موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج2

- عباس العزاوي المزيد...
424 /
207

عبارة عن هؤلاء الثلاثة. و كذلك شداد و نمرود و فرعون يراد بهم هؤلاء الثلاثة. و يجوز السجود لصورة (علي اللّه)، و أن كسر الأصنام، و عبادتها إشارة إلى هؤلاء الثلاثة، و أن الشيخين هما صنما قريش، و يعتقدون بالتاريخ، و يقولون إن عليا لما ظهر بصورة الأنبياء قديما كانت تتألب عليه جبهة المعارضين و المنكرين و هم هؤلاء الثلاثة» ا ه (1).

و هذا المؤلف افتضح عقائدهم، و أزال عنها الخفاء، و نشر المكتوم، و أعلن المبهم، و هتك الستر فصرنا كلما وجدنا الظواهر متماثلة قطعنا في العينية .. و كنا قد وصفنا كتابه (دبستان مذاهب) في تاريخ اليزيدية (2) فلا نرى باعثا لإعادة الكلام عليه .. و مهما يكن ففي هذه الوثائق و اختلاف المستندات في العصور المتوالية مما يعرف بعقائدهم و لا نزال نتحرى و نثبت ما تيسر لنا العثور عليه. و سيأتي في حوادث سنة 841 ه و ما يليها من النصوص ما يوضح أكثر و يبصر بحقيقة نحلتهم .. و كل ما نلخصه هنا للقارى‏ء مما مر أن القوم من الغلاة و أغراضهم مصروفة إلى إهمال القرآن و أنه مبدل، و دعوة الناس إلى لزوم نبذه .. و في هذا ما يكفي لمعرفة دخائلهم و نواياهم الهدامة ... و ما عبادة الشمس و الخروج بألفاظ القرآن إلى أمور لا تقرها اللغة و لا يساعد عليها النص إلا نتائج يتوصلون بها إلى تبديل معانيه عند من لا يجسر على المجاهرة في تكذيبه .. و في گوران عقائدهم شائعة و لكنهم يتكتمون فيها و في عبادة الشمس. و قد حكى لي جماعة عن عبادتهم الشمس عند بزوغها و غروبها ..

____________

(1) دبستان مذاهب ص 241.

(2) تاريخ اليزيدية ص 22.

208

حوادث سنة 787 ه- 1385 م‏

شاه شجاع من آل المظفر:

في هذه السنة توفي شاه شجاع و قد مر الكلام على تكون إمارتهم في إيران و أوضحت بعض علاقاتهم بنا .. و أن شاه شجاع ولي الحكم عام 760 ه و كان قد استبد بوالده هو و شاه محمود ابنه الآخر فكحلوه و سجنوه ... و تولى ذلك شاه شجاع في قلعة من عمل شيراز سنة 765 ه و في السنة المذكورة وقع الخلف بين شاه محمود و شاه شجاع فسار إليه شاه محمود من أصبهان بعد أن استجار بالسلطان أويس الجلايري فأمده بالعساكر و ملك شيراز و لحق شاه شجاع بكرمان من أعماله و أقام بها، و اختلف عليه عماله ثم استقاموا على طاعته، ثم جمع بعد ثلاث سنوات و رجع إلى شيراز فآل الأمر إلى انتصاره ففارقها أخوه محمود إلى أصبهان و أقام بها إلى أن هلك سنة 776 ه فاستضافها شاه شجاع إلى أعماله و أقطعها لابنه زين العابدين و زوجه بنت السلطان أويس و كانت تحت محمود، و قد مرت الإشارة إلى وقائعه مع الجلايرية، ثم هلك شاه شجاع سنة 787 ه و صادف ذلك ظهور تيمور لنك في تلك الأنحاء أيام النزاع على السلطة بينه و بين أقاربه فقارع اللنك بعضا و قرب آخرين إلى أن عاد إلى مملكته. و قد مضى الكلام على شاه منصور و التجائه إلى السلطان أحمد ...

و كان شاه شجاع ملكا، عادلا، عالما بفنون من العلم محبا للعلماء و كان يقرى‏ء الكشاف و الأصول و العربية و ينظم الشعر بالعربية و الفارسية و يكتب الخط الفائق مع سعة في العلم و الحلم و الكرم. و كان قد ابتلي بالنهم (كثرة الأكل) فكان لا يسير إلا و المأكول على البغال صحبته فلا يزال يأكل، و لما مات صار ولده زين العابدين بعده، و في‏

209

أيام هذا انقرضت حكومتهم كما سيجي‏ء (1).

آل فضل- عثمان بن قارا:

في هذه السنة توفي أمير آل فضل و هو عثمان بن قارا بن مهنا بن عيسى و كان شابا كريما شجاعا جميلا يحب اللهو و الخلاعة و مات شابا قاله ابن حجر. كذا في الشذرات و الأنباء (2) و هذا لم يكن أميرا منصوبا من الحكومة و لكنه من أبناء الأمراء و قد ورد في الدرر الكامنة بلفظ عثمان بن قارا بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حذيفة (حديثة) بن فضل أمير العرب من آل فضل بالشام و العراق ... و هو ابن أخي نعير (3) و يؤيده ما جاء في الأنباء من أنه عثمان بن قارا بن مهنا بن عيسى و جاء في الشذرات بلفظ (فار) و ليس بصحيح و كذا ما جاء في ابن خلدون بلفظ (قارى‏ء) و (قارة) و هو غلط ناسخ ..

و في عقد الجمان جاء قارا بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع ..

و قد مر الكلام عليه في حوادث سنة 781 ه كما ذكر الأمير حيار بن مهنا في حوادث سنة 776 ه.

و هنا نقول: إن هذه القبيلة لم تنقطع سكناها عن العراق بل لا تزال قاطنة فيه إلى اليوم ... فالعلاقة و الارتباط موجودان .. و يؤيد هذا ما جاء في ابن خلدون من أن هذه القبيلة و كذا أمراؤها من آل فضل رحالة ما بين الشام و الجزيرة و نجد من أرض الحجاز يتقلبون بينها في الرحلتين و ينتسبون في طيى‏ء و معهم أحياء زبيد و كلب و هذيل و مذحج‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 187، و تاريخ محمود كيتي.

(2) الشذرات ج 6، و الأنباء ج 1 حوادث هذه السنة.

(3) ج 2 ص 447.

210

أحلاف لهم و يناهضهم في الغلب و العدد آل مراد (1) ثم ذكر ابن خلدون مواطن إقامتهم من سورية و كذا إقامة زبيد ...

و الناحية المهمة التي يجب الالتفات إليها هي أن آل فضل اتصلوا بالحكومة السورية و تعهدوا لها في إصلاح السابلة بين الشام و العراق فأقطعتهم الإقطاعات و ولتهم الإمارة العشائرية و الرياسة العامة لا لهذا الغرض وحده بل حذرا من أن يميلوا إلى التتر لعلمهم أن العربي لا يتقيد ببقعة خاصة و لا يقبل بالذل و قاعدتهم الطبيعية (و إذا نبا بك منزل فتحول) فاستظهروا برياستهم على آل مراء (مرى) و غلبوهم على المشاتي ..

و مهنا هذا هو ابن مانع بن جذيلة (ورد بلفظ حديثة و هو الأشبه بالصواب نظرا لتكرره) بن فضل بن بدر بن ربيعة بن علي بن مفرج بن بدر بن سالم بن حصة بن بدر بن سميع و يقفون عند هذا فلا يتجاوزونه في العد ...

و قد مر بنا في حوادث عام 749 ه الكلام على إمارة أحمد بن مهنا ... و قبله كانت الفتنة قائمة بين سيف بن فضل و بين فياض بن مهنا فسكنت في أيام أحمد المذكور ...

ثم توفي في سنة 749 ه فولي مكانه أخوه فياض و هلك سنة 762 ه فولي مكانه حيار (2) بن مهنا فولي مكانه ابن عمه زامل بن‏

____________

(1) ورد فيما سبق من النصوص أنهم يطلق عليهم آل مرا و بينا ذبحة المرا المعروفة و لعله تخفيف لمراد التي جاءت في ابن خلدون و قد رأينا صاحب الدرر الكامنة يكتبها بلفظ- مرى- مقصورة و هم قبيلة من طيى‏ء تنازعت مع هؤلاء الأمراء من آل فضل فكانت الحروب بينها على الإمرة طاحنة جدا ...

(2) جاء في ابن بطوطة- حيار- بالحاء و الياء و هو الصحيح و ورد في الدرر أيضا في حرف الحاء ... و في ابن خلدون جاء بلفظ خيار و هو غلط ناسخ.

211

موسى بن عيسى سنة 770 ه و كان معه بنو كلاب فعاث في أنحاء حلب فولي مكانه معيقل بن فضل بن عيسى و في سنة 775 ه أعيد حيار إلى إمارته فتوفي سنة 777 ه فولي أخوه قارا (1) إلى أن توفي سنة 781 ه فولي مكانه معيقل بن فضل‏ (2) و زامل بن موسى المذكوران شريكين في إمارتهما ثم عزلا لسنة ولايتهما و ولي نعير (3) ابن حيار بن مهنا و اسمه محمد و لا يزال أميرا على آل فضل و جميع أحياء طيى‏ء (4) بالشام و السلطان يزاحمه بحجر بن محمد بن قارا حتى سخط عليه و ظاهر محمد بن قارا ثم سخط عليه و ولى مكانهما ابن عمهما محمد بن كوكبتين بن موسى بن عساف بن مهنا فقام بأمر العرب و بقي نعير منتبذا بالقفر (5).

و الحاصل أن رياسة طيى‏ء و إمارتها لا تزال إلى هذا العهد الذي نكتب عنه لآل فضل و بينهم آل مهنا و آل فضل و قد نازعهم الإمارة (آل علي) من طيى‏ء أيضا إلا أنهم لم تدم لهم الإمارة و عرف منهم محمد بن أبي بكر ثم عادت إلى آل فضل بالوجه الموضح .. و لا مجال للإطناب في أمر علاقة هؤلاء بالعراق ... نظرا لقلة التدوينات فيها.

____________

(1) ورد قارة و في موطن آخر قارى و هذا هو قارا والد عثمان المترجم.

(2) ورد في الأنباء معتقل بن فضل بن مهنا أحد أمراء العرب من آل فضل كما في حوادث سنة 786 ه.

(3) ورد بلفظ بعير و بصير في ج 6 صحيفة 10 و 11 من ابن خلدون مكررا و الصحيح نعير.

(4) الجلد الخامس من ابن خلدون.

(5) ابن خلدون ج 5 و 6 ص 10- 11.

212

حوادث سنة 788 ه- 1386 م‏

اجتياح تبريز:

في هذه السنة اجتاح تيمور لنك مدينة تبريز نقل ذلك صاحب عقد الجمان و فصل القول عن ظهوره تفصيلا زائدا و سيأتي الكلام على تاريخ ظهوره عند الكلام على اكتساح بغداد في حينه ... و هنا نقول إن صاحب الأنباء ذكر أن اللنك قصد تبريز و نازلها و واقع صاحبها أحمد بن أويس إلى أن كسره و انهزم إلى بغداد و دخل تيمور لنك تبريز فأباد أهلها و خربها و جهز أحمد بن أويس إلى صاحب مصر امرأة يخبره بأمر تيمور لنك و يحذره منه و يخبره بأنه توجه إلى قراباغ ليشتي بها ثم يعود في الصيف إلى بغداد فوصلت المرأة إلى دمشق فجهزها بيدمر صحبة قريبه جبرئيل‏ (1).

و كان في هذه السنة أيضا طرق اللنك شيراز فحاربه شاه منصور و قد ثبت ثباتا عظيما .. ذكر ذلك صاحب الأنباء.

النزاع على إمارة مكة المكرمة:

انقطعت العلاقة السياسية بين مكة المكرمة و العراق إلا من الناحية الدينية و هي الحج و تقديم بعض الهدايا و الخيرات، و قصد البيت الحرام للزيارة و إلا فلم تقع تدخلات في الإدارة كما مضى القول عليه ففي هذه السنة في شعبانها توفي أمير مكة الشهاب أحمد بن عجلان بن رميثة بن نمي الحسيني و استقر ولده محمد بن أحمد فعمد كبيش بن عجلان إلى أقاربه فكحلهم منهم أحمد بن ثقبة و ولده و حسن بن ثقبة و محمد بن عجلان ففر منه عفان‏ (2) بن مغامس إلى القاهرة فشكا إلى سلطانها من‏

____________

(1) الأنباء ج 1.

(2) جاء في ابن خلدون «عنان» بالنون ر: ج 5 ص 481.

213

صنيعه و التزم بتعمير مكة و سعى في أمرتها فأجيب إلى ذلك. قال ابن حجر: كان أحمد بن عجلان عظيم الرياسة و الحشمة اقتنى من العقار و العبيد شيئا كثيرا إلى غير ذلك‏ (1).

