موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج2

- عباس العزاوي المزيد...
424 /
57

«فضل اللّه الخواجه رشيد الدين» الوزير صاحب جامع التواريخ. و معتاد الناس أن يتساهلوا في اختصار الأعلام فيقولوا محمد الفضل و يريدون محمد بن الفضل ...

قال المرحوم الأستاذ شكري الآلوسي إنه «من الجوامع القديمة في جانب الرصافة ... و ليس على جدرانه من الكتابات المتقدمة ما يعرفنا بمنشى‏ء عمارته .. جدده سليمان باشا والي بغداد سنة 1210 ه» «إلى أن قال»:

«و في هذا الجامع على ما يقال قبر محمد الفضل فلذلك سمي بجامع الفضل؛ و هو على ما ذكر بعضهم ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، و محمد الفضل و السيد سلطان علي أخوان» ا ه.

جاء في دوحة الوزراء أن الوزير سليمان باشا عمر فيه مدرسة أيضا ...

و النص المنقول في ترجمة ابن القاسم يعين أن منشى‏ء عمارته هو الوزير محمد بن الفضل، و القول بأن محمد الفضل هو ابن إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السّلام) باطل فإن محمدا رأس الإسماعيلية، و المعروف أنه سار إلى أنحاء مصر، و لم تكن وفاته في بغداد، و إنما ينسب الإسماعيلية «الحكومة المصرية الفاطمية» إليه ... هذا مع الإشارة إلى أن محمد الفضل لم يكن أخا للسيد سلطان علي ... و أعتقد أن قد وضح باني الجامع، أو مؤسسه ...

58

أحد مجالس الأمير تيمور لنك‏

59

حوادث سنة 745 ه- 1344 م‏

وفيات‏

1- ابن الفصيح:

في هذه السنة توفي جلال الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن أحمد الفقيه الحنفي النحوي العراقي الكوفي المعروف بابن الفصيح، طلب الحديث و سمع من الجزري و الذهبي. ولد سنة 702 ه نقلا عن الصفدي‏ (1).

2- عبد الرحمن بن علي التكريتي:

هو عبد الرحمن بن علي بن حسين بن مناع التكريتي ثم الصالحي التاجر. ولد في رمضان سنة 662 ه و وجد بخطه 63 سمع من ابن عبد الدائم و غيره، و حدث و كان تاجرا، حسن الشكل، مهيبا، كريم الأخلاق. مات في شعبان سنة 745 ه (2).

حوادث سنة 746 ه- 1345 م‏

طاق كسرى:

في هذه السنة في رابع صفر انهدم طاق كسرى كذا في تقويم التواريخ و الظاهر أنه سقط قسم منه و إلا فإن بقاياه لا تزال قائمة إلى العام الذي نكتب فيه هذا التاريخ و هو سنة 1354 ه- 1936 م.

____________

(1) بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة للسيوطي ص 278 و الشذرات ج 6 ص 143.

(2) الدرر الكامنة ج 2 ص 336.

60

شريف مكة أسد الدين رميثة:

توفي في هذه السنة و كان ينازع الإمارة أخاه عطية، و استقر رميثة في إمارة مكة منفردا عام 738 ه. ثم نزل عن الإمارة لولديه ثقبة و عجلان إلى أن مات.

و أحمد المذكور آنفا ابنه. و في الشذرات و الدرر الكامنة تفصيل عنه و عن ثقبة و رميثة إلا أن صاحب الدرر ذكر وفاة رميثة سنة 748 ه (1).

وفيات‏

1- محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكوفي:

ثم البغدادي الأتراري (الإبراري) الأصل جلال الدين أبو هاشم الهاشمي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. ولد سنة 663 ه.

و كان أبوه واعظ بغداد (2) في زمانه و له مراث في المستعصم و آل بيته، كان ينشدها في مجالسه بالمستنصرية، نشأ ولده على طريقته، و سمع من الرشيد بن أبي القاسم و النظام الهروي، و أجاز له عبد الصمد بن أبي الجيش، و الموفق، و الكواشي و آخرون رتب مسمعا للحديث بالمستنصرية بعد تقي الدين الدقوقي، و كان من أكابر أمناء بغداد. توفي في رجب هذه السنة (3).

2- محمد بن يونس بن حمزة الإربلي:

إربلي الأصل صالحي و هو القطان العدوي. روى عن ابن عبد

____________

(1) الشذرات ج 6 ص 150، و الدرر الكامنة ج 2 ص 111 و ج 1 ص 530.

(2) مر ذكره في المجلد الأول من هذا الكتاب. و هنا تأيد أن اسم والد المترجم محمد بن أحمد.

(3) الدرر الكامنة ج 4 ص 163.

61

الدائم و عبد الوهاب بن الناصح و غيرهما، و حدث، و كان فاضلا عالما بالفنون، ذا ورع و زهد. مات في المحرم من هذه السنة (1).

3- محمد بن طاهر الواسطي:

النقيب، حدث عن الفخر، و مات في صفر سنة 746 ه و في رواية سنة 744 ه أو سنة 747 ه (2).

4- الدلقندي:

في هذه السنة في يوم عاشوراء توفي فجأة الأمير السيد عماد الدين ناصر بن محمد الدلقندي و قد مر بنا ذكر الأمير علي ابن الأمير طالب الدلقندي و لا تعرف درجة قرابتهما و لا مكانتهما ... و قد رثى صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي المترجم بقصيدة مطلعها:

اليوم زعزع ركن المجد و انهدما* * * فحق للخلق أن تذري الدموع دما

و منها:

يا ابن الأئمة و القوم الذين سموا* * * على الأنام فكانوا للهدى علما

مثواك في يوم عاشوراء يخبرنا* * * بقرب أصلك من آبائك الكرما

و ذكر له ولدين هما نظام الدين و تاج الدين‏ (3) ... و قد مضى البحث عن الدلقندي في المجلد الأول من هذا التاريخ ...

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 317.

(2) الدرر الكامنة ج 3 ص 459.

(3) ديوان الصفي الحلي ص 248.

62

حوادث سنة 748 ه- 1347 م‏

السلطان- حرب اللر:

شاهد ابن بطوطة السلطان فقال: «كان سلطان بغداد و العراق في عهد دخولي إليها (في هذه السنة) الشيخ حسن ابن عمة السلطان أبي سعيد ... و كان السلطان حسن غائبا عن بغداد في هذه المدة متوجها لقتال السلطان أتابك افراسياب صاحب بلاد اللر ...» (1).

إمارة اللر الكبيرة:

يراد ببلاد اللر إمارة «اللر الكبيرة» أو المعروفة اليوم ب «البختارية» تمييزا لها عن اللر الصغيرة «إمارة الفيلية» و تأسست إمارة اللر الكبيرة أيام أبي طاهر محمد عام 545 ه، أو سنة 550 ه و توالى فيها تسعة أمراء:

1- أبو طاهر (545 ه: 550 ه).

2- هزار اسف (550 ه: 554 ه).

3- تكله (554 ه: 556 ه).

4- شمس الدين الب ارغون (656 ه: 671 ه).

5- يوسف شاه (671 ه: 680 ه).

6- افراسياب (680 ه- 696 ه).

7- نصرة الدين أحمد (696 ه: 732 ه).

8- ركن الدين يوسف شاه (732 ه: 740 ه).

9- مظفر الدين أفراسياب (740 ه: 795 ه).

____________

(1) رحلة ابن بطوطة ج 2 ص 168.

63

و قد أطنب ابن بطوطة في الكلام على أميرها افراسياب المذكور و الموضوع البحث .. و إمارتهم تسمى «الأتابكة الفضلوية» و قد امتدت سلطتها إلى تستر و ايذج ... و هذه كان لسلطان العراق مقرر عليها أي أنها تابعة و منقادة له ... و لا يسع المقام التفصيل و لا ذكر من جاء بعد افراسياب. و قد مر في المجلد الأول الكلام على افراسياب الأول و نصرة الدين أحمد و غيرهما ...

وقائع العرب (قبيلة طيى‏ء):

في هذه السنة حدثت وقائع و حروب بين أمراء العرب من طيى‏ء و ذلك أن سيف بن فضل بن عيسى بن مهنا جمع لحرب مهنا بن عيسى و وقعت بينه و بين فياض بن مهنا وقعة انكسر فيها، ثم تواترت الحروب و نهبوا من مال سيف .. و حصل للرعية بسبب هذه الحروب شرور كثيرة في هذه الأيام و ما بعدها إلى أن قتل سيف‏ (1) ..

الملك الأشرف- حصار بغداد:

في أول موسم الربيع من سنة 748 ه تحرك الملك الأشرف من قراباغ و صال على الشيخ حسن الايلگاني متوجها إلى بغداد فعلم الشيخ بذلك فاتخذ الأهبة و استعد للكفاح. توجه الأشرف نحو قلعة كماخ أولا فلم ينل منها مأربا و كانت المواطن قد استحكمت و منع من دخولها دلشاد خاتون و الخواجه مرجان و قرا حسن فمال نحو بغداد و لما وصلها رأى البلد محكما مضبوطا أيضا فتحارب جيش الأشرف بضعة أيام فلم يحصل على طائل. و إن الأمير أحمد من مقربي الملك الأشرف تكلم مع البغداديين على ساحل دجلة بقصد الإقناع فلم يفز بغرض أيضا، و في الأثناء هاجمه بعض الخيالة من البغداديين فاستولى الخوف عليه و على‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 183.

64

الملك الأشرف و انهزموا بمن معهم فحاول أمراء بغداد أن يعقبوا أثرهم و ينكلوا بهم أثناء هربهم فمنعتهم دلشاد خاتون حذرا من الخدعة و آوت من مال إلى بغداد من الأفراد الملتجئين من عسكره المنهزم‏ (1) ...

وفيات‏

1- نجم الدين محمود (وزير بغداد):

هو ابن علي بن شروين البغدادي كان وزير بغداد و في سنة 738 ه سار إلى الديار المصرية لما رأى من كثرة الاختلاف فاتفق مع جماعة عند إرادة الفتك به ... فتوجهوا إلى الشام ثم قدموا القاهرة فلما سلم على الناصر و قبّل الأرض قبل يده فوضع فيها حجر يلخش وزنه أربعون درهما قوّم بأكثر من عشرة آلاف دينار فأكرمه السلطان و قرره أمير طبلخانات و أعطاه إمرة و تشريفا و وصى السلطان أن يرتب وزيرا بعده فولي الوزارة في أول دولة المنصور فعامل الناس بالجميل و استمر إلى أن ولي الصالح إسماعيل فحظي عنده ثم عزل في دولة الكامل شعبان، فلما ولي المظفر حاجي أعيد إلى أن خرج في أوائل شهر رجب سنة 748 ه و طغيتمر النجمي الدوادار و غيرهما إلى غزة ثم قتلوا بها في السنة المذكورة. و كان جوادا كثير الصدقات. و هو الذي أقدم ابن عبد الهادي إلى القاهرة حتى سمعوا صحيح مسلم.

