موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج2

- عباس العزاوي المزيد...
424 /
107

فكان بهذا القرن حقا مجددا* * * وزير محا رجس الضلالة و الردى‏

فأحيا ربوع العلم بعد دروسها* * * و كم جامع أحيا و جدد مسجدا

و مذ بان في هذا المكان تخلخل‏* * * تداركه فورا فأضحى مشيدا

هنيئا له حاز الثواب لأنه‏* * * نوى عملا للّه صرفا مجردا

و فيه روى الراوي الحديث مؤرخا* * * سليمان أضحى عادلا بل مجددا

1200 ه هذا ما ذكره السيد نعمان الآلوسي و من دفتره نقلت و يقاربه ما جاء في مساجد بغداد. و الملحوظ أن باب المصلى قد كتبت عليه هذه الأبيات منقوشة على الكاشي في التاريخ المذكور أعلاه بخط الخطاط العراقي الشهير نعمان الذكائي‏ (1).

2- دار الشفاء:

من آثار الخواجة مرجان دار الشفاء. و هذه عادت اليوم قهوة تحتانية و أخرى فوقانية و تعرف ب (قهوة الشط). ثم صارت التحتانية محلا معدا للأعمال التجارية و لا تزال الأخرى قهوة. و كانت تؤدى (إجارة عرصة) للأوقاف، و هي الآن من أوقاف (مدرسة اليانس) اليهودية و كذا الأملاك المتصلة بها .. و قد نبه على ذلك المرحوم السيد نعمان خير الدين و عينها في هامش دائرة المعارف للبستاني الموقوفة بين كتب مكتبته التي انضمت إلى دار كتب الأوقاف العامة. و أيد ذلك الأستاذ السيد محمود شكري الآلوسي في تاريخ مساجد بغداد (2) ..

و من الموقوفات على المدرسة و على دار الشفاء (خان الأورتمة) و سيأتي الكلام عليه في حينه. و قد اندرس غالب الموقوفات لهما، فلا

____________

(1) هو من تلامذة محمد أمين الأنسي كما يستفاد من إجازة الخطاط سفيان لمحمود الثنائي.

(2) تاريخ مساجد بغداد ص 71.

108

زينة الطابوق في جامع مرجان- هرتسفيلد

109

يفيد مع النفوس الشريرة اللعن و التهديد بغضب اللّه ... مما ذكره الواقف (رحمه اللّه تعالى) في متن وقفيته و سائر ما حفره على الأحجار (1) ..

و الواقف أول من التفت إلى عمل مثل هذا الأثر الجليل من عهد انقراض الحكومة العباسية فلم تهتم هذه الحكومة بمثل هذه الأمور ...

و الأهلون مهملون من ناحية الصحة و الثقافة لو لا أن أهل الخير شخصيا، و الواقفين السابقين أسسوا هذه المؤسسات النافعة .. فالحكومة لا هم لها إلا الجباية و سلب الأموال ... و لم تقلل من جشعها حتى في أيام اتخذت فيها بغداد عاصمة و زاد الاعتناء بها ... و إنما قام بالأعمال الخيرية أفراد حبا في الثواب ...

الملك الأشرف- انقراض الحكومة الجوبانية:

كان قد ولي الملك الأشرف بعد أخيه الشيخ حسن الصغير كما

____________

(1) قال ابن فضل اللّه العمري في المسالك: «و سألت الفاضل نظام الدين أبا الفضائل يحيى بن الحكيم إن كانت الأوقاف باقية في نواحي هذه المملكة (مملكة بني هلاكو) كما هي عليها الآن؟ أم تناولتها أيدي العدوان؟ فأخبرني بأنها جميعها جارية في مجاريها لم يتعرض إليها متعرض لا في دولة هولاكو و لا في ما بعدها بل كل وقف بيد متوليه و من له الولاية عليه. و كل ما يقال من نقص أحوال الأوقاف بإيران جميعا هو من سوء ولاة أمورها أكثر من سواهم» ا ه ذكره الأستاذ الفاضل مصطفى جواد و قال: أما أوقاف المدرسة المرجانية فقد كانت ثابتة إلى ما بعد القرن الحادي عشر للهجرة. قال أحمد بن عبد اللّه البغدادي (المتوفى سنة 1102 ه بالطاعون. ذكره صديقه و ناشر كتابه بعد موته فتح اللّه بن عبد القادر لقمان. للفاضل الأستاذ مصطفى جواد.) في تاريخه «عيون أخبار الأعيان» في ترجمة مرجان عرضا مع الحوادث «و هو المعروف بالصاحب الأعظم أمين الدين مرجان ... صاحب الخيرات العظام في بلدة بغداد آثار خيراته إلى الآن موجودة تنتفع منها الفقراء و الفقهاء و كل وقف كان لمن سلف من الملوك اندرس و ذهب سوى وقفه فإنه بقي منه ما يوجب تذكره و طلب الرحمة له- (رحمه اللّه)-» ا ه.

110

مر سابقا و هذا نصب (نوشيروان العادل) من ذرية هلاكو ملكا، ثم عزله و أعلن حكومته مستقلا فضربت باسمه النقود، و قرئت له الخطب و كان سيئ السيرة جدا. و في أيامه ترك غالب المسلمين أوطانهم و هاجروا إلى الأنحاء الأخرى، فلم يطيقوا الصبر على شراسته و قسوته. و كان بين هؤلاء النازحين القاضي محيي الدين البردعي فقد هرب من وجهه، و ترك تبريز فالتجأ إلى جاني بيك‏ (1) ملك القفجاق؛ و كان قد ولي هذا بعد والده أوزبك‏ (2) أما القاضي المزبور فإنه عدد مساوي الملك الأشرف و قصها على جاني بيك و حضار ديوانه فلم يتمالكوا استماع ما ذكره فأجهشوا بالبكاء ... ذلك ما دعا أن يجهز الملك عليه في مدة قليلة جيشا لجبا، و يحضر الحرب بنفسه فدخل آذربيجان سنة 758 ه و تصادم مع جيش الملك الأشرف في خوي. و في هذه المعركة تغلب القفجاق على الملك الأشرف السلدوزي فقتل و استولى السلطان على خزائنه ...

و كان الأشرف قد ظلم الخلق و اكتنز الخزائن فاستفاد غيره منها و قد قيل في ذلك:

ديدي كه چه كرد أشرف خر* * * أو مظلمه برد و ديكري زر

فانقرضت بهذا الحكومة الجوبانية و هي من متغلبة المغول و قد بسطنا القول في غالب حوادثها مع العراق فصارت في خبر كان. أما جاني بيك ملك القفجاق فإنه أسر تيمورتاش ابن الملك الأشرف و سلطان بخت بنته و عاد إلى عاصمته (السراي)، و أبقى ابنه بردي بيك‏ (3)

____________

(1) ورد بلفظ جان بيك أيضا.

(2) مر ذكره في المجلد الأول توفي في شوال سنة 742 ه و هذا هو محمد أوزبك بن طغرلجا بن منكو تيمر بن طغان بن باتو بن دوشي خان بن جنكيز خان. و كان قد ولي بعد عمه الملك طقطاي في أواخر رمضان سنة 712 ه.

(3) ورد بلفظ بري بيك كما في حبيب السير و الصحيح بردي بيك.

111

بخمسين ألفا في آذربيجان و لكن ابنه لم يلبث إلا قليلا فعاد إلى مملكته (القفجاق) لمرض أصاب والده جاني بيك فجعل بردي بيك عوضه الأمير أخي جوق نائبا عنه في تبريز (1).

و قد بسط صاحب (تلفيق الأخبار و تلقيح الآثار) القول في هذه الوقعة و نقل عن مؤرخين كثيرين و بحث عن ملوكهم مفصلا و ذكر أن محمود جاني بيك مرض في الطريق أثناء عودته إلى مملكته فأرسل أمراؤه وراء ابنه بردي بيك يعلمونه بالخبر و يطلبونه للحضور سريعا و حينئذ ولى على تبريز أميرا قيل هو وزيره سراي تيمر، و قيل أخي جوق وزير الملك الأشرف و وصل بردي بيك إلى (سراي) و قد توفي أبوه السلطان في هذه السنة (758 ه) .. فنصب الابن بردي بيك ملكا مكانه في تلك السنة. قال أبو الغازي صاحب شجرة الترك: «إن بردي بيك كان ظالما غشوما فاسقا قاسي القلب ما ترك أحدا من إخوانه و أقاربه بل قتل الكل، و ظن أن الملك يدوم له و لم يدر أن الدنيا فانية سريعة الزوال فلم يدم له الملك إلا مقدار سنتين فمات في سنة 762 ه، و انقطع بموته نسب صاين خان يعني الملك باتو ..» ا ه. و قال ابن خلدون: «استقل بالدولة لثلاث سنين من ملكه» ا ه، فيكون جلوسه سنة 759 ه، و بموته وقع الاختلال في دولتهم و كثر الهرج و المرج فتفرقوا إلى دويلات صغيرة (2) ...

حوادث سنة 759 ه- 1358 م‏

السلطان- فتح آذربيجان:

في هذه السنة أيام الربيع علم السلطان أويس أن بردي بيك خان رجع إلى مملكة الدشت (القفجاق) و إن أخي جوق بالنيابة عنه استولى‏

____________

(1) شجرة الترك ص 174 و حبيب السير ج 3 ص 81، و تقويم التواريخ ص 94.

(2) تلفيق الأخبار ج 1 ص 556.

112

على آذربيجان بالوجه المذكور أعلاه، أو أنه تغلب على الأمير المنصوب .. فجهز السلطان جيشا عرمرما من بغداد و توجه تلقاء تبريز.

أما أخي جوق فقد تأهب للنضال و سارع لقتاله و صار ينتظره بجيشه عازما على حربه فكانت المعركة بينهما شديدة و الصدام قويا إلا أن الحرب لم تسفر في اليوم الأول عن نتيجة، و لم يظهر الغالب من المغلوب و هكذا استمرت إلى اليوم الثاني فأصابت أخي جوق الهزيمة فمال إلى أنحاء تبريز فارا و لكن السلطان أويس لم يمهله و تعقب أثره فقطع أخي جوق أن السلطان لاحق به فهرب إلى جهات نخچوان و حينئذ ورد السلطان تبريز و نزل (الربع الرشيدي) في رمضان سنة 759 ه. و من ثم وافى أمراء الشرق لعرض الطاعة له و تقديم الإخلاص ... إلا أنه لم تمض عليهم بضعة أيام حتى نووا الغدر بالسلطان و على هذا طبق عليهم «الياسا» أي أنه قتل منهم في رمضان هذه السنة ما يقرب من 47 أميرا. و الباقون ذهبوا إلى أخي جوق و لحقوا به، و هذا سار من نخچوان إلى قراباغ اران، و عند ذلك رشح السلطان الأمير علي بيلتن لحرب هؤلاء المخالفين فتوجه نحو أخي جوه و لكنه تهاون كثيرا و أبدى تكاسلا، و لم يبال بالأمر فأصابته الكسرة و انتصر عليه أعداؤه فقدر لهذه البلاد أن يستولي عليها هذا الأمير ثانية. فاضطر السلطان أن يعود إلى بغداد و يعد للأمر عدته .. و تمكن أخي جوق من التغلب عليها مرة أخرى. و قد أصاب هذه الأنحاء من الأضرار في النفوس و الأموال ما لا يدخله إحصاء (1) ...