و هذا غير أحمد بن رميثة الذي مر الكلام عليه في حوادث سنة 740 ه و قد جاء ذكر هذا في ابن خلدون و فيه بيان لعلاقتهم بحكومة مصر و تدخلاتها بشؤونهم و تفصيل لمن ولي الإمارة منهم .. (2).

وفيات‏

1- شمس الدين محمد الحلي:

هو شمس الدين محمد بن الحسين بن أحمد الحلي و يعرف بابن البقال ولد بالحلة في جمادى الأولى سنة 708 و تعانى الآداب فمهر و قدم حلب و مدح أعيانها كتب عنه أبو المعالي ابن عشائر من نظمه ما كتب به إلى الشريف عبد العزيز بن محمد الهاشمي و من نظمه:

يا صاحبي بأرض النيل لي قمر* * * جمال بهجته أبهى من القمر

ورد الخدود و رمان النهود على‏* * * بان القدود به قد عيل مصطبري‏

توفي في حدود سنة 788 (3).

حوادث سنة 789 ه- 1387 م‏

اللنك و حوادثه:

في هذه السنة عاد اللنك مرة أخرى إلى عراق العجم فاستقبله ملوكها، و أذعنوا بالطاعة مثل اسكندر الجلالي، و إبراهيم العجمي، و أبي‏

____________

(1) «الشذرات ج 6».

(2) ابن خلدون ج 5 ص 482.

(3) الدرر الكامنة ج 3.

214

إسحق السرحاني و سلطان أحمد ابن أخي شاه شجاع و ابن عمه شاه يحيى، فكان جملة من اجتمع عنده من ملوك العجم 17 ملكا فبلغه على أنهم تواعدوا على الفتك به فسبقهم و أمر بالقبض عليهم و قد اجتمعوا في خيمة و قرر في ممالكهم أولاده و أحفاده و بيع ذراري المقتولين فلم يبق منهم أحد. ثم توجه نحو عراق العرب فبلغ ذلك أحمد بن أويس فجهز له عسكرا كثيفا مع أمير يقال له استباي‏ (1). فتلاقيا على مدينة سلطانية فانهزم جند بغداد فلم يتبعهم اللنك و عطف على همذان و ما يليها و قبض على متوليها؛ و استناب فيها ثم كر راجعا إلى بغداد و بلغ أحمد بن أويس ذلك فعرف أنه لا طاقة له بلقائه و كان أحمد بن أويس استولى على مملكة تبريز عوضا عن أخيه حسين بعد قتله و لم يلبث إلا قليلا حتى فاجأه عسكر اللنك فلما بلغه ذلك رحل عنها و ترك أهلها حيارى فهجم عليهم العسكر عنوة فانتهبوها و قتلوا منها ما لا يمكن شرحه و أقاموا بها شهر رجب كله لاستخلاص الأموال و تخريب الدور و تعذيب ذوي الأموال بالعصر و الإحراق و الضرب و أنواع العذاب و انتهكوا الحرمات و سبوا الحريم و الذراري و كان قبل ذلك قد استولى على تبريز و فعل بها الأفاعيل. و كان أحمد بن أويس قد أرسل ذخائره و حريمه و أولاده إلى قلعة يقال لها نجا في غاية الحصانة و قرر فيها أميرا يقال له آلتون مع ثلثمائة نفس من أهل النجدة فسار له اللنك فلم يقدر عليها و قتل في الحصار أميران كبيران من عسكره ثم رحل عنها لما سمع أن قد طرق بلاده طقتمش خان و أنه قد تعرض لأطراف بلاده راجعا أيضا. و لما بلغ ذلك قرا محمد التركماني انتهز الفرصة و وصل إلى تبريز فملكها و قرر فيها ولده مصر خجا (مصر خواجة) و رجع إلى بلاده و في 9 رجب أمر المحتسب يطلب ذوي الأموال و استخراج زكواتها منها و أن يتولى قاضي‏

____________

(1) ورد في عجائب المقدور «سننائي» و كان هذا قد ألبسه السلطان أحمد المقنعة و أشهره في بغداد بعد أن ضربه و أوجعه لما رأى من هزيمته. «ص 40 منه».

215

الحنفية الطرابلسي تحليفهم فعمل ذلك في يوم واحد. فلما ورد الخبر برجوع تيمور لنك رد على الناس ما أخذ منهم و بطلت مطالبتهم في الزكاة و بالخراج أيضا (1).

قلعة النجا:

لما رأى السلطان أحمد أنه لا قدرة له بمقابلة هذا الطاغية قرر الخروج من ممالكه بغداد و العراق و تبريز، و جهز ما يخاف عليه صحبة ابنه السلطان طاهر إلى قلعة النجا، ثم قصد البلاد الشامية في سنة 795 ه في حياة الملك الظاهر أبي سعيد برقوق، فوصل تيمور إلى تبريز و نهب بها، و وجه إلى قلعة النجا العساكر لأنها كانت معقل السلطان أحمد، و بها ولده و زوجته و الذخائر، و توجه هو إلى بغداد ... و كان الوالي بالنجا رجلا شديد البأس يدعى آلتون كان يعتمد عليه و منه جماعة نحوا من ثلثمائة رجل، كان ينزل بهم التون ليلا و يشن الغارة ... فوهن أمر العسكر فأبلغوا تيمور ذلك فأمدهم بنحو 40 ألفا مع أربعة أمراء كبيرهم يدعى قبلغ تيمور فوصلوا إلى القلعة و لم يكن إذ ذاك آلتون فيها فتعاضد و من معه بهمة صادقة فاخترقوا الصفوف و قتلوا من العسكر أميرين أحدهما قبلغ تيمور .. فلما سمع تيمور لنك نهض إليها بنفسه و أحاط بجوانبها ...

و كانت هذه القلعة أمنع من عقاب الجو فلم يتمكن منها تيمور، و كان آلتون عارفا بشعابها، و يهاجم عدوه ليلا و في أوقات مختلفة فيسلب و ينهب و يقتل و يرجع سالما، و لم يزل هذا دأبه حتى أعجز تيمور و أصحابه، فلم ير تيمور بدا من الارتحال لضيق المجال فارتحل بعد أن رتب للحصار اليزك، و استمر الحصار مدة طويلة، قيل إنها مكثت في‏

____________

(1) الأنباء ج 1.

216

الحصار اثنتي عشرة سنة ثم استولى عليها. و تمام القصة مذكور في عجائب المقدور (1).

و الحق أن الدفاع و الحصار و القدرة تابعة لقوة النفس و عزتها ...

فإذا أرادت أن لا تستذل قاومت و ناضلت، و لو كان كل بلد قارع هذا القراع و جادل جدال رجال هذه القلعة لتمكن من المحافظة على استقلاله، و الاعتزاز بكيانه ... و الخوف و الخذلان ما استوليا على أمة إلا نالها ما نال الأقوام أمام تيمور ... تفسخوا فتمكن منهم أكثر مما كان لديه من قوة ...

وفيات‏

العز الموصلي:

و هو علي بن الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد بن أبي الخير، العلامة عز الدين الموصلي الشاعر نزيل دمشق مهر في النظم و جلس مع الشهود بدمشق تحت الساعات و أقام بحلب مدة و جمع ديوان شعره في مجلد و له البديعية المشهورة قصيدة نبوية عارض بها بديعية الصفي الحلي ... و شرحها في مجلدة و له أخرى لامية على وزن (بانت سعاد) مات سنة 789 ه (2).

حوادث سنة 790 ه- 1388 م‏

[وفيات‏]

1- شجاع الدين أبي بكر السنجاري:

في هذه السنة توفي شجاع الدين أبو بكر بن محمد بن قاسم‏

____________

(1) عجائب المقدور ص 44.

(2) الدرر ج 3 ص 43.

217

السنجاري الحنبلي نزيل بغداد الشيخ الإمام المحدث كان فاضلا مسندا حدث بالكثير و حدث عنه الشيخ نصر اللّه البغدادي و ولده قاضي القضاة محب الدين و توفي عن ثمانين سنة (1).

2- ابن الدواليبي:

في هذه السنة توفي عبد المحسن بن عبد الدائم بن عبد المحسن ابن محمد الدواليبي البغدادي الحنبلي. ولد سنة 723 ه و روى عن جده عفيف الدين عبد المحسن بن محمد و غيره و كان واعظا يكنى أبا المحاسن ذكره في الأنباء و قد مر الكلام على جده الأعلى و هو محمد ابن عبد المحسن المعروف بابن الخراط و الدواليبي و هو عفيف الدين في كما جاء في المجلد الأول في هذا الكتاب‏ (2).

3- بدر الدين محمد بن إسماعيل الإربلي:

و هو المعروف بابن الكحال. عني بالفقه و الأصول، و كان جيد الفهم، فقيرا، ذا عيال .. جاوز الأربعين‏ (3).

حوادث سنة 791 ه- 1389 م‏

التصلية بعد الأذان:

في هذه السنة كانت التصلية بعد أذان المغرب لضيق وقتها، و روعي فيها ما كان يراعى من التصلية كل ليلة جمعة ذكر ذلك في الأنباء. و هذا يعد تاريخ استعمالها في مصر و سورية ...

____________

(1) الشذرات ج 6 و في الدرر الكامنة أنه سمع من أحمد بن يوسف بن إبراهيم الكرسي، و عن التقي الدقوقي و أخذ عنه كثيرون عد بعضهم صاحب الدرر- ج 1 ص 461.

(2) الأنباء ج 1.

(3) الأنباء ج 1.

218

حوادث سنة 792 ه- 1390 م‏

وفيات‏

1- شرف الدين إسماعيل الفروي:

في هذه السنة توفي شرف الدين إسماعيل الفقيه ابن حاجي الأزدي الفروي بفتح الفاء و سكون الراء نسبة إلى فروة، الفقيه الشافعي، كان أحد علماء بغداد، ثم قدم دمشق في حدود السبعين، فأفاد بها في الجامع و غيره و درس بالعينية و غيرها و كان دينا خيرا تصدق بما تملكه في مرض موته و مات في صفر (1).

حوادث سنة 794 ه- 1392 م‏

شاه منصور من آل المظفر- تيمور لنك:

في هذه السنة رجع تيمور لنك إلى إيران و قصد عراق العجم في جمع عظيم فملك أصبهان و كرمان و شيراز و فعل بها الأفاعيل المنكرة ثم قصد شيراز فتهيأ شاه منصور لحربه فبلغ تيمور لنك اختلاف من في سمرقند فرجع إليها فلم يأمن شاه منصور من ذلك بل استمر على حذره ثم تحقق رجوع تيمور لنك فأمن فبغته تيمور لنك فجمع أمواله و توجه إلى هرمز ثم انثنى عزمه و عزم لقاء تيمور لنك فالتقى بعسكره و صبروا صبر الأحرار لكن الكثرة غلبت الشجاعة فقتل الشاه منصور في المعركة ثم استدعى ملوك البلاد فأتوه طائعين فجمعهم في دعوة و قتلهم أجمعين‏ (2).

و كانت هذه الوقعة مقدمة السير إلى بغداد فاضطرب الأهلون و أصابهم الخوف و كذا السلطان أحمد و سيأتي الكلام على ذلك عند ذكر

____________

(1) الشذرات ج 6، و الأنباء ج 1، و الدرر الكامنة ج 1 ص 365.

(2) الأنباء ج 1.

219

وقعة بغداد. و شاه منصور هذا من آل المظفر و قد مضت بعض وقائعه.

و هكذا فعل تيمور لنك بإمارة اللر إلا أن حاكمها الملك عز الدين العباسي أطاعه فأنعم عليه مؤخرا بإمارته و أعاده إلى مكانته ...

حوادث سنة 795 ه- 1392 م‏

انقراض آل مظفر:

إن زين العابدين كان قد ولي الإمارة بعد والده شاه شجاع بالوجه المذكور و هذا كان قد ناهضه شاه منصور و قام من تستر و سار إلى شيراز فامتلكها و أخوه يحيى ولي يزد و ذهب هو إلى أصفهان و امتلك عمهما أحمد بن محمد بن المظفر كرمان.

ثم كان ظهور تيمور لنك بالوجه المشروح فقارع هؤلاء و قرب بعضهم، دام ذلك إلى سنة 787 ه و بعدها عاد تيمور لنك إلى مملكته و في سنة 795 ه اكتسح مملكتهم فانقرضت حكومتهم في هذه السنة ..

و لم تقف حوادثه عند هذا الحد فقد عاث في تبريز و شيراز. فذاع خبره في الأقطار فارتاع لما يحكى عنه كل قلب فسار إلى السلطانية فنازلها و قتل صاحبها، ثم قصد تبريز فدخلها عنوة و نهبها كعادته و أرسل إلى جميع البلاد نوابا من قبله ثم طلب بغداد و من ثم توجه نحو العراق‏ (1).