و ممن كان معه حين سفره إلى الديار المصرية محمود فخر الدين نائب الحلة أيام أبي سعيد و بعده، كان موصوفا بالشجاعة و الإقدام و هو الذي باشر قتل ابن السهروردي لما قدم لإرادة مصادرة أهلها. و لما وصلوا إلى دمشق استقر محمود هذا أميرا بأربعين فرسا.

____________

(1) روضة الصفا ج 5 ص 167 و التفصيل هناك.

65

و ممن كان معه نظام الدين يحيى بن عبد الرحمن الجعبري «الجعفري» المعروف بابن النور الحكيم أصله من بغداد و كان أبوه من فضلاء المتميزين في صناعة الكحل و خالط الوزير و كثر ماله و اشتغل ابنه يحيى و تأدب و كتب الخط الجيد و اتصل بأبي سعيد فكان يكتب عنه الكتب التي بالعربية و يكتب عنه إلى مصر و غيرها بعبارة جيدة و حج بالناس مرة على الركب العراقي، ثم قدم دمشق مع الوزير نجم الدين ثم دخل صحبته إلى القاهرة و استقر نجم الدين أمير مائة و بقي هو في خدمة قوصون، و كان حاذقا بالموسيقى ثم عاد إلى دمشق فاستقر بها في مشيخة الربوة و طلب الحديث فسمع بدمشق و القاهرة فأكثر و كتب الخط الجيد كثيرا ... و كان له نظم حسن‏ (1) ...

2- نجم الدين سليمان النهرماوي:

هو ابن عبد الرحمن بن علي النهرماوي (النهرماري) البغدادي الحنبلي، حدث بالإجازة عن كمال البزار و الرشيد بن أبي القاسم، و تفقه على أبي بكر الزريراني و تقدم في معرفة الفقه إلى أن صار شيخ الحنابلة ببغداد، و ولي قضاءها نيابة و التدريس بالمستنصرية (ورد المستظهرية) و ترك ذلك قبل موته بقليل و استقل ولده بالحكم و التدريس. و كانت وفاة النجم في جمادى الآخرة سنة 748 ه (2).

3- نجم الدين عبد العزيز بن عبد القادر الربعي البغدادي:

ولد سنة 662 ه ببغداد و سمع بها و قدم الشام. و كانت له نباهة.

صنف كتاب نتائج الشيب من مدح و عيب في مجلد. و له رسالة في الرد على من أنكر الكيمياء و غير ذلك، سمع منه جماعة .. مات سنة 748 ه (3).

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 332 و 344 و 418.

(2) الدرر الكامنة ج 2 ص 151.

(3) الدرر الكامنة ج 2 ص 376.

66

حوادث سنة 749 ه- 1348 م‏

الطاعون العام:

في هذه السنة كان الطاعون العام الذي لم يسمع بمثله، عم البلاد حتى قيل إنه مات نصف الناس و نصف الطيور و الوحوش و الكلاب و عمل فيه ابن الوردي مقامة (1) ..

جاء عنه في تحفة اللبيب و بغية الكئيب الموجود في خزانة باريس الأهلية لأبي الفتح محمد بن علي بن القاضي تقي الدين العوفي‏ (2) المصري ما نصه:

«و أشهرها الطاعون الجارف الذي كان ببغداد و سائر العراق، ابتدأ في أواخر صفر سنة 749 ه من قرية يقال لها حصصتا من عمل الدجيل، ثم انتقل إلى المشهد الكاظمي، و عبر الجانب الشرقي و الغربي، و أباد أهلها و كان الرجل يخرج من بيته معافى صحيحا فيودع الناس، و يرجع إلى بيته فيموت، و تكاثر في رجب، و اشتد في رمضان، و صعب في ذي القعدة، و بلغ الغاية العظمى في ذي الحجة و المحرم سنة 750 ه إلى حادي عشرين صفر ...» ا ه. قاله الصديق الأستاذ مصطفى جواد.

أمير العرب:

في هذه السنة توفي الأمير أحمد بن مهنا ابن الأمير عيسى أمير العرب من آل فضل توفي بناحية السلمية. و كان جميل السلوك محترما عند الملوك (رحمه اللّه)(3). و فتّ موته في أعضاد آل مهنا و توجه أخوه فياض‏

____________

(1) الشذرات ج 6 ص 158.

(2) نسبة إلى عبد الرحمن بن عوف (رض).

(3) عقد الجمان ج 23.

67

الغشوم القاطع للطرق الظالم للرعية إلى مصر ليتولى الإمارة على العرب مكان أخيه أحمد فأجيب إلى ذلك فشكا عليه رجل شريف أنه قطع عليه الطريق و أخذ ماله و تعرض إلى حريمه فرسم السلطان بإنصافه منه فأغلظ فياض في القول طمعا بصغر سن السلطان فقبضوا عليه قبضا شنيعا.

و كان في عام 747 ه قد اقتتل هؤلاء مع سيف بن فضل بن عيسى أمير العرب فانكسر سيف و نهبت جماله و أمواله و نجا بعد اللتيا و اللتي و قد نال الأهلين من هؤلاء الأمر الكبير من التعديات على بلد المعرة و حماة و غيرهما بما لا يوصف ...

و إن سيف هذا كان قد عزل عن الإمارة عام 746 ه و نصب مكانه أحمد بن مهنا و أعيد إقطاع فياض بن مهنا إليه ...

و على كل كانت السلطة تابعة للأقوى و لمن يتغلب على منازعيه فيها ... و هي إمارة عشائرية ... و لم يعلم في هذه الأيام عن علاقة هؤلاء بالعراق و درجة اتصالهم به لقلة المصادر المعروفة ... و لما كانت أقسام كبيرة من عشائر العراق ترجع إلى قبائل طيى‏ء و هؤلاء أمراؤها فالاتصال ظاهر. و هذا ما دعا أن نشير إلى وقائعهم فيما بينهم و بين الحكومة السورية (1) ...

و أول من ذاع ذكره من هذا البيت في أيام العادل عمرو بن بلي.

و ديارهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرحبة آخذة على سقي الفرات و أطراف العراق. و لهم مياه كثيرة و مناهل. و كان أحمد هذا أمير العرب.

ولد سنة 684 ه و ولي أمرة آل فضل في أيام الناصر، و صرف عنها ثم أعيد، و كان جوادا كريما، خيرا، جيد المعاملة، وفيا بالعهد، لم يكن في أولاد مهنا مثله في العقل و السكون و الديانة. قد جرت له وقائع،

____________

(1) تاريخ ابن الوردي ج 2 ص 342 و ص 346 و ص 353.

68

قدم القاهرة مرارا، و اعتقله طقزدمر نائب الشام سنة 745 ه بدمشق، ثم بصفد، و أطلقه الكامل في شعبان سنة 746 ه و أكرمه، و أمره عوضا عن سيف بن فضل ثم أعيد سيف في أيام المظفر حاجي، و عزل أحمد و كان بالقاهرة فأخرج منها، ثم قدم سنة 749 ه و أعاده السلطان حسن و رجع إلى بلاده فمات في رجب هذه السنة (1).

عودة السلطان من تستر- خبيئة:

قد جاء في الشذرات أنه في هذه السنة و على ما جاء في ابن بطوطة في السنة التي قبلها توجه السلطان إلى تستر ليأخذ من أهلها قطيعة قررها عليهم فأخذها و عاد فوجد نوابه في رواق العدل في بغداد ثلاث قدور مثل قدور الهريسة مملوءة ذهبا مصريا و صوريا و يوسفيا و في بعضها سكة الخليفة الناصر البغدادي و غير ذلك فيقال جاء وزن ذلك أربعين قنطارا بالبغدادي‏ (2) ... و في تاريخ الغياثي:

«و ظفر- الشيخ حسن- في بغداد بخبيئة قيل إنه وجد فيها خمسمائة ألف مثقال ذهبا» ا ه (3).

وفيات‏

1- ابن الوردي:

في هذه السنة أو في التي قبلها توفي ابن الوردي و هو الشيخ زين الدين عمر بن الوردي. و على تاريخه عولنا في حوادث كثيرة إلا أنه قليل التعرض لحوادث العراق و كتابه في مجلدين طبع بولاق مصر عام‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 1 ص 322.

(2) الشذرات ج 6 حوادث سنة 757. و الدرر الكامنة ج 2 ص 14.

(3) ص 180.

69

1285 ه و عليه بعض التعاليق و قد أضيفت حوادثه الأخيرة إلى تاريخ أبي الفداء المطبوع في الآستانة لذا نجد النصين متفقين في اللفظ ...

و ترجمته مذكورة في فوات الوفيات‏ (1).

2- صفي الدين الخطيب البغدادي:

في هذه السنة توفي صفي الدين أبو عبد الله الحسين بن بدران بن داود البابصري البغدادي الفقيه الحنبلي المحدث النحوي الأديب ولد سنة 712 ه و سمع الحديث متأخرا و عني به و تفقه و برع في العربية و الأدب و نظم الشعر الحسن و صنف في علوم الحديث و غيرها و اختصر الإكمال لابن ماكولا. توفي يوم الجمعة 17 رمضان سنة 749 ه ببغداد مطعونا و دفن بمقبرة باب حرب‏ (2).

قال في الدرر الكامنة ولي الإعادة بدار الحديث بالمستنصرية.

و كان بارعا في الأدب مشاركا في الحديث و التاريخ مع الصيانة و الديانة.

3- أبو الخير سعيد الذهلي الحريري: (مؤرخ عراقي):

توفي أبو الخير سعيد بن عبد الله الذهلي الحريري الحنبلي الحافظ مولى صلاح الدين عبد الرحمن بن عمر الحريري سمع ببغداد من الدقوقي و خلق و بدمشق من زينب بنت الكمال و أمم و بالقاهرة و الإسكندرية و بلدان شتى و عني بالحديث و أكثر من السماع و الشيوخ و جمع تراجم كثيرة لأعيان أهل بغداد و خرج الكثير و كتب بخطه الردي‏ء كثيرا، قال الذهبي:

«له رحلة و عمل جيد و همة في التاريخ و يكثر المشائخ و الأجزاء و هو ذكي‏

____________

(1) ج 2 ص 145 و مر وصف تاريخه المسمى بالمختصر في أخبار البشر في المجلد الأول من تاريخ العراق.

(2) الشذرات ج 6 ص 163 و الدرر الكامنة ج 2 ص 53.

70

صحيح الذهن عارف بالرجال حافظ» انتهى‏ (1).

4- سراج الدين البزار:

توفي سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى بن الخليل البغدادي الأزجي البزار الفقيه الحنبلي المحدث ولد نحو سنة 688 ه و سمع من إسماعيل بن الطبال و ابن الدواليبي و جماعة و عني بالحديث و قرأ الكثير و رحل إلى دمشق فسمع بها و أخذ عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية و حج مرارا ثم أقام بدمشق و كان حسن القراءة ذا عبادة و تهجد، و صنف كثيرا في الحديث و علومه ثم توجه إلى الحج في هذه السنة فتوفي بمنزلة حاجر قبل الوصول إلى الميقات و معه نحو خمسين نفسا بالطاعون و ذلك صبيحة يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة و دفن بتلك المنزلة (2).

