درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
465

إليها، و إلاّ فيتعيّن فيهما الجمع بحسب الدّلالة.

قوله (قده): و إن لزم محذور- إلخ-.

المحذور اللاّزم أحيانا ليس خصوص استيعاب المعارضات للعامّ بجميع افراده، بل أعمّ منه و من استيعابها لمقدار لا يجوز تخصيص العامّ بهذا المقدار، هذا.

قوله (قده): فحكم ذلك كالمتباينين- إلخ-.

فيعامل معها معاملتها من الرّجوع إلى المرجّحات السّنديّة للعامّ و مجموع الخاصّين، و توضيح ذلك يستدعى بسطا للكلام في المقام:

فاعلم انّه إذا كانت النّسبة بين المتعارضات عموما مطلقا ففيما لم يلزم من تخصيص العامّ بالخصوصيّات أحد المحذورين، فلا محيص من الجمع بينهما بتخصيصه بالجمع، لما مرّ مرارا من لزوم الجمع بين الظّاهر مع النّصّ أو الأظهر، و فيما لزم أحدهما، فكذلك العمل على الجمع مطلقا بالنّسبة إلى بعض مراتب مؤدّاه الّذي لا يكون فيه نصّا، و ليس العمل عليه بالنّسبة إلى ما هو نصّ فيه و هو ما لا يجوز انتهاء التّخصيص إليه، بل العمل على العلاج بالتّرجيح لو كان، و إلاّ فالتّخيير، فانّ مجموع الخاصّين و العامّ بالنّسبة إلى هذه المرتبة من المؤدّى من باب المتباينين، فحينئذ فلو أخذ بالمجموع ترجيحا أو تخييرا فلا بدّ من طرح العامّ رأسا في تمام مؤدّاه، امّا بالنّسبة إلى هذا المقدار فلأنّ المفروض الأخذ بما يعارض العامّ فيه، و امّا في ما عداه فلما عرفت من لزوم إهماله و إعمال معارضاته عملا بقاعدة الجمع و لو أخذ به، فضلا عن الفرض.

ثمّ انّه إن أخذ بالمعارضات له فلا مزاحمة بينهما، بخلاف ما إذا أخذ به فيقع بينهما التّعارض حيث لا يجوز الأخذ بها بجميعها حسب الفرض، و لا يجوز طرحها كذلك حيث لا موجب له، إذ ليس المعارض إلاّ المجموع الحاصل طرحه بطرح أحدها، لا الجميع، و لا يجوز طرح غيره، فلأجل ذا يقع بينها التّنافي و ان لم يكن بينها بأنفسها، و قد أشرنا في أوّل المسألة انّ التّنافي الّذي هو موضوع التّعارض أعمّ من الذّاتي، فحينئذ لا بدّ أن يعمل بينها بقاعدة الجمع لو كان أحدها أقوى دلالة، و إلاّ فبالعلاج.

ثمّ اعلم انّ المطروح منها جمعا أو ترجيحا أو تخييرا لمّا كان لازما ان يكون بمقدار ما يساوي ما يجوز أن ينتهى إليه التّخصيص. كان اللاّزم الاقتصار على طرح الأضعف من الكلّ إن كان بهذا المقدار، و إن كان أقلّ فبضميمة (1) ما هو الأضعف بالنّسبة إلى ما سواه‏

____________

(1)- و في «ق»: فيضممه.

466

لو كان، و إلاّ فبضميمة (1) أحدها، و هكذا.

ثمّ لا إشكال فيما إذا كان المطروح واحدا كان أو اثنين، تخييرا أو تعيينا بمقدار منتهى التّخصيص و إن كان أزيد، ففي ترك العمل به في تمام مؤدّاه، أو لزوم الاقتصار على ذلك المقدار إشكال من وجود المقتضى، و لا مانع عنه إلاّ بهذا المقدار، و من انّ الاقتصار عليه أيضا يؤدّى إلى الطّرح في تمام المؤدّى حيث لا شي‏ء في البين يعيّن المقدار في طائفة من الأفراد، فيكون الكلام في قوّة المجمل، فلا معنى للتّعبّد به أصلا إلاّ أن يقال بالتّخيير في تعيينها، و لا وجه له إذ لا دليل على إيكال أمره إلى أحد، و إنّما الدّليل على لزوم الطرح حسب.

ثمّ لا يخفى انّ التّرجيح و التّخيير في المقام لمّا كان بين مجموع المخصصات و العامّ، فلا بدّ في ترجيحه عليها من مرجّح له على مجموعها و لو لم يكن له على كلّ منها، فلا إشكال في ترجيحه فيما إذا كان أقوى من الكلّ، و في ترجيحها عليه لو كان الكلّ أقوى؛ كما انّه لا إشكال في التّخيير في صورة مساواة سند، مع سند الكلّ، و الظّاهر أيضا ترجيحه فيما إذا كان سنده مساويا مع سند بعضها و أقوى من الآخر، لاشتمالها على الأضعف، و المركّب منه و من المساوي أضعف، كما انّ الظّاهر ترجيحها فيما إذا كان مع مساواة سنده لبعضها أضعف من الباقي، إذ المركّب من المساوي و الأقوى، أقوى و لو كان أضعف من البعض و أقوى من الآخر، فالحكم التخيير إذ المركّب من الأضعف و الأقوى لا يكون أضعف و لا أقوى، كما لا يخفى.

قوله (قده): و إنّما يتوهّم ذلك في العامّ المخصّص بالإجماع أو العقل- إلخ-.

هذا بالنّسبة إلى الإجماع لا منشأ له أصلا كما لا يخفى، بل حاله كحال ساير القرائن المنفصلة الغير المصادفة له من حيث حجيّة ظهوره في كشف المرام، كما سنشير (2) إليه و نوضحه.

و أمّا بالنّسبة إلى العقل، ففيه تفصيل: و هو انّه إن كان الحكم العقلي مركوزا في الأذهان بحيث يعتمد أهل اللّسان في محاوراتهم عليه في استعمال اللّفظ (3) في غير ما وضعت‏

____________

(1)- و في «ق»: فيضممه أحدها تخييرا.

(2)- و في «ق»: نشير.

(3)- و في «ق»: الألفاظ.

467

له، فهو في محلّه فانّ العامّ معه لا يكون ظاهرا إلاّ فيما عدا ذلك الفرد المخرج، كما هو شأنه مع كلّ مخصّص متّصل. و إن لم يكن الحكم العقلي كذلك، فلا مجال أيضا للتّوهّم، لأنّه حينئذ ليس بمانع من انعقاد الظّهور فيما وضع له و ان كان مانعا عن حجيّته كسائر القرائن المنفصلة. كما أشرنا إليه، فنسبة حكم العقل و ساير المخصّصات النّقليّة إلى الكلام المستقرّ ظهوره في العموم، نسبة واحدة، فلا وجه لتخصيصه أوّلا ببعض منها، ثمّ ملاحظة نسبته بعد التّخصيص مع سائرها.

قوله (قده): فالدّليل المذكور المخصّص اللّفظي سواء في المانعيّة عن ظهورها في العموم- إلخ-.

لا يخفى انّ المخصّص المنفصل مطلقا لا يصلح مانعا عن ظهور العامّ في العموم كما أشرنا إليه، بداهة انّ ظهوره الذّاتي الناشئ من الوضع فيما وضع له ينعقد له بمجرّد استعماله مجرّدا عن الاكتناف بما يصرفه عنه أو يصلح له و ظهوره العرضي الناشئ من القرائن في غير ما وضع له ينعقد له إذا استعمل محفوفا بما يصرفه إليه، فليست القرائن المنفصلة بصارفة أصلا، لا عن الظّهور الذّاتي في المعنى الحقيقي، و لا إلى الظّهور العرضي في المعنى المجازي.

نعم هي صارفة عن حجيّة ظهوره في إرادة ما هو ظاهر فيه، فلا وجه لجعله إياها مانعة عن الظّهور في العموم، و لا موجبة للظّهور فيما بقي باستثناء ما خرج و لو بضميمة أصالة عدم المخصّص الآخر فيما يجري، فافهم و استقم.

قوله (قده): إلاّ بعد إثبات كونه تمام المراد- إلخ-.

حقّ العبارة أن يقال: بعد إثبات كون الباقي بتمامه المراد، كما لا يخفى على من له أدنى التفات.

قوله (قده): خلافا لما ذكر بعضهم من انّ تخصيص العموم بالدّراهم- إلخ-.

لا يخفى انّ الخلاف غير ناش من توهّم كون التّخصيص بالاستثناء من قبيل التّخصيص بالمنفصل، كما يوهمه العبارة، بل من ملاحظة النّسبة بين عمومات نفى الضّمان و ما استثنى فيه مطلق الذّهب و الفضّة، أو ما استثنى فيه خصوص الدّراهم و الدّنانير و تخصيصها بكلّ منهما لأجل كون النّسبة بين كلّ منهما معها عموما و خصوصا مطلقا، مع عدم الالتفات إلى انّ هذا إنّما هو فيما إذا لم يكن بين نفس الخصوصيّات تعارض، و إلاّ

468

فلا بدّ من العلاج بينها قبل العلاج بينها و بين العمومات؛ و من المعلوم كون الأخصّين بأنفسهما في المقام متعارضين، فافهم.

قوله (قده): قدّم ما حقّه التّقديم- إلخ-.

و ذلك مثل ما إذا ورد عامّان من وجه متعارضان و خاصّ مطلق بالنّسبة إلى أحدهما، فلا ريب انّ هذا الخاصّ يقدّم قبل ملاحظة النّسبة بين العامّين على ما هو أخصّ منه، إذ حقّه التّقديم، و لا مانع من تقديمه عليه من الخارج، كما كان على ما عرفت في العامّ مع الخاصّين المستوعبين من أفراده ما لا يجوز انتهاء التّخصيص إليه، فانّ العامّ الآخر في المقام ليس في عرض هذا الخاصّ في نسبته إلى العامّ، بخلاف الخاصّين هناك، فإن لكلّ واحد منهما من النّسبة إلى العامّ ما للآخر، فتقديم ملاحظة نسبة كلّ ترجيح بلا مرجّح، فافهم.

قوله (قده): ثم لوحظ النّسبة مع باقي المعارضات، فقد ينقلب النّسبة و يحدث التّرجيح- إلخ-.

لا يخفى أنّ ملاحظة النّسبة بين المتعارضين بعد العلاج بين أحدهما و معارضه، مع انّه خلاف ما هو التّحقيق من ملاحظة النّسبة بين المعارضات بحسب ظواهرها الّتي استقرّت عليها، حسب ما أشرنا إليه، و لو رفع اليد عن العمل بالظّهور بالدّليل المنفصل ينافي ما مرّ منه سابقا في مقام الرّد على الفاضل النرّاقي من انّ التّعارض بين الدّليلين إنّما يلاحظ بالنّظر إلى ما لهما من الظّهور قبل علاج التّعارض بين أحدهما و معارضه الآخر، فانّ العلاج من قبيل دفع المانع لا إحراز المقتضى، و ليس مجرّد الاختلاف في المقامين يتساوى النّسبة بين المتعارضات و تخالفهما، موجبا للاختلاف بملاحظتها قبل العلاج و بعده، كما لا يخفى.

و الّذي يقتضيه التّحقيق أن يقال: انّ الباقي في تحت‏ (1) أحد المتعارضات بعد تقديم ما حقّه التّقديم عليه منها إن كان بمقدار يجوز (2) ان يجوّز إليه التّخصيص، يقدّم على باقي معارضاته، لا لما ذكره (قده) من ملاحظة النّسبة بينه و بين الباقي بعد إخراج ما اخرج عنه بالتّقديم، لما عرفت من انّه خلاف التّحقيق و ما مرّ منه (قده)، بل لما أشرنا إليه سابقا من انّ العامّ نصّ في منتهى التّخصيص، فهو مع انّ النّسبة بينه و بين معارضاته الآخر على ما

____________

(1)- و في «ق»: ان ما قدّم عليه ما حقّه التقديم عليه من المتعارضات ان كان الباقي تحته ...

(2)- و في «ق»: لا يجوز.

469

كانت عليها من التّباين أو العموم من وجه قبل التّقديم يقدّم عليها حينئذ، لأنّها في الباقي ظاهرة و هو نصّ فيه و إن كان الباقي تحته أزيد من ذلك المقدار، فبملاحظة النّسبة السّابقة بينه و بينها انقلبت، أو لا يعالج التّعارض في البين إلاّ أن يكون العامّ فيه أظهر منها لقلّته، بحيث يستبعد أن يجوّز إليه التّخصيص و إن جاز فيقدّم عليها أو كانت المعارضات منه أقوى لوهنه بتطرّق التّخصيص إليه، مع انّ الباقي تحته ليس بتلك المثابة من القلّة دونها فقدّمت عليه.

و من هنا انقدح عدم المنافاة بين ما هو المعروف بينهم من ان تطرّق التّخصيص أو كثرته يوجب وهن دلالة العامّ، و ما هو المعروف أيضا بينهم من انّ كثرة التّخصيص في عامّ يوجب أبعديّة احتماله عن عامّ آخر معارض له مع عدم كثرته فيه، فانّ المراد من كثرة التّخصيص من القضيّة الأولى ما إذا لم يبلغ بتلك المثابة و في القضيّة الثّانية ما إذا بلغت إيّاها.

ثمّ لا يخفى انّه يظهر الثّمرة بين ما ذكرنا و ما أفاده (قده) فيما إذا انقلبت النّسبة بتقديم ما حقّه التّقديم و لم يبلغ التّخصيص به إلى ما لا يجوز ان يجوّز عنه، بل يجوز؛ فانّه على ما أفاده (قده) لا بدّ من ان يخصّص بالعامّ المخصّص بالتّقديم ساير معارضاته لو انقلبت النّسبة إلى الخصوص و العموم المطلقين مطلقا؛ و أمّا على ما ذكرنا ففيه التّفصيل المتقدّم، فتأمّل في المقام جيّدا.

قوله (قده): إلغاء النّص أو طرح الظّاهر المنافي له رأسا- إلخ-.

و كلّ منهما محذور، أمّا إلغاء النّص فواضح؛ و أمّا طرح الظّاهر المنافي له رأسا، فلأنّه يستلزم طرحه فيما هو نصّ فيه أيضا من منتهى التّخصيص على ما عرفت، لكن لا يخفى انّ هذا ليس بلازم في جميع صور عدم مراعاة التّرتيب في العلاج، بل في خصوص ما إذا قدّم العام الآخر الغير المنافي للنّص على المنافي له، مع منافاة النّص له في جميع ما يفترق به عن ذلك العامّ، فانّ العمل بكلّ منهما ليستلزم طرح العمل بالآخر؛ و امّا في غيره كما إذا قدّم العام المنافي له، أو لا ينافيه في جميع ما يفترق عن العام الآخر فلا، كما لا يخفى، بداهة العمل بكلّ منهما حينئذ في الجملة امّا بالنّص، ففيما ينافي فيه الظّاهر، امّا به في غير ما ينافيه مطلقا، كما في الصّورة الأولى، أو ممّا لا ينافيه العامّ الآخر، كما في الثّانية.

ثمّ لا يخفى انّ المحذور اللازم في بعض الأحيان ليس خصوص الدّوران بين الطّرحين، بل يعمّ الدّوران بين طرح النّص و قلّة المورد للعام المنافي له في بعض صور مخالفة التّرتيب في العلاج؛ و عليك بالتّأمّل في جميع ما تيسّر لنا إيراده في المقام بتوفيق الملك العلاّم.

470

قوله (قده): و لا ينقلب النّسبة و يحدث التّرجيح في المعارضات بنسبة واحدة- إلخ-.

يعنى مع عدم انقلاب النّسبة في بعض الأحيان يحدث التراجيح أيضا بينها، مع كون نسبة كلّ إلى الآخر، نسبة الآخر إليه كالعمومات المتعارضة بالعموم من وجه، كما مثّل (قده)، و ذلك لما أشرنا إليه من انّ العامّ ربّما يصير أقوى من معارضه بسبب قلّة أفراده في نفسه أو بكثرة وقوع التّخصيص عليه، هذا.

