش عرموم يكتسح الأخضر و اليابس، و على رأسه هولاكو حفيد جنكيز خان. فلم تسلم الكاظمية مما أصاب بغداد من سلب و نهب و تدمير عند فتحها بالطريقة الأثيمة المعروفة. و يقول المستشرق لسترنج في (بغداد في عهد الخلافة العباسية) (1) أن هولاكو أمر بنهب الكاظمية و أضرام النار فيها في أثناء حصار المغول لبغداد سنة 656 (1258 م)، غير أنها أعيد تشييدها في الحال.

217

و حينما ألف صاحب كتاب المراصد كتابه سنة 700 (1300 م) كان الجامع الكبير ما زال قائما على مقربة من دجلة برغم ان القسم الأعظم منه كان قد تهدم من جراء ما أصابه من الغرق مرتين متتاليتين.

اما دونالدسون فيشير الى التدمير الذي أصاب الكاظمية كذلك عند استيلاء المغول على بغداد، مستندا على ما جاء في كتاب هاورث في تاريخهم‏ (2).

فهو يقول ان المغول حينما جاؤوا الى بغداد بجموعهم الكاسحة سنة 1258 أنزلوا الدمار التام فيها و ما حولها. على ان المقول هوان تفاهما كان قد حصل حول عدم التعرض للعتبات الشيعية المقدسة بشي‏ء، لكن الحقيقة ان الكاظمية كانت العتبة الوحيدة التي أصيبت بالخراب و التدمير في هذه الأثناء. و قد يعزى السبب في ذلك الى تدمير القسم الغربي من بغداد قبل غيره. و ربما كان قد حصل، خلال المدة التي ضرب فيها الحصار حول أسوار بغداد الشرقية بعد ذلك، أن وفدا شيعيا وصل من الحلة فتوفق في اجراء ترتيب خاص معه يحافظ فيه على سلامة كربلا و النجف، و على كل فالمعروف ان بغداد قد دمرها المغول تدميرا كاملا، و أن الضريحين في الكاظمية قد أضرم النار فيهما، فهلك في أثناء ذلك جميع سكان بغداد تقريبا الذي كان يبلغ عددهم حوالي ثمان مئة ألف نسمة على ما يقول المؤرخ رشيد الدين. و يقال ان الغنائم التي غنمها المهاجمون المتوحشون منها كانت عظيمة بحيث ان الكرج و التتار في الجيش المغولي كانت تنوء كواهلهم بحمل الذهب و الفضة و الأحجار الكريمة و غير ذلك من النفائس التي حملوها منها. و قد أثري أولئك الجنود بحيث صاروا يطعمون سروج خيولهم و بغالهم و حتى لوازمهم الاعتيادية بالأحجار الكريمة و الذهب و اللؤلؤ.

____________

الص 143 من الترجمة العربية.

(2)

Howarth. History of the Mongols, vois III IV( London 7291 )

الص 126- 127.

218

و قبيل انتهاء حكم المغول من أحفاد هولاكو- الذي دام اثنتين و ثمانين سنة- زار الرحالة المستوفي بغداد (1339) و ذكر انه شاهد ضريحي الأمام الكاظم و حفيده الجواد (عليهما السّلام)، ثم أشار الى ان الكاظمية كانت ضاحية مستقلة نفسها من ضواحي بغداد، يبلغ طول محيطها حوالي ستة الآف خطوة، و عدد سكانها حوالي ستة الآف نسمة.

و يذهب ريتشارد كوك الى تأييد ما مر ذكره حول تدمير الكاظمية عند استيلاء الجموع المغولية المتوحشة على بغداد. فيقول‏ (1) ان الخراب النهائي الذي أصاب مدينة الخلفاء، قد تم بحريق كبير انتشر انتشارا سريعا في تلك الفوضى فدمر الأبنية الرئيسية. اما في الضواحي فقد دمر المشهد الكاظمي، و جامع الرصافة، و قبور الخلفاء في الرصافة، و معظم البيوت و المخازن.

و يذكر كذلك ان شيعة الحلة بعثوا الى هولاكو خلال الحصار و فدا يسترحم عدم التعرض بالعتبات الشيعية المقدسة، فما كان منه ألا أن بعث مع الوفد ابن أخيه الى الحلة و تم الاتفاق معه فيها على أن يرابط مئة مغولي في كل من النجف و كربلاء للمحافظة على المشاهد المقدسة.

و يروي في موضع‏ (2) آخر عن حكم غازان خان في العراق ان ايامه عرفت بتفشي الطاعون بنوعيه: الأسود و الاحمر، و بحصول فيضان هائل في بغداد أحدث أضرارا محلية فادحة و استحال به المشهد الكاظمي، الذي كان قد أعيد بناؤه من عهد قريب، الى انقاض متهدمة.

و تعليقا على ما جاء عن المشهد الكاظمي في عهد المغول نقول انه ورد في المراجع العربية ان الامير قره طاي وصل الى بغداد بعد ان احتلها المغول فعين عماد الدين عمر بن محمد القزويني نائبا عنه، و عين القزويني بدوره‏

____________

(1) الص 149.

(2) الص 164.

219

شهاب الدين علي بن عبد اللّه صدرا في الوقوف، و تقدم اليه بعمارة جامع الخليفة و مشهد موسى و الجواد (1).

و يذكر كذلك ان السلطان اويس الجلائري قام في 769 هجرية بتعمير المشهد الكاظمي فبنى قبتين و منارتين، و أمر وضع صندوقين من الرخام الجيد على القبرين الشريفين، و زين الحرم بالطابوق الكاشاني الذي كتبت عليه سور من القرآن المجيد، كما عمّر الرواق و رباطا كان في الصحن، و أمر بأطلاق الأموال للخدام و السدنة .. و في يوم السبت السابع من ذي القعدة سنة 803 دخل تيمور بغداد فاتحا لها للمرة الثانية بعد محاصرة دامت اربعين يوما و خرج منها في العشرة الأولى من ذي الحجة، و من هناك زار مشهد الأمام الكاظم و مضى الى الحلة (2).

على ان دونالدسون يذكر ان تيمور لنك حينما هاجم بغداد سنة 1393 دمرها تدميرا فظيعا أصاب الكاظمية شي‏ء غير يسير منه، و بعد أن أقام فيها ثلاثة أشهر غادرها هاربا من الروائح الكريهة التي تتصاعد من جثث الضحايا المتكدسة في كل مكان. غير أنه أمر قبل أن يغادر بغداد بتعميرها و إزالة معالم الخراب الذي حل فيها، لكن الكاظمية لم يصبها شي‏ء من هذا التعمير و التجديد. و قد بقيت على تلك الحال خلال المدة التي حكمت العراق فيها القبائل التركمانية المتنازعة من بعده (الجلائريون و قبائل الخروف الأسود و الخروف الأبيض) حتى تسنى للشاه اسماعيل الصفوي ان ينتزع بغداد منها في أواخر 1508، و لم ينته هذا الشاه من تجديد المشهد الكاظمي و أعادة تعميره الا في 1519. و بذلك أخذ هذا المشهد المطهر الشكل الذي نراه فيه اليوم بوجه عام.

____________

(1) الحوادث الجامعة، الص 333 و جامع التواريخ.

(2) الص 158 مجلة سومر ج 1 و 2 سنة 1963، مقال للشيخ محمد حسن آل ياسين‏

220

و المعروف في بعض المراجع العربية ان استعمال لقب (كاظمي) لمن كان يسكن الكاظمية قد بدأ على الأرجح في أخريات؟؟؟ القرن السابع و أوائل القرن الثامن للهجرة. إذ يشير الشيخ محمد حسن آل ياسين في مقال له عن الكاظمية (مجلة الاقلام عدد ت 2، 1964) ان الحسن بن داود ذكر في ترجمة السيد عبد الكريم بن طاووس أنه حلي المنشأ بغدادي التحصيل كاظمي الخاتمة.

الأمام الكاظم‏

ان أهم من يتطرق الى البحث في حياة الأمام الكاظم (عليه السّلام) في المراجع الغربية الدكتور دونالدسون المار ذكره قبل هذا في كتابه (عقيدة الشيعة)، و الدكتور جون هو ليستر في كتابه (شيعة الهند) (1) الذي سبقت الأشارة اليه في أجزاء هذه الموسوعة الأخرى، و دائرة المعارف الأسلامية في طبعتها الكبيرة غير المختصرة، و المستر كانون سيل في كتابه (الأثنا عشرية او أئمة الشيعة الإثنا عشر) (2).

و قد أفرد دونالدسون فصلا بأكمله، هو الفصل الرابع عشر (3)، لحياة الأمام موسى الكاظم. و هو يقول فيه ان الأمام (عليه السّلام) كان قد ولد في أثناء النزاع الذي كان محتدما بين الأمويين و العباسيين، و كان قد بلغ الرابعة من عمره حينما تولى الخلافة ابو العباس السفاح و أصبح أول خليفة عباسي يتولى السلطة في الأمبراطورية الاسلامية. و ظل يعيش مدة عشرين عاما في كنف والده الأمام جعفر الصادق (عليه السّلام)، الذي توفي مسموما

____________

(1)

Hollister, John Norman- TheShi`A of India, Luzac Co, London 3591.

(2)

Sell, Canon- Ithna Ashariyya, or the Twelve Shi`ah Imams, Madras 3291.

(3) الص 153.

221

قبل انتهاء حكم المنصور الطويلة بعشر سنوات. و قد امتدت امامته خلال السنوات العشر التي بقيت من عهد الخليفة المنصور، و استطالت بعد ذلك فشملت السنوات العشر التي تولى فيها المهدي، و السنة و بضعة الأشهر التي تولى خلالها الهادي، و حوالي اثنتي عشرة سنة من حكم الخليفة هارون الرشيد. و بذلك بلغ مجموع المدة التي تولى فيها الأمامة ثلاثا و ثلاثين سنة، فكانت أطول من أمامة والده الصادق (ع) بثمان سنوات.

و كانت والدته السيدة حميدة بربرية الأصل مثل الخيزران زوجة الخليفة المهدي ذات النفوذ المعروف، و يستند دونالدسون في قوله هذا على ما جاء في (بحار الأنوار، الجزء التاسع) للعلامة المجلسي الذي ينقل بدوره عن (أصول الكافي) للكليني. على ان هناك من يدعي ان والدة الأمام الكاظم كانت من الأندلس التي تعرف نساؤها بكونهن أجمل نساء الأسپان. و يقول دونالدسون ان المؤرخ اليعقوبي لا يحاول الجزم بشي‏ء في هذا الشأن، غير انه يذكر أنها كانت أم ولد، و هذا ما كان يميزها عن زوجات و إماء الإمام الصادق الأخريات. و قد نشأ الأمام في بيت أبيه مع ستة أخوة آخرين و تسع أخوات. و كان أخوه الأكبر اسماعيل قد عين ليخلف والده في الأمامة، غير انه مات في حياة والده فأربك ذلك وضع الشيعة يومذاك بأجمعه.

