موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج2

- عباس العزاوي المزيد...
424 /
257

للتعريف به و معرفة المخالفة و قد مر النقل منه، حكى ما شاهد؛ و لازم السلطان أحمد فألقي القبض عليه و عفا عنه ابن تيمور. و اسمه الصحيح (عزيز) لا (عبد العزيز) ...

حوادث سنة 802 ه- 1399 م‏

ذهاب السلطان أحمد إلى العثمانيين:

كان السلطان أحمد في غاية الخوف من تيمور و كانت جواسيسه تأتيه بالأخبار دون انقطاع. و لما علم في أواخر سنة اثنتين و ثمانمائة بعزم تيمور على السفر إلى سيواس توهم أن سوف يسد عليه طريق الروم و أن مصر و الشام في اضطراب و تشوش، و أن السلطان برقوق قد توفي فخشي أن يقطع عليه طريقه فذهب توّا إلى بلاد الروم‏ (1) مع قرا يوسف و أخذ أهله و أولاده و أمواله و نفائسه فترك بغداد إلى وال يدعى (فرجا) كذا في الغياثي و في كلشن خلفا، و أما في روضة الصفا فقد جاء اسمه (فرخ) بتشديد الراء و تكرر مرارا و هو اسم أعجمي و التسمية به معروفة ...

و هذا دامت إمارته على بغداد إلى حين مجي‏ء الأمير تيمور و افتتاحه لها ...

و جاء في الأنباء: «في شوال (سنة 802 ه) بلغ أهل بغداد عزم تيمور لنك إلى التوجه إليهم ففر أحمد سلطانها، و استنجد بقرا يوسف فأخذه و رجع إلى بغداد و تحالف على القتال، و أعطاه مالا كثيرا، فأقام عنده إلى آخر السنة، ثم توجه هو و قرا يوسف إلى بلاد الروم قاصدين أبا يزيد بن عثمان ... فوصل اللنك إلى قراباغ في شهر ربيع الأول‏

____________

(1) مملكة العثمانيين و سلطان الروم المعاصر ييلديرم بايزيد و سيأتي الكلام على حكومتهم ...

258

و قصد بلاد الكرج فغلب على تفليس، ثم قصد بغداد فبلغه توجه أحمد و قرا يوسف إلى جهة الشام، و قصد بلاد قرا يوسف فعاث فيها و أفسد، و بلغ قرا يلك حال اللنك ... فسار إليه و وقف في خدمته كالدليل، و عرفه الطرقات، و استقر في جملة أعوانه فدخل اللنك سيواس عنوة فأفسد فيها عسكره على العادة و خربوا فرد آخر السنة؛ و قد كثر اتباعه من المفسدين ...» ا ه.

و هنا نرى صاحب الأنباء كرر المباحث و خلط فيها بين حوادث هذه السنة و التي بعدها فصرنا نشاهد البحث و قد سبق منه الكلام عليه ...

حوادث سنة 803 ه- 1400 م‏

دخول تيمور بغداد:

و هذه المرة الثانية التي دخل بها تيمور بغداد. قال الغياثي: و كان يوم السبت 26 ذي القعدة لسنة 803 ه بخلاف كلشن خلفا فإنه عين دخول تيمور عام 802 ه و كان قد تركها السلطان أحمد و تفصيل الخبر أن السلطان أحمد بعد أن ذهب إلى مصر عاد إلى بغداد و حينئذ فر واليها الخواجة مسعود بالوجه المذكور فدخلها و دام حكم السلطان أحمد فيها إلى سنة 801 ه فتركها إلى الوالي فرج و ذهب إلى ييلديرم بايزيد سلطان العثمانيين و في هذه الأيام وافى تيمور لاستعادة بغداد و انتزاعها من أميرها المذكور ...

حاصرها الأمير تيمور بنفسه و معه الأمير زاده سلطان خليل و الشيخ نور الدين و رستم طغا فأحاطوا بها و لم يبالوا بمناعتها فدخلوها ... أما الأمير فرج فإنه لم يجد مخلصا، و سدت السبل في وجهه فلم يستطع الدفاع فركب السفن هو و أهله و ذهب إلى أنحاء البصرة ... و بينما هو

259

كذلك إذ ألقى المغول القبض عليه ... و حينئذ توجه الجيش نحو بغداد و قتلوا الأهلين قتلا عاما؛ فكان المصاب عظيما لا يستطيع البيان أن يعبر عن بعضه فلم يجد القوم ملجأ، و عاث فيهم التتر فلم يبقوا و لم يذروا، و دمرت الآثار العباسية و زالت بقاياها من البين، و دثرت الجوامع و خربت المساجد، و بلغ الظلم و القسوة حدهما. و دام البلاء و الفتك لمدة أسبوع ثم كف عن القتل ...

و الحاصل صارت بغداد في قبضته و أضاف إليها الجزائر و البصرة و ولى إمارتها إلى ميرزا أبي بكر بن ميران شاه و ذهب هو إلى بلاد الروم (المملكة العثمانية) (1).

و جاء في تواريخ عديدة أن تيمور بعد أن عزم إلى الروم ثنى عزمه إلى الشام فسخرها و رجع إلى قلعة آلنجق (النجا) و كان لها عشر سنوات محصورة فتوقف هناك حتى سخرها و قتل سيدي علي الأوغل شاهي الذي كان بها و أرسل جيشا إلى بغداد فامتنعت عليه و وقع الحرب بين أميرها فرخ و بينهم و جاء أمير علي قلندر من البندنيجين و غيره من الأمراء الآخرين و عبروا دجلة من قرب المدائن و سار فرخ شاه من الحلة و ميكائيل من السيب فالتقوا جميعا عند صرصر و اجتمع معهم مقدار ثلاثة آلاف فارس فوقعت المعركة بينهم و بين الجغتاي حوالي عمارة أمير أحمد فانكسر الجيش العراقي ... إلا أن الأمير فرخ لم يسلم المدينة و حاصر فيها و طلب أن يجي‏ء الأمير تيمور بنفسه فبعث المغول بالخبر إلى تيمور فتوجه إليهم بنفسه من طريق آلطون كبري‏ (2) و چمچمال و شهرزور فجاء إلى بغداد فلم يصدق الأمير فرخ و أصر على الدوام بالحرب. و ليعتقد الأمير فرخ بصحة وجود تيمور جاءهم الشيخ بشر من الصلحاء في الأعظمية فخاطب أكابر الأهلين في بغداد الحاضرين على السور فحلف لهم أن هذا

____________

(1) كذا في كلشن خلفا و كان ذلك في سنة 802 ه.

(2) و بلفظ آلتون كوپري و معناه قنطرة الذهب.

260

هو تيمور بعينه فكذبوه و شتموه و رموه بالنشاب ..

فلما شاهد تيمور ذلك الحال نزل بعساكره إلى قرية العقابية و هناك نصب جسرا و مضى لجانب الرصافة فضيق الخناق و حاصر بغداد لمدة أربعين يوما فملّ الناس الحرب و ضجروا من فقدان المأكول و امضّ بهم الحر ... فتركوا الحصار و دخل الجغتاي من برج العجمي و عاثوا في المدينة فقتلوا الأهلين تقتيلا فظيعا فهلك أكثر الناس ... و من الأمراء المعروفين الذين جاؤوا معه أمير زاده خليل سلطان و من القواد أصحاب لقب (نويان) أمير شيخ نور الدين و رستم طغاي بوقا و الأمير زاده شاه رخ و الأمير سليمان شاه و أمير زاده رستم و أمير شاه ملك و برندق و علي سلطان و غيرهم من أمراء التومان الآخرين.

أما الأمير فرخ فإنه ركب سفينة مع بعض أهله و خواصه إلا أنه تمكن الجغتاي من قتله فلم ينج منهم ...

ثم إن تيمور بعد أن فرغ من قتل الناس انتشر قومه في البلد فأحرقوا الدور و أخربوا المدارس و العمارات ... (1).

و جاء في روضة الصفا أن فتح بغداد كان بعد محاصرة دامت أربعين يوما يوم السبت 7 ذي القعدة لسنة 803 ه و قتل خلق لا يحصى و اتخذت من رؤوسهم منارات و خرج منها في العشرة الأولى من ذي الحجة إلا أنه لم يصل إلى العلماء منه ضرر ... و من هناك زار مشهد الإمام موسى الكاظم (ر ض) و مضى إلى الحلة فزار مشهد الإمام علي (ر ض) و قضى نحو عشرين يوما تثبيتا للسطوة و السيطرة على تلك الأنحاء و على واسط و تجمع إليه علماء العراق و آذربيجان و غيرهم و كانت مجالسه مشغولة بالمناظرات العلمية و ما ماثل .. و نرى التفصيلات عن دخوله و إقامته بالعراق و فتحه و ذهابه في تاريخ روضة الصفا موافقة للغياثي و هي‏

____________

(1) الغياثي و روضة الصفا و غيرهما.

261

هماي و همايون- لوحة 3- التصوير في الإسلام‏

262

أولى بالأخذ لتعيينها أوقات حركته و على كل دامت حروبه من أواخر سنة 802 ه إلى هذا التاريخ ... فذهب متوجها إلى الروم ...

قال في الشذرات عن وقعة بغداد:

«ثم سار على بغداد و حاصرها أيضا حتى أخذها عنوة يوم عيد النحر من هذه السنة (سنة 803 ه) و وضع السيف في أهلها و ألزم جميع من معه أن يأتي كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهلها فوقع القتل حتى سالت الدماء أنهارا و قد أتوه بما التزموه فبنى من هذه الرؤوس مائة و عشرين مئذنة ثم جمع أموالها و أمتعتها و سار إلى قراباغ فجعلها خرابا بلقعا ...» ا ه (1).

و قد بالغ أيضا صاحب الدر المكنون في قتلى بغداد على يد تيمور فقال إنهم تسعون ألفا و لعله و غيره أرادوا التهويل منه و التنفير من عمله ... كما بالغوا و هولوا بوقائع هلاكو و قتلى البغداديين عنها تخويفا للناس و اهتماما بأنفسهم أن ينالهم ما نال أولئك بغرض التأهب للطوارى‏ء و الاستماتة في الدفاع إذ لا وراء ذلك إلا الموت .. و قد نقل ابن جزي قال:

«أخبرنا شيخنا قاضي القضاة أبو البركات ابن الحاج أعزه اللّه قال سمعت الخطيب أبا عبد اللّه بن رشيد يقول لقيت بمكة نور الدين بن الزجاج من علماء العراق و معه ابن أخ له فتفاوضنا الحديث فقال لي:

هلك في فتنة التتر بالعراق أربعة و عشرون ألف رجل من أهل العلم و لم يبق منهم غيري و غير ذلك و أشار إلى ابن أخيه». ا ه من رحلة ابن بطوطة (2). و في هذا ما فيه و قد ذكرنا علماء العراق هناك و بذلك إبطال‏

____________

(1) الشذرات ج 7.

(2) ج 1 ص 225.

263

لقول ابن الزجاج فلا تزال المدارس آهلة و العلماء على أوضاعهم و في أيام الفتن جمع مال وافر إلى الأقطار الإسلامية الأخرى ... فلا يعول على النشرات و الإذاعات أيام الحروب و وقت الفتن إلا بتروّ و توثق من صدق الخبر ...

قال في الأنباء: «و في شوال (هذه السنة) كان تيمور لنك وصل ماردين .. و أرسل من عنده رسولا في خمسة آلاف نفس إلى بغداد يطلب من متوليها مالا كان وعد به ... فلما وصل الرسول ورآه أهل البلد في قلة طمعوا فيه فقتلوا غالب من معه فأرسل الرسول إلى تيمور لنك يطلب منه نجدة فتوجه نحوه بالعساكر فوصل في آخر شوال فملكها و بذل فيها السيف ثلاثة أيام، ثم أمر أن يأتيه كل فارس من عسكره برأس فشرعوا في قتل الأسرى حتى أحضروا إليه مائة ألف رأس فبناها مواذن أربعين، ثم أمر بنهب الحلة فنهبوا و خربوا بعد أن أمر بخراب بغداد» ا ه.