قوله (قده): و امّا أن يكون من حيث المضمون- إلخ-.

لا يخفى انّه يمكن ان يجعل هذا أيضا من موارد مرجّح الصّدور، بداهة انّ كون مضمون الخبر أقرب في النّظر إلى الواقع يوجب أقربيّة صدوره كأفصحيّة لفظه، بل هو أولى بذلك كما لا يخفى، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): مع كونه مقبول الرّواية من حيث تحرّزه عن الكذب- إلخ-.

لا يخفى انّه لو كان تحرّزه عن الكذب على نهج تحرّز العادل عنه، فلا وجه لترجيح بالعدالة بناء على انّ المناط فيه حسبما ذكره (قده) كون أحدهما أقرب من حيث الصّدور عن الإمام (عليه السلام) لبيان حكم الواقع‏ (1)، و كذا الحال في التّرجيح بالأعدليّة لو كان العادل مثل الأعدل في التّحرّز. نعم يصلح في غير هذا الفرض بناء عليه، و مطلقا بناء على انّ التّرجيح بهما من باب التّعبّد، هذا.

قوله (قده): الثّاني كون الرّشد في خلافهم- إلخ-.

هذا الوجه كالثّالث لا يختصّ بالمتعارضين، بل يعمّ ما إذا لم يكن في المسألة خبر أصلا في البين، و كان أحد الاحتمالات أو الاحتمالين فيها مخالفا لهم، هذا.

قوله (قده): إلاّ انّه يشكل الوجه الثّاني بأنّ التّعليل المذكور- إلخ-.

لا يخفى انّ التّعليل المذكور و هو كون الرّشد في‏ (2) خلافهم بذكر لفظة في المفيدة للظّرفيّة لا يستدعى ان يكون خلافهم حكما واحدا، كي لا يستقيم بظاهره، بل غاية ما يستدعى انّه‏

____________

(1)- و في «ق»: الواقعي.

(2)- وسائل الشّيعة: 18- 80- ح 19.

471

لو كان الاحتمال المخالف منحصرا في واحد كان هو الحقّ و الرّشد، و إلاّ ففي جملة محتملاته و إلغاء الاحتمال الموافق من بين الاحتمالات و المعاملة معها في الرّجوع إلى الأصول و القواعد، كما إذا لم يكن ذاك الاحتمال أصلا في البين من أعظم الفوائد، و يكفي في مقام التّرجيح، بل يكفي ما دونه و هو كون المرجّح موجبا لأبعديّة مورده عن الباطل على تقدير دورانه بينه و بين فاقده، مع احتمال بطلان كليهما على ما اعترف به (قده) في مواضع‏ (1) من كلامه، فضلا عن مثل المرجّح في المقام، فانّه يوجب كون كلّ من هذه الاحتمالات المخالفة أقرب إلى الحقّ و الرّشد من ذاك الاحتمال.

فانقدح بما ذكرنا ما في قوله (قده): «و كون الحقّ و الرّشد فيه بمعنى وجوده في محتملاته لا ينفع- إلخ-». فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): لكنّه خلاف الوجدان- إلخ-.

الإنصاف غلبة البطلان بالوجدان فيما هو مورد أخبار العلاج من أحكامهم و هو خصوص أحكامهم الّتي يوافقهم الشّيعة كلاّ أو جلاّ فيها، و لو سلّم عدم العلم بالغلبة فيه، فلا أقلّ من عدم العلم بعدمها أيضا، و معه أيضا لا يرد الإشكال بالتّعبّد بالعلّة، إذ حينئذ يستكشف ثبوت الغلبة واقعا بنفس تلك الأخبار، كما لا يخفى.

قوله (قده): و الثّاني من جهة كون المخالف ذا مزيّة، لعدم احتمال التقية، و يدلّ عليه ما دلّ على التّرجيح بشهرة الرّواية- إلخ-.

لا يخفى انّه لو كان اللائق بالإمام (عليه السلام) التّورية في مقام التقيّة على ما يأتي في كلامه (قده)، كان احتمال إرادة خلاف الظّاهر في الموافق أقوى من المخالف، إذ يتطرّق إليه احتمال إرادة خلافه بخلافه، و إن كان احتمال مخالفة الظّاهر قائما في كلّ منهما على حدّ سواء من غير هذه الجهة، بل الأمر كذلك لو لم نقل بكونها اللائق أو الأليق بالإمام (عليه السلام)، إذ يكفي في ذلك مجرّد فتح باب هذا الاحتمال أي التقيّة بالتورية و لو من باب الاتّفاق، حسبما هو ظاهر، و عليه يجب الجمع بينهما بتأويل الموافق إلى ما لا يخالف المخالف، و لا يجوز العلاج بطرحه، فافهم و استقم.

____________

(1)- و في «ق»: غير مواضع ...

472

قوله (قده): و كذا لا يزاحمه هذا الرّجحان أي الرّجحان من حيث جهة الصّدور- إلخ-.

هذا لو كان الخبر الموافق أقوى مع ملاحظة احتمال إرادة خلاف الظّاهر تورية للتّقيّة فيه، و إلاّ فلا يكفي أقوائيّة دلالته‏ (1) مع قطع النّظر عنه، كما أشرنا إليه، فلا تغفل.

قوله (قده): بناء على تعليل التّرجيح بمخالفة العامّة باحتمال التّقيّة- إلخ-.

و امّا بناء على أن يكون التّرجيح بها لأجل كشفها عن أقربيّة مضمون المخالف إلى الحق، فهي بهذه الاعتبارات من المرجّحات المضمونيّة، و سيأتي من المصنّف تقديمها على المرجّحات الصّدوريّة. لكنّك عرفت انّه بناء على ما أشرنا إليه‏ (2) من أنّ قيام احتمال إرادة خلاف الظّاهر في الموافق تورية يوجب أقوائيّة المخالف دلالة بعد ما اشتركا في غير هذه الجهة من الجهات يجب بينهما الجمع، و لا يجوز العلاج كي يقدّم الموافق إذا كان أرجح صدورا، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): لأنّ هذا التّرجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما- إلخ-.

و ذلك لأنّ جهة الصّدور متأخّرة طبعا و متفرّعة عليه، بداهة انّها موقوفة عليه، و هذا يقتضى أن يكون التّرجيح من حيث جهة الصّدور ملحوظا بعد الفراغ عن أصل صدورهما قطعا أو تعبّدا لأجل وجود المقتضى للتّعبّد في كلّ منهما، و عدم مرجّح لصدور خصوص أحدهما على الآخر، هذا.

لا يقال: انّ قضيّة ما ذكر انّما هو إعمال المرجّحات الصّدوريّة في النّص أو الأظهر و الظّاهر، و عدم جواز مراعاة الجمع بينهما، إذ كما انّ جهة الصّدور متأخّرة طبعا عن أصله، فكذلك الدّلالة متأخّرة عنه كذلك.

لأنّا نقول: انّ تأخّر الطّبعي إنّما يقتضى ذلك فيما حصل فيه الدّوران بين الخبرين من حيث الصّدور من جهة تنافيهما بحسب المدلول، و تعارضهما على وجه لا يفهم منهما المراد إلاّ ببيان ثالث، كما عرفت سابقا بما لا مزيد عليه. و من المعلوم انّه لا دوران بين النّص أو الأظهر و الظّاهر، حيث لا تنافي بينهما بحسب متفاهم العرف بحيث يحتاج إلى ثالث، كما

____________

(1)- و في «ق»: أقوائيته دلالة.

(2)- و في «ق»: انه بناء على ما ذكره من البناء على ما أشرنا إليه.

473

عرفت غير مرّة، فلا مورد للعلاج.

و هذا بخلاف الحال في جهة الصّدور، إذ الدّوران بين الخبرين من جهة تنافي المدلولين متحقّق بحسب الفرض، فلا محيص عن العلاج باعمال المرجّحات، هذا.

قوله (قده): قلت: لا معنى للتّعبّد بصدورهما- إلخ-.

محصّله عدم معقوليّة التّعبّد بهما على أن يحمل أحدهما على التّقيّة، بخلاف التّعبّد بهما على أن يعمل بظاهر أحدهما و تأويل الآخر لقرينة، فالقياس في غير محلّه.

و قد أشكل عليه بأنّ السّؤال الّذي أورده سديد و الجواب غير مفيد، لأنّه منقوض بالمتكافئين إذ لو لم يكن التّصديق لمخبر ثم حمله معنى معقولا لكونه إلغاء له في المعنى، أو طرحا له في الحقيقة يلزمه من دخوله بحسب أدلّة التّصديق خروجه، و ما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل، فكيف يعقل الحمل على التّقيّة في صورة التّكافؤ و فقد المرجّح، بل لازم ذلك اختصاص هذا المرجّح بالقطعي و عدم جريانه في الظّنّي، و هو مع وضوح فساده مناف لمختاره من عدم اختصاصه بالقطعي- انتهى-.

قلت: لا يخفى انّه إنّما يرد عليه ذلك لو كان التّرجيح في المتكافئين بهذا المرجّح بمعنى التّعبّد بالسّندين، و حمل الموافق منهما على التّقيّة، و ليس كذلك بل بمعنى الأخذ بالمخالف و طرح الموافق رأسا، كما أمر به في غير واحد من الأخبار (1) بألفاظ متقاربة المعنى، و ليس حال هذا المرجّح إلاّ حال ساير المرجّحات، و منشأ توهّم الإشكال جعله (قده) مورد التّرجيح به بعد فرض صدورهما قطعا كالمتواترين أو تعبّدا كما في غيرهما، فتوهّم ذلك انّ مراده من ذلك أن يكون صدورهما مفروغا عنه قطعا أو تعبّدا و لم يلتفت إلى انّ مراده كما هو واضح تساوى الخبرين بحسب دليل السّند، و لم يكن لأحدهما بحسبه مرجّح، لا تساويهما في التّعبد بهما فعلا، كيف و هو مخالف لجعل أخبار التّرجيح بالمخالفة لاشتمالها الأمر بالطّرح، فافهم و استقم.

قوله (قده): المقام الثّالث في المرجّحات الخارجيّة- إلخ-.

الأولى أن يقال: و امّا التّرجيح من حيث المضمون حسب ما يقتضيه سوق كلامه في تقسيم التّرجيح إلى أقسامه، و تفصيل ما ذكره لكلّ منها من أحكامه، كما لا يخفى على‏

____________

(1)- وسائل الشّيعة: 18- 75- ح 1.

474

من لاحظ، فلاحظ.

قوله (قده): بناء على كشفها من شهرة العمل- إلخ-.

و امّا لا على هذا فقد عرفت سابقا انّه من أقوى المرجّحات الدّاخليّة من حيث الصّدور.

قوله (قده): بناء على ظاهر الأخبار المستفيضة- إلخ-.

و هو الوجه الثّاني من الوجوه المحتملة في التّرجيح بها.

قوله (قده): قلت: امّا النّصّ فلا ريب في عموم التّعليل بها- إلخ-.

قد عرفت بعض الكلام في عموم التّعليل، و دلالة قوله (عليه السلام) «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1) فلا تغفل.

قوله (قده): مع انّه يمكن دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب- إلخ-.

إنّما يحكم العقل لو كانت الطّريقيّة و الأقربيّة، من دون تطرّق تعبّد إليهما أصلا، و إلاّ فلا، كيف و ليس له إحاطة بما هو المناط في حكم فيحكم بملاحظته، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

قوله (قده): بناء على انّ الوجه فيه هو نفي احتمال التّقيّة- إلخ-.

لو لم يوجب هذا أقوائيته دلالة حسبما عرفت، و إلاّ فلا إشكال في تقديمه، لما مرّ غير مرّة.

قوله (قده): لما سيجي‏ء من انّ موافقة أحد الخبرين للأصل- إلخ-.

لا يخفى انّ ما يأتي منه انّما هو في موافقة أحد الخبرين للأصول العمليّة، لا اللّفظيّة و بينهما بون بعيد، حيث انّ حجيّة الأصول اللّفظيّة عنده، كما هو المختار من باب الظّنّ النّوعي، بخلاف الأصول العمليّة، فانّ حجّيتها من باب التّعبّد، و لذا لا يصلح للمرجحيّة

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 124- ح 47.

475

بحيث لو كانت من باب الظّنّ لكانت صالحة لها، كما يظهر منه حيث وجّه ترجيح الفقهاء بها بأنّ بناءهم على خصوص الظّنّ النّوعي بمطابقة الأصل، كما سيجي‏ء في كلامه، فراجع و تأمّل.

قوله (قده): لكن ليس هذا من باب التّرجيح في شي‏ء- إلخ-.

لسقوط كلّ من الدّليلين بالنّسبة إلى خصوص مؤدّاه من الحجّية على ما عرفت مفصّلا في السّابق، فيبقى المورد كما إذا لم يكن دليل في البين، مع تكافؤ الاحتمالين فيجب الرّجوع إليها، كما لو قلنا بها في هذه الصّورة لا مطلقا على ما يوهمه استدراكه، فلا تغفل.

قوله (قده): لكن فيه تأمّل- إلخ-.

و ذلك إذ ليس بالبعيد ان يكون التّخيير في الأخبار من باب التّسليم و الانقياد لهم (عليهم السلام) بقبول خصوص كلّ ما ينسب إليهم و يحكى عنهم، لا التّسليم لكلّ ما يحتمل أن يكون حكما واقعيّا، فتأمّل.

هذا آخر ما أردنا إيراده، و الحمد للَّه أوّلا و آخرا، و باطنا و ظاهرا، كما هو أهله و مستحقّه، و قد وقع الفراق لمؤلّفه الآثم محمّد كاظم الطّوسي ابن حسين الهرويّ في النّجف الأشرف سنة 1291 (1)

____________

(1)- و في «ق»: محمد كاظم بن حسين الهروي في النجف الأشرف يوم الجمعة من العشر الاخر من ذيحجة الحرام سنة 1291.

476

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

477

حاشية الفرائد

و هي حاشية قديمة على فرائد الأصول‏

478

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

479

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد خاتم النبيين و على آله الطيبين الطّاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد فيقول العبد الإثم المفتقر إلى عفو ربه، العاصم محمد كاظم ابن الحسين الطوسي، انى بينما أراجع هذه الدر البهيّة، و أراجع تلك الغرر السّنية التي صنّفها علامة الآفاق، و أستاذ الكل على الإطلاق، عماد الملّة و الدين، و مروج شريعة سيد المرسلين، و تاج الفقهاء و المجتهدين، من القدماء و المتأخرين، فخر المحققين، و افتخار المدققين، الورع التقى، و الصفي النقي، علم الهدى، و آية اللَّه في الورى، أستاذنا و مولانا، الحاج الشيخ مرتضى الأنصاري تغمده اللَّه بغفرانه، و أسكنه فسيح جنانه؛ سنخ بخاطري الفاتر أن أعلق عليه وجيزة لطيفة، و تعليقة خفيفة مشتملة على فوائد استفدتها من الأساتيذ، و عوائد ادّخرتها من الأساتيذ، و زوائد ظفرت عليها بالنظر الثاقب و الفكر الصائب، ليكون لي تذكرة و لمن راجعها من بعدي؛ و المرجوّ من الناظرين أن ينظروا إليها بعين اللطف و الإنصاف، و يجانبوا التعسف و الاعتساف، و باللَّه أستعين، انه خير معين، و عليه توكلت و إليه أنيب.

480

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

481

مبحث القطع و الظنّ‏

قوله (قده): اعلم ان المكلف- إلخ-.

الظاهر ان المراد ليس خصوص من بلغ رتبة الاجتهاد، و ان يوهمه اختصاص بعض الأحكام الآتية بالشك أو الظن بأصل الحكم الكلّي، كما هو المقصود الأصلي بالبحث، حيث ان ظن الغير و شكه به ليس موضوعا لها كما لا يخفى، إذ هذا العدم تمكنه من إحراز الشرائط لا لاختصاص الأدلّة بالبالغ درجته، ضرورة عموم أدلّة حجيّة خبر الواحد و أصالتي البراءة و الاستصحاب، و لذا كانت حجّة مطلقا في الصدر الأول حيث تمكّن من إحراز الشرائط و عدم المانع، فتأمّل.

