موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج2

- عباس العزاوي المزيد...
424 /
157

في الروضة المورقة في الترجمة المونقة و قد أخذ عنه ابن رافع مع تقدمه عليه و حدث عنه و ذكره الذهبي في المعجم المختص و أثنى عليه توفي في جمادى الأولى‏ (1).

3- الأمير حيار:

و هو الأمير حيار بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة ...

أمير آل فضل توفي في هذه السنة (سنة 776 ه) بنواحي سلمية عن بضع و ستين سنة و تولى عوضه أخوه الأمير قارا (2) و في الأنباء: استقر ولده بعده‏ (3).

حوادث سنة 777 ه- 1375 م‏

قصد السلطان بيرام بيك و قرا محمد التركماني:

في موسم الربيع من هذه السنة سار السلطان نحو الخواجة بيرام‏ (4) بيك و قرا محمد التركماني فأزاحهما و استولى على بعض القلاع التي دخلت في تصرفهما ثم إنه حصلت مفاوضات في الصلح فتم على أن أمراء التركمان يقدمون له تقدمة في عشرين ألفا من الغنم كل سنة فقبل بذلك و عاد (5).

ظهور دولة قرا قوينلو و الاستيلاء على الموصل:

جاء في تقويم التواريخ أن دولة قرا قوينلو ظهرت في هذا التاريخ باستيلاء الخواجة بيرام على الموصل ... و هؤلاء كانوا على عهد سلاطين‏

____________

(1) الشذرات ج 6.

(2) عقد الجمان ج 23.

(3) أنباء الغمر ج 1.

(4) في الدر المكنون ورد لفظ بهرام بيك و هؤلاء أمراء قرا قوينلو.

(5) حبيب السير.

158

المغول أمراء ألوس‏ (1) (قبيلة) فلما مات السلطان أويس رأى الخواجة بيرام بيك في نفسه قوة فتغلب و استولى على الموصل بعد حصار طال مدة أربعة أشهر فأخذها بالأمان و تملك سنجار و بعض المواطن في آذربيجان ...

حروب السلطان- شاه شجاع:

في هذه السنة سار شاه شجاع ابن الأمير محمد بن مظفر بجيش قوي إلى أنحاء آذربيجان فالتقى مع السلطان حسين فوقعت حرب دامية، و فيها انهزم السلطان حسين، و بقي شاه شجاع نحو أربعة أشهر في تبريز بنشاط و طمأنينة ... ثم سمع أن شاه يحيى عزم على أخذ شيراز فاضطر أن يترك تبريز، و يسرع في العودة ... و حينئذ نهض السلطان من بغداد و ذهب توا

____________

(1) هم أمراء القبائل الذين هم أمراء جيش و الألوس معناه القبيلة و هم يقودون قبائلهم أثناء الحرب و هذه القبائل كبيرة و لها مكانتها و توضيحا لذلك نقل الصديق الفاضل مصطفى جواد النص التالي عن مسالك الأبصار:

«قال ابن فضل اللّه العمري: حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى ابن الحكيم الطياري ... فأما أمر الجيش و العساكر فإلى كبير أمراء الألوس و هو المسمى بكلاري يك أي أمير الأمراء كما كان قطلو (قطلغ) شاه مع السلطانين محمود غازان و أخيه محمد خدابنده و چوبان مع ولده السلطان بو سعيد بهادر خان و (مثل) هذا القائم الآن الشيخ حسن بن حسين بن آقبغا مع قانه السلطان محمد بن طشتمر بن استمر بن عنبرجي، و أمراء الألوس أربعة: (بكلاري يك) (كان و لا يزال إلى مده قريبة يسمى في العهد العثماني (بكلريكي) و تعني أمير الأمراء.) و ثلاثة أخرى و يسمى هؤلاء الأربعة (أمراء القول) (هم الذين يسمى كل منهم عند الترك العثمانيين (قول قومانداني).) و يشترط أن يكون هؤلاء هم الذين تكتب أسماؤهم في اليراليغ و الفرمانات بعد اسم السلطان ثم اسم الوزير بعدهم ... و كل ذي سيف لا يخرج أمره عن القائم بهذه الوظيفة التي هي إمرة أمراء الألوس. و كل ذي قلم و منصب شرعي لا يخرج عن الوزارة. و طبقات الأمراء أعلاها النوين و هو أمير عشرة آلاف ثم أمير ألف، ثم أمير مائة، ثم أمير عشرة. هذه طبقات رتبهم، نقص فيها و لا مزيد عليها ...» ا ه.

159

إلى تبريز، و تمكن من إدارتها ... هذا ما ذكره صاحب حبيب السير (1).

و في الأنباء ذكر هذا الحادث في السنة الماضية، و أوضح أن شاه شجاع وثب على تبريز بعد موت السلطان أويس و ملكها، و أساء السيرة، فراسل أهل تبريز السلطان حسينا فتجهز إليه في العساكر، فلما بلغ ذلك شاه شجاع تقهقر عن تبريز و دخلها السلطان و من معه بغير قتال‏ (2) ...

و في تاريخ الغياثي أن شاه شجاع سار من شيراز إلى تبريز سنة 781 ه (و في موطن آخر منه سنة 780 ه) و بعد ثلاثة أشهر انهزم شاه شجاع و عاد السلطان حسين إلى تبريز (3). و في هذا مخالفة للتواريخ الأخرى المعتبرة، و المؤرخ لم يقطع في التاريخ الصحيح. و أما تاريخ محمود كيتي المعاصر فإنه يذكر الوقعة موافقا لما جاء في حبيب السير.

و ذلك أن شاه شجاع كان قد تأهب للهجوم على تبريز استفادة من وفاة السلطان أويس و اغتناما للفرصة و لكن لم يحصل ذلك بهذه السرعة ...

آل مظفر:

هؤلاء سبقت بعض الوقائع معهم ... و أمراؤهم سبعة كان قد ابتدأ حكمهم سنة 718 ه و دام إلى 10 رجب سنة 795 ه؛ و مدة إمارتهم 77 سنة سواء في فارس، أو في عراق العجم و كرمان و باميان و آذربيجان ...

و لهم اتصال وثيق و علاقات مهمة بالعراق و كثير من حوادثه ... و المعول عليه من تواريخهم تاريخ معين الدين اليزدي المتوفى سنة 789 ه (4) ألف‏

____________

(1) حبيب السير ج 3 ص 82.

(2) الأنباء ج 1.

(3) تاريخ الغياثي ص 186 و 215.

(4) كان من المحدثين العلماء و من فضلاء عهد الأمير مبارز الدين محمد و ابنه شاه شجاع، اختاره الأمير مبارز الدين في سنة 755 ه للتدريس في دار السيادة في ميبد و كان واسطة عقد الصلح بين الأخوين شاه شجاع و شاه محمود ...

160

تاريخا سماه (مواهب إلهي) أو المواهب الإلهية ... و في كشف الظنون ألفه سنة 757 ه و الصحيح أن حوادثه تمتد إلى سنة 766 ه. كان أتمه في أواخر أيام مبارز الدين. و لما مات قدمه إلى شاه شجاع في السنة التالية و جعله باسمه و أضاف إليه وقائع تلك السنة ..

و هذا من التواريخ الأساسية للبحث عن هذه الحكومة .. إلا أنه لا يفترق في أسلوبه عن تاريخ و صاف و العتبي فهو مملوء من الاستعارات العجيبة و العبارات الغريبة، و الإطراء الزائد، و المدح و ألفاظ التفخيم، فطفح من الإغراق في النعوت بحيث ضاعت الفائدة أو كادت ... و باقي المؤرخين المعاصرين و إن كان قد تعرض لذكرهم مثل صاحب تاريخ گزيده، أو ابن بطوطة ... إلا أنهم لم يستوعبوا أخبارهم؛ و لا وسعوا في البحث عن تاريخ حكومتهم و إدارتهم. و إنما كان ذلك نصيب (محمود كيتي) فإنه من المعاصرين، عاش معهم فدون ما يشاهد، و سجل ما سمع من الثقات، و استقصى أحوالهم؛ و حرر وقائعهم من أولها إلى آخرها و أبدى عن ماضيهم الكفاية و استمر في البيان حتى انقراضهم ...

كتبه سنة 823 ه و سهل به ما جاء مغلقا من كتاب المواهب الإلهية المذكور، فلم يراع ما راعاه؛ و إنما استعمل البساطة، و جعل همه الوقائع و إيضاحها ... أضافه مؤلفه إلى تاريخ گزيده إلا أن النسخة الموجودة عندي من تاريخ گزيده ناقصة الأول و الآخر و أما رسالة محمود كيتي فهي كاملة و صحيحة لم يمسها نقص و المطبوع من تاريخ كزيده لا يعتمد عليه لوجود أغلاط كثيرة فيه ... و نسختي الخطية نفيسة جدا و جيدة الورق و الخط، و هذه الحكومة مستوفاة المطالب هناك و لا يطمئن القلب لغيرها، و صاحبها معاصر القوم و كان أحد موظفيهم ... و ما جاء في غيرها فيتحتم التبصر فيه ... و من الأسف أننا لم نطلع على أحوال المؤلف أكثر مما بينه في مقدمة كتابه و المفهوم منها أنه كان أبا عن جد في خدمتهم، و أنه قص ما شاهد، أو علم من الثقات الأكابر كتبها- كما

161

قال- على نمط منبسط و طراز منشرح، فزادت صفحة في التاريخ، و أضافت ورقة إلى حوادث الأيام ... فصارت خاطرة في دفاتر الأيام و الليالي ...

و من الأمثلة لذلك أنه جاء في تقويم التواريخ أن هذه الحكومة ظهرت عام 733 فنرى الاختلاف واضحا بين ما قدمناه و بين ما عينه كاتب چلبي، و هذا يفسر في تولي الإدارة و الدخول في معمعتها أو بالتعبير الأصح الانتساب إلى حكومة المغول و تعهد الوظائف بها ...

كان في ذلك التاريخ و أن الاستقلال في الحكومة كان في التاريخ الذي بينه كاتب چلبي فلا تباين بين النصين كما يفهم من خلال السطور ...

و لا ننسى أن ابن خلدون و الغياثي و غيرهما قد تكلموا عن هذه الحكومة إلا أننا قصدنا الإشارة إلى المراجع المهمة عنها ... لمن أراد التبسط في الموضوع و قد بينا في المجلد الأول بعض الكلمات عنهم بين الحكومات المتغلبة أيام المغول ... و هنا زبدة تعين للقارى‏ء حالتهم ..

أولهم الأمير مبارز الدين محمد (1) هو ابن مظفر بن المنصور ابن الحاجي و جدهم الأعلى من أصل عربي جاء إلى خراسان أيام الفتح و توطن الحاجي منهم يزد و كان لهذا ثلاثة أولاد أبو بكر و محمد و منصور و إن أبا بكر كان من ملازمي علاء الدولة أتابك يزد فاستصحبه معه حينما ذهب مع هلاكو لفتح بغداد و سار بعد تسخير بغداد إلى حدود مصر و قتل هناك في بعض الحروب و أن محمدا قد بقي ملازما الأتابك في يزد فتوفي هناك و لم يعقب و إن منصورا ابن الحاجي كان في خدمة والده في خطة ميبد يزد. و لما مات والده صار مكانه. و كان له ثلاثة أولاد مبارز الدين و زين الدين علي و شرف الدين مظفر. أما علي فلم يعقب.

و شرف الدين مظفر نال التفاتا من السلطان أرغون و بعد أن قضى سنين‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 260.