وفيات‏

1- جلال الدين الشيرازي:

عرف بجلال الدين الشيرازي و اختلف في اسمه فقد ذكر صاحب الشذرات أنه أسعد بن محمد بن محمود الشيرازي الحنفي، و في الضوء اللامع سماه (أسدا)، و في الأنباء (أحمد) و الظاهر تغلب عليه اللقب.

قدم بغداد صغيرا فاشتغل على الشيخ شمس الدين السمرقندي في القرآن و في مذهب الحنفية، ثم حضر مجلس شمس الدين و قرأ عليه البخاري ... و جاور بمكة سنة خمس و سبعين و كان يقرى‏ء ولديه و يشغلهما بشغل في النحو و الصرف و غيرهما و درس و أعاد و حدث و أفاد و كانت عنده سلامة باطن و دين و تعفف و تواضع، يكتب خطا حسنا و ولي آخر أيامه إمامة الخانقاه السميساطية بدمشق و مات بها في جمادى الآخرة

264

و قد جاوز الثمانين‏ (1).

«... و ارتحل بسبب الفتنة اللنكية في سنة 795 ه عن بغداد إلى دمشق فأقام بها بعد زيارته القدس و الخليل حتى مات عن نيف و ستين أو سبعين و دفن بظاهر دمشق ...» ا ه.

2- عز الدين أبو أحمد الشاعر العراقي:

و توفي عز الدين الحسن بن محمد بن علي العراقي المعروف بأبي أحمد الشاعر المشهور نزيل حلب، قال ابن خطيب الناصرية: كان من أهل الأدب و له النظم الجيد، و ينسب إلى التشيع ... و كان يجلس مع العدول للشهادة بمكتب داخل باب النيرب و من نظمه:

و لما اعتنقنا للوداع عشية* * * و في كل قلب من تفرقنا جمر

بكيت فأبكيت المطي توجعا* * * و رق لنا من حادث السفر السفر

جرى در دمع أبيض من جفونهم‏* * * و سالت دموع كالعقيق لنا حمر

فراحوا و في أعناقهم من دموعنا* * * عقيق و في أعناقنا منهم در

و له مؤلف سماه (الدر النفيس في أجناس التجنيس) أوله:

لو لا الهلال الذي من حيكم سفرا* * * ما كنت أنوي إلى مغناكم سفرا

و لا جرى فوق خدي مدمعي دررا* * * حتى كأن جفوني ساقطت دررا

يا أهل بغداد لي في حيكم قمر* * * بمقلتيه لعقلي في الهوى قمرا

يشتمل على سبع قصائد في مدح البرهان ابن جماعة و له عدة قصائد في مدح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرتبة على حروف المعجم و توفي بحلب في سابع المحرم‏ (2).

____________

(1) الشذرات ج 7 و الأنباء ج 1 و الضوء اللامع ج 2 ص 280.

(2) الضوء اللامع ج 3 ص 126، و الشذرات و الأنباء ج 1.

265

3- عبد الجبار بن عبد اللّه الخوارزمي:

من علماء تيمور و كان معه في حروبه، قدم حلب معه في ربيع الأول سنة 803 ه. و دخل معه دمشق، ثم بلاد العجم فمات هناك في ذي القعدة من هذه السنة. و كان عالم الدشت، و هو موصوف بالفضل و الذكاء، و يقال إنه معتزلي. و كان إماما بارعا متفننا في الفقه و الأصلين و المعاني و البيان و العربية، انتهت إليه الرياسة في أصحاب تيمور بحيث كان عظيم دولته، و كان يباحث العلماء، و لديه فصاحة بالعربية و العجمية و التركية و ثروة و حرمة. كل ذلك مع تبرمه من صحبة تيمور بل ربما نفع المسلمين عنده، و لكن في الأغلب لا تسعه مخالفته.

قال المقريزي: كان من فقهاء تيمور الحنفية و هو معه على عقيدته و سمي أباه نعمان بن ثابت‏ (1).

حوادث سنة 804 ه- 1401 م‏

السلطان أحمد و قرا يوسف في العراق:

جاء في كلشن خلفا: «و بعد ذهاب الأمير تيمور إلى مملكة الروم (الأناضول) وافى قرا يوسف إلى العراق مرة أخرى و جمع هناك جموعا عند نهر العلقمي قرب الحلة و عقد همته لمقارعة آل تيمور ... و لما سمع الميرزا أبو بكر و من معه من الأمراء بادروا لدفع غائلته و سد الطرق في وجهه فلم ينل مأربا و رجع بخفي حنين بل بخيبة تامة. و من ثم تخلص العراق لآل تيمور (2).

و هنا نرى الوقعة التي نقلها صاحب كلشن خلفا جاءت مجملة

____________

(1) الضوء اللامع ج 4 ص 35.

(2) كلشن خلفا ص 50- 2.

266

بالنظر للنصوص التاريخية الأخرى كما أن التاريخ الغياثي جاءت فيه الوقعة مبتورة و إن كان نقلها من روضة الصفا و على كل يفهم من مراجعة هذه النصوص خروج تيمور من بغداد و توجهه إلى تبريز كان في أوائل ذي الحجة لسنة 803 ه و قد مضى القول عنه فلما علم السلطان أحمد و قرا يوسف اللذان كانا قد هربا إلى الروم أن تيمور قد عزم على الذهاب إلى بلاد الروم و تأهب لمقارعة السلطان ييلديرم بايزيد عادا و جاءا من طريق قلعة الروم على شاطى‏ء الفرات إلى هيت و من هيت عبر السلطان أحمد إلى بغداد فاستعاد بغداد و جمع ما تمكن عليه من أمرائه المشتتين في الأطراف و استقر بها فوجدها خاوية فاشتغل بعمارتها و زراعتها (1) ... و لما سمع تيمور هذا الخبر و هو في تبريز أمر بالعساكر أن تتوجه نحو بغداد و سير أمير زاده أبا بكر و أمير جهانشاه و آخرين غيرهم فضبطوا الدروب و في ليلة السبت 8 رجب سنة 804 ه وصلوا بغداد على حين غفلة بحيث إن السلطان أحمد أصابه الارتباك و الاضطراب و العجلة فلم يتمكن من لبس ثيابه بتمامها و إنما رمى بنفسه إلى سفينة فعبر إلى الجانب الغربي و كان ولده السلطان طاهر هناك فتوجه معه و جماعة معدودة من أمرائه إلى صوب الحلة ركبوا خيلا جردا. أما عسكر تيمور فإنه كان منهوك القوى من السير و الغارة المستمرة فتوقفوا تلك الليلة ببغداد و في الصباح سار الأمير جهانشاه إلى الحلة فرأى الجسر مقطوعا و السلطان قد رحل إلى جزيرة خالد و مالك فتوقف الأمير جهان شاه في الحلة و أرسل قاصدا إلى تيمور لعرض الحالة إليه و من ثم توارد الأمراء الآخرون من الأنحاء الأخرى و جاؤوا من مواطن مختلفة فنهبوا و سلبوا و غنموا غنائم لا حد لها و قضوا على كل من كانوا يرتابون‏

____________

(1) «اشتغل بعمارتها و زراعتها ...» يضاف إلى هذا ما رواه مؤلف عيون أخبار الأعيان «و بنى سورها فقال أهل بغداد: أحمد المسكين صرف ماله في الماء و الطين ..» ا ه. قاله الصديق الفاضل مصطفى جواد.

267

منه و عاد بعض هؤلاء الأمراء ... و استقرت بغداد تحت إدارة تيمور ... (1).

إن الذي أوقع المؤرخين في الغلط هو أنه كانت حدثت وقعة مماثلة أو مقاربة لهذه كما سيجي‏ء التفصيل عنها فاشتبه الأمر في حين أن هذه الوقعة جرت قبل أن يذهب إلى بلاد الروم و يقارع السلطان ييلديرم بايزيد ...

الحروفية و نحلتهم‏

فضل اللّه الحروفي:

«فضل اللّه بن أبي محمد التبريزي أحد المتقشفين من المبتدعة.

كان من الاتحادية ثم ابتدع النحلة التي عرفت ب (الحروفية) فزعم أن الحروف هي عين الآدميين إلى خرافات كثيرة لا أصل لها، و دعا اللنك إلى بدعته فأراد قتله فبلغ ذلك أمير زاده (ميران شاه) لأنه فر مستجيرا به فضرب عنقه بيده و بلغ اللنك فاستدعى برأسه و جثته فأحرقها في هذه السنة (804 ه). و نشأ من أتباعه واحد يقال له نسيم الدين (نسيمي) فقتل بعد ذلك و سلخ جلده في الدولة المؤيدية سنة 821 ه بحلب.» قاله في أنباء الغمر. و قال صاحب الضوء و أظنه هو (فضل اللّه أبو الفضل الاسترابادي العجمي) و اسمه عبد الرحمن و لكنه إنما كان يعرف بالسيد فضل اللّه حلال خور أي يأكل الحلال كان على قدم التجريد و الزهد ..

مع فضيلة تامة و مشاركة جيدة في علوم و نظم و نثر. و حفظت عنه كلمات عقد له بسببها مجالس بكيلان و غيرها بحضرة العلماء و الفقهاء ثم مجلس بسمرقند حكم فيه بإراقة دمه فقتل بالنجا من عمل تبريز سنة 804 ه و كان له مريدون و أتباع في سائر الأقطار لا يحصون كثرة متميزون بلبس‏

____________

(1) روضة الصفا و الغياثي و حبيب السير.

268

اللباد الأبيض على رأسهم و بدنهم و يصرحون بالتعطيل و إباحة المحرمات، و ترك المفترضات و أفسدوا بذلك عقائد جماعة من الجغتاي و غيرهم من الأعاجم. و لما كثر فسادهم بهراة و غيرها أمر القاءان معين الدين شاه رخ بن تيمور لنك بإخراجهم من بلاده و حرض على ذلك فوثب عليه رجلان منهم وقت صلاة الجمعة و هو بالجامع و ضرباه فجرحاه جرحا بالغا لزم منه الفراش مدة طويلة استمر به حتى مات و قتل الرجلان من وقتهما شر قتلة. و هو في عقود المقريزي‏ (1).

و هذا من أشهر دعاة الباطنية في القرن الثامن الهجري، ظهر بثوب آخر من الإبطان بل وسع ناحية من نواحي معتقد الباطنية و هي «طريقة الحروفية» فقد برع فيها، و أطنب في تفسيرها، و جاهر بها بحيث دعا إلى لزوم إغفال الأحكام الشرعية فأول الآيات و صرفها عن معناها بوجه آخر غير ما ركن إليه الغلاة أو بالتعبير الأصح جاهر بما لم يستطيعوا المجاهرة به ..

و من المؤكد أن هؤلاء لم يكونوا مسلمين و إنما دعوا إلى طريقة رأوها الأصلح في الإفساد فجربوها و نجحت عندهم و هي طريقة التأويل الذي لا يحتمله اللفظ، و لا تقارب بين الأصل و المعنى الذي قرروه، فعرفت مطالبهم، و كشف العلماء عن حقيقة نحلتهم .. فهم من غلاة المتصوفة و عرفوا (بالحروفية) ...

و كانت نوايا هؤلاء الباطنية- كغيرهم من نوعهم. هدم الديانة الإسلامية إلا أنهم رأوا المجابهة بالإنكار و المعارضة بالنقد، أو إعلان محاربة رجاله ... غير مقدور لهم، و جربوه بتجارب عديدة فلم يولد نتيجة حسنة لما يتطلبونه بل رأوا معارضة شديدة؛ و نالتهم نكبة قاسية من جراء ما قاموا به فعادوا بالخيبة و الخذلان و من ثم ركنوا إلى ما ركنوا إليه ...