حوادث سنة 750 ه- 1349 م‏

الطاعون في الموصل:

إن الطاعون الآنف الذكر قد عم الموصل أيضا فكان تأثيره كبيرا دخلها في هذه السنة. و هذه الأمراض نرى فتكها عظيما مع قلة وسائط النقل و الاختلاط. و استولى على بغداد أيضا (3).

وفيات‏

1- عمر بن علي بن عمر القزويني:

الحافظ الكبير، محدث العراق سراج الدين ولد سنة 683 و عني‏

____________

(1) الشذرات ج 6 و الدرر الكامنة ج 2 ص 134، و ضبط الدهلي بكسر الدال و سكون الهاء ...

(2) الدرر الكامنة ج 3 ص 180 و الشذرات.

(3) الدر المكنون و غيره.

71

بالحديث و سمع من الرشيد بن أبي القاسم و محمد بن عبد المحسن الدواليبي و النجم أحمد بن غزال و جمع جم، و أجاز له التقي سليمان و غيره من دمشق، و صنف التصانيف و عمل الفهرست و أجاد فيه. مات سنة 750 ه روى عنه جماعة من آخرهم صاحب القاموس‏ (1).

2- حمد الله المستوفي: (مؤرخ معروف)

في هذه السنة توفي الخواجة حمد الله أحمد (2) بن تاج الدين أبي بكر بن نصر المستوفي القزويني من أسرة قديمة في قزوين. و كان لهذا البيت سعي بليغ في استئصال آل الجويني. ولد المترجم سنة 680 ه في قزوين، و كان من أخص كتاب الخواجه رشيد الدين فضل الله صاحب جامع التواريخ. و في سنة 711 ه بعد قتل سعد الدين الساوجي نال بعض المناصب المهمة. و لما قتل الخواجة رشيد الدين لازم ابنه الخواجه غياث الدين محمدا ثم انقطعت عنا أخباره فلم نقف على تفصيل عنها ... و كان شاعرا و كاتبا بليغا و له اطلاع واسع على اللغة الفارسية. و أما التاريخ فيعد من أكابر رجاله تخرج على الخواجه رشيد الدين فنال حظا وافرا من العلوم في أيامه ...

و له:

1- تاريخ گزيده من أجلّ الآثار التاريخية. قدمه للخواجه غياث الدين محمد و كان اعتماده على جامع التواريخ و كتب تاريخية أخرى و من أهم ما فيه بيانه في آخر كتابه هذا عن العلماء و الأئمة و الفضلاء، و أوضح عن قزوين إيضاحا جغرافيا كافيا. أتمه سنة 730 ه.

و قد ألحق به محمود كيتي مبحثا جليلا عن آل مظفر كتبه سنة

____________

(1) الدرر الكامنة ج 3 ص 180.

(2) كشف الظنون ج 2 ص 595، طبعة استانبول ذكره باسم محمد في مادة نزهة القلوب و قطع أنه توفي سنة 750 ه و في «كزيده» بين أنه حمد اللّه.

72

823 ه تكلم عليهم من ابتداء ظهورهم سنة 718 ه إلى أن انقرضوا عام 795 ه و عندي نسخة قديمة و معتنى بها منه إلا أنها ناقصة الأول و الآخر و فيها تصحيحات مهمة و النسخة المطبوعة في لندن و إن كانت تمثل الأصل القديم لا تخلو من أغلاط فاحشة جدا ...

2- ظفرنامه: تاريخ منظوم يبتدى‏ء من أيام العرب، و يتكلم على سلاطين إيران و حكومة المغول .. و أهم ما فيها، عن أيام المغول ..

و هي في 75 ألف بيت بارى بها الفردوسي قال في أولها:

ظفر نامه كن نام اين نامه را* * * بدين تازه كن رسم شهنامه را

و كان نظم منها خمسين ألف بيت في خمس عشرة سنة ثم تركها و كتب تاريخ گزيده و بعد أن أتمه عاد إليها و أتمها سنة 735 ه و منها نسخة في المتحفة البريطانية برقم 2833 بين الكتب الفارسية هناك.

3- نزهة القلوب، و هذه في الجغرافية و فيها مطالب عن العراق و إيران لا يستهان بها. أتمها سنة 740 ه طبعت في الهند سنة 1311 و طبع في ليدن منها قسم المقالة الثالثة سنة 1331 ه (1913 م).

و المؤلف ذو علاقة بالعراق و بياناته عنها وافرة و موثوقة ..

3- جمال الدين البابصري:

و في هذه السنة توفي جمال الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد البابصري البغدادي الحنبلي الفقية الفرضي الأديب ولد نحو سنة 707 و سمع الحديث على صفي الدين بن عبد الحق و غيره و تفقه على الشيخ صفي الدين و لازمه و على غيره و برع في الفرائض و الحساب، و قرأ الأصول و العربية و العروض و الأدب و نظم الشعر الحسن، و كتب بخطه الحسن الكثير، و اشتهر بالاشتغال في الفتيا و معرفة المذهب، و أثنى عليه فضلاء الطوائف، و كان صالحا، متواضعا، حسن الأخلاق طارحا

73

للتكلف. توفي سنة 750 ه ببغداد في الطاعون بعد رجوعه من الحج ..

4- ابن ترشك البغدادي:

هو تاج الدين محمد بن يوسف بن عبد الغني بن ترشك البغدادي المقرى‏ء الصوفي ولد سنة 668 ه و سمع من ابن الحصين و أجاز له جماعة، و قرأ بالروايات و كان ذات سمت حسن و خلق طاهر و نفس عفيفة، و هو حسن الصوت مطرب إلى الغاية. قدم دمشق مرارا و حدث.

حج غير مرة ثم عاد إلى بلده و مات سنة 750 ه (1).

5- صفي الدين الحلي:

هو صفي الدين عبد العزيز بن سرايا السنبسي الطائي الحلي. ولد في ربيع الآخر سنة 677 ه. شاعر ذائع الصيت، انتشر ديوانه، و تداول الناس مختارات شعره .. و في دراسة ديوانه ما يبصر بدرجة إحساسه ورقة شعوره ... و المهم أنه برز في عصر كادت تغلب عليه العجمة و تسود الفارسية حكومة العراق فتستولي على كافة شؤونها حتى الآداب ...

و المغول و أخلافهم استخدموا الإيرانيين في مصالحهم ... و في أواخر الحكومة الزائلة، و في هذا العصر حاولوا أن يعيدوا عصر الفردوسي و جربوا تجارب عديدة في أن ينالوا مكانته، أو يحصلوا على منزلته في الشعر ... و الحق أن هذا مما أعاد لإيران عهدا أدبيا فقد اتقنوا فروع الآداب و ظهر فيهم الشعراء، و الكتاب و المؤرخون ... و ضيقوا الخناق على العربية و آدابها، كما زاحموا العرب في السياسة و مقدرات المملكة فكان الشعراء و الأدباء منهم ... و لم نعلم شاعرا عربيا نال مكانة تذكر في هذه الحكومة (الجلايرية) و إنما نرى شعراء العجم في درجة رفيعة و اتصال وثيق من البلاط الملكي أمثال سلمان الساوجي و عبيد زاكاني و غيرهما.

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 297.

74

جامع مرجان- دار الآثار العراقية

75

و شاعرنا الصفي يعد من مشاهير أدباء العصر و علمائه و إن كانت أشعاره ليست في الذروة العليا ... و لم نر له مدحا أو اتصالا بملك الجلايرية و لكننا نرى له علاقة مكينة بالأمراء و الملوك الذين لا تزال العربية رائجة الأسواق لديهم .. و الملحوظ أن العراق ربى جماعات فمالوا إلى الأقطار الأخرى و لجأوا إليها لما رأوا من خذلان و قد قال المترجم في مقدمة ديوانه:

«ثم جرت بالعراق حروب و محن، و طالت خطوب و إحن، أوجبت بعدي عن عريني، و هجر أهلي و قريني، بعد أن تكمل لي من الأشعار، ما سبقني إلى الأمصار، وحدت به الركبان في الأسفار ...» الخ.

فحط رحاله في آل أرتق و نعتهم بجابري كسر الإسلام و المسلمين ..

و له (درر النحور في مدائح الملك المنصور)، و مدائح في السلطان شمس الدين أبي المكارم صالح من ملوكهم ... ذهب إلى الحج فمال إلى مصر سنة 726 ه و مدح الناصر و جمع له ديوانه و رتبه و وسمه باسمه و على كل توجهت الآداب نحو البلاد العربية الأخرى و قد حمت الأدباء كما أجلت العلماء و من بين هؤلاء مترجمنا ...

و قد نعته صاحب روضات الجنات بقوله: «كان عالما، فاضلا، منشيا أديبا، من تلامذة المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي‏ (1)، و له القصيدة البديعية، و شرحها، و له ديوان كبير، و ديوان صغير ... و قد كان (رحمه اللّه) من كبار شعراء الشيعة، و مسلما بين الفريقين فضله و نبالته» ا ه (2).

____________

(1) المشهور أن المحقق صاحب المختصر النافع توفي سنة 676 ه و صفي الدين الحلي ولد سنة 677 ه فكان من المستبعد عده من تلامذته.

(2) روضات الجنات ص 440.

76

و الرجل شاعر عربي يتحمس لقومه، و يتعصب لهم، و يناضل عنهم، و يبث فيهم روح الطموح و الأنفة و هذه من أكبر مزاياه في عصر تغلغل فيه العجم و أحرجوا العرب، و شاركوهم في أرزاقهم. و زاحموهم في حياتهم و أوطانهم .. ذلك منه كبير، يعظمه في عيون العرب فقد نطق حين سكت الكثيرون و أذاع فكرته في مخلتف الأقطار و كان الناس مشغولين بأنفسهم ...

انقطع مدة إلى ملوك ماردين، و دخل القاهرة، و كان يتعانى التجارة و يرحل إلى الشام و مصر و غيرها، و ثم يرجع إلى بلاده و في غضون ذلك يمدح الملوك و الأعيان .. و فيه ذكر لمشاهير عراقيين ضاعت غالب أخبارهم ... توفي سنة 750 ه. ديوانه مطبوع معروف، و ترجمته مبسوطة في كتب كثيرة مثل الدرر و فوات الوفيات و غيرهما من كتب التراجم ..