هذا، مع عموم أحكام القطع بهما كما لا يخفى.

ثم انّ المراد من هذا ليس من تنجز عليه الخطاب، لامتناع كونه مقسما للملتفت و غيره على ما هو ظاهر قوله «إذا التفت- إلخ-» لظهوره في كونه قيدا احترازيا لا توضيحيا محققا للموضوع، بل من اجتمع شرائط الخطاب سوى الالتفات، و القيد توطئة للاقسام لأنها لا يتحقق بدونه، و المراد بالحكم الشرعي، الحكم الكلي الثابت للموضوعات و العناوين الكليّة، لا الثابت للجزئيات، حيث انّ الحكم فيها ليس ممّا يؤخذ من الشّارع و يرجع في تعيينه إليه لو شك فيه، كما إذا شك في انّ حكم هذا الغنم المردّد بين الموطوء و غيره، و المائع المردد بين الخمر و الخلّ، أو شك في وجوب الوفاء بهذا البيع مثلا للشك في صحته، أو في وجوب الإعادة و القضاء مثلا لو شك في صحّة الصلاة المأتي بها، إلى غير ذلك من الشبهات الموضوعيّة؛ ضرورة انّ الشك في الحكم فيها انّما هو ناش من الشك و التّردد في انطباق هذا الجزئي، مع ما هو حكمه معلوم من الحلّية و الحرمة، و الصّحة و الفساد، و غيرها، أو في أصل‏

482

وجوده بحيث لو تبدّل الشّك و التّرديد بالتّعيين و اليقين لم يبق في حكمه شك أصلا حسب ما لا يخفى، و به يندفع ما ربّما يورد من عدم انحصار ما ورد للشاك في الأربعة، لمظانّ الأصول الموضوعيّة.

نعم ربّما يبحث عنها أيضا تبعا حسب استدعاء المقام.

قوله (قده): و هي منحصرة في أربعة- إلخ-.

لا يخفى ان الحصر في الأربعة انّما هو بملاحظة خصوص ما يستفاد من حكم العقل، أو عموم النقل في حكم الشك في أصل الحكم الكلي كما يأتي إليه الإشارة، لا جميع القواعد المقررة للشاك و لو كانت مستفادة من خصوص النقل في بعض الموارد، و إلاّ ليست بمنحصرة فيها كما انّ الحصر فيها على حسب الاستقراء لا العقل كما يوهمه ظاهر العبارة، إلاّ انّه بملاحظة المورد، كما لا يخفى.

قوله (قده): لأن الشك اما ان يلاحظ- إلخ-.

أقول: لا يذهب عليك ان ما ذكره ضبطا لمجرى البراءة و الاحتياط و التخيير منتقض طردا و عكسا على مختاره، بما إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة و الحرية، أو بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء اخر، لأن مختاره في الأول البراءة و في الثّاني الاحتياط، مع ان مقتضى الضبط في الأول التخيير و في الثاني البراءة، كما لا يخفى.

و كذا ينتقض ما في الحاشية بعبارة أخرى له في مقام الضبط بما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد أو شيئين، إذ مقتضاه البراءة في الصورتين لكون الشك فيهما انّما هو في التكليف و مختاره في الأول التخيير و في الاخر الاحتياط، و المراد من التخيير في المقام هو التخيير في العمل لا الحكم حتى يناقش فيه أيضا بان مختاره فيما لا يمكن فيه الاحتياط هو التوقف لا التخيير.

و توهم ارتفاع الفرق حينئذ بينه و بين البراءة فاسد، لاختلافهما في المبنى، حيث انّ فيه قبح الترجيح بلا مرجح، و فيها قبح العقاب بلا بيان.

هذا كله إذا أريد من التكليف نوعه من الوجوب و الحرمة، كما صرح به في أول مسألة أصل البراءة؛ و امّا إذا أريد جنسه كما أجاب به (قده) في مجلس الدّرس عن النقض في مجرى البراءة و التخيير طردا و عكسا بالدوران بين الوجوب و الإباحة و الحرمة، و التزم بان الدوران فيه انّما هو بين مطلق الإباحة و الإلزام، فيمكن الاحتياط بأخذ جانب الإلزام،

483

فالمجاري و ان سلمت من النقوض لإمكان الاحتياط حينئذ في الأول، و عدم كون الشك في التكليف في الأخيرين، إلاّ انه لا بدّ من إدراج الأخيرين في الشك في المكلف به و قد جعلهما من أقسام الشك في التكليف، فلاحظ.

هذا كله، مع انه يرد أيضا انه ان أريد من هذه الأصول خصوص ما كان مدركه العقل، فيشكل بالاستصحاب على مختاره، و ان أريد الأعم منه و مما كان مدركه النقل أيضا، ففيه انه يلزم حينئذ عدم صحة الضبط بما ذكر، إذ المتبع حينئذ في كل مورد هو مقتضى دليله و ان كان بخلاف ما اقتضاه الضبط، كما اقتضى الدليل في الشك بين الأقل و الأكثر، بخلاف اقتضاء الاستصحاب من الأخذ بالأقل.

و يمكن الذّب عنه بان المراد هو الأعم، لكن المراد من المجرى ليس ما يحكم فيه بالفعل بمقتضى الأصل، و لا ما يمكن ان يجري فيه أحد الأصول الأربعة، فيشكل بما ذكر، ضرورة إمكان جريان كل مورد الاخر و لو بحكم الشارع، غاية الأمر انه لم يتفق.

و ذلك لا ينافي الإشكال حسب ما لا يخفى، بل المراد ما كان مقتضى حكم العقل فيه، أو عموم النقل ذلك و ان قام دليل خاص على خلافه في مورد، فتأمل.

بقي شي‏ء ينبغي التنبيه عليه:

و هو ان هذه الأصول متكفّلة لحكم العمل عند الشك في الأحكام الوضعيّة أيضا، أما على القول بعدم استقلالها بالجعل بل كونها منتزعة من الأحكام التكليفية فواضح، لدوران الشك فيها مدار الشك فيها، و أما على القول باستقلالها فيه فلا إشكال في جريان الاستصحاب ان كانت هناك حالة سابقة ملحوظة، و أما إذا لم يكن فينظر إلى الحكم التكليفي هناك، فيلحظ انه مورد أيّ أصل من الأصول فيتبع، فافهم.

قوله (قده): لا إشكال في وجوب متابعة القطع- إلخ-.

أقول: هذا الوجوب بإرشاد من العقل، لا يترتب على مخالفته و موافقته سوى ما يترتب على إطاعة الواقع و معصيته من الثواب و العقاب، و هذا واضح.

قوله (قده): لأنه طريق بنفسه- إلخ-.

أقول: تقريبه و ان كان واضحا انه حينئذ ينكشف ما هو الموضوع للآثار الشرعية و العقليّة، و يظهر كما إذا كان مرئيا عيانا فلا حالة منتظرة في ترتيب آثاره عليه مطلقا، عقلية أو شرعية من دون توسيط جعل جاعل لإحراز نفس الموضوع، بخلاف ما كان‏

484

كذلك جعلا، إذ لا بدّ في ترتيب آثار الواقع على المنكشف به من توسيط الجعل حسب ما نوضحه عن قريب.

قوله (قده): و ليست طريقيته قابلة للجعل.

أقول: و ذلك لأنه كلما كان ضروري الثبوت للشي‏ء كنفسه و ذاتياته و لوازمه، لا يعقل جعله بجعل غير جعل نفس ذلك الشي‏ء بل مجعول بعين جعله، ضرورة ان مناط الحاجة إلى الجعل هو الإمكان، و كان كل من الوجوب و الامتناع مناطا للغناء.

و من المعلوم بداهة ان الكاشفية و المرآتية من لوازم القطع و ضروري الثبوت له، فلا يعقل جعلها له بل مجعولة بعين جعله، فلا حاجة إلى تجشم الاستدلال عليه بالدور أو التسلسل.

و من هنا ظهر عدم إمكان الجعل نفيا أيضا.

قوله (قده): و المراد كون هذه الأمور أوساطا- إلخ-.

أقول: انما يكون أوساطا لإثبات أحكام المتعلقات إذا كانت متعلقاتها غير الأحكام، و امّا إذا كانت هي الأحكام بنفسها فهي لإثبات نفس المتعلقات، ضرورة انه إذا تعلق الظن أو الفتوى بالحرمة أو الوجوب مثلا ثبت بهما الحكمان لا غير، كما اعترف في مثل البيّنة و الفتوى.

اللهم إلاّ ان يقال انها حينئذ لإثبات الآثار و الأحكام للمتعلقات من وجوب الامتثال و حرمة الضد مثلا، هذا، فتأمل.

و كيف كان يشكل ما أفاده (قده) من الفرق بين القطع و بينها، حيث ان ملخّصه و توضيحه انه لمّا لم يكن مأخوذا في الموضوع لا في الواقع حسب الفرض، و لا ظاهرا حيث ان طريقيته بنفسه لم يقع وسطا لإثبات أحكام متعلّقة، هذا بخلافها فانها لما كانت اعتبارها بالجعل كانت مأخوذة في الموضوع ظاهرا و ان لم يكن مأخوذة فيه واقعا، فلا بدّ ان يقع وسطا في إثبات أحكام المتعلّقات، بل قضيّة توسيطها في إثبات عناوين متعلّقاتها لها التي بها تكون موضوعة لأحكامها، فإذا ثبت لها هذه العناوين، ثبت لها الأحكام المترتّبة على هذه العناوين من دون توسيطها أصلا؛ مثلا يقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية خمر، فهذا خمر، و كل خمر حرام، فهذا حرام، و هذا واضح؛ فلا فرق بينها و بينه من هذه الجهة.

485

نعم الفرق هو ما أشرنا من توسيطها في إثبات عناوين المتعلقات لها.

و من هنا ظهر ان إطلاق الحجة باصطلاحهم حسب ما ذكره عليها، ليس على الحقيقة، و ذلك حيث عرفت ممّا لا مزيد عليه انها ليست أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها، بل لإثبات الموضوعات، فافهم.

لكن الظاهر ان الحجة عندهم ليست عبارة عمّا ذكره، بل ما كان قاطعا للعذر فيما بين الشارع و عبده بحيث لو عمل العبد به قبح عليه المؤاخذة و لو خالف الواقع، و لو لم يعمل به له ذلك‏ (1) لو خالف الواقع المنجز لمساعدته عليه، و الّذي يكشف عن ذلك إطلاقهم الحجّة على الأمارات و الأدلّة و الأصول على حدّ سواء، كما لا يخفى.

قوله (قده): و بالجملة فالقطع.

أقول: و محصل الكلام في المقام ان الأقسام المذكورة في الكتاب ثلاثة.

الأول- ما كان طريقا صرفا لا مدخلية له في الموضوع أصلا.

الثاني- ما كان مأخوذا بنحو الطريقية و الكاشفية، لا من حيث انه صفة خاصة في قوام الموضوع بحيث لا يتوقع في الواقع إلاّ به.

الثالث- ما كان مأخوذا في قوامه بما هو صفة من الأوصاف، من غير ملاحظة طريقيته في ذلك أصلا، بل لم يلحظ إلاّ كونه كيفيّة نفسانيّة، كما إذا أخذت فيه كيفية أخرى نفسانية أو غيرها من الخوف و السّواد و البياض.

فلا بدّ في توضيح الفرق بين الأقسام من تمهيد مقدّمة في المقام، ليزيل بها ظلام الإبهام:

و هي انّ العلم لما كان هو الصورة الحاصلة كانت لها جهتان: (الأولى) حضور المعلوم بالذات، أعني الصورة للشي‏ء الخارجي عند النّفس و حصولها فيها. (الثانية) كشف المعلوم بالعرض بها، أعني ذا الصورة بحضور ما يطابقها عندها من صورته، و هذه الجهة لازمة الأولى غير منفكة عنها و غير مجعولة بجعل على حدة، بل بعين جعلها.

فإذا تمهّد هذا، فان أخذ في الموضوع مع قطع النّظر عن جهته الثانية، بل بما هو صفة خاصة حاصلة في النّفس فهو القسم الثالث، و ان أخذ فيه مع ملاحظتها فهو القسم الثاني، و ان لم يؤخذ فيه أصلا فهو القسم الأول.

____________

(1)- لو لم يعمل به كان له ذلك.

486

هذا غاية توضيح المقام [1].

قوله (قده): ثم من خواص القطع- إلخ-.

أقول: بعد فراغه من الإشارة إلى الأقسام أخذ في بيان ما لها من الخواصّ و الأحكام.

و توضيح ما أفاده في المقام، أنه لا إشكال في قيام بعض الأصول و الأمارات بنفس الأدلّة الدّالّة على حجيتها مقام ما كان طريقا صرفا إلى متعلقه، من دون اعتباره في موضوع الحكم أصلا، و هذا واضح لا سترة عليه.

كما لا إشكال في عدم قيامها مقام ما اعتبر في الموضوع على الوجه الأوّل كما في القسم الثالث بمجرد أدلة الحجيّة، و ذلك لما عرفت من أخذه على هذا الوجه ليس إلاّ كأخذ صفة أخرى.

و من المعلوم ضرورة عدم سراية حكم مثل هذا الموضوع إلى مؤدى الأمارات بأدلة حجيتها، ضرورة أن مفادها هو جعل مؤدّياتها واقعيّات أو جعلها طرقا و كواشف و معاملة الطرق الحقيقيّة معها مطلقا، حسب ما نوضحه و نحقّقه إن شاء الله، بمعنى ترتيب آثارها عليها، و المفروض في هذا القسم عدم كون الأحكام و الآثار للواقع بما هو هو، و لا له بما هو منكشف و لا لنفس القطع بمعنى كونه تمام الموضوع، بل له بما هو متّصفة بهذه الصّفة الخاصّة.

و أمّا إذا أخذ فيه على الوجه الثّاني، كما في القسم الثاني، فالسّيد الأستاذ- أدام بقاؤه- تبعا لظاهر شيخنا الأستاذ- (قدّس سرّه)- قد أصرّ على قيامها مقامه بمجرّد أدلّة الجعل، إذ المستفاد منها هو جعل الأمارات طريقا و كواشف و معاملة الطريق الحقيقي معها بأن يجعل جزءا للموضوع لو كان الطريق الحقيقي كذلك، و طريقا لو كان الطريق كذلك.

هذا ملخص ما أفاده.

و التحقيق على ما يقتضيه التأمل، عدم دلالة أدلّة الحجية على مقام كلا القسمين و عدم مساعدتها إلاّ على ثاني المعاملتين، إذ الظاهر، بل المقطوع ان المستفاد من مثل كان مضمونه «صدّق العادل» مثلا ليس إلاّ وجوب معاملة الواقع مع ما أخبر به العادل بعنوان‏

____________

[1]- قولنا (مع قطع النّظر عن جهته الثانية- إلخ-) أي مع قطع النّظر عن معرف كشف المعلوم بلا ملاحظة خصوصية أخرى فيه، سواء لم يؤخذ على نحو الكشف أصلا، أو مع ملاحظتها مثل أن يكون ناشئا من سبب خاص أو حاصلا لشخص كذلك، فليتدبر (منه (قدّس سرّه)).

487

كونه الواقع بترتيب آثاره الشرعية عليه لو كانت بمعنى انه لم يلحظ الخبر فيه إلاّ كاشفا و مرآتا.

و بعبارة أخرى لم يلحظ إلاّ بالمعنى الحرفي دون الاسمي، فإذا أخبر مثلا بكون هذا المائع المشكوك الخمرية خمرا، يجب الاجتناب عنه و ترتيب جميع آثاره الشرعية عليه، و اما إذا لم يكن له أثر شرعي أصلا، أو كان للمركب منه و من الصفة المكشوفية، لا له وحده، فلا معنى لتصديقه على حسب ما عرفت، انه لا معنى إلاّ ترتيب آثار الواقع على ما أخبر به، و المفروض انتفاؤها، أما في الأول فظاهر، و اما في الثاني فكذلك، إذ المفروض كونها للمركب منه لا له، فلا دلالة لمثل الدليل المزبور على قيامها مقام هذا القسم من القطع.