____________

(1) الأنباء ج 1، و محمود كيتي و الغياثي.

220

حكومة تيمور في العراق في 20 شوال سنة 795 ه- 1383 م‏

تيمور لنك- فتح بغداد:

كان ظهور تيمور لنك في إيران سابقا لهذا التاريخ و قد مر الكلام على أوليته في هذا الجزء من الكتاب و أشير إلى وقائعه المباشرة في حوادث سنة 786 ه إلى هذه السنة لم يظهر لها أثر بارز بسبب الذهول و الاندهاش الذي أصاب الناس أو أن حوادث تيمور غطت على غيرها.

و في يوم الجمعة 11 شوال هذه السنة دخل تيمور لنك بغداد (1) و جاء في كتاب (بزم و رزم) أنه استولى على بغداد في 20 شوال سنة 795 ه و لعل هذا هو الصحيح لأنه من معاصر حاضر الوقعة .. و في التواريخ الأخرى ما يخالف هذه مما لا محل لاستقصائه الآن ... و فر السلطان أحمد الجلايري من بغداد فكان هذا مبدأ حكمه على العراق.

تفصيل وقعة بغداد:

إن تيمور لنك قد استولى على مملكة العجم بطولها و عرضها.

و تناولها ضرره و أصابها و باله، ذلك ما ولد الاضطراب في مدينة بغداد و العراق كله، و أزعج سلطان العرب و هو السلطان أحمد الجلايري فالتهب غيظا عليه، و ثار ثائر غضبه و حميته فجهز جيشا عظيما جعل آمر قيادته مودعة إلى أميره سنتائي‏ (2) فعينه سردارا (قائدا) و فوض إليه مهمة صد غائلة الأمير تيمور و الوقوف في وجهه .. فلما سمع تيمور لنك اتخذ

____________

(1) تاريخ تيمور لنك لمرتضى أفندي آل نظمي ص 54.

(2) جاء في تاريخ تيمور لنك لمرتضى أفندي آل نظمي البغدادي بلفظ «وسناي» «صحيفة 48». و قد ذكرنا فيما مر عن الأنباء و غيره الاختلاف في تلفظ اسم هذا القائد ...

221

هذا وسيلة للتقدم نحو العراق و الوقيعة بالسلطان أحمد .. و حينئذ تقابل الجيشان قرب مدينة السلطانية من ممالك السلطان أحمد فكانت جيوش تيمور لا تحصى عدّا و لهجومها وقع كبير في نفوس الجيش الجلايري فقد هجموا هجوما عاما فكانت المعركة دامية فلم يطق القوم الصبر عليها ففروا من وجه عدوهم و تفرقوا شذر مذر في الأنحاء و الأطراف فعاد الأمير قائد الجيش إلى بغداد بخفي حنين .. فغضب السلطان عليه و ضربه فأوجعه بالوجه المارّ ... أما تيمور فإنه لم يستمر على سيره و إنما اكتفى بهذه النصرة و عاد إلى مملكته ..

هذه أول علاقة حربية وقعت له مع السلطان و هي مقدمة فتح العراق و أن عودته تفسر في اتخاذ الأهبة الكافية للاستيلاء على بغداد ... و هكذا فعل المغول قبله فلم تمض مدة حتى ظهرت طلائعه في لرستان و تبين جيشه هناك فقد كان إذا أراد السير إلى جهة أظهر أنه عازم على غيرها ..

و كان حاكم اللر آنئذ الملك عز الدين العباسي فهذا انقاد للأمير تيمور و قدم له المملكة فكانت النتيجة أن أقره. و بهذه الصورة استولى على همذان و بلاد اللر و لم يبق حائل بينه و بين بغداد ...

و هذه الأخبار قد اضطرب لها العراق و سلطانه .. أما السلطان فإنه انتابته الهواجس و أصابته الفكر و أعوزته الحيل في الدفاع و النضال و سدت الطرقات أمامه فكان يتوقع النازلة و يترقب القارعة ... فلم يجد خلاصا إلا بالهزيمة و أن يترك العراق و تبريز .. و لذا أخذ ما تمكن على أخذه من نقود و أموال، و جعل ابنه طاهرا مع أهله و عياله في قلعة (النجا) (1) القريبة من شروان بالوجه المشروح .. و رحل هو من بغداد

____________

(1) وصف صاحب عجائب المقدور قلعة النجا و بين مناعتها كما أنه تكلم عن بسالة القائد آلتون و ما أتى به من عجائب الشجاعة و ما ناله في سبيل الشهامة إلى أن قتل مما أشير إليه فيما سبق ...

222

عام 795 ه ملتجئا إلى الملك الظاهر أبي سعيد برقوق ..

أما تيمور فإنه سار إلى تبريز فنهبها و أذل أهليها ثم وجه قسما من العسكر نحو (قلعة النجا) كما تقدم .. و سار هو نحو بغداد ..

قال صاحب عجائب المقدور:

و لما استولى السلطان (السلطان أحمد) على ممالك العراق مد يد تعديه .. و شرع يظلم نفسه و رعيته، و يذهب في الجور و الفساد ... بالغ في الفسق و الفجور، فتجاهر بالمعاصي. و اتخذ سفك الدماء إلى سلب الأقراض و ثلم الأعراض سلما. فقيل إن أهل بغداد مجّوه و استغاثوا بتيمور .. فلم يشعر إلا و التتار قد دهمته .. و ذلك يوم السبت‏ (1) (11 شوال سنة 795 ه) فاقتحموا بخيلهم دجلة و قصدوا الأسوار، و لم يمنعهم ذلك البحر التيار، و رماهم أهل البلد بالسهام، و علم أحمد أنه لا ينجيه إلا الانهزام فخرج فيمن يثق به قاصدا الشام فتبعه من الجغتاي طائفة. فجعل يكر عليهم و يرد عنهم و يفر منهم فيطمعهم و حصل بينهم قتال شديد، و قتل من الطائفتين عدد عديد، حتى وصل إلى الحلة فعبر من جسرها .. ثم قطع الجسر و نجا من ورطة الأسر، و استمرت التتار في عقبه تكاد أنوفها تدخل في ذنبه فوصلوا إلى الجسر و وجدوه مقطوعا فتراموا في الماء و خرجوا من الجانب الآخر و لم يزالوا تابعا و متبوعا ففاتهم و وصل إلى مشهد الإمام و بينه و بين بغداد ثلاثة أيام.» ا ه.

و لم يوضح وقعة بغداد و إنما اكتفى بما سرده و قال في موطن آخر:

«فوصل تيمور إلى تبريز و نهب بها. و وجه إلى قلعة النجا العساكر ...

____________

(1) و مثله في تاريخ مرتضى آل نظمي موافقا لما ذكره ابن خلدون و في هذا مخالفة لما جاء في روضة الصفا و حبيب السير ... و في كتاب بزم و رزم و الظاهر أنهم تابعوا صاحب عجائب المقدور و نقلوا منه ... و ذكر الغياثي أن هذه الحادثة وقعت بتاريخ 71 شوال يوم السبت من هذه السنة.

223

و توجه هو إلى بغداد و نهبها و لم يخربها و لكن سلبها سلبها» ا ه (1).

و في ابن خلدون جاء عنه بعد عودته من أصل مملكته ما نصه:

«ثم خطا إلى أصبهان و عراق العجم و الري و فارس و كرمان فملك جميعها من بني المظفر اليزدي بعد حروب هلك فيها ملوكها و بادت جموعها. و شد أحمد ببغداد عزائمه و جمع عساكره و أخذ في الاستعداد ثم عدل إلى مصانعته و مهاداته فلم يغن ذلك عنه و ما زال تيمور يخادعه بالملاطفة و المراسلة إلى أن فتر عزمه و افترقت عساكره فنهض إليه يغذ السير في غفلة منه حتى انتهى إلى دجلة و سبق النذير إلى أحمد فأسرى بغلس ليله و حمل ما أقلته الرواحل من أمواله و ذخائره و حرق سفن دجلة و مر بنهر الحلة فقطعه و صبح مشهد علي (رض) و وافى تيمور و عساكره دجلة في 11 شوال سنة 795 ه و لم يجد السفن فاقتحم بعساكره النهر و دخل بغداد و استولى عليها و بعث العساكر في اتباع أحمد فساروا إلى الحلة و قد قطع جسرها فخاضوا النهر عندها و أدركوا أحمد بمشهد علي (رض) و استولوا على أثقاله و رواحله فكر عليهم في جموعه و استماتوا و قتل الأمير الذي في اتباعه و رجع بقية التتر عنهم و نجا أحمد إلى الرحبة من تخوم الشام.» ا ه (2).

قال في الأنباء و في هذه السنة (795 ه) طلب بغداد و ذلك في أواخر شوال فنازلها في ذي القعدة (3) فلم يلبث صاحبها أحمد أن أخذ خزائنه و حريمه و هرب فبلغ تيمور لنك فأرسل ابنه مرزا في طلبه فأدركه فلما كاد أن يقضي عليه رمى بنفسه في الماء فسبح إلى الجهة الأخرى و سلم هو و من معه، و أحيط بأهله و خزائنه و هجم تيمور لنك على بغداد

____________

(1) عجائب المقدور ص 47 و 43.

(2) «ج 5 ص 555 ابن خلدون».

(3) في موطن آخر قال: «كان دخول تيمور لنك بغداد في شوال».

224

فملكها قهرا ثم شن الغارات على بلاد بغداد و ما حولها و ما داناها و عادوا إلى البصرة و الكركر (كذا) (1) و الحلة و غيرها و أوسعوا القتل و الفتك و السبي و الأسر و النهب و التعذيب و فر من نجا من أهل بغداد فوصل الشيخ غياث الدين العادلي إلى حصن كيفا هاربا فأكرمه صاحبها ..

و إنما هرب أحمد بن أويس من بغداد لأنه كان شديد العسف بالرعية و لما قصده تيمور لنك كان إذا أرسل أحدا من الأمراء يكشف خبره يعيد إليه جوابا غير شاف فعميت عليه الأخبار إلى أن دهمه فلم يكن بد من نجاته فخرج من أحد أبواب البلد و فتح أهل البلد الباب الآخر لتيمور لنك فأرسل في طلب أحمد ففات الطلب و دخل الشام و كان تيمور لنك قد غلب قبل ذلك على تبريز و كاتب أحمد أن يذعن له بالطاعة و يخطب باسمه فأجاب لذلك لعلمه أن لا طاقة له بمحاربته فكاتب أهل بغداد تيمور لنك في الوصول إليهم فوصل و كان أحمد أرسل الشيخ نور الدين الخراساني إلى تيمور فأكرمه و قال أنا أتركها لأجلك و رحل، و كتب الشيخ نور الدين الخراساني يبشره بذلك و سار تيمور لنك من ناحية أخرى فلم يشعر أحمد و هو مطمئن إلا و تيمور قد نزل بغداد في الجانب الغربي فأمر أحمد بقطع الجسر و رحل و هرب أحمد لكن لم يعامل تيمور لنك البغداديين بما كسبوه فإنه سطا عليهم و استصفى أموالهم و هتك عسكره حريمهم و خلا عنها كثير من أهلها و أرسل عسكرا في أثر ابن أويس فأدركوه بالحلة فنهبوا ما معه و سبوا حريمه و هرب هو و وضع السيف بأهل الحلة ليلا و نهبوها و أضرمت فيها النار. و لما وصل أحمد في هزيمته إلى الرحبة أكرمه نعير (أمير آل فضل) و أنزله في بيوته ثم تحول إلى حلب فنزل الميدان و أكرمه نائبها و طالع السلطان بخبره فأذن له في دخول القاهرة ...» ا ه (2).

____________

(1) يرى الفاضل مصطفى جواد أن صوابها (كسكر).

(2) الأنباء ج 1 و فيه تفصيل عن نعير أمير آل فضل و أولاده أبي بكر و عمر و كانوا عصوا على حكومة سورية ثم طلبوا الأمان ...

