درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
515

تحقق المورد و بيان المجرى لها، و شتّان بينه و بين المرجعيّة، كما لا يخفى.

و توضيح المرام و تشريح المقام يستدعى بسطا في الكلام في تشخيص الأصول المعمولة في تعيين المراد و تميز مواردها، و بيان منشئها و مبناها، فنقول:

اعلم أوّلا انّه إذا انعقد للكلام المسوق على طريقة العرف ظهور في معنى بأن يكون هو المفهوم من الكلام بحسب متفاهم العرف، سواء كان ظهورا أوليّا مسبّبا عن الوضع، أو ثانويّا مسبّبا عن القرائن المكتنفة بالكلام الصّارفة عن الحقيقة، فلا إشكال في حجّيته و اعتباره مطلقا و إن لم يحصل الظنّ بالمراد، بل و لو حصل الغير المعتبر على خلافه، خلافا لبعض المتأخّرين، و وجهه ما أشير إليه في المتن، فلا حاجة إلى ذكره، و المهمّ انما هو تميز مواضع انعقاد الظهور عن غيرها و تعيين المحتاج منها في ذلك إلى أصالة عدم القرينة.

فاعلم انّه تارة يظنّ الظنّ المعتبر عدم نصب قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي إلى المجازي معيّنة إيّاه أولا، و عدم الاكتناف بما يوجب الإجمال بأن لا يكون الكلام معه باقيا على ظهوره الأوّلي في معناه الحقيقي، و لا ينعقد له ظهوره الثّانوي في المعنى المجازي.

و أخرى يعلم النصب أو الاكتناف.

و ثالثة يشك فيهما و يظن الظنّ الغير المعتبر.

فهذه صور، أمّا الأولى فلا إشكال في ظهوره في معناه الحقيقي، فيجب حمله عليه، فلو شك في إرادته لاحتمال غفلة المتكلّم عن النّصب، أو عدم الكلام في مقام البيان، أو مصلحة في الإبهام، لا يعتنى بهذا الاحتمال.

و أمّا الثانية، فان علم النصب، فلا إشكال في ظهوره في معناه المجازي و وجوب اتباعه و لو احتمل الخلاف لغفلته، أو غيرها لو كانت القرينة بحيث تعيّنه، و إلاّ فلا بدّ من التّوقف، لإجماله و تردّده بين المعاني المجازيّة، و إن علم الاكتناف فلا بدّ من التّوقّف، لعدم انعقاد ظهور له بعد، و ظهوره الأولى قد ارتفع بالاكتناف له.

نعم القائلون بأصالة الحقيقة من باب التعبّد لا الظهور الفعلي المفيد للظنّ نوعا يبنون على معناه الحقيقي من غير توقف، هذا.

و أمّا الصورة الثالثة، فلا بدّ من البناء على الحقيقة من إجراء أصالة عدم القرينة، أو ما يوجب الإجمال، فيصير الكلام كما إذا لم يكشف بهما تعبّدا، فيستوفى ظهوره الأوّلي فيبنى عليه.

فان قلت: فما الفرق بين هذه الصّورة و الصّورة السّابقة، حيث التزمت هاهنا بقضيّة ظهور لم ينعقد إلاّ بعد فرض الكلام و جعله بلا قرينة بأصالة العدم، و لم تلتزم به هناك.

516

قلت: إن كان هذا الأصل استصحابا فالفرق واضح، و ذلك لفقد الحالة السابقة هناك، دونه هنا كما لا يخفى، و إن كان قاعدة كما أقوى الاحتمالين كما نشير إليه، فالقدر المعلوم من طريقة العرف هو البناء على العدم عند الشك في وجود القرينة، لا في قرينيّة الموجود، هذا.

و لكن لا يخفى أن الاحتياج إلى أصالة عدم القرينة في الصّورة إنّما هو بناء على المختار من حجيّة أصالة الحقيقة من باب الظنّ النّوعي، و أمّا بناء على التّعبّد، فلا، كما لا يخفى.

ثم اعلم انّ ما ذكرنا من جريان أصالة العدم و إن ظنّ بالنصب مبنىّ على عدم ثبوت النّصب بمطلق العرف، كما هو كذلك لما نشاهده من ديدنهم من إجراء أصالة العدم و لو ظنّ بالنّصب، مع أنّ إثبات القرينة بالظنّ عندهم لو سلّم فإنّما هو لأجل اعتباره و حجيّته في ذلك لديهم، و ذلك لا يوجب إثباته به في الشرعيّات ما لم يقم دليل على اعتباره عند الشارع في ذلك، أو مطلقا أيضا.

ثم اعلم انّ اعتبار أصالة الظهور من باب الظنّ النّوعي بالمراد و إن لم يورث الفعلي به، بل و لو كان على خلاف المراد، خلافا لبعض المتأخرين كما سبقت إليه الإشارة.

و أمّا اعتبار أصالة الحقيقة فهل هو من جهة التعبّد من العرف بالالتزام بحمل اللفظ على معناه الحقيقي، أو من باب الظن النوعيّ إمّا لغلبة إرادة المعنى الحقيقي، أو من ظهور اتّباع الواضع في المحاورة، قولان.

و أمّا أصالة العدم فهل هو استصحاب العدم فيتوقّف على إحراز شرائطه، أو قاعدة البناء على العدم فلا يتوقّف عليه، و جهان، و الأظهر من طريقة العرف هو الثاني لإجرائها و لو لم تكن القرينة مسبوقة بالعدم و هو من مقدمات الاستصحاب.

ثمّ إنّه هل هي معتبر من باب الظّنّ النّوعي من غلبة عدم القرينة، أو قاعدة تعبديّة؟

و جهان: من أنّ بنائهم على إحراز الواقعيات فلا يلتزمون بما ليس له جهة كشف و إراءة، و من إجرائها و لو كانت القرينة مظنونة بالظنّ الغير المعتبر، فلو كان اعتبارها من جهة كشفها عن الواقع نوعا فمراعاة الكشف الفعلي أولى في مقام إحراز الواقع كما لا يخفى، فتأمل.

قوله (قده): و إلاّ فلا مقتضى للفحص.

أقول: و ذلك لأنّه لا مقتضى له إلاّ التوقف الناشئ من العلم الإجماليّ، مع أنّه لا يوجب التّوقف على هذا، و إلاّ يلتزم انفكاك الأثر عن المؤثر، حيث انّه بعد الفحص كما

517

كان قبله، و لا توقف حسب الفرض، هذا.

قوله (قده): و يندفع هذه الشبهة.

أقول: بيانه انّ ما ذكر إنّما يرد لو كان العلم الإجماليّ باقيا بعد الفحص، و ليس كذلك، و ذلك لأنّ أطرافه خصوص وجود مخالفات في الواقع فيما بأيدينا بحيث لو تفحّصنا لظفرنا عليها، لا مطلق وجودها لو لم نظفر عليها، فلا يكون وجود المخالفات بعد الفحص من الأطراف، بل الشبهة فيها بدويّة، فلا مانع من إجراء الأصل فيها، هذا.

قوله (قده): و فيه أمّا أوّلا فبأنّ المتشابه.

أقول: لا يرد عليه انّه لا إشكال في صدق المتشابه على المؤوّل و هو الظاهر المراد منه خلاف الظّاهر و لو لم يكن محفوفا بما يرشد إليه، بل علم ذلك من دليل خارج.

و من المعلوم انّ ظواهر الكتاب غير ممتاز مؤوّلها عن غيره، فكيف يعمل بها، لأنّه قد ظهر ممّا حرّرناه سابقا انّ المراد من الظواهر المدعى اعتبارها مطلقا و لو في الكتاب، إنّما هو ما استقر على ظهوره و لو بمعونة أصالة عدم القرينة على إرادة خلافه.

و من المعلوم انّ المؤوّل ليس منها، فكلّ ظاهر من ظواهر الكتاب قد استقر ظهوره بأن لا يعلم أو يظنّ بالظنّ المعتبر ما يدلّ على عدم إرادته علم أو ظنّ عدمه، أو لا بل أحرز بالأصل أو استقرّ له الظهور الثّانوي في المعنى المجازي بأن علم ما يعيّن المراد منه من المعاني المجازيّة لا يصدق عليه المتشابه.

فإن قلت: نعم إجمالا بما له ظاهر و أريد خلاف ظاهره بين ظواهر الكتاب، فكيف يمكن جعلها من المحكمات.

قلت: أوّلا نمنع العلم بوجود ظاهر كذلك زائدا على ما لو تفحّصنا عن حاله، لظفرنا بها يدلّ على ذلك، و ثانيا لو سلّم فهو من الشبهة الغير المحصورة، و لو سلّم حصرها، فلا علم بوجوده في خصوص الظواهر المتعلّقة بالأحكام، و كونها من أطراف الشبهة لا يوجب التّوقف عن العمل بها فيها إذا لم يكن أطرافها الأخرى من محل الابتلاء، هذا.

لكن لا يخفى أنّ عدم كون بعض الأطراف من محلّ الابتلاء، انّما يمنع من تأثير العلم الإجماليّ التنجّز، لا في طريان الإجمال في الظواهر الّتي يعلم إجمالا بعدم إرادة واحد منها، ضرورة عدم التفاوت من أجله فيها يمنع من اقتضاء ما يقتضى الإجمال فيها، حسب ما لا يخفى.

518

قوله (قده): و مع التّكافؤ لا بدّ من الحكم.

أقول: إنّما حكم بالتوقّف دون التخيير مع الحكم به في تعارض الخبرين، لأنّه الأصل في تعارض الطّرق و الأمارات إلى التخيير و الحكم به في الخبرين للدليل الخاصّ‏ (1)، كما حقّق في محلّه، فراجع.

قوله (قده): على الوجهين في كون المقام.

أقول: فان كان لقوله تعالى «فأتوا حرثكم أنّى شئتم» (2) عموم من حيث الزّمان، فلا بدّ من التّمسّك به فيما شك حلّية الوطء فيه من الأزمان، دون استصحاب حكم المخصّص و إن لم يكن له عموم بحسبه، بل لبيان استمرار الحكم، فالمرجع هو استصحاب حكم المخصّص لانقطاع الاستمرار بالنّسبة إلى هذا الفرد، فلا بدّ في الحكم عليه ثانيا بعد مضيّ الزمان من التماس دليل اخر، هذا.

قوله (قده): لاحتمال كون الظّاهر- إلخ-.

أقول: قد سبق منّا آنفا أنّ ذلك لا يؤثر في تأثير العلم الإجماليّ إجمال الأطراف أصلا، و لعلّه أشار إليه بقوله فافهم.