حوادث سنة 760 ه- 1359 م‏

عود إلى وقائع آذربيجان:

مرت حوادث تبريز في السنة الماضية. و في فصل الربيع من هذه السنة جرد الأمير مبارز الدين محمد مظفر جيشا من شيراز و ساقه إلى‏

____________

(1) تاريخ مفصل إيران ص 453، و حبيب السير ج 3 ص 81.

113

تبريز فلم يطق الأمير أخي جوق الصبر على مقارعته ففر من وجهه ...

و في ذلك الحين فاجأت الأخبار بمسير السلطان أويس و توجهه تلقاء تبريز فلم ير الأمير مبارز الدين بدا من العودة إلى مملكته بخفي حنين و ترك البلاد فدخل السلطان تبريز و نزل دار الخواجة الشيخ كج‏ (1) من مشايخ و علماء تبريز ...

و في هذه الأثناء التجأ الأمير أخي جوق إلى صدر الدين الخاقاني و من ثم دارت المفاوضات في الصلح و طلب العفو للأمير أخي جوق فنال عطف السلطان إلا أنه بعد أن اطمأن و استراح مدة أنبأ الخواجة الشيخ السلطان أويس دخيلة الأمير و ما عزم كل من علي بيلتن و جلال الدين على الغدر به فأمر السلطان أن يقتل هؤلاء الثلاثة فقتلوا و نجا الناس من فتنهم و غوائلهم ...

و من ثم دخلت تبريز في حوزة السلطان و كذا آذربيجان و اران و موقان و الأنحاء المجاورة الأخرى حتى سواحل بحر الخزر فوسعت مملكة الجلايرية توسعا كبيرا و صارت آذربيجان مصيفا، و العراق مشتى لها كما كانت على عهد المغول‏ (2).

خان الاورتمة: (أثر تاريخي)

في هذه السنة بني هذا الخان. و لا يزال قائما إلا أنه تداعت بعض أركانه فرممته دائرة الآثار و أصلحت بعض نواحيه في هذه السنة (سنة 1355 ه)، و هو شاهد الاعتناء في اتقان العمارة و إحكامها ... و هذا نص ما جاء مكتوبا على بابه نقلا عن السيد نعمان خير الدين الآلوسي قال:

____________

(1) و جاء بلفظ كحج. و الكحجاني أو الكجحاني كما في ساوجي ص 40.

(2) حبيب السير ج 3 ص 81، و تاريخ مفصل إيران ص 456.

114

الكتابة على باب خان الأورتمة- دار الآثار العراقية

115

صورة ما حرر في الحجر في باب الخان المعروف بخان الأورتمة أي المسقف بالأحجار، و قد ذهب بعض الأسطر من أعلى المكتوب و الذي بقي هو هذا:

«... الاولجايتي وقفها على المدرسة المرجانية و دار الشفاء بباب الغربة (كذلك عقرقوف)، و النصف للقائمة (من القائمية)، و تل دحيم، و مزرعة بالصراة، و بساتين بالمخرمية (1) و بساتين بقرية البزل (الترك)، و الرادماز، و خرم‏آباد و رباط جلولا المعروف بقزلرباط، و زرين جوي، و نصف دوري، و بساتين ببعقوبة و بوهريز و بالبدنيجين، و خان و دكاكين بالحلبة (2)، و أربع خانات و دكاكين بالجوهريين، و خان بالجانب الغربي، و دكان كاغد بالحريم كما هو محدود مشروح في الوقفية وقفا صحيحا شرعيا، تقبل اللّه تعالى منه الطاعات في الدارين و (بلغه) نهاية المراد، و كان الفراغ منه سنة ستين و سبعمائة. و الحمد للّه وحده و صلى اللّه على سيدنا محمد النبي الأمي العربي الصادق، و على آله الطيبين الطاهرين و صحبه و سلم.

كتبه الفقير إلى رحمة ربه احمد شاه النقاش المعروف بزرين قلم.

غفر اللّه ذنوبه» ا ه.

هذا ما وجد بخطه.

و جاء في لغة العرب نص المكتوب بقراءة الأديب الفاضل مصطفى جواد:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. أمر بإنشاء هذا النيم و المنازل‏

____________

(1) محلة بين الرصافة و نهر المعلى و تسمى الآن رأس القرية. قاله السيد نعمان خير الدين الآلوسي.

(2) الحلبة محلة فيها قبر عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الجيلي. عن المرحوم السيد نعمان خير الدين الآلوسي.

116

و الدكاكين المولى المخدوم الأمر الصاحب الأعظم الأعدل ملك ملوك الأمر في العالم. صاحب العدل الموفور. عضد السلطنة و الإمارة، حاوي مرتبة الإمارة و الوزارة، افتخار شهد الأوان، المخصوص بعناية الرحمن، أمين الدين مرجان الأولجايتي‏ (1) وقفها على المدرسة.

الخ» ا ه (2).

و الباقي لا يختلف عن النص السابق إلا في بعض الألفاظ، ذكرتها بين قوسين في النص المنقول عن الآلوسي و النص في تاريخ مساجد بغداد غير صحيح ..

و كتب على صخرة في مدخل باب الخان ما نصه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. في أيام حضرة السلطان الوالي الدال على المذهب الإمامي شاه إسماعيل بن حيدر الصفوي الحسني. أيدت دولته و وقف عالي جناب الأمير الكبير، المخصوص من اللّه بالعناية و الإحسان، الأمير العادل (قنغرار) سلطان على قول اللّه تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏ و اعلم أن عواقب الظلم ذميمة، و موارده وخيمة، فصدر الأمر العالي بألا يؤخذ من دلالي الإبريسم و من غرة (الظاهر غير) الأقمشة شي‏ء بعلة التمغا و من غير ذلك أو شيئا منه فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، و كتبه في ذي الحجة سنة 921 و الحمد للّه وحده» ا ه.

ذكره الأديب الفاضل مصطفى جواد (3).

____________

(1) ورد الأولاقايتي و الصحيح ما ذكر في الأصل كما تبين من مشاهدته و قد التبست اللفظة بسبب تركيب الحروف.

(2) لغة العرب ج 8 من السنة 7 ص 615.

(3) لغة العرب ج 8 سنة 7 ص 617.

117

وفيات‏

1- الأمير سيف بن فضل:

مرت حوادثه سنة 748 ه و قد دامت الحروب مع سائر الأمراء إلى أن قتل في هذه السنة أو التي قبلها. و جاء في عقد الجمان أنه توفي سنة 760 ه مقتولا، و التفصيل عنه في الدرر الكامنة (1).

2- محمد بن علي بن أحمد السهروردي:

مات ببغداد سنة 760 ه، و كان مولدته في رجب سنة 686 ه سمع من الرشيد بن أبي القاسم العوارف للسهروردي، و منه أخذ مشيخة السهروردي و لبس الخرقة؛ و أجاز له جماعة (2).

حوادث سنة 761 ه- 1360 م‏

بيرام بيك ابن سلطان شاه- السلطان أويس:

إن هذا الأمير كان محبوب السلطان أويس، و نديمه الملازم له، أحبه حبا جما .. و في بعض مجالس الشراب تعارك مرة مع أحد الندماء فغضب مما ناله و ذهب إلى بغداد، و ترك السلطان في تبريز، و إن الخواجة سلمان الساوجي نظم للسلطان «فراقنامه» و لكن السلطان لم يطق فراقه و عظم عليه الأمر فأرسل إليه بعض رجاله فطلبه إلى تبريز و استعاده إليه. كذا في حبيب السير (3).

و فراقنامه هذه مثنوي فارسي يحتوي ما يقرب من ألف بيت و هو

____________

(1) عقد الجمان ج 23 و الدرر ج 2 ص 183.

(2) الدرر ج 4 ص 55.

(3) ج 2 ص 81.

118

مبتن على أن بيرام شاه (بيرام بيك) كان معشوق السلطان بحيث لا يستطيع أن يفارقه لحظة. إلا أن هذا المثنوي نظمه الخواجه سلمان الساوجي في حادث وفاته سنة 769 ه لا في هذه الأيام، و كان تاريخ نظمه عام 770 ه بعد أن رأى أن قد نفدت الحيل و الوسائل في صرف السلطان و تسليته إلى ناحية أخرى بسبب وفاة بيرام شاه فقد كان يورد له قصصا أدبية لمشاهير الشعراء مثل (فراق شمس و قمر) و (روز و شب)، و (گل و بلبل)، و (شيرين و فرهاد)، و (ليلى و مجنون)، و (وامق و عذراء) ... فلم يجد فيها ما يسكن ملتهب شوقه و على هذا الحادث نظم الشاعر له فراقنامه هذه فكانت تعد من الآثار المهمة ذات المكانة الأدبية الممتازة. قال الجامي عنها إنها «كتاب بديع و نظم لطيف» و هذه شهادة كافية للتعريف بقيمتها الأدبية (1) ...

و كان السلطان أويس أمره بنظم حكاية تناسب الحالة و لكنه فضح بها السلطان و أذاع حادث حبه و ولهه ... لبس عليه السواد، حزن حزنا عظيما فحكى الخواجة سلمان قصة عشقه هذه، و ما ناله من نصب الفراق و عودته له ثم وفاته ... فانكشف أمره بهذه القصيدة، و دعت إلى التقول عليه ..

وفيات‏

1- فياض بن مهنا بن عيسى:

من آل فضل، أمير العرب. ولي الإمرة من الناصر، ثم وليها بعد أخيه أحمد و بعدها عزل ... و هكذا حتى جاء العراق فتوفي سنة 761 ه و كان سيئ السيرة (2).

____________

(1) ساوجي ص 120.

(2) الدرر الكامنة ج 3 ص 234.

119

حوادث سنة 762 ه- 1361 م‏

مخدوم شاه داية السلطان:

في هذه السنة تزوج سلمان بك داية السلطان (مرضعته) و تسمى مخدوم شاه و تلقب ايكجي. و كانت تعد من الأميرات، و هي عظيمة الشأن، صائبة الرأي و كان يهرع إليها في حل القضايا المهمة و الخطوب المدلهمة .. و بهذا نال زوجها منصب الإمارة ... فإن هذا الزواج كان بأمر من السلطان و رغبته، و كان السلطان لا يزال في تبريز (1) ...

و من ثم صار يدعى هذا الأمير (سليمان أتابك)، و هو أمير الأمراء كما أن الوزارة نالها الخواجة نجيب الدين و قد نظم المولى الياس قلندر أبياتا فارسية في ذلك ذكرها صاحب روضة الصفا (ج 5 ص 170).

حوادث سنة 763 ه- 1362 م‏

مدرسة و دار شفاء

آثار مخدوم شاه:

في هذه السنة ذهبت مخدوم شاه إلى الحج و قامت بالعمارات التالية:

1- عمارة الايكجية:

لقبت مخدوم شاه المذكورة باسم عمارتها هذه. فقيل لها ايكجية، أو أن لقبها هذا انتقل إلى عمارتها (2) و الظاهر أنها عمارة سوق الغزل.

و لفظ إيكجية يعني أصحاب المغازل و هو سوق المغازل و لا يزال إلى‏

____________

(1) حبيب السير ج 3 ص 81، و تاريخ الغياثي ص 183.

(2) تاريخ الغياثي ص 183.