____________

(1) الضوء اللامع ج 6 ص 174.

269

و لم يكن يهمنا البحث و التوسع في هذه الناحة لو لا أن صاحب كتاب النواقض تعرض لداعيتهم هذا فقال: «و أما أمر فضل اللّه الاسترابادي فإنه جاور النجف مدة عشرين سنة ... و لم يحصل منه ما يدل على أنه من زمرة المسلمين في الصفاء ...» ا ه. فهل تلقى نحلته هنا أو أنه جاء لبثها، أو كانت لها علاقة بالإسماعيلية و هم يترددون إلى مشهد الإمام علي (ر ض) فاتصل بهم ...؟ مما دعا للتفكير في شأنهم و التتبع لآثارهم خصوصا بعد أن علمنا أن نسيمي البغدادي من تلامذة فضل اللّه الحروفي و في آثار فضولي و روحي البغدادي ما يشير إلى أنهما من هؤلاء ... فعلاقة نحلته بالعراق و إن كانت ضعيفة إلا أنها تستحق التدقيق و تستدعي النظر .. فلم يخل العراق من دخول عقائد متنوعة يستهوي اتباعها الناس بضروب مختلفة، تارة من طريق الآداب الفارسية، و طورا من ناحية الشيعية و باسمها في وقت أن العقيدة الشيعية معروفة و منتشرة بين ظهرانينا ... و آونة من ناحية التصوف و نحله الغالية ..

و هكذا مضوا في تطبيق نهجهم و ساروا في عملهم دون أن يعتريهم كلل، أو ينالهم ملل ...

و لا نتجاوز حدود موضوعنا. فهذه النحلة لم تلبث أن دخلت في نحلة التصوف المعروفة ب (البكتاشية) و توثقت العلاقة بين الحروفية و البكتاشية لحد أن صار يعد الواحد مرادفا للآخر ... و بعد استيلاء العثمانيين دخلت البكتاشية بغداد و رؤساؤهم حروفية قطعا ...

و للمترجم مؤلفات حصلت على مكانتها عندهم:

1- جاودان كبير:

اشتهر المترجم بكتابه هذا و هو جاودان كبير فكان أساسا لغيره بحيث صار كل كتاب من كتبهم المعتبرة يسمى جاودان و كتاب فضل اللّه ينعت بجاودان كبير، و الأخرى المعتبرة تسمى بجاودان أيضا و هي نحو

270

ستة كتب و لا توصف بكبير. قال في كشف الظنون عن جاودان كبير «فارسي، منثور، ألفه في مذهبه و هو متداول بين الطائفة الحروفية» ا ه.

و لأول مرة رأيت منه نسخة مخطوطة في مكتبة فاتح في استانبول برقم 3728 و كان قد ترجمه إلى التركية درويش مرتضى البكتاشي إلا أن هذه الترجمة لا توافق أصلها تماما. ثم حصلت على نسختين من الأصل مخطوطتين. و هذا من الكتب التي لا يبيحون مطالعتها لكل أحد و إنما هو محرم على غيرهم. و المؤلفات الأخرى توضيح أو إجمال لمطالبهم و سائر ما يرمون إليه. يأخذ بعض الآيات و يفسر حروفها و لا يتيسر الاطلاع على إشاراته ما لم يعرف مفتاحه لحل رموزه.

2- عرفنامه:

ذكرها صاحب كشف الظنون و قال هي «للسيد جلال الدين فضل اللّه عبد الرحمن الاسترابادي ....» ا ه و لم أرها. و القوم يحتفظون بآثار رئيس نحلتهم و يتهالكون في صيانتها.

3- عرشنامة. له:

و مما يلفت الأنظار أن غالب ملائية الصبيان كانوا منهم، و القول «بفضل بسم اللّه الرحمن الرحيم» من تأثيراتهم الباقية، و شاراتهم المعروفة ... يلقنونها للناس بطريق الإيهام و التعمية ... و من تلامذة المترجم نسيمي البغدادي و سنتعرض لترجمته في حينها. و عندي ديوانه مخطوطا. و من بين تلامذته من نال المكانة الرفيعة في بلاد الترك (علي الأعلى) و له اسكندرنامه و عرشنامه و محبتنامه ...

و لا نجد تعريفا وافيا برجال نحلتهم في مختلف العصور بصورة منتظمة و ترتيب صحيح إلا أن المعلوم من مشاهيرهم يبصر نوعا بأوضاعهم .. و دراستهم ملازمة لدراسة الطريقة البكتاشية و هي التي‏

271

أسسها بكتاش ولي الخراساني الأصل من مدينة نيسابور و كان أخذ الطريقة في خراسان عن شيخ لقمان. و في أوائل القرن الثامن الهجري جاء مهاجرا إلى الروم فاشتغل في الإرشاد في الأناضول، و أن السلطان أورخان غازي العثماني زاره فدعا له و هو الذي وضع اسم الينكچرية (الانكشارية) لجيشه و انتزع كم خرقته و وضعه على رأس الينكرية فصار معتادا لهم وضع ما يشبه الكم في رؤوسهم ... توفي أيام السلطان أورخان و دفن بجوار قير شهري ... و الرسوم الموجودة ليست من وضعه و إنما ابتدعها درويش يقال له (باليم سلطان) و صار في الحقيقة هو المؤسس لهذه الطريقة ... (1).

و عندنا في المثل العامي (شايل قزان بكتاش) لمن يتحمل أمرا عظيما غير ملتزم بتحمله ...

و من كتبهم الموجودة عندي مخطوطة:

1- جاودان كبير.

2- كشفنامه محيطي دده.

3- قسمتنامه محيطي بابا.

4- ديوان محيطي.

5- كتاب ويراني.

6- ديوان ويراني.

7- كرسي نامه علي الأعلى.

8- ذره نامه سيد شريف.

9- قيامتنامه علي الأعلى.

____________

(1) قاموس الاعلام ج 2 ص 1332.

272

10- محشر نامه. للأمير علي.

11- مجموعه كلشني و نسيمي.

12 و 13- فيضنامه و رسالة أخرى لم أعرف اسم مؤلفها.

14- ديوان نسيمي.

15- مبدأ و معاد.

16- مناقب بكتاش ولي.

أما الكتب المطبوعة فغالبها دواوين. و من أهم الكتب للتعريف بنحلتهم و بيان دخائلهم كتاب (كاشف أسرار بكتاشيان) لاسحق أفندي و هو مطبوع فيه تتبع مهم و افتضاح لهذه الطائفة. و من رسائلهم الأصلية بعض الكتب التي نشرت مصدرة بمقالة للدكتور الفيلسوف رضا توفيق و كليمان هوار ... و فيها بيان للموجود في المكتبات المعروفة ...

و من كتبهم:

1- بشارتنامه لرفيعي.

2- عشقنامه لابن فرشته (ابن ملك).

3- آخرتنامه. له.

4- وحدتنامه لمقيمي.

5- حقيقتنامه.

6- اطاعتنامه. لكمال السنائي.

7- حقايقنامه أو مقدمة الحقائق.

8- رساله فضل اللّه.

9- تحفة العشاق.

10- رساله بدر الدين.

11- رساله نقطه.

273

12- رساله حروف.

13- ترابنامه.

14- اسكندر نامه.

15- محبتنامه.

16- استوانامه.

17- هدايتنامه.

18- محرمنامه.

19- ولايتنامه.

و من مشاهير رجالهم خليفة اللّه علي الأعلى الشيخ أبو الحسن، و أمير غياث الدين، و كمال سنائي؛ و حسن حيدر، و سيد شريف، و ويران ابدال، و ابن فرشته و هو عبد المجيد. و من رجالهم بابا نديمي و ترجمته في تذكرة سهى‏ (1) و من شعره:

فلكك يازدي چاق بروجنده‏* * * كه دونه م بن دخي براوجنده‏

نه زكاتن ايده م طمع مالك‏* * * نه نمازكده، نه اوروجكده‏

و الكلام في ذا يطول و قد يخرج بنا عما التزمناه و غاية ما أقول أن هؤلاء لا يختلفون عن غيرهم من الباطنية في إباحة المحرمات و ترك الواجبات و حكاياتهم متداولة و هم من أهل الاتحاد و الحلول و أهم خصيصة لهم (فكرة الحروفية) و هي قديمة و يرجع عهدها إلى (سفر يصيرا) عند اليهود و هو سفر الخليقة شاعت عند الباطنية هذه الفكرة في مختلف عصورهم، و أكتفي أن أشير إلى مراجعة كتب ناصر خسرو، و الكتب التالية له من أهل نحلته، و أنقل النص التالي من «كتاب الفرق» (2) قال:

____________

(1) ص 62.

(2) مر وصفه في هذا الجزء، و في تاريخ اليزيدية هامش ص 54.

274

«قالوا في تفسير كلمة التوحيد التي هي «لا إله إلا اللّه» إنها بتكرارها اثنا عشر حرفا و أربع كلمات و صوروها منفردة (لا إلاه إلا الاه) فصارت اثني عشر حرفا و إذا كانت بغير تفصيل كانت سبعة أحرف و صوروها هكذا (لا إله إلا اللّه) قالوا و هي دالة على المنافذ السبعة التي برأس ابن آدم التي هي أيضا دالة على النطقاء السبعة .. الخ» و أوضحوا وجه الدلالة و استنتجوا غرائب من شأنها أن تصرف الناس عن مفهوم الكلمة ... و أولوا آيات كثيرة مثل حرمت عليكم الميتة و الدم .. بغير معناها، و كذا في إسقاط معنى الزكاة، و إبطال الصيام، و الغرض من الحج و أولوا البعث، و أمورا أخرى كالغسل و الوضوء ... الخ.

أكتفي بهذا و لا محل للمقابلة بين نصوص الطائفتين ...

حوادث سنة 805 ه- 1402 م‏

السلطان أحمد- بغداد:

إن ذهاب جيش الأمير تيمور إلى بلاد الروم (الأناضول)، و خلو العراق من قوة ... مما ولد في السلطان أحمد أمل العودة فاستولى عليها مرة أخرى فحكم بغداد و أنحاءها، و جعل ابنه السلطان طاهرا في الحلة و البقاع المجاورة لها ... و أساسا في الوقعة السابقة لم يفارق السلطان العراق و إنما تجول في الأطراف البعيدة متخفيا و متربصا العودة .. فتم له الأمر و سنحت له الفرصة ... أما الأمير قرايوسف فإنه بقي في جهات هيت و الأقسام الشمالية من العراق يتجول فيها ...

ثم إن السلطان أحمد أراد السفر إلى الحلة و كان فيها ابنه السلطان طاهر و في الأثناء ألقى القبض على وزيره آغا فيروز فارتاب السلطان طاهر من ذلك و توهم أنه المقصود و تذاكر مع أمراء والده مثل محمد بك و أمير علي قلندر و ميكائيل و فرخ شاه. و هؤلاء لم يأمنوا غائلة السلطان‏

275

أحمد فاتفق الكل على لزوم القيام عليه و الخروج من طاعته فرفعوا الجسر و كسروا المياه في منتصف الليل و اتخذوا الأهبة ... فعلم السلطان أحمد بما وقع و شاهد التدابير المتخذة فوقف مكانه و نصب خيامه تجاه جيش ابنه و لما خشي أن يقع خلاف مأموله أرسل قاصدا إلى الأمير قرايوسف و التمس منه أن يوافيه و وعده بمواعيد ...

و على هذا سار قرا يوسف بجيش لجب مؤلف من تركمان و عرب و وافى السلطان أحمد فعبر هؤلاء جميعا النهر و مضوا إلى ناحية السلطان طاهر فتقابل الجيشان و شرعا في المعركة فكانت بينهما طاحنة جدا فظهر فيها الانكسار بجانب السلطان طاهر و أثناء هزيمته عثرت فرسه في نهر فوقع و مات ... و نال الجيش غنائم وافرة و ربح قوم الأمير قرا يوسف الشي‏ء الكثير ...