162

كثيرة في مواطن أخرى عاد إلى يزد ... و لما توفي أرغون و خلفه كيخاتو خان حصل على مكانة كبرى لديه و تولى أمر إدارة الجيش المرسل إلى الأتابك أفراسياب بن يوسف شاه في لرستان فقام بالأمر و لمعرفته السابقة تمكن من أن يحصل على مطلوب السلطان دون حرب أو سفك دماء. و في سنة 694 التحق بالسلطان غازان و ولي عنده موقعا رفيعا و مكنه بما يمكن من الأمراء و في أواسط جمادى الآخرة سنة 700 ه ولد له ابنه مبارز الدين محمد. ثم توفي السلطان غازان و في سنة 703 ه ولي السلطان الجايتو فزاد هذا في رفعة الأمير مظفر و جعله على محافظة الطرق و السابلة بفارس و الحاصل تقلب في مناصب و أبدى من المهارة في القيام بمهام جلى إلى أن توفي بتاريخ 13 ذي القعدة سنة 713 ه و في كل أيامه الأخيرة كان يصحبه ابنه مبارز الدين محمد فيمرنه على الأسفار و التدابير التي يجب أن يقوم بها ... و نقل بعد وفاته إلى ميبد و دفن في مدرسة كان عمرها هناك و هي المدرسة (المظفرية).

و تبتدى‏ء حكومتهم و شهرتهم العظيمة أيام مبارز الدين محمد الذي خلف والده و لما توفي والده كان له من العمر 13 سنة و بعد أربع سنوات أي عام 717 ه أيام السلطان أبي سعيد نال توجها من السلطان و موقعا مهما فحصل على حكومة تلك الأنحاء و محافظة الطرق هناك ...

وهذا هو طليعة تاريخ ظهورهم الذي ذكره المؤرخ (محمود كيتي) ...

و من أكبر المسهلات لتوطيد الحكم هناك أنه أبدى تفاديا في القضاء على حكومة الأتابكة أيام حاجي شاه ابن الأتابك يوسف شاه فلم يبق للأتابكة قدرة في مقاومته فكان عضد الأمير كيخسرو فاضطروا إلى الفرار و كانت عاقبة أمرهم أن انقرضوا ...

و في شوال سنة 718 ه تقدم للسلطان أبي سعيد و عرض خدمته عليه فأنعم عليه السلطان بحكومة يزد و فوض إليه أمر المحافظة على الطرقات ... و هذا مبدأ الإمارة ... و لا مجال لاستيعاب كل ما قام به‏

163

الأمير مبارز الدين محمد و في سنة 725 ه ولد له الشاه شرف الدين مظفر. و في سنة 729 ه تزوج خان قتلغ بنت السلطان قطب الدين محمد ابن الأمير حسام الدين ثم نقلها إلى تبريز في السنة المذكورة أيام وزارة الخواجة شهاب الدين بن عز الدين، و حصل على المكانة المطلوبة بسبب العلاقة السببية مع المغول ...

و في يوم الأربعاء 22 جمادى الثانية سنة 733 ه ولد جلال الدين شاه شجاع و في 14 المحرم سنة 744 ه ولد نصرة الدين يحيى و لم يلبث المترجم أن نال الإمارة ...

و في خلال هذه الأيام أو إثر وفاة السلطان أبي سعيد عام 736 ه كانت المقارعات و الحروب بين المغول و أمرائهم طاحنة فكان همّ هؤلاء مصروفا إلى تقوية السلطة لما في يد كل منهم و توسيع نطاقها ... و دامت الحروب بين هؤلاء و بين الأمير الشيخ أبي إسحق‏ (1) و غيره فصارت كل إمارة تجادل عن نفسها و كان ما كان مما مرت الإشارة إليه ..

و في عام 755 ه بعد أن افتتح شيراز (2) و الأنحاء الأخرى المجاورة لها بايع الخليفة أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبا بكر العباسي‏ (3) و قرأ الخطبة باسمه و بايعه علماء فارس و يزد و كان هو نائبه و لم يقفوا عند حدود هذه‏

____________

(1) راجع ابن بطوطة عن أبي إسحق أمير شيراز.

(2) قال ابن خلدون: «طمع مبارز الدين محمد بن مظفر في الاستيلاء على فارس فاتخذ وسيلة ما قام به أبو إسحق أمير شيخ من قتل شريف من أعيان شيراز فنادى بالنكير عليه ليتوصل إلى غرض انتزاع الملك من يده فسار في جموعه إلى شيراز فاستولى عليها ... و ما زال يطارده حتى قبض عليه و اقتص منه». ا ه ملخصا.

(3) قال الغياثي لما لم يكن له قدرة الدعوى بالسلطنة أتى بشخص يسمى أبا بكر بن أبي الربيع و زعم أنه من بني العباس و لقبه المعتضد باللّه و جعل نفسه نائبا عنه و تلقب بمناصر أمير المؤمنين ثم بعد ذلك بمدة قبض عليه ولده شاه شجاع و كحله و سجنه بقلعة سرمق من أعمال شيراز سنة 760 ه.

164

الأقطار و الاكتفاء بفتوحها و إنما مضوا إلى لرستان لاكتساحها و عزموا على القضاء على إمارتها في أواخر المحرم سنة 757 ه فتمكنوا من ذلك في أواخر صفر للسنة المذكورة و قد أفردنا رسالة خاصة في (إمارة اللر) فلا مجال للخوض الآن بشأنها و هكذا فتحت أصفهان و قضي على المناوئين لحد أن تقدموا نحو البلاد الأخرى و اكتسحوها ثم استعيدت بالوجه المذكور آنفا ثم إن مبارز الدين محمد ملك ابنه محمودا أصبهان و ابنه شجاعا شيراز و كرمان و في سنة 760 ه نال الإمارة ابنه شاه شجاع و توفي الأمير مبارز الدين في آخر ربيع الآخر لسنة 765 ه و دفن في المدرسة المظفرية في ميبد يزد عند والده و سيأتي الكلام على حكومة شاه شجاع في حادث وفاته عام 787 ه و على كل حال التفصيل في (تاريخ آل مظفر) لمحمود كيتي المذكور. و من أهم ما فيه تاريخ العلاقات و السياسة التي كانت تجري مع المجاورين و هي مبسوطة في التاريخ المذكور عند كلامه على النزاع القائم بين شاه شجاع و شاه محمود و الوقائع بينهما ... و وفاة شاه محمود في 14 شوال سنة 776 ه و التأهب للهجوم على تبريز و اغتنام فرصة وفاة السلطان أويس مما لا مجال لتفصيله‏ (1) ...

____________

(1) كتب المؤلف في ملحق الجزء الرابع استدراكا ما يلي نصه:

شاه شجاع من آل مظفر:

جاء في ص 163 أنه في عام 755 ه ... بايع- مبارز الدين محمد- الخليفة أمير المؤمنين المعتضد باللّه، و قرأ الخطبة باسمه و بايعه علماء فارس و يزد ...» ا ه.

و في هامش ص 163 نقلا عن الغياثي ذكر ما يخالف ذلك، و كان غلطا و مقتضبا، فلم يأت مبارزا الدين بشخص و إنما بايع الخليفة العباسي بمصر. كما أن قوله (ثم قبض عليه ولده شجاع و كحله) مقتضب. و هنا المقصود أن شاه شجاع قبض على والده فسمله و كحله. و سياق الكلام أنه قبض على الخليفة المصطنع ... و هذا الأخير ليس بصواب.

و في نقود هذه الدولة جاء ذكر المعتضد، و السلطان شاه شجاع إلا أنه لم يعين فيها تاريخ ضربها لما فيها من ملس و اتصل أمراء آخرون بالخلافة تقوية لنفوذهم-

165

وفيات‏

1- الخواجة سلمان ساوجي:

في يوم الثلاثاء 13 صفر من هذه السنة توفي الخواجة جمال الدين سلمان الساوجي، و كان شاعرا معروفا في الفارسية، و له في أشعاره علاقات كثيرة و كبيرة في حوادث العراق المهمة كما أشير إلى ذلك .. و في الغالب اشتهر اسمه مقرونا باسم السلطان أويس. فنرى له في تذاكر الشعراء و الأدباء مباحث مهمة ... و كانت الثقافة الغالبة للأمراء و بلاط الحكومة مشبعة بالآداب الفارسية، و أن السلطان أويس كان قد تخرج على الخواجة سلمان، و لازمه أيام سلطنته ... فهو شاعر الحكومة ...

____________

- و تثبيته ... و في (تاريخ محمود كيتي) عقد فصلا في بيعة الأمير مبارز الدين و أنه بايع وكيل الخليفة أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبي بكر سنة 755 ه، و قرئت الخطبة باسمه و كانت عطلت من تاريخ ظهور المغول فمضى على ذلك نحو مائة سنة إلى أن قال و في سنة 770 ه بايع الشاه شجاع و من معه الخليفة القاهر باللّه محمد بن أبي الربيع. و في هذه البيعة كتب العلماء محاضر و رسالات ... و القاهر باللّه هو المذكور بلقب (المتوكل على اللّه) المذكور في قائمة الخلفاء. و جاء في تاريخ إيران للأستاذ عباس اقبال أنه القاهر باللّه تابع تاريخ محمود كيتي كما جرى على ذلك الإيرانيون في تواريخهم. و في كتاب (قانون السياسة و دستور الرياسة) المقدم إلى السلطان شاه شجاع نعته بأنه كفيل أمور المسلمين و معين أمير المؤمنين.

وقع في مثل غلط الغياثي الأستاذ أحمد الكسروي فإنه وجد نقدا نشر عنه في جريدة پرچم جاء فيه ذكر (الخليفة) في الأعلى من صفحة النقد و (أمير المؤمنين) في الأدنى. و ما بينهما (السلطان شاه شجاع) فظن أن شاه شجاع في هذا النقد أعلن الخلافة لنفسه و قرأه (الخليفة السلطان شاه شجاع)، و هذا يدل على أنه لم يقف على مجرى (كتابات النقود)، فتبجح كأنه اكتشف اكتشافا مهما. و لو أنه راجع النقود و التواريخ لدولة آل مظفر لما قال بهذا و لتبين له وجه الغلط.

هذا. و جاء في تحقيقات الأستاذ الأمير جعفر الحسني أن الشاه شجاع توفي في 24 شعبان سنة 786 ه.

166

و أهملت الآداب العربية و بقيت محصورة في الشعب ... فعاش الكثير من علمائنا في الأقطار الأخرى و إن عدد العلماء و كثرتهم المستفادة من تاريخ وفياتهم و إن كان لا يستهان بها إلا أن الثقافة الفارسية رجحت عليها ...

و الملحوظ أن الفضل بهذا العصر في أن يهملوا و تترك لهم مؤسساتهم العلمية و دور ثقافتهم دون أن يمسوها بسوء لينالوا حظا منها لأنفسهم و يتعهدوا تربيتهم بذاتهم .. لا أن يكونوا من رجال الدولة، أو أعضائها الفعالة ... إلا أن من رغب فما عليه إلا أن يميل بكليته إلى تحصيل لغة القوم، و الأخذ بنصيب وافر من آدابهم لينال بعض الوظائف، أو يأمن الغوائل ... و على كل تعينت ثقافة الحكومة في دراسة الآداب الفارسية بترجيح ... و المترجم ركن عظيم من أركانها ...

اشتهر في هذا العصر شعراء عديدون من العجم و نالوا شهرة فائقة، و حاول بعضهم أن يجاري الفردوسي في شهنامته ... و راجت سوق الأدب الفارسي و أثر تأثيره العظيم حتى في العراق قطر العرب و مركز الثقافة العربية .. و من البواعث المهمة الأمراء و السلاطين كما تقدم فقد كانت تربيتهم إيرانية و الموظفون إيرانيون فتأثرت الآداب بهذه الطوابع و إن كانت الحكومة إسلامية، و الديانة هي السائدة و إنما سار الناس على نهج ملوكهم و أمرائهم ...