120

اليوم معروفا بسوق الغزل و تباع فيه المغازل و بعد أن خرب الجامع و اندثرت موقوفاته عمرتها مجددا ... و أحيت (جامع الخلفاء) الذي لا يزال يسمى جامع سوق الغزل أيضا. و قد ضاعت عنا تفاصيل أخبارها.

2- المدرسة:

و هذه لا يعرف مكانها بالتحقيق و إنما جاء في الغياثي «لها مدرسة عظيمة» و لم يعين موقعها (1) ... و الصلة قد انقطعت فلم تعد تعرف ما كانت عليه ... و إلى إين صارت ...

3- دار الشفاء:

و هذه أيضا من آثارها، و على ما جاء في تاريخ الغياثي كانت دار الشفاء على جانب دجلة. فبنى السلطان أحمد في وجهها القلندر خانة.

المولى خانة أو جامع الآصفية

و القلندر خانة هذه هي المعروفة بعد ذلك ب (المولى خانة) أو (المولوي خانة) بناها محمد چلبي كاتب الديوان و كاتم السر في عهد أحد المتغلبة على بغداد أحمد الطويل سنة 1017 ه، و جعلها تكية لدراويش المولوية (2). و حافظت على اسمها إلى أيام داود باشا فجدد عمارتها و من ثم صارت تسمى ب «جامع الآصفية» نسبة إلى داود باشا المنعوت بآصف زمانه .. و قد جاء في الوقفية المؤرخة في غرة رجب سنة 1243 ه أن القاضي بمدينة بغداد إبراهيم أفندي بن محمد أفندي قد ثبت عنه أنه في 2 رجب سنة 1241 ه جاء جماعة من العلماء إلى قاضي بغداد يومئذ محمد راشد أفندي بن فخر الدين فأخبروه بأن طريق‏

____________

(1) ص 183.

(2) كلشن خلفا ص 66- 1.

121

الجسر النافذ إلى الجانب الشرقي من البلد الممتد من مسناة الجسر إلى القهوة الشهيرة بقهوة زنبور فيه ضيق على المجتازين بسببه يحصل ازدحام و مشقة للمارين خصوصا من ضعف منهم كالصبيان و الشيوخ و الزمنين، و سبب ذلك أنه جادة واحدة ليس لها ثانية، و يقابله من طرف الجسر الآخر الغربي ثلاث طرق متحاذية متباينة، فطلبوا منه أن يعرض هذا الحال لحضرة الوزير ... داود ... و يرجو منه أن يفتح بابا للجسر آخر، و يجعل داخل الباب طريقا عاما يسلك منه الصغير و الكبير فيكون في ذلك تيسير للسالكين و أن يفتح الباب من مكان في حذاء الجسر هدمت عمارته و هو الآن خراب ليس فيه منفعة دنيوية و لا مصلحة أخروية، و مع ذلك فهو مأوى المفسدين و الزناة و الفسقة. و بعد الإلحاح على القاضي أجابهم معتذرا بأنه لقرب عهده لم يميز أمور البلد الخيرية عن الشرية. و في اليوم الثاني جاءه أعيان العلماء بأجمعهم و بينهم مفتي الحنفية محمد أسعد أفندي، و مفتي الشافعية عبيد الله أفندي، و السيد محمود أفندي نقيب الأشراف فالتمسوا منه أن يعرض الحال على الوزير الذي منذ جلس على تخت المملكة باشر بتعمير الجوامع و المساجد و القناطر و الجسور. فذهبوا جميعا إلى المكان لرؤيته، و مشاهدة الازدحام و ما فيه من الأذى ... و من ثم تحققت له المنفعة فعرض حينئذ الحالة على حضرة الوزير ... فلما اطلع الوزير على إعلام حاكم الشرع الشريف و علم أن في ذلك مصلحة شرع في عمارة الباب و الطريق العام. و عمر عمارات في رأس الطريق فجعل قهوة مشرفة على الدجلة العظمى و خانا للتجار و 26 دكانا، و دكة صراف و كرخانة يحمس فيها قهوة البن تسمى بالتحميس، و كرخانة أخرى يعمل فيها الخبز و بنى بحذاء الطريق (جامعا) حسنا في داخله مدرستان و حجر كثيرة لسكنى طلبة العلم .. و في طرفيه مأذنتان. ثم إن حضرة الوزير .. لما فرغ من هذه العمارات وقفها على (جامع الآصفية) الذي أنشأه و عدد شروط الوقف و مصارف الجامع و المدرستين.

122

و على كل لا يزال يسمى الجامع ب (الآصفية) و ب (المولى خانة) و قد ذكر في تاريخ مساجد بغداد ما قيل من الشعر في تاريخ تجديده و فصلت أمور أخرى مهمة لا نرى حاجة في تكرارها .. و الأصل من مؤسسات مخدوم شاه المذكورة. و لا يعرف بالتحقيق ما كان قبل ذلك.

وفيات‏

1- ابن الدريهم الموصلي:

هو تاج الدين علي بن محمد بن عبد العزيز الثعلبي المعروف بابن الدريهم، و هو لقب أحد أجداده سعيد ولد في شعبان سنة 712 ه؛ و قرأ القرآن بالروايات على أبي بكر بن العلم سنجر الموصلي، و تفقه على الشيخ نور الدين علي ابن شيخ العوينة، و أخذ عن علاء الدين بن التركماني، و شمس الدين الأصفهاني .. و سافر إلى دمشق ثم القاهرة فأثرى و تمول، و له حوادث في مصر و سورية؛ ثم رتب مدرسا بالجامع الأموي، ثم في صحابة ديوان الجامع؛ ثم رتب في ديوان الأسرى.

دخل مصر فبعثه الناصر حسن رسولا إلى الحبشة و هو مكره على ذلك فوصل إلى قوص فمات في صفر هذه السنة (762 ه).

و كان ماهرا في الأحاجي و الألغاز و حل المترجم و الأوفاق و الكلام على الحروف و خواصها.

و في كشف الظنون توفي سنة 763 ه و له منظومة في المعمى شرحها في كتاب سماه مفتاح (الكنوز في حل الرموز) (1) ..

2- شمس الدين محمد بن عيسى بن كر:

و يروى كثير عوض (كر) و هو مرواني بغدادي ثم مصري حنبلي.

____________

(1) الدرر الكامنة ج 3 ص 107 و كشف الظنون ج 2 ص 486.

123

ولد سنة 681 ه و كان قدم أبوه من بغداد إلى القاهرة حين غلب عليها هلاكو. ولي مشيخة الزاوية التي بجوار المشهد الحسيني، و أخرى بالقرب من الدكة ... كان موسيقيا، أخذها عن غير واحد ففاق الأقران و صنف فيها تصنيفا بديعا في فنه فهو فرد لا يلحق، فقد نقل مذاهب القدماء و حررها، و أخذ على نفسه بأن لا يمر به صوت مما ذكره الأصبهاني إلا و يجي‏ء به على وجهه، و لم يتكسب ببضاعة الموسقى، ذكر ذلك ابن فضل الله و قال لقد رأيته يوما غنى فأضحك، ثم غنى فأبكى، ثم غنى فنوم فرأيت بعيني ما كنت سمعت بأذني عن الفارابي.

مات سنة 763 ه (1).

حوادث سنة 764 ه- 1363 م‏

وفيات‏

محمد بن الحسين الربعي (ابن الكويك):

هو شرف الدين محمد بن الحسين بن محمود بن أبي الفتح المعروف بابن الكويك الربعي التكريتي ثم المصري كان من أعيان التجار الكارمية، و هو صاحب المدرسة الكبيرة بمصر، جعلها دار الحديث، و رصد لها أوقافا كثيرة. مات بمكة مجاورا سنة 764 ه و ترك مالا كثيرا جدا فأفسده ولده محمد في سنة واحدة فيقال إنه أتلف فيها سبعين ألف مثقال ذهبا (2).

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 128.

(2) الدرر الكامنة ص 429.

124

حوادث سنة 765 ه- 1364 م‏

عصيان والي بغداد الخواجة مرجان:

كان السلطان قد بقي في تبريز إلى هذه الأيام، و فيها عصى الوالي الذي كان قد نصبه على بغداد من حين ذهب، و حاول أن يستقل في بغداد، و أعلن حكومته، و جاهر بمخالفة السلطان .. و هذا هو صاحب الأوقاف المذكورة سابقا فسار السلطان إليه من حين سمع؛ و عزم على دفع غائلته، فتأهب الفريقان للقتال. و في أثناء تقابل الجيوش قام الأمير زكريا وزير السلطان أويس و نادى الأمراء الذين مع الخواجة مرجان كلّا باسمه (يا فلان) فقالوا نعم: فقال إننا إذا جاء أمر ربنا و بذلنا نفوسنا في سبيل السلطان فلنا العذر، و أما أنتم فتبذلون أنفسكم لطواشي قليل القيمة و القدر. فلما سمعوا هذا الكلام انحازوا إلى عسكر السلطان، و بقي مرجان وحده فريدا ففر إلى المدينة و خرب جسر دجلة. و في اليوم التالي طلب رحمة السلطان و لطفه به و رأفته و فتح له أبواب بغداد، و إن العلماء و السادة و المشايخ و العارفين قد استقبلوا موكب السلطان؛ كما أوصاهم الخواجة مرجان و شفعوا في العفو عنه فدخل بغداد. و حينئذ عفا عن الخواجة مرجان إذ تبين له أن الأمراء كانوا قد شوشوا عليه أمره؛ و أشاروا إليه أن يعصي فلم يستطع أن يخالفهم خوفا على نفسه فقبلت معذرته‏ (1).

و ما جاء في الدرر من أن سبب عصيانه كان أحمد بن حسين أخي السلطان أويس و أن السلطان قتل أخاه حسينا المذكور فلا أثر له في التواريخ الأخرى كما أن الوقعة لم تكن سنة 767 ه.

هذا و كان الخواجة مرجان قد فتح سدود دجلة فأغرق أطراف‏

____________

(1) حبيب السير ج 3 ص 81 و سمي الوالي ب «أمير جان».

125

بغداد لمسافة أربع ساعات فقد كسر سد (قورج) و قطع الطريق فلم يتمكن السلطان من الاستيلاء على البلد و مضت أيام و الوضع في توقف و لم يتيسر الأمر و من ثم أمر السلطان جماعة من أمرائه أن يذهبوا إلى النعمانية و يحصلوا على سفن. و في هذه الأيام وافى لخدمة الملك قرا محمد حاكم واسط و سارع بإمداد السلطان و قدم له سفنا كثيرة فتمكن من العبور و الاستيلاء على بغداد و ألقى القبض على الخواجة مرجان بالوجه المذكور.

و الخواجة مرجان كان طواشا (1)، رومي الأصل و يلقب بأمين الدين ابن عبد الله بن عبد الرحمن الأولجايتي نسبة إلى السلطان أولجايتو (محمد خدابنده) أحد سلاطين المغول و كان من مماليكه ... و من المقطوع به أنه لم يرجع إلى ولاية بغداد ثانية إلا بعد مدة. و بيانه في نص الوقفية يشعر بمجمل حياته .. و الأمراء أساس الفتن و منبع الغوائل، و هم الذين اضطروه على القيام فلم يره صالحا للحكم إذ تحقق ضعف نفسه. و في هذه الوقعة قتل السلطان من أمرائه كيخسرو، و شيخ علي، و محمد بيلتن، و علي خواجة و جماعة آخرين كان قد ارتاب فيهم ...