6- تاج الدين علي بن سنجر البغدادي المعروف ب (ابن السباك):

تاج الدين بن قطب الدين أبو الحسن بن أبي النجيب (ابن السباك) الحنفي ولد سنة 661 ه أو قبلها و سمع الأحكام للمجد بن تيمية منه و إحياء العلوم من محمد بن المبارك المخزومي و أجاز له أبو الفضل بن الزيات و غيره و أخذ القراءات عن مبارك بن عبد الله الموصلي و تفقه على ظهير الدين محمد بن عمر البخاري و على مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي صاحب مجمع البحرين و قرأ الفرائض على أبي العلاء الفرضي الكلاباذي و الأدب على الحسين بن أبان و شرح أكثر الجامع الكبير و نظم أرجوزة في الفقه و كان يكتب خطا حسنا جيدا و أخذ عنه أبو الخير الذهلي و العفيف المطري و آخرون.

و لما ولي حسام الدين الفوري (الغوري) قضاء بغداد دخل عليه و هو

77

شيخه فقال له و هو بالخلعة الحمد للّه الذي جعل من غلمانك قاضي القضاة .. و كان قد انتهت إليه رئاسة الفقه ببغداد. و كان قيما بالعلوم الأدبية. مات سنة 750 ه (أو سنة 741، أو سنة 755) قال الذهبي كان فصيحا بليغا ذكيا، كبير الشأن‏ (1).

و قد مدحه صفي الدين الحلي بقصيدة فريدة و هو بمصر و أثنى على حكمه و دقة نظره و هي:

تركتنا لواحظ الأتراك‏* * * بين ملقى شاكي السلاح و شاك‏

حركات بها سكون فتور* * * تترك الأسد ما بها من حراك‏

و منها:

قل لساجي العيون قد سلبت عي* * * ناك قلبي و أفرطت في انتهاكي‏

فابق لي خاطرا به أسبك النظ* * * م و أثني على فتى السباك‏

حاكم مهد القضاء بقلب‏* * * ثاقب الفهم نافذ الإدراك‏

فكرة تحت منتهى درك الأر* * * ض و عزم في ذروة الأفلاك‏

مذ دعته الأيام للدين تاجا* * * حسد الدين فيه هام السماك‏

رتبة جاوزت مقام ذوي العل* * * م و فاقت مراتب النساك‏

ذو يراع راع الحوادث لما* * * أضحك الطرس سعيه و هو باك‏

بمعان لو كنّ في سالف العص* * * ر لسكت مسامع السكاك‏

زاد قدري بحبه إذ رأى النا* * * س التزامي بحبه و امتساكي‏

مذهب ما ذهبت عنه و دين‏* * * ما تعرضت فيه للإشراك‏

أيها الأروع الذي لفظه و ال* * * فضل بين الأنام زاه و زاك‏

إن تغب عن لحاظ عيني فللقل* * * ب لحاظ سريعة الإدراك‏

لم تغب عن سوى عيوني فقلبي‏* * * شاكر عن علاك و الطرف شاك‏

و في هذا ما يعين منزلة المترجم، و المادح عراقي عارف بفضله،

____________

(1) الدرر الكامنة ج 3 ص 55.

78

و بصير بعلمه‏ (1) ...

7- ابن الثردة:

علي بن إبراهيم بن علي بن معتوق بن عبد المجيد بن وفاء المعروف بابن الثردة الواعظ الواسطي البغدادي. ولد في 12 شعبان سنة 697 ه ذهب إلى دمشق مرات و وعظ بها بالجامع الأموي و ساءت حالته فاضطرب عقله في آخر أيامه ... و كان ينظم الشعر الجيد في هذه الحالة. و أورد له صاحب فوات الوفيات جملة من شعره و فيه موشحات و مواليا. مات في أوائل سنة 750 ه.

حوادث سنة 751 ه- 1350 م‏

وفيات‏

ابن هندوا:

قال المقريزي في حوادث سنة 751 ه: «قدم الخبر بأن ابن هندوا أخذ الأكراد و استولى على بلاد الموصل و صار في جمع كثير يقطع الطريق و التحق به نجمة التركماني فاستنابه و تقوى به و ركب إلى سنجار و تحصن بها و أغار على الموصل و نهب و قتل و مضى إلى الرحبة و أفسد فيها و مشى على بلاد ماردين و نهبها فخرجت إليه عساكر الشام و حصروه بسنجار و معهم عسكر ماردين و نصبوا عليها المنجنيق مدة شهر حتى طلب ابن هندوا الأمان على أنه يقيم الخطبة للسلطان و يبعث بأخيه و نجمة و رفيقه إلى مصر. فلما نزلا منزلة قانون هرب نجمة (كذا).

و مثله تقريبا في ابن حبيب في درة الأسلاك و فيه أن هندوا تتاري.

قال ذلك كله الأستاذ الصديق مصطفى جواد. و أن ابن هندوا هذا هو (حسن بن هند) المذكور في صحيفة 84 و صوابه ابن هندوا كما عليه‏

____________

(1) ديوان صفي الدين الحلي ص 121. «فوات الوفيات ج 2».

79

المؤرخان المنقولة نصوصهما أعلاه كما أن محمة المذكور هناك هو الذي جاء بلفظ نجمة.

وفيات‏

1- شرف الدين أحمد الكازروني:

هو ابن محمد بن علي بن محمد بن محمود الكازروني نزيل دمشق.

ولد سنة 673 ه و سمع من الشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن عبد اللطيف ابن وريدة ... و سمع من جده المؤرخ ظهير الدين علي الكازروني‏ (1). قال أبو العباس البغدادي الناسخ: «نعم الرجل مروءة و ديانة و صلاحا»، و له اعتناء بالرواية و فضيلة و معرفة. مات سنة 751 ه (2).

2- الحسن بن علي بن محمد البغدادي:

ثم الدمشقي، أبو علي الحنبلي الصوفي النقيب بالسميساطية، سمع من العز الفاروثي، و سمع من جماعة في مصر و الشام و غيرهما، و كان خيرا، صالحا محبوب الصورة، محبا للسماع، له وجاهة. مات في شوال سنة 751 ه و له 87 سنة و أشهر. و كان قد ولد سنة 667 ه ببغداد (3).

حوادث سنة 752 ه- 1351 م‏

وفيات‏

1- دلشاد بنت دمشق خواجة: (ملكة العراق)

زوجة الشيخ حسن الجلايري تزوجها بعد عمتها بغداد خاتون في أوائل سنة 737 ه فحظيت عنده و نالت مكانة عظيمة. و قد مر بنا ذكرها

____________

(1) مرت ترجمته في المجلد الأول من هذا الكتاب.

(2) الدرر الكامنة ج 1 ص 284.

(3) الدرر ج 2 ص 28.

80

كثيرا في المجلد الأول و في هذا الكتاب. و كان أمرها نافذا في الممالك، و لها في كل ما يحكم عليه زوجها نائب ... و الصحيح أنها كانت الحاكمة في مملكة العراق و ترجمتها مذكورة في الدرر الكامنة و غيرها، و قد أثنى دولتشاه في تذكرته على كرمها و أطرى أدبها و جمالها، و بين أن السلطنة كانت في يدها، و لم يكن للسطان أمر و لا نهي إلا الاسم. و إن سلمان الساوجي الشاعر المشهور كان يقرنها بزوجها في قصائده، و قام بتعليم ابنها أويس الشعر، و له فيها قصائد كثيرة و اعتنت هي بتعهد الشعراء، و بعمارة البلد، و الأعمال الخيرية و المبرات العديدة .. تميل إلى الغرباء و تحسن إليهم. ماتت في ذي القعدة و ما قيل من التردد في تاريخ وفاتها، و بيان بعض الاحتمالات فهو مما لا يعول عليه ...

و لها من الأولاد:

1- أويس: و سيأتي التفصيل عنه في محله.

2- الأمير قاسم: و هذا ولد في جمادى الأولى سنة 748 ه و توفي بمرض السل في سنة 769 ه.

3- الشيخ زاهد و هذا ولد في 19 ربيع الآخر سنة 750 ه و سقط في سنة 773 ه من عمارة أوجان في أذربيجان فمات.

4- دوندي: و هذه مدحها سلمان الساوجي بقصائد عديدة و هي في أيام أويس تضارع دلشاد خاتون في سلطتها و تسلطها ... و لفظها ورد في بعض النسخ من المخطوطات دندي، و تندو و مرة دولندي فلحقه تغيرات عديدة (1) ...

____________

(1) تذكرة الشعراء لدولتشاه ص 175 و تاريخ مفصل إيران ص 456 و سلمان ساوجي لرشيد ياسمي ص 19 و في مواطن عديدة منه ..

81

2- يحيى بن محمد الحارثي:

و هو يحيى بن محمد بن أحمد بن سعيد الخراز الكوفي النحوي، سبط الشريف شرف الدين عبد الله بن يحيى الابزاري ولد في شعبان سنة 678 ه بالكوفة و اشتغل بها و ببغداد و صنف في النحو كتابا سماه (مفتاح الألباب لعلم الإعراب) ذكره في كشف الظنون. قدم دمشق و سمعوا عليه من نظمه. مات بالكوفة سنة 752 ه (1).

حوادث سنة 753 ه- 1352 م‏

مرض في الدواب:

في هذه السنة وقع في بغداد موت في الدواب. كذا في الدر المكنون.

حريق في النجف:

في هذه السنة احترقت عمارة المشهد و كانت أول قبة بنيت بأمر من هارون الرشيد الخليفة و من بعد ذلك أخذ الناس في زيادتها و دفن الموتى هناك حوله إلى أن كان زمن عضد الدولة فناخسرو بن بويه الديلمي فعمره عمارة عظيمة و أخرج عن ذلك أموالا جزيلة و عين له أوقافا و لم تزل عمارته باقية إلى سنة 753 ه و كان قد ستر الحيطان بخشب الساج المنقوش فاحترقت تلك العمارة و جددت على ما هي عليه الآن و قد بقي من عمارة عضد الدولة قليل و قبور آل بويه هناك ظاهرة مشهورة لم تحترق (عمدة الطالب ص 44).

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 426.

82

وفيات‏

1- شهاب الدين أحمد بن الحسن الحسني:

الفرضي الضرير البغدادي. جال البلاد على زمانته فدخل مصر و إفريقية و استمر مغربا إلى غرناطة. و كان له نظر سديد في مذهب الشافعي و ممارسة في الأصول و المنطق، و قيام على القراءات، و كان كثير الملاحاة، شكس الأخلاق، يقبل الصدقة مانا بقبولها. و أقام بغرناطة إلى أن ارتحل سنة 753 ه (1).

2- خواجو الكرماني:

شاعر فارسي. هو كمال الدين أبو العطاء محمود بن علي الكرماني الملقب ب (خواجو) من أكبر شعراء كرمان. ولد في 5 شوال سنة 679 ه في كرمان. و يعد من مداحي آل مظفر، ثم قصد علاء الدولة السمناني‏ (2) أحد المشاهير في التصوف، و أقام ببغداد مدة، و له قصائد عديدة في السلطان أبي سعيد و الخواجة غياث الدين محمد الوزير ابن الخواجه رشيد الدين فضل الله الوزير، و في آخر أيامه التجأ إلى الشاه الشيخ أبي إسحق اينجو ...