و أمّا احتمال ان المراد من الأدلة هو معاملة الكشف الحقيقي معها، و تنزيلها منزلته في ترتيب آثارها الشرعيّة، بمعنى لو حظت بنفسها لا بما هي كاشفة عن الواقع و مرآتا، فهو فاسد قطعا للزوم عدم دلالتها على الثاني من المقابلتين، و عدم مساعدتها على القيام مقام كلا القسمين، ضرورة ان الموضوع الواقعي المنزل عليه المقابل لهذا الموضوع الجعلي التنزيلي حينئذ ليس إلاّ هو القطع و الكشف الحقيقي لا الواقع، فيقوم مقامه حيثما كان جزءا للموضوع حسب اقتضاء منزلتها.

نعم لو كان تمام الموضوع بان يكون مجرد تعلّق القطع بشي‏ء موجبا لحكم شرعي، فهي تقوم مقامه أيضا حسب ما لا يخفى.

و امّا ترتيب آثار الواقعيات عليها بالقطع، فليس من آثاره الشرعية، بل من آثاره العقلية حيث كانت حجة بنفسها، كما مرت الإشارة إليه.

اللهم إلاّ ان يتعسف و يدعى ان المستفاد من أدلّتها هو ترتيب آثار المقطوع مطلقا، سواء كانت له بما هو كذلك أو بما هو واقع على مؤدّى الأمارات، و لا ان دون هذه الاستفادة خرط القتاد، فان قصارى ما يتخيّل في تقريب دلالتها على ذلك انّ المستفاد منها هو جعلها بمنزلة الكاشف الحقيقي، و تنزيلها منزلته بإلغاء احتمال خلافها مطلقا، سواء كان بملاحظتها بأنفسها أو بما هي حكاية عن مؤدياتها و مرآة لها.

و من المعلوم انّ إلغاء احتمال الخلاف كذلك يستلزم تشريكها مع القطع في حكم الأمرين كان تمام موضوعه أو جزئه، و تصديقها في حكايتها و جعل مؤدّياتها الواقعيات.

و بعبارة أخرى تشريك المؤدّيات معها بعنوان انّها هي، لا انها غيرها و نزل منزلتها، بداهة ان لسان الطريقيّة غير لسان التنزيل؛ فظهر سرّ انها تقوم مقام كلا القسمين، و يقابل معها كلتا المقابلتين، و أنت خبير بعدم إمكان الجمع بين الملاحظتين في خطاب واحد، مع‏

488

عدم معنى فارد [1] يكون قدرا مشتركا بينهما لكمال البينونة و البعد بينهما، بداهة التنافي بين ملاحظة الشي‏ء بالمعنى الاسمي و ملاحظته بالمعنى الحرفي باعتبار قيدهما الراجع إلى النفي و الإثبات، حسب ما لا يخفى.

هذا كله مع ان الظاهر من أدلّة الاعتبار هو اعتبارها على نحو الطريقيّة الّتي قضيتها، كما هو واضح قيامها مقام الطريقي الصرف، فراجعها و تأملها بعين الإنصاف، ليتضح خلوّ ما أوردناه من الاعتساف، هذا.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا ان الأظهر انه لا يكفي دليل الحجيّة في سراية الحكم المأخوذ في موضوعه صفة المقطوعيّة مطلقا، على نحو الطريقيّة أو الصفتية إلى مؤدّى الأمارات، بل لا بدّ من دليل خاص دلّ على تنزيلها منزلته.

هذا غاية ما تيسّر لنا في هذا المقام.

هذا كله إذا أخذ في الموضوع القطع بمعنى الانكشاف الحقيقي كما هو المفروض؛ امّا إذا أخذ فيه بمعنى المطلق حقيقيّا كان أو جعليّا، كما هو بهذا المعنى مأخوذ في موضوع حكم العقل بوجود الامتثال، ضرورة انه يحكم من أوّل الأمر بوجوب امتثال حكم اللَّه من أيّ طريق كان، قطعا أو غيره من أمارة متعبّدة بها، كما يحتمل ان يكون هذا هو المراد من قوله- (قدّس سرّه)- بشرط العلم به مطلقا، فأدلّة حجيتها كافية لسراية الحكم المقطوع إلى المكشوف بهذه الأمارات، لكنه ليس من باب سراية الحكم الموضوع الحقيقي إلى الموضوع الجعلي، كما عرفت في الحكم العقلي.

هذا كله في الأمارات؛ و أما بعض الأصول فكذلك لا إشكال في قيامه مقام القسم الأول من القطع، و عدم قيامه مقام القسم الثالث؛ و انما الإشكال في القسم الثاني حيث لم يكن للموضوع الحقيقي الواقعي حكم و أثر فيه، فيترتب على ما نزل منزلته، بل الحكم للواقع المكشوف بما هو كذلك المنحل قطعا بانحلال صفته و قيده، فلا مجال له من جهة انتفاء الموضوع أيضا، فأجاب المصنف الأستاذ حين قراءتنا عليه الكتاب: انّ مثل «لا تنقض» (1) ينشأ حكما للمشكوك مثل حكم المقطوع سواء كان له بهذه الصّفة أو له بما

____________

[1]- أي المراد من «عدم معنى فارد» عدم لفظ كلي في البين كأن يجعلهما بحسب المفهوم كاللفظ بأي لحاظ كان مثلا، و حينئذ ليس في البين إلاّ اللحاظ الخارجي و لا يمكن الجمع بينهما بحسبه، لكمال البينونة بينهما حسبما لا يخفى على المتأمل، فتأمل فانه دقيق. (منه (قدّس سرّه)).

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175.

489

هو واقع.

و بعبارة أخرى دعوى ظهور «لا تنقض» في وجوب التزام حكم في حال الشك مثل الحكم في حال اليقين كيف ما كان، لا في خصوص الالتزام بمثل حكم الواقع للمشكوك، هذا [1].

و يمكن الذّب أيضا بأنه لا إشكال في حجيّة فيما إذا كان الحكم الشرعي لمركب قد شكّ في بقاء أحد جزئيه و كان جزئه الاخر محرزا بالوجدان، و دلالته على ترتيب هذا الحكم لهذا الموضوع المشكوك بقاء أحد جزئيه مثل ترتيب جواز رفع الأحداث و الأخباث على استعمال الماء المشكوك مائيته أو طهارته بالفعل، بعد ان كان ماء طاهرا سابقا، و ما نحن فيه من هذا القبيل، حيث ان الموضوع هاهنا مركب من جزءين شك في بقاء أحدهما مع محرزية جزئه الاخر بالوجدان، مثلا لو كان الموضوع الخمر المقطوع، فإذا شك في بقاء الخمرية فالجزء الاخر و هو القطع محرز بالوجدان، غاية الأمر يكون متعلّقه عند الشك الخمر المشكوك، كما ان المائع الطاهر عند الشك في بقاء مائيته يكون الطهارة متعلّقة بالمشكوك وصفا له، فلا فرق بين المقامين أصلا.

لا يقال: هذا فيما إذا كان الجزء المشكوك موضوعا كطهارة الماء لجواز رفع الأحداث و الأخباث، لأن الخمر المقطوع موضوع لحكم الحرمة أيضا، فيجب ترتيب حكمه على المشكوك الّذي هو بما كذلك يكون مقطوعا، فيجب ترتيب حكم هذا المقطوع على ذاك المقطوع، و به يذبّ عن إشكال الأمارات أيضا على ما لا يخفى.

إلاّ انّه يشكل بأنه لو تم للزم كفاية الأمارات و الأصول أيضا في ترتيب الأحكام على ما أخذ القطع فيه على نحو الصّفتية على المؤدّيات بالتقريب المتقدم، و بطلان التالي واضح لا سترة عليه.

و امّا قياس ما أخذ القطع فيه بالموضوعات المركبة فيما ذكر ففاسد؛ توضيحه ان الموضوع المركب إذا شك في جزئه يعقل ان يتعبّد في مقام الظاهر بأنه نفس الموضوع المركب الواقعي في ترتيب أحكامه عليه، بان يلغى احتمال خلافه و الالتزام باحتمال وفاقه، بخلاف ما إذا أخذ القطع فيه للجزم بانتفاء الموضوع المركب إذا شك فيه‏

____________

[1]- خ ل: فتأمل.

وجه التأمل انه مشكل، فلا وجه لتصديق الجمع بين الملاحظتين المتباينين، حسبما يظهر مما أوضحناه في دليل الأمارات، فراجع (منه (قدّس سرّه)).

490

و لو كان المشكوك نفس ما أخذ القطع فيه، ضرورة انتفاء قيده مثلا الخمر المقطوع لا يتحقق عند الشك في خمرية مائع من دون احتمال تحقّقه، بخلاف الماء الكر حيث يحتمل تحقّقه واقعا عند الشك في كرية مائه أو مائيته حسب ما لا يخفى، فافهم و اغتنم.

قوله (قده): بخلاف ما لو علّق النذر على نفس الحياة.

أقول: قد أورد عليه سيدنا الأستاذ- دام ظله- بعدم جريان الاستصحاب هاهنا أيضا إلاّ على القول بالأصل المثبت، إذ وجوب التصدق ليس من أحكام حياة الولد في هذا اليوم المشكوك فيه حياته، بل هو من أحكام ما يلزمه عقلا و هو كون اليوم من الأيام المنذور فيها التصدق بدرهم من جهة وجوب الوفاء بالنذر، فما لم يتصف اليوم بهذا العنوان لم يحكم عليه بوجوب الوفاء بالتّصدق و الاتصاف به و ان كان من لوازم حياة الولد فيه، إلاّ انه لما كان من لوازمها العقليّة لا الشرعية، فلا مجال لا ثباته باستصحابه.

أقول: هذا بالنظر الدّقيق في غاية المتانة، إلاّ انه لا يبعد ان يكون الواسطة في المسألة خفيّة، و قد تقرر في محله حجيّة الأصول المثبتة إذا كانت الواسطة كذلك.

قوله (قده): لحكم متعلّقه.

أقول: لا يخفى ان المراد من حكمه هنا نظير حكم المتعلق لا عينه، كما كان كذلك في القطع، ضرورة ان هذا الموضوع غير ما هو الموضوع لحكم المتعلّق، و دليله غير دليله حسب ما نشير إليه بعد ذلك، فلا تغفل و تأمّل.

قوله (قده): و قد يؤخذ لا على وجه الطريقيّة- إلخ-.

أقول: توضيحه ان الظن سواء أخذ بنحو الطريقيّة إلى متعلّقه أو لا بهذا النحو، بل يلاحظ على انه صفة خاصة، قد يؤخذ (تارة) موضوعا لحكم متعلقه كما إذا كان مظنون الخمريّة كذلك حراما (و أخرى) لحكم اخر كما إذا جعل الظن بالخمر كذلك موضوعا و سببا لوجوب التّصدق بدينار، أو الإباحة مع كون الخمر حراما، فصارت الأقسام أربعة حيث كان كل واحد من الظن المأخوذ على وجه الطريقيّة أو الموضوعيّة الصرفة على قسمين: (أحدهما) ان يكون موضوعا لحكم متعلقه (و الاخر) لحكم اخر.

و هذا بخلاف العلم حيث لم يكن كل من العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الموضوعيّة الصرفة أو الطريقيّة إلاّ قسما واحدا، و هو ان يكون موضوعا لحكم اخر، و لا يتصور ان يكون‏

491

موضوعا لحكم متعلقه أو به يتحقق نفس موضوع حكم المتعلّق من الواقع، فيترتّب عليه حكمه بما هو كذلك، إذ المفروض كونه الموضوع و هو محرز قهرا بالعلم به، فلا يتصور مدخلية في الموضوع، مع فرض كون الحكم لنفس المتعلق أيضا.

و من هنا ظهر فرق اخر [1] بينها، فلا تغفل.

ثم انه لا يخفى اختلاف الأقسام الأربعة دليلا، حيث ان ما أخذ موضوعا لحكم اخر يحتاج إلى دليل اخر غير أدلّة الحجية و دليل التنزيل، بخلاف ما إذا أخذ موضوعا لحكم المتعلّق، فانه ما كان منه على نحو الطريقيّة يكفيه [2] أدلّة الحجّية، و ما كان منه على نحو الموضوعية يحتاج إلى دليل خاص للتنزيل، كما لا يخفى على المتأمل [3].

قوله (قده): لكن الكلام في ان قطعه هذا هل هو حجّة.

أقول: يعنى ما يحتج به الشارع عليه و يقطع به طريق عذره.

قوله (قده): و المسألة عقليّة.

أقول: ان [4] أراد انها مما يتطرق إليها العقل و ان كانت شرعية فرعيّة، فهي و ان كانت‏

____________

[1]- و الفرق الاخر هو إمكان أخذ الظن في موضوع حكم المتعلق بخلاف العلم، و لا يخفى ان هذا منشأ الفرق بينهما في عدد الأقسام الأربعة (منه قده).

[2]- لا يخفى ان كفايتها في ذلك مبتن على ما تقدم من المصنف من توسيط ما وراء العلم من الأمارات في إثبات أحكام المتعلقات، و أما بناء على ما قدمناه من الإشكال في ذلك فلا يكفي أدلته، بل يحتاج إلى دليل اخر، كما لا يخفى (منه قده).

[3]- و اعلم انه لا بد في جميع الأقسام حتى فيما أخذ الظن فيه على نحو الطريقيّة مطلقا، على ما عرفت في الحاشية السابقة من الاحتياج فيه أيضا على دليل اخر من حجة بنفسها يحرر بها ما هو الجزء الاخر من الموضوع من الواقع المتعلق للظن و لو كانت تفسر الظن، سواء استفيد ذلك من نفس الأدلة التي أخذ فيها في موضوع الأحكام، أو من دليل اخر، هذا إذا كان مأخوذا على نحو الجزئية، لأن ما إذا أخذ على ان يكون تمام الموضوع، كما لا يخفى (منه قده).

[4]- فلا ينافي ما تقدم من تعبية الإشكال من وجوب معالجة القطع و حجيته كما ربما يتوهمه العاقل.

و الحاصل ان الكلام هاهنا في ان القطع الّذي يجب معالجته مطلقا بلا إشكال، بل يوجب مخالفته العقاب أو لا يوجب ذلك إلاّ إذا صادف الواقع (منه (قدّس سرّه)).

492

كذلك حسب تقريره إيّاها إلاّ انه لا بدّ ان يكون مراده ذلك مجرّد استبعاد تحصيل الإجماع المصطلح و إن أمكن، لا الاستحالة، إذ غاية الأمر انه يستبعد في مثل المسألة ان يطمئن بأنّ اتفاق كلمتهم فيها من جهة تعاطيهم من رئيسهم، بل لعله لأجل أداء عقولهم كلاّ أو بعضا إليه.

نعم لو علم باتفاق جميع الآراء حتى رأيه (عليه السلام) قطع بالحكم و لو لم تكن شرعية بل عقليّة محضة، فضلا عمّا إذا كان مثل المسألة شرعية إلاّ انّه ليس من الإجماع المصطلح؛ و إن أراد انّها عقلية محضة، فتحصيل الإجماع فيها و إن استحال لعدم قابلية المسائل العقليّة لذلك، إلاّ انّه حسب تقريره- قده- ليس كذلك، حيث صرح بان النزاع فيها في ان الفعل الغير المنهي عنه واقعا يصير محرما شرعيا و مبغوضا للشارع بسبب تعلّق اعتقاد المكلف لكونه كذلك، و لا سترة في كون المسألة حينئذ شرعية.

نعم يمكن تقريرها على وجه يصير عقلية محضة (تارة) كلامية بان يقال النزاع فيها في انّ المخالفة الاعتقادية المحضة موجب لاستحقاق العقاب كالعصيان، و (تارة) أصولية بان يكون النزاع فيها في انّ العقل يستقل بقبح الفعل المتجرّى به بحيث يستحق فاعله العقاب عليه من المولى، فتكون من جملة مباحث الأدلّة العقليّة من الأصول.