و لهذه دخل على ما يظهر في أصل الحادث‏ (2).

و للخواجة سلمان الساوجي قصيدة في هذه الوقعة ذكرها صاحب روضة الصفا و مثبتة في ديوانه و في كتاب سلمان الساوجي لرشيد ياسمي‏ (3).

____________

(1) في لغة جغتاي «تواشي» يطلق على رئيس الخدم، أو رئيس خدم البلاط الداخلي، أو آغا الحرم، و مخرج التاء قريب من مخرج الطاء فعرب إلى «طواشي».

(2) تاريخ مفصل إيران ص 457 و روضة الصفا ج 5 ص 171، و كلشن خلفا ص 49- 1، و الغياثي ص 182.

(3) سلمان ساوجي ص 113.

126

فتح فارس:

في هذه السنة أشار الخواجة سلمان في قصيدة له إلى استيلاء السلطان على فارس و لكن هذه مساعدة من السلطان أويس لشاه محمود المظفري، و فيها تسلطت الجيوش على شاه شجاع و جعلت هذه الوقعة نفوذا للجلايرية و صيتا ذائعا إلى حدود كرمان و هرمز و خليج فارس ...

و صار يخطب ود هذه الحكومة كل من شاه شجاع و أخيه شاه محمود و يريد أن يكون له حماية و صلة بها.

وفيات‏

1- مدرس البشيرية:

القاضي جمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم بن خليل و يعرف بابن الخضري (الحصري) الحنبلي، محدث بغداد؛ المدرس في البشيرية، اختصر تفسير الرسعني، كان يحدث و يحضره خلق منهم المدرسون و الأكابر، و له ديوان شعر حسن، و خطب و وعظ. مدح الشيخ تقي الدين الزريراني‏ (1) و رثاه. و رثى الشيخ تقي الدين ابن تيمية أيضا توفي ببغداد في رمضان و دفن في مقبرة الإمام أحمد (2).

2- شهاب الدين الشيرجي (السرحي):

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سليمان الشيرجي (السرحي) مرت ترجمته في هذا المجلد و هو من وفيات هذه السنة فذكر هناك سهوا (3).

____________

(1) زريران مرت سابقا في هذا المجلد و هذه القرية شاهدها ابن جبير و وصفها أجمل وصف في رحلته صحفة 215 طبع أوروبا ...

(2) الشذرات و الدرر ج 2 ص 367.

(3) الشذرات ج 6 ص 204.

127

3- أبو عبد الله محمد الواسطي:

هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن عبد الله الحسيني الواسطي المؤرخ ولد سنة 717 ه درس بالصارمية و أعاد بالشامية البرانية و كتب الكثير نسخا و تصنيفا بخطه الحسن. فمن تصانيفه مختصر الحلية لأبي نعيم في مجلدات سماه مجمع الأحباب، و تفسير كبير، و شرح مختصر ابن الحاجب في ثلاثة مجلدات، و كتاب في أصول الدين في مجلد، و كتاب في الرد على الإسنوي في تناقضه و كان منجمعا عن الناس و الفقهاء خصوصا توفي في ربيع الأول و دفن عند مسجد القدم‏ (1).

4- القاضي جمال الدين الشهيد:

جمال الدين أبو حفص عمر بن عبد المحسن بن إدريس الأنباري ثم البغدادي الحنبلي الشهيد الإمام الفاضل قرأ على جمال الدين أحمد ابن علي البابصري و غيره و تفقه حتى مهر في المذهب و نصره و أقام في قمع البدع ... و كان إماما في الترسل و النظم. و له نظم في مسائل الفرائض و ارتفع حتى لم يكن في المذهب أجل منه من زمانه. استشهد في هذه السنة. و في الدرر سنة 766 ه. و قال «كان من قضاة العدل، كثير الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، تعصب عليه جماعة ...

و نسبوه إلى ما لا يصح عنه فضرب بين يدي الوزير، ضربا مبرحا فمات» ا ه. دفن في مقبرة الإمام أحمد في المدرسة التي عمرها (2).

5- مجد الدين أحمد بن علي بن الحسن بن خليفة البغدادي:

الحسيني التاجر ولد سنة 691 ه. أخذ عن ابن المطهر الحلي في‏

____________

(1) الشذرات و الدرر ج 3 ص 420.

(2) الشذرات و الدرر ج 3 ص 154 و 173 و كررت ترجمته في الدرر.

128

المعقول، و قدم دمشق فشغل الناس و انتفع به جماعة و خلف ثروة جيدة مات في رمضان سنة 765 ه (1).

حوادث سنة 766 ه- 1364 م‏

سفر السلطان- والي بغداد الجديد:

إن السلطان أويس قضى- بعد وقعة الخواجة مرجان- نحو 11 شهرا براحة و طمأنينة و فوض منصب ولاية بغداد إلى (سلطان شاه خازن) (2) و هذا الوالي هو والد بيرام شاه (بيك) المذكور سابقا ...

وقائع الموصل و ما جاورها:

ثم توجه إلى الموصل فاستولى عليها و انتزعها من يد مراد خواجة أخي بيرام خواجة التركماني مؤسس حكومة قرا قوينلو و للخواجة سلمان الساوجي قصيدة في فتح الموصل ذكرها صاحب روضة الصفا ... و من هناك سار إلى صحراء موش فحارب بيرام خواجة هناك و دمره و قبائله، ثم مال من طريق قرا كليا تبريز فأقام بها .. و دامت مدة إقامته فيها إلى آخر أيام حياته ...

و قد تعرض لهذه الوقائع صاحب الشرفنامة في حوادث سنة 766 ه كما أن سلمان الساوجي جمعها مع فتح فارس سنة 766 في قصيدة واحدة مدح بها السلطان، و سماها (مفتاح الفتح) فمنحه السلطان من أجلها خمسة آلاف دينار أعطاها له من أموال الغنائم‏ (3) ...

____________

(1) الدرر ج 1 ص 207.

(2) ورد في روضة الصفا سليمان شاه خازن ج 5 ص 171.

(3) حبيب السير ج 3 ص 81 و سلمان ساوجي. و روضة الصفا ج 5 ص 171.

129

وفيات‏

1- الشيخ نور الدين محمد بن محمود البغدادي:

هو الإمام المقرى‏ء الحنبلي. سمع و خرج و قرأ و اقرأ، و تميز و ولي الحديث بمسجد يانس (كذا) بعد القاضي جمال الدين عبد الصمد المذكور في وفيات السنة السابقة. توفي ببغداد سنة 766 ه و دفن بمقبرة الإمام أحمد (1).

حوادث سنة 767 ه- 1365 م‏

1- الصاحب عز الدين أبو المكارم الحسين بن محمد الحسيني الأسدي:

البغدادي المعمر أبو المكارم بن كمال الدين بن تاج الدين المعروف بابن النيار ولد سنة 674 ه سمع من أبيه و الرشيد بن أبي القاسم ... و أجاز له المجد بن بلدجي‏ (2) و ابن الطبال و غيرهما من شيوخ بغداد كما أنه أخذ عن غيرهم، و ناب في الحكم ببغداد على مذهب الشافعي. و كان ممن ثبتت رياسته مات في صفر سنة 767 ه (3).

2- علي بن محمد بن يحيى بن هبة الله العباسي:

الحنفي البغدادي. سمع على عبد الكريم بن بلدجي‏ (4) و على‏

____________

(1) الشذرات ج 6 ص 207.

(2) ترجمته في المجلد الأول و هو صاحب كتاب المختار المتن الفقهي المعتبر المشهور، و شرحه المسمى بالاختيار ... و له ثلاثة إخوة هم عبد الدائم و عبد العزيز و عبد الكريم و قد فصل القول فيه صاحب الفوائد البهية في صحيفة 106 و سماه مجد الدين عبد الله بن محمود.

(3) الدرر الكامنة ج 2 ص 69.

(4) هو أخو مجد الدين عبد الله بن بلدجي المذكور في الترجمة السابقة.

130

الرشيد بن أبي القاسم و ولي قضاء بغداد، و نقابة الأشراف، و درس و خطب. مات في رجب سنة 767 ه (1).

حوادث سنة 768 ه- 1366 م‏

وفيات‏

1- ابن العاقولي:

هو محيي الدين محمد بن جمال الدين عبد الله بن محمد بن علي ابن حماد بن ثابت الواسطي الأصل البغدادي المعروف (بابن العاقولي).

أخذ عن والده‏ (2) و غيره، و درس بالمستنصرية للشافعية، و انتهت إليه رئاسة العلم و التدريس ببغداد قال ابن رافع بلغنا أن والده كان يقول «ولدي محمد ممن أوتي الحكم صبيا». و هو والد الشيخ غياث الدين محمد (3). مات في 14، أو 17 رمضان سنة 768 ه عن 64 سنة، و مولده سنة 704 ه و أبوه ذكره الإسنوي في طبقاته‏ (4).

حوادث سنة 769 ه- 1367 م‏

حكومة شروان:

هذه الحكومة أيام ملكها كاوس بن كيقباد كانت قد عاثت في أنحاء آذربيجان استفادة من غياب السلطان أويس فعزم على تأديبها و الوقيعة بها .. فلما رأى كاوس ذلك أرسل جماعة من الأئمة و المشايخ في طلب العفو ... فعنا السلطان عنه و هدأت الأمور (5).

____________

(1) الدرر ج 3 ص 122.

(2) ترجمته في المجلد الأول من هذا الكتاب.

(3) ستأتي ترجمة ابنة غياث الدين محمد في حوادث سنة 797 ه.

(4) الدرر الكامنة ج 3 ص 483.

(5) روضة الصفا ج 5 ص 171.

131

فيضان- غرق:

في هذه السنة فاضت دجلة و دخل الماء بغداد، فاض ليلا و دخل المدينة، و عند الصباح نقص الماء (1) ...

والي بغداد:

في هذه السنة توفي والي بغداد سلطان شاه خازن و هذا لم يظهر في أيامه ما يستحق التدوين أو لم يصل إلينا من حوادث أيامه شي‏ء يذكر (2).

والي بغداد الجديد:

عاد للمرة الثانية الخواجة مرجان و أعطاه السلطان الطوغ و العلم و النقارة ... و دامت إيالته في بغداد لمدة ست سنوات (إلى سنة 774 ه) و قد بذل العدل و أمن السبل ... و بنى العمارة العالية الجديدة و أتم ما كان قد شرع به سابقا من الأبنية (3) ...

وفيات‏

1- الأمير قاسم ابن السلطان الشيخ حسن:

في هذه السنة توفي الأمير قاسم أخو السلطان أويس بمرض الدق فأجريت له مراسم الحداد فنقل إلى النجف الأشرف و دفن بجوار والده الشيخ حسن الايلگاني و كان قد ولد في جمادى الأولى سنة 748 ه.

و مقبرتهم موجودة داخل الصحن، عثر عليها في الأيام الأخيرة فأعيدت إلى ما كانت عليه ... و للخواجة سلمان مرثية فيه‏ (4) ...

____________

(1) الدر المكنون.

(2) روضة الصفا ج 5 ص 171.

(3) تاريخ مفصل إيران، ص 458 و روضة الصفا ج 5 ص 171.