فقد اختلفوا فيما بينهم حول الشخص الذي يجب ان يحل في محله في استخلاف والده، فقال بعضهم ان اسماعيل كان آخر أمام من الأئمة (اي السابع) و انكروا وفاته برغم اعترافهم باختفائه و صاروا ينتظرون ظهوره في يوم من الأيام. بينما سلم آخرون بموته و أخذوا يعتقدون بتسلسل الأمامة من نسله هو. و لذلك عرف اولئك الذين يعتقدون بانتهاء الأمامة بالأمام السابع أسماعيل بأسم «السبعية».

اما الشيعة الأثنا عشرية فيعتقدون بأن الأمام الصادق (عليه السّلام) كان قد عين ابنه الأكبر اسماعيل ليخلفه في الأمامة حقيقة، غير انه اضطر الى تغييره لأنه كان مدمنا على شرب الخمر. ثم عين في مكانه ابنه الرابع الإمام‏

222

موسى الكاظم‏ (1). و يقول دونالدسون ان النزاع الذي نشأ عن هذا الاختلاف بين الشيعة قد أدى الى حصول انقسام بارز بينهم، و ظهرت عدة فرق و نحل على أثره. و يفصل هذا كله الشهرستاني في كتابه (الملل و النحل)، كما يوجد بحث مفصل عن فرق الأسماعيلية من وجهة نظر الأثني عشرية في الفصل التاسع من كتاب (تبصرة العوام) للسيد مرتضى علم الهدى المتوفى سنة 436 (1044 م).

و هناك ثلاث و عشرون معجزة تنسب الى الأمام الكاظم على ما يقول؟؟؟

دونالدسون، و قد حصلت أولاها فيما جرى بينه و بين أخيه الأكبر عبد اللّه.

فقد سارع هذا الى الادعاء بالأمامة حالما توفي والدهما الأمام الصادق، لكن الأمام الكاظم طلب ان تشعل النار في كومة كبيرة من الأخشاب بحضور أخيه عبد اللّه و جمع كبير من الاصدقاء و الاتباع. و بادرالى الوقوف في وسط النار المشتعلة من دون ان يصاب بشي‏ء من الأذى او تحترق ملابسه.

ثم تحدى أخاه عبد اللّه ان يفعل مثله اذا كان محقا في ادعائه بالأمامة، لكن عبد اللّه سرعان ما امتقع لونه و غادر الاجتماع‏ (2).

و يقول دونالدسون ان الأمام الكاظم كان يشارك أباه في حياته الانعزالية المنصرفة الى الدراسة و شؤون العبادة و الدين حينما عاش في المدينة المنوره.

و استمر على تلك الحالة حتى بعد ان توفي والده و تولى زمام الأمامة من بعده. و كان على علم تام بان كل خليفة من الخلفاء العباسيين في بغداد

____________

(1) و هذا الرأي يخالف رأي الشيعة الاثني عشرية الذي يذهب إلى ان امامة موسى الكاظم كانت متعينة من الاول و ان هناك نصوصا على اقامته هو بالذات. الخليلي‏

(2) ان مثل هذه الاخبار حاولنا عزلها عن الحوادث التاريخية فيما سردناه من تاريخ للعتبات المقدسة و قد اوردنا شيئا منها على سبيل المثل لما يرد في الروايات. و ايرادنا هنا ما يرويه (دونالدسون) هو ايضا كمثل لما تقول به تلك الاخبار و الروايات و لا علاقة له بالتاريخ الحديث الذي من طبيعة فصل اخباره عن الاخبار و الروايات.

223

كان يتربص به الفرص و يتسقط عنه الأخبار لئلا تبدر منه أية بادرة يشم منها رائحة الانحراف عن الولاء لهم. كما كان يدرك- و لا سيما بعد ان علم بوفاة والده مسموما بتدبير من الخليفة المنصور- ماذا ستكون عاقبته فيما لو صدر منه شي‏ء من هذا القبيل. على ان ذلك القلق الاعتيادي لم يؤثر في حياة الأمام البيتية على ما يبدو، لأنه استطاع ان يعيل عائلة كبيرة هناك تتألف من ثمانية عشر ابنا و ثلاث و عشرين بنتا. و هنا يورد دونالدسون رواية عن المؤرخ اليعقوبي يقول فيها ان الأمام (عليه السّلام) أمر بأن لا تزوج أية واحدة من بناته، و قد تم ذلك بالفعل و لم تتزوج منهن سوى أم سلمة التي كان زواجها في مصر.

اما سجايا الأمام و خصاله فقد كان أبرز ما فيه صبره و اعتدال مزاجه حتى سمي «الكاظم» او «كاظم الغيظ»، كما سمي «العبد الصالح» أيضا لكثرة تعبده و انصرافه الى أمور الدين. كما عرف بالسخاء الذي اطال في وصفه التاريخ.

و قد يكون هذا السخاء هو الذي أثار ريبة الخليفة المهدي تجاهه فأدى به الى استدعائه الى بغداد و توقيفه فيها.

و يقول دونالدسون بعد ان يروي كيفية جلب هرون للأمام موسى بن جعفر من الحجاز و حبسه: و حدث بعد سجن الأمام هذا ان ظهر للرشيد في المنام عبد حبشي أسود و في يده حربة حادة، فقال له «أطلق سراح موسى بن جعفر من السجن في هذه الساعة، و إلا سأذبحك بهذه الحربة.» فما كان من الرشيد الا ان يستدعي الخزاعي آمر الحراس في القصر و يطلب اليه ان يذهب فيطلق سراح الأمام في الحال، و يعطيه ثلاثين ألف درهم، ففعل.

و قد قدر للأمام الكاظم ان يسجنه الرشيد مرة أخرى‏ (1)، و كان ذلك‏

____________

(1) أكثر الروايات التاريخية على ان الامام موسى بن جعفر لم يسجن الامرة واحدة و هي المرة التي انتهت به إلى الموت مسموما و على هذه الرواية جرى اعتماد اغلب المؤرخين الخليلي‏

224

على أثر وشاية من أقارب الأمام نفسه. فقد أخبر الرشيد بأن الناس أخذوا يدفعون الخمس الى الأمام، و انه كان يعد العدة للأنتقاض عليه. و تكرر نقل هذا الخبر الى الرشيد عدة مرات حتى قلق و اضطرب. فقصد الحج في مكة تلك السنة، و حينما زار المدينة أمر بتوقيف الأمام، ثم جي‏ء به الى بغداد محمولا في محفة و أودع السجن فيها بعهدة السندي بن شاهك.

و يقول دونالدسون ان هذه الرواية تتفق مع ما ذكره العلامة المجلسي الذي ذكر ان الرشيد أخذ الأمام الكاظم من المدينة قبل انتهاء شوال سنة 177 بعشرة أيام، و بعد ذلك توجه الى مكة و عاد الى بغداد عن طريق البصرة فسلم الأمام الى أميرها عيسى بن أبي جعفر ليودعه في سجنه. ثم أخذه بعد ذلك الى بغداد و سجنه في سجن السندي بن شاهك. و يذكر المجلسي كذلك أن الأمام توفي في سجنه و دفن في مقابر قريش. اما كتاب الفخري فيضيف الى ذلك قوله ان الرشيد كان في الرقة فبعث يطلب منها قتل الأمام (عليه السّلام). و بعد ذلك جاءوا الى الكرخ بعدد من الرجال المعروفين ليشهدوا على ملأ من الناس بأن الأمام قضى نحبه بحالة طبيعية. و يؤيد اليعقوبي هذه الرواية كذلك مع شي‏ء أكثر من التفصيل.

تعليقات على أقوال دونالدسون‏

يلاحظ مما أورده دونالدسون من الأخبار و الروايات عن حياة الأمام الكاظم ان معظم ما جاء به يستند على ما هو مدون في المراجع العربية بطبيعة الحال. غير ان هذه الروايات تحتاج الى الكثير من التعليق و التوضيح.

فقد ذكر دونالدسون نقلا عن اليعقوبي ان الأمام الكاظم أوصى بعدم تزويج بناته فنفذت الوصية فيما عدا زواج أم سلمه التي تزوجت في مصر.

و لا بد لنا هنا من أن نضيف الى ذلك ان ام سلمة تزوجت من القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد، فجرى في هذا بينه و بين أهله شي‏ء شديد حتى حلف انه ما كشف لها كنفا، و انه ما أراد الا ان يحج بها. غير ان هذا

225

بأجمعه يبدو غير منطبق على الواقع لأن وصية الأمام لم تنص على منع بناته منعا باتا من الزواج، و انما جعلت ذلك منوطا بالأمام الرضا (ع). فقد جاء فيها «.. و ان أراد رجل منهم ان يزوج اخته فليس له ان يزوجها الا بأذنه فأنه أعرف بمناكح قومه ..» يضاف الى ذلك ان رواية اليعقوبي في هذا الخصوص لم يذكرها سواه.

و تجمع الروايات العربية و الأجنبية على ان الأمام الكاظم كان أعبد أهل زمانه، و لذلك لقب بالعبد الصالح و بزين المجتهدين. و كل هذه المراجع تشير الى كثرة سجوده الذي أفضى الى توسع ثفنات جبينه بحيث كان يكلف غلامه بقص اللحم الزائد من جبينه و عرنين أنفه، و تذكر بصورة خاصة السجدات الطويلة التي كان يسجدها و منها سجدة استغرقت الليل بطوله على ما أشار إليها دونالدسون، و هي التي سمع يردد فيها و هو يبكي بخشوع قوله (عليه السّلام) «الهي عظم الذنب عندي، فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى و أهل المغفرة». و قد كان يقضي مدة بقائه في السجن بالصلاة و التعبد، حتى قال حينما سيق اليه يوما «اللهم اني طالما كنت أسألك ان تفرغني لعبادتك، و قد استجبت مني فلك الحمد». و علم هارون الرشيد بذلك فكان يقول «أما ان هذا من رهبان بني هاشم».

اما ذرية الأمام الكاظم فقد اختلف في عددها الرواة اختلافا كبيرا على ما يلاحظ في المراجع جميعها. غير ان الملحوظ هو ان عدد البنين و البنات كان شيئا غير قليل (37 او أكثر). و من البنين الأمام الرضا (ع) و اسماعيل، و ابراهيم الأكبر، و ابراهيم الأصغر، و صالح، و شرف الدين، و جعفر، و عبد اللّه، و عبيد اللّه، و هارون، و حمزة و أحمد، و محمد، و القاسم، و زيد و حسين. اما البنات فمنهن آمنة و فاطمة (الملقبة بمعصومة و المدفونة بقم في ايران) و فاطمة الصغرى و أم عبد اللّه‏

226

و قسيمة و لبابة و أم جعفر و أم سلمة و أمامة و كلثم و امينة الكبرى و رملة و حكيمة و عائشة و اسماء و زينب و علية (1).