ان تحرير الكلام في المقام في تحقيق الحال فيها بحسب كل واحد من هذه التقريرات:

فاعلم ان الأظهر فيها حسب تقريره- قده- عدم اتّصاف المتجري به بالحرمة، لأنه غير اختياري للمكلّف بوجه من الوجوه، فانه صدر منه بلا تصوره و علمه، فضلا من سائر المقدّمات الاختياريّة المتوقف عليه لا بعنوانه الخاصّ به و لا بغيره حتى بعنوان التجري، حيث انه قصد التجري بفعل الحرام الواقعي لا بما اعتقد كونه كذلك، مع انه ليس كذلك، و لأنه لما اعتقده حراما واقعيا يكون النهي عنه لغوا إذ لا يكاد معه أن يلتفت إلى هذا النهي أصلا فيترتب عليه فائدته و ثمرته من الزجر عن فعله و الحثّ و التحريك إلى تركه، مع ان النهي لذلك من قبيل تحصيل الحاصل، ضرورة كفاية اعتقاده للنهي عنه واقعا في ذلك.

لا يقال: نعم إلاّ ان هذا لا ينافي وجود ما هو المناط للنهي فيه من الكراهيّة و المبغوضية، و هو المناط في باب الإطاعة و العصيان في استحقاق الثواب و العقاب.

لأنا نقول: نعم و ان كان هو المناط لو كان، إلاّ انّه ليس بمتحقق، فانه إذا راجعنا الوجدان لا نجد ان تعرض الكراهة و المبغوضية لما نحبه و نريده بمجرد اعتقاد العبد بكونه مبغوضا و مكروها لنا، فكيف يعرضه المكروهية و المبغوضية من حيث انه صادر منه على ما

493

هو بهذه الحيثية محل النزاع، بل نجده بعد ذلك كما كان، مع انك قد عرفت انه صادر عنه من غير اختيار.

و لا يخفى ان ما ذكرنا من عدم المناط انما يكون مناطا أيضا، لعدم تعلّق الأمر و النهي الشرعيين بالإطاعة و المعصية، إذ لا نجد إذا راجعنا الوجدان غير محبوبيّة المأمور و مبغوضية تركه ما كان هو المناط في الأمر الاخر بالإطاعة و النهي كذلك عن المعصية، لا ما ذكر من لزوم التسلسل أو الترجيح بلا مرجح في الأمر و النهي الشرعيين في الإطاعة و المعصية، و إلاّ فالأمر في مثل هذا التسلسل سهل، حيث انّه من قبيل التسلسل في الأمور الاعتبارية، مع انه لو لم يكن كذلك لم يكن كل تسلسل باطل ما لم يكن بين السلسلة ترتّب العلية و المعلوليّة، حسب ما حقق في محلّه.

ثم انّه قد انقدح مما حققنا حالها على تقريرها أصولية أيضا، حيث انقدح ان الفعل المتجري به يصدر من دون اختيار، و قد حقق في محلّه ان الموضوع للحسن و القبح ما صدر بالاختيار، فاتضح عدم اتّصافه بالقبح، مع انك بعد ما عرفت انه غير قابل للحكم الشرعي أصلا و لو بمناطه، عرفت انه لا كراهة في تقرير المسألة أصولية حسب ما لا يخفى.

و امّا حالها على تقريرها كلاميّة، فالظاهر استحقاقه الذم و العقاب على ما يشهد به مراجعة الوجدان و ملاحظة حال العبيد و الموالي من أهل الملل و الأديان و غيرهم، مع ان مناط الاستحقاق في المعصية الحقيقية و هو هتك حرمة المولى متحقق هنا أيضا، و لكن و ليعلم ان الاستحقاق ليس على الفعل المتجري به، إذ عرفت انه صادر منه من دون اختياره.

و من المعلوم ان ما هو خارج عن الاختيار لا يصير منشأ للاستحقاق، بل انما هو مجرّد إظهاره ما كمن فيه من خبث باطنه و كونه في مقام الطغيان و العصيان مع مولاه، فهذه الصفة ما دامت كامنة و لم يظهر صاحبها، فهي و ان كانت من الصفات الذميمة إلاّ انه لا يستحق به عقابا من المولى و ان أظهرها يستحق بإظهاره و لو بأوّل مقدّمة من مقدمات الفعل المتجري به، بل بمجرد القصد إليه أيضا و ان لم يفعله بعد، حسبما يشهد به اخبار (1) العفو عن القصد إلى المعصية، فضلا عما دل على عدمه.

ثم انه بقي الكلام في انّ التجري في محل النزاع هل هو بمعنى مخالفة الاعتقاد مطلقا، و لو صادف الحرام الواقعي أو خصوص ما إذا لم يصادف:

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 36.

494

فاعلم ان الّذي ينبغي ان يقع محلا للكلام و موردا للنقض و الإبرام انما هو المعنى الأخير، بداهة ان ارتكاب الحرام الواقعي عن علم و اعتقاد يوجب استحقاق استحقاق العقاب.

فان قلت: نعم لا إشكال في انه بما هو معصية موجب لذلك، و انما الإشكال في انه بما هو تجري موجب له أيضا.

قلت: عدم استحقاق العاصي عقابين بمعصية واحدة في البداهة مثل استحقاقه العقاب.

و من هنا ظهر ان التجري في محل النزاع لا يصادف المعصية الحقيقية، فيشكل الأمر على القول بحرمته أو لإيجابه الاستحقاق بلزوم استحقاق عقابين، فيتفصى فيه تارة بما هو مثله في الفساد من التداخل على ما يأتي حكايته في المتن و يلتزم به أخرى من دون تداخل، حسب ما يظهر منه- قده-.

قوله (قده): فيلتزم باستحقاق من صادف قطعه- إلخ-.

أقول: مراده ((قدّس سرّه)) ان سبب استحقاق العقاب انما هو ارتكاب الحرام الواقعي اختيارا، و هو يتحقق في حق من صادف قطعه بداهة دون من لم يصادف، ضرورة عدم شربه الخمر الحرام، فكيف بارتكابه له اختيارا، بل و كما لا يصدر منه شرب الماء كذلك حيث لم يقصده، فكيف باقي المقدمات الاختيارية التي هي تكون متفرعة عليه حسب ما لا يخفى.

و بالجملة الاستحقاق ليس لأجل ما يشتركان فيه من المقدمات، بل انما هو لأجل هذا الأمر أعني صدور الحرام الواقعي اختيارا الّذي يختص بمن صادف قطعه، و اما عدم استحقاق من لم يصادف هو لأجل عدم صدور سبب الاستحقاق منه و لو من غير اختياره، و عدم العقاب لأمر غير اختياري غير قبيح، و انما يقبح العقاب لأجله، حسب ما لا يخفى.

و الأجود في تقرير الجواب ان يقال:

ان المصادفة و عدمها قد يلاحظان بالنسبة إلى القطع، و قد يلاحظان بالنسبة إلى متعلقه من المائع المقطوع خمريته مثلا، و قد يلاحظان بالنسبة إلى فعل القاطع، فان كان المراد بهما هما بإحدى الملاحظتين الأوليين، فانهما و ان كانا أمرين غير اختياريين إلاّ انّ إناطة استحقاق العقاب و عدمه بهما ممنوع، و ان كان المراد بهما هما بالملاحظة الأخيرة فالاستحقاق و عدمه و ان أنيطا بهما إلاّ ان يكون المصادفة بهذه الملاحظة امرا غير اختياري ممنوع، إذ هي‏

495

بهذه الاعتبار أمر منتزع من ارتكاب القاطع شرب الخمر الحقيقي مع علمه به و قصده إيّاه و عدمه.

و من المعلوم انه ليس الفعل الاختياري إلاّ ما فعله الفاعل عالما عامدا بعنوانه الواقعي.

نعم هي بالملاحظتين الأوليين من مقدمات اختياريتها بهذه الملاحظة و لا منافاة مع ضرورة ان وجود الفاعل من مقدمات الفعل الاختياري مع انه خارج عن اختياره.

نعم عدم المصادفة بهذا الاعتبار امر غير اختياري لمن لم يصادف، حيث ان منشأ انتزاعه لم يتحقق منه عن قصد إليه و علم به، كيف و قد قصد وقوع غير الواقع على حسب اعتقاده، و ذلك غير مضر، إذ عدم الاستحقاق مستند إلى عدم تحققه علة الاستحقاق من ارتكاب الحرام بالاختيار و لو كان بلا اختيار، فتأمّل.

و ممّا حققناه ظهر فساد ما أفاده بعض أفاضل العصر في المقام من ان الممتنع انما هو إناطة الاستحقاق على ما هو خارج عن الاختيار بالسلب الكلي إلاّ ما هو كذلك بالسلب الجزئي بمعنى كون بعضه بالاختيار و ان كان بعضه الاخر بالاضطرار كما في المقام، إذ الفعل صادر بالاختيار و ان كان المصادفة بالاضطرار.

هذا خلاصة رأيه على ما يظهر، و أنت خبير بان العقل لا يحكم بالاستحقاق إلاّ بما هو بالاختيار بتمامه بعد وجود الطرفين من المكلف و الأمر، فيا سبحان اللَّه، كيف يؤثر الأمر الاضطراري و لو بانضمامه إلى الاختياري الغير الموجب بنفسه للاستحقاق فيه، و ما حمله على ذلك إلاّ مسألة المصادفة و غفلته عما حققناه فيها من انها بالملاحظة الّتي تكون بها مناطا للاستحقاق و عدمه تكون اختياريّة أيضا على ما عرفت، فافهم و اغتنم.

و ظهر أيضا النّظر فيما يظهر من مطاوي كلامه (ره) من ان عدم استحقاق من لم- يصادف قطعه العقاب منوط بعدم المصادفة الخارجة عن الاختيار، و قد أتعب نفسه بالاستدلال على صلاحية إناطته بالخارج عن الاختيار

بقوله «إلاّ ان عدم العقاب- إلخ-.

وجه الظهور ما عرفت من انّ عدم استحقاق العقاب انما هو لعدم ما يقتضيه، حيث لم يصدر منه فعل اختياري أصلا، هذا مع ما في الاستدلال من الاختلال، لأنه ان أريد من قوله «إلاّ ان عدم العقاب» نفي فعليّة العقاب كما هو ظاهر الكتاب، فلا دخل له في المقام حيث ان مورد النفي و الإثبات هو الاستحقاق كما لا يخفى، و ان أريد منه عدم الاستحقاق كما هو المناسب، فقد عرفت ان الاستحقاق و عدمه ليسا موردين للحسن و القبح، لما عرفت‏

496

من انهما على ما حققناه من اللوازم القهريّة لوجود علته التامّة و عدمها.

و من المعلوم كما تقرر في محله ان موردهما الأفعال الاختياريّة، و ليس انتفاء قبح عدم العقاب، أو عدم معلوميته كما في الكتاب كاشفا عن عدم الاستحقاق أيضا لأعميّته منه.

نعم قبح العقاب كاشف عنه إلاّ انه (ره) لا يدّعيه و انى له ذلك، كما لا يخفى.

قوله (قده): و يرد عليه- إلخ-.

أقول: لا يخفى ان المراد من التجري في كلام المفصل هو الفعل المتجري به، كما هو محلّ النزاع، كما صرح به المصنف (ره) على حسب ما يشهد به أمثلته و ملاحظة مراتب المصالح و المفاسد لا الصفة الذميمة للعبد بالنسبة إلى مولاه على ما هو ظاهر لفظ التجري، و هو بهذا المعنى الأخير انما يكون ذاتيا و لو على القول بالوجوه و الاعتبار، ضرورة الانتهاء إلى ما كان حسنها أو قبحها بالذات من الجهات و إلاّ لتسلسل، كما لا يخفى.

و اما بمعناه الأول فقبحه انما هو لكونه كاشفا عنه بهذا المعنى و تعلق القطع بكونه معصية.

و من المعلوم انه لا يبعد أصلا ان يدّعى مزاحمة هذه الجهة المقبّحة بالمصلحة الواقعيّة حسب ما ذكره من الأمثلة و معارضتها و إياها، و ترجيح الراجح منهما لو كان و إلاّ فإسقاط الجانبين و الحكم كما إذا لم يكونا في البين، فيختلف الحكم على حسب اختلاف المفاسد و المصالح النّفس الأمريّة، فلا مجال لما أورد عليه بقوله: أولا.

قوله (قده): للجهل بكونه قتل مؤمن- إلخ-.

أقول: و ذلك لاعتبار العلم في قوام موضوعي الحسن و القبح، حسب ما تقرر في محلّه، فترك القتل لا يتصف بواحد منهما مع كونه ذا مصلحة.

قوله (قده): لم يؤثر في اقتضاء- إلخ-.

أقول: و ذلك لعدم التنافي بين الفعلي من كل من الحسن و القبح و بين الجهة من الاخر ما لم يصر فعليا، ضرورة اجتماع فعلى كل منهما مع جهة الاخر، فأين المزاحمة بين الجهة المحسّنة في المثال و قبحه الفعلي.

و الحاصل ان الموجود غير صالح للمزاحمة، و الصالح لها غير موجود، و فيه ان الأمر كما ذكر لو كان القبح المفروض في المقام فعليّا لا مجرّد الجهة المقبّحة و ليس كذلك، لما عرفت‏

497

من اعتبار العلم بهذه الجهة في صيرورته هكذا، و ليس العلم بالحرمة مثلا في المقام هو العلم بالجهة التي يعتبر في الموضوع للحسن و القبح الفعليين، بل هو نفس الجهة المقبّحة.

مع انك قد عرفت ممّا حققناه عدم صدور فعل اختياري منه أصلا، و من المقرر ان الموضوع للحسن و القبح الفعليين انما هو الفعل الاختياري لا غير، فلا يعقل حينئذ الاتصاف بغير جهتيهما، كما لا يخفى.

و الحاصل انه ليس في الفعل المتجري به إلاّ جهتا المصلحة و المفسدة: الأولى جهته الواقعيّة، الثانية القطع بحرمته، مع كونه واحيا من دون علم بأحدهما أصلا؛ و من المعلوم تزاحم الجهتين و تمانعهما في التأثير؛ هذا، مضافا إلى ان الأحكام الواقعيّة انما هي تابعة للمصالح و المفاسد، لا الحسن و القبح الفعليين، فالموجود صالح المزاحمة لما هو المؤثر و هو جهة القبح الفعلي لو سلّم و غير المزاحم غير المؤثر و هو نفسه، هذا.

قوله (قده): مضافا إلى الفرق.

أقول: الفرق بين المقامين ان المستدل في ذلك المقام لما كان بصدد الإثبات يكفى الاحتمال في منعه بخلاف المقام، فان المفصّل بصدد إبداء المانع مع قبوله وجود المقتضى، فلا يكفيه الاحتمال.

قوله (قده): و يظهر من بعض الروايات.

أقول: و يحتمل ان يكون التفصيل لا لما ذكر، بل لكون القطع بطلوع الفجر تمام الموضوع لهذا الحكم كما هو ظاهر الأخير، و لعله أشار إليه بامره بالتأمل.

قوله (قده): و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا.

أقول: هذا النزاع غير النزاع في مسألة الملازمة بين الحكمين و التطابق بينهما، إذ الكلام في هذه المسألة في حجيّة إدراكه للحكم الشرعي و عدم حجيّته، و في تلك المسألة في ان كل ما أنشأه العقل و حكم به، حكم به الشرع و أيضا أنشأ على طبقه الحكم أم لا، فتأمل.

قوله (قده): أولا نمنع.

أقول: و قد تصدى بعض أفاضل العصر للحكومة بينه (قده) و بينهم بأنّ مذهبهم مبنى على كون العلم المأخوذ في وجوب الامتثال انما هو العلم الموضوعي الخاصّ الّذي يتبع في‏

498

تعيين سببه أو غيره من جهاته تعيين المولى و جعله كما هي، و هم يدعون تعيينه بالسماع من الإمام (عليه السلام) كما يساعدهم عليه الاخبار.

و هذا امر معقول لا إشكال فيه، و شدة إنكاره (قده) عليهم مبنى على كونه طريقا بمعنى ان المعتبر فيه هو العلم بالتكليف من أيّ سبب كان و نسب إليه الغفلة عنه و المغالطة في هذا الإنكار.