(4) سلمان ساوجي ص 18 و روضة الصفا ج 5، ص 171.

132

2- بيرام شاه بن سلطان شاه خازن:

توفي في هذه السنة بيرام شاه ابن والي بغداد ... فارتبك السلطان لموته و اضطرب، فتنغصت حياته و زاد حزنه عليه بحيث لم يفتر لحظة عن ادكاره ... و قد مر بنا في سنة 761 ه حادث انفعاله من بعض الندماء و ذهابه إلى بغداد ثم استعادته إلى تبريز ... و إن مصابه أثر تأثيرا عظيما على السلطان. و قد أشرنا إلى ما كلف به الخواجة سلمان من نظم قصة فراقه (فراقنامه) و كان قد نظمها سنة 770 ه ... فلا نرى حاجة لإعادة الكلام هنا ... و كان سبب وفاته إدمان الشرب‏ (1) ...

حوادث سنة 770 ه- 1368 م‏

أمير العرب:

ولي في هذه السنة زامل بن موسى بن عيسى بن مهنا، ولاه الأشرف عوضا عن جماز بن مهنا أمير آل علي من طيئ، و كان قد تقلد جماز مكان مهنا بن موسى. و لما مات جماز أمر الناصر ولده رملة بن جماز (2).

وفاة الحاجة ماما خاتون:

في أوائل هذه السنة توفيت الحاجة ماما خاتون زوجة السلطان أويس و أم أولاده. فحزن عليها السلطان و أجريت لها مراسم الحداد (3) ...

____________

(1) روضة الصفا ج 5 ص 171.

(2) الدرر ج 2 ص 110.

(3) روضة الصفا ج 5 ص 171.

133

حوادث سنة 771 ه- 1369 م‏

طاعون عظيم:

حدث في تبريز طاعون عظيم، و كذلك في البلدان الشمالية، و قد بالغ المؤرخون في وفياته كثيرا فهو وباء فتاك جدّا (1) ..

وفيات‏

1- ابن العلامة الحلي:

هو الشيخ فخر الدين أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي. مضت ترجمة والده في حوادث سنة 726 ه، و المترجم ولد في 22 جمادى الأولى سنة 682 ه ذكره جماعة من علماء الرجال منهم صاحب لؤلؤة البحرين و صاحب روضات الجنات .. و هو من مشاهير رجال الشيعة في الفقه و الكلام و علوم أخرى إلا أنه لم يبلغ درجة والده العلامة، و غالب مؤلفاته شروح و حواش أو توضيحات لكتب والده ... و له المكانة الرفيعة عند الشيعة و المعروف أنه أخذ عن عمه الشيخ رضي الدين علي بن المطهر و عن والده دون بيان سائر شيوخه.

و لعل شهرة والده غطت على الكل. و الحق أن فقه والده لا يزال معمولا به من الفقهاء المعاصرين حتى الآن فيراعون غالب اختياراته و آرائه الفقهية في فقه الشيعة فلا غرابة أن يميل المترجم إلى جهة إيضاحها و شرحها و من مؤلفاته:

1- شرح القواعد سماه (إيضاح الفوائد في حل مشكلات القواعد) و الأصل لوالده.

2- شرح خطبة القواعد.

____________

(1) روضة الصفا ج 5 ص 170.

134

3- حاشية الإرشاد.

5- الكافية الوافية في الكلام.

6- شرح نهج المسترشدين و الأصل لوالده.

7- شرح مبادى‏ء الأصول.

8- شرح تهذيب الأصول.

أخذ عنه من المشاهير:

1- الشهيد.

2- السيد بدر الدين حسن بن نجم الدين المدني.

3- فخر الدين أحمد بن عبد الله المتوج البحراني.

4- السيد تاج الدين بن معية.

5- الشيخ ظهير الدين ابن السيد تاج الدين المذكور.

6- الشيخ نظام الدين علي بن عبد الحميد النيلي من مشايخ ابن فهد الحلي.

توفي في 15 جمادى الآخرة سنة 771 ه (1). و له ابن اسمه الشيخ ظهير الدين محمد ...

2- شمس الدين ابن المعافى الموصلي:

هو محمد بن تاج الدين عبد الله بن عز الدين علي بن المعافى بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن بن أبي سنان الموصلي الدمشقي. سمع بالموصل و دمشق و حدث عن أبي نصر بن الشيرازي، و ولي إمامة العدلية

____________

(1) روضات الجنات ص 154 و 397 و لؤلؤة البحرين.

135

منارة جامع العاقولي‏

136

وجه صندوق ضريح العاقولي- دار الآثار العراقية

137

بدمشق، و كان له حانوت يتجر فيه .. و كان قد أضر، و كان خيرا، ساكنا، يلازم مواعيد الحديث ...

مات في سادس ذي القعدة سنة 771 ه وجده المعافى المذكور من العلماء المشاهير توفي سنة 730 ه (1).

حوادث سنة 772 ه- 1370 م‏

الأمير ولي و السلطان أويس:

إن السلطان كان قد فتح فارس، ثم حدثت له منازعات مع الأمير ولي. و ذلك أنه بعد قتلة والده طغاي تيمور استولى على مازندران و جرجان و قومس و لم يخل من مقارعات فهزمه السلطان أويس و جعل حكومة الري التي انتزعها منه إلى أحد أمرائه قتلغشاه. و بعد سنتين توفي المزبور فنصب السلطان مكانه (عادل آغا) و هذا كان شحنة بغداد فتعالت رتبته حتى صار من متميزي أمراء الدولة الإيلگانية المعروفين.

و للخواجة سلمان الساوجي قصيدة يهنى‏ء بها السلطان في انتصاره على عدوه الذي كان قد عاث في ساوة (بلدة الشاعر) و خربها (2).

حوادث سنة 773 ه- 1371 م‏

شعار السادة:

أمر الملك الأشرف (ملك مصر) في هذه السنة أن تلف عصائب خضر على العمائم علامة للعلويين فعمت في الأقطار، و شاعت، و لا

____________

(1) الدرر ج 3 ص 479.

(2) روضة الصفا ج 5 ص 172 و سلمان ساوجي ص 30 و تاريخ مفصل إيران ص 458.

138

يزال أثرها باقيا إلى اليوم ... و قال في هذا الحادث عبد الله بن جابر الأندلسي نزيل حلب:

جعلوا لأبناء الرسول علامة* * * إن العلامة شأن من لم يشهر

نور النبوة في كريم وجوههم‏* * * يغني الشريف عن الطراز الأخضر

و قال الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقي:

أطراف تيجان أتت من سندس‏* * * خضر بأعلام على الأشراف‏

و الأشرف السلطان خصهم بها* * * شرفا ليفرقهم من الأطراف‏

و هكذا شاع لقب (السيد) للاختصاص في العلوية و لكن هذا لم يعين بمرسوم من أحد الملوك. و لا ذاع في زمن ما تعيينه. و في الأيام الأخيرة اكتسب شمولا (1).

ظهور تيمور لنك- أوليته:

في هذه السنة كان أول خروج تيمور لنك و استقلاله بالملك في تركستان و ما وراء النهر و هو تيمور لنك‏ (2) بن طرغاي (ترغاي) بن ابغاي الجغطايي ظهر بين كش و سمرقند .. قام كفاتح عظيم و قد أرخ بعضهم ذلك بكلمة (عذاب) و فيها من الرمز و الإشارة إلى أنه كان فاتكا قاسيا ...

و وقائعه في العراق لا تزال ترن في الآذان، و تتناقلها الألسن، فنرى التعريف بأوليته لازم كتمهيد لتفسير وقائعه و ما قام به من أعمال في الأقطار الإسلامية. و يعد من أكبر الفاتحين و حاول أن يقوم بأكبر مما قام به جنكيز خان المشهور ... و قد أفرد جماعة من المؤرخين أيام نهضته بالتأليف لما قام به من أعمال جليلة تركت أثرا عظيما في النفوس ...

____________

(1) إنباء الغمر في أبناء العمر مخطوط.

(2) تيمور هو لفظه المشهور و يقال تمر لنك و تمور و معنى تيمور الحديد و يلفظ في لغة الترك العثمانيين «دمير» ...

139

كان عام 773 ه تاريخ نهضة تيمور و مبدأ فتوحه و استقلاله ...

و مولده كان سنة 728 ه في قرية تسمى خواجة إيلغار من أعمال كش إحدى مدن ما وراء النهر ... كان أبوه من الفلاحين و نشأ خاملا إلا أنه كان قوي القلب، شديد البطش ذكيا، فطنا. مطبوعا على الشر ... و لما بلغ أشده و ترعرع صار يتجرم فسرق مرة غنما فرماه راعيها بسهم فأصاب رجله فعرج منه فمن حينئذ قيل له (اللنك) و تعني في لغة العجم الأعرج، و الترك يدعونه (آقساق تيمور) و يقصدون عين الغرض ...

ثم انضمت إليه طائفة فصار يقطع الطريق ... و كان لا يتوجه إلى جهة فيرجع خائبا، و كان يلهج بأنه يملك البلاد و يبيد العباد. و كان له اتصال بشمس الدين الفاخوري و ببركة أحد الزهاد المشهورين في أيامه ... مما جعل الناس يتقولون بنسبة كرامات منهما أو دعوات له ... لأنهم مشبعون في هذه النسبة إلى أمثال هؤلاء الشيوخ و الزهاد ... و إنما كانت نفسه كبيرة، و عزمه قويا و هميته عالية و إرادته لا تتزعزع في تطلعه إلى الملك، و هو ذو عقل وافر جدا فكان ذلك كله من أسباب نجاحه و أقوى الكرامات التي يجب أن تعزى إليه .. لا إلى شيخ أو درويش.