و قد كان من الطبيعي في تلك الظروف و الأحوال ان يحصل التصادم ما بين الرشيد و الأمام الكاظم لما بين الشخصيتين من اختلاف في الميول و الاتجاهات، و تناقض في النزعات و الأهواء. فقد كان الرشيد رجلا دنيويا، مغترا بالسلطة الزائفة التي ورثها عن أسلاف اغتصبوها من العلويين، مولعا بالغناء و القيان و شرب الخمر على غير ما يقتضيه مركزه و منزلته، معتادا على مظاهر الأبهة و البذخ، و مجبولا على الأسراف و التبذير. و كان الأمام الكاظم على النقيض من ذلك، فقد نشأ في البيت النبوي الطاهر المجبول على الخير و المكرمات، و رضع لبان العلم و التقوى فانصرف الى الزهد و التعبد و إشاعة الفضيلة بين الناس. و كان الرشيد يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، و يحرص على الملك و السطوة، فيرتاب من منافسيه و أنداده، بينما كان الأمام قواما صواما يعمل للآخرة و يعاف الحياة الدنيا، صلبا في مبادئه، مستهينا بالسطوة و الملك، لا يخشى في الحق لومة لائم، و لا يداجي في دينه. و لذلك فليس من المستغرب ان يعيش الرشيد أيامه و لياليه و هو يضمر الحقد للعلويين الذين تتمثل فيهم المعارضة بطبيعتها، و يحمل لزعيمهم و أمام المسلمين غير المنازع كل كره و ضغينة. و ليس من غير الطبيعي ان يعمد الى مراقبة الأمام في حركاته و سكناته، و يتسقط عنه الأخبار أو يسمع الوشايات.

و قد كانت حصيلة ذلك كله، بطبيعة الحال، ان الرشيد أخذ يصب على العلويين و ابلا من العذاب الأليم، و يسوقهم الى القبور و السجون،

____________

(1) يراجع بذلك سيرة الامام موسى بن جعفر في صدر هذا الجزء و في (المدخل) من موسوعة العتبات المقدسة.

227

ثم يطاردهم حتى يهربوا هائمين على وجوههم خائفين و جلين. «.. و زاد هارون على اسلافه في إرهاق العلويين فدفنهم و هم أحياء، و أشاع في بيوتهم الثكل و الحزن و الحداد، و استعمل جميع امكانياته للبطش بهم، ففرض عليهم الاقامة الإجبارية في بغداد، و جعلهم تحت المراقبة، و لم يسمح للاتصال بهم، و حرمهم من جميع حقوقهم الطبيعية. و كان أبغض شي‏ء عليه ان يرى عميد العلويين و سيدهم الإمام موسى (ع) في دعة و اطمئنان و أمان فلم يرقه ذلك من دون ان ينكل به، فدفعه لؤمه و عداؤه الموروث الى سجن الأمام (ع) و حرمان الأمة الأسلامية من الاستفادة بعلومه و نصائحه و توجيهاته.»

و قد كانت للامام الكاظم (عليه السّلام) مواقف عدة مع الرشيد تفضح هذا الحقد، و تدل على مقدار الاختلاف بين الشخصيتين، و ما أدى اليه من عزم الرشيد على إيداعه السجن و التخلص منه بطريقة يندى منها جبين الانسانية خجلا. و من هذه المواقف موقف اشار اليه دونالدسون عن التقاء الأمام و الرشيد حول ضريح الرسول الأعظم، و هو ما يذكره جميع المؤرخين و قد ورد ذكره في هذا الجزء من سيرة الامام الكاظم.

[شهادة الإمام موسى الكاظم (ع)]

و حين توفي الامام مسموما بسجن السندي بن شاهك عمد هذا الى القاء جثة الامام فوق جسر الرصافة تحوطها الشرطة و تريها للرائح و الغادي من الناس، بعد ان أوعز للمنادين بأن يجوبوا الأزقة و الشوارع و ينادوا فيها بأعلى صوتهم «هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا اليه ميتا». و قد بقي الجدث على مثل هذه الحالة أياما ثلاثة من دون أن يوارى التراب.

و في زحمة هذه «التمثيلية» المحزنة سمع سليمان بن أبي جعفر المنصور من قصره المطل على دجلة لغط الناس و ضوضاءهم، و رأى بغداد قد ماجت و اضطربت، فسأل عن الخبر و أخبر بجلية الأمر. فثارت نخوته‏

228

و تدفقت عاطفته، ثم استولت عليه موجة من الغيظ صاح على أثرها بولده «انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فأن مانعوكم فاضربوهم و خرّقوا ما عليهم من سواد (1)

و قد قام سليمان بن أبي جعفر نفسه بتجهيز الأمام من عنده، فغسله و كفنه، و لفه بحبرة كتبت عليها آيات القرآن الكريم بأجمعها، و قد كلفت ألفين و خمس مئة دينار. و هرعت بغداد الى تشييع الأمام عن بكرة أبيها، فكان يوم التشييع يوما مشهودا حافلا خرج فيه الصالح و الطالح و البر و الفاجر. و سار الموكب الحزين يجوب الشوارع وراء النعش يتقدمه الرشيد نفسه و هو واجم حزين، يترحم على الأمام و يظهر البراءة من دمه، و من خلفه البرامكة و كبار الموظفين و المسؤولين من رجال الحكم و معهم سليمان ابن أبي جعفر حافي القدمين. و كان من خير ما قيل من الشعر في هذا الخطب الجلل الأبيات الآتية:

قد قلت للرجل المولى غسله‏* * * هلا أطعت و كنت من نصحائه‏

جنّبه ماءك ثم غسلّه بما* * * أذرت عيون المجد عند بكائه‏

و أزل أفاويه الحنوط و نحّها* * * عنه و حنطّه بطيب ثنائه‏

و مر الملائكة الكرام بحمله‏* * * كرما ألست تراهم بأزائه‏

لا توه أعناق الرجال بحمله‏* * * يكفي الذي حملوه من نعمائه‏

و كانت الجماهير و هي تسير الى محلة باب التبن حيث تقع مقابر قريش، تتسابق الى حمل النعش و تتبرك به، حتى أوصلته الى حيث حفر له القبر.

و قد أنزله في مقره الأخير سليمان ابن أبي جعفر المنصور أيضا و هو مذهول اللب، و بعد الانتهاء من مراسيم الدفن أقبلت عليه الناس تعزيه و تواسيه‏

____________

(1) عيون اخبار الرضا

229

و وقف يشكرهم و يتقبل العزاء (1). و هكذا انتقل الأمام موسى الكاظم الى دار الخلود، و أصبح قاتلوه سبة للأجيال.

الأمام الكاظم في كتاب هو ليستر

و يفرد الدكتور جون هو ليستر في كتابه (شيعة الهند) المشار اليه من قبل فصلا صغيرا عن الأمام الكاظم. و هو يستند في كثير مما أورده على كتاب دونالدسون، و لذلك نجد معظم ما فيه مطابقا لما أورده دونالدسون.

على أنه يذكر أشياء أخرى لا بد من الأشارة اليها هنا. فهو يبدأ الفصل بقوله ان وفاة الأمام الصادق أتاحت الفرصة لحصول أعظم انقسام في العالم الشيعي. ثم يستمر في شرح تكون الأسماعيلية و عقائدهم. لكنه يقول بالاستناد الى ما وجده في كتاب الأمير مأمور، أحد امراء الهند المسلمين، في كتابه (مناقشات حول أصل الخلفاء الفاطميين) (2)، ان هذا الانقسام الذي حصل قد ساد على منوال قومي تقريبا. فقد قبل الأيرانيون بالأجماع بأمامة موسى الكاظم (ع)، بينما التزم الشيعة في البلاد العربية و البلاد الواقعة في غربها بتابعية اسماعيل. و كانت الأسرة الصفوية المالكة التي نشأت في ايران خلال القرن السادس عشر تنتسب في أصلها اليه. و يذكر خلال بحثه عن ثورات العلويين في تلك الأيام أن أحدهم استطاع الفرار الى مصر فالمغرب بمساعدة من صاحب البريد حتى وصل الى طنجة فوضع فيها الأسس لنشوء أسرة الأدارسة. و يشير هو ليستر كذلك الى حصول انقسام في صفوف الشيعة بعد وفاة الكاظم أيضا، فادعى بعضهم ان سلسلة الأمامة قد انقطعت بوفاته و صاروا يطلقون على أنفسهم اسم «الموسوية».

____________

(1) حياة الامام الكاظم، الص 489- 491، ج 12.

(2)

Mamour, PrinceP. H- Polemics On the Origin of the??? Fanmid Caliphs, London 4391.

230

بينما ادعى البعض الآخر بان الأمام (عليه السّلام) قد اختفى، و انه لا بد من ظهوره في آخر الزمان.

الأمام الجواد

أن خير المراجع الانكليزية التي تبحث في حياة الأمام محمد الجواد، ضجيع جده الكاظم في مقابر قريش، هو أيضا كتاب دونالدسون الذي يخصص فصلا خاصا (الفصل السابع عشر ص 188- 197) عنه.

و هو يبدأ الفصل المسهب بالبحث في وضع المأمون و دخوله المظفر الى بغداد، و بالأشارة الى قول الشيعة بأنه هو الذي سم الإمام الرضا بعد ان قربه اليه و عينه وليا للعهد، و الى كونه هو الذي أمر بقتل وزيره الفضل ابن سهل، ثم يخلص من ذلك الى القول بأنه مع ذلك كله قد بقي على تقديره الأول للشيعة و ميله اليهم، حتى بعد ان استبدل اللون الأخضر باللون الأسود العباسي. و قد كان موقفه ذلك شيئا بالغ الأهمية بالنسبة لحياة الأمام الجواد على حد قوله. و يقول دونالدسون ان المأمون فعل ما فعل، و استبدل الأخضر بالأسود، ضد رغبته الشخصية لأن ذلك كان ضرورة سياسية بالنسبة اليه في تلك المرحلة من مراحل خلافته و حكمه. فلم يستمر على تعيين الشخصيات الشيعية المرموقة في المناصب المهمة فقط، و انما ظل يشمل أسرة الأمام المتوفى بفضله و عطفه علنا. فقد انتخب أخا من أخوان الرضا (عليه السّلام) و عينه أميرا للحج، و لم تمض على ذلك غير فترة قصيرة حتى زوج ابنته أم الفضل الى الأمام الجواد. و يقول دونالدسون- مستندا على اليعقوبي- أنه أنعم على الزوج النبيل بمئة ألف درهم في هذه المناسبة، و صرح بأنه يريد ان يتشرف بأن يكون جدا في نسب يمت الى رسول اللّه و الأمام علي بن ابي طالب بصلة.