و لا نمضي بعيدا، و بصورة عامة دون أن نتناول حياة المترجم فقد كان من شعراء الوزير غياث الدين محمد ابن الخواجة رشيد الدين فضل الله، ثم صار من شعراء الشيخ حسن و ابنه السلطان أويس و ابنه السلطان حسين. و هو من أهالي ساوة من أسرة لها مقامها الرفيع هناك ...

و المترجم له الوقوف التام على كتابة السياقة (نوع خط) و لكنه ذاع صيته في الشعر و تقرب من السلاطين و صار الشعراء إذا أرادوا أن يقدموا قصيدة يتقربون إليه في تقديمها ... و الأدباء الإيرانيون لم يحلوه في‏

167

المنزلة العليا الفائقة من الشعر و لا الفذة فيه و إن كان قد قال فيه علاء الدولة السمناني ما مؤداه «رمان سمنان، و شعر سلمان، و لا مثيل لهما في سائر البلدان».

و الخواجة جاء بغداد و لازم سلاطين الجلايرية و مدحهم، و مدح دلشاد خاتون، أنطقه ما رأى و شاهد من أبهة و جلال و نضارة .. فرأى منهم و منها كل إعزاز و إكرام كما أنه مدح وزراء هذه الدولة و أمراءها و ولاة بغداد و ألهمه المحيط ما ألهمه من وحي الطبيعة و جمال المناظر ... و إن اتصاله هذا و ملازمته لهذه الحكومة دعته أن يقول:

من از يمن اقبال اين خاندان‏* * * كرفتم جهان را بتيغ زبان‏

من از خاوران تا در باختر* * * ز خورشيدم امروز مشهورتر

و لم يكن الموما إليه وحيدا في شعره و إنما كان هناك من الشعراء من مر البيان عنهم في ترجمة السلطان أويس و كلهم أصحاب تراجم حافلة ... و كان أمثال هؤلاء يستعربون فيبدعوا في آدابهم ... و لكن الفارسية احتفظت بهم و اقتنصت مقدارا جما من أدباء العرب ...؟؟

و مؤلفاته:

1- ديوانه. و منه نسخ مخطوطة في إيران ذكرها الفاضل رشيد ياسمي في كتابه (سلمان ساوجي)؛ و طبع في الهند باسم «كليات سلمان ساوجي». و هذا خير وثيقة تعرب عن أخبار بغداد لو لا أنه يتعرض لمدح الشخص أكثر من بيان ماهية الوقائع و حالة القطر ... و هو صفحة كاشفة لهذا العصر، و لا يستفاد من شعره أكثر مما يفهم من ظاهره فليس فيه إشارة، أو دقة ... و غالب ما فيه مدح السلاطين الجلايرية و الوزير شمس الدين زكريا ... و القسم الأخير منه غزل ...

2- فراقنامه. و قد مضى الكلام عليها.

168

3- ساقي نامه.

4- جمشيد و خورشيد. مثنوي نظمه سنة 763 ه باسم السلطان أويس و يدعي أنه لم يقلد فيه غيره و إنما هو من مبتكراته ...

5- قصيدة جامعة لأنواع الصنائع الأدبية و البحور ... مدح بها الخواجة غياث الدين محمدا الوزير. و في مقدمتها يقول في مدحه:

ما إن مدحت محمدا بمقالتي‏* * * لكن مدحت مقالتي بمحمد

طبعت على الحجر سنة 1313 ه في مجموعة تحتوي رباعيات الخيام و رباعيات بابا طاهر و رباعيات أبي سعيد و رباعيات الخواجة عبد الله الأنصاري.

و الحاصل قد أطنب رشيد ياسمي في إيضاح حياته و علاقته بالجلايرية و غيرهم في كتابه المسمى (سلمان ساوجي)، و للمترجم معارضات لظهير الدين الفارابي في قصائده العديدة، و غالب ذلك باقتراح دلشاد ... و رباعياته كثيرة؛ و له القدم المعلى في الغزل، و يتهم في دلشاد بغزله و أنه يقصدها في غالبه ... و أوصافه تنطبق عليها، أو على دوندي ...

أكتفي بهذا و لا محل للإطالة (1).

2- محمد بن علي الواسطي:

في رجب هذه السنة توفي بمصر، و هو واعظ أديب، و أحد الصوفية في البيبرسية و له عدة مقاطيع أوردها صاحب الدرر الكامنة (2).

____________

(1) ذكره دولتشاه السمرقندي ص 171، و حبيب السير ج 3 و اتشكده ص 323.

(2) ج 4 ص 53.

169

حوادث سنة 778 ه- 1376 م‏

سلطنة بغداد:

في هذه السنة تسلطن في بغداد الشاه منصور بن عمر بهرام (الخواجة بيرام بيك) صاحب الموصل. كذا في الدر المكنون. و في حوادث سنة 785 ه أزيح عن السلطنة بواسطة السلطان أحمد الجلايري كما جاء فيه أيضا ... و ليس لدينا من النصوص التاريخية ما يؤيد هذه الوقعة و إنما الوقائع المعروفة على الضد منها ... و جل ما نعلمه عن شاه منصور أنه ابن شاه مظفر، و لم تكن له قربى نسبية مع (الخواجة بيرام) و أنه مال عن شاه شجاع و جاء إلى السلطان و إلى عادل آغا فجعله عادل آغا حاكما في همذان و ذلك إثر تسلط عادل آغا على السلطان حسين و اختلاف الأمراء و انتقاضهم عليه في هذه السنة (778 ه) و ذهابهم إلى بغداد و هم أمثال إسرائيل عبد القادر و رحمان شاه درويش فأبدوا مخالفتهم للسلطان و ذهبوا إلى بغداد عام 778 ه ... و إن شاه منصور قد صار إلى عادل آغا و السلطان قد سار لتعقب أثر هؤلاء المخالفين قبل وصولهم إلى بغداد فتمكن من بعضهم الملتجئين إليه و البعض الآخر فر و حينئذ أمر عادل آغا و السلطان بقتل المقبوض عليهم و قد التمس شاه منصور أن يعفو فلم يلتفت إلى ذلك و لم يعف إلا عن القاضي الشيخ علي و حينئذ عاد الشاه منصور إلى همذان و إن عادل آغا مضى إلى تبريز لملازمة السلطان‏ (1) ...

و سيأتي القول عن نصبه حاكما على تستر و الأنحاء المجاورة لها بأمر من السلطان أحمد.

____________

(1) حبيب السير.

170

حوادث سنة 779 ه- 1377 م‏

وفيات‏

1- زينة الموصلية:

هي زينة بنت أحمد بن عبد الخالق بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يونس الموصلية. سمعت من عيسى المطعم و ابن النشو و غيرهما. و حدثت بالكثير. ماتت في شعبان‏ (1).

حوادث سنة 780 ه- 1378 م‏

وفيات‏

1- الحسن بن سالار:

توفي في هذه السنة (سنة 780 ه) الحسن بن سالار بن محمود الغزنوي ثم البغدادي الفقية الشافعي رحل قديما فسمع من الحجار و غيره ثم رجع و حدث ببغداد صحيح البخاري عن الحجاز و تلخيص المفتاح عن مصنفه الجلال القزويني و توفي في شوال‏ (2).

2- قتلة والي بغداد (مجد الدين إسماعيل):

في هذه السنة أو في التي قبلها قتل الشهزاده الشيخ علي الأمير إسماعيل بن زكريا بن حسن الدامغاني البغدادي والي بغداد باتفاق پير علي باوك‏ (3) و استشارته فسار السلطان حسين من تبريز إلى بغداد فانهزم‏

____________

(1) الأنباء ج 1.

(2) الشذرات ج 6.

(3) جاء في ابن خلدون أنه قنبر علي بادك و هذا مخالف للنصوص المنقولة عن حبيب السير من أنه بير علي باوك و قد تكرر بهذا الشكل كما أن محمود كيتي ذكره مكررا في تاريخ آل مظفر بهذا اللفظ و مثله في الغياثي «ابن خلدون ج 5 ص 553».

171

الشهزاده الشيخ علي من بغداد و كان استمر بولاية بغداد إلى أن أزاحه السلطان ... كذا في الغياثي و قال في حبيب السير أن سبب قتله الوالي إسماعيل دعت إلى الخلاف و القتال بين الإخوة من آل السلطنة كما أن الشيخ علي ولي بغداد بعد إسماعيل و حكمها (1).

و حينئذ سار السلطان حسين من تبريز إلى بغداد مستمدا بعادل آغا الذي استولى على عراق العجم فأمده و ناصره فتمكن من قتل بعض أرباب الحل و العقد للمرة الثانية، و في هذه الأثناء انهزم الشهزاده الشيخ علي من بغداد عند ما رأى عادل آغا نصب خيامه قريبا من المدينة و علم أن لا طاقة له بمقاومة هذا الصائل فتوجه إلى أنحاء دسفول (دسبول) و تستر و أقام السلطان ببغداد (2).

و جاء في تاريخ ابن خلدون «كان إسماعيل بن الوزير زكريا بالشام هاربا أمام أويس فقدم على أبيه زكريا و بعث به إلى بغداد ليقوم بخدمة الشيخ فاستخلصه و استبد عليه ... فتوثب به جماعة من أهل الدولة منهم مبارك شاه و قنبر و قرا محمد فقتلوه و عمه الأمير أحمد منتصف سنة 81 و استدعوا قنبر علي بادك (بير علي باوك) من تستر فولوه مكان إسماعيل و استبد على الشيخ علي ببغداد و نكر حسين عليهم ما آتوه و سار في عساكره من توريز إلى بغداد ففارقها الشيخ علي و قنبر علي باوك إلى تستر و استولى حسين على بغداد و استمده (أخوه أحمد و كان بواسط) فاتهمه بممالأة أخيه الشيخ علي و لم يمده و نهض الشيخ علي من تستر إلى واسط و جمع العرب من عبادان و الجزيرة فأجفل أحمد من واسط إلى بغداد و سار الشيخ علي في أثره فأجفل حسين إلى توريز و استوثق ملك بغداد للشيخ علي و استقر كل ببلده» ا ه (3).

____________

(1) حبيب السير ج 3 ج 3 ص 83.

(2) تاريخ الغياثي.

(3) ابن خلدون ج 5 ص 553.