اشتهر أولا بمعرفة الخيل فطلبه صاحب خيل السلطان بسمرقند فقرره في خدمته، و حظي عنده فاتفق أنه مات عن قريب فقرره السلطان مكانه، و كان اسمه حسين من ذرية جنكز خان فكانت هراة و غيرها من بلاد المشرق في ملكه فاستمر اللنك في خدمته إلى أن بدا منه إجرام فخشي على نفسه فهرب و انضم إليه جمع و عاد إلى قطع الطريق، فاهتم السلطان بأمره و جهز إليه جيشا، فظفروا به، فلما أحضروه استوهبه بعض أقارب السلطان، فاستتابه و أقره في خدمته رغبة في شهامته فاستمر إلى أن خرج خارج بسجستان و كان ينوب فيها، فجهز إليه السلطان عسكرا رأسهم اللنك فأوقعوا بذلك النائب، و استولى اللنك منه على مال كبير

140

فقسم بين العسكر الذين صحبته و استتبوا هم في الاستبعاد في ذلك البلد و ما حوله، فأطاعوه و عصوا على السلطان فاتفق في تلك الأيام موت السلطان حسين المذكور، و قام بعده ولده غياث الدين في المملكة فجهز إلى اللنك عسكرا كثيفا فلم يكن له بهم طاقة ففر منهم إلى أن اضطروه إلى نهر جيحون فترجل عن فرسه و أخذ معرفتها بيده و دلج النهر سابحا إلى أن قطعه و نجا إلى البر الآخر فتبعه جماعة من أصحابه على ما فعل و انضموا إليه، و تبعهم جمع كانوا على طريقتهم الأولى فالتفوا عليه و قصدوا نخشب (مدينة حصينة) فطرقوها بغتة فقتل أميرها و استولى اللنك على قلعتها و اتخذها حصنا له فلجأ إليه، ثم توجه إلى بدخشان و بها أميران من جهة السلطان و كانا قريبي العهد بغرامة ألزمهما بها السلطان لجناية صدرت منهما فكانا حاقدين عليه فانضما إلى اللنك فكثر جمعه و اتفق في تلك الأيام خروج طائفة من المغل على قمر خان صاحب هراة فجمع لهم و التقوا فهزموه فبلغ ذلك اللنك فسار إليهم و صاروا على كلمة واحدة فتوجه صاحب هراة إلى بلخ و توجه اللنك بمن معه إلى سمرقند فنازلها فصالحه النائب بها و اسمه (علي شير) على أن تكون المملكة بينهما نصفين، فأقر بسمرقند و توجه إلى بلخ فتحصن السلطان منه فحاصره إلى أن نزل إليه بالأمان فقبض عليه و تسلم البلد و رجع إلى سمرقند فدخلها آمنا و ذلك في أوائل هذه السنة (سنة 773 ه) فأقام رجلا من ذرية جنكز خان يقال له صرقتمش. و كانت السلطة يومئذ قد أنهيت إلى طقتمش خان بالدشت و تركستان و ذلك بعد مجاهدات عظيمة و وقائع وبيلة كان تيمور لنك قد ساعده في غالبها ... و لكن تيمور لنك انقلب عليه في وقائع لها مساس في العراق على ما سيوضح .. و قد جعل صاحب الأنباء وقعة انتصاره على طقتمش في حوادث هذه السنة و ليس بصحيح ...

و على كل استولى اللنك على ممالك كثيرة، فبلغه ما اتفق‏

141

لسلطان هراة فجمع العساكر و قصد اللنك بسمرقند فالتقوا بين سمرقند و خجند فكانت الكسرة أولا على اللنك ثم عادت له الغلبة فانتصر اللنك. دخل اللنك خجند ففر أميرها و أمر فيها بعض جنده فاستولى على بقية البلاد التي لم تكن دخلت في طاعته رهبة و رغبة. ثم دخل سمرقند فأول شي‏ء فعله بعلي شير صاحبه الذي أعانه على مستنيبه و قسم البلد بينه و بينه أن قتله غيلة ... ثم أوقع بمن كان بسمرقند من الزعر و كان عددا كثيرا قد أسعروا البلاد و كان اللنك أعلم بهم من غيره لأنه كان يرافقهم كثيرا، و كان إيقاعه بهم بالتدريج بطريق المكر و الخديعة و الحيلة إلى أن استأصلهم و كفى أهل البلاد شرهم ثم لما استقرت قدمه في المملكة خطب بنت ملك المغل و هو فرحان‏ (1) فزوجها له و زادوا في اسمه (گورگان) فلذلك كان يكتب عنه تيمور گورگان و معناه بلغة المغول الصهر أو الختن ثم توجه بعساكره إلى خوارزم و جرجان فصالحوه على مال ثم قصد هراة فنزل إليه ولد ملكها غياث الدين بالأمان فاستولى عليها و استصحب ملكها معه إلى سمرقند فسجنه فاستمر في سجنه إلى أن مات، ثم قصد سجستان فنازل أهلها فتحصنوا منه مدة ثم طلبوا منه الأمان فأمنهم على شريطة أن يمدوه بما عندهم من السلاح فاستكثروا له من ذلك ليرضوه و صار يستزيدهم فبلغوا الجهد في التقرب إليه بما قدروا عليه منه فلما ظن أن غالب سلاحهم صار عنده و أن غالبهم صار بغير سلاح بذل فيهم السيف و خرب المدينة حتى لم يبق منها بعد أن رحل عنها من تقوم بهم الجمعة و لما استولى على هذه الممالك مع سعتها و شدة فتكه بأهلها توارد أمراء النواحي على الدخول في طاعته، و الوفادة عليه و منهم خجا (خواجة) علي بن مؤيد بطوس و أمير محمد ببناورد و أمير

____________

(1) كذا جاء في الدرر و لعله تمرخان.

142

حسين بسرخس فأنزلهم نوابا في ممالكهم. و كذا جميع من بذل له الطاعة ابتداء، و من راسله فعصى عليه يتعذر أن يعفو عنه إذا قدر عليه، و كان من جملة من راسله شاه شجاع صاحب شيراز و عراق العجم فبذل له الطاعة و سأله المصاهرة فزوج ابنته بابن اللنك و هاداه و هادنه و استمر على ذلك إلى أن مات في سنة 777 ه و الحاصل صفت له ممالك سمرقند و ولاياتها و ممالك ما وراء النهر و جهاتها و تركستان و ما حواليها و ممالك خوارزم و ما يتعلق بها ... و هذه الأخبار تعرف بأولية اللنك مجملا ... و ممن نازله اللنك في هذه السنة حسين صوفي صاحب خوارزم و مات فاستقر ولده يوسف مكانه و استولى اللنك على خوارزم و خربها كدأبه في غيرها من البلاد.

و لكنه مع كل هذا لم يظهر بعد بمظهر فاتح عظيم و كل ما في الباب أنه قضى على الدويلات الصغيرة في تلك الأنحاء ... و برزت فيه آثار القدرة و الدهاء و العظمة ... و إنما ذاع اسمه و اشتهر صيته بعد أن قارع أكابر الملوك و دوخ الممالك على ما سنشير إليه في الوقائع المتعلقة بالعراق‏ (1) ...

ملحوظة: إن طقتمش (توقتامش) المذكور ولي السلطنة بعد بردي بك المذكور سابقا و كانت قد تفرقت مملكتهم إلى إمارات صغيرة ...

و المعروف أنه ابن بردي بيك أو أنه من بيت الملك على اختلاف في ذلك. و في شجرة الترك أن الأسرة المالكة انقرضت .. و كان توقتامش من أعظم ملوك التتار شوكة و أعلاهم همة، و أحسنهم سياسة، و أقواهم جأشا و أشدهم سطوة و بأسا و في تلفيق الأخبار يميل إلى أنه ابن بردي‏

____________

(1) الأنباء و الدرر الكامنة و الفوائد البهية و الضوء اللامع ... أما الغياثي فقد نقل حرفيا من الأنباء ص 223 و ما يليها.

143

بيك و لما استقر له الملك صار تيمور لنك يخشى توسعه و ينوي الوقيعة به خصوصا بعد أن علم بأنه قد بقي بلا مزاحم و لا معارض في ملكة الدشت (القفجاق) ... و أخذ يعده من المنافسين له ... و له وقائع أخرى مهمة مع ايدكو ملك الترك من قبيلة قونكرات (قونقرات) و ملوك المسقوف ... مما لا علاقة لها بموضوعنا و هي مذكورة في تلفيق الأخبار ... و قد ترجمه صاحب الضوء اللامع و غيره‏ (1).

حوادث سنة 774 ه- 1372 م‏

الخواجة مرجان (والي بغداد):

في هذه السنة توفي الخواجة مرجان، و قد مر بيان أوقافه، و واقعة عصيانه و كان طواشيا و من موالي السلطان أويس، استنابه على بغداد، ثم استوحش مرجان منه، أو كما ذكر اضطره الأمراء فأعلن استقلاله ببغداد و جاهر بالمخالفة ...

و كان قد كاتب الأشرف صاحب مصر يخبره أنه خطب له ببغداد و التمس منه التقليد بالنيابة فأرسل إليه ذلك منه و من الخليفة. و أرسل الأعلام و الخلع، و أذن له أن يدخل الديار المصرية إن رابه من أويس ريب ..

ثم إن أستاذه (السلطان أويس) تجهز إليه بعساكر كثيرة، و حاصره إلى أن غلب عليه بالوجه المبسوط سابقا في حوادث سنة 765 ه. قال في الدرر و يقال إنه كحله. و لكن هذا لم يثبت من المؤرخين المعاصرين. و لعل مبنى هذا الخبر الإشاعة ..

و بعد وفاة سلطان شاه خازن قرره السلطان نائبا عنه ببغداد (واليا)

____________

(1) الضوء اللامع ج 2 ص 325 و تلفيق الأخبار ج 1 ص 568 و ما يليها.

144

لما علم من شهامته و حفظ الطرقات في زمانه .. و كانت الطرقات في أيام خلفه قد فسدت فلما أعيد للنيابة انصلحت فلم يزل على ذلك إلى أن مات سنة 774 ه (1) و من خير ما وصف به الحاكم العادل ما قاله في وقفيته:

«الحاكم العادل في رعيته كالوالد الشفيق على ولده، ألا و إن كل من سن سنة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة ...» ا ه.

و رغبة الناس فيه و إعادته لولاية بغداد، و دوامه فيها إلى أن مات تدل دلالة واضحة على أنه كان من حكام العدل.

والي بغداد الجديد:

ولي وزارة بغداد إثر وفاة الخواجة مرجان الخواجة سرور. و هذا من ممدوحي الشاعر الخواجة سلمان الساوجي إلا أن هذا الوالي لم يعرف عنه من التفصيل ما يبصر بوقائعه و أيامه في بغداد و هنا نشير إلى أن صاحب (كتاب ساوجي) جعل وزارة الخواجة سرور بعد وفاة السلطان شاه خازن و لم يكن هذا صحيحا منه‏ (2).

وفيات‏

1- أحمد بن رجب الحنبلي:

توفي في هذه السنة أو التي قبلها أحمد بن رجب بن حسين بن محمد بن مسعود السلامي البغدادي، نزيل دمشق، والد الحافظ زين الدين بن رجب. ولد ببغداد سنة 644 ه و نشأ بها، و قرأ بالروايات،

____________

(1) الدرر ج 4 ص 345 و ما مر بيانه من الحوادث و ساوجي ص 34.

(2) ساوجي ص 34.

145

و سمع من مشايخها، و رحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها و بالحجاز و القدس و جلس للإقراء بدمشق، و انتفع به، و خرج لنفسه معجما و كان ذا خير و دين و عفاف‏ (1) ...

2- ابن كثير المؤرخ:

هو عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري (البصروي) ثم الدمشقي الفقيه الشافعي ولد سنة 700 ه، و تفقه بجماعة، و انتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ و الحديث و التفسير و هو القائل:

تمر بنا الأيام تترى و إنما* * * نساق إلى الآجال و العين تنظر

فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى‏* * * و لا زائل هذا المشيب المكدر

و من مصنفاته التاريخ المسمى (بالبداية (2) و النهاية) و التفسير (3) و اختصر تهذيب الكمال و أضاف إليه ما تأخر في الميزان سماه التكميل، و طبقات الشافعية و له سيرة صغيرة و غير ذلك و تلامذته كثيرون منهم ابن حجي و قال فيه: «احفظ من أدركناه لمتون الأحاديث و أعرفهم بجرحها و رجالها و صحيحها و سقيمها و كان أقرانه و شيوخه يعترفون له بذلك و ما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا و استفدت منه» و كانت له خصوصية بابن تيمية و مناضلة عنه توفي في شعبان و دفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية (رحمه اللّه تعالى)(4) و كان العيني صاحب عقد الجمان ينقل من تاريخه كثيرا و ترجمه ترجمة واسعة. قال عنه عند ذكر مؤلفاته:

____________

(1) الأنباء في حوادث هذه السنة ج 1 و الدرر ج 1 ص 130، و الشذرات ج 6.