فيا سبحان اللَّه، كيف تجري عليه بنسبته إلى الغفلة عن مرامهم و إلى المغالطة في إنكاره، مع انه غفل عن حقيقة مرامه ((قدّس سرّه)) و لم يصل إلى كنه مراده و لم يتفطن انه بصدد هدم هذا المبنى، و بأنه لا يعقل التصرف من الشارع في العلم المعتبر في موضوع الحكم بالتّنجز و لزوم المتابعة، حيث ان الحاكم به هو العقل و هو مستقل بهذا الحكم بمجرد العلم بالتكليف، حسب ما عرفت في أول المسألة من انه لا يعقل المنع من الشارع من اتباع العلم الّذي لم يجعله معتبرا في موضوع الحكم الشرعي و التّصرف فيه أصلا، و انما له ذلك فيما جعله معتبرا فيه لا فيما هو موضوع لحكم العقل بلزوم الاتّباع.

و الاشتباه انما تنشأ من اشتباه ما هو معتبر في موضوع الحكم العقلي بما هو معتبر في موضوع الحكم الشرعي لاشتراكهما في الموضوعيّة، و قد عرفت الفرق بينهما بما هو أبعد مما هو بين السماء و الأرض.

نعم يمكن ان يقال: لما كان يحتمل العقل ان يحصل غرض الشارع من أوامره و نواهيه و ان تنجزتا بمجرد حصول القطع من أيّ سبب كان بمجرد الائتمار و الانتهاء من دون تبليغ الحجّة و الأخذ، كما هو محتمل بعض الاخبار لو لم يكن ظاهر مثل قوله (عليه السلام) «لو ان رجلا (1)- إلخ-». و كان من المعلوم ان الإطاعة هو الائتمار و الانتهاء على نحو يطابق معه غرض المولى، لا مجرّد الائتمار و الانتهاء على أيّ نحو كانا من دون تبليغ مما لم يكتف به العقل في مقام الإطاعة، لمكان هذا الاحتمال، بل يلزم العقل بعده بالرجوع إلى المعصوم (عليه السلام) ليسمع منه حتى يقطع بحصول الغرض، فيكون السماء منه (عليه السلام) عليه من قبيل المقدمات الوجودية للإطاعة و الامتثال بحيث لا يقطع به بدونه، فلا يكفي مع هذا الاحتمال مجرد منع توسيط التبليغ، بل لا بدّ من الاستدلال عليه، هكذا ينبغي ان يوجّه مقالتهم في المجال، فتأمّل.

____________

(1)- المحاسن للبرقي- 286.

499

قوله (قده): لكن ظاهر كلام من ذكره- إلخ-.

أقول: إذ الظاهر بقرينة السّياق كون المراد من هذا القطع هو خصوص القطع في الصلاة لا مطلقا، و هو فيها طريق لا مأخوذ في الموضوع، كما لا يخفى.

قوله (قده): و فساده يظهر مما سبق.

أقول: و ذلك حيث ظهر انه لا يعقل المنع عن العمل بالعلم فيما كان العلم كاشفا محضا، حيث انه مستلزم للتناقض، فأنّى للمولى من ذلك، و لا مجال لجعل مثل هذا العلم دخيلا في الموضوع لاستلزامه المحال.

نعم هذا العلم جزء موضوع لإلزام العقل بالامتثال، كما لا يخفى.

قوله (قده): مع إمكان أن يقال- إلخ-.

أقول: توضيح المرام و تشريح المقام يستدعى بسطا في الكلام.

فاعلم أوّلا انه يجب بحكم العقل و الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان تفريغ الذّمة عن امر المولى و نهيه بالايتمار و الانتهاء على نحو يطابق غرضه و تحصيل مقصده، لا انه يحكم أولا بعنوان قابل لأن يقال هل هو مبين المفهوم أو مجمله كالإطاعة المردد مفهومه، كما ربما يتوهم بين ما ذكر من الائتمار و الانتهاء على النحو المذكور و بينهما مطلقا كما في التوصليات، أو مع قصد التقرب كما في العبادات، ضرورة عدم تطرق الإجمال في موضوع حكم العقل لأنه ما لم يحرزه بجميع خصوصياته و جهاته المعتبرة فيه و لو إجمالا، لا يحكم فيه بشي‏ء أصلا كما لا يخفى، و انما الإطاعة عنوان لكل ما يحكم العقل بوجوبه في هذا الباب؛ و قد عرفت حكمه بوجوب الائتمار و الانتهاء على النحو المذكور، فيختلف باختلاف أغراضه و دواعيه، فتارة يحصل الغرض بمجرد الائتمار و الانتهاء كما في التوصليات، و أخرى به مع قصد التقرب فقط، أو مضافا إليه قصد الوجه أو المعرفة التفضلية على الاحتمال كما في العبادات.

فلو علم بما يحصل الغرض فلا إشكال، و إلاّ فلا بدّ من القيام بكلّ ما يحتمل مدخليته في ذلك تحصيلا للبراءة اليقينية، فالأصل في الواجبات عند الدوران بين التّعبّدية و التوصليّة هو التّعبدية، و فيها عند الدوران بين الاكتفاء فيها بقصد القربة و عدمه، هو العدم ما لم يقم الدليل على الخلاف.

و لا مجال لأصل البراءة عن قصد القربة أو عن قصد الوجه و المعرفة التفصيليّة و ان قيل‏

500

به عند الشك في الاجزاء و الشرائط، لعدم إمكان اعتبارها فيه أصلا، ضرورة تأخرها عن الأمر المتأخر عن المأمور به بجميع أجزائه و شرائطه، فكيف يمكن اعتبارها فيه شرطا أو شطرا.

فان قلت: هذه الأمور و ان لم يكن اعتبارها في المأمور به إلاّ انها مأخوذة كذلك في المراد و المحبوب، و غاية الأمر ان يتوسل إلى طلبه بتمامه بجميع ما يعتبر فيه منها و غيرها بالأمر أولا بغيرها من الاجزاء و الشرائط، ثم الأمر ثانيا بامتثال الأمر الأول متكيّفة بها، كما صحح به بعض اعتبار القربة في العبادات فعند الشك لذلك لم يتعيّن الاشتغال فيه، بل مبنى على الخلاف في الشك في الشرائط و الاجزاء، ضرورة جريان ما هو المناط فيه هاهنا، كما لا يخفى.

قلت: أولا أخذها في المراد و التوسل إليها بما ذكر نمنع إمكانه، لاستلزام الأمر الشرعي بالإطاعة كما هو المفروض هاهنا الأمر الشرعي بالإطاعات إلى ما لا نهاية له، إذ حكم الامتثال‏ (1) فيما يجوز و ما لا يجوز واحد و هو محال، فتأمل.

و ثانيا: لو سلّم الإمكان، لكنه لم يتعيّن فيه، إذ لا أقلّ من احتمال ما ذكرناه من كونها من وجوه الإطاعة و كيفيّاتها لو لم نقل بتعيّنه، لعدم حاجة إلى مئونة التزام أمرين، مع عدم مساعدة دليل عليه في البين و عدم انحصار المناص فيه غاية قضيّة أصل البراءة على القول به في تلك المسألة إنّما هو الاطمئنان من قبل احتمال اعتبارها في المراد.

و أمّا احتمال كونها من وجوه الإطاعة و كيفيّاتها، فلا مؤمّن معه بعد، لعدم كون رفع أحد الاحتمالين من آثار رفع الاخر، فلا بدّ أيضا من الإتيان بها تحصيلا للاطمئنان.

فإن قلت: نعم، لكن لما كان بيان ما له دخل في إسقاط الغرض و حصوله على المولى كان الأصل البراءة عمّا لم يصل البيان فيه، لقبح العقاب بلا بيان.

قلت: لا يثبت بأصل البراءة عند تحقق ما هو اللازم قطعا بحكم العقل بدونه أعنى الإطاعة، لأنه ليس من آثاره الشرعيّة لعدم اعتباره، بل من آثاره العقليّة كما لا يخفى على أحد و ما لم يثبت بذلك، فكيف يطمئن العقل من التكليف الثابت؛ هذا، مضافا إلى كون وجوب هذا المحتمل لكونه إرشاديا لا يترتب على مخالفته أو موافقته عقاب أو ثواب، سوى ما يترتّب على موافقة الأمر أو مخالفته، فلا وجه لنفيه بالأصل الّذي ليس شأنه إلاّ رفع العقاب.

____________

(1)- الأمثال (ظ).

501

هذا تنبيه قد سنح بخاطري القاصر في حلّ إشكال اعتبار القربة في العبادات وجه وجيه، و هو أن الممتنع إنّما هو أخذ بعض مراتب القربة الناشئ من الأمر في المأمور به لما ذكروا، و أمّا بعض مراتبها الاخر الغير الناشئ من الأمر كأعلى مراتبها و هو جعل الفعل للَّه تعالى، و بعض مراتبها النّازلة فلا، كما لا يخفى، لانتفاء المانع المذكور و الاكتفاء بالبعض الناشئ أيضا إنّما هو لأجل كونه من عناوين الغير الناشئ، هذا، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): و هذا ليس بتقييد.

أقول: و ذلك لما عرفت من عدم إمكان اعتبارها في المأمور به مطلقا، أو شرطا أو شطرا، هذا.

لكن يمكن ان يقال: نعم لا يمكن التمسك بالإطلاق اللّفظي في نفيها، و لكن يمكن التّمسك بما هو المناط في حجيّة الإطلاق و منشأ اعتباره، و إن شئت فسمّه بإطلاق المقام.

و بيانه أن المتكلم إذا كان في مقام بصدد بيان تمام مراده و ما كان يحصل به غرضه و يسقط به مقصده، فكما يجب عليه بيان تمام المطلوب و يقبح عليه الاقتصار على البعض، كذلك يجب عليه بيان تمام ما يحصل به غرضه و يقبح عليه الاقتصار على البعض، فإذا كان غرضه ممّا لا يحصل بمجرّد إتيان المأمور به كيف اتّفق، فلا بدّ من بيان الكيفيّة المحصّلة له و عدم الاقتصار على بيان المأمور به حسب.

فإذا أحرز كونه في مقام بصدد ذلك اقتصر على ما يقتضيه بيانه، و يدفع احتمال اعتبار غيره بما ذكره هو.

و لا يخفى كفاية إحراز كون الشّارع في مقام واحد بصدد ذلك في سراية الحكم إلى باقي المقدّمات، لعدم القول بالفصل بينها، هذا.

قوله (قده): ثم الإتيان بالمحتمل- إلخ-.

أقول: ظاهره تعيّن هذه الكيفيّة و عدم الاكتفاء بالعكس، و وجهه كما أفاده السّيد الأستاذ على ما في تقريرات بعض الحاضرين في مجلس الدّرس أن المحتاط على العكس لا يعدّ مطيعا إلاّ إذا قصد الإتيان بالمحتمل الاخر حين الإتيان بأحدهما، لضرورة الوجدان بأنّه ليس الإتيان بأحد المحتملين من دون قصد الاخر إطاعة و امتثالا، مع إمكان الجمع و عدم قيام الطّريق على كونه المأمور به، و معه يلزم الاحتياط بالتكرار، و المفروض عدم جوازه؛ و هذا بخلاف العكس لجواز الاكتفاء بما قام الطّريق على كونه المأمور به.

502

أقول: و فيه نظر لأنّ المفروض عدم جواز التكرار من جهة الإخلال بالمعرفة التّفصيليّة و قصد الوجه لا مطلقا، و المفروض في العكس عدم الإخلال بها أيضا، و لعلّ الوجه أنّ العقل لا يحسن تقديم محتمل الواقعيّة على متيقّنها على ما عيّنه المولى في الظّاهر بنصب الطّريق، إذ لا يخلو من شائبة عدم الاعتناء بتعيينه، فتأمّل.

قوله (قده): لأن الأصول يخرج مجاريها- إلخ-.

أقول: لا يخفى انّه إمّا يلتزم بوجود تكليف معلوم إجمالا بالالتزام بالتكليف المردّد، و إمّا لا يلتزم به، و على التّقديرين لا مجال للأصلين و لا لواحد منهما، أمّا على الأوّل فلمنافاتها- بالتكليف المنجز بالعلم الإجماليّ و عدم ترجيح لأحدهما؛ و أما على الثاني فلعدم تنجز التّكليف بالالتزام بعد، حتّى يتكلّف بإخراج المورد عن موضوع ما يجب الالتزام به و إن لم يكن العلم الإجماليّ بمخالفة أحدهما للواقع مانعا من جريانهما ما لم يكونا مخالفين للتّكليف المعلوم بالإجمال، كما هو كذلك على التّقدير الأوّل، إلاّ أنّه لا معنى للأصل إلاّ أن يترتّب على مورده أثر لولاه لا يكاد يترتّب عليه إلاّ بدليل اخر؛ و ليس الأمر كذلك في المقام على هذا التقدير حيث جازت المخالفة لولاه لعدم التنجّز، هذا، فالأولى الاقتصار في الاستدلال بما سيشير إليه، و ملخّصه عدم الدّليل على وجوب الالتزام بالأحكام الشرعيّة و لو كانت معلومة تفصيلا، و إنّما الواجب عدم مخالفتها عملا.

قوله (قده): لمن توضّأ غفلة.

أقول: هذا القيد لعدم تأتى قصد القربة في الوضوء بدونه، و بدونه يقطع الفساد و يخرج عن الاشتباه.

قوله (قده): و أمّا المخالفة تدريجا.

أقول: يمكن أن يقال: انّ المخالفة القطعية انّما يكون محرّمة مع تنجّز الخطاب لا بدونه، و لا تنجّز له في المقام عند واقعة من الواقعتين، لعدم التّمكن من امتثاله بمرتبة من المرتبتين من الموافقة القطعيّة و عدم المخالفة كذلك لامتناع الأمر الأوّل و ضروريّة الثاني و لا بدّيته، فالمرتبتان خارجتان عن الاختيار المعتبر في تنجّز الخطاب، و المخالفة التدريجيّة النّاشئة من الاختيار في الواقعة الثّانية، خلاف ما اختاره في الواقعة الأولى و إن تمكّن منها و من تركها، إلاّ أنّها ليست مخالفة على التّعيين للخطاب المتوجّه إليه الآن، بل مردّدة بين مخالفته‏

503

و مخالفة الخطاب المتوجّه إليه سابقا في الواقعة الأولى الغير المبتلى بها الآن، فلا قطع بكونها مخالفة لتكليفه الفعلي، فلا حرمة لها كما في الشّبهات.

نعم به يحصل القطع بمخالفة أحد الخطابين الخارج أحدهما عن محل الابتلاء، و دون إثبات حرمته خرط القتاد.

هذا كله، مع أنه لو كان المخالفة القطعيّة التدريجيّة محذورة، لا يجوّزها الالتزام بالحكم الظّاهري، و لعلّ أمره بالتأمل إشارة إليه، و يحتمل أن يكون إشارة إلى أنّ المخالفة التدريجيّة في الواقعتين غير مستندة إلى المخالفة الالتزاميّة، بل إلى الاختيار المكلف في الواقعة الثّانية غير ما اختاره في الأولى من الفعل و التّرك، ضرورة أنّه لو اختار فيها ما اختاره في الأولى لم يلزم المخالفة عملا و إن خالف التزاما بأن لا يلتزم فيهما بحكم أصلا، كما لا يخفى.

قوله (قده): من غير تقييد بحكم.

أقول: مراده من الحكم لا بدّ أن يكون أحد الحكمين اللّذين علم إجمالا، و إلاّ فالمكلّف متقيّد في الواقعتين بما هو قضيّة الأصل الجاري فيهما من الحكم الظّاهري، فلا تغفل و تأمّل.

قوله (قده): و أمّا المخالفة العمليّة.

أقول: المهمّ في المقام مراجعة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان في أنّه يكفى في البيان المعتبر في تنجّز التّكليف، و وجوب الإتيان بالمكلّف به هذا القسم من العلم به و إن جهله تفصيلا، أو لا يكفي بل يكون الجهل التفصيلي به عذرا و إن علمه إجمالا، فان قطع الأوّل فلا مجال لنظره، لورود حكم اخر على خلافه من الشارع كما إذا علم تفصيلا، إلاّ أن يكون حكمه بالتّنجز معلّقا على عدم جعل الشارع جهله التّفصيلي عذرا.