172

و قد أوضح صاحب حبيب السير هذه الوقعة فقال إن الأمير إسماعيل جمع إليه بعض الأداني في ولايته على بغداد و لم يدع للشيخ علي اختيارا في أمر من الأمور بل غل يده و دامت هذه الحالة إلى أن كان في يوم جمعة من سنة 780 ه ذهب الأمير إسماعيل إلى الجامع فصادفه في طريقه رجل يدعى (مبارك شاه) فضربه بحسام كان معه فأرداه قتيلا و في الأثناء و بناء على استمداد القتيل خرج من داره الأمير مسعود عم الأمير إسماعيل و الأمير زكريا (هو غير والد الأمير إسماعيل) فناداهما فتقدما و حينئذ أسرع مبارك شاه و آخر معه يدعى قرا محمد فقتلاهما فعلم الشهزاده الشيخ علي بالأمر فسر بذلك و قطع رأس الأمير إسماعيل و صلبه في بنايته و أتي إليه برأسه ... فلما وصل الخبر إلى تبريز و علم أبوه الأمير زكريا حزن على ولده و أصابه ألم عظيم من اغتيال أخيه مسعود أكثر لأنه كان يعلم ما سيحل بابنه ... و كان امرأ طاعنا في السن أما السلطان حسين فقد أصدر منشورا بإيالة بغداد و سلطنتها إلى أخيه الشيخ علي و أرسله إليه و بين له أنه لا يضايقه في حاكمية بغداد فتمكن الشيخ علي في الإمارة و فوض الوزارة إلى عبد الملك التمغاتي و أوصل قاتلي الأمير إسماعيل إلى أوج العز و الرفعة إلا أنه رأى أن الأمر لا يستقيم له بهؤلاء فسير وراء (پير علي باوك) من أمرائهم القدماء و كان حاكم تستر من جانب شاه شجاع فطلبه لبغداد و إن الشيخ پير علي باوك جاء إلى بغداد ليتولى زمام أمورها كما أن الشيخ علي تصرف ببغداد و سائر أنحاء العراق مستقلا دون أن تكون له علاقة مع أخيه السلطان ... فلما سمع السلطان حسين و عادل آغا بما جرى لم يوافقهما ذلك و لم يقع هذا الأمر موقع القبول فجهزا الجيوش و في سنة 782 ه نهضا من تبريز و توجها إلى أنحاء بغداد. أما الشهزاده الشيخ علي و پير علي باوك فقد تيقنا أن لا قدرة لهما في مقابلة الجيش فتركا بغداد و ذهبا إلى جهة تستر ... و كان من رأي عادل آغا أن يترك الشيخ پير علي باوك‏

173

في تستر و أن لا يتعرض له هناك و أن لا يعود مرة أخرى إلى بغداد و لا يتدخل في شؤونها ...

أما عبد الملك التمغاتي فإنه استفاد من الوضع و تمكن أن يجمع من أعيان بغداد مبلغا وافرا قدر بمبلغ 1500 تومان و أرسله إليه و استدعى حضوره ... و على هذا نهض توا و سار إلى بغداد ... و إن السلطان حسين سير إليه محمود واقي و عمر قبچاق لمقابلته و هذان قد وقعا أسيرين في قبضة پير علي باوك و قتل أكثر من معهم من الجيوش و عندئذ و لما سمع السلطان بالخبر أمال عنان عزمه نحو تبريز و هناك رأى من المشاق في عودته ما لا يوصف و وصف بحالة سيئة جدا (1) ... هذا مجمل ما ذكره صاحب حبيب السير.

و من هذا نرى دوام الحروب و طول المنازعات بين الأخوين. و في روضة الصفا من التفصيلات ما لم نرها في غيره‏ (2) سوى أن تاريخ الغياثي ذكر أن قد نال الناس حيف من السلطان و لذا مالوا إلى أخيه ثانية و طلبوه من تستر ليوافيهم و ناصروه على العودة إلى بغداد فعاد و استقر في الحكم. و جاء في الأنباء عن إسماعيل المذكور أنه أحد الأمراء ببغداد و كانت له في عمارتها بعد الغرق اليد البيضاء مات في رجب سنة 780 ه (3).

____________

(1) حبيب السير ج 3 ص 83.

(2) روضة الصفا ج 5 ص 174.

(3) الأنباء ج 1 و الشذارت ج 6.

174

حوادث سنة 781 ه- 1379 م‏

وفيات‏

1- ابن عسكر البغدادي:

في سنة 781 ه توفي الشيخ شرف الدين أحمد بن عبد الرحمن ابن محمد بن عسكر البغدادي المالكي نزيل القاهرة كان فاضلا قدم دمشق فولي قضاء المالكية بها ثم قدم القاهرة في دولة يلبغا فعظمه و ولاه قضاء العسكر و نظر خزانته الخاصة و قد ولي قضاء دمياط مدة و حدث عن أبيه و ابن الحبال و غيرهما و لم يكن بيده وظيفة إلا نظر الخزانة فانتزعها منه علاء الدين بن عرب محتسب القاهرة فتألم من ذلك و لزم بيته إلى أن كف بصره فكان جماعة من تجار بغداد يقومون بأمره إلى أن مات في 26 شعبان و له 84 سنة قال ابن حجر سمع منه جماعة من شيوخنا و من آخر من كان يروي عنه شمس الدين محمد بن البيطار الذي مات سنة 825 ه.

2- تقي الدين عبد الرحمن الواسطي:

هو الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أحمد بن علي الواسطي البغدادي نزيل مصر شيخ القراء قدم القاهرة و تلا على التقي الصائغ و سمع من حسن سبط زيادة و وزيره و تاج الدين دقيق العيد و جماعة خرج له منهم أبو زرعة ابن العراقي مدة مشيخته و هو آخر من حدث عنه سبط زيادة و تصدر للاقراء مدة و انتفع به الناس و درس القراءات بجامع ابن طولون قال ابن حجر و قرأ عليه شيخنا العراقي و شرح الشاطبية و نظم غاية الإحسان لشيخه أبي حيان، توفي تاسع صفر عن 79 سنة (1).

____________

(1) الشذرات و الدرر الكامنة ج 2 ص 323 و الأنباء ج 1.

175

جامع الشيخ سراج الدين- دار الآثار العراقية

176

3- قارا بن مهنا أمير العرب:

هو أحد أمراء آل فضل، مات في هذه السنة (781) بأرض السر من عمل حلب، أثنى عليه طاهر بن حبيب‏ (1). و قال في عقد الجمان «أمير آل فضل، كان عمود الجود و ذروة سنامه، و حامية المستجيرين بحرمة ذمامه و حسامه ...» ا ه (2).

و في الأنباء أنه مات معتقلا، و كان مطويا على دين و شجاعة و سلامة باطن، و جاوز السبعين. و في سنة وفاته أرسل نعير عمه صول بن حيار ليأخذ له الإمارة فلم يفلح في مسعاه و سجن‏ (3) ...

حوادث سنة 782 ه- 1380 م‏

اضطراب الحالة:

لا تزال الاضطربات كما عرفت في حوادث سنة 780 ه و الحروب بين الأمراء (إخوة الملك) و بين السلطان حسين لم تسفر عن نتيجة بعد و قد امتد لهيبها إلى ما بعد هذا التاريخ أي إلى سنة 784 ه.

و حادث قتلة الأمير إسماعيل أثار فتنا أخرى ... فالسلطان بعد أن أقر أخاه الشيخ عليا في بغداد رآه قد مد يده على الأطراف الأخرى و تمكن من الاستيلاء على كافة أنحاء العراق ... ذلك ما دعاه أن يسير إليه و أن ينتزع منه بغداد و غيرها .. ثم إن الشيخ عليا عاد للمرة الأخرى و كان قد جهز له عبد الملك التمغاتي أموالا كثيرة تبلغ ألفا و خمسمائة تومان فاستعان بها و تقدم و من ثم رأى أن البغداديين قد طلبوه لما رأوه من أخيه من العسف و التطاول ... فرجع إليهم و حكم بغداد ...

____________

(1) الدرر ج 3 ص 236.

(2) عقد الجمان ج 3.

(3) الأنباء ج 1.

177

حوادث سنة 783 ه- 1381 م‏

قصاد السلطان إلى الشام:

في هذه السنة ذهب من قصاد السلطان جماعة إلى الشام بينهم القاضي زين الدين علي بن جلال الدين عبد الله بن نجم الدين سليمان العبايقي الشافعي قاضي بغداد و تبريز، و الصاحب شرف الدين ابن الحاج عز الدين الحسين الواسطي وزير السلطان و غيرهما (1).

و جاء في الأنباء في جمادى الأولى حضرت رسل حسين بن أويس صاحب بغداد و تبريز إلى برقوق و هم قاضي البلد الشيخ زين الدين علي ابن عبد الله بن سليمان بن السامي المغربي العبايقي‏ (2) الآمدي الشافعي، و شرف الدين بن عطا، ابن الحسن الواسطي الوزير، و شمس الدين محمد بن أحمد البرادعي فأكرموا غاية الإكرام، و ذكر العبايقي أنه غرم على سفرته عشرة آلاف دينار، و أنه جاء في مائة عليقة، و كان يكثر الثناء على أهل الشام، و تردد الكبار للسلام عليهم حتى القضاة، و رتب لهم برقوق رواتب كثيرة، و طلبهم عنده مرة، و مد لهم سماطا حافلا.

و كان سفرهم في 25 من رجب‏ (3).

و هنا نرى الاختلاف في ضبط هذه الأعلام و تحقيقها يحتاج إلى مراجع أخرى .. و في الغياثي أن هؤلاء الرسل إنما أرسلوا بناء على تملك السلطان حسين برقوق مصر و كان أول من تسلطن من الممالك الجراكسة.

____________

(1) عجائب المقدور ص 16.

(2) في الغياثي: الغناتقي.

(3) الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة، و الغياثي ص 187.

178

وفيات‏

1- حسام الدين النعماني:

هو حسام الدين بن أبي الفرج أحمد بن عمر بن محمد بن ثابت ابن عثمان بن محمد بن عبد الرحمن بن ميمون بن حسان بن سمعان بن يوسف بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفرغاني النعماني نزيل بغداد. اشتغل كثيرا، و سمع الحديث من سراج الدين عمر القزويني، و له من أبي الفضل صالح بن عبد الله بن جعفر بن الصباغ إجازة، و أعاد بمشهد أبي حنيفة ببغداد، و نقلت نسبه من خط ابن أخيه القاضي تاج الدين البغدادي لما قدم علينا من بغداد بعد العشرين و ثمانمائة و كان قدم في أواخر زمن المؤيد فارا من ابن قرا يوسف لأنه كان آذاه و جدع أنفه ففر منه إلى القاهرة و ألب عليه فهم المؤيد بغزو بغداد و صمم على ذلك، ثم فاته الأجل فتحول تاج الدين بعد موت المؤيد إلى دمشق و ولي بها بعض المدارس و مات بها. و كان تاج الدين حدث بمسند أبي حنيفة جمع أبي المؤيد محمد بن محمود بن محمد الخوارزمي بروايته عن عمه عن ابن الصباغ عن مؤلفه و بروايته عن عبد الرحمن بن لاحق الفيدي عن علي بن أبي القاسم بن لميم الدهساني إجازة عن مؤلفه سماعا. هذا ما قاله أنباء الغمر في أبناء العمر.

و قد مضى الكلام على تاج الدين في المجلد الأول و قد ترجمناه في حوادث سنة 834 ه. و ابنه قد ترجم في حوادث سنة 868 ه ...

جامع النعماني و جامع الشيخ سراج الدين‏

الآثار الإسلامية في هذا العصر كثيرة سواء كانت مدارس أو جوامع، أو مستشفيات أو عمارات أخرى .. و السبب في ذلك اتخاذ بغداد عاصمة، و أن الأمراء و الأكابر صاروا يبذلون الثروة في سبيل الزينة

179

و العمارة من جهة، و في ناحية الثقافة و الدين و الصحة من أخرى. و كذا أصحاب البر يراعون الثواب فيعملون لصالح الجماعة ...

و بعض الجوامع لا تزال معروفة بأسماء أصحابها من أولئك المؤسسين، و الشهرة محتفظ بها. مما يجعلنا نميل إلى التقريب بينهما و نرى صحة التسمية و النسبة إلى الأشخاص المعروفين الذين ذاع اسمهم في هذا العصر من المشاهير من أقوى الأدلة و للذيوع و الشيوع حكمه ..