225

و في حبيب السير يوضح أكثر عن تيمور و وصوله إلى بغداد بتفصيل قال:

«إن الأمير تيمور كور كان بعد أن فتح مملكة العجم لم ير قاصدا من سلطان بغداد، و لا أذعن له بطاعة فكان همّ الأمير تيمور مصروفا إلى فتح عراق العرب. و في 26 رجب سنة 795 ه توجه من أصفهان نحو همذان و بقي فيها بضعة أيام للاستراحة و فوض إدارة أنحاء آذربيجان إلى الشهزادة معز الدين ميرانشاه و يوم الثلاثاء 13 شعبان هذه السنة نهض من همذان و في أوائل رمضان وصل صحراء قولاغي ... و في يوم الأحد 10 رمضان عاد من صحراء قولاغي و وافى آق بولاق و قضى أيام رمضان هناك. و أجرى في غرة شوال مراسيم العيد. و بعد يومين جاءه الشيخ عبد الرحمن الأسفرايني من أعاظم مشائخ العصر (1) و بين له أنه رسول السلطان أحمد الجلايري فعظمه الأمير تيمور و احترمه غاية الاحترام إلا أنه لم يقبل منه الهدايا من جراء أن السلطان أحمد لم يضرب السكة باسمه و لا خطب له. أما الشيخ فإنه نال بشخصه من الأمير تيمور الخلعة و كل توقير و مكانة ... و لم يتوان الأمير تيمور في السير و أعاد الرسول، و في يوم الجمعة 13 شوال نهض الأمير تيمور من آق بولاق و في ثلاثة أيام وصل مزار الشيخ يحيى المسمى بقبة إبراهيم و حين عاين أهل القبة غبار العسكر قبل وصولهم إليهم أرسلوا إلى بغداد حمامة بورقة تخبر بمجي‏ء تيمور فلما وصل تيمور القبة سأل منهم هل أرسلتم خبرا قالوا نعم أرسلنا حمامة فطلب منهم حمامة أخرى و أمرهم في الحال أن يكتبوا كتابا آخر يبينون فيه أن الغبار الذي رأيناه كان غبار التراكمة و الأحشام الذين هربوا من عسكر تيمور و جاؤوا إلى هذه الأطراف و أرسلوها فلما وصلت الحمامة الأولى إلى بغداد عبر السلطان‏

____________

(1) جاء في الأنباء أن رسول السلطان هو الشيخ نور الدين الخراساني كما تقدم.

226

أحمد إلى الجانب الغربي و عبر جميع أثقاله و يراقه و خيله و عسكره و عياله و لما جاءت الحمامة الأخرى سكن روعه إلا أنه توقف هو و أرسل الأثقال أمامه. أما تيمور فقد سارع في سيره نحو بغداد ... و في 29 شوال‏ (1) وافى الأمير تيمور بغداد ... أما السلطان أحمد فإنه عبر إلى الجانب الغربي و أغرق السفن و رفع الجسر و فر إلى الحلة و كان عبر جيشه بسفينة (2) الثقات كما أنه هو عبر بالسفينة الخاصة به المسماة شمس‏ (3) و حمل ما استطاع حمله من نقود و مجوهرات و نفائس على البغال و الإبل و مضى في طريقه بسرعة لا مزيد عليها .. و كان معه جماعة من الأمراء. فتعقب أثره رجال الأمير تيمور و لم يمهلوه في سيره فانقطع جماعة من قومه و ترك أثقالا كثيرة. فلم يظفر العدو به ... ا ه ملخصا منه و من الغياثي ...

و في روضة الصفا مثله و زاد أنه لم يتعرض جيش الأمير تيمور بالأهلين و استراح هناك مدة .. سوى أنه أخذ منهم (مال الأمان) و لم يقع أي تعد عليهم من الجيش و فيه موافقة لما جاء في عجائب المقدور نوعا و نقل أن المؤرخ نظام الدين‏ (4) شاهد جيش تيمور في بغداد و بين‏

____________

(1) في هذا مخالفة للتواريخ الأخرى و أن حبيب السير و روضة الصفا يكاد ان يتفقان في الموضوع إلا أن في كل منهما تفصيلات ليس في الآخر لمن أراد التوسع.

(2) هذه تمكن أمراء تيمور من الحصول عليها دون أن يصيبها ضرر و كان ركبها الأمير تيمور كما أن أمير زاده ميرانشاه عبر من دجلة و مضى إلى العقابية.

(3) جاء في الغياثي: «كان للسلطان أحمد سفينتان إحداهما يقال لها «الشمس» بيضاء و لها ثلاثون مجذافا، و الأخرى يقال لها «القمر» و لها ثمانية و عشرون مجذافا أحمر فرأوا سفينة الشمس سليمة فدخل تيمور فيها و عبر إلى الجانب الغربي ص 191.

(4) و نظام الدين هذا هو المعروف بنظام الشامي كتب تاريخ تيمور على حدة في- كتاب ظفر نامه- و كان بأمر من تيمور و في كتابه هذا أوضح عن قبائل الجغتاي و أحوالهم التاريخية و يحتوي وقائع تيمور إلى سنة 806 ه أي قبل وفاته بسنة، و على ما نقل بلوشه أن نسخة من هذا التاريخ في المتحفة البريطانية برقم 2980- إسلامده تاريخ و مؤرخلر-.

227

أنه لا يحصى عدّا و لا يحصر استقصاء .... فالناس اطمأنوا و طابت خواطرهم، و أما التجارة فإنها اتصلت بالعراق من سائر الممالك التي في حوزة الأمير تيمور بأمان و طمأنينة ...

و الحاصل من النصوص المتقدمة عرفنا بعض الشي‏ء عن فتح بغداد و الاستيلاء عليها فصارت العراق ضمن ممتلكات تيمور و تحت سلطته و سيطرته و من ثم استولى على أنحاء بغداد الأخرى و سار بعض أمرائه إلى واسط و البصرة .. و أما كثافة الجيش و كثرته فإنها لم تقف عند هذا الحد و إنما انتشرت في الأنحاء الأخرى و وجهتها الموصل و في طريقها مضت إلى تكريت ... و أن تيمور توجه من بغداد إلى تكريت في 24 ذي الحجة سنة 795 ه (1).

وفيات‏

1- أحمد بن صالح البغدادي:

هو شهاب الدين أحمد خطيب جامع القصر ببغداد. كان من فقهاء الحنابلة مات قتيلا بأيدي اللنكية (جيوش تيمور لنك) لما هجموا على بغداد سنة 795 ه (2).

____________

(1) روضة الصفا ج 6 ص 67. و أورد المؤلف تعقيبا فيما يلي نصّه:

في تاريخ ابن الفرات في حوادث سنة 795 ه جاء ذكر لابن قشعم (ثامر) تألم من الأمير نعير و من حكومة الشام، فأمر عربانه بالرحيل إلى جهة نعير فجازوا على أملاكه بالبصرة فاستولوا عليها و نهبوها. و هناك تفصيلات عن آل مرى و عن نعير و أولاده مما لم نره في غيره (تاريخ ابن الفرات المجلد 9 ج 2 ص 325 و 342).

و هكذا يستمر بسعة في حوادث بغداد و السلطان أحمد ... و في هذا ما يعين أول علاقة لابن قشعم و إمارته بالعراق، و لم يذكر اسم هذا الأمير في سلسلة الرؤساء الموجودين في المجلد الرابع، فجاء في هذا ما يبين عن أحد رؤسائهم.

(2) الدرر الكامنة ج 1 ص 142، الأنباء ج 1.

228

هماي و همايون- لوحة 1- التصوير في الإسلام‏

229

2- عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي:

هو الحافظ زين الدين عبد الرحمن البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي.

ولد ببغداد سنة 736 ه، و سمع بمصر و دمشق و رافق زين الدين العراقي في السماع كثيرا و مهر في فنون الحديث أسماء و رجالا و عللا و طرقا و اطلاعا على معانيه. صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرة أسفار و شرح قطعة كبيرة من البخاري و شرح الأربعين للنووي في مجلدة و عمل وظائف الأيام سماه اللطائف، و عمل طبقات الحنابلة ذيلا على طبقات أبي يعلى. و كان صاحب عبادة و تهجد، و نقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره التيميون فلم يكن مع هؤلاء و لا مع هؤلاء فكان قد ترك الإفتاء بآخره، و قال ابن حجر: أتقن الفن و صار أعرف أهل عصره بالعلل و تتبع الطرق و كان لا يخالط أحدا و لا يتردد إلى أحد، مات في رمضان (رحمه اللّه). تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق. هذا ما ذكره في الأنباء بصورة القطع دون تردد إلا أنه في الدرر الكامنة اضطربت كلمته فإنه بعد أن ذكر اسمه بالوجه المذكور قال و يسمى عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود و بين أنه ولد في ربيع الأول سنة 706 و في مادة عبد الرحمن بن الحسن ترجمه أيضا ..

و هنا لم يتثبت من صحة الإعلام فاقتضت الإشارة و الشرح هنا ... (1).

3- عبد الرحيم ابن الفصيح:

عبد الرحيم بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن الفصيح الهمداني الأصل ثم الكوفي ثم الدمشقي الحنفي. قدم أبوه و عمه دمشق فأقام بها و أسمع أحمد أولاده من شيوخ العصر بعد الأربعين و قدم عبد الرحيم هذا القاهرة في سنة 795. و في هذه السنة حدث عن أبي عمرو بن المرابط بالسنن الكبرى للنسائي بسماعه منه في ثبت كان معه و قد وقعت‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 322 و ص 327.

230

على الأصل بخط والده و ثبته سماعه و سماع ولده بخط و ليس فيهم عبد الرحيم. فلعله في نسخة أخرى. و حدث عن محمد بن إسماعيل بن الخباز بمسند الإمام أحمد كله، و الاعتماد على ثبته أيضا، و سمع منه غالب أصحابنا ثم رجع إلى دمشق فمات بها في شوال هذه السنة و هو والد صاحبنا شهاب الدين ابن الفصيح.

4- عمر بن نجم البغدادي:

عمر بن نجم بن يعقوب البغدادي نزيل الخليل، يعرف بالمجر و كان مشهورا بالخير و العبادة مات في ذي الحجة و له 63 سنة ...

حوادث سنة 796 ه- 1393 م‏

وقائع العراق الأخرى‏

وقعة تكريت:

بعد حادث بغداد و تخلص الإدارة للأمير تيمور لم يستقر جيشه في مكانه كما هو شأنه و إنما سار إلى ديار بكر فاستولى عليها ... و في الأثناء وجد أن قلعة تكريت قد عصت عليه و أنها لا تزال لم تذعن له بطاعة فسلط عليها مقدارا من عساكره فحاصروها يوم الثلاثاء 14 ذي الحجة من السنة الماضية فلم تسلم له بالأمان و صبر أهلها فراسلوا تيمور فأمدهم بأمير شاه ملك و أردفه بخواجة مسعود صاحب خراسان و أقام هو ببغداد إلى آخر السنة ... فسلمت له بالأمان في صفر هذه السنة و كان متوليها حسن بن بولتمور و كانوا قد عاهدوه أن لا يراق دمه فقتل هو و من بها من رجال و سبى النساء و أسر الأطفال و الحاصل دمر تيمور القلعة و مضى عنها (1).

و في ابن خلدون: «و قد كان بعد ما استولى على بغداد زحف في‏

____________

(1) عجائب المقدور ص 47، و الأنباء ج 1.

231

عساكره إلى تكريت مأوى المخالفين و عش الحرابة و رصد السابلة و أناخ عليها بجموعه أربعين يوما فحاصرها حتى نزلوا على حكمه و قتل من قتل منهم ثم خربها و أقفرها و انتشرت عساكره في ديار بكر إلى الرها.» ا ه.

و جاء في الأنباء أن تيمور في أول هذه السنة سار بنفسه و عساكره إلى تكريت، و حاصرها في بقية المحرم كله، و دخلها عنوة في آخر الشهر فقتل صاحبها و بنى من رؤوس القتلى مأذنتين و ثلاث قباب، و خربت البلد حتى صارت نفرة، و كان استولى على قلعة تكريت و أميرها حسن ابن زليمور (1)، فنزل بالأمان فأرسله إلى اللنك إلى دار دس عليه من هدمها، و مات تحت الردم، ثم أثخن في قتل الرجال و أسر النساء و الأطفال ...

إربل:

و بعد وقعة بغداد سار عسكر تيمور إلى إربل فحاصرها فأطاعه صاحبها .. (2) و جاء في روضة الصفا أن حاكم إربل الشيخ عليا جاء إلى الأمير تيمور و قدم له الهدايا اللائقة فقبلها منها و عادت إربل بلدة تابعة له ...

البصرة و البحرين:

ثم إن اللنك جهز ولده بعسكر حافل إلى صالح بن صيلان صاحب البصرة و البحرين فقاتلوه فهزمهم، و أسر ولد تيمور لنك و جرح في إحضاره عز الدين ازدمر و جهز السلطان إليه بثلثمائة ألف درهم فضة برسم النفقة، فبعث إليهم عسكرا آخر فظفر بهم ... (3).

____________

(1) جاء في عجائب المقدور بلفظ بولتمور كما تقدم.

(2) الأنباء ج 1.