و قد كان الأمام الجواد- المسمى بالتقي أيضا- في التاسعة (او السابعة على قول البعض) من عمره حينما توفي والده الأمام الرضا. و كان يعيش‏

231

في المدينة يومذاك، فكان الكثيرون من الشيعة يلاحظون صغر سنه و يشكون في كونه أصبح اماما بعد والده. على ان عددا من المتعلمين و الرجال المرموقين كانوا يأتون سنويا الى الحج من جميع الجهات فيتأثرون تأثرا بالغا بشخصيته و مواهبه و تتبدد شكوكهم في صحة أمامته. و يقول دونالدسون ان الكليني يذكر ان المتولى امتحن الإمام الفتى امتحانا استطال عدة أيام، و قد أجاب فيه على ثلاثين ألف سؤال إجابة كانت موضع اعجاب الجميع‏ (1).

و لم يكن الجواد (عليه السّلام) ابن الرضا من زوجته ام حيب بنت المأمون، و انما كانت أمه جارية اختلف الرواة في اسمها و أصلها. فيقول الكليني انها كانت تسمى حبيبة، و انها من أصل نوبي، لكن المرجع نفسه يذكر ايضا آخرين كانوا يقولون انها كانت تدعى خيزران، و انها كانت بنتا رومية الأصل. و هناك رواية ثالثة تذكرها بعض المراجع، مؤداها انها كانت من بيت مريم القبطية زوجة الرسول (ص) و أم ابنه ابراهيم‏ (2).

و يقول دونالدسون كذلك ان القصة التي يرويها الشيعة عن أول لقاء جرى بين المأمون و الجواد (عليه السّلام)، هي قصة طريفة للغاية. فالظاهر ان الأمام الجواد كان قد قدم الى بغداد بعد وفاة والده بمدة قصيرة، و بينما كان المأمون خارجا للصيد مع حاشيته و بزاته مر بقرية كان عدد من الأولاد يلعبون في طريقها، و كان من بينهم الجواد و هو في الحادية عشرة من عمره تقريبا. و حينما دنا موكب المأمون منهم عجل الأولاد بالفرار و اختفوا عن الأنظار، عدا الجواد الذي ظل واقفا لا يريم. فلفت ذلك نظر المأمون و وقف يتمعن فيه، ثم سأله «ما الذي أخرك عن الفرار يا ولدي؟»

____________

(1) خلاصة الاخبار- الفصل 37 المعجزه 15- و هذا الخبر هو الاخر يجب ضمه إلى الاخبار و الروايات غير التاريخية، و الذي نورده هنا على سبيل المثل لما يذكر في مثل هذه الحقول التي تخالف طبيعتها طبيعة التاريخ‏

(2) اصول الكافي الكليني الص 203 (الاشارة في الاصل الانكليزي).

232

فأجاب الفتى السيد يقول «لم يكن الطريق ضيقا يا أمير المؤمنين بحيث أخشى ان يتعذر عليك المرور، و لم اقترف ذنبا يخيفني، ثم فكرت بانك لا تنزل الأذى بمن لم يرتكب أي خطأ.» فسر الخليفة جد السرور،

و بعد ذلك الحادث بزمن غير طويل جمع المأمون مجمعا حافلا دعى اليه حشدا من العلماء و الفقهاء و وجوه البلد و أعيانه، و اخذ يناقش الأمام الجواد بحضورهم و طلب توجيه الاسئلة اليه، فكان ما أبداه من علم و سداد رأي خلال الاجتماع الذي امتد الى أيام عدة موضع دهشة للجميع.

و هناك أعلن المأمون رسميا انه سيزوج الامام بابنته و يهبه مهرا كبيرا.

و المقول ان الأمام نكس رأسه حياء و خجلا، فمات العباسيون الحساد بغيظهم.

و على هذه الشاكلة كان المأمون يبدي اهتمامه الدائم، و رعايته البالغة للشيعة، و قد جعل ابن الأمام الرضا الراحل في عهدته و حمايته الخاصة.

و كان الفتى النبيل يأتي بين حين و حين الى القصر الملكي للدراسة و التحدث الى العلماء الذين كان يصادفهم فيه. و يأسف دونالدسون لتأكيد الرواة على المعجزات في حياة الجواد (ع) و أهمالهم ذكر الحوادث التي كانت تدل على عقله الراجح و علمه الغزير. فمن المؤسف مثلا، على ما يقول دونالدسون ان يقرأ المرء شهادة يحي بن أكثم بأمامة الجواد بعد مناقشته و مساجلته فيجد جل ما يذكر عنها ان ابن أكثم حينما سأل الأمام، بعد الاعتذار عن استقامته و صراحته، «من هو الأمام؟» فيكون الجواب «انا» و حينما سأله يقول «ما هو الدليل؟» أجابت العصا قائلة «ان سيدي هذا هو أمام العصر و حجة اللّه في أرضه».

و بعد مرور سنة على زواج الأمام سمح له الخليفة، و لزوجته الشابة، بالذهاب الى المدينة المنورة و الأقامة فيها. و قد كان هذا التدبير موضع قبول العباسيين بأجمعهم، لأنهم كانوا يكرهون ما كان يتمتع به الأمام‏

233

من أرجحية و رعاية في بغداد. فعاش في المدينة عيشة بسيطة، كما كان يعيش الأئمة الأطهار من قبله، لمدة ثلاث سنوات و هو يقابل من كان يفد عليه و يعطف على الفقراء بسخاء، و يمتنع عن التدخل في الشؤون العامة.

و قد كانت حياته الزوجية مع ابنة الخليفة زينب، التي صارت تعرف فيما بعد بأم الفضل، حياة غير سعيدة على ما يذكر الرواة لأنها «لم تكن تبعث على العشرة الطيبة و الحب المتبادل الذي يجب ان يتوافر بين الزوج و زوجته في العادة. فقد كانت زوجته تحاول إثارة والدها عليه و تكتب له رسائل مشحونة بالذم و الحط من قدر زوجها، زاعمة انه كان يقضي الوقت كله مع إمائه و جواريه- فانبها لاتهامها بهذه التهم. (1)» و المعروف ان الجواد كان قد عاد من المدينة الى بغداد مع زوجته ليحضرا عرس الخليفة الذي اشتهر ببذخه و روعته، حينما زفت اليه ابنة الحسن بن سهل التي كانت في الثامنة عشرة من عمرها. فكان هذا العرس فرصة مناسبة للأمام يشاهد فيها مثل هذا الحفل الباذخ على ما يقول دونالدسون، لان الزوج السامي كانت تنثر عليه حبات اللؤلؤ بغزارة بدلا من حبات الر؟؟؟

التي تنثر في حفلات الزواج الاعتيادي. و كانت حبات اللؤلؤ هذه تلتقط لتقدم الى الزوجة التي كانت تتشح هي الأخرى برداء من اللؤلؤ المتلألى‏ء خلعته عليها السيدة زبيدة أرملة الرشيد. و قد أضيئت غرفة العرس بشموع من العنبر الغالي، و لأجل ان يعبر والد الزوجة، و هو أغنى رجل بين المتنفذين في بغداد يومذاك، عن تقديره للالتفات السامي الذي حظي به وزع مبالغ خيالية طائلة الى جميع الناس من حوله. و صارت كرات المسك تنثر ما بين المحتفلين المحتشدين فيتسابقون الى الفوز بها. و كان مكتوبا في كل منها اسم مقاطعة من المقاطعات أو جارية أو فرس أصيلة أو أية

____________

(1) نقل هذه الرواية الدكتور سيل في كتابه (الاثنا عشرية) عن الص 66 من كتاب تحفة المتقين.

234

جائزة ثمينة أخرى يحظى بها من يفوز بالكرة. و قد نقل دونالدسون هذا الخبر عن كتاب (الخلافة، تقدمها و انحطاطها (1) و سقوطها) للمستشرق البريطاني السر موير (2).

[مشكلات بين الامام الجواد (ع) و ام الفضل‏]

و من المشكلات التي حدثت بعد ذلك بين الأمام الجواد و أم الفضل مشكلة ورطت الأسرة المالكة توريطا غير يسير. ففي رواية تنسب الى السيدة حكيمة أخت الإمام الرضا ان أم الفضل جاءتها ذات يوم فقالت لها ان امرأة بارعة الحسن و الجمال دخلت عليها في يوم من الأيام و أخبرتها بأنها كانت من زوجات الأمام أيضا. فغضبت أم الفضل لذلك و حزنت أشد الحزن حتى قامت في ليلتها تلك و ذهبت شاكية لأبيها المأمون، و اخبرته بأن زوجها لم يلحق بعمله ذاك الأهانة بها هي وحدها فقط و انما أساء به أيضا الى أبيها و الى الأسرة العباسية المالكة ايضا. و صادف في تلك الليلة ان المأمون كان مخمورا بحيث أخذ حسامه و امتطى جواده ثم ذهب مع مرافقيه في الحال الى دار الإمام (عليه السّلام). و هناك وجده مستغرقا في نومه، فما كان من المأمون الا ان استل حسامه و ضرب به الأمام عدة ضربات حتى أيقن المرافقون انه قطع الامام الى عدة قطع. لكن المأمون حينما أحس على نفسه في صباح اليوم التالي ندم على فعلته المتسرعة، و بعث يستفسر عن صحة الأمام، فرجع اليه الرسول يقول انه رأى الأمام بنفسه يؤدي صلاة الصبح كالمعتاد. على انه بعث يحقق عن التفصيلات ثانية فعلم ان الأمام ذكر لأهله و المحيطين به ان الرداء الخاص الذي كان يلبسه هو الذي انقذه و حماه. و لأجل ان يعبر الخليفة عن خجله و أسفه لما وقع أهدى الجواد الذي امتطاه في تلك الليلة الى الأمام مع الحسام الذي انتضاه. ثم‏

____________

(1)

Muir, Sir W.- The Caliphate, its Rise, Decline. Fall.( London

(1924 الص 503.

(2) و قد اورد المؤرخون وصفا مثل هذا عن زواج الامام الجواد بام الفضل ابنة المأمون.

235

قالت أم الفضل ان المأمون التفت اليها بالأضافة الى ذلك و أنبها تأنيبا شديدا، فأخبرها بأنها ذا ما عادت تشكو زوجها اليه مرة أخرى فأنه سوف يرفض مواجهتها طول عمرها (1).