و من هذه الآثار:

1- جامع النعماني:

و هذا لا يزال محفظا باسمه، و سعته تدل على مكانته السابقة و هو الكائن اليوم في شارع الكيلاني‏ (1) و نرى أنه من مؤسسات العالم المشهور حسام الدين النعماني المذكور في وفيات هذه السنة ..، أو من أحد أصحاب الخير فسماه باسمه تخليدا لذكراه .. و الشهرة و التسمية المحفوظة تنطبقان على هذا الجامع و مؤسسه .. و هما من أقوى ما نعول عليه، فلا مانع من الركون إليهما .. و إن فقدان النصوص لا يمنع من قبول ذلك.

و قد اكتفى المرحوم الأستاذ شكري الآلوسي بقوله في هذا الجامع إنه من مساجد بغداد القديمة، فيه منارة بيضاء مطلة على الطريق ..

و اشتهر في هذا البيت تاج الدين‏ (2) النعماني قاضي بغداد ابن أخي حسام الدين المذكور و هذا توفي عام 834 ه خارج بغداد. فزال احتمال بنائه منه ... و لتاج الدين هذا ابن له مكانته أيضا و من دواعي بقاء هذا الجامع ظهور علماء كثيرين من أسرة واحدة مكنت من بقاء هذا الجامع و دوامه لما ناله علماؤهم من المكانة ...

____________

(1) و هذا لا علاقة له ب «جامع النعمانية» المذكور في صحيفة 75 من تاريخ مساجد بغداد فإنه من آثار القرن الثاني عشر الهجري ...

(2) ترجمته في الضوء اللامع ج 2 ص 82 و ابنه في ج 7 ص 16 منه.

180

و كان قد عمره داود باشا سنة 1239 ه و في الأيام الأخيرة آل إلى الخراب و هدمت منارته سنة 1353 و الآن بدأت دائرة الأوقاف بتعميره في هذه السنة 1354 ه- 1936 م.

2- جامع سراج الدين:

و في هذا العصر اشتهر الشيخ سراج الدين عمر القزويني المتوفى سنة 750 ه و لا يزال الجامع معروفا باسم (جامع الشيخ سراج الدين)، و في بغداد اليوم محلة تسمى ب (محلة سراج الدين) و قد مضت ترجمة هذا الشيخ في هذا الكتاب و هو من علماء الإجازة، و الكثيرون يفتخرون في الأخذ عنه فلا إبهام في النسبة .. و إن عدمت الصراحة في النصوص التاريخية .. و يقوي هذا مكانة ابنه المترجم و مهما يكن فلا يبعد أن نجد ما يؤيد رأينا هذا فيما يظهر من الوثائق و المخلدات التاريخية ...

و للتعرف بمنزلة الرجل ننقل نص ابن بطوطة فيه قال:

«لقيت بهذا المسجد- جامع الخليفة- الشيخ الإمام، العالم، الصالح، مسند العراق سراج الدين، أبا حفص عمر بن علي بن عمر القزويني، و سمعت عليه فيه جميع مسند أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن فضل بن بهرام الدارمي و ذلك في شهر رجب الفرد عام 727 ه ... الخ» ا ه (1).

و في هذا ما يعين أنه اشتغل بالتدريس بعد هذا لمدة 23 سنة.

و أمد مثابرته على الإفادة مما زاد في احترامه و الاعتقاد في علمه و مكانته في القلوب‏ (2) ...

____________

(1) تحفة النظار ج 1 ص 135.

(2) جاء في ابن قاضي شهبة عند الكلام على وفاة محمد بن عمر بن علي بن عمر الشيخ العالم الرئيس محب الدين ابن الشيخ العلامة سراج الدين الحسيني القزويني شيخ بغداد و مسندها و إمام جامع الخليفة المتوفى سنة 775 ه أنه كان قد-

181

و كان قد عمر هذا الجامع الوزير حسن باشا سنة 1131 ه. و قال المرحوم شكري الآلوسي في مساجد بغداد إن الشيخ سراج الدين هذا من رجال الصوفية و له ذكر في تاريخ أولياء بغداد، و التفصيل هناك‏ (1).

حوادث سنة 784 ه- 1382 م‏

قتلة السلطان حسين: (ترجمته)

في عجائب المقدور كان قتل السلطان غياث الدين حسين في جمادى الآخرة من سنة 783 ه و في الانباء ذكر هذا الحادث في تلك السنة و قال: و قيل في ربيع الآخر من السنة التي بعدها (سنة 784 ه) و ترجمه في المواطنين و في حبيب السير كانت قتلته بتاريخ 15 صفر سنة 784 و مثله في الغياثي دون تعيين الشهر. و سبب قتله أنه اغتاله أخوه أحمد و كان استنابه السلطان على البصرة، و توجه إلى تبريز فمالأ الأمراء عليه حتى قتل و استقل أحمد بالسلطنة ... و كانت هذه المواطأة بإشارة الشيخ الكحجاني ... كانت في نتيجة النزاع مع إخوته ... فالسلطان أحمد يبدي أنه لم يطق الصبر على هذه الحالة من الاضطراب و التشوش و انحلال الأمور فنهض لطلب الحكم و خرج من تبريز فجمع له جيشا و عزم على اكتساح تبريز و الاستيلاء عليها فقتل السلطان و قيد شمس الدين زكريا و الخواجة جمال الدين‏ (2) ..

____________

- توفي في حدود الستين و دفن بتربة جده بالزرادين بباب الأزج. قاله الصديق الأستاذ مصطفى جواد و بين أن مقبرة الزرادين هي في محلة الصدرية و أقول المقبرة كانت مشهورة و قد رأينا و شاهدنا القبور فيها و كانت بالنظر لوصفها متصلة ... و في هذا النص ما يعين التربة و أنها اتخذت جامعا و إن لم نكن نقطع في تاريخ بناء هذا الجامع ...

(1) تاريخ مساجد بغداد ص 41.

(2) حبيب السير ج 3.

182

و جاء في ابن خلدون أن السلطان حسين لما رجع من بغداد إلى توريز (تبريز) عكف على لذاته و شغل بلهوه و استوحش منه أخوه أحمد فلحق بأردبيل و بها الشيخ صدر الدين (الصفوي) و اجتمع إليه من العساكر ثلاثة آلاف أو يزيدون فسار إلى توريز و طرقها على حين غفلة فملكها و اختفى حسين أياما ثم قبض عليه أحمد و قتله‏ (1) ...

و قد كثرت الأقاويل في السلطان حسين بين مادح له و ذام، و أكثر المؤرخين كانوا يميلون إلى مدحه و الثناء عليه و لعل الذم كان موجها من جانب خصومه المنتصرين عليه مما دعا إلى تقولات كهذه ... و قد قيل «و لأم المخطى‏ء الهبل» و إلا فهذا صاحب الأنباء نعته بقوله كان شجاعا شهما؛ حسن السياسة، قتل غيلة ... و في عجائب المقدور:

«هو جلال الدين حسين، أفاض على رعيته فضله و إحسانه، و كان كريم الشمائل، جسيم الفضائل، وافر الشهامة، ظاهر الكرامة، أراد أن يمشي على سنن والده، و يحيي مآثره من رسوم آثاره و معاهده فخذلته الأقدار، و خالفت صفو مساعيه الأكدار». ا ه (2).

و في هذا مخالفة لما جاء في النصوص الأخرى. و جل ما نعلمه عن خلفه السلطان أحمد يشير إلى خرق و شراسة و ذم من مؤرخين لا يحصون ...

و على كل كان السلطان حسين قد ولي الحكومة عام 776 ه و قد أسلفنا البحث عما وقع في أيامه من الاضطراب و انتقاض الأمراء عليه.

قالوا هو مولع باللهو و اللعب غافل عن تدبير المملكة، و بلغ به من حب النساء أن صار يتزيا بزيهن و يدخل الولائم و الأعراس فيما بينهن و لم‏

____________

(1) تاريخ ابن خلدون ج 5 ص 553.

(2) عجائب المقدور ص 46.

183

يعلموا به و مما يحكى عن هؤلاء الأمراء أنهم شكوا ذلك إلى وزيره الأمير زكريا فقال لهم الوزير اشكروا اللّه الذي بلاكم بمن يجعل القناع على رأسه و لم يبتلكم بمن يضع القناع على رؤوسكم فقام عليه رجاله و عصوا عليه فاستعان عليهم بعادل آغا الذي استولى على عراق العجم ... هذا ما دعا أن دبر مناوئوه و في مقدمتهم الشيخ علي أخوه قتلة الأمير إسماعيل و قيام الشيخ علي الشهزاده مكانه في منصب بغداد فارتبك أمر السلطان حسين من جراء هذا الحادث فركن إلى عادل آغا فأمده و تقدم نحو بغداد فلما وصلها فر الشيخ علي من وجهه و مضى إلى دسبول و تستر و استقر السلطان حسين في حكومة بغداد و لما كان غير مدبر و لا ناظر لأمور الرعية بعقل و حكمة تكاثر ظلمة و زاد عتوه في بغداد ... فاجتمع الأهلون عليه و اتفقوا على معارضته و قتاله و دعوا الشيخ عليا الشهزاده ليجعلوه حاكما عليهم فوافى إليهم و ولي حكومة بغداد. و حينئذ التجأ السلطان مرة أخرى إلى عادل آغا فظهر عليه أخوه الآخر أيضا و هو السلطان أحمد فقضى على السلطان حسين المذكور و قتله.

و لم يكن له من الأولاد سوى بنت يقال لها دوندي سلطان و هذه غير دوندي بنت دلشاد المذكورة في هذا الكتاب و سيأتي لها من الحوادث ما له علاقة بالعراق ...

وفيات‏

1- الوزير شمس الدين زكريا:

إن قتلة السلطان غطت على ما جرى على الخواجة شمس الدين زكريا بن حسن الدامغاني البغدادي صهر الخواجة الوزير غياث الدين محمد بن رشيد الدين فضل الله الوزير و ابن أخته فلم نعد ندري ما حل‏

184

محراب جامع الشيخ سراج الدين- دار الآثار العراقية

185

الجبهة الأمامية لجامع سيد سلطان علي- دار الآثار العراقية

186

به و المعروف أن السلطان أحمد قتل الأمراء. و لذا انقطع بأنه قتله.

و هذا نال الوزارة أيام الشيخ حسن سنة 737 ه و كان انتخابه لمحض التأثير و الاستفادة من شهرة الخواجة غياث الدين محمد و قد مدحه الخواجة سلمان الساوجي بقصائد كثيرة مدونة في مواطن من ديوانه ثم إنه اعتزل و نالها مرة أخرى سنة 757 ه أيام السلطان أويس و كان هذا الوزير لا يزال حيا بعد قتلة ابنه الأمير إسماعيل و الملك حسين و كان محترما لدى هذه الحكومة و لمحض هذا الاحترام نال أخوه نجيب الدين الإمارة و أما إسماعيل ابنه فإنه نال الوزارة و حكومة بغداد (1) و في دستور الوزراء «تصرف- الشيخ حسن الكبير- بممالك العراق .. و جعل الخواجة شمس الدين زكريا .. لمنصب الوزارة، و بقي في منصبه في جميع أيام دولته و في أيام أولاده (أويس و حسين) و في عهده اختار العدل و الإنصاف و العلم حتى وفاته .. فكان له الذكر الجميل» ا ه (2).

و باقي ما ذكره لا يختلف عن النص السابق و قد مر من البيان ما يبصر بحياته ... و نرجح أنه توفي أو قتل في هذه السنة فقد طوي ذكره بعد حادث السلطان حسين و بعد القبض عليه و تقييده بالوجه المار ...

و المعروف أن السلطان أحمد من حين ولي أوجس خيفة من الأمراء فقتل جماعة منهم .. فلا يبعد أن يكون الوزير أحدهم ...