انتهت هذه السنة في الأثناء و دخلت السنة الجديدة.

أوضاع تيمور لنك:

إن الأمير تيمور لم يبق له منازع في الحقيقة إلا السلطان بايزيد (أبا يزيد) و كان كل واحد منهما يحاول القضاء على الآخر، أو صدّ غائلته، فكانت المقارعة بينهما أليمة و قاسية جدا، و تعد من أكبر الحروب العالمية آنئذ، و قد استعد لها كل واحد منهما بما لديه من قوة و ما استطاع من قدرة ... فكانت نتيجتها الانتصار على جيش الترك العثمانيين و أسر السلطان بايزيد و ولده موسى ثم موته ... و كانت الوقعة حدثت في هذه السنة، و كان هولها كبيرا جدا ...

و يقال إن بايزيد (أبا يزيد) أوصى الأمير تيمور بثلاث وصايا: أن لا يسفك دماء الروم (يقصد العثمانيين) فإنهم ردء في الإسلام، و أن لا يترك التتار بهذه البلاد فإنهم من أهل الفساد، و أن لا يخرب قلاع المسلمين و حصونهم فتتسلط الكفرة عليهم ... فقبل وصيته في الأمور

276

التصوير في القرن الثامن- لوحة 4- التصوير في الإسلام‏

277

الثلاثة و عمل حيلة قتل فيها غالب رجال التتار ... و لعل هذه حكاية ما وقع ففسرت بوصية منه ...

و على كل اكتسب الأمير تيمور منتهى القدرة و السطوة، و عزم بعد هذه الوقعة على حرب ممالك الصين فلم يمهله الأجل ...

وفيات‏

1- سلمان البغدادي:

هو ابن عبد الحميد بن محمد بن مبارك البغدادي ثم الدمشقي، الحنبلي، نزيل القابون سمع من جماعة و كان عابدا خيرا، صوفيا بالخاتونية، مستحضرا للمسائل الفقهية على طريقة الحنابلة، و لديه فضائل. مات في هذه السنة (805 ه) ... (1).

2- قاضي تيمور لنك:

في هذه السنة توفي حميد بن عبد اللّه الخراساني الحنفي قاضي تيمور لنك. مات بعد رجوعه من الروم ... (2).

حوادث سنة 806 ه- 1403 م‏

قرا يوسف- بغداد:

إن السلطان أحمد كان قد شعر بالخطر من هذه المساعدة، و أحس بنوايا الأمير قرا يوسف، و علم أنه المقصود بالذات، و أن الآمال موجهة عليه ... ذلك ما دعاه أن يعود إلى بغداد توّا ليرى تدبيرا، و يفكر في‏

____________

(1) الضوء اللامع ج 3 ص 258.

(2) الضوء اللامع ج 6 ص 147.

278

الخلاص من هذا المأزق .. إلا أن الأمير قرا يوسف لم يمهله و سار وراءه بسرعة فلم يتمكن من النجاة بحياته إلا بشق الأنفس. فدخل قرا يوسف بغداد و هرب هو ليلا، أخرجه منها امرؤ يقال له (قرا حسن) حمله على كتفه و قطع به نحو خمسة فراسخ و في طريقه وجد بقرة ركبها السلطان أحمد و جاء بأسوأ حالة إلى تكريت. و كان هناك عمر الأويرات و هو أمير من جانب السلطان أحمد فأعد له ما استطاع من خيول.

و وصل إلى تكريت جماعة من الأمراء الذين تشتتوا مثل الشيخ مقصود، و دولت‏يار، و عادل و غيرهم ... فاجتمعوا هناك و ساروا و السلطان إلى أنحاء الشام ...

و جاء في تاريخ ابن أبي عذيبة أنه «في سنة 806 ه دخل السلطان أحمد بن أويس إلى حلب في صورة فقير هاربا إلى الشام فمسك حسب المرسوم بطلب السلطان أحمد من حلب إلى دمشق ثم ورد مرسوم آخر بإمساكه و الاعتقال عليه بها فمسك ...» ا ه (1).

فاستولى قرا يوسف على بغداد و بقيت بيده مدة إلا أن المؤرخين لم ينقلوا شيئا عن أعماله هناك ... و إنما مضت و لا تزال في طي الغموض و الخفاء ... إلى أن استعادها جيش تيمور ...

الميرزا أبو بكر- بغداد:

أما الأمير تيمور فإنه كان في حروب خطرة و وقائع دموية جرت له مع السلطان ييلديرم بايزيد فلم يكن يفكر في غيرها؛ و خلا الجوّ للسلطان أحمد و ابنه فعاد إلى بغداد و الحلة ثم جرى ما جرى بينهما و بين الأمير قرا يوسف و قد مضت حوادثه مع الميرزا أبي بكر ... و لما عاد الأمير تيمور من حرب الروم ظافرا و سار إلى الكرج عام 806 ه بقصد

____________

(1) تاريخ ابن أبي عذيبة ج 5 ص 512.

279

الاستيلاء عليها و وصل تفليس فكر في هذه الأثناء في لزوم عمارة بغداد و إصلاح ما اندثر منها بسبب الوقعة المؤلمة عام 803 ه ففوض حكومتها إلى الميرزا أبي بكر و هذا سارع في الذهاب إليها .. و جاء أمير زاده أبو بكر إلى أنحاء الحلة، و وافى إليه الأمير زاده رستم من بروجرد و آخرون كان الأمير تيمور قد أرسلهم لمعاونة الميرزا أبي بكر فتوجهوا من ناحيتين إلى بغداد فقابلهم الأمير قرا يوسف و بجوار نهر الغنم‏ (1) قرب الحلة التقى الفريقان و كانت الحرب شديدة و المعركة طاحنة و قتل أثناء النضال أخو قرا يوسف و انهزم هو إلى أنحاء سورية ... كما انهزم قبله السلطان أحمد ...

أما الميرزا رستم فإنه رجع إلى فارس كما أن الميرزا أبا بكر وصل إلى بغداد فاستقر بها ... و بناء على رغبة الأمير تيمور في عمارتها بادر في القيام بالأمر، و شرع بما يلزم لإصلاح الحالة و لم يعلم بما قام به هذا الأمير إلى أن سمع بموت الأمير تيمور و استيلاء السلطان أحمد على بغداد مرة أخرى‏ (2).

في هذه السنة نهض أمير العرب هذا على قرا يوسف التركماني، فهرب منه قرا يوسف و جاء إلى الشام، فشفع فيه نائب الشام شيخ المحمودي الذي صار سلطانا بعد ذلك عند السلطان الملك الناصر، فقبلت شفاعته، و استقر في الشام أميرا يركب في خدمة النائب.

ثم في شعبان أرسل الناصر كتابا إلى نائب الشام بقتل قرا يوسف، و قتل سلطان بغداد أحمد بن أويس أيضا و كان جاء أيضا عنده، فتوقف الأمير شيخ في ذلك، و عوق السلطان أحمد عنده بدار السعادة، ثم قيدهما و سجنهما ببرجين في قلعة دمشق، ثم هرب السلطان أحمد. و أما

____________

(1) جاء في حبيب السير أنه نهر القيم بالقاف.

(2) روضة الصفا و حبيب السير ص 166 ج 3 جزء 3 و تزوكات تيمور.

280

قرا يوسف فإن نائب الشام شيخ لما خامر على السلطان الناصر و دخل القاهرة لمحاربته استصحب معه قرا يوسف أيضا مستعينا به، و هو الذي أشار على شيخ و هم بمنزلة السعدية أن يكسرا بالليل على الملك الناصر، و مع هذا لم يبلغوا مقصودهم منه و انكسروا و رجعوا و معهم قرا يوسف المذكور، ثم إنه رجع إلى بلاده، و عظمت حاله، و صار أكبر أعداء شيخ لما تسلطن و حصل منه الإفساد بهذه المملكة ... (مجموعة تواريخ التركمان و فيها تفصيلات مهمة عن هذه الأيام و ما قبلها ..).

وفيات‏

1- زين الدين العراقي:

هو الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهراني المولد العراقي الأصل الكردي الشافعي حافظ العصر قال في أنباء الغمر: ولد في جمادى الأولى سنة 725 ه و لازم المشايخ في الرواية و سمع من عبد الرحيم ابن شاهد الجيش و ابن عبد الهادي و علاء الدين التركماني و قرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين ابن البابا و أدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه و هو من أعلى مشايخه إسنادا و سمع أيضا من ابن الملوك و غيره ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخباز و من أبي عباس المرداوي و نحوهما و عني بهذا الشأن و رحل فيه مرات إلى دمشق و حلب و الحجاز و أراد الدخول إلى العراق ففترت همته من خوف الطريق و رحل إلى الإسكندرية ثم عزم على التوجه إلى تونس فلم يقدر له ذلك و صنف تخريج أحاديث الإحياء و اختصره في مجلد ... و نظم علوم الحديث لابن الصلاح و شرحها و عمل عليه نكتا و صنف أشياء أخر كبارا و صغارا و صار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الإسنائي و هلم جرا و لم نر في هذا الفن أتقن منه و عليه تخرج غالب أهل عصره و من أخصهم به نور الدين الهيتمي،

281

دربه و علمه كيفية التخريج و التصنيف و هو الذي عمل له خطب كتبه و سماها له و ولي شيخنا العراقي قضاء المدينة سنة ثمان و ثمانين فأقام بها نحو ثلاث سنوات ثم سكن القاهرة و أنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين. توفي عقب خروجه من الحمام في ثاني شعبان و له 81 سنة و ربع سنة. انتهى. باختصار (1).

حوادث سنة 807 ه- 1404 م‏

أحمد بن أويس:

في ذي الحجة من هذه السنة هرب أحمد بن أويس من دمشق إلى جهة بلاده (أنحاء العراق) و كان النائب قد أطلقه من السجن فخشي من عوارض الزمان من جهة الدولة فهرب من دمشق بمن معه ... (2).

تيمور لنك في سمرقند- خطط حربية جديدة:

في أول هذه السنة وصل اللنك إلى سمرقند، و استقبله ملوك تلك البلاد، و قدموا له الهدايا، و أمر بعد قدومه بتزويج ولده شاه رخ، و عمل له عرسا عظيما بلغ فيه المنتهى و راعى وصية ابن عثمان في التتار، فاستصحبهم معه في جملة العسكر إلى أن فرقهم في البلاد، و لم يجعل لهم رأسا فتمزقوا ...

و هناك دبر خطة حربية جديدة فعزم على الدخول إلى بلاد الخطا، فأمر أن تصنع له خمسمائة عجلة تضبب بالحديد، و برز في شهر رجب، و رحل إلى تلك الجهة فلما وصل إلى أترار (3) فاجأه الأمر الحق فوعك، فاستمر في وعكه أياما، و لم ينجع فيه الطب إلى أن قبض يوم الأربعاء

____________

(1) الشذرات ج 7 و الأنباء ج 1.

(2) الأنباء ج 1 و عقد الجمان ج 24.

(3) أترار هي فاراب القديمة و قد مر ذكرها في الجلد الأول.

282

17 شعبان و حمل إلى سمرقند (1).

وفاة تيمور لنك:

مات هذا الفاتح العظيم بعلة الإسهال القولنجي؛ و له 79 سنة، كان قد دوخ الممالك و أدهش العالم، و ملك أقطارا كثيرة، و عزم في آخر عمره على الدخول إلى الصين فمضى في الشتاء فهلك من عسكره أمم لا يحصون، و هلك هو ... و كان قد شغل العالم الإسلامي مدة في أيام اضطرابه، و حالة تعدد حكوماته، و لا يزال ذكر وقائعه تردده الألسن ... فلا تقل أثرا في النفوس عن وقائع جنكيز و أخلافه أيام صولتهم و تمكن دولتهم ...