قوله (قده): إلاّ أن يقال انها لا تشمل نفسها.

أقول: و ذلك لأنّه لا ينعقد ظهور لها إلاّ بعد الحكم و النهي، فكيف يصير موضوعا لهذا الحكم، مع أنّ الموضوع مقدّم على الحكم طبعا، ثمّ انّه أمر بالتأمّل و لعلّه إشارة إلى أنّ الأمر كذلك لو لم تكن القضيّة طبيعيّة، و أمّا إذا أخذت كذلك فتشملها، فان الحكم عليها متى وجدت و بأي سبب حصلت، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): و بإزاء هذا التّوهم.

أقول: وجه القدح فيه أنّ الظاهر من الحقّ في قوله «ان يتبعون إلاّ الظن» (3) هو الواقع،

____________

(1)- عيون أخبار الرضا: 1- 20- ح 45.

(2)- البقرة- 223.

(3)- الأنعام- 116.

519

و من المعلوم انّ الظّن مطلقا حجّة كان أم لا بالنسبة إليه شرع سواء و إن كان لكلّ منهما مراتب.

نعم لو كان المراد هو ما لا يؤمن من العقاب معه، فالدليل على اعتبار فرد منه يخرجه عن الموضوع لا من الحكم إلاّ انه خلاف الظاهر.

قوله (قده): فالإنصاف- إلخ-.

أقول: الإنصاف انه لا يبعد اعتبارها مطلقا إذا أفاد الوثوق و لو نوعا لا من جهة خصوصيّة في الموضوع المستنبط، بل من باب حجيّة الخبر المفيد للوثوق مطلقا و لو في الموضوعات الصّرفة، بل اعتبار كل ما يفيد الوثوق من الاستقراء و غيره، و ذلك لبناء العقلاء في جميع أمورهم على العمل بالقول المفيد للوثوق.

فإن قلت: نعم لو لم يكن رادع عنه في الشرعيّات، و قد ردع عنه بالعمومات النّاهية عن العمل بالظن.

قلت: الظاهر أنّ هذه العمومات غير صالحة للرّدع إمّا لكونها بيانا لما هو مركوز في أذهانهم من عدم اعتبار مطلق الظنّ ما لم يوجب الوثوق، و إمّا لاحتفافها بما يخصّصها بغير ما يفيد الوثوق، كيف و لم يرتدعوا بها، مع كونها نصب عين كلّهم من الصّدر الأوّل إلى زماننا هذا و لم ينكر عليهم أحد من الأئمّة (عليهم السلام) هذا.

نعم يشترط فيه عدم وهنه بالاستناد إلى ما لا يصحّ الاستناد إليه، و كون اللفظ من الألفاظ المتداولة في الألسنة ليقرب معناه من المحسوسات، لعدم الاعتبار بالإخبار عن الحدسيّات.

ثمّ لا يخفى انّه و إن كان مقتضى القاعدة في باب تعارض الطّرق و الأمارات الجامعة لشرائط الحجيّة هو التوقف، لا التخيير أو التّرجيح، كما حقّق في مسألة التعادل و الترجيح، و كان اعتبار قول اللغوي من باب الطريقيّة، إلاّ أنّ بناء العرف و إجماع العلماء على الترجيح عند التّعارض بالرجوع إلى المرجّحات من الأكثريّة، و الأخبريّة، و كثرة التتبّع و الاهتمام‏ (1) و غيرها من الأمور الدّاخليّة المورثة لقوّة الوثوق، هذا.

____________

(1)- المستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة (الكافي: 1- 68).

520

قوله (قده): أو التّبادر.

أقول: أصالة عدم القرينة لا يعلم اعتبارها في المقام من طريقة العرف، و إنّما علم ذلك منها في مقام تشخيص المراد في بعض الموارد كما سبق تفصيله.

و أمّا باقي الأصول المستدلّ بها في هذا المقام كأصالة تأخّر الحادث، و أصالة الحقيقة في متّحد المعنى، فمجمل الكلام فيها أنّه ما لم يقم على اعتبارها بناء العقلاء، من أهل العرف، أو إجماع العلماء و إن قامت الشهرة على اعتبار بعضها، فلا يعبأ بها ما لم يحصل الوثوق، و معه هو المعتمد.

و أمّا الاستناد لحجيّة مطلق الظنّ في الباب بالانسداد، فهو خال عن السّداد، بعد ما عرفت من حجيّة ما يفيد الوثوق بالخصوص.

قوله (قده): و إن علّله.

أقول: وجهه أنّ الشهود و إن كان هو الحضور إلاّ إنّ حضور المحسوسات تارة بإحساسها بالقوى الظّاهريّة، و أخرى بالقوى الباطنية، و ثالثة بكونها بنفسها و بوجودها الخارجي لدى من تكون حاضرة له، كما في شهوده تعالى لما سواه.

هذا، مع أنّ لفظ الشهادة ليس في أدلّة اعتبارها على العموم، هذا مضافا إلى شيوع استعمالها و سائر مشتقاتها بمعنى مطلق الاطلاع، فلا تغفل، هذا.

قوله (قده): فالآية

(1)

لا تدلّ- إلخ-.

أقول: و ذلك لأن الجهة الموجبة لاعتبار هذا شرطا و ذاك مانعا، و هو احتمال التعمّد منتفية للقطع بعدمه.

ثمّ انّه أمر بالتأمّل، و وجهه انّ الآية كما لا تدلّ على حجيّة الخبر عن حدس، لا تدلّ على حجيته عن حسّ أيضا، حيث لم يكن الآية على هذا بصدد بيان جميع شرائط الحجيّة و موانعها، بل لمجرّد بيان الفارق بين الخبرين من هذه الجهة، فيحتمل أن يعتبر العدالة و التّعدد في الحجيّة، و لو علم عدم تعمّد الكذب.

و الحاصل انّ الآية مهملة بالنّسبة إلى الشرائط و الموانع للحجيّة، لا مطلقة تؤخذ بإطلاقها في نفيها، كما لا يخفى، فتأمّل.

____________

(1)- يونس- 59.

521

قوله (قده): و قد بينّا أن المراد- إلخ-.

أقول: لم يحضرني فصول المفيد و لا السّرائر لا لاحظ ما ذكرا من وجه الدّلالة، و لعله ان الطّلاق و هو إزالة عقلة النّكاح لا يعقل تحقّقه مرّتين في مجلس أو ثلاث مرّات و لو تعدّدت الصيغة ما لم يتعدّد العلقة برجوع أو عقد جديد، فتقع الصيغة الثانية لغوا بدون ذلك لتحقّق الإزالة قبلها و إن كان بلفظ واحد، فالأمر أوضح، فلا تكون الإزالة مرّة أو مرّتين أو إزالتين أبدا، و الحكم بالتّخيير في الآية (1) من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان مترتّب على الطّلاق مرّتين، فراجع.

قوله (قده): و من هنا يعلم- إلخ-.

أقول: و ذلك لأنّ التّمسك بها على المرام يتوقّف على أن يكون قوله (عليه السلام) «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» (2) كبرى كليّة تعمّ المقام و غيره، لا خصوص ما ما حكم بأخذه و ان يكون المراد ما هو المشهور، لا الجمع عليه حقيقة، و إلاّ فلا ربط بالمقام من حجيّة الشّهرة، مع أنّه كما ترى ظاهر في العهد، و انّ الموضوع للحكم بعدم الرّيب بعينه هو الموضوع للحكم بالأخذ، مع أنّه لو لم يكن ظاهرا فيه يكفي احتماله، و لا موجب لصرف المجمع عليه إلى المشهور اصطلاحا، و الاستدلال ليس به بهذا المعنى، بل بمعناه العرفي المطابق للمجمع عليه كما لا يخفى، هذا.

قوله (قده): ممّا يضحك به الثّكلى.

أقول: و ذلك لبداهة انّهما معا لا يتّصفان بالشهرة، لأنّه إن كانت الشهرة بملاحظة خصوص أصحاب كلّ عصر، ففي كلّ عصر لا يتّصف بها إلاّ واحد منهما، مع أنّ ظاهره الاتّصاف بها بقول مطلق، لا بالإضافة إلى طائفة خاصّة و إن كانت بملاحظة كلا العصرين، فلا يتّصف بها واحد منهما، حيث لم يكن جلّهم حينئذ قائلا به، و هذا معتبر في تحقّقها، كما لا يخفى.

فإن قلت: هب انّه كذلك في العصر الأوّل، و أمّا العصر الثّاني فكلّ متّصف بها أحدهما بشهرة المتقدّمين و الاخر بشهرة المتأخّرين.

____________

(1)- البقرة- 229.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 76- ب 9- ح 1.

522

قلت: مضافا إلى أنّ ظاهره الاتّصاف بها بالفعل، إذ المشتق حقيقة فيما تلبّس بالمبدإ في زمان النّسبة، لا فيما كان كذلك سابقا و لا الأعمّ منه، كما حقّق في محلّه.

ففي العصر الثّاني المشهور انّما هو ما يكون كذلك في هذا العصر، لا ما كان كذلك في العصر السّابق.

و هذا واضح انّه لا يتّصف بها حينئذ واحد منهما بقول مطلق، بل مقيّدا بأحد العصرين، و هو خلاف ظاهره على ما أشرنا إليه آنفا.

قوله (قده): و لا حاجة إلى تجشّم- إلخ-.

أقول: مع أنّ هذا التجشّم غير كاف في كون المسألة من مسائل الأصول إذا كان موضوعه الأدلّة الأربعة، حيث انّ البحث فيها و إن كانت من دليليّة الدّليل، إلاّ أنّه من دليليّة دليل السّنة لا من دليليّتها.

نعم لو جعل الموضوع أعم منها و دليلها، كما يؤيّده جملة من مسائل التّعادل و التّرجيح، و العام و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، فالمسألة تصير أصوليّة بهذا التجشّم، هذا.

قوله (قده): و أمّا الطّائفة الآمرة- إلخ-.