(3) الأنباء ج 1. و علق المؤلف على هذه الوقعة بما يلي:

232

الموصل و ما جاورها:

ثم إنه بعد الاستيلاء على تكريت جعل يعيث و يستأصل ما مر به حتى أناخ يوم الجمعة 11 صفر سنة 796 ه في الموصل ... و كان واليها يارعلي جاء إليه أثناء حصار تكريت و قدم له هدايا تليق به .. فلم يبال بذلك .. و إنما خربها و دمرها ثم أتى رأس عين و نهبها و أسرها ثم تحول إلى الرها و دخلها يوم الأحد 10 ربيع الأول فزاد عيثا ... (1).

و في الأنباء ثم نازل الموصل و صاحبها يومئذ علي بن برد خجا (خواجة) فصالحه و سار في خدمته ...

و قد مر ابن خلدون بهذه الحوادث مجملا قال: «نجا أحمد إلى الرحبة من تخوم الشام فأراح بها و طالع نائبها السلطان بأمره فسرح بعض خواصه لتلقيه بالنفقات و الأزواد و ليستقدمه فقدم به إلى حلب و أراح بها، و طرقه مرض أبطأ به عن مصر. و جاءت الأخبار بأن تيمور عاث في مخلفه و استصفى ذخائره و استوعب موجود أهل بغداد بالمصادرات لأغنيائهم و فقرائهم حتى مستهم الحاجة و أقفرت جوانب بغداد من العيث. ثم قدم أحمد بن أويس على السلطان بمصر في شهر ربيع سنة 796 ه مستصرخا به على طلب ملكه و الانتقام من عدوه فأجاب السلطان صريخه و نادى في عسكره بالتجهيز إلى الشام ... فاستوعب الحشد من سائر أصناف الجند و استخلف على القاهرة النائب سودون و ارتحل إلى الشام على التعبية و معه أحمد بن أويس ... و دخل دمشق آخر جمادى الأولى و كان أوعز إلى جلبان صاحب حلب بالخروج إلى الفرات و استنفار العرب و التركمان للإقامة هناك رصدا للعدو ... و كان‏

____________

جاء ذكر هذه الوقعة في تاريخ ابن الفرات. فورد اسم الأمير صالح بن حولان بدل (صالح بن صيلان)، و لا تزال التسمية ب (حولان) معروفة.

(1) عجائب المقدور ص 46 و روضة الصفا ج 6 ص 67.

233

قد شغل العدو بحصار ماردين فأقام عليها أشهرا و ملكها ... فارتحل إلى ناحية بلاد الروم ...» ا ه (1).

ولاية الخواجة مسعود- مال الأمان:

في هذه السنة في غرة صفر رحل الأمير تيمور عن بغداد بعد أن استصفى أموالها جميعها كذا في الغياثي. و جاء في روضة الصفا أنه رحل عن بغداد في 24 ذي الحجة سنة 795 ه و توجه نحو تكريت بالوجه المار و كان أرسل إليها بعض الأمراء، و أخذ من الأهلين في بغداد مال الأمان. و قد قص الغياثي هذا الحادث بما نصه:

«دخل تيمور بغداد و أرمى على الأهلين مال الأمان (ضريبة حربية) فطالب أمراؤه الناس على غير طاقتهم. و كان المتولي ذلك شرف الدين البليقي (كذا) و مات في سبيل ذلك خلق من جراء التعذيب و العقوبة، و ذكروا أن الموكلين أرادوا تعذيب رجل فأراهم موضعا و قال احفروا ههنا. و أراد بذلك أن يشغلهم بالحفر عن تعذيبه و لم يكن له شي‏ء فحفروا فلم يجدوا فأرادوا تعذيبه فأقسم لهم أن الذي يعرفه ههنا فحفروا ثاني مرة و عمقوا فوجدوا مالا عظيما، و ذهبا كثيرا. فمن كثرته شرحوا حاله عند تيمور فأحضر ذلك الشخص، و سأله عن أصل هذا المال فقال لا أعلم له أصلا، و إنما أردت أن يشتغلوا بالحفر عن تعذيبي فعند ذلك كف تيمور عن تعذيب الناس». ا ه.

و لما خرج تيمور من بغداد ولى بها الخواجة مسعود الخراساني ... (2).

____________

(1) ص 556.

(2) الغياثي ص 192- 194.

234

السلطان أحمد إلى هذه الأيام:

إن صاحب كتاب بزم و رزم كان في بغداد أيام الوقعة و فر مع من فر مع السلطان أحمد إلا أنه قبض عليه ... و هذا نعت أحمد لهذه المدة فقال ما ملخصه: إن السلطان أحمد من حين ملك زمام السلطنة و استولى على العراقين و آذربيجان صار يفتك بأمرائه الكبار، و أعاظم رجاله ممن كانت لهم التدابير الصائبة، و القدرة على إدارة المملكة الواحد بعد الآخر و لم يلتفت إلى أنهم كانوا أصحاب كفاءة و دراية، و أنهم أهل الرأي الصائب. و التدبير اللائق .. كانوا معروفين في التزام الأخطار، و اقتحام الأهوال، فأضاع تجاربهم، و أغفل آراءهم ... و كانوا كما قال الأول‏ (1):

إذا ما عدوا بالجيش أبصرت فوقهم‏* * * عصائب طير تهتدي بعصائب‏

و هم يتساقون المنية بينهم‏* * * بأيديهم بيض رقاق المضارب‏

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم‏* * * بهن فلول من قراع الكتائب‏

قتل هؤلاء الواحد بعد الآخر، و أقام مقامهم الأذناب من المتجندة، و من أوباش الناس ممن هم غير معروفي المكانة، و لا النسب، و خاملو الذكر، لا عقل لهم يدبرهم، و لا شجاعة تؤهلهم ..

عطل من الفضائل ... فنالوا المنازل الرفيعة بلا جدارة و استحقاق ...

إن سوء هذا التدبير كان أكبر باعث للعدول عن محجة الصواب، فكثرت الفتن، و زادت الاضطرابات فظهرت من كل صوب و انحلت الأمور، و التذمرات بلغت حدها ...

ففي هذه الأيام ظهر تختاميش خان (توقتامش) في مائة ألف من الجند في ذي الحجة سنة 787 ه اجتاز بهم باب الأبواب و ساق جيوشه‏

____________

(1) هو الشاعر النابغة الذبياني.

235

على تبريز دار الملك، و كانت آنئذ أشبه بالجنة فأغاروا عليها، قتلوا منها نحو عشرة آلاف من النفوس و فعلوا فعلات قاسية فأسروا أولاد المسلمين و ذهبوا بهم إلى أقصى تركستان و لم يقصروا في هتك الأعراض، و قتل الأبرياء، و فعل الفساد ... فكانت هذه مقدمة الشرور، و أول الآلام و الرزايا على العباد و البلاد ... إذ تبعتها وقائع تيمور و أعوانه ... و لم يجد في القوم من يذب عن البلاد ...

و ذلك أن وقعة تختاميش (توقتامش) لم يمض عليها تسعة أشهر (في سنة 788 ه) إلا و ظهرت في حدودها طامة كبرى، و داهية عظمى، جاء الأمير تيمور في جيش بلغت عدته ثلثمائة ألف فوصل همذان، و هاجم تبريز على عجل فانهزم السلطان أحمد إلى بغداد فوصل الجغتاي و التتار أذربيجان فاستباحوها مدة 40 يوما و قضوا على البقية الباقية من الحرب السابقة فكانت هذه الوقعة أشد قسوة، و أبلغ في انتهاك الحرمات، و المصادرات الشنيعة و المظالم الأليمة ... فلم يدعوا منكرا إلا فعلوه، و لا فجورا إلا أتوه، برزوا بمظهر أكبر، و شناعة لا يستطيع القلم وصفها ...

و لم تقف الحوادث عند هذا الحد ففي 20 شوال من سنة 795 جاء البلاء، و عمت المصيبة بغداد بهجوم جيش الأمير تيمور، و ذلك أن إيران أصابها سيل جارف من المغول و التتار فخرب بلادها و قلب ممالكها فقضى على ممالك فارس و كرمان و خوزستان و مازندران و أصفهان، و هذه الويلات من تخريب و دمار مما لا يسع القول ذكرها لطولها ... و قصد همذان دار الملك فاكتسحها و من ثم مال إلى بغداد.

وصلوا بغداد، و لم يدعوا رطبا و لا يابسا إلا قضوا عليه فأهلكوا الحرث و النسل، و أهلكوا المسلمين و أسروا من أبقوا عليه، و نهبوا الأموال ... فهم في الحقيقة كما جاء في الآية: إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ‏

236

مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ‏ فانتهكوا كافة الحرمات ... و عليهم تصدق آية:

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (86).

أما السلطان أحمد فقد توالت على مملكته الأرزاء من حين ولي.

و كان كما قدمنا صار يقتل بالأمراء الواحد إثر الآخر فحدث ما حدث من وقائع توختامش و تيمور فهرب إلى العراق و جاء بغداد و لكنه لم ينتبه من غفلته و لا التفت إلى ما أصابه و إنما تمادى في غيه و انهمك في ملاذه و ما كان فيه من أنس و مجالس لهو كأنه خلق لهذه الأمور و مضت الحال عليه و هو غارق في بحر المعازف و الملاهي، و ارتكاب المحرمات و المناهي بل مستغرق فيها استغراقا لا يكاد يكون معه صحو ... لحد أنه لم يلتفت و لو لحظة واحدة إلى إدارة الملك كأنه بعيد عنها لا تهمه .. و يرى وقته الثمين يجب أن لا يضيع في مثل هذه الالتفاتة.

و مضت على ذلك مدة سبع سنوات و هو على ما عليه ...

و يصدق فيه ما قيل:

إذا غدا ملك باللهو مشتغلا* * * فاحكم على ملكه بالويل و الحرب‏

أما ترى الشمس في الميزان هابطة* * * لما غدا برج نجم اللهو و الطرب‏

و نتائج ذلك معلومة فقد سببت هذه الغفلة إهمال الأمور، و اختلال القواعد، و اضطراب الأوضاع و تشوش الأحوال ... و في الوقت نفسه كسد سوق العلم، و راج النفاق، و ضاعت الحكمة أو ابتذلت ...

و أهملت الفضائل .. و من ثم تسنم الجهال و المجاهيل أعلى المراتب، و أسنى المناصب ... فجرى ما جرى و وقع ما وقع ... فلم يحصل مدافع عن حوزة البلاد، و لا صادّ عن حريمه فصار الناس بين قتيل و أسير، و كانت أموالهم نهبا و غنائم مقسمة و هكذا يقال عن الأمور الأخرى ... فضربت على القوم الذلة و المسكنة ...

237

أصابته الضربة و هو على حين غفلة فلم يسعه إلا الفرار إلى بلاد الشام، و لم ينتبه للحوادث قبل الواقعة، و إنما أضاع الحزم، و فقد العزم ...

و عاجز الرأي مضياع لفرصته‏* * * حتى إذا فات أمر عاتب القدرا

فلله العجب! لا برز بروز الشجاع، و لا انهزم انهزام الحازم الجازم، غفل سهوا، و اشتغل زهوا و لهوا؛ حتى جرى ما جرى من تقلب الأحوال؛ و تغلب الأهوال، و استقلال الأراذل، و استئصال الأفاضل، و ازدحام الفتن، و اقتحام المحن، و هتك الأستار، و قتل الأحرار، و سبي الحرم، و أسر الخدم و الحشم، و انحلال نظام الأمور؛ و اختلال مصالح الجمهور؛ و انكسار الناموس، و انحصار الناس في اليأس و البوس، و تخريب البلاد، و تعذيب العباد، فبقيت المدارس مندرسة؛ و الخوانق مختنقة؛ و البرايا عرايا، و الأجّلة أذلة، و البدور أهلّة، و بلغ الأمر إلى أن وقع في كربة الغربة، و حرقة الفرقة، و حيرة الغيرة، و كسرة الحسرة؛ و دهشة الوحشة، و ابتلي بالحور بعد الكور، و الذلة بعد العزة؛ و القلة بعد البزة، فأصبح نادما على ما فات، و قال هيهات و هيهات «ما أغنى عني مالية؛ هلك عني سلطانيه».

إلى اللّه أشكو عيشة قد تكدرت‏* * * عليّ و دهرا قد ألحت نوائبه‏

تكدر من بعد الصفاء نميره‏* * * و أحزن من بعد السهولة جانبه‏

أما ميران شاه ابن الأمير تيمور فإنه عبر الفرات؛ و سار يتعقب أثر السلطان أحمد ... و هذا مال إلى طريق الشام فسلكه خائفا و جلا «كم دب يستخفي و في الحلق جلجل»، و ناله من الندم ما ناله و أصابه من الرعب ما أصابه ... و لكن لم ينفع ذلك الندم «و لات حين مناص».

إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة* * * فلا تستعدن الحسام اليمانيا

و لا تستطيلن الرماح لغارة* * * و لا تستجيدن العتاق المذاكيا

238

عثر عليهم القوم في صحراء كربلاء؛ فلم ينج هو و أعوانه إلا بشق الأنفس ...