(2) طبع سنة 1352 ه و لم يتم طبعه، صدر منه خمس مجلدات فقط.

(3) طبع مرات و أثنى ابن تيمية على تفسيره هذا ثناء عاطرا في فتاواه المطبوعة.

(4) الشذرات ج 6 و الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة.

146

«و التاريخ الذي فاق على سائر التواريخ و هو عمدة تاريخي (عقد الجمان) هذا الذي جمعته و زدت عليه من غيره ...» ا ه.

و تاريخه عمدة و معول المؤرخين بعده ... و كنا نظن أن هذه العصور لم يكتب فيها أحد مفصلا سوى مؤرخي العجم و لما رأينا تواريخ الذهبي و ابن كثير و العيني و المقريزي و ابن تغري بردي و أضرابهم قطعنا في السبق لمؤرخي العرب على غيرهم و هي مرجع سائر المؤرخين ...

3- شمس الدين محمد الموصلي:

هو شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان الموصلي الشافعي نزيل دمشق ولد على رأس القرن و كتب الخط المنسوب و نظم الشعر فأجاد و كان أكثر مقامه بطرابلس ثم قدم دمشق و ولي خطابة يلبغا و اتجر في الكتب فترك تركة هائلة تبلغ ثلاثة آلاف دينار قال ابن حبيب عالم علت رتبته الشهيرة، و بارع ظهرت في أفق المعارف شمسه المنيرة، و بليغ تثني على قلمه ألسنة الأدب، و خطيب تهتز لفصاحته أعواد المنابر من الطرب، كان ذا فضيلة مخطوبة و كتابة منسوبة، و جري في الفنون الأدبية، و معرفة بالفقه و اللغة العربية، و له نظم المنهاج و نظم المطالع و عدة من القصائد النبوية و هو القائل في الذهبي لما اجتمع به:

ما زلت بالطبع أهواكم و ما ذكرت‏* * * صفاتكم قط إلا همت من طربي‏

و لا عجيب إذا ما ملت نحوكم‏* * * و الناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب (ي)

تصدر بالجامع الأموي و ولي تدريس الفاضلية بعد ابن كثير. و قد أطنب العيني في ترجمته في المجلد الثالث و العشرين من عقد الجمان، و في الأنباء في المجلد الأول منه.

147

حوادث سنة 775 ه- 1373 م‏

غرق بغداد:

في هذه السنة كان الغرق ببغداد، زادت دجلة زيادة عظيمة و تهدمت دور كثيرة حتى قيل إن جملة ما تهدم من الدور ستون ألف دار و تلف للناس شي‏ء كثير بسبب ذلك و يقال إنه لم يبق في بغداد عامر إلا قدر الثلث و دخل الماء في الجامع الكبير و المدارس و صارت السفن في الأزقة تنقل الناس من مكان إلى مكان ثم من تل إلى تل. ثم يصل الماء إليهم يغرقهم و جرت بسببه في بغداد خطوب كبيرة و جلا أكثر أهليها ثم عاد من عاد فصار لا يعرف محلته فضلا عن داره ...

و كانت قد زادت دجلة حتى اختلطت بالفرات فأرسلت إليها الأنهار و العيون و السحب من كل جهة و بقيت بغداد في وسط الماء كأنها قصعة في فلاة و صارت الرصافة و مشهد أحمد و مشهد أبي حنيفة و غيرهما من المشاهد و المزارات لا يوصل إليها إلا في المراكب كان قد انفتح من البستان الذي كان الخليفة اتخذه متنزها في وسط دوره فتحة على باب الأزج فتدافع أمراء بغداد في سدها و رمى ذلك بعضهم على بعض فكان الشيخ نجم الدين التستري تلك الأيام قد عزم على الحج في خمسين نفرا من الصوفية و قد هيأ من الزاد ما لا مزيد عليه فاستدعى خادمه و قال: أنفق على سد هذه الفتحة جميع ما معنا حتى الزاد ففعل، و يقال إنه صرف عليها عشرة آلاف دينار و بلغ السلطان أويس ذلك فاستعظم همته و وعد أنه يكافيه. ثم أكرى من الملاحين على حمل رحله و رجالته من بغداد إلى الحلة و كان سفر الناس أجمعين في تلك السنة في المراكب و خرجوا في خامس شوال فلم يمض لهم إلا خمسة أيام حتى هبت ريح عاصفة قصفت سور المدينة ثم تزايد الماء فانكسر الجسر و غرقت الدور حتى إن امرأة من الخواتين ركبت من مكانها إلى كوم من‏

148

الكيمان بألف دينار و تقاتل الناس و ذهبت أموالهم و أصبح غالب الأغنياء فقراء ثم بعد عشرين يوما نقصت دجلة و انقطع الماء فبقيت البلد كأنها سفينة غرقت. ثم نقص الماء فبقيت ملآنة بالموتى من الأهلين و الدواب فجافت و نتنت و بقي الماء كأنه الصديد فوقع الفناء في الناس بأنواع من الأمراض من الاستسقاء و حمى الدق و غلت الأسعار. و كان أويس بتبريز، فلما بلغه الخبر غضب على نوابه فالتزم الوزير عن نائبه أن يعمر بغداد من خالص ماله بشرط أن يطلق للناس العراق ثلاث سنين للزراع و المقاتلة و أن لا يطالب أحدا بدين و لا بصداق و لا حجارة و لا بحق فقبل السلطان فشرع في ذلك و نادى من أراد عمارة بيته ليجئ يأخذ دراهم و يسكن بيته بالأجرة حتى يوفي ما اقترضه ثم يصير البيت له و أخذ في عمارة السوق و السور ... هذا ما ذكره صاحب الأنباء ...

و قد عين تاريخ الغياثي حادث الغرق ليلة السبت 23 شوال من هذه السنة كما أن الخواجة سلمان الساوجي ذكر وقوعه في السنة المذكورة. و لكن غالب المؤرخين مشى على حدوثه في سنة 776 ه و يفسر هذا بوصول الخبر و في تاريخ وفاة نائب بغداد عبد الغفار الآتي ذكره يشعر بذلك أيضا ...

و في حبيب السير ذكر الغرق في سنة 776 ه و قال: طغت مياه دجلة فصار الغرق ببغداد و تهدمت عماراتها العالية، و ذهب الآلاف من دورها فصارت أنقاضا، و مات خلق عظيم تحت الأنقاض ... فكانت الخسارة عظيمة في النفوس و الفادحة لا تقدر في الأموال و عادت بغداد خرابا بعد نضارتها و زهوها. و جاء في الدر المكنون أن الغرق كان في السنة المذكورة.

و هذا المصاب يذكرنا بما هو معروف لدى الأهلين و راسخ في أذهانهم من أن بغداد بين غرق و حرق ...

149

ولاية بغداد:

جاء في الغياثي أنه كان السلطان بتبريز فوصل إليه خبر الغرق في بغداد فأسف على ذلك، فندب أمراءه و قال من لبغداد و عمارتها، و تكون خمس سنوات مطلقة من الخراج فقام الأمير إسماعيل ابن الأمير زكريا و قبل بذلك فسيره إليها، و أرسل معه الشهزاده الشيخ علي، و أنكر الأمير زكريا على ابنه الأمير إسماعيل فعله، و قال له سوف تهلك فيها، و كان كما قال فإن الأمير زكريا كان رجلا عاقلا لبيبا مجربا للأمور. فتوجه الأمير إسماعيل بأموال بغداد فحفر نهرانها، و أجرى مياهها، و زرع أراضيها ... و أسس عمارته المشهورة ببغداد و مدرسة و خانات و أسواقا على جانب دجلة الشرقي، و لم يتفق له إتمام المدرسة.

هذا ما قاله الغياثي و كان الوالي السابق الخواجة سرور. و هذا قد توفي لما أصابه من ألم خراب بغداد كما نقل ذلك صاحب حبيب السير (1).

وفيات‏

1- علي بن الحسن البغدادي:

توفي علي بن الحسن بن علي بن عبد الله بن الكلائي البغدادي الحنبلي المقرى‏ء سبط الجمال عبد الحق ولد سنة 698 و أجاز له الدمياطي و مسعود الحارثي و علي بن عيسى بن القيم و ابن الصواف و غيرهم. قال ابن حبيب كان كثير الخير و التلاوة و حج مرارا و جاور و خرج له ابن حبيب مشيخة (2).

____________

(1) حبيب السير ج 3 ص 82.

(2) الأنباء ج 1.

150

2- نائب بغداد:

توفي عبد الغفار بن محمد بن عبد الله المخزومي الشافعي رضي الدين. اشتغل بالفقه فمهر و ولي نيابة بغداد و مات في ذي القعدة بعد الغرق من هذه السنة و كان حسن الخلق و الخلق، دينا، متواضعا (1).

3- بدر الدين محمد الإربلي: (مدرس المدرسة المرجانية)

و توفي بدر الدين محمد بن عبد الله الإربلي الأديب الشاعر المعمر ولد سنة 670 ه و مهر في الآداب و درس بمدرسة مرجان ببغداد و مات في جمادى الآخرة (2).

4- إمام جامع بغداد:

توفي في هذه السنة محب الدين محمد بن عمر بن علي بن عمر الحسيني القزويني ثم البغدادي إمام جامع بغداد كان أبوه آخر المسندين بها (3) حدث عن أبيه و غيره و اشتغل بعد أبيه على كبر إلى إن صار مفيد البلد مع اللطافة و الكياسة و حسن الخلق و صار يسمع البخاري، و كل سنة يجتمع عنده خلق كثير. توفي عن نيف و ستين سنة (4).

5- بدر الدين الجيلي السنجاري:

هو حسن بن شمس الدين محمد بن سرسق بن محمد بن عبد العزيز بن الشيخ عبد القادر الجيلي. كانت له حرمة و وجاهة في أنحاء سنجار و ماردين مات أبوه سنة 739 ه و قد ذكر في هذا المجلد و الصحيح في اسمه أنه شمس الدين محمد بن سرسق كما ذكر هنا،

____________

(1) الأنباء ج 1.

(2) الدرر الكامنة ج 3، ص 468 و الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة.

(3) مرت ترجمته في هذا الكتاب.

(4) الدرر الكامنة ج 4 ص 109، و الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة.

151

و مات بدر الدين حسن المذكور عن سن عالية و الحياليون في سنجار ينتسبون إليه و منهم جماعة منتشرة في أنحاء بغداد و في تاريخ اليزيدية بيان عن قرية الحيال‏ (1).

حوادث سنة 776 ه- 1374 م‏

وفاة السلطان:

في هذه السنة 2 جمادى الأولى توفي السلطان بمرض السل (الدق) و كان قد لازمه من 27 ربيع الآخر و قال في كتاب (سلمان ساوجي) إن موته كان من صداع لازمه من 27 ربيع الآخر حتى توفي‏ (2).