أقول: لا يبعد رجوع الطّائفة الآمرة بطرح ما لا يوافق من هذه الطّائفة إلى الطّائفة الآمرة بطرح ما يخالف، و عليه شواهد: (أحدها) مقابلة الموافقة بالمخالفة في رواية محمد بن مسلم‏ (1)، إذ الظاهر أنّ المراد من الموافقة بقرينة المقابلة هو عدم المخالفة، و كذا صحيحة هشام‏ (2). و (ثانيها) انّ الظّاهر من مثل ما لا يوافق القرآن هو السّلب بانتفاء المحمول لا الموضوع، كما لا يخفى. و (ثالثها) القطع بصدور أخبار كثيرة لا تعرّض في الكتاب لمضمونها لا نفيا و لا إثباتا، فكيف يمكن حمل الأخبار الآمرة بطرح ما لا يوافق الكتاب على الأعمّ، و قد حكم فيه بالزّخرفيّة و البطلان كما في قوله (عليه السلام) «كل حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو زخرف» (3) و قوله (عليه السلام) «ما أتاكم من حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو باطل» (4) فلا بدّ من الحمل على ما يخالفه، للتّوفيق بين القطع بالصدور

____________

(1)- بحار الأنوار: 2- 244.

(2)- بحار الأنوار: 2- 250.

(3)- مستدرك الوسائل: 3- 186.

(4)- مستدرك الوسائل: 3- 186 (ما جاءكم من حديث لا يصدقه كتاب اللَّه فهو باطل).

523

و الحكم على ما لا يوافق بما ذكر، فهذه الطائفة كالطائفة الأولى في عدم الدّلالة على المدّعى من عموم السّلب، كما لا يخفى.

و أمّا الآمرة من هذه الطّائفة بالوقوف عند ما لا يوجد عليه شاهد أو شاهدين، مثل قوله (عليه السلام) «إذا جاءكم حديث عنا فوجدتم عليه شاهدا- الخبر-» (1) فمن الآحاد، مع أنّه يحتمل قريبا أن يكون لبيان ما إذا تمكّن من الوصول إلى الإمام (عليه السلام)، كما يشهد به ذيله «ثمّ ردّوه إلينا حتّى نشرح‏ (2) لكم» (3).

قوله (قده): الثّاني انه تعالى أمر بالتثبّت عنده.

أقول: لا يخفى أنّ هذا على ما قرّر يكون تقريرا لمفهوم العلّة، لا لمفهوم الوصف، و يظهر منه فيما بعد أنّه جعله تقريرا لمفهوم الوصف، و هو كما ترى. و يمكن أن يقرّر أيضا وجه الاستدلال بالآية (4) بأنّه لما علّل وجوب التبيّن لأنّه علّق على ما هو ظاهر في العليّة علم منه أنّ ما يقتضيه و هو عدم الوجوب يكون على مقتضى الأصل، و إلاّ لما علّل نقيضه، فيؤخذ حتّى يثبت المانع الموجب للتّبيّن، و أخرى بأنّ اللّه لما كان بصدد الرّدع عمّا لا يعتبر في نظره و اقتصر على الرّدع عن الخبر الفاسق، استكشف منه إمضاؤه باقي الاخبار، و إلاّ لم يقتصر به في مثل هذا المقام.

و في كلام الوجهين نظر:

أمّا في الأوّل (أوّلا) فمنع الظّهور لتعليق الحكم على الوصف المناسب في العليّة سيّما مثل هذا الوصف الغير المعتمد على الموصوف، و إن لا يخلو من الإشعار الغير البالغ حدّ الاعتبار. و (ثانيا) لو سلّم ذلك، فمنع من ظهور التّعليق، فبما ذكر من كون نقيض المتعلّق على مقتضى الأصل إلاّ فيما ثبت من الخارج أو الدّاخل كون المعلّق عليه مانعا، كما ادّعاه شيخنا المصنّف في مثل قوله (صلى اللَّه عليه و آله) «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (5) و ليس الأمر كذلك هاهنا، كما لا يخفى. و (ثالثا) لو سلّم فالمقتضى بمجرّده غير كاف‏

____________

(1)- الكافي: 1- 69.

(2)- خ ل: نبيّن.

(3)- الكافي: 2- 222- ح 4 (مع تفاوت يسير).

(4)- الحجرات- 6.

(5)- وسائل الشيعة: 1- 117 (مع تفاوت يسير).

524

في الحكم بالمقتضى ما لم يحرز عدم المانع المحتمل، و أصالة العدم مثبت، ضرورة انّ ترتّب المقتضى على المقتضى من الآثار العقليّة لعدم المانع، فلا تغفل.

و أمّا الثاني فلأنّه لم يثبت كونه تعالى في مقام الرّدع عن كلّ ما لا يعبأ به في نظره من الاخبار، و لعلّه في صدد الرّدع عن الطّائفة الخاصّة منها، و لعلّه يناسب المورد.

قوله (قده): و قد اجتمع فيه- إلخ-.

أقول: و ذلك لأنّ كونه خبرا للفاسق و إن كان أيضا من مقوّمات خبر الفاسق كأصل الخبريّة، إلاّ أنّه من الأعراض الخاصّة للبنائيّة، لما تحقّق في محلّه من أنّ الفصول من الأعراض الخاصّة للجنس، كما أنّه من الأعراض العامة، هذا.

قوله (قده): فالمفهوم في الآية

(1)

- إلخ-.

أقول: لا مفهوم هاهنا كي يقال انّه سالبة الموضوع أو المحمول، إذ المفهوم إنّما هو انتفاء الحكم في الجزاء عند انتفائه في الشرط مع بقاء الموضوع بحاله، و هو غير باق بحاله عند انتفاء الشرط المتوقّف عليه تحقّقه، كما هو المفروض هاهنا.

قوله (قده): فيكون المفهوم أخص مطلق.

أقول: يكون كذلك حقيقة إن بنى على خروج المفيد للعلم عن الموضوع مطلقا، أو حكما لو قلنا بالدّخول، لعدم إمكان خروج مادّة الاجتماع عن المفهوم، فلا تغفل.

قوله (قده): و فيه مضافا إلى أنّه- إلخ-.

أقول: و إن استعملت فيها ظاهرا في قوله تعالى «من عمل سوءا بجهالة» (2) و في الدّعاء «عصيتك بجهلي»، إلاّ أنّه لا يناسب ما ورد عن همّ النبي (صلى اللَّه عليه و آله) على قتالهم بعد إخبار الوليد بارتدادهم و منعهم الزكاة، كما لا يخفى.

فالظّاهر انّها ما يقابل العلم و ما يلحق به موضوعا أو حكما و أنّ الآية (3) في مقام الرّدع‏

____________

(1)- الحجرات- 6.

(2)- الأنعام- 54 (من عمل منكم سوءا بجهالة).

(3)- الحجرات- 6.

525

عن العمل بخبر الفاسق و قبوله و إنّ اتّفق حصول الوثوق به بنفسه، بحيث لا يزول بالالتفات إلى فسقه، كما في خبر الوليد ظاهرا، و إلاّ لم يقم النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالقتال لأجل كونه غالب المخالفة في نظر الشارع، أو المفسدة في سلوكه، أو إمضائه و تقريره على ما هو عليه عند العقلاء غالبة على مفسدة تفويت الواقع على المكلّف في غير صورة الانفتاح، و إلاّ فلا تفويت أصلا، فلا بدّ فيما إذا أريد العمل من التفحص من صدقة، فإن ظهر بحيث يركن النّفس إليه و يطمئنّ به، و إلاّ فالتوقّف.

و على هذا فالآية بمنطوقها دالّة على حجيّة مطلق الوثوق و الاطمئنان، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): مدفوعة بأنّه و إن لا يعمّ لقصور دلالة اللّفظ- إلخ-.

أقول: بل لا قصور في الدّلالة بأن تكون القضيّة طبيعيّة، كما سبقت إليه الإشارة و سيأتي في كلام المصنّف.

قوله (قده): و قد أجاب بعض- إلخ-.

أقول: لا يخفى بداهة الفساد فيه، حيث انّ الإيراد مبتن على شموليّة الإجماع المنقول لظاهر، لا لمعارضته إيّاه كي يرجّح أحدهما على الاخر بالقطع بالاعتبار و الظنّ به، هذا.

قوله (قده): لكن نقول انّه وقع الإجماع- إلخ-.

أقول: و ذلك حيث انّ النّافين منكرون لحجّيته مطلقا، و المثبتين ينافي حجيّته مذهبهم.

ثمّ انّه أمر بالتّأمّل إشارة إلى أنّ هذا الإجماع غير مجد لاختلاف وجه الاتفاق، كما عرفت.

قوله (قده): و لكن يشكل الأمر بأن ما يحكيه الشّيخ عن المفيد مثلا إذا صار خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق، فكيف يصير موضوعا لوجوب التصديق الّذي أثبت الموضوع الخبريّة له.

أقول: كتب هذا عند قراءتنا الكتاب عليه بعد ما ضرب على ما هو بين قوله «و لكن يشكل الأمر» و بين قوله «و لكن يضعّف هذا الإشكال».

و توضيح الحال في هذا المجال أنّ الإشكال في شمول الأخبار مع الواسطة (تارة) من جهة ما أفاده، و توضيحه أنّه لا يعقل سراية الحكم إلى ما لا يتحقّق ذهنا و لا خارجا إلاّ

526

به، ضرورة تقدّم تصوّر الموضوع على الحكم طبعا، فلا يسرى الحكم في مثل كلّ خبري كاذب إلى نفس هذا الخبر، حيث لا يتصوّر خبريّته، و لا يتحقّق في الخارج إلاّ بعد الحكم بالكذب على باقي الأخبار، فكيف يعقل صيرورة هذا الخبر بعينه محكوما به بنفس الحكم فيه.

و هذا بعينه حال ما يحكيه الشيخ عن المفيد، حيث انّ خبريّته للمفيد تعبّدا لا يتحقّق ذهنا و لا خارجا إلاّ بنفس الحكم بوجوب التّصديق في صدق العادل، بحيث لولاه لم يكن خبر أصلا، فكيف يصير محكوما بشخص الحكم فيه.

و من هنا انقدح وجه انه ضرب على ما أجاب به بقوله «و ثانيا بالحلّ و هو ان الممتنع هو توقّف فرديّة بعض أفراد العام- إلى اخر الجواب-» و ذلك لما عرفت من أنّ ثبوت الخبريّة الجعليّة لما يحكيه الشيخ يتوقّف على الحكم بالتصديق على خبر الشيخ، بحيث لو لا وجوب تصديقه لم يكن ما يحكيه خبرا موضوعا على حدّه، كما لا يخفى.

نعم لو فرض ان الحكم على بعض أفراد الموضوع يكشف حقيقة عن البعض الاخر، فلا إشكال في سرايته إليه، و ليس الأمر كذلك في وجوب التّصديق، ضرورة عدم كشفه عن بعض أفراد الموضوع، بل هو إنّما يوجب الالتزام بجعل ما يحكيه الشيخ خبرا تعبّدا، فخبريّته كذلك لا يتحقّق ذهنا و لا خارجا إلاّ به، هذا.