و الغريب أن هذا الفاتح ترك وقعا في النفوس و أثرا في الأذهان يستحق الدرس و الاعتبار و يدعو للبحث و التنقيب، و المشروع الذي قام به كفاتح عظيم؛ و سياسي كبير محنك يهم أمر مطالعته كل أحد، و يجب الالتفاتة إليه برغبة زائدة لكل متفكر، و خاصة من يحاول إدارة مقدرات البلاد ...

و يختلف عن أكثر الأبطال غير أنهم غالب أحوالهم عادت خرافية، و صارت حوادث بطولتهم أساطيرية مخلوطة غثا بسمين ... و هذا جاءت أخباره واضحة، و وقائعه مدونة، و آثاره مسجلة في تواريخ كتبت في أيامه، و بعده بقليل انتقلت إلينا من ثقات الرواة و في كل حروبه و غزواته لم يخل مجلسه من علماء، و لا من مباحث علمية و تاريخية ...

و أكابر الرجال الذين أدركوا وقته بصروا بوقائعه؛ و قدروا عظمته، و نقل عنهم الرجال المشاهير بعض خصاله و مزاياه ... فهو من الفاتحين الذين يحق للمرء أن يقف على نزعاتهم في الفتوح و الطريقة التي مضوا

____________

(1) الأنباء ج 1.

283

عليها في إدارة الممالك للحصول على المعرفة، و الاستفادة مما قام به بحيث كان النصر حليفه في غالب مواقفه.

خلف هذا الفاتح في كل قطر من الأقطار التي افتتحها أثرا من آثار عظمته و ظاهرة من ظواهر قدرته ... و قد التزمنا الإجمال في تاريخ حياته لنلم بنوع من نهجه إلماما توضيحا لما قدمنا من بعض وقائعه في العراق ...

أحوال الأمير تيمور

تيمور لنك: (حياته)

إن تاريخ الرجل العظيم هو في الحقيقة ما قام به من الأعمال الكبرى، و ما أحدثه من دوي في هذه الحياة و تظهر عظمة مترجمنا بما زاوله من الأعمال و المشاريع، أو ما اختطه من المناهج ... ليسير بها البشرية كما شاء ... لا من ناحية تولده، و الطالع الذي صادفه، و لا من البيئة التي برز فيها، و لا من القوم الذين عاش معهم ... فكان من الغلط الاعتماد على المجتمع، أو المحيط، أو الطقس و تفاعلاته و الألزم أن يظهر للوجود دائما أمثال هذا العظيم في حين أن الأمم لا تستطيع أن تعد من نوابغها الأفذاذ إلا القدر اليسير ... و غاية ما يمكن تلقيه من البيئة أنه استفاد من الأوضاع و ربح من الظروف ... و لو لم يجدها لأوجد أمثالها، و أبدع نظائرها ... ذلك ما دعانا أن نجمل القول في ماضيه قبل ظهوره كفاتح، و أن نراعي خطته التي نهجها؛ و ما يتراءى من خطيئات أو أغلاط مما شعر به نفسه، أو ما عرف في نتائج التجارب الحياتية لفاتحين كثيرين ...

يقص علينا أهل الأخبار أن المترجم من ذرية تومنه خان، من ملوك المغول القدماء، حكم على قبائل نيرون سنين عديدة؛ و كان له من‏

284

الأولاد تسعة. و من كل من أولاده تفرعت القبيلة و القبيلتان، أو الثلاث، و الأربع ... و أن من أولاده (قابول) و (قاجولي) قد وضعتهما أمهما توأمين كما أن هؤلاء ثالث البطون من أولاده و أن أحدهما (قاجولي) صار له ابن اسمه ايرومجي أو (ارده مجي) بارلاس و أن القبيلة المعروفة باسم (بارلاس) تفرعت منه ... و أن الأمير تيمور من هذه القبيلة. و معنى (بارلاس) في لغة المغول (القائد) (1).

و تيمور يعرف ب (تيمور لنك) و (تيمور كوركان) و (اقساق تيمور) ... و هو ابن تاراغاي‏ (2) و يلفظ (طراغاي) و (طوراغاي) أيضا و ساق صاحب وقائع تاريخية (3) و هو الفريق حافظ إبراهيم باشا نسبه أنه تيمور (4) بن طوراغاي بن أمير يركل بن الشكر بهادر. و «أمه تكين خاتون من آل جنكيز. ولد يوم الثلاثاء 25 شعبان سنة 736 ه في مدينة كش من بلاد ما وراء النهر (في قرية خواجة ايلغار). و كان والده تابعا للسلطان غازان ملك الترك و ما وراء النهر. و قد أطنب المؤرخون في بيان ما وقع أيام ولادته أو ما شوهد في يده من دم ... و يقصدون إلفات الأنظار من طريق أساطيري إلى عظمته من صغره مما لا يهم كثيرا في التطلع على أحواله إلا أنه من صغره كان مولعا في الألعاب التي من شأنها أن تكون فيها أمرة و سيطرة و إدارة ليتولى القيادة و يدبر شؤون رفقائه خصوصا التي هي بشكل حربي ... لحد أن قيل إنه كان يشعر

____________

(1) شجرة الترك في المجلد الأول من هذا الكتاب.

(2) هو الصحيح و يخفف إلى تراغاي و له أصل في لغتهم و يعني السرو، أو الفاختة و غير ذلك من المعاني اللغوية «لغة جغتاي».

(3) وقائع تاريخية ص 266.

(4) و يلفظ تمر أيضا و الاختلاف في أسماء أجداده و ضبطها كبير جدا و قد ساق صاحب الشذرات نسبه بشكل آخر و في عجائب المقدور ساقه بما يخالف غيره و هكذا ... و في الأنباء تيمور لنك بن طظرغان راجع عن أوليته فيما سبق من هذا المجلد.

285

بذلك و أن رؤيا بعض أجداده أشارت إلى ظهوره ... و كان في أوائل أيامه يمرن نفسه على الركوب و استعمال الأسلحة و التصيد مستمرا ...

و لما بلغ العشرين أو تجاوزها صار يزاول الحروب و يشترك في شؤونها ... و في أيام فراغه يميل إلى المطالعة و مجالسة العلماء فلا يدع وقته يمضي هباء .. و على كل ظهر في الخامسة و العشرين من سنه و اشتهر أمره في الشجاعة ...

و كانت أحوال ما وراء النهر آنئذ من الاضطراب و الاختلال ما يضيق القلم عن تبيانه و ذلك من أمد ليس باليسير فإن ملك الجغتاي (غازان خان) كان قد قتله الأهلون لما رأوا من جوره و استبداده، و كذا لم يقف الأمر عند ذلك و إنما قتل ثلاثة آخرون من أخلافه ... و من ثم افترقت المملكة إلى أمراء عديدين كل صار يتولى إمارة ناحية من تلك المملكة ... و يحارب بعضهم البعض و يتنازعون السلطة.

و في هذه الأثناء أعلن (طغلوق تيمور) خانيته على الجغتاي و هو من أحفاد جنكيز خان و الأولى بمملكة ما وراء النهر فأراد القضاء على الأمراء المتعددين هناك، المتحاربين دائما فساق جيوشه عليهم إلى ما وراء النهر فخاف أكثر هؤلاء الأمراء و فروا إلى خراسان عام 761 ه.

أما تيمور فإنه لم يهرب و إنما وافى إلى قائد الجيش و تكلم معه أن يفاوض طغلوق تيمور خان في إشراكه معه في حروبه فوافق و ولاه قيادة عشرة آلاف أي صار (نويانا) ثم ولي قيادة ما وراء النهر برضى من (طغلوق تيمور) ...

ثم ظهر الأمير حسين من أحفاد أحد الأمراء القدماء في ما وراء النهر و صار يدعي السلطنة فأقام زعزعة الحروب هناك فاضطر (طغلوق تيمور) أن يسير عليه جيشا عام 762 ه فانتصر على الأمير حسين و اكتسح مملكته و أجلس ابنه (الياس خواجة) في حكومة ما وراء النهر

286

و جعل الأمير تيمور وزيره و قائده .. إلا أن تيمور لم يرض بأعمال الياس خواجة و نقم عليه أمورا كثيرة ذلك ما دعاه أن يميل إلى (الأمير حسين) و هو صهره تزوج تيمور بأخته ... و من هناك تولد العداء فساق الياس خواجة جيشا عليهم فتأهبوا له و قابلوه فتمكنوا من طرد جيشه إلى خارج المملكة فذهب الياس خواجة إلى مغولستان و صار ملكا عليها إذ وجد أباه قد توفي ...

إن هذه الأعمال التي قام بها تيمور حببته من أفراد الجيش فإنه لم يدع فرصة ترغبهم فيه إلا اغتنمها ... و من ثم صار الأمير حسين يخشى من تيمور و عزم على البطش به و القضاء عليه فلم يوفق فأخفق الأمير حسين في المعركة و غلب عليه فقتل في رمضان سنة 771 ه.

و على هذا انقادت لتيمور مملكة ما وراء النهر و أعلن سلطنته و لقب (بصاحب قران) إلا أنه لم يلقب نفسه بخان و إنما لقب به أحد الأمراء من أحفاد جنكيز خان ممن أتى إليه و جعله (قائدا) عنده و هكذا نال الحكومة بعد أن رأى من الأخطار الجمة ما لا يوصف فلم يبال بها و قابلها بعقل رزين و تدبير فائق ... و في كل هذا لم يهمل استشارة و لم يضع حزما ...

ثم إنه قضى بعد إعلانه السلطنة نحو ست سنوات في حروب مع مملكة المغول و خوارزم و انتصر فيها على أعدائه .. أسس الصلح مع سلطان خوارزم و تزوج من أسرته ببنت كما أنه قضى على ثائرين كثيرين عليه فلم ينل أحد منهم مأربا ... و بينا هو في حرب و انتصار و ما ماثل إذ دهمه خبر وفاة ابنه جهانكير فكان لها وقع كبير في نفسه و تأثر للمصاب الجلل و ذلك عام 777 ه فأهمل الأمور، و لم يلتفت إلى إدارة المملكة إلا أن وزراءه كانوا لا يبرحون مجدين في تسليته ... و في الأثناء هجم المغول على مملكته فاضطر للكفاح فكانت هذه من أكبر

287

دواعي نسيانه الرزء فأدب القائمين و أرجعهم على أعقابهم خاسئين ...

و لما عاد ركن (توقتامش) من أحفاد جنكيز خان إلى تيمور و رجا منه أن يناصره و يساعده لنيل إمارة تاتارستان الكبرى نظرا لحق سلطنته فيها و كان حاكمها آنئذ الأمير (أروس) (أرص) فوافق تيمور على ذلك و أجاب الملتمس فأقام (توقتامش) مكان (أروس) عام 778 ه.

و هذا زاحم الأمير تيمور أو أن تيمور خاف من توسعه و اتخذ بعض حروبه في إيران وسيلة و حاربه مرارا إلا أنه في جميع حروبه قد خذل ... و توفي بالوجه المذكور سابقا فخلفه في سلطنته ابنه محمود ...

هذه الانتصارات الكبرى المتوالية بالقضاء على إمارات صغرى و المظفريات العظيمة على المجاورين ... مما شجع الأمير تيمور على امحاء الإمارات المتعددة في إيران و عزم على أن يضمها إلى مملكته لإنهاء أمر هذا التذبذب و الاضطراب الذي مله الناس و ضجروه ...

فمضى إلى خراسان فاستولى عليها عام 787 ه و هكذا سار في طريقه حتى اكتسح جميع ممالك العجم و ساق جيوشه إلى العراق فكان ما كان مما مر تفصيله ... و هكذا جرت له الوقائع الأخرى في سورية و الأناضول و الهند ... حتى أيام وفاته ...