2- محمد بن عرب الهيتي:

في هذه السنة (784 ه) توفي محمد بن عرب الهيتي الحسني الحنفي العراقي نزيل حماة كان فصيح اللسان؛ عزيز الأخلاق، وصل من العراق إلى سلمية فاتفق توجه قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم‏

____________

(1) سلمان ساوجي تأليف رشيد ياسمي و الأنباء ج 1 و ديوان ساوجي المطبوع في الهند.

(2) دستور الوزراء ص 318.

187

البارزي إليها فأعجب به فذهب إلى حماة و قرره مشغلا في علم العربية بالجامع الكبير، و النوري بحماة، و انتفع به جماعة. فإن تقريره كان سهلا، سريع المأخذ، توفي في الطاعون‏ (1).

حوادث سنة 785 ه- 1383 م‏

حرب السلطان أحمد و الشيخ علي:

كان السلطان أحمد بعد قتلة أخيه أعلن سلطنته مستقلا فكان كما وصفه صاحب حبيب السير سفاكا، رديئا للغاية، لا يستقر على حالة ...

و إنما يلتمس الشغب و يتحرى التشويش دائما، و كان قاسي القلب، قليل الرحمة، شديدا و جاهلا، و له ولع بالموسيقى ... قال الغياثي: «و لما قتل أخاه السلطان حسينا استشعر بالخوف من الأمراء و الأكابر الذين قتلوا أخاه. فقبض على بعضهم و قتلهم فنفرت قلوب باقي الأمراء منه و جاؤوا إلى بغداد و أقاموا الشهزاده الشيخ عليا سلطانا و توجهوا به إلى تبريز (2) ... و زاد في حبيب السير: أنه تواترت الأخبار في أن الشهزاده الشيخ عليا و پير علي باوك بإغراء من عادل آغا عزموا على حرب السلطان أحمد فسارع السلطان أحمد للملاقاة و الحرب و تصادموا عند السبعة أنهار (هفت رود)، و إن عمر قپچاق قد انفصل أثناء المعركة من السلطان أحمد و التجأ إلى الشيخ علي فاضطرب أمر السلطان فوقعت المغلوبية عليه و هرب من طريق خوي إلى نخچوان‏ (3) و التحق بقرا محمد بن تورميش (والد قرا يوسف) صاحب الموصل و كان السلطان قد تزوج بنته فاستمده و هذا اشترط شروطا وافقه السلطان أحمد عليها منها أنه ليس له أن يتقدم‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 84.

(2) ص 187.

(3) بلد بأقصى آذربيجان و اسمه القديم «نشوى» و يعرف بين العامة بنخجوان أو نقجوان «مراصد الاطلاع و المعجم».

188

إذا رأى النصر دون أمر منه، و أنه إذا فتح عليهم تكون الغنائم خالصة لهم فلا يطمع فيها ... فوافق السلطان أحمد ... و حينئذ رتب قرا محمد جيشا و نظمه كما يريد و قصد الشيخ علي فحدثت المعركة بين الفريقين، و في هذه المعركة قتل الشيخ علي أصابه سهم و غنم التركمان غنائم وفيرة جدا و كذا قتل پير علي باوك و إن السلطان أحمد أرسل رأسه إلى عادل آغا ليظهر له نتيجة أعماله .. و من ثم ذهب السلطان إلى تبريز ... و في الغياثي أنه قبل الحرب راسل خضر شاه بن سليمان شاه السلطان أحمد و كان أجل أمراء بغداد فانهزم خضر شاه و أصيب الشيخ علي بسهم فحمل إلى أخيه السلطان أحمد و به رمق فمات و ذلك عام 786 ه ... و تقرر الملك للسلطان أحمد .. و في هذا إيضاح يوافق ما جاء في ابن خلدون ...

و جاء في الأنباء في حوادث سنة 786 ه أن شيخ علي شاه زاده .. كان من جملة الأمراء فلما قتل أحمد بن أويس أخاه حسينا في سنة 784 ه قبض على أمراء الدولة فقتلهم و أقام أولادهم في وظائفهم فنفرت منه قلوب الرعية و تمالأوا عليه و أقاموا أخاه هذا سلطانا و توجهوا به من بغداد إلى تبريز فالتقاهم بمن معه و معه قرا محمد بن بيرم خجا (بيرام خواجة) صاحب الموصل و هو صهره كانت بنته تحت أحمد فالتقى بمقدمة القوم فراسله خضر شاه بن سليمان شاه الإسلامي و كان أجل أمراء بغداد فانهزم خضر شاه و أصيب شاه زاده (الشهزاده علي) بسهم و حمل إلى أخيه و به رمق فمات» ا ه.

أما صاحب حبيب السير فإنه يعين الحادث في سنة 795 (1).

ترجمة السلطان علي:

في أواخر أيام السلطان أويس أرسل الشيخ علي الشهزاده- إثر

____________

(1) حبيب السير ج 3 ص 84.

189

الغرق ببغداد- مع الوالي الأمير إسماعيل فكان أمير البلد إلا أنه رأى استبدادا من الأمير إسماعيل فاغتاله و أعلن ولايته على بغداد و بعد وفاة السلطان أويس استمر في ولايته ... و لما قتل الأمير إسماعيل بل بعد ذلك بمدة سار السلطان حسين من تبريز إلى بغداد فانهزم الشيخ علي ثم عاد بالوجه المار ... و لما تسلطن السلطان أحمد مال الأمراء المخالفون إليه و شوقوا الشيخ عليا لمقارعة أخيه فكانت النتيجة أن قتل في المعركة ... فكانت مدة حكمه ببغداد تقرب من عشر سنوات و ترك ابنا اسمه شاه ولد.

جامع سيد سلطان علي:

مر بنا من الحوادث ما يبصر بقتلة الشيخ علي و الكتب التاريخية لم تذكر أعماله التي قام بها ببغداد و مآثره فيها و لا يعلم بالتحقيق تاريخ بناء هذا الجامع إلا أنه يصادف العصر الذي بني فيه جامع مرجان و النظر إلى مأذنة كل منهما تجعلنا نقطع بأن البناء متقارب في الزمان إن لم يكن مماثلا ... و مأذنة جامع النعماني المذكور لا تختلف عنهما. على كل هذا الجامع من بناء هذه الحكومة و الظاهر أنه بني لمناسبة وفاة و قد ضاعت عنا الأخبار الخاصة و لم يدون إلا ما يتعلق بالحروب و السياسة العامة و قد ذكر الأستاذ المرحوم الحاج علي علاء الدين الآلوسي في تعليقة له على كتاب كلشن خلفا عند ذكر قتلة الشيخ علي ما نصه:

«و الظاهر أن شيخ علي هذا هو المنسوب إليه جامع السيد سلطان علي فإنه ولي بغداد و توفي فيها و موضع الجامع في مرافق دار الخلافة العباسية و هو الأنسب بالسلاطين و أما ما يقال من أنه الرفاعي فذلك من الموضوعات» ا ه (1).

____________

(1) حاشية كلشن خلفا ص 50.

190

و يؤيد هذا النص ما ذكر من الاستدلال السابق ... و أن الشيخ علي أعلن نفسه سلطانا في بغداد و كان حكمها مدة و لعل اللفظ المشهور أصله (سيدي السلطان علي) فخفف بالوجه الشائع (سيد سلطان علي) و على كل نبدي ملاحظتنا و لا يبعد أن يظهر نص يعين الباني ...

أما الأستاذ المرحوم شكري الآلوسي فقد قال هو من مساجد بغداد القديمة مطل على دجلة من نهر المعلى المعروف موضعه اليوم بمحلة سبع أبكار أو المربعة و قد جدد عمارته السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1310 ه (1).

و أقول كانت الكتابة على باب هذا الجامع بخط عثمان ياور (2) و منارته من بناء عصر الجلايرية و قد هدمت في هذه الأيام أي سنة 1353 ه.

أحوال بغداد- طورسون:

أما أهل بغداد فإنهم بعد قتلة الشيخ علي أرسلوا خبرا إلى عادل آغا بأن يبعث معتمدا ليحكم بغداد دار السلام فأجاب الطلب و أرسل الأمير تورسن (طورسون) (3) و هو من الأمراء و ابن خالة عادل آغا ليتولى إدارة بغداد و نصب قوام الدين النجفي ليقوم بوزارة بغداد ... و لما وصل الأمير طورسون إلى بغداد استقبله عبد الملك التمغاتي الذي كانت بيده‏

____________

(1) تاريخ مساجد بغداد ص 41.

(2) خطاط معروف من تلاميذ الخطاط الشهير سامي بك و له مخطوطات على الكاشي في مشهد الإمام الأعظم و الشيخ معروف الكرخي و ألواح خطية في هذه المشاهد دعاه الحاج حسن باشا والي بغداد أيام ولايته و في أواخر أيامه عاد إلى استانبول فتوفي هناك ...

(3) جاء في ابن خلدون ج 5 ص 554 بلفظ- برسق- و تكرر مرارا و ليس بصحيح و إنما الصحيح ما ذكرنا نقلا عن حبيب السير و قد تكرر منه مرارا و أساسا إن هذا الاسم لا يزال معروفا إلى اليوم و ينطق به عندنا- طورسون- فالترك يسمون به و إن صاحب كلشن خلفا ذكره بهذا اللفظ ورقة 50- 1.

191

أزمة الأمور و جاء معه الذين كانوا قد قتلوا الأمير إسماعيل فأمر حالا بقتل هؤلاء و استولى على ما بأيديهم من أموال و تقدر بعشرة آلاف تومان و كثر النهب و السلب و اضطرمت نيران الفتن و أرسلت المبالغ المذكورة إلى عادل آغا ... و في هذا السبيل جرى ما جرى مما لا يكاد يحصيه قلم .. فانتهكت حرمات و استبيحت أموال‏ (1).

السلطان أحمد و بغداد:

جاءت الأخبار إلى تبريز فعلم السلطان أحمد بكل تفاصيلها ..

و حينئذ سار توا و على وجه الاستعجال إلى بغداد و أن السلطان في هذه الأثناء ورد إليه شاه منصور من آل مظفر فارا من حبس القلعة و اتصل به ... أما طورسون فإنه حينما علم بورود السلطان و توجهه إلى بغداد فر منها و ذهب من طريق بعقوبة فاقتفى بعض الرجال أثره و ألقي القبض عليه فأمر السلطان بقتله و قتل قوام الدين النجفي و قتل بعض من أوجس منهم خيفة و أعاد الشاه منصور إلى حاكمية تستر كما كان سابقا و قضى السلطان الشتاء في بغداد و في موسم الربيع من سنة 785 ه نصب الخواجة يحيى السمناني حاكما على بغداد و عاد هو إلى تبريز (2) ...

و قد وردت هذه الوقعة في ابن خلدون بما نصه:

«ثم سار أحمد إلى بغداد و قد كان استبدّ بها بعد مهلك الشيخ علي الخواجة عبد الملك (التمغاتي) من صنائعهم بدعوة أحمد ثم قام الأمير عادل في السلطانية بدعوة أبي يزيد (أخي السلطان أحمد) و بعث إلى بغداد قائدا اسمه برسق (صحيحه تورسون) ليقيم بها دعوته فأطاعه عبد الملك و أدخله إلى بغداد ثم قتله برسق (تورسون) ثاني يوم دخوله و اضطرب البلد شهرا ثم وصل أحمد من توريز (تبريز) و خرج برسق‏

____________

(1) حبيب السير.

(2) حبيب السير ج 3 ص 84 و روضة الصفا ج 5 ص 75.

192

(تورسون) القائد لمدافعته فانهزم و جي‏ء به إلى أحمد أسيرا فحبسه ثم قتله و قتل عادل بعد ذلك و كفي أحمد شره و انتظمت في ملكه توريز (تبريز) و بغداد و تستر و السلطانية و ما إليها و استوثق أمره فيها ثم انتقض عليه أهل دولته سنة 786 ه ...» ا ه (1).