نسوا أحلامهم تحت العوالي‏* * * و لا أحلام للقوم الغضاب‏

إذا كانت دروعهم نحورا* * * فما معنى السوابغ في العياب‏

و على كل نجا السلطان أحمد من تلك المهلكة، و أن أعوانه كل واحد منهم سلك ناحية، فتفرقوا في الصحاري شذر مذر فاختفوا فيها ..

الخ. ما جاء هناك مما ذكره المؤلف فكان مع القوم من ضرب إلى جهة النجف و لكنه ألقي القبض عليه و أحضر إلى ميران شاه في الحلة و من ثم عفا عنه ميران شاه؛ و عطف عليه بنظر عنايته، و لحظه بعين رأفته فسلم من الأخطار ... كما قال ...

و هذا الجيش بعد أن أتم أعماله في بغداد من قلع، و قتل، و أسر مالت الجيوش إلى أنحاء ديار بكر فوصلوا جهات ماردين ... و من هناك سنحت لصاحب الكتاب المذكور الفرصة للهزيمة و هم بين آمد و ماردين و حدثته نفسه بذلك فسار ليلا و وصل قلعة صور و منها توجه نحو سيواس فوصلها في 11 شعبان سنة 796 ه (1). و بقي عند سلطانها و قدم له كتابه (بزم و رزم) و قد سبق وصفه.

و من هذا النص المنقول عرفت حالة السلطان أحمد و أعتقد فيها الكفاية ...

وقائع تيمور الأخرى:

ثم إن تيمور لنك نزل رأس العين فملكها و نازل الرها فأخذها بغير قتال و وقع النهب و الأسر و انتهى ذلك في أواخر صفر و اتفق هجوم الثلج و البرد. و لما بلغ ذلك صاحب الحصن جمع خواصه و ما عنده من‏

____________

(1) بزم و رزم ص 17: 25.

239

التحف و الذخائر و قصد تيمور لنك ليدخل في طاعته فقرر ولده شرف الدين أحمد نائبا عنه و سار إلى أن اجتمع به بالرها فقبل هديته و أكرم ملتقاه و رعى له كونه راسله قبل جميع تلك البلاد. ثم خلع عليه و أذن له بالرجوع إلى بلاده و أصحبه بشحنة من عنده ثم قصده صاحب ماردين فتنكر له كونه تأخرت عنه رسله و تربص به حتى قرب منه فوكل به فصالحه على مال فوعده بإرساله إذا حضر المال فلما حضر زاد عليه في التوكيل و الترسيل ثم أخذ في نهب تلك البلاد بأسرها. و استولى على بلاد الجزيرة و الموصل و سار فيهم سيرة واحدة من القتل و الأسر و السبي و النهب و التعذيب. ثم أقام على نصيبين في شدة الشتاء فلما أتى الربيع نازل ماردين في جمادى الآخرة فحاصرها و بنى قدامها جوسق يحاصرها منها ففتحوها عن قرب و قتل من الناس من لا يحصى عددهم و عصت عليه القلعة فرحل عنها، ثم رحل إلى آمد فحاصرها إلى أن ملكها و فعل بها نحو ذلك. ثم توجه إلى خلاط ففعل بها نحو ذلك.

و سبب رجوعه عن البلاد الشامية أنه بلغه أن طقتمش (توقتامش) صاحب بلاد الدشت و السراي و غيرها مشى على بلاده فانثنى رأيه فقصد تبريز و صنع في بلاد الكرج عادته في غيرها من البلاد ثم رحل راجعا إلى تبريز فأقام بها قليلا ثم توجه قاصدا إلى قتال طقتمش خان صاحب السراي و القفجاق. و كان طقتمش قد استعد لحربه فالتقيا جميعا و دام القتال و كانت الهزيمة على القفجاق و السراي فانهزموا و تبعهم الجقطاي بآثارهم إلى أن ألجأوهم إلى داخل بلادهم و راسل اللنك صاحب سيواس القاضي برهان الدين أحمد يستدعي منه طاعته فلم يجبه و أرسل نسخة كتابه إلى الظاهر صاحب مصر، و إلى أبي يزيد ملك الروم.

و في رجب غلب على سائر القلاع و توجه في ذي القعدة إلى بلاده و أمر بسجن الظاهر بمدينة سلطانية ...

240

رسل تيمور- علاقات عراقية:

و في هذه السنة وصل رسل تيمور لنك إلى الظاهر (برقوق) يتضمن الإنكار على إيواء أحمد بن أويس و التهديد إن لم يرسل إليه فجهز السلطان إليهم من أهلكهم قبل أن يصلوا إليه؛ و أحضر إليه ما معهم من الهدايا فكان فيها ناس بزي المماليك فسألهم عن أحوالهم فقالوا إنهم من أهل بغداد و من جملتهم ابن قاضي بغداد و إن تيمور لنك أسرهم و استرقهم فسلمهم السلطان لجمال الدين ناظر الجيش فألبس ابن قاضي بغداد بزي الفقهاء. و كان في كتاب تيمور لنك إيعاد و إرعاد. و في أوله:

«قل اللهم فاطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اعلموا أنا جند اللّه خلقنا من سخطه، و سلطان على من حل عليه غضبه، لا نرق لشاكي، و لا نرحم عبرة باكي» و هو كتاب طويل و فيه: و دعاؤكم علينا لا يستجاب فينا و لا يسمع فكيف يسمع اللّه دعاءكم و قد أكلتم الحرام و أكلتم أموال الأيتام، و قبلتم الرشوة من الحكام ...» (1).

قال صاحب الأنباء: قلت و أكثر هذا الكتاب منتزع من كتاب هولاكو إلى الخليفة ببغداد، و إلى الناصر بن العزيز بدمشق، و هو من إنشاء النصير الطوسي.

و كتب جواب اللنك ابن فضل اللّه (العمري) و هو كلام ركيك ملفق غالبه غير منتظم لكن راج على أهل الدولة و قرى‏ء بحضرة السلطان و الأمراء فكان له عندهم وقع عظيم و عظموه جدا و أعادوه‏ (2) .. و تجهز السلطان إلى السفر ... و دخل دمشق 12 جمادى الأولى فأقام بدمشق خمسة أشهر و عشرة أيام و استسر الأخبار يتحقق رجوع اللنك فجهز

____________

(1) أورده القرماني في أخبار الأول و آثار الدول بنصه ص 206.

(2) جاء نصه في أخبار الدول و آثار الأول صحيفة 207 و ذكر حضور الرسل في 13 صفر سنة 799 ه و الصحيح ما جاء في الأنباء كما مذكور في الأصل ...

241

أحمد بن أويس إلى بغداد و دفع له حين السفر خمسمائة ألف درهم (قيمتها 20 ألف دينار) و خمسمائة فرس و 600 حمل، و جهزه أحسن جهاز فخرج في مستهل شعبان و سار في 13 و سار معه عدة من الأمراء الكبار إلى أطراف البلاد، ثم صحبه سالم الدوكاري، ثم جهز السلطان كمشيغا و عدة من الأمراء إلى حلب ... ثم توجه بعدهم في أول ذي القعدة فدخلها في العاشر و أقام إلى عيد الأضحى و رجع إلى الديار المصرية في الثاني عشر منه ...

و ذكر أحمد بن أويس في كتابه للسلطان أنه لما وصل إلى ظاهر بغداد خرج إليه نائب تمر و قابله فأطلق المياه على عسكر ابن أويس فأعانه اللّه و تخلص ...

زبيد- طيى‏ء:

في هذه السنة مات عامر بن ظالم بن حيار بن مهنا غريقا بالفرات و معه 17 نفسا من آل مهنا في وقعة بينه و بين عرب زبيد، و قتل معه خلق كثير جدا ... و من هنا نجد علاقة الخصومة حدثت في هذه الأيام، و لم يتكدر ما بينهما من أيام المغول إلى هذا الحين ...

قبائل زبيد (1):

من أعظم القبائل العراقية، لا تقل عددا عن القبائل الأخرى، منتشرة في أنحاء عديدة من هذا القطر، و بمجموعات لها شأنها

____________

(1) ورد ذكر قبيلة بني عزة في الجامع المختصر لابن الساعي، و في كتب تاريخية مثل عشائر العرب للبسام، و تاريخ نجد للأستاذ الآلوسي، و عنوان المجد في تاريخ بغداد و البصرة و نجد، و جزيرة العرب، و قلب الجزيرة ... و منهم الآن في نجد، و في القدس عند حدود شرقي الأردن، و في العراق في غالب ألويته في ديالى، و كركوك، و الموصل، و الدليم، و الحلة، و بغداد، و الكوت و التفصيل في عشائر العراق.

242

و مكانتها ... إلا أن السياسة العشائرية كانت مكتومة، أو غير واضحة، و كانت الحكومات ترضى من العشائر بالقليل؛ و أحيانا بالطاعة الاسمية ... أو استخدام البعض على الآخر ... و كذا هذه القبائل لا أمل لها في التدخل بمقدرات المملكة و لا ترغب أن تكون رمية الأغراض فقد رأت في عصور مختلفة تلاعبات جمة يقصد منها الاستعانة بها للتسلط، أو الحصول على السلطة من هذا الطريق ...

و زبيد في هذا العصر نراهم في سورية مع قبيلة طيى‏ء، و بصورة منفردة، و في الفرات الأعلى، و في مواطن كثيرة ... و يتكون منهم شطر كبير في العراق ... و قد حافظوا أحيانا على اسمهم (زبيد) بالتصغير، أو اكتسبوا أسماء أخرى، و بينهم من ينتسب رأسا إلى (زبيد الأكبر) و هم العبيد و الجبور و الدليم و زبيد الذين في لواء الحلة و بينهم من يمت إلى (زبيد الأصغر) و هم العزة و غالب من يمت إلى زبيد الأصغر في أنحاء بغداد و لواء ديالى و عمرو بن معدي كرب الزبيدي من أبطال فتح العراق من زبيد الأصغر ... (1) و للكلام على قبائل زبيد بتفصيل محل آخر ...

حوادث سنة 797 ه- 1394 م‏

السلطان أحمد في بغداد:

إن والي بغداد الخواجة مسعود الخراساني دامت إدارته في بغداد مدة ... و لما رأى السلطان أحمد أن قد سنحت له الفرصة استفاد من غياب الأمير تيمور في حروبه‏ (2) مع توقتامش في صحراء القفجاق عاد

____________

(1) عنوان المجد ص 145 و 150 و 155، و نهاية الأرب في أنساب العرب ص 223 و غيرها ..

(2) تقويم الوقائع عام 797 ه و كلشن خلفا ورقة 50- 1.

243

إلى بغداد فوجد الوالي نفسه أمام أمر واقع فلم يستطع المقاومة إذ جاء السلطان أحمد بجيش عظيم. ففر الوالي من بغداد و حينئذ دخلها السلطان أحمد ... و كان الأمير زاده ميران شاه ابن الأمير تيمور حاكما بتبريز فأمر إذ ذاك بحصار قلعة النجا (1) و فيها السلطان طاهر ابن السلطان أحمد و جماعة من خواصه و أمواله و ذخائره فمكث مدة في حصارها ...

و جاء في روضة الصفا أن بغداد كان فيها الخواجة محمود السبزواري فتركها و توجه إلى أنحاء البصرة و تمكن السلطان في بغداد سنة 799 ه و التخالف بين النصين ظاهر في حين أننا نرى كلشن خلفا يؤيد أن الوقعة جرت بالوجه المنقول سابقا فرجحناه لأن الوقائع التالية و محاربته مع الشهزاده أميران شاه جاءت بعد هذا الحادث كما أن وفاة ابن العاقولي‏ (2) تعين تاريخ مجيئه و كلها تنطق بصحة هذا التاريخ.

ملحوظة: جاء في الغياثي: «أن تيمور استصفى أموال بغداد جميعها و رحل عنها يوم السبت غرة صفر، دخل السبت و خرج السبت ... و أما السلطان أحمد فإنه لما هرب على طريق مشهد الحسين (رضه) وصل إلى الرحبة فأكرمه نعير و أنزله في بيوته ثم تحول إلى حلب و نزل الميدان و أكرمه نائبها و طالع السلطان بخبره فأذن له في دخول القاهرة في سنة 796 ه. وصل أحمد إلى القاهرة في شهر ربيع الأول فتلقاه الأمراء و خرج إليه السلطان إلى الربدانية و كان السلطان حينئذ برقوق فقعد بالمصطبة المبنية له هناك فترجل له السلطان أحمد من قدر رمية سهم فأمر السلطان الأمراء بالترجل له، ثم لما قرب منه قام له فنزل من‏

____________

(1) وردت في الغياثي بلفظ «النجق».