ترجمته:

نرى ترجمته مبسوطة في حبيب السير و روضة الصفا و كلشن و الغياثي و الشذرات و الأنباء إلا أن هذه الكتب تختلف في الكلام عنه بين سعة و اختصار و قد مر بنا من الحوادث ما يبصر بترجمته سوى أننا نقول ما ذكره صاحب الدرر الكامنة بما نصه: «أويس بن حسين بن حسن بن آقبغا المغلي ثم السريري استقر في سلطنة بغداد بعد سنة 760 و مات سنة 776 ه» ا ه غير صحيح و الصحيح أنه ابن الشيخ حسن بن حسين و لعل هذا غلط ناسخ و لم تعرف هذه النسبة (السروي) و صحيحها الجلايري فاقتضى التنبيه‏ (3).

و كذا ما جاء في الضوء اللامع من أنه (السريسري) محرف عن الجلايري‏ (4).

____________

(1) الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة.

(2) ص 62.

(3) ص 419 ج 1.

(4) الضوء اللامع ج 1 ص 244.

152

و الغياثي اعتمد الدرر في تاريخ سلطنته كما أشرنا إلى ما قاله في هذا الباب. و في حبيب السير أنه ذو نصفة و حصل على السلطنة بالاستحقاق و له رأفة بالأهلين و حب زائد بهم و موصوف بالعدل و التفاته و اهتمامه بأهل الفضل و العلم كبير جدا و كذا بالشعراء و هو عالي الهمة، جعل المملكة في أمن و أمان و راحة و طمأنينة كما أنه بما كان له من المآثر و الميزة على غيره تمكن من ضبط العراق و آذربيجان ضبطا تاما فكانت إدارته قويمة ... و على كل امتدت سلطته و سطوته إلى ما وراء حدود مملكة أبيه فاستطاع أن يضم إلى ما وصل إليه من أبيه ممالك أخرى و دامت سلطنته نحو عشرين سنة (1).

و جاء في روضة الصفا أنه مرض أواخر ربيع الآخر سنة 776 ه بمرض صعب و توفي في التاريخ المذكور آنفا، و قبل وفاته كان قد استوصى الأمراء السلطان فيمن يخلفه و كان قد جاء إليه أركان دولته و القاضي الشيخ علي و الخواجة كحجاني فحضروا عنده و استطلعوا رأيه فقال السلطنة بعدي للسلطان حسين و ولاية بغداد للشيخ حسن أخيه الأكبر فأبدوا أنه لا يطيق الصبر على ذلك و لا يتحمل هذه فأحال الأمر إليهم فاتخذوا هذه الإشارة وسيلة للقبض على الشيخ حسن و تقييده ثم إن السلطان صار لا يقدر على الكلام و في اليوم التالي في الليلة التي مات فيها السلطان قتل الشيخ حسن المذكور و جاء في عقد الجمان:

«توفي القاآن أويس بن الشيخ حسن بن حسين بن اقبغا بن ايلكان صاحب تبريز و بغداد و ما أضيف إليهما. توفي في هذه السنة (سنة 776 ه) و كان رأى في المنام قبل موته أنه يموت يوم كذا و كذا فخلع نفسه من الملك و ولى عوضه في تبريز و بغداد ولده الأكبر الشيخ حسين و اعتزل هو و صار يتشاغل بالصيد و يكثر من الصلاة و العبادة إلى الوقت الذي عينه لهم فمات‏

____________

(1) حبيب السير ج 3 جزء أول ص 81.

153

فيه و كان ملكا عادلا حازما ذا شهامة و صرامة منصورا قليل الشر، كثير الخير للفقراء و أهل العلم و كان شابا، سليما، شجاعا ورث ملك العراق و آذربيجان عن أبيه، و أقام في السلطنة تسع عشرة سنة ثم توفي في تبريز عن نيف و ثلاثين سنة (رحمه اللّه)» (1). و في عجائب المقدور:

«كان الشيخ أويس من أهل الديانة و الكيس، ملكا عادلا و إماما شجاعا فاضلا، مؤيدا منصورا، صارما مشكورا، قليل الشر، كثير البر، صورته كسيرته حسنة و كانت دولته تسع عشرة سنة، و كان محبا للفقراء، معتقدا للعلماء و الكبراء، و كان قد أبصر في منامه، وقت موافاة حمامه، فاستعد لحلول فوته، و رصد نزول موته، و خلع من الملك يده، و ولاه حسينا ولده .. و نبذ دانيه و دنياه، و أقبل على طاعة مولاه و استعطفه إلى الرضى، و العفو عما مضى، و لازم صلاته و صيامه، و زكاته و قيامه، و لا يزال يصلي و يصوم، حتى أدركه ذلك الوقت المعلوم، فأظهر سره المصون، و تلا إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون، فدرج على هذه الطريقة الحسنة، و قد جاوز نيفا و ثلاثين سنة ...» ا ه (2) و قال في أنباء الغمر في أبناء العمر:

«كان محبا في الخير و العدل، شهما، شجاعا، عادلا، خيرا، دامت ولايته 19 سنة، و قد خطب له بمكة، راسل عجلان بن رميثة صاحب مكة بمال جليل، و قناديل ذهب و فضة للكعبة، و خطب باسمه عدة سنين، عاش 37 سنة (كذا) قيل إنه رأى في النوم أنه يموت في وقت كذا فخلع نفسه من الملك و قرر ولده حسين بن أويس، و صار يتشاغل بالصيد و يكثر العبادة فاتفق موته في ذلك الوقت بعينه، و كتب إلى المؤرخ حسن بن إبراهيم القيسي الحصيني أنه كان استدعى ولده لذلك فاتفق موته قبل وصوله إلى بغداد .. و له من الأولاد حسن و حسين‏

____________

(1) عقد الجمان ج 23.

(2) عجائب المقدور ص 46.

154

و أحمد و علي و غيرهم، و أكبرهم حسن» ا ه (1) و مثله في تاريخ الغياثي و في الشذرات ما يقرب من هذا ... و قد رثاه الخواجة سلمان الساوجي بقصيدة فارسية ... و كان في أيامه قد مدحه جملة من الشعراء أمثال الخواجة سلمان المذكور و شرف رامي و الخواجة محمد عصار، و عبيد زاكاني‏ (2)، و ناصر النجاري و غيرهم من فصحاء عصره ... و من العلماء شمس منشي بن هندوشاه النخچواني‏ (3) و غيرهم ممن مضى ذكرهم ...

و هؤلاء من أدباء العجم و علمائهم ..

و في أيامه حدثت عمارات مهمة منها ما لا يزال باقيا إلى اليوم، و أصاب الناس رغد في العيش و رفاه و راحة لو لا أن تنغص في بعض الحوادث المارة ...

النقود في أيامه:

إن النقود المضروبة في أيام السلطان أويس و الموجودة اليوم أكثر مما هو معروف عن عهد والده بينها الفضية و الذهبية ... و منها ما ضرب سنة 762 ه في بغداد، و نرى في أحد وجهيها (لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه) داخل دائرة بخط كوفي، و شكل مربع كتب في أضلاعه (أبو بكر، عمر، عثمان، علي) و في الوجه الآخر سنة الضرب و أنه ضرب في بغداد بصورة مربعات في وسطها السلطان الأعظم، أويس بهادر، خلد اللّه ملكه في ثلاثة أسطر.

____________

(1) المجلد الأول في حوادث هذه السنة.

(2) عبيد هذا توفي سنة 772 ه و هو الخواجة نظام الدين عبيد الله القزويني و يمت إلى أصل عربي و ترجمته في تذكرة الشعراء لدولتشاه السمرقندي.

(3) صاحب صحاح العجم في اللغة الفارسية قدمه للخواجة غياث الدين محمد، و في أيام السلطان أويس ألف «دستور الكاتب في تعيين المراتب» في قواعد الإنشاء و أصول الكتابة كان أمره الخواجة غياث الدين به فلم يتم في عهده. و والده صاحب تاريخ «تجارب السلف» ترجم به تاريخ الفخري المسمى «منية الفضلاء» سنة 724 ه.

155

و باقي النقود منها ما هو مضروب في السنة المذكورة أيضا في بغداد، و الشكل واحد إلا أن كتابته لا تختلف كثيرا عن سابقتها، و هكذا يقال عما ضرب في البصرة في السنة المذكورة، و في الحلة و في تبريز و في همذان و قد ضربت نقود باسمه أيضا في شيراز و لا تختلف عن سابقاتها إلا في أوصاف السلطان و الدعاء له و من النقود ما هو مضروب سنة 770 ه، عثر على قطعة ذهبية منها، و أخرى مضروبة سنة 762 ه و ثالثة لم يتعين تاريخها و كلها من ضرب بغداد. و في هذه كتب اسم السلطان بحروف مغولية- أو يغورية (1) ...

السلطان جلال الدين حسين بهادر خان‏

جلوسه:

السلطان جلال الدين حسين بهادر خان هو ابن السلطان أويس.

ولي باتفاق من الأمراء و أركان الدولة، و جلس على سرير السلطنة في تبريز و كان آنئذ شابا .. هنأه الخواجة سلمان الساوجي بقصيدة فارسية في غاية البلاغة ... و أول ما قام به من الأمور أن قرر وضع والده، و أبقى الحالة كما كانت. نقل ذلك صاحب حبيب السير (2). و قد مر الكلام عن العهد له بالسلطنة من أبيه السلطان أويس ... و لكن صاحب الأنباء قال: «أكبر أولاده حسن، قتله الأمراء خشية من شره و سلطنوا حسينا لضعفه فتشاغل باللهو و اللعب، يخطف النساء من الأعراس و غيرها فقتلوه أيضا ...» ا ه (3).

____________

(1) مسكوكات قديمة إسلامية قتالوغي قسم ثالث لمحمد مبارك ص 194- 199 و مسكوكات إسلامية تقويمي لأحمد ضيا ص 97- 98.

(2) حبيب السير ج 3.

(3) الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة.

156

ضرب النقود باسمه:

و في هذه السنة ضربت النقود باسمه «جلال الدين حسين بهادر خان».

و عثر له على نقود أخرى تاريخها سنة 783 ه ضربت في بغداد منها سكة ذهبية موجودة في المتحفة البريطانية و باقي النقود فضية لا يقرأ تاريخها و هي من مضروبات بغداد، و بعضها لا يعرف محل ضربه لملس فيها (1) ...

وفيات‏

1- إبراهيم بن عبد الله البغدادي:

نزيل دمشق، و هو شيخ زاوية البدرية تجاه الأسدية ظاهر دمشق، و كان خيرا؛ معمرا، صالحا، مثابرا على الخير. مات في ربيع الآخر (2).

2- جمال الدين السرمري:

توفي في هذه السنة جمال الدين أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي ثم العقيلي السرمري الحنبلي الشيخ العالم المفنن الحافظ ولد في رجب سنة ست و تسعين و ستمائة و تفقه ببغداد على الشيخ صفي الدين عبد المؤمن و غيره ثم رحل إلى دمشق و توفي بها و من تصانيفه نظم مختصر ابن رزين في الفقه و نظم الغريب في علوم الحديث لأبيه نحو من ألف بيت، و نشر القلب الميت بفضل أهل البيت، و غيث السحابة في فضل الصحابة، و الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، و عقود اللآلي في الأمالي، و عجائب الاتفاق، و الثمانيات.

قال ابن حجي رأيت بخطه ما صورته مؤلفاتي تزيد على مائة مصنف كبار و صغار في بضعة و عشرين علما ذكرتها على حرف المعجم‏

____________

(1) مسكوكات إسلامية قتالغي قسم الثالث ص 200- 201.

(2) الأنباء ج 1.