و من أكبر البواعث لشهرته بالعراق و احتكاكه بمحيط أثر على لغته و ساعد على نبوغه و مثله كثيرون نالوا حظا من الآداب و مكانة من الشعر بسبب هذه العلاقة كسعدي الشيرازي و سلمان الساوجي و حمد اللّه المستوفي و وصاف الحضرة .. و قد حاذى سعدي و قلده في أسلوب غزله و كان يدعى ب (لص ديوان سعدي) (دزر ديوان سعدي) ..

____________

(1) الدرر الكامنة ج 1 ص 123.

(2) راجع عنه تذكرة الشعرا لدولتشاه السمرقندي ص 162.

83

و له ديوان يبلغ نحو عشرين ألف بيت فيه مثنويات جرى فيها على نهج «خمسة نظامي» و له أيضا:

1- هماي و همايون: قصة في عشق همايون هماي بنت فغفور الصين و هي من المتقارب نظمها سنة 732 ه في بغداد و في مقدمتها أثنى على السلطان أبي سعيد و مدح الخواجه غياث الدين الوزير و كأنها روضة أزهار في ملاحتها و لطافتها ...

2- كمال نامه: في العرفان على وزن «هفت پيكر» لنظامي نظمها باسم أبي إسحق اينجو سنة 744 ه.

3- روضة الأنوار: في العرفان أيضا نظمها باسم شمس الدين محمود بن صاين وزير الشاه الشيخ أبي إسحق سنة 743 ه. و هذا الوزير كان من رجال الملك الأشرف و في سنة 744 ه ترك خدمته فجعله الأمير مبارز الدين المظفري من أمرائه فدخل في إدارة الشيخ أبي إسحق و صار وزيره. و في 4 صفر سنة 746 ه. قتل بأمر الأمير مبارز الدين.

4- گل و نوروز: قصة الشهزاده نوروز ابن ملك خراسان، و گل هي بنت سلطان الروم نظمها على غرار (خسرو و شيرين) لنظامي باسم تاج الدين العراقي وزير الأمير مبارز الدين المظفري.

5- گوهر نامه جعلها بوزن خسرو و شيرين أيضا نظمها سنة 746 ه باسم بهاء الدين محمود بن عز الدين يوسف من أحفاد الخواجه نظام الملك الطوسي و هو وزير الأمير مبارز الدين.

و كل هذه بالنظر لتواريخ نظمها إنما كانت بعد أن تعرف ببغداد و أدبائها و شاهد محيطها فألهمه ما ألهمه من رقة شعور، و من عذوبة

84

ألفاظ و ردد ذكر بغداد كثيرا في أشعاره ... و كان ممن جاراه في غزلياته الخواجه حافظ الشيرازي.

توفي سنة 753 ه. و في تذكرة الشعرا لدولتشاه السمرقندي أنه توفي سنة 742 ه (1).

حوادث سنة 754 ه- 1353 م‏

المغول في بطون التاريخ:

في كلشن خلفا أن المغول انقرضت حكومتهم سنة 744 ه و لكن سائر المؤرخين مثل صاحب الدر المكنون و تقويم التواريخ قالوا إن دولة المغول (دولة هلاكو و أحفاده) انقرضت في هذه السنة من أذربيجان و خراسان بقتل طغاتيمور خان و سكنت الفتن نوعا و العراق على كل حال أصابته راحة أكثر، و إن السلطان أخلد للسكينة خصوصا أنه وجد كنزا فصرف معظمه على العمارات‏ (2).

حاكم سنجار و الموصل:

هو حسن بن هند، كان يكاتب المسلمين و يترامى إليهم و يظهر المودة و المحبة و لكنه كان يأوي محمة (كذا) التركماني الذي يقطع الطرقات على المسلمين. قتله صاحب ماردين في أواخر سنة 754 ه (3).

____________

(1) تاريخ مفصل إيران ص 548 و تذكرة الشعرا لدولتشاه السمرقندي ص 165.

(2) تقويم التواريخ و الدر المكنون و كلشن خلفا.

(3) الدرر الكامنة ج 2 ص 48.

85

حوادث سنة 755 ه- 1353 م‏

المسكوكات: (النقود)

حاولنا الحصول على مسكوكات أو نقود مضروبة في أيام السلطان الشيخ حسن الجلايري أيام إعلانه سلطنته في بغداد، و ضبط تاريخ حكمه، أو ما أشار إليه رسله إلى مصر من أنها ضربت باسم ملكها فلم نظفر بطائل إلا أننا وجدنا له نقودا مضروبة في بغداد يرجع تاريخها إلى هذه السنة (سنة 755 ه)، و مثلها في عين التاريخ ضربت في البصرة و أخرى في تستر، و منها ما صنعت في بغداد في السنة التالية و هي سنة وفاته .. و في الحلة ضربت له نقود إلا أنها لم يقرأ تاريخ ضربها.

و المضروبة في بغداد قد كتب على أحد وجهيها تاريخ ضربها (سنة 755 ه) و كلمة الشهادة (لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له) و على الوجه الآخر محل الضرب (ضرب بغداد) في الوسط و في الأطراف بخط كوفي و بشكل مربع (محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)) و في أضلاع ذلك المربع أبو بكر و عمر و عثمان و علي. و في النقود المذكورة نرى الوضع واحدا و الشكل كذلك و هي من فضة إلا أن الوزن مختلف‏ (1) ..

فواز بن مهنا أمير العرب:

يضاف إلى حوادث سنة 755 ه «و فيها قصد المتغلب على البصرة عرب البحرين فالتقاهم بعسكره المغل فعجزوا عنهم فأمدهم صاحب بغداد الشيخ حسن الكبير بالأمير فواز بن مهنا الطائي فالتقاهم و هزمهم و أسر منهم طائفة من الرجال و النساء بعد أن قتل من الفريقين عدد كثير ثم منّ عليهم فواز» ا ه. قاله الصديق الفاضل مصطفى جواد نقلا عن ابن قاضي شهبة و بين أنه توفي سنة 757 ه و كان أحد الشجعان ...

____________

(1) مسكوكات قديمة إسلامية قسم ثالث ص 191- 193.

86

وفيات‏

1- زين الدين الموصلي (ابن شيخ العوينة):

في هذه السنة توفي زين الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن القاسم بن منصور بن علي الموصلي الشافعي المعروف (بابن شيخ العوينة). كان جده الأعلى من الصالحين، و احتفر عينا في مكان لم يعهد بالماء فقيل له (شيخ العوينة). ولد زين الدين في رجب سنة 681 ه و قرأ القراءات على الشيخ عبد الله الواسطي الضرير و أخذ الشاطبية عن الشيخ شمس الدين ابن الوراق و رحل إلى بغداد و قرأ على جماعة منهم مهذب الدين النحوي و قدم دمشق و سمع بها من جماعة ثم رجع إلى الموصل و صار من علمائها و له تصانيف منها (شرح المفتاح للسكاكي) و شرح مختصر ابن الحاجب، و شرح التسهيل، و شرح البديع لابن الساعاتي‏ (1) و غير ذلك. قال ابن حبيب: «إمام بحر، علمه محيط، و ظل روحه بسيط، و ألسنة معارفه ناطقة، و أفنان فنونه باسقة، كان بارعا في الفقه و أصوله، خبيرا بأبواب كلام العرب و فصوله، نظم كتاب الحاوي، و شنف سمع الناقل و الراوي، و بينه و بين صلاح الدين الصفدي مكاتبات ..» ا ه. توفي بالموصل في شهر رمضان. و أطنب صاحب الدرر في ترجمته و ذكر شيوخه، و شروحه على مؤلفاتهم كما أن البدر العيني بسط القول في ترجمته‏ (2) ...

____________

(1) البديع في أصول الفقه و قد فاتنا أن نذكره بين مؤلفات ابن الساعاتي و المؤلف جمع فيه بين أصول البزدوي و أحكام الآمدي و سماه «بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي و الأحكام» و قد ذكر صاحب كشف الظنون الأصل و الشرح ...

و وصفه صاحب روضات الجنات في صحيفة 89.

(2) عقد الجمان ج 23 و الدرر ج 3 ص 44 و بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة ص 353.

87

2- فخر الدين ابن الفصيح:

هو أبو طالب فخر الدين أحمد بن علي بن أحمد الهمداني الكوفي ثم البغدادي المعروف، بابن الفصيح والد جلال الدين عبد الله. كان إماما علامة، جامعا للعلوم العقلية و النقلية انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه و كان كثير التودد، لطيف المحاضرة، سمع مع ابن الدواليبي و صالح بن الصباغ و أجاز له إسماعيل بن الطبال. و كان مدرسا بمشهد أبي حنيفة، أخذ عن الحسن السغناقي صاحب النهاية، و درس ببغداد في المستنصرية، اقرأ العربية بها و كان له صيت في العراق و دمشق، و أفتى، و صنف نظم الكنز، و نظم النافع، و نظم السراجية في الفرائض، و نظم المنار في أصول الفقه. و كانت وفاته بدمشق سنة 755 ه و مولده سنة 680 ه و لما قدم دمشق أكرمه نائبها .. و في الذهبي أنه ولد سنة 679 ه كما أنه ذكر وفاة ابنه في سنة 737 ه (1).

حوادث سنة 756 ه- 1354 م‏

وفيات‏

1- أحمد بن محمد بن سلمان الشيرجي (ابن الشيرجان)

بغدادي حنبلي. ولد سنة 691 ه و سمع من الدواليبي، و قرأ بالروايات و أعاد بالمستنصرية و كان دينا خيرا، و له مدائح نبوية و كان يقال له ابن الشيرجاني. قدم دمشق و حدث بها و كتب عن مشايخها، مات سنة 756 ه (2).

____________

(1) الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص 26 و بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة ص 147.

(2) الدرر الكامنة ج 1، ص 265.

88

حوادث سنة 757 ه- 1356 م‏

وفاة السلطان الشيخ حسن الجلايري:

في شهر رجب هذه السنة توفي الشيخ حسن. و قد رثاه الخواجه سلمان الساوجي بقصيدة تتضمن التوجع للمصاب و بيان صفات الراحل في عدله و سائر مزاياه و هي فارسية لا نرى محلا لإيرادها ..

ترجمته: (بيان عن العصر)

إن حياة هذا الرجل إنما تظهر أكثر ببيان حالة العصر الذي كان يعد من رجاله و قد أسس حكومة كان لها شأنها مدة. و ذلك أنه في 13 ربيع الثاني لسنة 736 ه كان قد توفي السلطان أبو سعيد بهادر خان و بوفاته قامت الزعازع و ثارت الفتن من كل صوب بعد أن كانت قد هدأت الحالة مدة، و نال الأهلين طمأنينة فركنوا إلى الراحة و التبسط في العلوم و مراعاة أسباب الزينة و ترقية الفنون و الصناعات ... فبرزت المواهب و كاد يعود ما كان قد فقد أيام هلاكو، أو أهمل ... لو لا أن السلطة كانت أجنبية، و الإدارة ليست بعربية ..