و أكبر داع لانتصاراته أنه لم يغتر بقوة، و لم يضع فرصة، و لا يزال في اتصال من أخبار المجاورين و معرفة حركاتهم و سكناتهم، و التطلع إلى مواطن الضعف فيهم ... كما أنه لم يقصر في تأهب، و لم يخاطر بمقامرة، و لا سلم للطالع ... و لم ينم، أو يغفل عن أمر. فهو أشبه بالذئب نعته العربي بقوله:

ينام بإحدى مقلتيه و يتقي‏* * * بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع‏

و من كانت هذه حالته، سار على طريق الحكمة و السداد، و لم‏

288

يضع الحزم و اليقظة .. و حصل على مطلوبه مهما عز و غلا .. هذا و لا ينسى ما زاوله من سفك و ما قام به من قتل فقد ندم عليه مؤخرا و أراد أن يكفر به عن سيئاته في محاربة الخطا و القضاء على حكوماتهم ...

و لات حين مندم ... و كان رأيه بل فعله ينطق أن الغاية تبرر الواسطة ...

و كان لم يقصر في وسائل الحضارة و ضروب العمارة و لكن في مملكته و وطنه فقد عرف عنه من الأنباء و غيره أنه كان أنشأ بظاهر سمرقند بساتين و قصورا عجيبة و كانت من أعظم النزه و بنى عدة قصبات سماها بأسماء البلاد الكبار كحمص و دمشق و بغداد و شيراز ...

كان حادث وفاته من أكبر الحوادث في هذا العالم بعد أن كان في قراع و نضال مع ممالك عظيمة و حكومات متعددة ... فإنه من حين فتح بغداد لأول مرة افتتح ماردين و حلب و الشام و بلاد الروم (الأناضول) و أقساما كبرى من الهند و حارب القفچاق و من في أنحائهم ... و في خلال هذه الحروب قضى على إمارات كثيرة مختلفة الأهواء لم يكن لتألفها الممالك و الأقوام و كانت هذه الممالك بين نيران ملتهبة و حروب دامية و تغلب متوال ... فلا راحة، و لا استراحة .. ضجر الناس من هذه الحالة و ملوها ... بل العالم في حاجة إلى من يقضي على هذه الدويلات و سيطرتها و تحكمها بأهليها و أموالهم، و ليس لها من همّ إلا أن تنال حظا أو قسطا من مجاوريها ... فكان هذا الدواء- ظهور تيمور- بلاء فتاكا و لكن لا مندوحة منه للقضاء على أمثال هذه الحكومات ...

أبدى في ظهوره حتى أواخر أيامه من الشدة و القسوة ما أرعب قلوب الناس و ذكرهم بأيام جنكيز الأولى و حذرهم بطشه، و أخافهم صولته. لا يعرف التواني، و لا يبالي بالتعب، و لا يقف عند غلبة ...

فتراه يقضي على حكومة من الحكومات بمعركة دامية انهكت قوى‏

289

الفريقين ... و يتأهب أثرها للوثوب على أخرى فيسير لمفاجأتها و الصدام معها ... فكأنه قرر فتح العالم، و السيطرة عليه و المنقول عنه أنه يرى الدنيا لا تكفي لأكثر من واحد كما أن اللّه واحد ... و نجد عمله لا لنفسه و إنما كان لمن يخلفه و أراد أن يكون ملكه أبديا، وضع التصاميم للمحافظة على ما في اليد، و الحصول على الباقي ... و هكذا.

و يتبادر لأول وهلة أن الذي ولد فيه شعور الفتح، و الاستمرار على فكرته المتأصلة فيه عاملان مهمان أحدهما فتوح جنكيز و سيطرته على العالم الشرقي الإسلامي المحتضر بسبب قوة جيشه و حسن قيادته و تدريبه على قوانين خاصة (الياسا) رأى لزوم تطبيقها بشدة لا تقبل الرأفة و لا الرحمة ... و الآخر الفتح الإسلامي و اكتساحه عوالم شرقية و غربية عديدة ... و لكنه بعد أن علم أن قد زالت مهمة الفتوح الإسلامية المصروفة للصلاح العام الشامل و خمدت تلك الفتوح و عادت الأقوام الإسلامية بسبب الحرص على الملك فأغفلت النهج الإسلامي و تركت العمل بأحكامه .. فصارت في تذبذب و اضطراب و تشعب إدارات و تعدد حكومات و اختلاف أهواء!.

و هنا يرد سؤال سهل الإيراد و هو هل كان من رأيه تطبيق الخطة الحربية كما جاء بها جنكيز عينا أو الفكرة الإصلاحية لتوحيد قيادة المسلمين و جمعهم بحيث يكونون قوة و جهتها موحدة ... ليسيروا على سنن لا يتغير؟!.

شوهد من الأدلة على أنه قرر المضي بمقتضى فكرة جنكيز في قسوته و قتله في المسلمين و تخريب بلادهم، و القضاء على حكوماتهم بقصد الاستيلاء عليهم ... أو قل إن ذلك كان سجية فيه و في قومه ببذل الجهود لهذه الناحية ... كما أن عمارته لمملكته، و إطماعه لقومه، و عدم اكتراثه بالممالك الأخرى مؤيدات وطنيته الشديدة و حرصه القوي، أهلك غيره ليعيش هو و قومه و لتعمر مملكته ...!

290

أما الوجهة الأخرى فلم تعدم أدلة أيضا و أهمها الصلة التجارية بين الأقطار التي تحت سلطته و أن تسير بحرية و أمن لم تر نظيرهما. و عدله في حكومته و بيانه أنه لم يقطع رؤوس المسلمين و يتخذ منها منارات إلا من القتلى إرهابا للناس و تخويفا و هكذا .. و احترامه للعلماء و صحبتهم .. و للصلحاء و إظهاره الحب و التكريم لهم و الاستمداد بشيخه السيد بركة. و قوله للسلطان ييلديرم بايزيد العثماني حينما انتصر عليه معاتبا له: «إنك رأيت ما زرعت، كنت أود أن أصافيك فاضطررتني للحرب كارها .. و هذه نتائج عنادك، كنت أفكر في نصرتك لحرب أعدائك، و لو كانت المخذولية أصابتني في حربك لرأيت و جيشي ما لا يدور في حسبان، كن واثقا سأحتفظ بحياتك و أؤدي واجب الشكر للّه» هذا و أمله أن سيكون قوة ظهر له على أعدائه و أنه ركن ركين له في حراسة مملكته من الأعداء.

و على كل رأى أن المملكة الإسلامية يجب أن يحكمها أمير مسلم لا أكثر و أن تتجمع القوى لتتمكن أن تقوم بما قامت به الإسلامية في أوائل أمرها ... كما أنه ندم في أواخر أيامه على ما فعل لأنه لم يتيسر له تحقيق أغراضه فعزم على الجهاد في سبيل اللّه و محاربة غير المسلمين فمات في هذه الطريق ..

و مهما كانت الآمال، أو التصاميم فقد وقع ما وقع، و جرى ما جرى.

و الظاهر أنه حاول مزج الطريقة الإسلامية بشدة جنكيز في الصرامة و القطع ... يشهد بذلك وصاياه في إدارة الجيوش من غير الترك و الاستفادة من مجموع قوة الكل .. و إرادة اللّه غالبة، و عمل الإنسان في هذه الحياة ضئيل فيجب أن يصرف للإصلاح، و العمارة و العدل، و لراحة الناس و اطمئنانهم و تآلفهم لا السيطرة عليهم و التحكمات المتنوعة فيهم فالطمع و الحرص على ما في يد الآخرين لم يولد نتائج مرضية ... و إنما الانكشاف الفكري و المدني في الأمة من أقوى دعائم الاستقلال و العزة ...

291

إن حالة العصر الذي ظهر فيه تيمور كانت مشتتة الأهواء في السياسة، مفرقة الآراء في النحل و العقائد، مختلفة العوائد .. و هكذا في عقولها و علومها .. فلا أمل في التأليف بين هذه الأمم إلا بمراعاة طريقة هذه الفاتح التي اختطها و علم أنها الناجحة لما عزم على القيام به ..

قال في الشذرات: «كان له فكر صائب و مكايد في الحروب و فراسة قل أن تخطى‏ء، و كان عارفا بالتواريخ لإدمانه على سماعها، لا يخلو مجلسه عن قراءة شي‏ء منها سفرا و لا حضرا، و كان مغرى بمن له صناعة ما حاذقا فيها، و كان أميا لا يحسن الكتابة و كان حاذقا باللغة الفارسية. و التركية و المغولية خاصة، و كان يقدم قواعد جنكيز خان و يجعلها أصلا ... و كانت له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها و التي لم يملكها، و كانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها و يكاتبونه ... فلا يتوجه إلى جهة إلا و هو على بصيرة من أمرها ... (1)» ا ه.

و على كل كان في أيام تغلب و كان قد فاق الكل و تمكن من الاستيلاء على ممالك كثيرة و كاد يضارع جنكيز في حروبه .. بل فاقه في نواح عديدة ... و قد مر من حوادثه ما له علاقة بالعراق، و قد وصفه صاحب الضوء اللامع بقوله:

«كان شيخا، طوالا، مهولا، طويل اللحية، حسن الوجه، أعرج، شديد العرج، سلب رجله في أوائل أمره و مع ذلك يصلي عن قيام مهابا، بطلا، شجاعا، جبارا، ظلوما، غشوما، فتاكا، سفاكا للدماء، مقدما على ذلك أفنى في مدة ولايته من الأمم ما لا يحصون. جهير

____________

(1) الشذرات ج 7 ص 660.

292

الصوت، يسلك الجد مع القريب و البعيد، و لا يحب المزاح، و يحب الشطرنج و له فيها يد طولى و مهارة زائدة و زاد فيها جملا و بغلا، و جعل رفعته عشرة في أحد عشر بحيث لم يكن يلاعبه فيه إلا أفراد، يقرب العلماء و الشجعان و الأشراف و ينزلهم منازلهم. و كانت هيبته لا تدانى ..

كان ذا فكر صائب و مكائد في الحرب عجيبة، و فراسة قل أن تخطى‏ء، عارفا بالتواريخ لإدمانه على سماعها، لا يخلو مجلسه عن قراءة شي‏ء منها سفرا أو حضرا، مغرى بمن له معرفة بصناعة ما إذا كان حاذقا فيها ... و له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها و التي لم يملكها و كانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها، و يكاتبونه بجميع ما يروم، فلا يتوجه إلى جهة إلا و هو على بصيرة من أمرها .. مات و هو متوجه لأخذ بلاد الخطا على مدينة أترار ... و بالجملة فكانت له همة عالية و تطلع إلى الملك .. و القدر الذي اقتصرت عليه هنا اعتمدت فيه ابن خطيب الناصرية و شيخنا (ابن حجر في أنبائه)، و ترجمته في عقود المقريزي نحو كراستين» ا ه (1).

و في هذا و غيره من النصوص العديدة ما يعين خطته و أنه لم ينهج نهجا مغلوطا و لا تحرك دون حساب و أهبة للأمر ...

و يطول البحث بالكلام عليه كثيرا إلا أننا نرى محل استفادتنا في دراسة نهجه الحربي و السياسي و معرفة التعديل في مناهج الفاتحين لإنقاذ البشرية من أوضاعها السيئة التي ولدتها آمال خسيسة و السير بها نحو الطريقة المثلى و هي طريقة الإصلاح لا التخريب، و العمارة لا الإبادة، و العلوم لا الجهل و السخافة، و الرأفة لا القسوة ...

____________

(1) الضوء اللامع ج 3 ص 50 و التفصيل هناك لا يسعه هذا المقام و مثله في الأنباء ج 1.

293

و قد مر بنا الكلام على أوليته ثم وقائعه في العراق حتى وفاته ...

نهجه السياسي و الحربي:

من المعروف أن تيمور أوصى أولاده و هو في فراش الموت قائلا:

«أولادي! لا تنسوا وصيتي التي تركتها لكم لتأمين راحة الأهلين، كونوا دواء لأمراض الخلق، احموا الضعفاء و أنقذوا الفقراء من ظلم الأغنياء.