و (أخرى) من جهة ما أفاده بما ضرب عليه من قوله «و قد يشكل الأمر» و بيانه أنّ الحكم بوجوب التّصديق و ترتيب آثار ما أخبر به العادل عليه، كما هو مضمون الآية (1) لا يسرى إلى ترتيب هذا الحكم، أعنى وجوب التصديق على الخبر إذا أخبر به العادل و إن كان أثرا شرعيّا له إلاّ أنّ أثريّته شرعا بنفس هذا الحكم، و قد عرفت عدم سراية الحكم إلى ما لا يتصوّر تحقّقه ذهنا و لا خارجا إلاّ به، فلو أخبر العادل بعدالة عمرو يجب تصديقه بحكم و ترتيب آثار العدالة، كقبول شهادة العمرو، و جواز الاقتداء به، و أمّا لو أخبر بعدالة عمرو فلا دلالة لها على ترتيب آثار العدالة عليها، ضرورة ان ترتيبها يتوقّف على وجوب تصديق خبر زيد العادل بالعدالة.

و قد عرفت عدم شمول الآية المضمون لترتيب هذا الأثر على المخبر به، و هذا بعينه حال إخبار الشيخ بخبر المفيد فلا تشمل الآية مثل خبره، مع كونه بلا واسطة، فضلا عن الوسائط، لعدم ترتّب أثر شرعي على ما أخبر به من الخبر، و لا معنى لتصديق الخبر إلاّ

____________

(1)- الحجرات- 6.

527

ترتيب الأثر، حسب ما عرفت.

ثمّ لا يخفى انّ هذا الإشكال بعينه جار في الأخبار بلا واسطة إذا كانت عدالة مخبره محرزة بإخبار عادل بها، لا بباقي الأمارات المقرّرة لإثباتها، ضرورة تحقق هذا الموضوع المقيّد بما هو كذلك عن الحكم فكيف يشمله، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): بل لا قصور في العبارة.

أقول: لا يخفى أنّ هذا اعتراف بدفع الإشكال بكماله، بل هو من الجهة الأولى بعد على حاله، مع انه- (قدّس سرّه)- بصدد دفعه من هذه الجهة، و ذلك ضرورة انّ قضيّة ذلك انّما هي سراية الحكم إلى كلّ ما كان فردا للموضوع، أو يصير كذلك و لو بالحكم، كما في كل خبري كاذب مثلا، لا إلى ما ليس كذلك إلاّ جعلا و تعبّدا، و ما أخبره الشيخ عن المفيد لا يصير خبر حقيقة و لو بتصديق الشيخ بل جعلا و تعبّدا، فكيف يسرى إليه حكم طبيعة الخبر كما لا يخفى على من تأمّل.

نعم يندفع به الإشكال من الجهة الثانية لأنّه إذا أخذت قضيّة ترتّب الآثار المحلّلة بها صدّق العادل مثلا طبيعيّة، فالحكم فيها يسرى إلى نفسها أيضا حيث انّها صارت من الآثار الشرعيّة له حقيقة بهذا الإنشاء، فيكون الخبر كغيره من الموضوعات الّتي لها آثار شرعيّة يجب ترتيبها عليها إذا أخبر بها العادل.

و لا يخفى أنّه على هذا ينقدح الذب عن الإشكال من الجهة الأولى أيضا، و ذلك لأنّ وجوب التصديق للخبر المفيد إذا أخبر به الشيخ ليس لأنّه خبر في عرض باقي الأخبار كخبر الشيخ به كي يشكل بما ذكر و لو أخذت القضيّة طبيعية كما بيّناه آنفا، بل لأنّه موضوع أخبر به و له أثر شرعي حقيقة حسب ما عرفت، و هو وجوب التصديق، فيجب ترتيبه عند الاخبار به، كباقي الموضوعات الّتي لها آثار شرعية كالعدالة و الفسق و الملكيّة و الطهارة و النجاسة و نحوها عند الإخبار بها.

و الحاصل انّه بعد تعميم الآثار إلى وجوب التّصديق بأخذ القضيّة المحلّلة بها طبيعيّة يكون حال الخبر كحال باقي الموضوعات الواقعيّة بعينها ممّا لها أثر شرعيّ في أنّه يجب ترتيب آثاره عليه عند الإخبار به، فكما أنّه يجب قبول شهادة العمرو و يجوز الاقتداء به إذا أخبر العادل بعدالته، كذا يجب تصديق خبر زيد العادل إذا أخبر به، كما أنّه يجب أيضا تصديق خبره إذا أخبر بعدالته، فتدبّر جيّدا.

528

قوله (قده): إنّ لفظة لعلّ بعد انسلاخه- إلخ-.

أقول: و ذلك إمّا لأنّه أقرب المجازات إليه كما قيل، أو لأنّه لازم كونه مترجى للمتكلم حيث لا يترجى إلاّ ما هو المحبوب و لا صارف عنه إذا المستحيل إنّما هو التّرجي لا لازمه، هذا.

قوله (قده): إذ مع قيام المقتضى- إلخ-.

أقول: توضيحه أنّ الظّاهر من سياق الآية هو الإنذار من العذاب على فعل المحرمات و ترك الواجبات، و حينئذ فإن ثبت الحجّة بالبيان القاطع للعذر يجب الحذر بحكم العقل، و إلاّ فهو مأمون عنه بحكمه لاستقلاله بقبحه بدونه، فمع القطع بعدم العقاب لا معنى للحذر عنه، فلا معنى للاستحباب و لا لغيره.

نعم لو كان المراد الإنذار عن المفسدة في فعل المحرّمات أو ترك الواجبات، أو كان المراد منه هو الإخبار بالأحكام الواقعيّة يتمشّى الحكم بالاستحباب بمعنى حسنه بحكم العقل به فيما إذا لم يصل البيان القاطع للحذر كالحكم عليه بالوجوب عند وصوله و تماميّة الحجّة.

و لا يخفى أنّه على خلافهما ظاهر السياق، مع ما في الأخير من لزوم التّصرف في ظاهر كل من الإنذار و الحذر بإرادة التبليغ بلا تخويف و القبول من دون الخوف.

قوله (قده): الثّاني أنّ ظاهر الآية

(1)

.

أقول: لا يخفى انّه لا حاجة إلى توسيط وجوب الإنذار في إثبات الوجوب، بل يكفى وقوعه غاية للنّفر الواجب، فافهم.

قوله (قده): الأوّل انّه لا يستفاد- إلخ-.

أقول: و مرجعه إلى منع الإطلاق لإنذار الطّائفة أحوالا، بحيث يجب الحذر و لو لم يحصل له العلم، و وجهه أنّه ليست كلمة «لعلّ» مستعملا في إنشاء الطّلب حتّى يحمل على الوجوب المطلق من أفراد الطّلب على ما تقرّر في محلّه من الانصراف عليه فيما إذا لم يقيّد و لو كان الواجب المشروط من أفراد الطّلب حقيقة، بل هي كما في اللاّم في قوله تعالى «ليكون‏

____________

(1)- التوبة- 122.

529

لهم عدوّا و حزنا» (1) استعارة تبعيّة شبّه حصول الحذر تارة، و عدمه أخرى، إمّا من جهة تفاوت الإنذارات بإفادة القطع و عدمها، أو من جهة تفاوت المنذرين، بالصّدق و الكذب أو المستمعين بالإطاعة و المعصية بالتّرجّي، حيث انّ المترجى كذلك قد يحصل و قد لا يحصل، فاستعمل فيه اللّفظ الموضوع له بهذه المشابهة، غاية الأمر استفادة كون الحذر مطلوبا في الجملة، حيث انّ مورد الترجّي لا بدّ ان يكون محبوبا، على ما تقدّم.

ثمّ انّه لا يخفى انّ الاحتياج إلى هذا المنع انّما هو بعد التنزّل و التّسليم لإطلاقها افرادا ليشمل عددا لا يفيد بهم العلم، و إلاّ فلا حاجة إليه.

و لكن مجال المنع عنه واسع، حيث انّ الظّاهر انّ الآية (2) بقرينة صدرها إنّما هي بصدد إيجاب النّفر على الطّائفة في الجملة بعد سلب النّفر عنهم كافّة في صدر الآية بقوله تعالى «و ما كان المؤمنون لينفروا كافّة» (3) إخبارا عن طريقتهم قبل نزول الآية من أنّهم كانوا لا ينفرون بأجمعهم بناء على بقائه على المعنى الحقيقي، أو إلزاما بذلك عليهم بناء على إرادة المعنى المجازي.

فإن قلت: هذا مسلّم لو لم يكن عموم كلّ فرقة الشامل للثلاثة أيضا، فلا بدّ أن يراد بالطّائفة ما يشمل الواحد و الإثنين، كما لا يخفى.

قلت: الصّدر كما يكون صارفا عن الإطلاق، كذلك يكون صارفا عن إرادة العموم، فتأمّل؛ مع أنّ العموم انّما هو بملاحظة متعارف العرف و الغالب فيهم، و هو مشتمل على جماعة كثيرة و غيره لو كان شاذّة جدّاً ملحق بالمعدوم، هذا.

قوله (قده): الثّالث لو سلّمنا- إلخ-.

أقول: و فيه أنّ حال الرّواة في الصّدر الأوّل ليس إلاّ كحال عمّال الأمراء و السّلاطين في نقل الأحكام إلى الرعيّة و الإنذار بالعذاب عن مخالفتها لعدم التقطيع و الدّس. و كثرة المعارض في الأخبار لتصير وظيفتهم نقلا بألفاظها بلا تخويف، لينظر فيها من نقلت إليه و تفحّص عن معارضها، فيصير محكوما عليه بما فهم بعد الاجتهاد، لا بما فهمه‏

____________

(1)- القصص- 8.

(2)- التوبة- 122.

(3)- التوبة- 122.

530

الرّاوي كما في زماننا هذا العروض التقطيع و غيره، بل كانوا يأخذون الأحكام من الإمام (عليه السلام) و ينقلونها إلى الأنام مع الإنذار، كنقل العمال الأحكام إلى البلاد، من غير فرق فيمن نقل إليه بين أن يكون من العوام، أو من كان له شأن التحرّي و الاجتهاد في الأحكام، فإذا كانت الآية دالّة على حجيّة قولهم في نقل الأحكام كذلك.