ملحوظة: كان أبو يزيد ابن السلطان أويس مع الأمير عادل قد مالا إلى شاه شجاع و بالمفاوضة و المخابرات السياسية تمكن السلطان أحمد من استعادة أخيه أبي يزيد إليه إلى بغداد و أمنه فأعيد كما أن عادل آغا انتهز فرصة مجي‏ء تيمور لنك فذهب إليه و جعله حاكما على تبريز ثم قتله ...

و كان عادل آغا ممن انتقض عليه من أهل دولته بالوجه الذي ذكره ابن خلدون ... و سيجي‏ء البحث عن ذلك.

الركب العراقي‏

و فيها- سنة 785 ه- أخبر جماعة من الركب العراقي وصلوا إلى مكة أنه كان قد تجهز ركب كبير من شيراز و البصرة و الحسا فخرج عليهم قريش ابن أخي زامل و معه ثمانية آلاف نفس و كل معهم أموال كثيرة لؤلؤ و جوهر و ذهب و فضة فنهب جميع ما معهم و قتل منهم خلقا و من سلم رد إلى بلاده ماشيا عريانا و بعضهم حضر إلى مكة صحبة الركب العراقي على الصفة المذكورة. و أما ركب العراقيين فلم يمكنهم قريش من السفر حتى جمعوا له عشرين ألف دينار حسابا عن كل حمل خمسة دنانير ذكر ذلك ابن قاضي شهبة و مثله المقريزي في السلوك و أن مبشيري الحاج المصري هم المخبرون بذلك. بين ذلك كله الصديق الأستاذ مصطفى جواد و قال: قريش هذا ابن أخي زامل بن عيسى بن عمر بن مهنا من آل فضل الطائي و ورد أيضا زامل بن موسى بن عساف (عيسى).

____________

(1) ج 5 ص 54.

193

الكتابة فوق مدخل مرقد سيد سلطان علي- دار الآثار العراقية

194

محراب و منبر جامع سيد سلطان علي- دار الآثار العراقية

195

وفيات‏

1- عبد اللّه بن خليل الأسداباذي:

هو جلال الدين البسطامي نزيل بيت المقدس، ولد ببغداد و صحب الشيخ علاء الدين العسفي البسطامي لما قدم من خراسان فلازمه و سلك طريقه و صحبه إلى الشام ثم إلى بيت المقدس و ترك ما كان فيه ببغداد و كان قد قرأ و اشتغل و أعاد بالمدرسة السلطانية للشافعية فترك وظائفه و وقف كتبه على الطلبة و استمرت إقامته ببيت المقدس مقبلا على أنواع المجاهدة و الرياضة و له رسالة معروفة فيها آداب حسنة و كانت وفاته في المحرم سنة 785 ه (1).

مدرسة الخواجة مسعود بن سديد الدولة و عمارته:

إن الخواجة مسعود بن سديد الدولة كان من أكابر بغداد فأسس مدرسة و أسواقا (عمارة) في غاية الحسن جعلها وقفا على المذاهب الأربعة على صفة المستنصرية و وقف عليها الأوقاف الكثيرة و الخطوط التي على جدران المدرسة بيده و دار الكتب أكثرها بخط يده و كان يكتب خطا حسنا و كتب اسمه على جدران المدرسة بهذه العبارة «و كتبه مسعود ابن منصور بن أبي الهارون نسبا الشافعي مذهبا» و كان يتصل بهارون أخي موسى بن عمران و كان أبوه يلقب سديد الدولة و كان دينه القديم اليهودية و له جاه عند السلاطين ثم أسلم ...

و لما مات سديد الدولة عن مال كثير ورثه ولداه داود و مسعود ثم مات داود و استولى مسعود على الجميع ثم اقتضى رأيه أن يعمر هذه المدرسة فابتدأ بعمارتها في أيام السلطان أويس و انتهت في أيام السلطان‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 259.

196

أحمد و لما تمت استدعى السلطان لينظرها و فرشوا تحت أرجله الديباج من مسافة ثلاثمائة ذراع و الخواجة بهادر مملوك الخواجة مسعود على كتفه قربة السقاء مملوءة من الدراهم ينثرها تحت أرجله و أما باقي الولائم و التقاديم فلا يحصى شرحها و لم يكن الخواجة مسعود وزيرا و إنما كان من أعيان البلد ...

و قال بعض الشعراء من جملة قصيدة يمدح بها الخواجة و يصف المدرسة:

و للقراءات في الأسحار هينمة* * * كالورق ما بين تسجيع و تغريد

أضحت مزامير داود و لا عجب‏* * * أن المزامير تتلى عند داود

يشير إلى أن المدفون في المدرسة هو داود (1) ...

اليهود في هذا العصر:

قد مضى القول في المجلد الأول عن اليهود و عن سديد الدولة و ما حصل عليه من المكانة. و لكن لم يذكر عن إسلام أولاده أثناء بيان الحوادث و لعل الوقائع الماضية لها دخل في قبول الإسلامية، و إن الثراء وصل إليه من تلك السلطة أو المكانة التي حصلوا عليها ..

إن تلك الحوادث التي جرت على اليهود بعد أن نالوا المنزلة الكبيرة في الدولة أخفتت صوتهم و لم نسمع عنهم ما يستحق الذكر لعدم العلاقة بمصالح الحكومة و التدخل في سياستها فأهملوا و لم يظهر لهم صوت إلا بعد أزمان طويلة سنعرض لذكرها في حينها.

____________

(1) تاريخ الغياثي ص 185.

197

حوادث سنة 786 ه- 1384 م‏

الانتقاض على السلطان أحمد- خروج تيمور لنك:

في سنة 784 ه ظهر الأمير تيمور لنك بمظهر الفاتح العظيم في تركستان و بخارى و سائر بلاد ما وراء النهر و خرج في جموع من المغول و التتر و ساقها نحو خراسان و دامت حروبه إلى عام 787 ه.

و كان في أيام خروج تيمور لنك من وراء النهر انتقض على السلطان أحمد أهل دولته عام 786 ه و سار بعضهم و هو الأمير عادل آغا إلى السلطان تيمور فاستصرخه فأجاب صريخه و بعث بالعسكر معه على تبريز فأجفل عنها السلطان أحمد إلى بغداد و استبد بها ذلك الثائر و عاث تيمور لنك في تبريز و آذربيجان و خربها و جاء إلى أصفهان و طلائعه وافت تخوم العراق فأرجف الناس منه و أعاد إلى الذاكرة وقائع جنكيز و أولاده و كانت حروبه بآذربيجان مع التركمان سجالا ثم تأخر إلى ناحية أصفهان و جاءه الخبر بظهور خارج عليه و هو قمر الدين فعاد إلى مملكته عام 787 ه و خفي خبره إلى سنة 795 ه ... و انفرد السلطان أحمد ببغداد و أقام بها (1) ...

و قد ذكر في الحديث عن أولية تيمور من هذا الكتاب و موضح أيضا في الضوء اللامع ... (2).

وفيات‏

1- محمد بن مكي العراقي:

توفي في هذه السنة محمد بن مكي العراقي كان عارفا بالأصول‏

____________

(1) ابن خلدون ج 5 ص 554.

(2) الضوء اللامع ج 1 ص 52.

198

و العربية فشهد عليه بدمشق بانحلال العقيدة و اعتقاد مذهب النصيرية و استحلال الخمر الصرف و غير ذلك فضربت عنقه بدمشق في جمادى الأولى و ضربت عنق رفيقه عرفة بطرابلس و كان على معتقده» (1).

2- الشيخ شمس الدين الكرماني:

الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني الشافعي نزيل بغداد ولد في 16 جمادى الآخرة سنة 717 ه و اشتغل بالعلم فأخذ عن والده ثم حمل عن القاضي عضد الدين و لازمه اثنتي عشرة سنة و أخذ عن غيره، ثم طاف البلاد و دخل مصر و الشام و الحجاز و العراق، ثم استوطن بغداد و تصدى لنشر العلم بها نحو ثلاثين سنة و كان مقبلا على شأنه معرضا عن أبناء الدينا. قال ولده الشيخ تقي الدين يحيى: كان متواضعا بارا لأهل العلم و سقط من علية فكان لا يمشي إلا على عصا منذ كان ابن أربع و ثلاثين سنة. قال ابن حجي:

صنف شرحا حافلا على المختصر، و شرحا مشهورا على البخاري و غير ذلك و حج غير مرة و سمع بالحرمين و دمشق و القاهرة، و ذكر أنه سمع بجامع الأزهر على ناصر الدين الفارقي، و ذكر الشيخ ناصر الدين العراقي أنه اجتمع به في الحجاز و كان شريف النفس مقبلا على شأنه، و شرح البخاري بالطائف و هو مجاور بمكة و أكمله ببغداد، و توفي راجعا من مكة بمنزلة تعرف بروض مهنا في سادس عشر المحرم و نقل إلى بغداد فدفن بها و كان اتخذ لنفسه قبرا بجوار الشيخ أبي إسحق الشيرازي و بنيت عليه قبة، و مات عن تسع و ستين سنة (2).

____________

(1) الشذرات ج 6 و الأنباء ج 1، في حوادث هذه السنة و سنة 781 ه.

(2) الشذرات ج 6. و الدرر الكامنة ج 4 ص 310، و الأنباء في حوادث هذه السنة.

199

طاق كسرى‏

200

النصيرية

هؤلاء من الغلاة القائلين بإلهية الإمام علي، و هم لم ينقطعوا من العراق، و لا يزالون إلى اليوم و يعرفون ب (النصيرية) و أسماء أخرى، يخفون عقائدهم و يتكتمون كثيرا. و يظن لأول وهلة أنهم مسلمون، و يظهرون أحيانا الشعائر الإسلامية خوفا، فلا يبعد أن يقوم بعضهم مثل المترجم المذكور أعلاه فيجاهر بمعتقده فيفتضح أمره، و يناله ما يناله ..

و الروح الإسلامية لا تزال شديدة و قوية في هذا العصر، لا تسمح لأحد بمخالفة أساساتها بعقيدة زائغة ... و قد اتفقت الفرق الإسلامية بأن هؤلاء خارجون عن الملة ..

و ليس من موضوعنا التعرض لأكثر من بيان تلخيص في معرفة تطور هذه العقيدة و هي منتشرة في أنحاء العراق المختلفة .. و من المؤسف أن لم نعثر لهم على مؤلفات واضحة و صريحة تعين معتقدهم تفصيلا ..

و لكن العلماء بحثوا و ذكروا بعض معتقداتهم. و من أوضح أساسات عقائدهم الاعتقاد (بعبادة الأشخاص) و أهمها الاعتقاد بإلهية الإمام علي و أولاده ... و اشتهروا باسم (النصيرية). و (العلي اللهية)، و (المشعشعين)، و (القزلباشية)، و (الشبك) و غيرهم ... و من عقائدهم التناسخ و الحلول أو الاتحاد.

و نذكر بعض النصوص الخاصة بالنصيرية و بالعلي اللهية لنتبين أن المعتقدات الأخرى لا تفترق إلا بالأسماء .. و هذا ما قاله السمعاني:

«النصيرية ... نسبة لطائفة من غلاة الشيعة يقال لهم النصيرية ...