ليكن نهجكم في كل أعمالكم العدل و الإحسان. فإذا أردتم دوام سلطتكم فاستعملوا السيف بيقظة و احتياط و لياقة، اعتنوا كثيرا و احترسوا أن يدخل الشقاق و النفاق بينكم، و لا تدعوا للصديق الحميم، أو العدو الألد طريقا ينفذ فيه لإلقاء البذور من هذا النوع أو أن يسعى لها ...

و إذا مضيتم على وصيتي و بقيتم عليها دائبين و بدساتيرها آخذين احتفظتم بتاجكم دائما، اسمعوا وصايا أبيكم الذي هو في فراش الموت و تمسكوا بها، و لا تنسوها.» ا ه ... و هذه تعين حسن نيته؛ و عنايته بحكومته و إدارته القويمة و قد قررها بنظام قطعي متبع ...

الوصاية المنوه عنها:

إن وصاياه في خطابه هي المذكورة في (تزك تيمور) و قد مر وصفها .. و فيها تتجلى نفس هذا الرجل العظيم أكثر مما قام به في حروبه و ما اشتهر في مقارعاته الفعلية و ما عرف عنه نقلا عن أعدائه من أصحاب الحكومات المغلوبة، فهي تجاربه و أعماله الإدارية و السياسية و فيها علاقته بأمرائه و وزرائه و جيوشه و سائر أتباعه و بالأهلين ممن دخل تحت سلطته .. و هنا يجب أن نقول إن هذا الرجل متمسك بعقيدته الإسلامية تمسكا ليس وراءه ... و اشتهر تواترا عنه حبه للعلماء و مصاحبتهم حتى في حروبه و أسفاره ... و لعله أول من استفاد من أصحاب العلوم و المواهب للحياة العملية و السياسة المدنية فجمع بينهما ... و نرى في تاريخ ابن الشحنة صفحة من مجالسه العلمية،

294

قبر تيمور في سمرقند

295

و حمايته العلماء، و سعة الصدر لهم و أن يتكلموا بحرية تامة ...

و مخابراته السياسية مع الحكومات الأوروبية لا تتجاوز حدود المجاملة و المقابلة بالمثل؛ و مراعاة المصافاة لمن ليس بينه و بينه علاقة جوار؛ أو احتمال حرب .. و ليس أصح للبرهنة على ذلك من كلامه للسلطان ييلديرم بايزيد حين أصر في حروبه معه .. و من بكائه لفقده يوم وفاته، و انعامه على أولاده ... و المنقول أنه لم يقتله و إنما مات كمدا مما أصابه في الاعتقال ...

- نعم نرى أعداءه من رجال الحكومات كثيرين و أكبر من شنع عليه الترك العثمانيون و العرب و نخص بالذكر صاحب عجائب المقدور و صاحب الأنباء و بعض العجم ...

و مما نقله ابن أبي عذيبة في (تاريخ دول الأعيان) عن وقائع تيمور ما نصه قال: «رأيت الشيخ جلال الدين بن خطيب داريّا كتب على هذه الوقعة- وقعة التتر- في الهامش من تاريخ الذهبي:

لقد عظموا فعل التتار و لو رأوا* * * فعال تمر لنك لعدوه أعظما

لقد خرب الدنيا و أهلك أهلها* * * و طائره في جلق كان أشأما

قال لي الشيخ شهاب الدين ابن عرب شاه الأمر كما قال ابن خطيب داريّا. فإن تيمور سار بأعوان قيل كالجراد المنتشر فالجراد من أعوانها. أو كالسيل المنهمر فالسيل يجري من خوضانها، أو كالفراش المبثوث فالفراش يحترق عند تطاير شهابها، أو كالقطر الهامي فالقطر يضمحل عند انعقاد قتامها، برجال توران، و أبطال إيران، و نمور تركستان، و صقور الدشت و الخطا، و كواسر الترك. و نسور المغول، و أفاعي خجند و أندكان، و هوام خوارزم و جرجان، و عقبان صغانيان، و ضواري حصار شاه و مان. و فوارس فارس، و أسود خراسان، و ليوث مازندران، و طلس أصبهان، و ضباع الجبل، و سباع الجبال، و أفيال‏

296

الهنود، و هنود الأفيال، و عقارب شهرزور، و عسكر سابور مع ما أضيف إلى ذلك من التراكمة و العرب و العجم ما لا يدخل تكييفه ديوان، و لا يضبطه دفتر و لا حسبان. و بالجملة كان معه يأجوج و مأجوج، و الرياح العقيمة الهوج ...

و ذكر ابن الشحنة أن المدوّن من عسكر تيمور كان ثمانمائة ألف و ما عمل أحد عمله من إحراق البلاد و إزالة رسومها. قال ابن عرب شاه «و كان معه أهل الثلاث و سبعين فرقة الإسلامية ما عدا أهل الكفر و هم كثير، من كل فرقة خلق كثير متظاهرون بمذاهبهم» ا ه.

هذا ما نقله ابن أبي عذيبة عن المؤرخين المعاصرين في الجلد الخامس من كتابه‏ (1). و نحوه في تاريخ الخلفاء للسيوطي ...

و مما نقل أن تيمور قال على قبر الفردوسي صاحب الشهنامة:

سر از كور بردار و ايران ببين‏* * * ز دست دليران توران زمين‏

و حينئذ تفاءل بالشهنامة فظهر له هذا البيت:

چو شيران برفتند زين مرغزار (2)* * * كند روبه لنك اينجا شكار

فكان جوابا مسكتا له و ذلك أنه في البيت الأول قال أخرج رأسك من القبر و عاين ما يكابده الإيرانيون من أيدي الطورانيين. و أما الجواب فهو أن هذه الأرض المترعة بطيورها دخلتها السباع فولت عنها الطيور فصارت قنصا للثعلب الأعرج يتصيد دون أن يخشى بطشا، و لا أصابته رهبة ... و المظنون أنه تقوّل عليه.

و الظاهر كما يستدل من أوضاع تيمور، و حالاته أنه لم يعتن بالشعراء، و لم يقرب منهم أحدا و إنما يكره لقياهم ... و من المشهور

____________

(1) ص 369.

(2) مرتع.

297

عنه تخريب قبر الفردوسي و لعل ذلك من جراء انصرافه للخيال، و مبالغاته الزائدة في شعره بما نسبه للقدماء من الفرس كأنهم خلق آخر غير هؤلاء البشر ...

هذا و نقف في ترجمته هنا و نقول إن المترجم كان في نيته أن يعمر بغداد بعد أن خربها و دمرها و لكنه لم يتحقق له ذلك و لا تيسر لأولاده من بعده فبقيت على خرابها، و كان قد هدم آثارها الناطقة بالعظمة؛ و مخلفاته الجليلة ... فلم ينتفع منه العراق و إنما تضرر كثيرا ... هذا و من أراد التوسع و أحب التفصيل عن وقائعه و إتقانها من ناحية سوق الجيش، أو عن سياسته و إدارته الممالك و معرفة وزرائه مع مقابلة سائر أعماله بالإدارات الحاضرة، و بأعمال الفاتحين الآخرين ... لاستخلاص نتائج عصرية نافعة فليرجع إلى المصادر التي تستحق النظر و المطالعة مما مر بيانه من المراجع التاريخية المعاصرة له، أو التالية لعصره بقليل ...

و هذه التواريخ مكتوبة في أيامه:

[التواريخ المكتوبة فى ايامه‏]

1- ظفر نامة نظام الشامي:

و هذه مر الكلام عليها في هذا الكتاب. و منها نسخة في المتحفة البريطانية برقم 23980 و مؤلفها نظام الدين الهروي المعروف ب (شنب غازاني) و هذا هو أول من قدم مستقبلا للأمير تيمور من بغداد حين قصد إليها فصار مكرما عنده ...

2- جوشن و خروشن:

للشيخ محمود زنكي الكرماني، قارب إتمامه و مات، سقط في النهر من قنطرة تفليس سنة 806 ه. و هذا لم ينتشر كما ذكر صاحب حبيب السير.

298

3- تاريخ صفي الدين الختلاني من علماء سمرقند:

كتب طرفا من وقائعه باللغة التركية. كذا في كشف الظنون.

و هذه الكتب لم تنل رواجا و لا عرفت مواطن وجودها، غطت عليها الكتب التاريخية المدونة بعد هذا التاريخ في أيام أولاده منها ما ذكرناه في المراجع أو مر أثناء البحث و منها ما سنتعرض لذكره ... فلم يبق غامض من تاريخ حياة تيمور و وقائعه و إنما عرف (تزك تيمور) الذي مر وصفه. و فيه ما يفوق كثيرا من الكتب ... و الكتب العربية المعاصرة أو التالية لهذا العصر كتبت بسعة زائدة ... و لا يستغنى عنها نظرا لما نراه من كتاب آل تيمور من الإغراق في المدح غالبا ...

أولاد تيمور و أحفاده:

و هنا نجمل عن أولاده و أحفاده لنكوّن فكرة مختصرة و الأولى أن نقدم مشجرا في أولاده و أحفاده و من وليهم ... فهو أعلق في الذهن و أقرب للفهم. و ملخص القول أن أخلافه من حين وفاته خرقوا وصيته و انتهكوها و مضوا على الضد منها ... و وقع ما كان يتوقعه من الفتنة و سوء الحالة و التقاتل على الإمارة فتوزعت المملكة إلى إمارات عديدة و طمع فيها المجاورون و الأمراء ممن كانوا يعدون بمنزلة ساعد له فصاروا يتطلبون الإمارة، و يولدون الشغب و هكذا ... على أن بعض الحكومات دامت لأحفاده طويلا.

299

مشجر في تيمور لنك و أولاده:

300

تابع مشجر في تيمور لنك و أولاده:

301

هذه اللوحة في أولاد تيمور و أحفاده، نظرة سريعة أخذت من تواريخ عديدة مثل دستور الوزراء و كلشن خلفا و تاريخ تيمور لنك لمرتضى أفندي آل نظمي و وقائع تاريخية و دول إسلامية و غيرها .. و جعلنا أساس بحثنا يدور على فروع كل من أولاد تيمور بذكر المشاهير منهم ذكرا مختصرا ...

1- معين الدين شاه رخ و أولاده:

إن شاه رخ حكم بالاشتراك مع والده الأمير تيمور ممالك خراسان سنة 799 ه و قضى ثماني سنوات في عهد والده و دامت حكومته في إيران و طوران 40 سنة و توفي سنة 850 ه في نيسابور و في أيامه كتب تاريخ (مغز الأنساب). و هذا في التاريخ لم يعرف اسم مؤلفه انتهى منه في رجب سنة 837 ه كتبه بأمر شاه رخ. و قد أكمل به جدول الأنساب من جامع التواريخ و منه نسخة في دار الكتب في باريس ..

و أولاده قد أوضحوا في اللوحة منهم بايستقر. و هذا توفي في حياة أبيه شاه رخ سنة 837 ه. و في أيامه كتب له حافظ ابرو (نور الدين بن لطف اللّه) المتوفى سنة 834 ه تاريخه المسمى (زبدة التواريخ) انتهى به إلى سنة 829 ه اختصر به جامع التواريخ إلى أيامه و مضى إلى ما بعده فصار مكملا له، و أصلا يرجع إليه في تاريخ هذه الحكومة شرع بتأليفه سنة 826 ه و سمي (تاريخ مبارك بايسنقري) و مؤلفه من العلماء و الأدباء المعروفين. ترجم هذا التاريخ إلى التركية و منه نسخة في نور عثمانية.

و من أولاد شاه رخ إبراهيم ميرزا. و هذا كان قد أعطاه والده منصب الإمارة في فارس و العراق. و هو الذي أمر شرف الدين عليا اليزدي‏ (1) أن يكتب تاريخ تيمور المسمى أخيرا ب (ظفر نامه). و فيه مقدمة

____________

(1) ترجمة شرف الدين اليزدي مبسوطة في تذكرة دولتشاه السمرقندي.