و بعبارة أخرى في نقل الروايات بالمعنى، فبضميمة عدم القول بالفصل بينه و بين حجيّة قولهم في نقلها بألفاظها ثبت المدّعى، مع أنّه يمكن أن يدّعى القطع بأولويّتها فيه، و لذا قالوا بحجيّته كلّ من قال بحجيته ذا، من غير عكس.

فائدة

ربّما احتمل أن يكون قوله تعالى «لعلّهم يحذرون» (1) حالا من المنذرين، أي لكونهم مترجّين أن يحذر القوم كما احتمل في قوله تعالى «يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم و الّذين من قبلكم لعلّكم تتقون» (2) حالا من الفاعل في اعبدوا، و عليه لا يبقى مجال للاستدلال بها، كما لا يخفى.

قوله (قده): ربّما ذكرنا يندفع- إلخ-.

أقول: يمكن أن يقال إنّا نفرض الراوي العالم بالأحكام الّتي هي مضامين الرّوايات و معانيها حاكيا لها بنفسها كما في الصّدر الأوّل، كما سبقت إليه الإشارة، لا الرّوايات بألفاظها و بضميمة عدم القول بالفصل بين حكاية ما هو مضمونها و معناها من الحكم و حكايتها بألفاظها، و كذا بينه و بين من لم يكن عالما للأحكام ثم المدّعى و عمّ.

قوله (قده): و يشهد بتغاير- إلخ-.

أقول: قد أورد عليه سيّدنا الأستاذ- دام ظلّه- انّ الإيمان إذا تعدّى بالباء يكون بمعنى الاعتقاد بوجود مدخولها، كما في «آمنت باللَّه و بالكتاب و بالرّسول» و بهذا المعنى لا يصحّ بالنّسبة إلى المؤمنين، إذ لا اختصاص للاعتقاد بوجودهم لأحد دون أحد فكرّر و عدّى‏

____________

(1)- التوبة- 122.

(2)- البقرة- 21.

531

باللاّم لهذا، لا للشّهادة على ما ذكره شيخنا الأستاذ- (قدّس سرّه)-.

قلت: لا يخفى انّه يصحّ الإيمان بمعنى الاعتقاد و الإذعان بوجود المؤمنين بما هم مؤمنين، كما أنّ الإيمان بهذا المعنى بالرّسول و بالكتاب إنّما يصحّ بهذه الحيثيّة، و إلاّ لم يصحّ لعين ما ذكر في المؤمنين، هذا مضافا إلى أنّ المراد من الإيمان في المؤمنين بشهادة السّياق، و ما من القميّ في سبب نزولها، و المرويّ في فروع الكافي في حكاية إسماعيل‏ (1)، إنّما هو بمعنى التصديق، لا بمعنى الاعتقاد، فلا بدّ من أن تكون النكتة في التكرار و التّعدية باللاّم بعد التعديّة بالباء، هو ما أفاده شيخنا الأستاذ، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): و أمّا السّنة فطوائف- إلخ-.

أقول: و مجمل الكلام فيها أنّه يصحّ التّمسك بها على المرام، إذا كانت متواترة لفظا أو معنى و إلاّ لدار، كما لا يخفى.

و لا ريب انّها ليست كذلك لا لفظا تفصيلا و هو واضح، و لا معنى لعدم كونها بحيث يحصل منها القطع بما هو القدر المشترك منها من حجيّة الخبر الواحد الغير المفيد للعلم، لعدم كون كل واحد منها نصّا في ذلك و إن كانت ظاهرة، فيحتمل إرادة ما يفيد القطع منه لا مطلقا.

نعم الإنصاف حصول القطع بصدور واحد منها إجمالا بعد ملاحظة كثرتها و اختلافها لفظا و مضمونا، و لازم ذلك الأخذ بما يكون أخصّ من الباقي مضمونا و إن لم يكن نصّا فيه، ضرورة كفاية الظّهور أيضا في إثبات الحجيّة، فحينئذ لا بدّ من الاقتصار على خبر العدل الإمامي، حيث هو أخص المضامين.

لكن لا يخفى أنّه لو كان حينئذ في الأخبار الدّالة على حجيّة مطلق الخبر، أو خبر الموثق ما كان كذلك يسرى الحجيّة إلى الخبر مطلقا، أو الخبر الموثق، لقيام الدليل القطعي اعتبارا عليه، فليلحظ فيها لعلّه يوجد فيها خبر كذلك، مع أنه لا يبعد بقاء القطع بصدور واحد منها أيضا بعد عزل هذه الطّائفة الّتي تكون أخصّ من الباقي مضمونا، فيؤخذ منه بما هو الأخصّ من الباقي أيضا، و هو ما دلّ على اعتبار خبر الثّقة و لو كان غير إماميّ، فتبصّر.

قوله (قده): الثاني من وجوه- إلخ-.

أقول: لا يخفى انّه لا يصحّ دعوى الإجماع من السيّد و أتباعه و لو علم قولهم بالحجيّة في‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 13- 230.

532

حال الانسداد، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة الانسداد الموجب لحجيّة مطلق الظنّ، فلا تغفل.

قوله (قده): الرّابع استقرار- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّ جعل هذا وجها اخر إنّما يصح إذا كان ما ذكره سابقا من سيرة المسلمين لا بما هم عقلاء، بل بما هم مسلمين متديّنين بهذا الدّين، و إثبات ذلك في غاية الإشكال.

قوله (قده): و لذا يقولون به- إلخ-.

أقول: و ذلك لأنّ العقل لا يحكم في الإطاعة بأزيد من الوثوق، إذ همّه ليس إلاّ تحصيل الأمن، و معه حاصل.

قوله (قده): لا إشكال في عدم جريانها- إلخ-.

أقول: لا يخفى انّه انّما يكفي هذا لو كان عدم عملهم بها في قباله من جهة كونها مغيّاة بالوثوق على الخلاف و لو لم يكن حجّة عندهم، و أمّا إذا كان من جهة أنّ الوثوق عندهم حجّة فما لم يثبت من الخارج اعتبار الوثوق عند الشارع أيضا، يجب أن يبنى العمل عليها و إن كانت في قباله دونه، و لا يكفي هذه السّيرة في إثبات ذلك، حيث انّ إثبات ذلك بها يتوقّف على عدم ردع الشّارع أيضا عن العمل به، و هو يتوقّف على إثبات حجيّته و اعتباره عنده، و إلاّ قد تحقّق الرّدع بإيجابه العمل بها ما لم يقم حجّة معتبرة على خلافها، كما لا يخفى، فافهم.

و كذا الكلام في الأصول اللفظيّة، فلا تغفل.

قوله (قده): و إن أخذ عن الاخبار- إلخ-.

أقول: لا يبعد دعوى القطع و لو بصدور واحد منها من جهة كثرتها و صحّة سند أكثرها، مع أنّه يكفي في الرّدع الوثوق بالصّدور بعد تسليم تماميّتها دلالة على ما يظهر منه، حيث أشكل فيها سندا لا دلالة كما لا يخفى، و ذلك إذا المفروض استقرار السيرة على العمل بخبر الثّقة مطلقا، و إلاّ فلا كلام في البين.

و بالجملة هذه الأخبار تكون صالحة للرّدع دلالة و سندا، أمّا الأوّل فلتسليمه ظاهرا،

533

و أمّا الثاني فلدخولها فيما استقرت على اعتباره السّيرة.

و لا يتوهّم أنّ هذه الأخبار غير صالحة لذلك، للزوم الارتداع عنها بنفسها لو كان الرّدع بها حيث تكون على خلاف مؤدّاها من اعتبار الاستصحاب أصالة عدم الاعتبار، و ذلك لأنّ الاستصحاب ليس دليلا على الحكم لتكون تلك الأخبار دليلا على الدّليل، فيكون مضمونها بخلاف أصالة عدم الاعتبار، بل هو نفس الحكم، فأصالة عدم الاعتبار مخالفة لنفس اعتبارها لا لمضمونها، و قد ثبت الاعتبار بالسّيرة، هذا مضافا إلى عدم شمولها لنفسها كما لا يخفى، و إلى أن أصالة عدم الاعتبار ليست من الاستصحاب المأخوذ من الأخبار، لما سبقت إليه الإشارة عند تأسيس الأصل في حجيّة الظن، فراجع.

و في تقريرات بعض الحاضرين في مجلس درس سيّدنا الأستاذ- أدام اللّه تعالى ظلّه- أن الوجه في عدم الرّدع بالأصول اللفظيّة أنّ هذه الأصول لاقترانها بخبر الثّقة الّذي يصلح قرينة (1) لإرادة خلاف الظّاهر، لا ينعقد الظّهور النّوعي الّذي هو المناط في حجيّة الأصول اللفظيّة حتّى تكون رادعة و مانعة عن العمل بخبر الثّقة.

نعم لو كان حجيّة الأصول من باب التعبّد، كما عليه بعض لا يضرّ بالحجيّة اقترانها بما يصلح أن يكون قرينة، و إنّما المضرّ حينئذ هي القرينة المعلومة قرينيّته- انتهى بألفاظه-.

قلت: لا يخفى وضوح القدح و الفساد فيه، ضرورة أن انعقاد الظهور و عدمه للكلام إنّما هو بملاحظته بما يكتنف معه من القرائن الحاليّة أو المقاليّة له، لا بملاحظة الأمورات الخارجيّة عنه و لو كانت معتبرة، فضلا عما إذا لم يكن معتبرا كخبر الثّقة، و إلاّ يتصور التّعارض بين الظّاهرين، إذ كلّ بملاحظة الاخر لا ظهور له، و لا معنى للترجيح و التّخيير حينئذ، و هذا باطل بداهة.

و الفرق بين القولين انّما هو فيما إذا كان الكلام مكتنفا بما يحتمل أن يكون صارفا عن معناه الحقيقي، فيتوقّف القائل بالظّهور النّوعي، و يبنى القائل بالتعبّد على إرادة الحقيقة، لا أنّ القائل بالظّهور النّوعي يتوقّف عن العمل بظهور الظّاهر المعتبر بقيام الظاهر الغير المعتبر و لو من جهة الشك في اعتباره على خلافه، و لعمري أنّ هذا أوضح من أن يخفى على أحد.

و التحقيق في وجه عدم الرّدع بالأصول اللفظيّة أو العمليّة أن يقال:

إنّه يستلزم المحال، إذ هو يتوقّف على وجوب العمل بها دونه و لو كانت في قباله، و هذا

____________

(1)- الّذي يصلح أن يكون قرينة ... (ظ).

534

يتوقّف على الرّدع عنه، و إلاّ يجب العمل به دونها ورودا له عليها أو حكومة أو ترجيحا.