ينتسبون إلى رجل اسمه نصير و كان في جماعة قريب من 17 نفسا، و كانوا يزعمون أن عليا هو اللّه. كان زمن علي فحذرهم، و قال: إن لم ترجعوا عن هذا القول؛ و تجددوا إسلامكم عاقبتكم عقوبة ما سمع مثلها في الإسلام، ثم أمر بأخدود، حفر في رحبة جامع الكوفة فأشعل فيه‏

201

النار، و أمرهم بالرجوع فما رجعوا، فأمر غلامه قنبرا حتى ألقاهم في النار فهرب واحد من الجماعة اسمه نصير و اشتهر هذا الكفر منه ..

و هذه الطائفة بالحديثة (بلدة على الفرات). سمعت الشريف عمر بن إبراهيم الحسيني شيخ الزيدية بالكوفة يقول: لما انصرفت من الشام رحلت إلى الحديثة مجتازا فسألوني عن اسمي فقلت عمر فأرادوا أن يقتلوني لأن اسمي عمر حتى قلت إني علوي، و إني كوفي فتخلصت منهم و إلا كادوا يقتلونني ...» ا ه (1).

و حديثة هذه تسمى حديثة الفرات و حديثة النورة (2) و الآن ليس فيها نصيرية. و إنما المعروف أنهم لا يزالون في عانة في محلة الحقون ..

و يحكي أهل عانة القصص الغريبة عنهم سواء في إظهار شعائر الإسلام، أو في الأمور الخفية التي يتعاطون العبادات أو الاجتماعات فيها ..

و عندهم سر (عمس) لا يحلفون به كذبا و يقصدون بالعين (عليا)، و بالميم (محمدا)، و بالسين (سلمان الفارسي) ... و يتقول عليهم المجاورون بعض الأمور مثل قولهم «يا أبا السعود يا أبا السعود منك خرجنا و إليك نعود» فيزعمون أنهم يجردون بنتا يخاطبون فرجها بما ذكر .. و يعزون إليهم حادث الكفيشة أو الكفشة و تنسب أيضا إلى كثيرين من أمثال هذه الطائفة بسبب التكتم من اتخاذ ليلة ساهرة تطفأ فيها الشموع و يتصل رجالهم بنسائهم و يكذبها الواقع فلا يعتمد على هكذا إشاعات ... و قد نقلت هذه العادة قديما و ألصقت ببعض طوائف الغلاة كما نقل صاحب (الفرق بين الفرق) عن طائفة البابكية في جبلهم قال:

«للبابكية في جبلهم ليلة عيد لهم يجتمعون فيها على الخمر و الزمر و تختلط فيها رجالهم و نساؤهم فإذا أطفئت سرجهم و نيرانهم افتض فيها

____________

(1) كتاب الأنساب، السمعاني ص 562- 2.

(2) معجم البلدان في مادة حديثة.

202

الرجال النساء ..» ا ه (1) و يقصدون من ذلك أن هؤلاء إباحية ..

و المعروف في أمثلة كثيرة أنهم يعتقدون بالتناسخ و يسبون الصحابة الكرام .. و في كتاب الفرق: و تولوا عبد الرحمن بن ملجم .. و قالوا خلص روح اللاهوت من الجسد البراني .. (2) و الصارلية على هذا الاعتقاد.

و قد اشتهرت هذه الطائفة بواسط أيضا، و منها اشتق المشعشعون على ما يظهر .. و نظرا لعلاقة البحث سأذكر المراجع الخاصة في هذه العقيدة عند الكلام على المشعشعين لأن هؤلاء النصيرية لم يحافظوا على اسمهم بل تسموا بأسماء أخرى ففي غير العرب يقال لهم بصورة عامة (النيازية) (أصحاب النذور) لا يقيمون (شعائر الإسلام)، و لا يقصون شواربهم. و لهم مواسم معينة لإجراء النذور و ينعتون سائر المسلمين ب (النمازية) أي أهل الصلاة. و اللفظة فارسية و هي (نماز) يراد بها الصلاة .. و يعين هذه العقيدة المكتومة- عقيدة العلي اللهية- ما جاء في (دبستان مذاهب) فإنه عمدة في تدوين كثير من العقائد أمثالها قال:

«عقائد العلي اللهية: في جبال المشرق بالقرب من الخطا موطن يدعى (أرنيل) و أحيانا يسمى (رمال) و يقال لملكه (باب) فأهل هذا الموطن يقولون: من المعلوم لمن تبحر في حقائق الأمور و أدرك دقائقها أن لا مجال للتقارب بين السفليين و العلويين، و لا صلة للخلقة بين العنصريين و الملكوتيين، و أن الرابطة بين الزمانيين و اللازمانيين مفقودة، كما لا علاقة بين المكانيين و اللامكانيين .. و هم جميعا مع كل ذلك مكلفون بحكم العقل و الشرع بمعرفة اللّه تعالى، و الملائكة العلويون،

____________

(1) «كتاب الفرق بين الفرق ص 252».

(2) كتاب الفرق مخطوط عندي نسخة منه و غالبه في طائفة الإسماعيلية يتكلم عليها بسعة و ينقل من مؤلفات أصحابها فهو مفيد للتعريف بهذه الطائفة ...

203

و الأنبياء السفليون لا قدرة لهم و لا طريق إلى معرفة اللّه تعالى على حد «ما عرفناك حق معرفتك»».

ذلك ما دعا أن يهبط تعالى من المرتبة الصرفية و درجة البحتية و الإطلاق .. ففي كل عصر و دور بمقتضى فرط لطفه يتصل بجسم من الأجسام ليبصره عباده فيمتثلوا أوامره عن معرفة فيصغوا إليها و يعملوا بموجبها ...

و قد ورد في هذا الشأن آيات و أحاديث تتعلق بالرؤية و فيها إشارة واضحة إلى ذلك. فعليه و لما كان ظهور الروحاني في صورة جسمانية أمر ممكن و قد سلم العقلاء بذلك و جاء في الأخبار عند المسلمين و تقرر أن المجرد يتيسر تمثيله فجبرائيل (عليه السّلام) ظهر بصورة دحية الكلبي. و كذلك تظهر الجن و الشياطين بصور البشر، فمن الأولى أن يبدو القادر المتعال للخلق بهذا التجلي، و هكذا أفراد الناس لا يستغنون عن الاستعانة بغيرهم ...

و هذه الطائفة نظرا لتلك القاعدة المتفق عليها تقول بأنه يجب أن لا يدوم ظلم و أن ينتظم العالم و يمضي بمقتضى قوانين ثابتة و سنن دائمة، و هذا لا يمكن أن يقوم به أحد سوى اللّه تعالى .. و على هذا قضت حكمته و إرادته أن يظهر بمظهر البشر إنفاذا لأوامره فيضع لهم الشرائع لترتيب الأمور و تنظيمها .. و العقل و النقل يؤديان إلى أنه لم يكن هناك في دور الشمس و القمر من توفرت فيه الشرائط للقيام بهذه المهمة سوى علي المرتضى ...

و الحق أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذي كان أعلم بكثير من سائر الأنبياء و اجتمعت فيه كافة الصفات الحميدة التي اتصف بها الأنبياء قبله مما دعا أرباب العقول أن يروه يخرج من الجنة و يحل جسم أبي البشر فيشاهدوه بصورة آدم، و تارة يجدونه مجسما بهيئة نوح فيصنع الفلك، و أحيانا يبصرونه في شكل إبراهيم يلعب بالنار، و ينظرونه في لباس الكليم ناطقا

204

لهم. و مما يؤيد ذلك قول (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، و (أن اللّه خلق آدم على صورته) .. و ما آدم أبو البشر سوى المرتضى بدليل (رأيت ربي في صورة امرى‏ء) إشارة إلى قدم الذات التي تظهر بصورة نبي في جسم رجل عظيم فذّ كما أن البصير ذكر هذه الأبيات الدالة على حيرته في الأمر:

غرض زبت شكنيها جز اين نبود بني را* * * كه دوش خود بكف پاي مرتضى برساند

و معناه: لم يكن يقصد النبي من كسر الأصنام سوى أن تمس قدم المرتضى كتفه. و يقولون إن الكعبة لم تأت إلى الوجود إلا بسبب حضرته، فإن كل دور يتصل فيه بأجساد الأنبياء و الأولياء كما تدرج من آدم إلى أحمد و هكذا نور الحق أخذ بالتنقل (التناسخ) في الأمة ...

و بعضهم يقول إن نور الحق ظهر في هذا الدور بمظهر علي فكان هو (اللّه) و بعده يحل في أولاده .. و يعتقدون أن (محمد علي) هو رسول (علي اللّه) و لما رأى الحق لم يتمكن رسوله من إتيان عمل فبادر إلى مقاومته، و حل في جسد رجل اسمه أحمد الذي كان يقول إن هذا المصحف الذي بين أيديكم لا يليق العمل به لأن هذا المصحف لم يكن المصحف المودع من (علي اللّه) إلى محمد بل إن هذا مرتب من أبي بكر و عمر و عثمان ليس إلا.

و قد كان شمس الدين- كما شوهد- يقول: إن هذا المصحف هو كلام علي اللّه إلا أنه نظرا لكونه مرتبا من قبل عثمان فلا تجوز تلاوته.

و قد وجد أن بعضهم قد جمع ما كان هناك من نظم و نثر مما يتعلق بعلي و أدخله ضمن القرآن، و كانوا يرجحون هذا القرآن الأخير على القرآن الأصلي لاعتقادهم أنه وصل إليهم من علي اللّه بطريق مباشر، و أن القرآن الأصلي وصل إلى الناس بواسطة محمد بطريق غير مباشر و فيهم‏

205

جامع الآصفية

206

طائفة تدعى (علوية) و ينتسبون إلى علي اللّه و أنهم منه فيشاطرون بقية إخوانهم في العقائد المذكورة إلا أنهم يقولون إن هذا المصحف الموجود ليس كلام علي اللّه إذ إن الشيخين قد سعيا في تحريفه فتبعهم عثمان، و تركه لفصاحته و صنف مصحفا آخر بدله به و أحرق الفرقان الأصلي ...

و شأن هذه الطائفة أنهم كلما وجدوا مصحفا أحرقوه، و يعتقدون أن علي اللّه اتصل بالشمس فلا يزال شمسا و قد كان من الشمس و قد اتصل مدة بجسم عنصري. و لهذا رجعت الشمس بأمره إذ كان هو عين الشمس. و على هذا يقولون للشمس (علي اللّه)، و عندهم الفلك الرابع (دلدل)، و أصبحوا عبدة النيران، و صارت الشمس في نظرهم هي اللّه و هم خلق عظيم، و يزعمون أنهم حينما يدعون الشمس تجيب دعوتهم و تعينهم في الشدائد ...

و منهم رجل اسمه عبد اللّه قد نقل من أحوالهم عن آخر اسمه عزيز الأمر العجيب، كان قد ذكر (علي اللّه) بحرص و انهماك زائدين، و شوق تام، و أنه لم يكن ليؤثر به السيف كما أن أحدنا أنكر هذا الأمر فأخذ عزيز يشتغل بذكر (علي اللّه) و استمر على انهماكه و حرصه إلى أن أزبد فمه و خاطب المنكر قائلا:

- أيها الملعون اضربني فبادر المنكر في ضربه بالسيف فلم يؤثر فيه، فأدى ذلك إلى أن التحق المنكر بهم ..

و هذه الطائفة لا يجوز لأهلها أن يذبحوا الحيوانات، و لا كل ذي روح، و يتجنبون أكل اللحوم بحكم مفاد ما قاله (علي اللّه): «لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات» و ما ورد في المصحف من ذبح بعض الحيوانات و أكل لحومها إنما يراد به لحم أبي بكر و عمر و عثمان و أتباعهم، و أنهم المقصودون بالمحرمات، و أن إبليس و الحية و الطاووس‏