و يقول دونالدسون ان السنوات الثمان التي قضاها الجواد في بغداد كان ينشغل فيها بالوعظ و التدريس. و قد رويت عنه أقوال و أحاديث مأثورة كثيرة خلال هذه المدة، التي وقع المأمون خلالها تحت تأثير المعتزلة و لا سيما رئيسهم القاضي أحمد بن أبي دؤاد. و اضطر بموجب هذا الى ان يعلن مبدأ «خلق القرآن» على رؤس الأشهاد، و كان ذلك في سنة 212 (827 م). و لقد روي في هذا الشأن أن المأمون كان قد اطلع على كتاب أرسل اليه من كابل بعنوان «العقل الخالد»، و كان مجمل ما فيه منافيا لأصول الدين لأنه ينص على ان العقل هو المصدر الوحيد للأديان.

و مع جميع ما أصاب أهل السنة من محن خلال هذه الفترة التي كان المعتزلة الأحرار فيها أشداء في معاملتهم، على ما يقول دونالدسون، فأن العلويين كانوا يعاملون خلالها بمنتهى الاعتبار و التقدير، و لم يمس الأمام الجواد بشي‏ء من قبيل الأزعاج أو التوقيف في أيام المأمون. و قد يعزى ذلك الى «التقية» التي كان يلجأ اليها الشيعة في الشدائد.

غير ان المأمون اضطر الى مغادرة بغداد في سنة 215 (835 م) على رأس حملته الكبرى التي قادها ضد الامبراطور ثيوفيلس البيزنطي. و يذكر دونالدسون ان السبب المباشر لهذه الحملة يكتنفه الغموض. على ان المعروف في هذا الشأن ان الامبراطور البيزنطي كان يمد يد المساعدة حينذاك الى الثائر

____________

(1) نقل دونالدسون هذا الخبر عن (خلاصة الأخبار)، الفصل 37، المعجزة 17، و كان على دونالدسون و هو الذي التفت قبل غيره من المستشرقين إلى ان مثل هذه الروايات يجب عزلها عن التاريخ عزلا تاما، كان عليه ان يعرض عنها و لا يدنو منها بصفتها من فصيلة لا تنسجم مع التاريخ بوجه من الوجوه.

236

بابك الحزمي، و أنه شجع هجرة الأيرانيين النصارى بالآلاف من ممتلكات الخليفة العباسي‏ (1). و يرى البعض ان سبب الحملة يعزى الى ان الامبراطور رفض السماح للفيلسوف ليو السالونيكي بقبول دعوة المأمون لزيارة بغداد.

و على كل فقد دامت الحرب سنتين كاملتين، و توفي المأمون‏ (2). فجأة في بلدة تقع بالقرب من طرسوس في كيليكية. و هناك في طرسوس أشعلت الشموع و أحرق البخور تقليدا لما كان يفعله المسيحيون في تلك الأيام، حينما صلى المصلون على جنازة المأمون قبل الدفن، و كان ذلك بوصية منه على قول دونالدسون.

و بعد ان توفي المأمون عاد الجواد مع أسرته الى المدينة، و لم يمكث فيها الا سنة و بضعة أشهر حتى استدعاه المعتصم، الخليفة الجديد، و طلب اليه العودة مع أسرته الى بغداد. و كان ذلك في بداية السنة التي توفي فيها الأمام، أي سنة 220 (835 م). و مع أنه ليس هناك ما يدل على ان العلاقة الحسنة بين الأمام و المعتصم كانت مفقودة، فان الكتب التي يتداولها الشيعة في يومنا هذا تدل على ان الأمام (عليه السّلام) قد سمته زوجته أم الفضل بتحريض من المعتصم نفسه. غير ان الأتفاق في تفصيلات هذه الأخبار معدوم، فيقول البعض ان زوجته سلمته منديلا مسموما في أثناء وجوده بالفراش، بينما يقول البعض الآخر أنها اطعمته عنبا مسموما. و يقول غير هؤلاء ان المعتصم نفسه بعث الى الأمام شربة مسمومة ليسقيه أياها خادم من خدامه، بينما يقول آخرون ان الخليفة دعاه الى بيته فمزج له السم بالطعام.

و قد دفنت جثته في مقابر قريش الى جنب ضريح جده الكاظم،

____________

(1) تاريخ الامبراطورية البيزنطية، الص 141 و 142.

Fisslay, George- Historyof the Byzantine Empire 3191.

(2) توفي المأمون في قرية الديرون في شهر رجب سنة 218 للهجرة.

237

و صلى عليه الواثق بن الخليفة المعتصم.

اما الدكتور هوليستر فيورد في كتابه (شيعة الهند) (1) عن الأمام الجواد معظم ما يذكره دونالدسون و يستند عليه، لكنه يذكر بالأضافة الى ذلك أشياء كثيرة أخرى. فيشير مثلا الى ما يذكره السيد أمير علي في كتابه (روح الاسلام) (2) من أن بعض الروايات تقول أيضا ان أم الجواد (عليه السّلام) كان أسمها سبيكة أو ريحانة.

و يقول كذلك ان الأمام الرضا (ع) حينما ترك المدينة و توجه الى مرو أخذ معه ابنه الصغير محمدا، و طاف محمد في مكة حول الكعبة على كتفي خادمه، و كان ذلك في سنة 200 للهجرة. و يبدو ان الرضا (عليه السّلام) تابع سفره الى مرو بينما عاد ابنه الى المدينة لان الرضا حينما توفي في خراسان كان الجواد موجودا في المدينة و هو في الرابعة من عمره. و كان الواقفية يزعجون الرضا (عليه السّلام) و يلحون عليه بالتصريح عمن سيخلفه في الأمامة لأنه لم يكن له ولد، و لكنه حينما ولد له محمد صار يجيبهم بأنه الأمام من بعده. و حينما كانوا يعترضون على كونه حدثا صغير السن كان يشير الى الآية الكريمة التي نزلت عن عيسى بن مريم:» قال أني عبد اللّه، آتاني الكتاب، و جعلني نبيا» و لذلك لم يكن صغر سن الجواد ليحول دون توليه الأمامة. و مع كل هذا لم يقتنع الواقفية بهذا الجواب، و صاروا يعتقدون بأن الأمامة تنتهي بالأمام علي بن موسى الرضا نفسه. اما سيرة الجواد فلا يختلف ما يورده هوليستر عما يورده دونالدسون، سوى أنه يزيد عليه بقوله أنه توفي مسموما في بغداد و هو في الخامسة و العشرين من عمره الشريف.

الشاه اسماعيل و سليمان القانوني في الكاظمية

كان من أمنيات الشاه اسماعيل، مؤسس الأسرة الصفوية المالكة

____________

(1) الص 84- 87.

(2)Ali ,Ameer -The Spirit of Islam ,London 5391

238

في أيران، حينما سيطر على بلاده و تغلب على العثمانيين في عدد من الوقائع الحربية ان يفتح بغداد، و يستولى على العتبات الشيعية المحيطة بها فيلحقها بأيران. و يقول المستر ستيفن لونكريك في (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) (1) الذي كثرت الأشارة اليه في هذه الموسوعة من قبل ان الشاه الذي كان يعجل بنصر بعد آخر بعث بقائده (لالا حسين) لفتح بغداد فكان له ما أراد بسهولة، و خضعت له في 1508 .. و قد أفضى دخول العراق في حوزة العرش الشيعي الجديد الى مجي‏ء الشاه مسرعا لزيارة العتبات المقدسة، فوصل الى بغداد و هدم ما كان فيها من قبور أئمة السنة .. ثم زار العتبات المقدسة في الفرات و أصلح نهرا من الأنهر فسماه بأسمه «نهر الشاه» و شيد قبة فخمة على قبر الأمام موسى الكاظم‏ (2).

و الملاحظ في المراجع العربية ان الكاظمية عادت فأصبح لها شأن يذكر في هذا العهد، و أجريت تنظيمات غير يسيرة فيها. إذ يشير الشيخ محمد حسن آل ياسين، في مقال له (مجلة الاقلام، عدد ت 2- 1964) ان الكاظمية دخلت في أوائل القرن العاشر الهجري عهدا جديدا من الشأن و الاستقلال الأداري الداخلي، و اصبحت مدينة لها كيانها و دورها في الشؤون العامة. و بدأت المقدمات التمهيدية لهذا العهد الجديد في سنة 914 ه، و هي سنة احتلال الشاه اسماعيل الصفوي بغداد و سيطرته على العراق.

فقد زار الكاظمية و أمر بتشكيل إدارة خاصة في البلدة و محكمة شرعية يرأسها قاض يحمل لقب «شيخ الأسلام» إضافة الى أمره بتشييد المشهد الكاظمي تشييدا رائعا فخما و تعيين الرواتب لخدام المشهد و المسؤولين عنه.

و يقول الشيخ آل ياسين في بحث آخر له عن المشهد الكاظمي (مجلة

____________

(1)

Longrigg, S. H- Four Contures of Modern Iraq, London 5291.

(2) الص 17 و 18 من الترجمة العربية، ط 2.

239

سومر ج 1 و 2 سنة 1963) ان عهد التركمان قد انتهي في يوم 25 جمادى الثانية 914 ه بدخول الشاه اسماعيل الصفوي الى بغداد. و بعد مرور فترة من الزمن على بقائه في العراق مضى الى زيارة المشهد الكاظمي، فأنعم على من كان هناك بأنواع الأنعام، و عين الرواتب لخدم المشهد، و أصدر أمره بقلع عمارة المشهد من أساسها و تجديدها تجديدا يشمل توسيع الروضة، و تبليط الأروقة بالرخام، و صنع صندوقين خشبيين يوضعان على القبر الشريفين، و تزيين الحرم و أطرافه الخارجية بالطابوق الكاشاني ذي الآيات القرآنية و الكتابات التاريخية، كما أمر بأن تكون المآذن أربعا بعد ان كانت اثنتين و بتشييد مسجد كبير في الجهة الشمالية للحرم متصل به. و أحال أمر تنفيذ ذلك الى أمير الديوان خادم بيك، و عاد الى أيران.

و يقول كذلك، و أمر بتقديم ما يحتاجه المشهد من فرش و قناديل- و كان منها الفضي و الذهبي، و عين للمشهد عددا من الحفاظ و المؤذنين و الخدم .. و بدأ العمل على قدم و ساق، فتم تشييد هيكل الحرم و روضته و أروقته- و هو الهيكل القائم اليوم- و القبتين و الصندوقين و المسجد، و بلغت المآذن الكبيرة الأربع ارتفاعا يعلو عن سطح الحرم بمقدار ذراع، كما تم صنع الكاشاني و وضعه في محله المقدر، كذلك وضع الرخام في موضعه، و لم يبق شي‏ء مما أمر به الا و قد نفذ منه- ما وسعه الوقت- بأمانة و أخلاص.