هذا ما سنح بخاطري الفاتر، فتأمّل بعين الإنصاف، و جانب جانب الاعتساف.

و أيضا في تقريرات من أومى إليه في وجه عدم الرّدع بالأصول العمليّة ما هذا لفظه:

و أمّا الأصول العمليّة، فإن كانت من الأصول الّتي مدركها الاخبار كالاستصحاب، فالظّاهر أنّه كما يكون الطّريق المجعولة من الشارع حاكمة على أدلّة الاستصحاب بعد استظهار كون اليقين المأخوذ غاية هو اليقين الطّريقي لا الموضوعي، لغلبة أخذه طريقا في الأدلّة، فكذا الطّرق المنجعلة (1) كخبر الثقة يكون على أدلّة الاستصحاب، لا هي رادعة عن العمل به، و لئن ننزّلها عن دعوى ظهور الحكومة، كما هو محلّه، حيث انّ الطّريق لو كان مجعولا من جاعل الاستصحاب لكان دليله ناظرا إليه، و إلاّ لتمكّن المنع، فنقول كلا الأمرين من حكومة أدلّة خبر الثقة على أدلّة الاستصحاب، و من رادعيّة أدلّة الاستصحاب من العمل بخبر الثقة محتمل و لا مرجّح، فيبقى حجيّة خبر الثّقة على حالها لعدم العلم بالرادع المانع هو نفسه، لا احتماله و إن كانت من الأصول الّتي مدركها العقل كالبراءة و الاحتياط و التخيير، فالظّاهر ورود خبر الثّقة عليها كما أنّ الطّريق الغير المجعولة واردة عليها، فلا أقلّ من احتمال الورود عليها أو الرّدع، فيبقى خبر الثّقة على حجيّته- انتهى-.

و قد عرفت حقيقة الحال ممّا حققناه.

قوله (قده): و هو فاسد لأن الحكم المذكور حكم إلزامي.

أقول: قد أورد عليه بأنّ ظاهره أنّ هذا الحكم حكم مولوي يستحق العقاب على مخالفته و لو لم يصادف الضّرر الواقعي حسب ما يشهد به استشهاده بتخصيص النّزاع في الحضر و الإباحة، و منعه ابتناء الكبرى على التّحسين و التقبيح العقليين و إثباتها بالكتاب على ما لا يخفى.

و ليس الأمر كذلك، بل هو إرشادي لا يترتب على مخالفته شي‏ء أصلا سوى الضّرر المظنون في صورة وجوده، و ذلك لأنّ ضرورة الوجدان قاضية بأن نظر العقل في هذا الحكم ليس إلاّ الحذر من الضّرر الواقعي، عقابا كان أو غيره من المفاسد أو المضار الدّنيويّة، كما أنّه في الحكم بلزوم دفع الضرر المقطوع إذا كان عقابا أو مفسدة ليس أيضا همّه و نظره إلاّ

____________

(1)- خ ل: المجعولة.

535

ذلك و إن كان بينهما فرق من جهة أخرى، حيث انّ هذا غير قابل لغير الحكم الإرشادي، للزوم التّسلسل في المخالفة و في استحقاق العقاب في مخالفة واحدة كما لا يخفى.

بخلاف رفع الضرر المظنون، لعدم لزوم المحذور من إلزام الشارع به، بحيث يستحق الثّواب و العقاب بالإطاعة و المعصية، صادف الواقع أم لا، إلاّ أنّه قد عرفت أنّ العقل لا يحكم باللّزوم إلاّ خوفا من الوقوع في الضرر الواقعي في صورة الإصابة، و ليس نظره إلاّ الاحتراز عنه.

و من المعلوم أنّ هذا ليس ممّا يثبت به حكم للشّارع على طبقه و لو على القول بالملازمة، بحيث يترتّب عليه الثّواب أو العقاب بالإطاعة أو المعصية، صادف الواقع أم لا، بل يدور مداره كما لا يخفى.

قلت: قد ذكر شيخنا الأستاذ في ذيل الإيراد على الجواب الثاني عن ثالث الأجوبة ما هذا لفظه:

و إن أراد ثبوت الضّرر في العمل بها بمعنى إتيان ما ظنّ وجوبه حذرا من الوقوع في مضرة ترك الواجب و فعل ما ظنّ حرمته كذلك، كما يقتضيه قاعدة دفع الضّرر- انتهى-.

و هذا كما ترى ينادى بأن مقتضى القاعدة لزوم دفع الضرر حذرا من الوقوع في هذا الضرر لو كان، لا في ضرر مخالفتها كان هناك ضرر أو لا، كما لا يخفى، و لا شهادة في استشهاده على ما استظهر عنه، حيث انّ الأمر فيه أمارة المفسدة أيضا كذلك و انّ الإلزام فيه بالتّرك ليس إلاّ تحذيرا من الوقوع في المفسدة الواقعيّة لو صادف إيّاها، لا لمفسدة فيه صادف أم لا، و كذا لا شهادة في منعه ابتناء الكبرى عن التحسين و التقبيح، إذ المقصود أنّ إثبات وجوب دفع الضرر إرشادا حذرا من الوقوع فيه في صورة الإصابة لا يتوقّف على حكم العقل به من جهة التّحسين و التّقبيح، لأنّ تحريم الإقحام‏ (1) فيما هو معرض للضرر إرشادا و تحذيرا عن الوقوع في الضّرر الواقعي لو كان، و وجوب عدم الإقحام‏ (2) كذلك يدلّ عليه الكتاب و السّنة، حيث انّ ظاهر الآيات هو التحذير عن الهلكة (3) و الفتنة (4) و العذاب النّفس الأمريّة المرتبة على مخالفة أمر اللّه و مكر السّيئات، لا إنشاء تحريم مولوي بها، كما لا

____________

(1)- الاقتحام (ظ).

(2)- الاقتحام (ظ).

(3)- البقرة- 195.

(4)- الأنفال- 25.

536

يخفى.

ثمّ انّه قد انقدح بما ذكرنا أيضا فساد ما أورد عليه من عدم دلالة هذه الآيات على ما هو بصدد إثباته من التحريم النفسيّ المولوي، حيث انّ ظاهر الإرشاد لا إنشاء الحكم المولوي، و ذلك لما عرفت أيضا انّه بصدد إثبات الوجوب الإرشادي قبالا للقائل بحسن الاحتياط بدفع الضرر المظنون، لا وجوبه و لزومه إرشادا، فافهم.

قوله (قده): لأنّ تحريم تعريض- إلخ-.

أقول: و أيضا دفع الضرر المظنون بل المحتمل جبليّ لجميع ذوي الشعور و الإدراك من أفراد الحيوان، فضلا عن الإنسان، خصوصا العقلاء منهم اللّذين كلا منا الآن في علمهم حسب ما نشاهده بالوجدان، و منشأ هذه حالهم بالعيان من غير تفاوت في ذلك بينهم.

و من هنا ظهر أنّ الدّفع و لو قلنا بالتّحسين و التقبيح ليس لذلك، و ذلك لما عرفت من مساواة جميع ذوي الشعور فيه حيوانا كان أو إنسانا، صغيرا كان أو كبيرا، بل و لو مجنونا، فلا تغفل.

قوله (قده): و الظّاهر انّه خلاف مذهب الشيعة.

أقول: هذا فيما كان الانسداد في خصوص المسألة، و أمّا إذا كان في غالب المسائل فيرجع هذا الدّليل إلى دليل الانسداد الآتي و ليس دليلا على حدة، كما لا يخفى.

قوله (قده): فتأمّل.

أقول: هذا إشارة إلى أنّ ظاهر أكثر الأخبار (1) النّاهية عن القياس أنّه لا مفسدة فيه إلاّ الوقوع في خلاف الواقع، و هذا ينافي ما ذكره.

لا يقال انّ بعضها ساكت و بعضها ظاهر فيما ذكر من ثبوت المفسدة الذاتيّة، لأنّ دلالة الأكثر أظهر، كما يظهر لمن راجعها، فهو المتّبع.

قوله (قده): مدفوع بأنّ الفرض- إلخ-.

أقول: و ملخّص ما ذكره من الأوّل إلى هنا أنّه إن أريد أنّ الضّرر نفسه مظنون،

____________

(1)- الكافي: 2- 299.

537

فالصغرى ممنوعة لما ذكره من عدم الظنّ بترتّب المفسدة و إن أريد أنّ معصيته مظنونة لا نفسه، فالكبرى ممنوعة و لو كان بناء العقلاء ليس على الاحتراز عن ضرر ظنّ مقتضية مع الظنّ بوجود المانع أو التّدارك.

قوله (قده): و فيه أنّ التّوقف من ترجيح الرّاجح قبيح- إلى قوله- فتأمّل.

أقول: قال- (قدّس سرّه)- في الحاشية: أن مراد المستدل من الراجح و المرجوح ما هو أقرب إلى الفرض و الأبعد منه في النّظر، و لا شك في وجوب الترجيح بمعنى العمل بالأقرب و قبح تركه مطلقا، فلا فرض لعدم وجوب الترجيح ليردّ به هذا الدّليل، فلا فائدة في الرّد- انتهى بألفاظه-.

قلت: إنّما لم يبق فرض لعدم الوجوب فيما جعله مراد المستدلّ، إذا لم يكن الاحتياط، و أمّا إذا أمكن فلا يجب فيه، حسبما أفاده في الجواب الّذي أفاده و أجاب به في الحلّ، كما لا يخفى.

قوله (قده): مع أنّ العمل بالاحتياط- إلخ-.

أقول: هذا بظاهره إيراد اخر، و لا يخفى عدم اختصاصه به، بل يعمّ الانسداد أيضا، فلا وقع له بعد إرجاعه إليه، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): المقدّمة الأولى.

أقول: الأولى جعل المقدمة الأولى هو العلم الإجماليّ بوجود واجبات و محرّمات في الشريعة، كما لا يخفى.

قوله (قده): أو ممن حكمه الرجوع إلى الاحتياط.

أقول: الفرق بينهما أنّ ترك التعرّض على الوجه الأوّل غير مستند إلى دليل، حيث لا حكم في البين فيحتاج في النفي و الإثبات إليه، بخلاف ذلك على الثاني حيث لا إهمال عليه للحكم فيحتاج النفي إلى الدّليل، هذا.

قوله (قده): الرّابعة إذا بطل- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره فيها ليس من المقدّمات، بل هو نتيجتها.