(2) ستأتي ترجمته في حوادث الوفيات.

244

المصطبة فمشى إليه فالتقاه و أراد أحمد أن يقبل يده فامتنع فطيب السلطان خاطره و أجلسه معه على مقعده ثم خلع عليه، و أركبه صحبته إلى القلعة فأنزله في بيت طغا تيمور على بركة الفيل و نزل جميع الأمراء في خدمته، ثم أرسل له السلطان مالا كثيرا و قماشا و مماليك تخدمه يقال قيمة ذلك عشرة آلاف دينار ذهبا ثم حضر الموكب السلطاني فأذن له في الجلوس ثم أركبه معه إلى الجيزة للصيد، ثم تزوج السلطان برقوق بنت أخيه دوندي سلطان و بنى عليها قريب السفر، ثم تجهز ... و بقي السلطان أحمد في القاهرة ... و بعد مدة طلب إجازة التوجه إلى بغداد فتوجه و حين سمع الخواجة مسعود بتوجه السلطان رحل عن بغداد و دخل السلطان أحمد ...» ا ه (1).

وباء و غلاء:

في هذه السنة وقع الوباء ببغداد و تخلى عنها أكثر أهليها فدخل سلطانها الحلة فأقام بها، و أعقب الوباء غلاء فلذلك تحول. و كان في المحرم توجه غلمان السلطان و حريمه إلى بغداد ... (2).

وفيات‏

1- أبو بكر الموصلي:

في هذه السنة توفي أبو بكر بن عبد البر بن محمد الموصلي الشافعي قال في ذيل الأعلام: الشيخ الإمام القدوة الزاهد العابد الخاشع العالم الناسك الرباني بقية مشايخ علماء الصوفية و جنيد الوقت، كان في ابتداء أمره حين قدم من الموصل و هو شاب يتعانى الحياكة و أقام بالقبيبات عند منزله المعروف زمانا طولا على هذه الحال و في أثناء ذلك يشتغل بالعلم‏

____________

(1) الغياثي ص 195.

(2) الأنباء ج 1.

245

هماي و همايون- لوحة 2- التصوير في الإسلام‏

246

و يسلك طريق الصوفية و النظر في كلامهم و لازم الشيخ قطب الدين مدة و اجتمع بغيره و كان يطالع أيضا كتب الحديث و يحفظ جملة من الأحاديث و يعزوها إلى رواتها و له إلمام جيد بالفقه و كلام الفقهاء فاشتهر أمره و صار له أتباع و كان شعاره إرخاء عذبة خلف الظهر ثم علا ذكره و بعد صيته و صار يتردد إليه نواب الشام و يمتثلون أوامره و سافر بآخره إلى مصر مستخفيا و حج غير مرة ثم عظم قدره عند السلطان و كان يكاتبه بما فيه نفع للمسلمين ثم إن السلطان عام أول اجتمع به في منزله و صعد إلى علية كان فيها و أعطاه مالا فلم يقبله و كان إذ ذاك بالقدس الشريف و قال في أنباء الغمر و كان يشتغل في التنبيه و منازل السائرين و كان ولده عبد الملك يذكر عنه أنه قال: كنت في المكتب ابن سبع سنين فربما لقيت فلسا أو درهما فأنظر أقرب دار فأعطيهم إياه و أقول لقيته قرب داركم توفي بالقدس في شوال و قد جاوز الستين.

2- محمد ابن العاقولي: (مدرسة المستنصرية):

توفي غياث الدين أبو المكارم محمد بن صدر الدين محمد بن محيي الدين عبد اللّه بن أبي الفضل محمد بن علي بن حماد بن ثابت الواسطي ثم البغدادي الشافعي المعروف بابن العاقولي قال ابن قاضي شهبة في طبقاته: صدر العراق و مدرس بغداد و عالمها و رئيس العلماء بالمشرق مولده في رجب سنة 733 ه ببغداد و نشأ بها و سمع من والده و جماعة و أجاز له جماعة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجي‏ (1) كان (مدرس المستنصرية) ببغداد كأبيه و جده و درس أيضا (بالنظامية) كأبيه‏

____________

(1) ورد في الشذرات ابن صحبي و ليس بصحيح و قد مضت بعض النصوص التاريخية عنه و الصواب شهاب الدين أحمد بن علاء الدين حجي الدمشقي و قد مرت الإشارة إلى أن الموما إليه ممن سمع منه ابن حجر صاحب الأنباء كما ذكر في صحيفة من هذا الكتاب. فاقتضى التنبيه لئلا يلتبس الأمر. فيظن أنهما اثنان ..

247

و درس هو بغيرهما، و كان هو و أبوه و جده كبراء بغداد و انتهت إليه الرياسة بها في مشيخة العلم و التدريس و صار المشار إليه و المعول عليه فهرع القضاة و الوزراء إلى بابه و السلطان يخافه و كان بارعا في الحديث و المعاني و البيان و شرح مصابيح البغوي و خرج لنفسه أربعين حديثا عن أربعين شيخا و فيها أوهام و سقوط رجال في الأسانيد و كانت نفسه قوية و فهمه جيدا و كان بالغا في الكرم حتى ينسب إلى الإسراف و لما دخل تيمور لنك بغداد هرب منها مع السلطان أحمد فنهبت أمواله و سبيت حريمه و قدم الشام و اجتمعنا به و أنشدنا من نظمه فلما رجع السلطان إلى بغداد رجع‏ (1) معه فأقام دون خمسة أشهر و قال الحافظ برهان الدين الحلبي كان إماما علامة متبحرا في العلوم غاية في الذكاء مشارا إليه و كان يدخله كل سنة زيادة على مائة ألف درهم و كلها ينفقها و صنف في الرد على الشيعة في مجلد توفي في صفر و دفن بالقرب من معروف الكرخي بوصية منه. و قال ابن حجر شرح منهاج البيضاوي (في أصول الفقه) و الغاية القصوى (في فقه الشافعية مختصر الوسيط للإمام الغزالي) و حدث بمكة و بيت المقدس و أنشد لنفسه بالمدينة:-

يا دار خير المرسلين و من بها* * * شغفي و سالف صبوتي و غرامي‏

نذر علي لئن رأيتك ثانيا* * * من قبل أن أسقى كؤوس حمامي‏

لأعفرن على ثراك محاجري‏* * * و أقول هذا غاية الإنعام‏

و قد ترجمه المقريزي في كتابه السلوك في دول الملوك‏ (2) في‏

____________

(1) في هذه إشارة إلى تاريخ رجوع السلطان بالوجه المبين سابقا ...

(2) هذا التاريخ لتقي الدين المقريزي مفصل جدا و رأيت منه نسخة جميلة في مكتبة فاتح باستانبول تحت رقم يبتدى‏ء من 877 إلى 880 و تمتد حوادثه إلى سنة 844 ه و قد ذكر المؤلف في حوادث سنة 796 ورود كتاب تيمور إلى مصر و عين نصه كما أنه ذكر نص الجواب إليه ... فاكتفى بالإشارة لمعرفة العلاقة آنئذ بين الحكومات الإسلامية مما لا محل لإيراده مفصلا هنا ...

248

الجزء السابع منه في حوادث هذه السنة قال: «إنه توفي يوم الأربعاء 16 ربيع الآخر ببغداد. و كان قدم القاهرة في الجفلة من تيمور، و هو من علماء الشافعية» ا ه.

قال في الأنباء: «كان وقع بينه و بين أحمد بن أويس وحشة ففارقه إلى تكريت، ثم توجه إلى حلب، و كان إسماعيل وزير بغداد بنى له مدرسة (1) فأراد أن يأخذ الآجر من إيوان كسرى فشق على الغياث ذلك و قال هذا من بقايا المعجزات النبوية، و دفع له ثمن الآجر من ماله.

و من شعره:

لا تقدح الوحدة في عازب‏* * * صان بها في موطن نفسا

فالليث يستأنس في غابه‏* * * بنفسه أصبح أو أمسى‏

أنست في الوحدة في منزلي‏* * * فصارت الوحشة لي أنسا

سيان عندي بعد ترك الورى‏* * * و ذكرهم أذكر أم أنسى‏ (2)

جامع العاقولي:

إن هذا الجامع من أول أمره اتخذ مدرسة لطلاب العلم بصورة محدودة. و الظاهر أنه اكتسب شكل جامع، و نال وضعه المشاهد أيام المترجم و مكانته و سخاؤه مما يجعلنا نميل إلى أنه لم ينس عمارة جده.

و منارته من بناء هذا العصر .. و الآثار من النقوش و الكتابات تنبى‏ء عن صناعة هذه الأيام ... و هي من بقايا العصور السالفة فلم تمت بعد و لا تزال سوقها رائجة بعض الرواج ... و لا أدل على ذلك من نشر صور بعض الألواح ...

____________

(1) لعلها هي المعروفة «بجامع المصلوب» و قد مر النقل عن صلبه في عمارته و حكاية ذلك مفصلا ... و هذا قد أعيد مسجدا في الأيام الأخيرة و كان محلا خربا ليس فيه آثار تنطق ببانيه أو مؤسسه، شاهدناه كذلك مدة ثم صار مسجدا يصلي فيه الشيعة.

(2) الأنباء ج 1.

249

حوادث سنة 798 ه- 1395 م‏

قتلة توقتامش خان:

في هذه السنة قتل توقتامش حان و قد تكلمنا عليه في أحوال تيمور و هو صاحب بلاد الدشت (القفجاق)، فاستراح تيمور من أكبر مناضل له، شوش عليه أمره كثيرا، و كان يخافه، و يحذر أن يتوسع نفوذه بعد أن ناصره، و صار يحسب له حسابه ... و لا يزال تيمور مشغولا بحروبه حتى في هذه السنة، و كانت الحروب بينهما دامية جدا ...

قتل بعد أن انكسر من اللنك، قتله أمير من أمراء التتر يقال له قطلوا (1). و ما جاء في الضوء اللامع من أنه لا يزال حيا إلى ما بعد سنة 814 ه فغير صحيح. و فيه تفصيل زائد ... (2).

و كان توقتامش من المشاهير بين ملوك القفجاق و قد ذكرنا بعض الشي‏ء عنهم في الحوادث السابقة. و غاية ما نقوله هنا أن تيمور لنك كان من أكبر مناصريه حبا في خضد شوكة أرص خان من ملوكهم لأنه كان من منافسيه. و لما استقل توقتامش خان بالملك و انتشرت شهرته صار يتوهم منه و يحاول وجود سبب ما لمحاربته فاتخذ وقائع آذربيجان و خراسان خير وسيلة للقيام في وجهه ... و ذلك أن تيمور لنك سمع بانحلال أمر الجلايرية، و وقوع الحروب بين أمرائهم فتعلقت نواياه بتلك المملكة، و تمهيدا لذلك أرسل أخص معتمديه الحاج سيف الدين إلى هذه البلاد بوسيلة الحج في الظاهر و تفحص أحوال البلاد و تجسسها في الحقيقة و هو في المكانة اللائقة من الدهاء بل هو أعظم من أعان تيمور في تأسيس الملك فلما رجع أخبره أن الغنم لا راعي لها و البلاد غنيمة

____________

(1) الأنباء ج 1.

(2) الضوء اللامع ج 2 ص 325.

250

باردة لأن ملوكها في محاربة و مقاتلة فيما بينهم فيمكن الاستيلاء عليها واحدة بعد واحدة. فلما سمع ذلك لم يشك في أنه يستولي عليها و قصد هذه البلاد. و هنا ابتدأت حروبه، و اكتسح السلطانية من أعمال تبريز، و رجع عنها بالوجه المشروح سابقا ...

و كانت بين السلطان أحمد و بين توقتامش خان مواصلة و مراسلات، و الرسل بينهما تتردد ... و في العام الذي شتى فيه تيمور لنك بالري كان قاضي سراي قد توجه نحو تبريز برسالة من عند توقتامش خان إلى السلطان أحمد فتبين أن السلطان أحمد في بغداد و بين أمرائه ببلاد آذربيجان مقاتلة، و أن البلاد في هرج و مرج فأرسل إلى توقتامش يخبره بذلك و يحثه على لزوم حفظ الحدود و الثغور، و أن لا يغفل ذلك، فأرسل توقتامش خمسين ألف فارس و أمرهم أن يقيموا هناك ... و أما القاضي فقد وصل بغداد و أدى الرسالة و بينما هو مقيم ببغداد و كان معه واحد من أولاد المغل فائق الحسن و الجمال فحصل للسلطان علاقة بذلك الغلام فرجع القاضي منفعلا من هذا السلطان و أغرى توقتامش خان على ترك معاونته و حرضه على مخالفته فأرسل توقتامش عساكر كثيرة إلى دربند، و أمرهم أن يتوجهوا إلى تبريز و أن يقبضوا على السلطان أحمد فلما وصلوا إلى تبريز وجدوها في تحصن الأمير سنتاي (مر ذكره) قائد جيش السلطان أحمد، و بعد حصار أسبوع دخل عسكر توقتامش خان تبريز عنوة و نهبوا ما فيها، و لم يروا السلطان أحمد فهو في بغداد و كان هو المقصود فرجعوا عنها ... و استصحبوا معهم الشيخ كمال الدين الخجندي. و كان ذلك سنة 787 ه.