حكينا ذلك كله فكان لقانون جنكيز (الياسا) قيمته في ردع النفوس، و إيقافها عند حدودها ... و لكن هذه السلطة لم تكن إلا عن خشية و خوف و ليست ناشئة عن قبول نفسي و لا رادع باطني ... مما جعلها أن تكون ملازمة دائما للقوة، و التيقظ دون تهاون أو تراخ ...

مات أبو سعيد و كأن القوم كانوا ينتظرون وفاته، و الخلافات التي ولدها الأمراء في حينها كانت تصرف إلى الحزبية و تسنم كراسي الإدارة، و تعهد السلطنة مع الاحتفاظ ببيتها و لما توفي السلطان تغيرت الفكرة، و حدث التغلب من كل صوب، و صار كل أمير، أو متنفذ يدعو لنفسه،

89

أو يتخذ أحد أفراد الأسرة المالكة سندا له في دعوته ... و قد بسطنا القول في ذلك ...

لم يكتف هؤلاء المتغلبة أن يعلن كل واحد منهم حكومته في المواطن التي هو فيها و يتقاسموا الميراث بتوزيع هادى‏ء ساكن فيقنع الواحد بما في يده ... و إنما حاول أن يقوي إدارته و يمكنها من جهة و يهاجم الأخرى المجاورة له ليبتلعها، أو التي يخشى أن يستفحل أمرها فيوقفها عند حدها ... و هكذا دامت القلاقل و زالت الراحة و شغل الناس بأنفسهم و بمتغلبتهم فكانوا من أقوى الوسائل الفتاكة، و أشد البلايا على الحضارة و المدنية، و العلوم و الصناعات، و فيها من التخريب و التدمير ما لا يوصف ...

و إن المترجم أحد هؤلاء، جرب تجارب عديدة، و حاول محاولات كثيرة أن يكون نصيبه أكثر مما في يده، و غنيمته أوفر ...

و لكنه لم ينل مرغوبه فاكتفى (بالعراق) و احتفظ به، و تسلط على سائر أنحائه ... و في هذه المرة كان الأمل أن يستفيد الرب من هذا الانحلال و من تلك المحاولات بسبب تفرق الكلمة و أن ينالوا المكانة اللائقة في العراق ... إلا أن أمراء المغول كانوا متمرنين في الإدارة و الحرب فلم يستطع العرب أن يتمكنوا منهم فقضي على إدارتهم في الحلة بعد أن كانت قد تمكنت مدة ... فقويت قدم المغول مرة ثانية و تكونت منهم حكومة الجلايرية ...

و هذه لم تقاوم البقية الباقية من العلماء، و لما كانت إسلامية لم تتخذ مشروعا من شأنه إفساد المدارس، و القضاء على حياتها ... و إنما كانت هذه الغفلة عنها، أو الإهمال لها ... مما دعا أن تعود ثانية و يظهر نورها متلألئا بعد مدة قليلة ... و كان هذا السلطان (الشيخ حسن) قد أخلد إلى السكينة و تنظيم المملكة، و راعى لوازم الراحة ... فقويت‏

90

الروح العلمية، و ثبتت .. و مع هذا مال كثيرون إلى الممالك الإسلامية الأخرى المجاورة لقلة المناصرة ... و ظهر جماعة في علوم مختلفة إلا أن التربية الفارسية كانت سائدة، و هي صاحبة القول الفصل فنفق سوق هذه أكثر و إن كان الاهتمام بعلماء المدارس و النظر إليهم لم يهمل ...

- نعم إن أكثر الشعراء في الديوان الملكي عجم، و لا يلتفت إلى غير مدحهم و لا يقرب سواهم و مجرى المدارس سائر إلى ناحية، و الرغبة إلى أخرى ... و العلماء و الشعراء كلما برزت مواهبهم مالوا إلى الأقطار العربية الأخرى ...

و لا نطيل القول، فهذا السلطان سمي بالشيخ حسن لعدله، و محافظته على النظام و لا يريد الأهلون أكثر ... في حين أن المتغلبين الآخرين لا يزالون على أطماعهم، و شدة تغلبهم لم يركدوا؛ و لا سكنوا حتى قضي على أكثرهم؛ و انحصرت الإمارات في عدد محدود ... و لكنها لم تخل حتى هذه الأيام من مناوشات، أو محاربات ... و هكذا، و قد مضى من حوادث المترجم ما تيسر تدوينه و كله ذو علاقة بالعراق، أو الدفاع عن حوزته و صد الغوائل عنه لتأمين سلطة ...

و في هذه المرة عادت بغداد عاصمة الملك، و صار يبذل لزينتها و تحسينها جهودا عظيمة و برز فيها علماء فحول ... إلا أنها مشوبة بتلك الغوائل المارة ... و مع هذه نجد السلطان في أيامه الأخيرة قد صرف أموالا طائلة في سبيل العمارة ... و لا ينسى أن لزوجته النفوذ العظيم في هذا الإعمار؛ و في حسن الإدارة ... و قد استنطقنا مؤرخين عديدين و الكل يثني عليه و قد جاء في عقد الجمان عنه:

«توفي الشيخ حسن بن حسين بن اقبغا بن اليكان (كذا و صوابه ايلگا) في هذه السنة (سنة 757 ه) و هو سبط أرغون بن ابغا بن هلاوون‏

91

(هلاكو) و لم يستقم أمره إلا بعد وفاة أبي سعيد ملك التتار. و كانت دولته مدة سبع عشرة سنة، و تولى عوضه ابنه الشيخ أويس» ا ه.

و هذا المؤرخ عد سلطنته سنة 740 ه و على مثل هذا جرى صاحب (تاريخ مفصل إيران)، و غيره ...

و جاء في الشذرات عنه:

«توفي سلطان بغداد حسن و يعرف بالكبير ... و كان ذا سياسة حسنة و قيام بالملك أحسن قيام، و في أيام ولايته وقع ببغداد الغلاء المفرط حتى بيع الخبز بصنج الدراهم و نزح الناس عن بغداد، ثم نشر العدل إلى أن تراجع الناس إليها. و كانوا يسمونه الشيخ حسن لعدله ...» ا ه.

و مثله في الدرر الكامنة ... و قد مرت باقي النقول عنه. و زاد في كلشن خلفا أنه أقام عمارات نفيسة و جميلة في بغداد و النجف الأشرف ... و في دستور الوزراء أن وزيره الخواجة شمس الدين زكريا ابن أخت الخواجة غياث الدين محمد بن رشيد الدين و صهره. و هذا الوزير قد لازم السلطان الشيخ حسنا في جميع أيامه من سنة 737 ه فقد أسند إليه الوازرة مراعاة لحقوق الخواجة غياث الدين، و استمر في أيام أولاده بعده إلى أيام السلطان حسين و كان عدلا صاحب إنصاف و علم ... و للخواجة سلمان الساوجي مدائح فيه ... و قد روعي جانبه كثيرا إلى سنة 777 ه و بسبب ذلك عين أخوه نجيب الدين للوزارة و ابنه إسماعيل لولاية بغداد (1) ...

و للسلطان من الأولاد ما مر ذكرهم في ترجمة دلشاد خاتون. و له ابن آخر و هو (ايلگا) توفي في حياة دلشاد و ذكره سلمان الساجي في‏

____________

(1) دستور الوزراء مخطوط ص 318 و سلمان ساوجي لرشيد ياسمي. ص 33.

92

شعره و لهذا ولد يسمى (آقبوغا) و آخر يدعى (أبا إسحق). و هذا كان قد رشحه السلطان أويس لمحاربة أمير ولي و لكنه انهزم إلى البصرة لخاطر عرض له و بأمر من أويس قد سمّ‏ (1) ...

و من هذا كله و من الوقائع المارة في أيامه اعتقد أن تعينت ترجمته و إن كنا نرى المؤرخين لم يتعرضوا إلا إلى نواح من حياته العامة دون وقائعه المطردة و هذه نتف مفرقة ... لا تكاد تفي بالغرض. و الملحوظ أن هذا القطر يدعو ضرورة إلى النظام، و أن الاضطرابات لا تدوم ...

و من ثم يخلد الأهلون للسكينة و العمل و المترجم كان من العوامل الفعالة لتهدئته و تثبيت نظامه ...

____________

(1) روضة الصفا ص 156.

93

الكتابة فوق طارمة المصلى من جامع مرجان- دار الآثار العراقية

94

سلطنة أويس‏

السلطان معز الدين أويس:

في هذه السنة في شهر رجب ولي السلطان أويس بعد والده و قد مدحه الشاعر الخواجة سلمان الساوجي بقصيدة فارسية و بين في شعره تاريخ سلطنته .. و على هذا اتفقت كلمة المؤرخين مثل صاحب روضة الصفا و كلشن خلفا و الشذرات و حبيب السير و أيدها سلمان الساوجي في شعره إلا أن التاريخ الغياثي قال:

«السلطان حسين ولي بعد أبيه سنة 657 ه و مات سنة 760 ه فكانت مدة حكمه ثلاث سنين» اه. ثم ذكر سلطنة أويس و بين أنه ولي السلطنة ببغداد بعد أخيه في التاريخ المذكور ... و في هذا مخالفة صريحة للنصوص الأخرى و لما جاء في شعر سلمان الساوجي الذي يعين التاريخ في متن الشعر، و هو خير وثيقة تاريخية و كذا ما جاء في وقفية الخواجة مرجان فلا أصل لما ذكره الغياثي و قد عقد رشيد ياسمي فصلا في حياة سلمان و أويس في رسالته «سلمان ساوجي» يؤيد ما ذكرناه‏ (1).

____________

(1) راجع ص 26 من كتابه سلمان ساوجي. و هذا الكتاب نقد و تحليل لحياة سلمان المذكور و فيه بيان واف عن الشيخ حسن و السلطان أويس ... و مؤلفه من الأدباء المعروفين الآن في إيران بحسن بحوثهم و تتبعاتهم التاريخية.

95

و حياته الأولى أنه ولد من دلشاد خاتون بعد أن تزوجها والده بسنة واحدة و كان قد تزوجها سنة 737 ه فسمي معز الدين أويس. و كان الشاعر سلمان يدعوه في بعض الأحيان بغياث الدين و قد اختص هذا الشاعر بمدحه من حين ولي السلطنة و لازمه ملازمة شديدة ... و كان يصف بعض فتوحه. و السلطان حينما ولي كان شابا جميلا. و أهل بغداد يرغبون في مشاهدته حينما يخرج راكبا فرسه، يراقبون ذلك فيهرعون للنظر إلى محياه و صورته الجميلة ... كما أنه كان صاحب ذوق، و نقاشا ماهرا، و مبدعا في الموسيقى، و خطه الواسطي يحير بجماله الباهر و اتقانه، و يعجز المصورين و الخطاطين الحذاق أن يماثلوه .. و تعلم الشعر على يد مربيه الخواجة سلمان فكان له نصيب منه و ربما فاق أستاذه .. و له مراسلات في الشعر مع السلاطين المعاصرين له .. و لا تخلو وقعة إلا و يمدحه الخواجة المذكور من أجلها و ديوانه مشحون بمدائحه الكثيرة و للسلطان إنعامات عليه ليست بالقليلة بل هي وافرة جدا و قد قيل (اللهى تفتح اللها) (1) ..