538

لا يقال ان النتيجة هو إمضاء الشارع العمل بما عيّنه العقل حجّة و طريقا، لأنّه لا حكم للعقل على تقرير الكشف أصلا ليجعل من المقدمات، و على تقرير الحكومة لا حاجة إلى الإمضاء لاستقلال العقل بالحكم في باب الإطاعة و المعصية و هو الحاكم فيه ليس إلاّ، كيف و لو كان من الشرع حكم في هذا الباب، فهو على طريق الإرشاد إلى حكمه، فالصواب تبديل هذه المقدّمة بأنّه إذا بطل الرّجوع إلى الطّرق الشرعيّة لما ذكر في المقدّمات السّابقة لا يجوز الرّجوع إلى المشكوك، أو إلى طرف الموهوم، لقبح ترجيح المرجوع على الرّاجح، فيتعيّن بحكم العقل المستقلّ الرجوع إلى الموافقة الظنيّة و الامتثال الظنّي، هذا و لا تغفل.

قوله (قده): بحيث لا يبقى- إلخ-.

أقول: و يشكل ذلك بأن المانع من الرّجوع إلى الأصول ليس إلاّ العلم الإجماليّ بوجود التكاليف بين موارد الظنون المعتبرة و الغير المعتبرة، و الخالية عنهما الموجب للاحتياط عقلا في جميع هذه الأطراف، فإذا لا بدّ من العمل بموجب الاحتياط في جميعها، لكونها بجميعها من أطراف العلم الإجماليّ الموجب لحكم العقل بوجوب الاحتياط في التكليف المردّد بينهما، كما لا يخفى.

و بالجملة الموجب للاحتياط و المانع عن البناء على عدم التكليف في كلّ مورد يحتمله موجود و لو قام الظنّ المعتبر على العدم، أو على الوجود بحيث لا يكون علم في الموارد الخالية عنه لو لوحظت بالانفراد بلا انضمامها إلى غيرها.

و الجواب عنه (تارة) بأنّ العلم الإجماليّ بالتّكليف إنّما هو في موارد الطرق المعتبرة المثبتة له، لا فيها و في غيرها من موارد النّافية له منها و الغير المعتبرة منها مطلقا، و لو سلّم العلم الإجماليّ بالتّكليف فيه فهو من الشبهة الغير المحصورة، فغير موارد الطّرق المعتبرة المثبتة للتكليف ليس من أطراف العلم الإجماليّ ليوجب الاحتياط فيه.

و (أخرى) بأنّ العلم الإجماليّ و إن كان غير مرتفع عن البين بقيام الأمارات المعتبرة على التكليف في بعض الموارد بالضرورة من الوجدان، إلاّ أنّ تأثيره من لزوم الاحتياط يرتفع بذلك، و ذلك لأن العلم الإجماليّ لا يوجب الاحتياط إلاّ فيما إذا لم يحرز ما يساوي ما علم إجمالا من الواجبات و المحرّمات واقعا بالعلم التفصيلي، أو جعلا من الشارع بأدلّة الطّريق الدّالة على البناء على كون مؤدّاها الواقع و عدم الاعتناء باحتمال الخلاف.

و أمّا إذا أحرز بأحد الوجهين فلا يحكم العقل بالاحتياط في باقي الأطراف، ضرورة أنّ‏

539

حكمه به إنّما كان مراعاتا لجانب الواقع المحرز واقعا بالوجدان، أو جعلا بما نراه من العيان من أدلّة الاعتبار، كما هو المفروض.

و فيه نظر يظهر وجهه ممّا يأتي الآن، توضيح المرام يستدعى بسطا في الكلام في بيان ما للعلم الإجماليّ من الأقسام و تفصيل ما لها من الأحكام.

فاعلم أنّ العلم الإجماليّ إمّا يكون مسبوقا بالعلم التفصيلي أم لا، و على التقديرين إمّا أن يقوم على ما يساوي المعلوم الإجماليّ علم أو ظن معتبر أو لا، فهذه صور لا إشكال في الاحتياط فيما إذا لم يقم هناك العلم أو الظنّ المعتبر بما يساوي للمعلوم الإجماليّ، كما لا إشكال في عدم وجوب الاجتناب في غير ما علم تفصيلا من المساوي للمعلوم الإجماليّ فيما إذا لم يكن مسبوقا بالعلم التفصيلي مطلقا، احتمل زيادته على المعلوم الإجماليّ أولا، و ذلك أمّا إذا لم يكن محتمله فلعدم احتمال حرمة غير ما علم تفصيلا حرمته حينئذ، و أمّا إذا كان محتمله فلانطباق ما علم إجمالا مع ما علم تفصيلا، لأنّه لم يكن معنونا إلاّ بعنوان الحرام الواقعي، و بديهيّة أنّ ما علم حرمته تفصيلا يكون معنونا به بعينه.

و من المعلوم عدم تنجّز أزيد ممّا علم إجمالا على ما هو عليه من العنوان، و أمّا فيما ظنّ ظنّا معتبرا بما يساوي المعلوم الإجماليّ في الصّورة بصورتها، فقد يشكل في عدم وجوب الأخذ بموجب الاحتياط في غير المظنون فيه ببقاء موجبه من العلم الإجماليّ مجاله.

و ربّما يجاب بما أشرنا إليه من أنّ العلم الإجماليّ و إن كان باقيا، إلاّ أنّ أثره من الاحتياط مراعاة للتّكليف المردّد بين الأطراف قد ارتفع لإحراز ما ينطبق مع ما تنجز تعبّدا.

و فيه أنّ الانطباق ليس من الآثار الشرعيّة و لا العقليّة للواقع الّذي قامت عليه الأمارة ليثبت بها على ما هو شأن الأمارات من إثبات آثار ما قامت عليه و لو كانت عقليّة، بخلاف الأصول حيث لا يثبت بها إلاّ الآثار الشرعيّة على ما تقرّر في محلّه، بل هو من الآثار العقليّة للمعلوم بما هو معلوم، لا بما هو واقع.

و التحقيق في حلّ الإشكال أن يقال: انّه كما لو قامت الأمارة على التّكليف في بعض الأطراف قبل حصول العلم أو مقارنا له، فلا إشكال في جريان أصالة الإباحة في باقي الأطراف، حيث لا يجري في الطّرف الاخر كي تعارض بمثلها، فكذلك لو ظفر على قيام الأمارة على التكليف بعد العلم، لأن مفادها هو الحكم بالتكليف فيه من أوّل الأمر، فيستكشف بها عدم كونه مجرى لأصالة الإباحة من الأوّل لكان غايتها فيه، فتكون في الباقي بلا معارض.

540

و هذا بخلاف ما لو حدث تكليف فيه بعد العلم بالتكليف المحتمل بسبب حادث إذ أصالة الإباحة بعد غير ساقطة، ضرورة انّ العلم بالتكليف الحادث فيه ليس غاية لها، بل هو العلم بالتكليف المحتمل كما لا يخفى، فيعارض إيّاها في الباقي، و سيأتي زيادة توضيح إن شاء اللّه.

و أمّا إذا كان مسبوقا بالعلم التفصيلي، فإن علم تفصيلا بشخصه ثانيا، فلا ريب في عدم وجوب الاحتياط و لو كانت الزيادة محتملة، لأنّ الشبهة بالنسبة إليها بدويّة كانت من أوّل الأمر، أو حدثت كما لا يخفى؛ و إن علم لا بشخصه بل بمقداره، فالظاهر بل المتيقّن وجوب الاحتياط في باقي الأطراف، لأنّ العلم السّابق موجب لتنجّز التكليف به بشخصه و بعينه و بعنوانه الخاصّ به الموجب للخروج عن عهدته، و مع الخروج عن عهدة التّكليف المنجز بالعلم التفصيلي الثانوي لا يقطع بالخروج عن عهدة التّكليف المنجز أوّلا، لاحتمال أن يكون متعلّق هذا التكليف غير متعلّق ذلك، و مثال الكلّ يظهر من ملاحظة قطيع غنم علم بحرمة طائفة منه تارة مسبوقا بالعلم بحرمة طائفة خاصّة كالبيض، مع قيام العلم التفصيلي أو الظنّ عليها بأشخاصها أو على مقدار يساويها، من دون أن يعلم انّها عين ما علم أوّلا حرمتها، و أخرى غير مسبوق بالعلم التفصيلي مع قيام العلم أو الظنّ على مقدار يساويها، هذا.

قوله (قده): و في الثاني إمضاء لما ألزمه المكلّف على نفسه، فتأمّل.

أقول: وجه التأمّل أنّ أدلّة نفي الحرج نافية للحكم الحرجي في الشريعة مطلقا، تأسيسا كان أو إمضاء، لما ألزمه المكلف على نفسه، كما لا يخفى على من لاحظها.

قوله (قده): بل لا يبعد ترجيح الاحتياط.

أقول: و ذلك لحصول الواقع المطلوب بالذّات به، بخلاف الظنّ الخاصّ، كما لا يخفى، و أمره بالتأمّل إشارة إلى أنّ الأمر كما ذكره لو لم يكن الاحتياط خلاف الاحتياط لمكان القول باعتبار نيّة الوجه في العبادات، و معه لا تأتى منه كما لا يخفى، فالترجيح مع تحصيل الظنّ الخاصّ، إذ به يقطع بالبراءة، بخلاف الاحتياط، هذا.

قوله (قده): قلت مرجع الإجماع- إلخ-.

أقول: و محصّل مرامه أنّ مرجع الدّعوى بالاخرة إلى دعوى الإجماع على حجيّة الظنّ‏

541

بعد الانسداد، و هو غير مفيد فيما نحن بصدد إثباته أصلا، امّا كون مرجعها إليه فلضرورة انّه لو لم يكن الظنّ حجّة لم يكن فرق اخر بين المظنونات و المشكوكات يوجب الرّجوع إلى الأصول فيها دونها، لاستواء الطّائفتين في عدم كون ما هو المناط في الرجوع إلى الأصول من الحجّة في البين.

و أمّا عدم كون الإجماع على الحجيّة مفيدا أصلا، قطعيا كان أو ظنيّا، فلأنّه ما لم يؤدّ إلى القطع بحجيّة الظنّ عند الانسداد لا يوجب رفع اليد عن الاحتياط في المشكوكات، لتوقّفه على اعتبار الظنّ و حجيّته، حسبما عرفت و هو لا يثبت بدون القطع بمجرّد الظنّ، و إلاّ لدار، و معه كان الاعتبار ثابتا بغير دليل الانسداد، و هو ليس بالمراد.