الجامع الصفوي في الكاظمين كما هومئذ العهد الصفوي.

و لكن العهد الصفوي لم يدم طويلا، بل سرعان ما أزاله السلطان سليمان‏

240

القانوني الذي دخل بغداد فاتحا في يوم الاثنين الرابع و العشرين من جمادى الأولى سنة 941 ه، و لكنه لما زار الكاظمية بعد برهة من الزمن أمر بأبقاء أوضاعها على ما كانت عليه و بأكمال بعض ما لم يتم من عمارة المشهد، و أقر رواتب خدام المشهد و سدنته‏ (1). و يؤيد المستر لونكريك‏ (2) عناية السلطان سليمان بالعتبات السنية و الشيعية معا، و يشير بشي‏ء من الأطناب الى ما فعله في كربلاء على الأخص مما سبق أن أشرنا اليه من قبل في الجزء الأول من قسم كربلاء في هذه الموسوعة (الص 265).

و في المراجع العربية الأخرى‏ (3) ان السلطان سليمان القانوني دخل بغداد في يوم الاثنين 24 جمادى الأولى سنة 941 ه، و في 28 منه تجول في أطراف بغداد و زار المشهد الكاظمي. و حينما زار ضريح الأمامين الكاظمين أمر بدفع رواتب الخدم من خزانة بغداد، و أصدر فرمانا باتمام النواقص الطفيفة التي لم تنجز في أيام الصفويين. و في سنة 978 ه تم بناء المنارة الواقعة في شمال شرقي الحرم المطهر، بعد ان كانت أسس المنائر الأربع الكبرى قد بوشر ببنائها في عهد الصفويين و ارتفع بناؤها الى ما فوق سطح الحرم بقليل. و قد أكمل البناء بأمر من السلطان سليم الثاني و كان الانتهاء منه في عهد مراد باشا والي بغداد .. و قد أمرت والدة السلطان سليم ببناء بركة للمشهد الكاظمي في هذه السنة أيضا.

اما المستر كوك فيذكر في (بغداد مدينة السلام) (4) علاوة على ذلك أن الشاه اسماعيل بدأ بتشييد منزل كبير للزوار الأيرانيين في الكاظمية، و بعد ان زار العتبات في النجف و كربلا عاد الى أيران و خلف وراءه أبراهيم‏

____________

(1) مجلة الاقلام الص 65، عدد ت 2، 1964.

(2) الص 24 من الترجمة العربية، ط 2.

(3) العراق بين احتلالين.

(4) الص 187.

241

خان الذي كان أول حاكم أيراني يعين في بغداد. و يشير كوك أيضا الى ان السلطان سليمان القانوني حينما أخذ بغداد من الأيرانيين أجرى أصلاحات كثيرة، و عمر العتبات المقدسة، ثم زار المشهد الكاظمي، و جامع أبي حنيفة و مرقد معروف الكرخي.

السلطان مراد في الكاظمية

و يأتي ذكر الكاظمية بعد ذلك بصورة غير مباشرة حينما يصف مؤرخ العراق الحديث المستر لونكريك في (اربعة قرون ..) ما جرى في بغداد عندما توفق السلطان مراد الرابع في فتح بغداد و استرجاعها من الصفويين في أواخر سنة 1638. فيقول «.. على ان حادثة مفجعة حدثت فجددت المشاهد الدموية، في المعسكر و في المدينة. فقد احترق مخزن البارود في بغداد و انفجر فجأة، فسبب أضرارا و ضياع نفوس كثيرة .. فأمر مراد بذبح جميع الأيرانيين اينما وجدوا و كان الكثير منهم قد التجأ الى المعسكر العثماني. فقتل الجميع، و كان بين المقتولين ثلاث مئة زائر كانوا قد عبروا في تلك الأيام لزيارة الكاظمين‏ (1). على ان المراجع العربية تذكر بالنسبة للسلطان مراد نفسه انه زار المراقد و المشاهد المقدسة قبل ان يعود الى استانبول بعد انتهاء حملته على بغداد، فزار المشهد الكاظمي يوم 12 رمضان 1048 ه. لكن جنوده حينما قاموا بالمذبحة التي أمر بها هاجموا الكاظمية و نهبوا أشياء كثيرة منها. و كان من جملة ما نهبوا قناديل كثيرة من الذهب و الفضة و جميع ما كان في الروضة مما خف حمله و غلا ثمنه.

في النصف الثاني من القرن السابع عشر

و في عهد محمد باشا الخاصكي ببغداد (1656) ثارت الجيوش المحلية

____________

(1) الص 70 من الترجمة العربية، ط 2.

242

عليه لبلاهته و سوء تصرفه، على ما يقول لونكريك‏ (1)، فاضطر الى الهرب من بغداد و اللجوء الى الكاظمية التي مكث فيها حتى هدأت الفتنة و عاد الى مقره منها.

و قد زار بغداد في عهد الوالي قره مصطفى باشا (1664) الرحالة الفرنسي المعروف (المسيو ثيفنو (2) و مكث أسبوعا واحدا فيها. فذكر في رحلته ان نساء بغداد كان من عاداتهن المفضلة ان يقصدن زيارة الأمام موسى الكاظم في أيام الجمع، الذي يقع ضريحه على مسيرة ساعة في البر.

ثم يقول و يبدو ان المنطقة المجاورة للكاظمية كان يكثر فيها وجود السباع التي تروى قصص كثيرة عن مهاجمتها للقوافل و التجائها للبساتين.

في عهد نادر شاه‏

و حينما تسنى لنادر شاه ان يغتصب الحكم من الأسرة الصفوية المالكة في ايران اصطدم مرات عديدة بالدولة العثمانية، فحاصر في بعضها بغداد ثلاث مرات متتاليات غير انه لم يستطع الاستيلاء عليها. و في كل مرة كان يتفاوض فيها لأنهاء النزاع المحتدم بين الطرفين كان يرد ذكر الكاظمية في المفاوضات لأن نادر شاه كان يطالب بالعتبات الشيعية المقدسة. و قد وجه الى أحمد باشا والي بغداد في خريف 1732 الرسالة التالية في إحدى المرات:

«ليكن معلوما لديكم، يا باشا بغداد، اننا نطالب بحق لا نزاع فيه في زيارة قبور الأئمة علي و الحسين و المهدي و موسى الكاظم .. و نحن سائرون‏

____________

(1) الص 85 من الترجمة العربية، ط 2.

(2)

DeThevcnot, M- Relationd`un Voyage Fait au Levant, English Translation by A. Lovel( London 7861 ).

243

حالا على رأس جيشنا المظفر لنتنسم هواء سهول بغداد العليل، و نستريح في ظل أسوارها (1)

الرحالة نيپور في الكاظمية

و لقد زار بغداد في سنة 1765 الرحالة الألماني المشهور كارستن نيپور، في رحلة علمية الى بلاد العرب جهزها ملك الدانيمارك، و أقام في البصرة و بغداد و غيرهما مدة من الزمن فكتب في رحلته‏ (2) الكبيرة شيئا غير يسير عن العراق و تاريخه. و قد ذكر في خلال كتابته هذه شيئا عن الكاظمية وجدنا من المناسب أدراجه هنا نقلا عن ترجمة الدكتور مصطفى جواد لها في مجلة سومر (ج 1 و 2 سنة 1964). فقد قال: ... و في شمال بغداد الغربي، على ثلاثة أرباع الساعة سيرا، غربي دجلة قرية كبيرة تسمى (الكاظم). و هناك مسجد كبير مع تربتين لأمامين من أئمة الشيعة هما الأمام موسى الكاظم (أي الصبور) و حفيده محمد الجواد. و هذا المسجد الأسلامي مدعاة للفخر فان قبتيه الشاهقتين و المنارة كانت قد زينت ظواهرها على الطراز الأسلامي بحجارة مطلية و هي اليوم في تكسر مستمر، و موضع هذا المسجد ليس بمنفسح الأطراف كما هو حال مشهد علي و مشهد الحسين فأن المنازل و الدور قائمة على حفافيه و حياله. و قد قتل موسى بن جعفر سنة 185 (الصحيح 183) ه بأمر من الخليفة القائم (كذا) يومئذ لأنه تدخل في أمور تستوجب التهمة، و هي ان جماعة كبيرة من شيعة العلويين اجتمعوا في دار، فلذلك تراه الشيعة «شهيد الشهداء» و يزورونه زيارات مختلفة للتعبد لديه. و سكان قرية الكاظم هم من الشيعة على التقريب، و اذا لم يكن لأصحاب هذا المذهب و أتباعه حرية في الأعلان بمذهبهم و واجباته‏

____________

(1) اربعة قرون في .. الص 130، ط 2.

(2)Neibubr .C -Voyage en Arabie (A mesterdam 6771)

244

ببغداد نفسها يزور هذا المسجد كل يوم ناس كثير منهم من أهل بغداد و ان أكثر الشيعة الذين لا يستطيعون نقل موتاهم الى مشهد علي لعجزهم عن الأنفاق أو غير ذلك يدفنونهم في مقبرة موسى الكاظم، و في هذا ما يكسب المشهد أموالا وفيرة.

ان بغداد التي أنشأها الخليفة المنصور كانت في غربي دجلة، و لا شك في أنها كانت في الموضع المذكور آنفا، أعني القسم الشمالي من الربض الحالي، بالقرب من تربة موسى الكاظم. و في شرق النهر كانت قد بنيت قلعة و أنشي‏ء ربض الا انه لم يبق منها الا قرية (المعظم) التي بأزاء قرية (الكاظم) على التقريب مع انحراف قليل على مسافة كيلو مترين من بغداد الحالية.

أواخر القرن الثامن عشر

و في 1786 ثار الحاج سليمان باشا الشاوي، شيخ مشايخ العبيد المقيم ببغداد، على الوالي سليمان باشا الكبير فأقلق الباشوية مدة من الزمن و تغلب على الجيوش الحكومية بعشائره فحاصر بغداد و نزل بالقرب من الكاظمية أياما عديدة، و صار يهدد بغداد منها. و في هذه المناسبة يذكر المستر لونكريك في (أربعة قرون ..) قوله: .. ثم ضغط (العبيد) و من يتبعهم بالتضييق على بغداد بعد ان سكروا بخمرة الظفر، حتى استدعى ذلك تنظيم أمور الدفاع و التحصن .. و بقيت الفوضوية مستفحلة- و الأمن مفقودا لحد لم تتمكن الحكومة فيه من المحافظة على الكاظمية و الكرخ الابشق الأنفس‏ (1).