و هذا بخلاف حكمه بالتنجّز بالعلم التّفصيلي، فإنه لا يعقل جعل شي‏ء عذرا معه، و ذلك لأنّ الواقع قد انكشف بحاقّه و حقيقته به، فليس التّرخيص في عدم الامتثال إلاّ حكما في عرضه، و هو يستلزم المحال لو لم يكن نفسه المحال.

و هذا بخلاف انكشافه بالعلم الإجماليّ، فإنّه بعد بحاقه و بعنوانه الخاصّ به مجهول، فلو رخّص في ترك الامتثال بملاحظة هذه الحالة لم يلزم أن يكون حكما في عرضه فيستلزم المحال، بل حكما ظاهريا، هذا.

لكن لا يخفى عدم ثبوت الترخيص في مثله بعموم أخبار الحلّ على ما بيّن في محلّه، فالأخبار الحاكمة بحلّية الشبهة مختصّة بغيره غير شاملة له أصلا و مطلقا و إن لم يقطع به،

504

سواء قطع بالعدم أو لا يصحّ الحكم بخلافه، كما صحّ في الشّبهات البدويّة، فيشمله هذه الأخبار لعموم موضوعها، كما لا يخفى.

و الإنصاف أنّ الأقسام المذكورة في المتن للعلم الإجماليّ متفاوتة، و ليس المقام مجال بسط الكلام في تفصيلها، و المناط فيها ما ذكر، فلا تغفل.

قوله (قده): أو يقال: إنّ رجوع الخطابين إلى خطاب واحد.

أقول: الفرق بين هذا الوجه و سابقه أنّه (تارة) يسلم أوّلا رجوع الخطابين بحكم العقل إلى خطاب واحد، ثم يقال برفع الوجوب للموافقة القطعية بلزوم العسر كما في الأول.

(و أخرى) بملاحظة لزوم العسر لا يسلّم إلاّ الرجوع إليه بالنّسبة إلى حرمة المخالفة لا مطلقا كما في الثاني، فتأمّل.

قوله (قده): بمعنى عدم ترتّب- إلخ-.

أقول: غرضه بيان أنّ المراد من الأصل في المقام ليس هو بمعنى الاستصحاب، كما يوهم ظاهر العبارة حتّى يشكل تارة بأنّه ليس للمستصحب حالة سابقة، لأنّ الخنثى اما وجدت ذكرا أو أنثى من أوّل الأمر، كما لا يخفى.

و أخرى بمعارضته بأصالة عدم الأنوثيّة، بل المراد منه هو بمعنى القاعدة.

و توضيحه أنّ القاعدة المستفادة من وجوب حفظ الفرج إلاّ على الزّوجة و ملك اليمين‏ (1)، أنّه لا بدّ في حلّية الفرج من إحراز كون أحدهما زوجا و الاخر زوجة، فيكفي في الحكم بعدم الحلّية الشك في ذلك.

قوله (قده): أمّا الأوّل فاعلم- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّ المراد من التّعبد به إنّما هو جعله طريقا إلى الأحكام الواقعيّة، و إلاّ فجعله بما هو صفة خاصّة سببا و موضوعا لحكم من الأحكام ممّا لا ينبغي الإشكال في وقوعه في الشريعة، فضلا عن إمكانه.

و المراد من الإمكان في المقام هو الإمكان الوقوعي، و هو عدم لزوم محال من فرض وجود الشّي‏ء، و إلاّ فلا مجال و لا إشكال في إمكانه الذّاتي، ضرورة تساوى طرفي الوجود

____________

(1)- المؤمنون- 6.

505

و العدم بالنّسبة إليه و عدم إبائه عن أحدهما.

قوله (قده): و في هذا التّقرير نظر.

أقول: لا يبعد إحاطة العقل في بعض الأحيان بجميع جهات الشّي‏ء أو القطع بعدم لزوم المحال من وقوعه، ضرورة جزم العقل في بعض الأحيان بالإمكان حسب شهادة الوجدان.

قوله (قده): و هذا طريق يسلكه العقلاء في- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّ هذا الإمكان غير الإمكان المتنازع فيه في المقام، بل هو بمعنى التجويز و الاحتمال العقلي، كما هو معناه في قول الحكماء «كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان» (1) لضرورة أنّ في الحكم بالإمكان المتنازع فيه لا بدّ من الجزم و الإذعان بعدم لزوم المحال من الوجود، و لا يكفي عدم الوجدان، هذا.

قوله (قده): و الإجماع إنّما قام- إلخ-.

أقول: و ذلك لأنّه لا وجه للامتناع إذا حصل شرطه و هو قيام الحجّة القطعيّة عليه، مثل أن يخبرنا النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عن اللَّه بأنّ ما أخبره فلان عن اللَّه من الأحكام واجب اتّباعه فيه، فتأمّل.

قوله (قده): فإنّ باب هذا الاحتمال- إلخ-.

أقول: الأولى أن يجاب عنه بأنّه ليست حجيّته بالجعل حتّى ينقض، بل كانت بنفسه، و ضروري الثبوت له كما سبقت إليه الإشارة.

قوله (قده): إن ذلك يتصوّر على وجهين.

أقول: توضيح الحال يستدعى بسطا في المقال في بيان وجوه الإشكال و الذبّ عنها، فنقول و على اللَّه الاتّكال:

____________

(1)- الإشارات و التنبيهات للشيخ الرئيس- ج 3.

506

إنّ ما قيل في وجه المنع أو يمكن أن يقال أمور:

منها لزوم التكليف بالمحال لو لم يكن نفسه المحال فيما إذا أدّى الطّريق إلى حرمة ما كان في الواقع واجبا. أو بالعكس، أو أدّى إلى وجوب ما يضادّ الواجب و يزاحمه، ضرورة امتناع طلب النّقيضين أو الضدّين.

و منها لزوم اجتماع الضدّين من الإرادة و الكراهة في الأمر، و المراديّة و المكروهيّة في المأمور به، و كذا الكلام في الحبّ و البغض و المحبوبيّة و المبغوضيّة في الصّورة الأولى، و كذا في الصّورة الثّانية بناء على مقدميّة ترك الضدّ، كما لا يخفى.

و منها لزوم اجتماع المصلحة و المفسدة الملزمتين للفعل و التّرك في شي‏ء واحد، كما في الصّورة الأولى بناء على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد الكامنة في الأشياء، و كذا ما يتبعها من الحسن و القبح.

و منها لزوم تفويت المصلحة كما في الشّق الأوّل من الصّورة الأولى، أو إلقائه في المفسدة كما في شقّها الثّاني، كما لا يخفى.

هذا خلاصة المقال في وجوه الإشكال.

و التحقيق في الجواب عنها أوّلا أن يقال: إنّما تلزم هذه التّوالي إذا كان مؤدّى الأمارات في صورة مخالفتها في الواقع حكما شرعيّا حقيقة و ليس كذلك، بل ليس مؤدّاها إلاّ كمؤدّى الطّرق العقليّة في صورة المخالفة.

و من المعلوم عدم كونه حينئذ حكما شرعيّا، و ليست الطريقيّة مقتضية أزيد من تنجّز الأحكام الواقعيّة لو أدّت إليها لا إنشاء أحكام جديدة حقيقة لو تخلفت عنها، بل صورتيه عقليّة أو شرعيّة، و ليس الفرق بينها و بين تلك الطرق إلاّ أن طريقيتها بالجعل و طريقيّة تلك بنفسها.

و هذا هو الموجب للزوم التدارك لما فات عنه من المصلحة على اللّه بسببها دون تلك إذا كانت من المصالح اللاّزمة الغير المزاحمة بالعسر و الحرج، و كان التفويت منه تعالى كما في صورة التمكن من الواقع و لم يكن في الجعل مصلحة كان عدم مراعاتها أقبح من تفويت المصلحة، و إلاّ فلا يلزم التدارك فيها أيضا أصلا، كما لا يخفى.

و ثانيا أمّا عن الأوّل فبمنع بطلان التّالي و لو سلّم كون مؤدّى الأمارات حكما شرعيّا، و ذلك لأن قبح التّكليف بالمتناقضين أو المتزاحمين إنّما هو لأجل التّكليف بما لا يطاق و الإلزام بما لا يمكن امتثاله، و هو غير لازم في المقام حيث لم يتنجّز أبدا إلاّ واحد منهما.

و أمّا عن البواقي فبمنع الملازمة، لأنّه إنّما تلزم هذه التّوالي إذا كان كل واحد من الأمر

507

الواقعي أو نهيه و مخالفة ممّا أدّى إليه الأمارة تابعا لمصلحة و مفسدة في نفس الشي‏ء، و ليس هذا بلازم لجواز كون ما أدّى إليه الأمارة تابعا لمصلحة في الأمر بالسلوك، كما أشار إليه المصنف، فلا اجتماع لهما في موضوع واحد، و كذا ما يتبعهما من الحسن و القبح، و الحبّ و البغض، و كذا الإرادة و الكراهة على ما هو التحقيق من أن الطّلب المنشأ بالأمر و النّهى غير الإرادة و الكراهة النفسانيّة، إذ يجوز عليه كون جعل ما هو متعلّق الإرادة النّفسانيّة منهيّا عنه أو لكراهتها مأمورا به، لمصلحة في الأمر و النّهى أقوى و أرجح مراعاة ممّا في المراد، و المكروه بحيث يقبح ترك مراعاتها مراعاة له.

و منه يظهر الذبّ عن الإشكال الأخير، وجه الظهور أنّه إنّما يقبح التّفويت عليه إذا لم يلزم من عدمه ما هو أقبح منه، و هو عدم مراعاة أقوى المصلحتين، كما عرفت.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ التّفويت اللاّزم من جعل الأمارات ليس بقبيح حتّى يجب تداركه، فلا وجه لما يظهر من مطاوي كلامه من لزوم تدارك المصلحة الفائتة على المكلّف بسبب الجعل بمصلحة الأمر بالسلوك، هذا، مع أنّ المصلحة الّتي في الأمر بالسلوك غير صالحة لأن يتدارك بها ما فات من المكلّف من مصلحة المأمور به حيث انّها غير عائدة إليه، لأنّها ليست في فعله بل في فعل الأمر، فلا دخل لها به أصلا، فعلى الالتزام بالتّدارك لا بدّ من أن تكون المصلحة المتدارك بها في نفس المأمور به لو لم يكن في دفع قبح‏ (1) كفاية في التدارك بها من الخارج تفضّلا من دون فعل من المكلّف كان ما يتدارك به أثره و خاصيّته، فتدبّر جيّدا.

و لقد أفاد السّيد الأستاذ- دام ظله- في الجواب ما لم يخل من التأمّل و النّظر، و ملخّصه:

أمّا عن الأوّل فبمنع القبح فيما إذا كان أحد الحكمين مترتّبا على الاخر، و لم يكونا في مرتبة واحدة كما في المقام، كيف و به صحّح ما هو أعظم إشكالا منه، و هو تنجّز الأمر بضدّين كان أحدهما أهمّ من الاخر و بنى على عصيان أمره فضلا عنه حيث لم يتنجّز إلاّ واحد منهما (2) أبدا.

و أمّا عن الباقي فبمنع اتّحاد موضوع الصّفات المتضادّة، إذ الموضوع للمصالح و المفاسد هو العناوين العارضة لفعل المكلّف لا نفسه؛

____________

(1)- خ ل: قبح التفويت كفاية.

(2)- خ ل: أحد الأمرين.

508

و من المعلوم انّ ما هو موضوع لإحدى الطّائفتين غير ما هو الموضوع للأخرى، كما لا يخفى؛ و كذا ما يتبعهما من الحسن و القبح، و الإرادة و الكراهة، و لما كان عروض الجهة الثانية له بعد تأثير الأولى فيه الحكم، إذا المفروض أنّ المعروض لها هو الفعل المحكوم بالحكم الواقعي المجهول، كانت هذه الجهة غير صالحة لمعارضة الأولى و مزاحمتها في تأثير الحكم الواقعي و لم يقع بينهما الكسر و الانكسار، مع أنّ هذا فيما إذا لزم التّدارك و كان المصلحة في سلوك الأمارة.

و أمّا إذا لم يلزم التّدارك لأجل مزاحمة المصلحة الواقعيّة مفسدة العسر و الحرج و المشقّة في سلوك الطريق العلمي للنّوع و إن لم يكن بالنّسبة إلى الشّخص، بناء على لزوم تقديم مراعاة مصلحة النّوع على مصلحة الشّخص، أو لزم و كان التّدارك بغير هذه المصلحة بل من الخارج، فلا إشكال لعدم اجتماع الصّفات في المؤدّيات أصلا، كما لا يخفى.

و هذه خلاصة ما أفاده في الجواب- دام ظله-.

و لا يخفى وجوه النّظر و التّأمّل فيه، و ذلك لأنّ منشأ قبح طلب الضدّين أو المتناقضين و هو التكليف بالمحال لا يرتفع بمجرّد الترتّب بين الأمرين.

نعم لو لم يتنجّز إلاّ أحدهما كما في المقام، فلا استحالة فيه و لو لم يكن ترتّب في البين، و لأنّ موضوع المفاسد و المصالح لو سلّم أنّه هو العناوين العارضة للفعل لا نفسه، إلاّ أنّها ليست بمفاهيمها الكليّة كذلك، بل بوجودها لما تقرّر في محله من ان المفاهيم و الكليات بما هي ليست إلاّ هي، و إذا سئل عنها بطرفي النقيض، فالجواب السلب للكل كذلك.

و من المعلوم أنّ وجودها عين وجود معنوناتها، ضرورة انه ليس وجود المفاهيم الكليّة الشرعيّة إلاّ بمعنى وجود المنتزع عنها، فإذا كان منشأ انتزاع هذين العنوانين الموضوعين أحدهما للمصلحة و الاخر للمفسدة الملزمتين للفعل و التّرك شيئا واحدا لا بالشخص، لزم اجتماع الصفتين في موضوع واحد و هو هذا الموجود الشخصي، و كذا ما يتبعهما من الصّفات الأخرى و عروض الجهة الثّانية بعد عروض الأولى، و تأثيرها غير مانع عن مزاحمتها معها.

مع أنّه لو سلّم فالجهة الثانية لا بدّ من أن لا يؤثر شيئا حينئذ، ضرورة تنافيهما في التّأثير و إلاّ لما يقع بينهما الكسر و الانكسار قطّ، فلا مجال لتأثيرهما معا أبدا، و لعمري انّ هذا واضح لمن تأمّل بعين الإنصاف. هذا كله في مؤدّيات الطرق.

و امّا مؤدّيات الأصول التعبديّة [1] عند مخالفتها عن الواقع، فكذلك أيضا حيث إنّ‏

____________

[1]- قولنا «و أمّا مؤدّيات الأصول التّعبديّة- إلخ-» المراد منه بعضها كالاستصحاب و الاحتياط في كل كان من باب التّعبد لا جميعها بداهة أن أدلّة الإباحة ليس مفادها إلاّ الحكم بالإباحة الظّاهرية في مورد الشك من ان مراعاة جانب الحكم الواقعي أصلا، فلا نتمسك في مثلها إلاّ الجواب الثاني، حسبما لا يخفى. (منه (قدّس سرّه)).

509

الظّاهر أنّ الغرض من إيجاب العمل على طبقها ليس إلاّ إدراك مصلحة الواقع لإيصالها الغالبي أو الأغلبي إلى الواقع كما في الأمارات، لا مصلحة أخرى في مؤدّياتها و إن كان فرق بينهما من جهة أخرى يكون مائزا بين جهتي الطّريقيّة و التعبديّة إلاّ أنّه غير فارق بينهما في الباب، فالجواب فيها بعينه هو الجواب فيها طابق النعل بالنعل، فلا تغفل.

و أمّا ما أجاب به- (قدّس سرّه)- عن الإشكال فيها من أنّ الموضوع في الأحكام الواقعيّة هو الموضوعات الواقعيّة بما هي، من دون اعتبار أمر زائد فيه و في مؤدّيات الأصول هو هو لا بما هي هي، بل بما هي مجهولة الحكم، فلا اتحاد في الموضوع حتّى يشكل بما زبر.