302

سماها (تاريخ جهانكير) أوضح فيها أنساب الجغتاي و قبائلهم و مجمل الوقائع أيام تيمور حتى أيام إبراهيم ميرزا. أمر بتحريرها سنة 822 ه و أتمها سنة 828 ه و عليها ذيل التاج السليماني يحتوي وقائع السنين من المحرم 807 ه إلى 813 ه و اشتمل على وقائع شاه رخ. ترجم ظفر نامه المذكورة إلى التركية حافظ الدين محمد بن أحمد العجمي. و قد اعتمد الغياثي عليها في أخبار تيمور.

و من أولاد شاه رخ ميرزا محمد توفي في حياة أبيه سنة 838 ه كما أن أحمد المعروف ب (چوكي) توفي أيضا في حياة أبيه في شعبان سنة 839 ه و كان من أعيان أولاد أبيه المتميزين، و له سطوة و إقدام و شجاعة، كان يرسله بالعساكر إلى الأقطار، فتح عدة بلاد و قلاع، و وقع بينه و بين اسكندر بن قرا يوسف متملك تبريز حروب و وقائع آخرها في سنة وفاته ... فاشتد حزن أبيه لحادث وفاته، و ذكره ابن حجر في أنبائه باختصار قال: «و اتفق أن والده مات له في هذه السنة ثلاثة أولاد كانوا ملوك الشرق بشيراز و كرمان و هذا كان من أشدهم‏ (1).

و أما أولغ بك فإنه أنشأ رصدا في سمرقند سنة 828 ه و هناك عمل الزيج المشهور بأولغ بك و جمع له جماعة من العلماء مقدمهم قاضي زاده الرومي و المولى جمشيد كاشي و المولى علي القوشجي و صار زيجه هو المعمول به و انتسخ به (الزيج الايلخاني) و ابتدأ تاريخه يوم الخميس أول المحرم سنة 841 ه. و عندي نسخة مخطوطة منه.

و لما توفي شاه رخ خلفه أولوغ بك المذكور في السلطنة عام 849 ه و هذا كان مشغولا بالعلوم و لم تكن له من الشدة ما يقضي على أهل الشرور و الزيغ من رجال مملكته ذلك ما دعا أن يعصيه ابنه عبد اللطيف و يودي بحياته عام 852 ه ففقد العلم أكبر نصير و مشجع .. و من ثم‏

____________

(1) الضوء اللامع ج 1 ص 211.

303

قامت الفتن في كل صوب. و جاء في تاريخ الغياثي أنه توفي بتاريخ 10 رمضان سنة 853 ه.

و أولغ بك هذا له تاريخ (ألوس أربعه جنكيزي) المسمى أيضا (بشجرة الأتراك) و يتضمن الوقائع التاريخية من أقدم عهدها الأساطيري إلى سنة 851 ه و المهم من حوادثه يبتدى‏ء من سنة 703 ه و أما ما كان قبل ذلك فلا يختلف عن التواريخ الأخرى المتداولة. و مختصر هذه النسخة في المتحفة البريطانية برقم 26190 (1).

2- جلال الدين ميران شاه و أولاده:

و هذا حكم العراقين و آذربيجان و ديار بكر إلى حدود الروم و الشام ... عين بفرمان من والده تيمور سنة 802 ه عند قدومه من بلاد الهند إلى البلاد الشامية و في سنة 810 ه وقعت بينه و بين قرا يوسف محاربة فقتل فيها. و في الضوء اللامع كان ذلك سنة 809 ه (2).

و من أولاد ميران شاه السلطان خليل. ملك سمرقند بعد جده في حياة والده و أعمامه، كان معه عند وفاته سنة 807 ه فلم يجد الناس بدا من سلطنته. و عاد بجثة جده إلى سمرقند، استولى على الخزائن و تمكن من الأمراء و العساكر ببذله لهم الأموال العظيمة حتى دخلوا في طاعته سيما و فيه رفق و تودد مع حسن سياسة و صدق لهجة و جميل صورة. فلما قارب سمرقند تلقاه من بها و هم يبكون و عليهم ثياب الحداد و معهم التقادم فقبلها منهم و دخلها و كانت جثة جده في تابوت آبنوس بين يديه و جميع الملوك و الأمراء مشاة، مكشوفة رؤوسهم حتى دفنوه و أقاموا عليه العزاء أياما. ثم أخذ صاحب الترجمة في تمهيد مملكته. و ملك قلوب‏

____________

(1) الغياثي ص 251 و إسلامده تاريخ و مؤرخلر و غيرهما.

(2) الضوء اللامع ج 2 ص 321.

304

الرعية بالإحسان و استفحل أمره و جرت حوادث إلى أن مات بالري مسموما في سنة 809 ه. و نحرت زوجته شاد ملك نفسها بخنجر من قفاها فهلكت من ساعتها و دفنا في قبر واحد ثم قتل والده بعده بقليل و ولي مكانه پيير عمر و طوّل يوسف بن تغري بردي ترجمته تبعا للمقريزي في عقوده‏ (1).

و من أولاده أمير زاده عمر كان في أيام تيمور حاكما في العراقين و آذربيجان و ديار بكر. و بعد وفاة تيمور تحارب مع أخيه الميرزا أبي بكر فانهزم و التجأ إلى شاه رخ. ثم تحارب مع عمه شاه رخ المذكور فجرح و مات عام 809 ه. أما ميرزا محمد فلم يرد له ذكر إلا أن ابنه السلطان أبا سعيد ولي سمرقند بعد أن قتل ميرزا عبد اللّه بن إبراهيم بن شاه رخ و دامت سلطنته في سمرقند ثماني سنوات و تسلط على خراسان و كابل و سيستان‏ (2) و العراق. و في سنة 873 ه توفي مقتولا على يد البايندرية فخلفه ابنه السلطان أحمد و دامت حكومته عشرين سنة و مات سنة 899 ه ...

أما ميرزا أبو بكر فإنه بعد أن فر من وجهه أخوه ميرزا عمر تصدى لخدمة والده و ناب عنه في الحكم على آذربيجان و بعد قتلة والده من جانب قرا يوسف فر إلى كرمان و سيستان و هناك تحارب مع حاكم كرمان في حدود جرفت فقتل سنة 811 ه. و السلطان خليل كان لدى الأمير تيمور حين وفاته فنال السلطنة مقامه و لم يبال بوصية تيمور إلى (پير محمد) فاغتصبها منه ... و صار له ملك ما وراء النهر و تركستان و قد

____________

(1) الضوء اللامع ج 3 ص 193.

(2) في الكتب العربية تدعى (سجستان) و من اللازم استعمالها كذلك. قاله الصديق الجليل الأستاذ الكرملي. و في جهانكشاي جويني كلام على هذا اللفظ (ج 3 ص 203 و 446) و في الأيام الأخيرة في سنة 1314 هجرية شمسية طبع (تاريخ سيستان) في مجلد ضخم، و فيه مباحث مهمة عن هذا القطر نشر بتصحيح (ملك الشعراء بهار) و فيه فهارس نافعة و مهمة جدا.

305

بسط القول عنه صاحب عجائب المقدور. و بمؤامرة من أمرائه قد خلع عام 811 ه بعد أن حكم مدة أربعة سنوات و ترك الأمر لشاه رخ عمه و بمنشور من عمه المذكور أعطيت له بعض المناصب و حكومة الري و قضى فيها أيامه هناك إلى أن توفي بالري عام 814 ه. أما السلطان محمود بن أبي سعيد فإنه بعد وفاة أخيه السلطان أحمد صار ملكا على ما وراء النهر إلا أنه لم تدم له السلطنة أكثر من شهرين فتوفي و من ثم حدثت بين ابنيه الميرزا بايسنقر و السلطان علي منازعة فكانت النتيجة أن فر بايسنقر و التجأ إلى أحد خدام أبيه أمير خسرو حاكم قندهار. و هذا قتله سنة 905 ه و لم يراع نعمة والده فخلصت الحكومة للسلطان علي.

و في هذه السنة خرج عليه شيبك خان الأوزبكي و حاصر مدينة سمرقند ثم إنه أيام الحصار خدع السلطان بأن يتزوج بأمه فغدر به و بها ... و لما ظهر الشاه إسماعيل الصفوي تحارب مع شيبك خان المذكور فقتل في المعركة ...

ثم إن الشاه إسماعيل الصفوي سعى أن يتولى السلطنة على ما وراء النهر الميرزا بابر بن ميرزا عمر شيخ بن أبي سعيد و بعد أمد قليل هاجمه عبيد خان الأوزبكي للانتقام منه ففر من وجهه و قنع بحكومة غزنة و بعض بلاد الهند فدامت سلطنته 43 سنة و توفي عام 937 ه. ثم توفي بعده بسنتين أبوه عمر شيخ. و حينذاك زالت حكومة آل تيمور من ما وراء النهر و صارت للأوزبك.

و لما توفي بابر شاه ولي بعده ولده ميرزا همايون تسلطن على ممالك الهند و زابلستان و قندهار و غزنة و كابل و افتتح مدينة دهلي عاصمة الهند و حكم 26 عاما مستقلا و في سنة 963 ه سقط من السلم، عثرت رجله فوقع و توفي لحينه. فخلفه أخوه ميرزا كامران و قد قنع ببعض بلاد الهند و تورث الملك عن همايون شاه بعد وفاة ابنه ميرزا جلال الدين محمد أكبر شاه و هذا دامت سلطنته و نال في مملكة الهند بلادا كثيرة

306

و حصل على فتوحات عظيمة فوسع حدود سلطته. و في سنة 1012 ه قد توفي فخلفه ابنه سليم شاه و صار ملك الهند و في 1020 ه توفي فخلفه ابنه شاه جهان خرم و قد امتاز عن غيره من الملوك بمساعدة الحظ و كثرة المال و الخول و المناقب الفاضلة و دامت سلطنته مدة و لما رأى نفسه قد طعن في السن جعل ابنه دارا شكوه ولي عهده إلا أن ابنه الآخر مراد بخش لم يوافق على هذا الأمر فحدث نزاع بين الأخوين و قد سعى أخوهما الآخر أورنك زيب لإصلاح ذات البين ظاهرا فألقى القبض على أحدهما مراد بخش فقتله ثم استأصل الثاني دارا شكوه و اعتقل والده و أعلن سلطنته عام 1069 ه و دامت حكومته أكثر من أربعين سنة ..

و هذا هو الذي كتب له حسن بن طاهر بك القجاري تاريخا قدمه إليه بعد أن فتح قندهار و غيرها من بعض البلدان. و عندي نسخة مخطوطة منه كتبت سنة 1103 ه و فيها ذكر أن السلطان هو ابن شاه جهان بن جهانكير بن همايون بن بابر بن عمر شيخ ابن السلطان أبي سعيد بن ميران بن سلطان محمد بن ميران شاه بن تيمور.

أما أخوهم الآخر شاه شجاع فقد كان حاكما في بنكاله فلما رأى النزاع قائما بين الإخوة و أبيهم نفر من الكل و ترك دعوى السلطنة و لبس ثياب درويش فاختار العزلة و لا يعرف عنه شي‏ء.

و الحاصل استمرت سلطنة هؤلاء و دامت في أولادهم و أحفادهم إلى أن انتزعها الإنجليز منهم و ذلك أن فرخ شير محمد شاه بن عظيم الشان بن شاه عالم محمد بهادر قد تملك عام 1125 و في زمانه نالت الشركة الإنجليزية بعض الامتيازات و في سنة 1173 ولي شاه عالم الثاني أبو المظفر علي كوهر بن عالمكير. و في أيامه كان يخشى من تجاوز المهرانة و بهذه الوسيلة أدخل الإنجليز جيوشهم المدينة و طمعا بما أعطوه من المخصصات سلمت مملكة بنكالة إلى الإنجليز. و في عام 1253 ه ولي بهادر شاه الثاني سراج الدين محمد بن أكبر شاه الثاني و هو آخر