____________

(1) الص 191 من الترجمة العربية، ط 2.

245

النصف الأول من القرن التاسع عشر

و تذكر الكاظمية في هذا الدور في رحلة الرحالة الانكليزي كيرپورتر، و هو عالم آثاري و رسام بارع، الذي مر ببغداد في طريقه الى أيران سنة 1818 (في عهد الوالي داود باشا) و نزل ضيفا على القنصلية الانكليزية فيها .. فقد ذكر نبذة قصيرة عنها في رحلته‏ (1) المطبوعة سنة 1822، يقول فيها ان المدينة الجديدة الواقعة على الساحل الشرقي لدجلة (يقصد جانب الرصافة) توجد في مقابلها محلة تقع فيها قلعة الطيور (قوشلر قلعة سى)،

____________

(1)

Porter, SirR. Ker- Travels in Georgea. Persia, Arme? nia Old. Babylon( London 2281 )

الص 281 المجلد الثاني‏

مدينة الكاظمين و نهر دجلة المنساب شرقها كما تبدو من الطائرة.

246

و في شمالها مرقد الأمام موسى الكاظم أحد الأئمة الأثنى عشر الذي يعرف بكظمه للغيظ و قد استشهد بالسيف (كذا)، ثم دفن الى جنبه بعد ذلك حفيده الأمام التاسع محمد التقي.

و يقول كذلك ان الكاظمية سكنها عدد كبير من الشيعة، بعد ان نهب الوهابيون العتبات المقدسة في الفرات الأوسط سنة 1801، و اصبحت مدينة مقدسة كبيرة ترتفع في وسطها قباب جوامعها المذهبة و تلمع ما بين بساتين النخيل المحيطة بها، و يقصدها الزوار بأعداد كبيرة.

و حينما شق والي بغداد داود باشا عصا الطاعة على الدولة العثمانية، و تحداها في امور و أحوال كثيرة، قررت تنحيته بالقوة، و سيرت جيشا تأديبيا عليه سنة 1831 بقيادة علي رضا باشا (اللاظ) فأزاحته عن الولاية بعد مقاومة غير يسيره، فكان آخر الولاة المماليك في بغداد. و كان علي رضا باشا قد انتدب من الموصل قبل زحفه على بغداد متسلما عنه قاسم باشا العمري متصرف الموصل، فوقف هذا مع ثلة من الجيش في الكاظمية قبل ان يدخل بغداد. و يقول لونكريك‏ (1) في (اربعة قرون ..) ان الأخبار وصلت الى عاصمة الولاية المحاصرة تفيد بوصول قاسم باشا الى الكاظمية مع سليمان غنام العقيلي (الذي رافق علي رضا من استانبول) و الشيخ صفوك. و فيها قرئ الفرمان بعزل داود على الملأ و ركع الجميع لأوامر الپادشاه، ثم ارسل عشرون وكيلا الى بغداد. فحدث بنتيجة ذلك أول هياج قام به رعاع محلة باب الشيخ الذين ساروا الى السراي و أحرقوا بابا من أبوابه.

و على أثر النكبات المتتالية المفجعة التي حلت ببغداد سنة 1831، يوم داهمها الطاعون المبيد و أغرقها فيضان دجلة المخيف، في الوقت الذي‏

____________

(1) الص 121 من الترجمة العربية، ط 2.

247

كانت تحاصرها جيوش علي رضا باشا التي سيقت لتنحية داود باشا عن الحكم، زار بغداد قادما من أيران الرحالة الانكليزي جيمس بيلي فريزر، و كان ذلك في تشرين الثاني 1834.

و قد تنسى؟؟؟ له أن يزور الكاظمية في يوم 17 كانون الأول فيذكر شيئا عنها في رحلته، و قد آثرنا ايراد ما ذكره عنها هنا برغم ما فيه من بعض الأغلاط التاريخية التي لا تخفى على القارئ. فهو يقول: .. و قد ركبنا في المساء الى الكاظمية، و هي قرية تقع على بعد أميال ثلاثة من شمال بغداد، حيث يوجد ضريح الأمام موسى الكاظم إمام الشيعة الذي قطع رأسه (كذا) هارون الرشيد على ما اعتقد. و كان قد حبس في جب لا يزال يرى الى يومنا هذا، و هرب منه بمعجزة على ما يقال. و يزعم آخرون ان رأسه قد قطع بأمر من الخليفة، و مع هذا يمكن ان يشاهد في بعض الأحيان حتى في هذه الأيام جالسا في مكانه القديم في الجب. و الظاهر ان هذا المزار واسع جدا، و له قبتان مطليتان بالذهب و اربع منارات رشيقة. و قد طليت القبتان من قبل نادر شاه (كذا)، الذي يبدو انه التجأ الى هذا الأسلوب في تزيين قبور الأئمة و الاولياء تكفيرا عن شناعاته. و هذا مزار عظيم يقصده الزوار المسلمون بكثرة- أي ان جميع الذين يزورون كربلا لا بد من ان يأتوا لزيارة هذا المكان أيضا. و هو مثل سائر الأماكن الشبيهة به يزدهر بما ينفقه هؤلاء الزوار فيه، و يمتلى‏ء بالمتشردين و المنبوذين الذين يلوذون بحمايته.

و لم أحاول الدخول فيه لأني قد رأيت الكفاية من مثل هذه الأشياء، و أريد ان أتحاشى اللغط الذي يثار حينما يحاول الأجانب زيارته أيضا (1).

____________

(1)

Fraser, J. Baillie- Travelsin Koordistan Mesopotamia( London 0481

و هي الرحلة التي ترجمها كاتب هذه السطور إلى العربية بعنوان (رحلة فريزر إلى بغداد في 1834) و طبعت في (مطبعة المعارف ببغداد 1964)، الص 200.

248

فيلكس جونز في الكاظمية

و في ربيع سنة 1850 قام الكوماندر جيمس فيلكس جونز بسياحات جغرافية للمسح و الاستقصاء العلمي في المنطقة الواقعة غربي دجلة في شمال بغداد، و كتب عنها مذكرة بعنوان (تتبعات في جوار سور الميديين، و في المنطقة الواقعة على مجرى دجلة القديم، و تثبيت موقع أوييس القديمة).

فرفعت هذه المذكرة الى الحكومة البريطانية في الهند خلال شباط 1851.

و طبعت في سلسلة المختارات الجديدة من سجلات حكومة بومبي، المجلد الثالث و الأربعون لسنة 1857.

و في خلال هذه الأعمال مر جونز بالكاظمية فكتب يقول عنها: ..

و بعد ان خرجنا من بغداد و اجتزنا اسوارها المتهدمة (في جانب الكرخ) سرنا في طريق لا بأس به مدة خمسين دقيقة فوصلنا الى الكاظمية. التي كانت قبابها المطلية بالذهب و منائرها الرشيقة تكون منظرا خلابا و هي ترتفع في الأفق البعيد، و تتلألأ ما بين بساتين النخيل الخاشعة من حولها.

على ان ذلك المنظر سرعان ما تبين حقيقته حينما يدنو الناظر اليه من البلدة فيجد ذلك المشهد الجميل محاطا بمجموعة متراصة من البيوت الحقيرة المتهدمة، المبنية بالطين و الطابوق المفتت. و يسكن البلدة سكانها العرب مع عدد غير يسير من الأيرانيين، و الهنود الشيعة المنفيين من بلادهم لاسباب سياسية او المقيمين للعبادة و التبرك. و يزور الضريح المقدس في هذه البلدة كل سنة عدد هائل من الزوار الذين يتواردون عليه من أنحاء العالم الأسلامي كله، و حيثما يقدس الأمام علي و ذريته. و لذلك يجتمع هنا خليط عجيب غريب يجمع بين مظاهر الثراء و الأبهة و مباذل الفقر و الشحاذة، كما يجمع (1)

Jones. Commander J. Felix- Reserhes in the Vicinity of the Medion Wall of Zenopbon. Alongthe Old Cou??? se of the Rive Tigris. iDscovery of Ancient Opis.

249

بين ملابس الحرير و الأسمال أو الخرق البالية. و من المحظور على النصارى و اليهود التقرب من المشهد المقدس، غير اننا استطعنا أن نشاهد ما يعجب من الأشياء، و ما يجعل المرء يأسف على عدم مشاهدة الكثير من أمثال هذا المبنى الجميل الضخم في بلاد يمكن ان يبنى فيها على طرازه.

فقد وجدنا الصحن المربع المحيط بالحضرة مزدانا بزينة الموزاييك الغنية بالقيم الفنية، و الجدران مزوقة بالآيات القرانية و الجمل الدينية المكتوبة بالأحرف العربية الجميلة. و لما كنا و نحن نمرّ بالبلدة المقدسة في عشية يوم النوروز فقد كان من الممكن للمرء أن يشاهد في كل مكان امارات الفرح و الحبور ترتسم على وجوه الناس و تمتزج بتعابير العبادة و الخشوع الظاهرة عليهم. و قد كان ذلك يبدو على شي‏ء غير يسير من الروعة حينما كانت الشمس المائلة الى المغيب ترسل أشعتها الأخيرة الباهته على المنائر و القباب المذهبة فتلوح للرائي كالنجوم المتلألئة التي تجتذب الزوار اليها من بعيد.

هذا و قد مررنا في طريقنا بأناس قادمين من كل حدب وصوب، و منتمين الى كل عنصر و عرق، فمن سكان التيبت و كشمير و الأفغان و أيران، جانب من صحن الامامين الكاظمين‏

250

الى المغول و العرب المواطنين. و كانوا يغذون السير- و هم- راكبين أو راجلين ليصلوا الى مبتغاهم فيستطيعوا إداء الزيارة في صباح اليوم التالي من دون تأخير. كما مررنا بآخرين كانوا قد فرشوا سجادهم أو عباءاتهم.

على قارعة للطريق، و أخذوا يؤدون الصلاة بكل نشاط و أخلاص. و قد كانوا، و هم يستقبلون القبلة للقيام بهذا الواجب الديني المفروض، تبدو في وجوههم شتى المشاعر و الأحاسيس و مختلف المخائل و السمات. و من المكن ان يقال أنه لا يوجد أي مكان آخر في العالم يجتمع فيه مثل هذا الخليط من الناس و هذا الاختلاف في المشاعر و التعبير. على ان تقاسيم وجه العربي المعبرة، اذا ما ضمت الى لباسه الجذاب وحدة نظره و استقلال شخصيته، مع سلاحه المطروح الى جانبه، لتدل كلها على مخائل عرق ممتاز متفوق حتى عندما يلاحظ في حالات الانحناء و السجود.