ففيه انّ الموضوع في الأصول و إن لم يكن نفس الموضوع في الأحكام الواقعيّة، إلاّ أنّه مرتبة من مراتبه بحيث يكون في هذه المرتبة أيضا محكوما بالحكم الواقعي، حيث انّه يجمع بين مراتبه بحيث لا يشذّ عنه مرتبة يكون موضوعا للحكم الواقعي، و إلاّ يلزم التّصويب، كما لا يخفى.

ففي هذه المرتبة يلزم اجتماع الحكمين المتنافيين في موضوع واحد، و كذا متبوعاتهما من الصّفات المتضادّة.

تنبيه‏

لا يخفى انّه على الجواب الأوّل لا عقاب في البين بالمخالفة إلاّ عقاب الواقع، حيث تنجّز بالموافقة الطريق و معه ليس إلاّ التّجري، و قد سبق الكلام فيه.

و أمّا على الجواب الثاني، فلا إشكال أيضا في استحقاقه عقاب الواقع عند الموافقة بالمخالفة متنجزة بقيام الطريق عليه، و هل يستحق عقابا عند المخالفة بالمخالفة على هذا التكليف و إن أتى بالتكليف الواقعي جهلا كما إذا كان توصليّا، أو لا يستحق و لو لم يأت به أيضا وجهان ناشئان من كون التكليف نفسيّا أو غيريّا للتوصّل إلى الواقع، فعند المخالفة ليس إلاّ التجرّي حيث لم يتنجّز التكليف الواقعي لعدم إصابة الطريق، و كذا مما أدّى إليه حيث لم يكن تكليفا نفسيا، بل صوريّا صرفا عند المخالفة، حسب ما عرفت.

510

و الظاهر عدم جريان الوجهين على ما اختاره السيّد الأستاذ في الجواب، لعدم كون المؤدّى تكليفا صوريّا عند المخالفة، لما فيه من المصلحة المتدارك بها ما فوّت من المصلحة الواقعيّة، حسب ما أفاده- دام ظله- فتأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام لكثير من الأعلام.

قوله (قده): ثم إن استمرّ هذا الحكم الظّاهريّ.

أقول: قد سبقت منّا الإشارة إلى عدم لزوم المصلحة الفائتة، فراجع.

قوله (قده): ثم إن قلنا انّ- إلخ-.

أقول: تفصيل الكلام فيه انّه لا إشكال في القضاء على ما اخترنا من التّصويرين لفوت كلّ من الواجب و مصلحته، لما عرفت من عدم لزوم تداركها.

و أمّا على ما اختاره المصنف الأستاذ من لزوم التّدارك، و السيد الأستاذ من كون المصلحة في السلوك، فلا إشكال فيه أيضا إن قلنا انّه فرع ترك الواجب كما هو الأظهر؛ و إن قلنا أنّه فرع فواته من حيث انّ فيه المصلحة فوجهان! من عدم فوات المصلحة لمكان التّدارك بمصلحة السّلوك أو الأمر به، و من أنّ المتدارك من المصلحة إنّما هو خصوص مصلحة إيقاع الفعل في الوقت، و أمّا مصلحة أصل الفعل فغير فائتة بعد حتّى يتدارك لعدم تقييد مطلوبيّة أصله بالوقت، بل هو ما دام العمر، و إيقاعه فيه مطلوب اخر.

و بالجملة الموقت ينحل إلى مطلوبين، و الفائت من مصلحته إنّما هو مصلحة إيقاعه لا أصله، و ان المسلّم من لزوم تدارك المصلحة الفائتة بمصلحة السلوك أو الأمر به انّما هو فيما إذا لم ينكشف الخلاف فيه أصلا، و أمّا فيما إذا انكشف الخلاف فلا يلزم أن يكون هناك مصلحة أصلا، فضلا عن التّدارك بها و انّ المتيقن هو لزوم كون المصلحة بحيث يتدارك بها الفائتة فيما إذا لم ينكشف الخلاف فيه لا مطلقا.

و لا يخفى ما في الوجهين الأوّلين:

أمّا في أوّلهما فلزوم كون الفعل خارج الوقت أصلا لا تداركا لشي‏ء أصلا لتدارك مصلحة الإيقاع في الوقت بالمصلحة المستوفاة من الامتثال بالأمر الظاهري، و أصل الفعل غير موقتة بل ما دام العمر كما هو المفروض، فهو في وقته لا في خارجه، و هو خلاف ظاهر أدلّة القضاء كما لا يخفى، مع انّه خلاف ظاهر أدلة الموقتات، حيث كانت ظاهرة في كون المطلوب أمرا واحدا و هو المقيد بما هو كذلك لا متعدّدا، فتأمّل.

511

و أمّا في ثانيهما فلزوم فوت مصلحة الوقت من دون تدارك حيث لا يتساوى مصلحة الفعل خارج الوقت مصلحته فيه، و إلاّ لما قيّد به، كما لا يخفى.

اللّهم إلاّ أن يقال: انّه لا يلزم أن يكون فيما ينكشف الخلاف فيه مصلحة تصلح بانفرادها للتّدارك؛ و أمّا المصلحة المتداركة بالمجموع منها و من مصلحة الفعل خارج الوقت جميع مصلحة المقيّد بالوقت فلازمة البتّة.

و لا يتوهّم رجوعه على هذا إلى الوجه الأول، إذ بينهما بون بعيد، فلا تغفل.

قوله (قده): نعم هذه.

أقول: أي منجّزة يعاقب عليها بمجرّد وجودها و إلاّ فحكمها بالفعل لا بالقوّة، و هذا واضح لا سترة عليها.

قوله (قده): التعبّد بالظن- إلخ-.

أقول: توضيح الحال يتوقّف على تمهيد مقال.

فاعلم انّ الركون إلى الظّنّ الغير المعتبر إمّا أن يكون من حيث عمل الجوارح بأن يأتي بالفعل مثلا إذا أدّى إلى وجوبه أو استحبابه من غير اعتناء باحتمال حرمته بلا تديّن و تعبّد بكون مؤدّاه حكم اللَّه الواقعيّ أو الظّاهري، كما يعمل به في الأمور العادية التي يكتفى فيها بالظّن، و لا يعتنى باحتمال مخالفته للواقع.

و إمّا أن يكون من حيث تشخيص حكم اللَّه به و التديّن بمؤدّاه عمل به أو لم يعمل به أصلا، و هذا يتصوّر على وجهين: (أحدهما) أن يتديّن بمؤدّاه على انّه حكم اللَّه الواقعي من دون تديّن منه انّ نفس الظنّ طريق مجعول عن اللَّه تعالى في تشخيص، بل تديّنه بمؤدّاه انّما هو لعدم اعتنائه باحتمال مخالفته، كما في الوجه الأوّل. و (ثانيهما) أن يتديّن بمؤدّاه على أنّه حكم اللَّه الظّاهري بأن يتديّن بأنّ نفس الظنّ طريق مجعول من اللَّه تعالى إلى أحكامه، و كلّ واحد منها إمّا أن يتّفق موافقته للواقع أو مخالفته له، فبالحري أن يقع الكلام (تارة) في حكم نفس العمل بالظنّ بما هو كذلك، مع قطع النّظر عن حيثيّة أخرى من مخالفة الواقع أو التعبّد به و التديّن به؛ و (أخرى) من حيث المخالفة و عدمها؛ و (ثالثة) من حيث التديّن و التعبّد.

أمّا الكلام من الجهة الأولى، فالظّاهر بل المعلوم الجواز و عدم الحرمة لعدم دليل على خلافه يخرج به عمّا يقتضيه الأصل، و أدلّة الأصول غير صالحة لذلك فيما إذا كان واحد

512

منها في قباله، لعدم دلالتها على نفسيّة وجوب العمل بمقتضاها حتى تحرم المخالفة بالظن المقابل و لو اتفقت مطابقته للواقع.

أمّا دليل الاحتياط، فلضرورة عدم دلالته إلاّ على الوجوب الإرشادي بحيث لا محذور في مخالفته إلاّ محذور مخالفة الواقع.

و أمّا أدلّة الأصول اللفظيّة، فهي و إن لم يكن مفادها إيجاب الأخذ بها إرشادا إلاّ انه لمّا لم يكن الغرض من إيجاب الأخذ بها إلاّ ملاحظة إيصالها الغالبي أو الأغلبي للواقع بحيث لا غرض في ذلك أصلا إلاّ التّوسل بها إليه، كانت مخالفتها مطلقا غير محذورة، بل في خصوص صورة إصابتها للواقع لتكون مخالفتها مخالفته، فتكون محذورة لكونها مخالفة الواقع المنجز.

نعم فيها في غير صورة الإصابة يكون محذور التجري فقط، و كذا الكلام في الأصول العمليّة، حيث لا فرق بينها و بين الأصول اللفظيّة من هذه الجهة و إن كان بينهما فرق من جهة أخرى مائزة بين كون تلك طرقا و هذه أصولا تعبديّة، فعلم انه لا محذور في مخالفتها إلاّ محذور مخالفة الواقع الّذي ليس الكلام من جهته، مع أنّه لو فرض دلالتها على الوجوب النفسيّ، يمكن ان يقال باعتبارها و وجوب الأخذ بمؤدّياتها فيما إذا لم يكن الظّن على خلافها.

و من هنا ظهر أنّه لا محذور فيه أيضا من الجهة الثانية، محذور مخالفة الواقع، مع تنجزه بقيام واحد من الأصول عليه.

فتلخص مما ذكرنا انه لا محذور في العمل بالظن و لو قبالا للأصول إلاّ محذور مخالفة الواقع لو خالفه و قام الأصل عليه، و إلاّ فلا محذور فيه أصلا، كما لا يخفى.

و أمّا الكلام فيه من الجهة الثانية، فالمصنف و ان استدلّ على حرمته بهذه الجهة بالأدلّة الأربعة، إلاّ أنّ في دلالة ما ذكره من الآية (1) و الرواية (2) على المرام، و في قيام حكم العقل و الإجماع عليه بعمومه و إطلاقه محلّ نظر و كلام، و وجهه أمّا في الآية فلعدم ظهور الآية في النّسبة بغير العلم بتحقّقها، علم بخلافها أم لا، أو في خصوص الأخير لو لم يكن ظاهرا فيها مع العلم بالخلاف حسب.

و دعوى الظهور في الأوّل امّا بادّعاء الوضوح فيه للتبادر أو قرينة السّياق، إذ قضيّة

____________

(1)- يونس- 95.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 11- ح 33089.

513

المقابلة هو أن يكون الكلام في قوّة، أو لم يأذن لكم بل عليه تفترون، أو لأنّ شأن الكفّار لم يكن منحصرا في النّسبة مع العلم بالخلاف، بل و لو لم يعلموا له أصلا، فلا بدّ و ان يكون المراد هو الأعمّ و إلاّ لوجد ثالث في البين، و هو خلاف ظاهر الآية من التقرير على الاعتراف و الإقرار بالافتراء بعد العلم بعدم كونهم مأذونين كما لا يخفى، فاسدة لمنع التبادر فيه لو لم يكن صورة العلم بالخلاف متبادرا منه، و منع قرينيّة المقابلة في هذه القضيّة الواردة في مورد الغالب من أحوالهم و هو صورة العلم بالخلاف، فلا ضير حينئذ في حدوث أمر ثالث في البين نادرا.

مع أنّه يمكن أن يكون المراد بالإذن، الأعمّ من الواصل إليهم و من غيره، و عليه لا تنزل الآية إلاّ على الحرمة إذا خالف و هو غير ما نحن بصدده، إلاّ أنّ الإنصاف ظهوره بقرينة السياق في الواصل، كما لا يخفى.

هذا كله، مع انه لو سلّم انّ المراد من الافتراء ما ذكر في الدّعوى كما هو ليس ببعيد، يحتمل قريبا أن يكون المراد حملهم على الإقرار و الاعتراف بفعل ما يحذرهم عقولهم إرشادا، خوفا من الوقوع في مفسدة مخالفة الواقع به، فلا دلالة فيها على حرمة عنوان التعبّد و التديّن بما وراء العلم بما هو كذلك كما هو المرام، فالآية أجنبيّة عن المقام.

و أمّا لو كان مبنى الاستدلال بها على إدراج المقام في عنوان الافتراء المسلم من الخارج قبحه و حرمته، كما هو ظاهر المصنف.

و فيه ان مجرد إطلاق افتراء عليه غير مقتض لشمول حكمه لاحتمال أن يكون إطلاقه عليه لو سلّم في المقام مجازا، هذا.

و أمّا السنّة، فلأنّه يحتمل قريبا أن يكون ذلك لكون القضاوة منصبا لا يليق به غير العالم، كما يرشد إليه قوله (عليه السلام) «لا يجلس هذا المجلس إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ» (1) مع أنّ مورده القاضي، فلا يعمّ غيره، فتأمّل.

و أمّا الإجماع، فإنّما المسلّم منه قيامه على عنوان التشريع و البدعة في الدّين، لا مطلق التعبّد و التديّن بما وراء العلم و لو في غير الشرعيّات.

نعم لو كان ذلك في الأحكام، لكان نوعا من التشريع المحرّم إلاّ ان المقصود أعمّ، و كذلك الكلام في بناء العقلاء، فإنّ الظّاهر اختصاص تقبيحهم بما إذا كان ذلك التديّن تصرّفا في سلطان المولى بلا إذن منه، كجعل الأحكام الّذي هو حق له، لا مطلق التديّن‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 7.

514

و لو لم يكن فيما عليه سلطان له.

نعم يحذرون عنه لعدم الأمن من الوقوع في الكذب لو خالف في الواقع.

فتلخّص مما ذكرنا أنّه لا دليل من نقل و لا عقل على خصوص عنوان التعبّد بما وراء العلم على حدّة بما هو كذلك ما لم يتدرّج في عنوان التشريع المحرم بالأدلّة الأربعة، هذا.

و لكن لا يخفى أنّ العنوان المستدلّ عليه في كلام المصنف و إن لم يتم التقريب فيه بإطلاقه، إلاّ انّه يتم فيما هو المقصود من التعبّد به في الأحكام، لما عرفت من أنّه نوع من التشريع الحرام، فتدبّر.

قوله (قده): فإنّ حرمة العمل- إلخ-.

أقول: و ذلك لما عرفت مفصّلا من قيام الأدلّة الأربعة على حرمة هذا الموضوع، أعنى التعبّد بما وراء العلم في الأحكام مع عدم العلم بورود التعبّد به، هذا.

قوله (قده): و فيه على تقدير صدق- إلخ-.

أقول: هذا مضافا إلى أنّه لا معنى للتعبّد بالطّريق إلاّ الالتزام بمؤدّاه و عدم جواز التجاوز عنه على ما هو عليه، بحيث لو كان وجوب شي‏ء يحرم تركه أو حرمته يجب، و هذا كما ترى ينافي إباحة التعبّد، إذ ليس معناه إلاّ جواز الأخذ بالمؤدّى و عدمه، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): فالعمل بالظن قد يجتمع- إلخ-.

أقول: قد عرفت بما لا مزيد عليه أن مخالفة الأصول اللفظيّة و العمليّة بما هي لا يوجب الحرمة، بل بما هي مخالفة للواقع، و هذا فيما إذا كانت موافقة للواقع حتى تكون مخالفتها مخالفته، فراجع.

قوله (قده): و مرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة- إلخ-.

أقول: لا يخفى أن أصالة عدم القرينة إنما هي ممّا لا بدّ منها في تحقق مجاري هذه الأصول عند الشك في نصبها، و أمّا إذا علم بعدم النّصب و شك في إرادة المعنى الحقيقي أو المجازي، لاحتمال غفلته عنه أو لعدم مقام الحاجة إلى تمام البيان بعد، فلا بدّ حينئذ أيضا في حمل اللّفظ على معناه الحقيقي من هذه الأصول، و لا مجال لأصالة العدم أصلا، فلا وجه لكونها مرجعا لها مطلقا بل مطلقا، لما عرفت من أنّها في الصّورة الأولى إنّما لا بدّ منها في‏