و سيأتي من الحوادث ما يبصر بحياته السياسية و سلطنته ..

غرق بغداد:

كانت بغداد خلال المدة بين وقعة هلاكو و هذا التاريخ قد اكتسبت وضعا جديدا، و نالت عمارة، و رونقا .. و كان قد رآها ابن بطوطة فوصفها في رحلته كما أن الخواجة سلمان الساوجي شاهدها أيام السلطان أبي سعيد و في عهد الجلايرية خصوصا و قد اتخذوها عاصمة فنالت من الأبهة و المكانة ما يجلب الأنظار و كانت الراحة و الطمأنينة و لو لمدة قليلة تعيد لها جدتها.

قضى فيها سلمان الساوجي مدة في عهد تلك الراحة و الأبهة فخلبه‏

____________

(1) تذكرة الشعرا لدولتشاه ص 175 و غيرها.

96

ما رآه من مناظرها، و أوضاع مياهها و شواطئها، و الفلك التي تجري، و بساتينها و أزهارها فكان لها وقع كبير في نفسه. ناهيك بصفاء سمائها و لياليها المقمرة إلى غير ذلك مما يعجز القلم عن تبيانه و شرحه .. و كله يبعث في الشاعر روحا و نشاطا و ينعش الأمل فيه فيقول:

قطر فسيح و ماء ما به كدر* * * حفت بشطيه الفاف البساتين‏

و لما أصابها الغرق في هذه السنة و تبدلت أوضاعها الزاهية الجميلة فعادت خرابا، و رآها الشاعر سلمان بصورتها المؤلمة تأثر تأثرا عظيما، فوصف دجلة بفيضانه و عربدته و نعته بمجنون مكبل بسلاسل حديدية ..

كسر قيوده و استولى بمياهه على المدينة فخرب عماراتها العالية. و أغرق نحو أربعين ألفا من أهليها و كان هذا الحادث سنة جلوس السلطان أويس ... فناح الشاعر على مصاب بغداد لما رآه فيها من دعة، و كان حصل في بغداد على نعيم و شهرة ذائعة في الأقطار ...

قال الخواجة سلمان:

بسال هفصد و پنجاه و هفت گشت خراب‏* * * بآب شهر معظم كه خاك بر سراب‏

دريغ روضه بغداد آن بهشت‏آباد* * * كه كرده است خرابش سپهر خانه‏خراب‏ (1)

و في هذا ما يشير إلى ما كانت عليه بغداد و ما نالها من دمار ...

وفيات‏

1- جمال الدين أبو محمد البغدادي:

هو ابن عبد الرحمن بن أحمد بن ماجد، سمع من ست الملوك‏

____________

(1) حبيب السير و سلمان ساوجي لرشيد ياسمي ص 15 و كلشن خلفا ص 49.

97

بنت أبي نصر بن أبي البدر الكاتب، و سمع منه المقرى‏ء شهاب الدين ابن رجب و أثنى عليه. قال: اقرأ بالمستنصرية، و كان حريصا على الخير، انتفع به خلق كثير. مات في المحرم سنة 757 ه (1).

حوادث سنة 758 ه- 1357 م‏

جامع مرجان و دار الشفاء

أوقاف الخواجة مرجان:

لم ينقطع أهل الخير و البر في مختلف العصور و الأزمان. و من أعظم الأعمال ما خدم الثقافة و ساعد على حسن السلوك، أو نفع الجماعة مما يودي بهم من الأمراض الفتاكة، و لعل الخواجة مرجان أراد أن يجمع بين الحسنيين الثقافة الفكرية و الصحة البدنية للجماعة فوقف موقوفاته و هي:

1- مدرسة مرجان:

و الخواجة مرجان من ولاة بغداد، و من أعظم آثاره الباقية مدرسته و تعرف اليوم ب (جامع مرجان) و فيها ما يشعر بإتقان البناء، و صناعة النقش، و حسن الخط ما يبهر المتفرج المشاهد، و يعين درجة مراعاة الإحكام في العمل، و القدرة سواء من ناحية مادة البناء و بقائها على الدهر. أو من جهة الدقة في الصنع و الزينة ...

قيمة هذه المؤسسة لا تقدر. و أوقافها لا تكاد تحصى .. و لا تزال بقاياها إلى اليوم، و غلتها ليست بالقليلة .. كانت جامعة تدرس فيها أنواع العلوم و ضروب الفنون .. زادت في الثقافة، و رقت في المدارك،

____________

(1) الدرر الكامنة ج 1 ص 165.

98

و جددت سوق العلم و ولدت نشاطا كافيا ... و سيأتي التعريف بواقفها الخواجة مرجان (رحمه اللّه) الذي بقي اسمه خالدا و إن كان قد اندثرت أعمال السلطان أويس الذي هو أحد ولاته فلا تزال هذه المدرسة قائمة و شاهدة بعظم العمل و تاريخ وقفها كان سنة 758 ه قال الغياثي:

«كان مرجان رجلا خيرا، استأنف عمارات، و جدد أخرى، وقف العقار و الضياع، و عمر المدرسة المرجانية، و دار الشفاء، و أسواقا و خانات لم يتفق في دور أحد من السلاطين مثلها كما نطقت وقفيته و نقر ذلك على جدران العمارات و كان له خيرات على الفقراء، و المساكين حتى السنانير و سمك الشط و الطيور من اللحم و الخبز و الشيلم في صحن دار الشفاء، و صحنها، على جانب دجلة. و كان ثلثا الوقف لدار الشفاء و ثلث للمدرسة. ا ه» ملخصا.

اشتهر جماعة من العلماء في التدريس بها و أول من وصل إلينا اسمه بدر الدين محمد الأربلي‏ (1). و في العصر الأخير عرف من الآلوسيين السيد محمود شهاب الدين و قد عطلت بعد وفاته فذهب ابنه السيد نعمان خير الدين إلى استانبول في أواخر جمادى الأولى سنة 1300 ه فعين مدرسا لمدرسة مرجان و رجع إلى بغداد في 5 رمضان 1302 و بعد وفاته في 7 المحرم سنة 1317 ه خلفه في التدريس ابنه السيد علي علاء الدين قاضي بغداد الأسبق المتوفى في جمادى الأولى سنة 1340 ه فالسيد محمود شكري الآلوسي و آخرهم اليوم السيد إبراهيم ابن السيد ثابت ابن السيد نعمان خير الدين الآلوسي، و لا يزال مدرسا فيها و كان يتولى التدريس فيها مفتي بغداد، و له فضلة ريعها، ثم ضبطتها دائرة الأوقاف في العهد التركي و جعلت للمدرس راتبا مقررا ...

____________

(1) راجع عنه وفيات سنة 775 ه من هذا الكتاب.

99

و هذا ما قاله المرحوم الأستاذ السيد محمود شكري الآلوسي عن هذه المدرسة:

«مسجد محكم البناء، راسخ القواعد، مشيد الأرجاء، مبني بالحجارة المهندسة، ذو طبقتين سفلى و عليا، و فيه مصلى واسع، و حجر في الطبقة السفلى و العليا، و قد جعله بانيه مدرسة حاكى بها المدرسة النظامية، و جعل الحجر مسكنا لطلبة العلم، و أجرى عليها الجرايات الوافرة، و رتب لهم المدرسين على مذهبي الإمام الشافعي و الإمام أبي حنيفة (ر ض)، و وقف الأوقاف الكثيرة و كان المصلى محل تدريسهم كما كان محل عبادتهم» ا ه (1).

الوقفية و شروطها: (نصها)

كان المرحوم جميل صدقي الزهاوي ذكر أن لديه «كتاب الوقفية و الموقوفات» للخواجة مرجان فلم أتمكن من مشاهدته ... و الوقفية محفورة على جدران الجامع، و كذا الموقوفات الأخرى كتبت بخط أحمد شاه النقاش التبريزي المعروف ب (زرين قلم) و هو من الخطاطين المشاهير (2) ... ذكر اسمه على ما كتب. و هذا نص الوقفية:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. الحمد للّه الذي وفق المطيعين لعمارة أبنية بيوت العبادات، و ألهم المخلصين إشادة أعمدة دور الطاعات، و رفع ذكر الولاة، بتأسيس قواعد معالم المكرمات، و دل أرباب السعادات على سلوك سبل الخيرات‏ (3) و منح المحسنين بتشريف‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏، و حباهم بآية

____________

(1) «تاريخ مساجد بغداد و آثارها ص 65.»

(2) خطه يشعر بأنه أستاذ من أساتذة الخط.

(3) في نسخ: «على علم الخيرات».

100

وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ‏، و الصلاة و السلام على نبي الرحمة محمد المصطفى خير الأنام و أصحابه مصابيح الدجى و بدور الظلام.

أما بعد فيقول المفتقر إلى عفو الملك المنان، مرجان بن عبد الله ابن عبد الرحمن، بدل اللّه سيئاته حسنات: إني هاجرت في الأرض مدة، و جاهدت سنين في الطول و العرض، ذات شمال و يمين، متورطا في مخاوف البر و البحر، متوردا في متالف البرد و الحر، حتى أداني‏ (1) الجد الصاعد، و أدناني التوفيق المساعد فعلمت أن الدنيا دار الفرار، و أن الآخرة هي دار القرار، و أيقنت أن أولى ما أنفقت فيه الأموال، و أحرى ما توجهت إليه همم الرجال ما كان وسيلة إلى أبواب رحمته محط الرحال، و ذخيرة ليوم المحاسبة و السؤال، قال النبي عليه الصلاة و السلام «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا عن ثلاث صدقة جارية، و علم ينتفع به. و ولد صالح يدعو له» و الصدقة الجارية هي الوقف فشمرت عن نية صادقة صافية، و سريرة للخير وافية، و شرعت في عمارة هذه المدرسة المسماة ب (المرجانية) و توابعها المتصلات بعضها ببعض في زمن المخدوم الأعظم الدارج إلى جوار اللّه و جنانه، المستريح على أعلى غرفات جنانه، الشيخ حسن نويان، أنار اللّه برهانه، و تممت في أيام دولة نوّر حدقته، و نور حديقته، المخدوم الأعظم، الأعدل، رافع رايات السلطنة على الأفلاك، ناصب غايات المملكة إلى السماك؛ ساحب ذيل الرحمة على الأعراب و الأتراك، محيي مراسم الملة المصطفوية، و مزين شعار الدولة الجنكيز خانية شاه أويس خلد اللّه ملكه؛ و وقفت على الفقهاء و طلاب العلم و التفسير و الحديث و الفقه على مذهب الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي المطلبي و الإمام الأقدم أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي رضي اللّه تعالى عنهما وقفا على‏

____________

(1) حين أراني.