و بعد ان يبتعد المرء قليلا عن البلدة تبدأ منطقة التاجي التي تمتد البادية من حولها الى جنب بساتين النخيل التي لا تمتد عن ساحل النهر الى أبعد من ثلاث مئة يارده. و تأتي بعد ذلك مستنقعات عقرقوف المتكونة من فيضان الفرات الذي يبعد عنها بمسافة خمسين ميلا، و يتصل بدجلة عن طريقها. فتحاط الكاظمية و بساتينها على هذه الشاكلة بالماء من جميع الأطراف، و تصبح و كأنها جزيرة في وسط بحر متلاطم بالأمواج.

الكاظمية في رحلة نايهولت‏

و في سنة 1866- 67 جاء الى العراق الرحالة الهولندي لكلاما نايهولت (نيجهولت)، و مكث في بغداد مدة من الزمن درس فيها الكثير من شؤونها و أحوال مجتمعها، فكتب رحلته القيمة التي ترجمت الى الانكليزية.

و كان مما كتبه في هذه الرحلة نبذة وجيزة عن الكاظمية آثرنا ان نوردها هنا نقلا عن الترجمة العربية التي اضطلع بها الأستاذ مير بصري. فهو يقول: .. و كانت من الزيارات الممتعة التي قمت بها زيارة الكاظمية،

251

و هي بلدة صغيرة أقامها أخلاص الشيعة حول جامع الأمام موسى على مسافة فرسخ من بغداد. و لأجل الذهاب الى الكاظمية، نخرج من السوق الكبير الى شاطي‏ء دجلة الأيمن و نصعد عدة دقائق الى منحنى النهر حيث نطل على منظر جميل لمدينة بغداد. و بعد مسيرة نصف ساعة على الشاطي‏ء نصل الى غابة صغيرة رائعة من النخيل. و نلتقي في كل دقيقة بالعرب و العجم و الهنود، مما يضفي على الطريق حركة عظيمة. و يمتطي‏ء أكثرهم ظهور الحمير، و هذه الدواب تكرى قرب قصر أخي شاه أيران حيث يقف عدد كبير منها. و هذه الحمير من جنس ممتاز أصله من جزيرة العرب (لعله يقصد الحمير الحساوية المعروفة) و تتفوق بكل صفاتها على حمير أوربة. و هي بيضاء اللون تسير كالخيل. فاذا ما تركنا الغابة التي أشرت اليها، أدرنا ظهورنا الى دجلة و لاحت لنا في البعد قبتان ذهبيتان لجامع الأمام موسى الأكبر. و لا تمر نصف ساعة حتى نصل الى أولى منازل الكاظمية.

و الكاظمية بلدة صغيرة حسنة البناء، فيها سوق كامل التجهيز.

و الشيعة هنا شديدو التعصب. و قد تحملت سيلا من الشتائم لمجرد تقربي من ابواب السور الذي يحيط بالبناء الواسع الذي يقوم المسجد العظيم في داخله. و ابواب السور مغلقة بالسلاسل التي يقبلها المؤمنون باحترام عند الدخول و الخروج. و مما سمح لي برؤيته ظهر لي ان هذا الأثر المقدس يتألف من المسجد الذي تزينه منارة جميلة في كل ركن من أركانه الأربعة و من مشتملات واسعة تضم المساكن و المدارس و حجر الدرس للملالي و تلاميذهم. و يقال أن داخل المسجد جميل جدا، و لكن محاولة الدخول تؤدي مؤكدا الى القتل في الحال. و مع انني وقفت على مسافة بعيدة، فان أحد ابناء الشعب رأى ان وقوفي قد طال في رأيه فأخذ يسبني و يهددني حتى رأيت الأفضل ان انسحب. و قد عدت من هذه الزيارة بنفس الطريق الذي سلكته في الذهاب.

252

أصلاحات مدحت باشا في الكاظمية

و تذكر الكاظمية في المراجع الغربية بعد هذا بمناسبة البحث في اصلاحات مدحت باشا في بغداد و ما حولها. فيقول ريتشارد كوك في كتابه‏ (1) عن بغداد ان روحية الأصلاح المتوثبة التي كانت تتجلى في مدحت باشا قد كانت السبب في إدخال أحدث المبتدعات الى المدينة، و هي فكرة أنشاء خط (الترامواي) فقد كانت شدة الازدحام في تنقل الزوار بين بغداد و الكاظمية قد جعلت تيسير وسائط نقل كافية شيئا أساسيا، فأنشأت الحكومة خط «ترامواي» يسحب بالخيول. و لم يكن المشروع ناجحا من الناحية المالية، و لذلك نقلت عهدته الى شركة محلية ظلت تديره الى يومنا هذا. و كان هذا الخط في عهد مدحت نفسه ينظر اليه باعتزاز و فخر و يعتبر من أحدث المشاريع في الشرق.

لكنه بقي منذ يومه ذاك محافظا على وضعه من دون ان يصيبه أي تحسن ففقد شهرته المذكورة و سمعته. و قد كانت فكرة كهربته تراود مخيلة الكثيرين بين حين و آخر لكنها لم يمكن ان تتبلور و توضع في موضع التطبيق.

اما لونكريك‏ (2) فيشير الى ترامواي الكاظمية أشارة عابرة، في ضمن الأعمال و الأصلاحات التي تحققت في عهد الوالي المصلح مدحت باشا.

فهو يقول عنه أنه أكمل ما بدأ بتشييده نامق باشا من الأبنية العامة و أضاف اليها شيئا كثيرا. كما ان أصدار جريدة في أيامه و تأسيس المعامل العسكرية، و بناء مستشفى و دار للعجزه و ميتمة و عدة مدارس، و مدّ خط ترامواي الى الكاظمية كانت كلها، مع الروح التجددية التي دلت عليها، قد نورت بغداد و بعثت حياة التجدد و الأحياء فيها (انتهى قول لونكريك).

و الحقيقة ان ما اصاب الكاظمية من اصلاحات مدحت باشا لم يقتصر على مشروع الترامواي الذي انشي‏ء لتسهيل أمور الزوار. فقد أصلح‏

____________

(1) بغداد مدينة السلام الص 274.

(2) الص 285 من الترجمة العربية ط 2.

253

الجهاز الحكومي فيها أيضا بألغاء طريقة الالتزام و الأصول الاقطاعية في الحكم، و عين موظفين أداريين فيها يتناولون رواتبهم من خزينة الدولة، كما جعل الكاظمية قضاءا يديره قائمقام خاص بعد ان أضاف الى حدود البلدة الأدارية المقاطعات المجاورة. و حينما عزم ناصر الدين شاه القاجاري ملك أيران على زيارة الكاظمية و سائر العتبات المقدسة في العراق سنة 1870 قامت الحكومة بأدخال بعض التحسينات و الاصلاحات في طرق الكاظمية و مرافقها البارزة تمهيدا لهذه الزيارة السامية (1).

اما خط الترامواي الذي يشير اليه ريتشارد كوك و لو نكريك فقد مدت سكته الى مسافة سبع كيلومترات، و حينما وجدت الحكومة انه مشروع غير رابح يومذاك ماليا شجعت تشكيل شركة أهلية لأدارته تتكون ماليتها من ستة ألاف سهم بيعت معظمها بسرعة لأن مدحت تولى تشجيعها و تصريفها بنفسه، و كانت قيمة الحصة الواحدة مئتين و خمسين قرشا. و يقول المطلعون اليوم انه طلب الى الحاج عبد الهادي الاسترابادي، و هو من أبرز وجوه الكاظمية و تجارها في تلك الأيام، ان يبدأ بتشكيل هذه الشركة ففعل ذلك بالاشتراك مع علي چلبي و آخرين، على انه انسحب من الشركة بعد ذلك. و قد نجحت نجاحا غير يسير، حتى بلغت نسبة ارباحها 18 و 20% في بعض السنين. و استمرت في عملها هذا الى ما قبل سنوات حينما تضاءل شأنها و قلت أهميتها بشيوع استعمال السيارات الحديثة فانحلت.

و لأجل ان نعطي القارى‏ء الكريم فكرة واضحة عن هذا الترامواي، و كيفية سيره في تلك الأيام الخالية، نستشهد بما كتبته الرحالة الفرنسية المدام ديولافوا عنه حينما استقلت إحدى عرباته مع زوجها لزيارة الكاظمية سنة 1886. فهي تقول:

.. و في هذا اليوم ركبنا الترامواي ليوصلنا الى الكاظمية بفترة ربع ساعة

____________

(1) الشيخ محمد حسن آل ياسين، مجلة الاقلام عدد ت 2، 1964.

254

أو عشرين دقيقة على أبعد احتمال، و لكنه لم يكد يقطع نصف الطريق حتى توقف عن السير و هبط السائق من العربة و رجا منا ان نترك الترامواي.

و سألت عن سبب هذا التوقف فقيل لي أن أرض منعطف الطريق الضيق الذي بلغناه قد خسفت، و اذا كان لا بد من ان يتابع الترامواي سيره فلا محالة أنه سيسقط .. و لقد وضعوا هنا عددا من الحمالين لدفع حافلة الترامواي و نقلها الى الجهة الأخرى بعد ان يتركها الركاب. و هذه العملية تتم في دقائق ثقيلة و بجهد جهيد يبذله اولئك المساكين.

و بعد ان عادت المدام ديولافوا من زيارتها للكاظمية بالترامواي نفسه نجدها تقول: و بعد مدة من الانتظار تحرك الترامواي ينهب الأرض نهبا، و لما كانت هذه آخر مرة يقود السائق فيها العربة في هذا اليوم أخذ يلهب ظهر الجياد بالسوط بقساوة و ضراوة ليزيد من سرعتها فيصل الى منزله في أقرب فرصة من دون ان يفكر بعواقب عمله المخطر لا سيما و الحافلة كانت مكتظة بالركاب الذين كانوا من طبقات مختلفة و أديان شتى، و كانوا كالسمك الطري الذي يوضع في الأناء لشيه، يرتفعون و يهبطون وفقا لسير الحافلة و اهتزازها .. و قد زاد السائق من الهاب ظهر الجياد بسوطه، و كانت سرعة الحافلة تزيد بنسبة ذلك، و لم يعمل على تخفيف السرعة حتى عند وصولنا الى الطرق و الأزقة الضيقة التي كانت حركة مرور الناس فيها على أشدها. و مررنا في أحد الأزقة الضيقة تلك بعدد من الحمير التي كانت تحمل السمك .. فذعرت الحمير من الترامواي و رمت أحمالها على الأرض و أخذ أصحابها يسبون و يلعنون السائق .. و الواقع ان ذلك كان مشهدا تمثيليا رائعا (1).

ترمواي الكاظمين (احدى عربات السكة) التي لم يبق منها اليوم لا عين و لا اثر

____________

(1) نقلا عن الترجمة العربية، الص 90 و 97.