و هذه الوقعة أغضبت تيمور لنك، و عدها تجاوزا على حدود منطقة نفوذه .. فاتخذها وسيلة لمخالفة توقتامش بحيث نسبه إلى كفران النعمة و نسيان الحقوق ... و التواريخ التي كتبت في أيام تيمور و بعده و في أيام‏

251

أخلافه مشت على هذه الوتيرة ... و كان لمخابرات توقتامش و مراسلاته مع ملوك مصر وقع عظيم في تقوية هذا الظن ... و الصحيح يريد أن لا يزاحمه في النفوذ أحد ... و من ثم حاربه بمحاربات عديدة مضى بيان أكثرها و آخرها هذه المرة .. و تيمور لم يهمل أمرا و إنما كان يرعى مصالحه و يلاحظ كل دقيقة فيها و لا يتهاون ... و قد فصل صاحب تلفيق الأخبار وقائع توقتامش الحربية مع تيمور و غيره إلى أن مات بالوجه المذكور و في التواريخ الأخرى أن حادث قتله كان سنة 799 ه و هو الصحيح ... (1).

وفاة سعد بن إبراهيم الطائي:

و في هذه السنة توفي سعد بن إبراهيم الطائي الحنبلي البغدادي قال في أنباء الغمر كان فاضلا و له نظم فمنه:

خانني ناظري و هذا دليل‏* * * لرحيل من بعده عن قليل‏

و كذا الركب إن أرادوا قفولا* * * قدموا ضوءهم أمام الحمول‏

حوادث سنة 799 ه- 1396 م‏

الحرب بين أميران شاه و السلطان أحمد:

في هذه السنة توجه أميران شاه إلى بغداد و حاصرها و كان السلطان أحمد فيها فدافع عنها إلا أن أميران شاه لم يطل أمد حصاره لبغداد و إنما رجع بسرعة إلى تبريز من جهة أنه جاءته الأخبار في مخالفة بعض أعدائه له. أما تيمور فإنه كان في هذه السنة في الهند ... (2).

____________

(1) تلفيق الأخبار ج 1 ص 582: 627.

(2) تقويم الوقائع و الغياثي.

252

السلطان طاهر ابن السلطان أحمد في بغداد:

و في هذه السنة استفادة من غياب أميران شاه عن تبريز و صولته على بغداد خرج السلطان طاهر ابن السلطان أحمد و خواصه من الحصار في قلعة النجا (و في الغياثي سماها النجق) بمعاونة أمراء الكرج و اتصل بأبيه في بغداد ... (1).

حوادث سنة 800 ه- 1397 م‏

السلطان أحمد في بغداد:

في هذه السنة- على ما جاء في الجلد الرابع و العشرين من عقد الجمان- كان السلطان أحمد بن أويس ملكا ببغداد. و صاحب العقد في غالب مباحثه عن هذه الأيام أسدل الستار عن بغداد و وقائعها، و تكلم على حوادث تيمور في حلب و أنحاء سورية و فصل ذلك بكثرة ... و هو عارف بما يجري آنئذ ...

و في هذا العهد كسابقه لم تكن للعراق علاقة مباشرة في السياسة الخارجية، و إنما هي تعود لحكومة العراق الأصلية (الجلايرية). لأنها المسيطرة على مقدراته و بيدها الحل و العقد. و هذه تأسست لها علاقة مع مصر بسبب حوادث تيمور كما ذكر و الملحوظ هنا أن العراق كان ارتباطه بالجلايرية أقوى و أكثر من سائر الحكومات ...

وفيات‏

وفاة تاج الدين أبي محمد عبد اللّه السنجاري:

في هذه السنة أو التي قبلها توفي تاج الدين أبو محمد عبد اللّه بن‏

____________

(1) الغياثي ص 195.

253

علي بن عمر السنجاري الحنفي قاضي صور. ولد سنة اثنتين و عشرين و تفقه بسنجار و ماردين و الموصل و إربل، و حمل عن علماء تلك البلاد و حدث عن الصفي الحلي بشي‏ء من شعره، و قدم دمشق فأخذ بها عن القونوي الحنفي، ثم قدم مصر فأخذ عن شمس الدين الأصبهاني و أفتى و درس و تقدم و نظر المختار في فقه الحنفية و غير ذلك و كان يصحب أمير علي المارداني فأقام معه بمصر مدة و ناب في الحكم ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق و درس بالصالحية و كان حسن الأخلاق، لطيف الذات، لين الجانب و من شعره.

لكل امرى‏ء منّا من الدهر شاغل‏* * * و ما شغلي ما عشت إلا المسائل‏

توفي بدمشق في ربيع الآخر كذا في صحيفة 358 من الشذرات و أعاد ذكره في صحيفة 365 من الجلد السادس و من نظمه (سلوان المطاع لابن ظفر) ...

حوادث سنة 801 ه- 1398 م‏

خلاف أمراء بغداد- السلطان أحمد:

قال الغياثي: إن تيمور أراد أن يحتال على السلطان أحمد بأن يقبض عليه حيا فلم يتم ما أراد و ذلك أنه أرسل إليه أحد أمرائه و هو شروان‏ (1)، لجأ على سبيل أنه انهزم من تيمور و انضم و استصحب معه مالا كثيرا ليقسمه في أمراء السلطان خفية ليستميل به قلوبهم و ليقبضوا عليه و يسلموه إلى تيمور، دخل بغداد فتلقاه السلطان بالإعزاز و الإكرام و أعطاه القبة و زنكاباد و اختصه بمزيد العناية و اشتغل شروان سرا يدس الأموال إلى الأمراء و المقربين من عشرة آلاف إلى ثلثمائة ألف كل على قدر مرتبته حتى لم يترك أحدا من الأمراء و المقربين إلا أعطاه شيئا

____________

(1) جاء في روضة الصفا بلفظ «شروان شاه»- ص 102 ج 6-.

254

و السلطان غافل إلى أنه ذات يوم من الأيام سقطت الورقة المفصل بها أسماء الجماعة من كاتب شروان فالتقطها شخص يقال له كورة بهادر فأوصلها إلى السلطان في حين ورود الأخبار عن عساكر تيمور أنها وصلت البندنيجين و قد هرب منها أمير علي قلندر و هو آنئذ حاكمها و دخل بغداد و السلطان قد أمر بسد أبواب بغداد إلا بابا واحدا و هو في غاية الحيرة و الاضطراب و إذا بهذه الورقة أوصلت إليه، مكتوب اسم حاملها قد خصص له عشرة آلاف دينار، فأمر حالا بضرب عنقه ثم أرسل يادكار الأختجي إلى شروان و معه عدة أمراء بينهم قطب الحيدري و منصور و غيره لنهب الأويرات فجاؤوا برأسه ...

ثم قتل جميع من له اسم في تلك الورقة بحيث كان يرسل واحدا و يقول له اقتل فلانا و لك ماله و بيته فيما إذا تم الأمر حتى يرسل الآخر فيقتل ذلك القاتل و هكذا قتل الواحد تلو الآخر حتى قتل في خلال أسبوع ألفين من أمرائه و أقاربه و مقربيه و قتل عمته وفا خاتون‏ (1) و أكثر الحرم و الخدم الذين كانوا عنده ... ثم بعد ذلك غلق الباب عليه و لم يترك لأحد من الناس سبيلا إليه حتى طعامه الخاص كانوا يأتي به الياورجية و يطرقون الباب و يسلمون الطعام للخدام من الباب و يرجعون. و لما مضى على هذا الحال عدة أيام أمر ستة أنفار من الخدم المقربين بالخفية أن يأخذوا من الاسطبل سبعة خيول خاصة و يعبروها إلى الجانب الغربي و ركب مع الستة أفراد و سار إلى قرا يوسف فاستنصره و قال له تعال انهب بغداد و جاء به و بعسكره بهذا الطمع على أنهم ينهبون بغداد و أنزلهم في الجانب الغربي و دخل إلى داره و ندم على ما فعل فأخرج إليهم النقود و الأقمشة و الرخوت من خزانته و الخيول و الأموال الأخرى حتى أرضاهم و لم يدعهم يتعرضون بالمدينة و رحلوا إلى مواطنهم كذا في الغياثي.

____________

(1) قال في روضة الصفا: و هي التي ربته ... «ص 102».

255

و جاء في كلشن خلفا أن أمراء بغداد اتفقوا على دفع السلطان عنهم فلما علم بذلك قتل الكثيرين منهم ثم سار إلى ديار بكر و استعان بقرا يوسف فجاء معه إلى بغداد و ألقى الهيبة و الرعب في قلوب الباقين و تمكن هو ببغداد (1).

جامع الوفائية:

الظاهر من مكانة وفا خاتون أنها صاحبة الجامع المعروف اليوم (بجامع الوفائية) و هو الجامع القديم الكائن في سوق الكبابية و يرجع بالنظر إلى آثاره إلى هذا العهد و اليوم بيد متولّ هو عبد اللطيف و له مرتزقة في فضلة الغلة. و إن مرور العصور حال دون اتصالهم بالواقفة ..

و لكنهم أثبتوا بموجب إعلام شرعي التعامل القديم ...

قال الآلوسي في مساجد بغداد: إنه من مساجد بغداد القديمة العهد ... و سماه باسم من قام بعمارته من ولاة بغداد (مسجد الإسماعيلية). و اليوم معروف ب (جامع الوفائية) كما يستفاد من حجج التولية أيضا و قد شاهدتها كما أني رأيت في وقفية (جامع علي أفندي) (2) ذكر المدرسة (الوفائية) عند تحديد أملاك الوقف هناك و لم يرد في تاريخ مساجد بغداد بيان لهذه التسمية (3) ...

____________

(1) كلشن خلفا ص 50- 1.

(2) مساجد بغداد ص 77.

(3) كتب المؤلف تعليقا على جامع الوفائية ما يلي:

لا يسمى (جامع الوفائية) بجامع الإسماعيلية. و إنما هذا الجامع هو جامع الصاغة. و كان يسمى (جامع الإسماعيلية). و هذه التسمية متأخرة. و للتفصيل محله من كتاب (المعاهد الخيرية في العراق)، و المجلدات التالية من تاريخ العراق.

256

عزيز بن أردشير الاسترابادي:

قد ذكرنا مجمل ترجمته عند الكلام على (كتاب بزم و رزم)، و كان ألفه للقاضي برهان الدين السيواسي و قد ضبط في الأنباء تاريخ وفاة هذا القاضي سنة 801 ه قال: «فيها قتل القاضي برهان الدين أحمد السيواسي أمير سيواس قتله قرا يلك التركماني عثمان بن قطلبك، قتل و سبى و غنم فرجع.» ا ه (1). و في الدرر الكامنة و الشقائق توفي في أواخر سنة 800 ه.

فارق سيواس إلى مصر أثناء هذه الوقعة فتوفي بعدها ... و لم نعثر على وفاته و الكتاب خير وثيقة لبيان مصاب بغداد بسلطانها أحمد و بتيمور لنك ...

قال في كشف الظنون في مادة تاريخ القاضي برهان الدين السيواسي في أربع مجلدات للفاضل عبد العزيز البغدادي ذكر ابن عربشاه في تاريخه أنه كان أعجوبة الزمان في النظم و النثر عربيا و فارسيا، و كان نديم السلطان أحمد الجلايري ببغداد فالتمسه منه القاضي عند نزوله إليها فامتنع و أقام من يحرسه و هو يريد الذهاب فوضع ثيابه بساحل دجلة ثم غاص و خرج من مكان آخر، ثم لحق برفقائه فزعموا أنه غرق فصار عند القاضي مقدما معظما فألف له تاريخا بديعا ذكر فيه بدء أمره إلى قرب وفاته و هو أحسن من تاريخ العتبي في رقيق عباراته، ثم بعد وفاة القاضي رحل إلى القاهرة فتردى هناك من سطح عال و مات منكسر الأضلاع ذكره ابن عربشاه في حاشية الشقائق انتهى.

و يفهم من هذا أن صاحب كشف الظنون لم ير الكتاب فقص نقله في هذه القصة و يكذبها ما جاء في نص كتاب بزم و رزم المذكور. و هو كاف‏

____________

(1) الأنباء ج 1 و قد اضطرب ناشر كتاب بزم و رزم في تعيين وفاة القاضي المذكور و هنا ذكر مع القطع تاريخ الوفاة.