101

مصالحها، كما شرح في الوقفية الموقعة بتوقيع قضاة الإسلام، الموشحة بشهادة الأمراء و الوزراء العظام بالريحانيين‏ (1) أربعة و أربعين دكانا، و اثنتي عشرة عصارة في السوق الجديد المجاور للمدرسة و الصاغة، و تسعة و عشرين دكانا أخرى، و ثلاث خانات و نصف خان إحداهن إنشاء الواقف، و مواضع بالبدرية و الامشاطيين ثلاثة داكين؛ و بالمشرعة أربعة عشر دكانا و خانا جديدا من إنشاء الواقف تقبل اللّه منه صالح الأعمال، و بالحلبة ثلاثة عشر دكانا و عصارة و خانا فيه اثنتان و خمسون حجرة، و في الجانب الغربي من محلة القصر دارا و مدارا و خانا يعرف بالجواري؛ و في الخليلات خان الزاوية و مدارا هي الآن من حقوق الخان المذكور. و بالحريم دكان الكاغد. و بنهر عيسى ناحية عقر قوف و نصف القائمية، و تل دحيم‏ (2) و بساتين بالمخرمية و بساتين بقرية البرك، و الجوبة، و قراح الجاموس، و بالعراة مزرعة، و بالقاطون ناحية زادمان، و بجلولا من خان‏آباد النصف، و من بساتين ببعقوبة و ببوهريز النصف و بخانقين دوري و نصف دور جوري و أرحية الماء و بغمايا، و دولتاباد و بساتين في البندنيجين، و بستان جديد في بوهريز إنشاء الواقف، و نهر خرناباد و سائر أراضيها و مزارعها المدعو هرارشته و ذلك بين جبل حمرين و خانقين وقفا صحيحا شرعيا مؤبدا مخلدا، محرما بجميع ما حرم اللّه مكة و البيت الحرام و الركن و المقام لا زال ذلك كذلك إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها و هو خير الوارثين، لا يندرس بكرور الأعصار، و لا ينطمس بمرور الأدوار، لا يؤجر من متغلب و متعزز و جندي و من يخاف غائلته بل يؤجر من رجل مسلم، معامل بتمكين الوالي على هذا الوقف‏

____________

(1) هو سوق العطارين. كذا قال المرحوم السيد نعمان خير الدين الآلوسي.

(2) دحيم بالدال المضمومة من قرى نهر ملك و هي من نهر عيسى قال في مراصد الاطلاع. أقول و نهر عيسى يسمى الآن المسعودي و هو قرب قبر الجنيد نقلا عن المرحوم السيد نعمان الآلوسي.

102

ما فوق المحراب من جامع مرجان- دار الآثار العراقية

103

من مرافعته بين يدي الحكام، و قضاة الإسلام، قادرا على أداء ما يتوجب عليه من ضمان الوقف، و من فعل ذلك فتلك الإجارة باطلة، و تصرفه حرام سحت، و وصيتي إلى حكام كل زمان و عصر و أوان، و إلى قاضي القضاة ببغداد أن يساعد الوالي على هذا الوقف و استخلاص الحقوق الواجبة، لوقف هذه المدرسة، و أن ينظروا إليهم بنظر الرحمة و الرأفة، فإن الحاكم العادل في رعيته كالوالد الشفيق على ولده ألا و إن كل من سن سنة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من يعمل بها إلى يوم القيامة، و أن لا يتعرضوا بمتولي هذا الوقف و مستوفيه و مشرفه من استرفاع حساب أو نصب أو ترتيب و لا يداخلوهم في ذلك بشبهة من الشبه و لا يعقد بهذه المدرسة ديوانا لفصل القضايا الشرعية، أو ينازعوا فيه. فإن هذا الموضع موطن العلماء و منزل الصلحاء فطوبى ثم طوبى لمن استجلب ترحما لنفسه؛ و ويل ثم ويل لمن صاحبته اللعنة في رمسه، فيمثل ما تعاملون في حياتكم تعاملون في مخلفاتكم بعد مماتكم فإن المكافأة من الطبيعة واجبة، كما تدين تدان، و كما تزرع تحصد، فإن الدنيا غدارة غرارة و إن طالت مدتها فما طالت، و إن نالت لصاحبها فما نالت. و من غير شروط هذه الأوقاف، أو تصرف فيها خلاف ما شرطت في الوقفية فهو ظالم عند اللّه ألا لعنة اللّه على الظالمين؛ و عليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين؛ و مأواه جهنم و بئس المصير و ألحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا و ما ذلك على اللّه بعزيز؛ و شرط الواقف تقبل اللّه منه الحسنات و لا و اخذه ما كسبت يداه من السيئات أن لا يسلم من الأراضي الموقوفة من النواحي و البساتين و البسوط بالقرار الشمسي شيئا أصلا؛ و لا من المسقفات من الدكاكين و الخانات و الطواحين بالعرضة أبدا، و من فعل ذلك فحكمه باطل؛ و شرطه مفسوخ؛ و تصرف من تصرف فيها بهذه‏

104

الشبهة حرام سحت و فاعله مأثوم، ملوم الخالق و الخلق‏ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ و كتب في شهور سنة ثمان و خمسين و سبعمائة و الحمد للّه وحده و الصلاة و السلام على نبي الرحمة و شفيع الأمة؛ و كاشف الغمة النبي الأمي العربي الهاشمي القرشي المكي المدني سيد المرسلين و رسول رب العالمين و خاتم النبيين و على آله الطاهرين الكرام و صحبه المنتخبين البررة و سلم تسليما كثيرا. ا ه.

الكتابات المنقورة على الجدران:

و في المدرسة كتابات أخرى في مواطن متعددة تتعلق بالموقوفات نقلها بوقتها المرحوم السيد نعمان خير الدين الآلوسي و عليه اعتمدت في ذكر نص الوقفية و الكتابات الأخرى في المدرسة. و هذا نص المكتوب في إيوان المزملات: «بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه حق حمده، و الصلاة و السلام على نبي الهدى محمد و آله و صحبه من بعده. يقول الواقف مرجان بن عبد الله بن عبد الرحمن السلطاني الأولجايتي‏ (1) من غير شروط أوقافي، أو تصرف فيها خلاف ما شرطت لعن في الدنيا و الآخرة، و ألحق‏ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً و شرطت‏ (2) أن لا يؤجر أكثر من سنة واحدة: و لا يعقد عقد إجارة قبل انقضاء العقد الأول، و لا يوفر من الموقوفات شي‏ء بوجه المرسومات بعد المرتزقة بها مما ذكر فهو ظالم عند اللّه. و صلى اللّه على سيدنا محمد النبي الأمي. و على آله‏

____________

(1) نسبة إلى أولجايتو خان و هو محمد خدابنده المعروف بخربنده أحد ملوك المغول من ذرية هلاكو و هو من مواليه.

(2) وردت بلفظ «و شرط».

105

الطيبين الطاهرين و صحبه و سلم. و ذلك في شهور سنة ثمان و خمسين و سبعمائة. كتبه أضعف عباد اللّه تعالى أحمد شاه النقاش التبريزي أحسن اللّه إليه في الدنيا و الآخرة». ا ه.

و هذه الكتابة سقطت من مدة و قد احتفظ بأحجارها ... و لكنها لم تعد إلى موطنها ...

و هذا نص الكتابة المحفورة على ظاهر جدار المصلى و الموجودة فوق سطح الطارمة:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. في بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه. أنشأه المفتقر لمغفرة الملك المنان مرجان بن عبد الله بن عبد الرحمن السلطاني الأولجايتي. تقبل اللّه منه في الدارين طاعاته، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه الطيبين الطاهرين و سلم». ا ه.

و المكتوب على باب الجامع: (المدرسة)

بسم اللّه الرحمن الرحيم. إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ. هذه مدرسة رصينة البناء؛ مشيدة الأرجاء، أنشأها المفتقر إلى عفو ربه الملك المنان مرجان بن عبد الله بن عبد الرحمن.

ابتدأ بها في أيام دولة المخدوم المكرم؛ و النويان‏ (1) الأعظم؛ السلطان حسن أنار اللّه برهانه، و كملت في أيام ايالة ولده النويان الأعظم‏ (2)، سر العدالة في العالم؛ سلطان السلاطين، غياث الدنيا و الدين‏ (3) و مغيث‏

____________

(1) مر تفسيره و هو آمر الفرقة أو قائد الجيش و يطلق أيضا على الأمير «الشهزاده» راجع المجلد الأول من هذا الكتاب.

(2) لعلها كما قال الفاضل بهجة الأثري «ناشر» لا «سر» راجع مساجد بغداد ص 70.

(3) ورد بلفظ «غاية الدنيا و الدين» و الصحيح أن لقب السلطان أويس غياث الدين و هو الصحيح كما علق الفاضل الأثري.

106

الإسلام و المسلمين، الشيخ أويس، لا زال هذا الملك الأعظم ملجأ و ملاذا للأمم؛ على أن يدرس فيها مذهبا الإمامين الهمامين، و المجتهدين الأعظمين الإمام أبي حنيفة و الإمام محمد بن إدريس الشافعي عليهما الرحمة و الرضوان. و ذلك في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة. و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين. بقلم الفقير إليه تعالى أحمد شاه النقاش التبريزي عفا اللّه عن تقصيره» ا ه.

هذا ما نقله صاحب مساجد بغداد و قال نعمان الآلوسي بعد أن ذكر الآية إلى آخرها و أنه أتمها في زمن أويس أن بعد ذلك أسطرا قد محيت و اندرست و مسح عليها بالجص أيضا ككثير مما كتب على جدران أوقافه .. و في لغة العرب ذكر الأديب الفاضل مصطفى جواد نص ما تمكن من قراءته‏ (1) ...

و قد رمم باب الجامع و احتفظ بوضعه القديم و أعيد المنهدم إلى مثل ما كان عليه كما أصلح مصلاه و عليت أرضه في أيام تولية المرحوم الشيخ أمين عالي آل باش أعيان العباسي وزارة الأوقاف سنة 1345 ه فاحتفظ بهذا الأثر الجليل‏ (2).

و هذه المدرسة قويت على الأيام و لا تزال قائمة و كان قد أمر سليمان باشا الكبير والي بغداد أن يوسع المصلى بهدم بعض الحجر المبنية و إدخالها فيه، و جعل فيها عبد الله الراوي أو عبد الرحمن الراوي مدرسا فأرخ ذلك بهذه الأبيات:

تبارك من أنشا الأنام و أوجدا* * * و قيض منهم من يقام به الهدى‏

ففي كل قرن يبدو منه مجدد* * * حديث أتى عن سيد الرسل مسندا

____________

(1) لغة العرب ج 9 سنة 7 ص 690.

(2) تاريخ مساجد بغداد تعليق الفاضل الأثري.