قلت: بناء على حكومة العقل في الترجيح بين الأطراف عند التّبعيض، لقائل أن يقول: لا فرق في نظره في الظنّ بعدم التّكليف بين التكليف الظاهري و بين التكليف الواقعي للظنّ باعتبار ما قام على نفيه من الأصول، حيث لا تفاوت فيما هو همّه و نظره من تحصيل الأمن من العقاب بينهما كما لا يخفى، فيحكم على الترجيح بين الأطراف بعدم الاحتياط في موهومات التكليف و مشكوكاته للظنّ بعدم التكليف في الأولى واقعا و في الثانية ظاهرا للظنّ بحجيّة الأصول فيها.

و بالجملة انّ أطراف الشبهة بالنظر إلى حكم العقل و ترجيحه فيها عند تبعيض الاحتياط فيها بين طائفتين مظنونات التّكليف الواقعي أو الظّاهري، فالاحتياط و موهومات التكليف كذلك فالعدم، فمشكوك التكليف الواقعي إن كان الأصل مثبتا فيه، فهو من الطّائفة الأولى و إن كان نافيا له، فهو من الثانية.

فتلخّص ممّا ذكرنا انّ المرجع في الموارد الخالية هو الأصول العمليّة مطلقا، مثبتة كانت أو نافية، لا الظنّ بعدم التكليف، أمّا المثبتة منها فلأنّه المعتمد في إثبات الحكم الواقعي، لا قاعدة الاحتياط، لعدم الاعتبار بها فيما إذا اجتمعت مع ما يكون نسبته إليها نسبة الطّرق إليه، و السّر عدم بقاء الشّك و التّردد بين الأطراف بحكم الشارع، و معه لا محلّ للأصل مع الطريق، و لا للقاعدة معه و لا مع الأصل كما لا يخفى، و ارتفاع أثر العلم الإجماليّ و عدم وجوب المراعاة حسب ما عرفت.

و أمّا الثاني‏ (1) منها فلأنّ مراعاة القاعدة للزومه العسر لا يحدث مانعا من اتباع الأصل، كيف و قد كان متّبعا مع عدم الارتفاع و وجوب .. (2).

____________

(1)- النافي (ظ).

(2)- هنا كلمة لم تقرأ.

542

المانع منه لم يكن إلاّ تأثير العلم الإجماليّ في التنجّز و لزوم الاحتياط في مورد الأصل و غيره من الأطراف، و المفروض هاهنا عدم تأثيره.

فإن قلت: لو كان المرجع فيها إلى الأصول لا الظنّ، فالمحذور من لزوم العسر بعد بحاله لعدم رفع اليد عن التكليف في موارد الأصل المثبت له من الموهومات.

قلت: أوّلا عدم ارتفاع العسر برفع اليد عن الاحتياط فيما يكون من الموهومات و المشكوكات مجرى للنّافي من الأصل في غاية المنع لكثرة ما كان كذلك منها و قلّة ما يكون مجرى للأصل المثبت.

و ثانيا لو سلّم فالمتعيّن هو رفع اليد عن الاحتياط فيما لا يكون من مظنونات التّكليف مجرى للأصل المثبت له، دون ما يكون كذلك من الموهومات و المشكوكات، ضرورة أنّ حكم العقل برجحان مظنونات التكليف في مراعاة الاحتياط على مشكوكاته و موهوماته إنّما هو فيما إذا لم يكن فيهما حجّة معتبرة شرعا و إلاّ يحكم بالعكس، إذ المناط في حكمه به ليس إلاّ أقربيّة المظنون ممّا هو غرض للشارع، و أين هذا ممّا هو عينه و لو يجعل منه، و هو واضح، بل قد عرفت انّ الحكم فيما يكون من الأطراف موردا للأصل الموافق للاحتياط إنّما هو بملاحظته لا بالاحتياط ليتأتى فيه التبعيض و الترجيح بينه و بين سائر الأطراف فيما إذا تعسّر الاحتياط في جميعها، كما لا يخفى.

فتلخّص ممّا حقّقناه أنّ محلّ التّبعيض و الترجيح انّما هو غير ما هو المجرى للأصل الموافق في المظنونات و المشكوكات و الموهومات للاحتياط، و أمّا ما كان منها كذلك فالمتّبع فيه هو ذلك الأصل بلا فرق بينه و بين تلك الأقسام و لو في صورة التّبعيض في أثر العلم الإجماليّ من الاحتياط التّام، هكذا ينبغي أن يحقّق المقام.

قوله (قده): و يحصل ممّا ذكرنا إشكال اخر.

أقول: لا اختصاص لهذا الإشكال بصورة عدم إنتاج المقدّمات حجيّة الظنّ، كما هو ظاهره ((قدّس سرّه)) بل يعمّ صورة الإنتاج على ما هو المختار عنده من تقرير الحكومة فيها، ضرورة أنّ العقل بملاحظة تلك المقدّمات الّتي منها انسداد باب العلم و الظنّ الخاصّ لا يحكم أزيد من حجيّته فيما إذا لم يكن هناك حجّة معتبرة بالخصوص، فلا حكم له حينئذ بحجيّة ما يقع قبالا للعمومات المعتبرة لينهض لتخصيصها.

543

نعم على تقرير الكشف لا يبعد أن يقال إنّ المقدّمات يستكشف بها عن حجيّته مطلقا و لو في قبال العمومات المعتبرة بالخصوص، مع إمكان أن يقال فيه مثل ما قلنا في ذاك التقرير أيضا من أنّ المقدّمات الّتي منها انسداد باب العلم و الظنّ الخاصّ، لا يستكشف منها أزيد من حجيّته فيما إذا لم يقع قبالا لها، لعدم انسداد الظنّ الخاصّ فيها إذا وقع كذلك.

قوله (قده): توضيح الاندفاع- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّه يتمّ هذا على تقرير الحكومة، و أمّا على تقرير الكشف فلا، لعدم نهوض المقدّمات عليه على أزيد من استكشاف العقل منها جعل حجّة في حال الانسداد من غير تعيين للظنّ أو غيره، لعدم تحقيقه ما هو المناط في نظر الشارع في جعل الطريق ليتعين به المجعول، كيف و هو كثيرا ما جعل أمر ليس فيه جهة إراءة أصلا حجّة و لو وقع قبالا للظنّ و لم يعيّن به في قباله، و هذا واضح.

و سيجي‏ء زيادة توضيح لها عند تعيين المختار من التقريرين، فانتظر.

قوله (قده): و فيه أوّلا منع نصب الشارع طرقا خاصّة- إلخ-.

أقول: لا يقال انّ المراد من الطرق الخاصّة الّتي علم بنصبها الشارع أعم من أن يكون منصوبا ابتداء، أو ما يكون كذلك إمضاء و تقريرا من الطرق المعتبرة العقلائيّة، و منع العلم الإجماليّ بوجود الطرق المنصوبة كذلك ليس إلاّ مكابرة واضحة، لأنّه إن أريد من الطرق الإمضائيّة ما هو أعمّ من ما لم يتصرف فيه من الطرق العقلائيّة بوجه من الوجوه، بل و لو ثبت إمضائه بعدم الرّدع عنه، فهو خلاف صريح كلامه على ما لا يخفى، مع أنّ المنع عن العلم الإجماليّ بغير ما علم تفصيلا من الطرق الخاصّة، و ما إمضائه من الطرق المتعارفة و لو بعدم الرّدع بمكان من الإمكان و إن أريد منه خصوص ما تصرّف فيه بتخصيص أو جعل شرط أو مانع.

فكلامه و إن كان يعمّه إلاّ أنّ الإنصاف أن المانع عن العلم الإجماليّ بوجود الطّريق الكذائيّ غير ما بأيدينا من الطرق الخاصّة المعلومة تفصيلا مستظهر.

و دعوى العلم به مجازفة بيّنة، لقوة احتمال الإحالة في الموارد الخالية عنها على ما لم يتصرف فيه من الطرق المتعارفة، فلا بدّ في إثبات ما ادعى العلم به من الطرق الخاصّة من الاستدلال، و سدّ ما ذكر من الاحتمال بإقامة البرهان، و لا يجديه الحوالة على الوجدان، إذ

544

الإنصاف شهادته على الخلاف.

قوله (قده): و اختلاف الفتاوى في الخصوصيات- إلخ-.

أقول: قد أورد عليه بأن المنع من حصول العلم من الأقوال المختلفة بالقدر الجامع لا دخل له بالمقام، لحصول الإجماع منا على القدر الجامع من الرجوع إلى الكتاب و السنّة.

قلت: الإجماع انّما هو على الرجوع إليهما في الجملة، لا بمقدار الكفاية منهما، و هو المفيد.

قوله (قده): إلاّ أنّ اللاّزم- إلخ-.

أقول: وجهه واضح، إذ انضمام العلم الإجماليّ بالنّصب بالعلم بأنّه لو كان نصب لكان الخبر الصحيح منصوبا جزما يوجب العلم التّفصيلي بأنه منصوب، فالترديد بينه و بين غيره من الأمارات إنّما هو قبل ملاحظة تيقّن منصوبيّته على فرض النّصب، و كذا ما هو معلوم الحجيّة بالإضافة إلى الباقي مع عدم كفاية ما هو كذلك مطلقا، لبقاء العلم الإجماليّ بعد الموجب للعلم التفصيلي بالحجيّة بانضمام التيقّن بحجيّته على تقدير تيقّن النّصب، هذا.

قوله (قده): و رابعا لو سلّمنا.

أقول: قد أورد عليه بعض أفاضل العصر بعد نقله الكلام بما لفظه هذا:

«و هو من الغرابة بمكان، فإنّ القائل بالظنّ لا يقول به إلاّ بعد انسداد باب الاحتياط في المسألة الفرعيّة، فكيف لو أضيف إليه الاحتياط في المسألة الأصوليّة أيضا بالعمل بجميع الطرق المشتبهة على أن الاحتياط في الأصوليّة إنّما يتحقّق بالاحتياط في المسألة الفرعيّة، لعدم تعلّقها بالعمل إلاّ بتوسّطها، فلا يكون أمرا اخر وراء ذلك- انتهى موضع الحاجة-».

أقول: هذا من الفضاحة و الغرابة بمكان، فإن هذا الاحتياط ليس هو الأخذ بالتكاليف المحتملة إذا كانت الأمارات ساكتة، و كان الأصل فيها البراءة أو الاستصحاب النّافي، و فيما إذا أدّى واحد من هذه الطّرق إلى نفيها بلا معارض لواحد اخر منها، و لم يكن هناك أصل عمليّ على الخلاف من الاستصحاب عند الشك في بقائها، و الاحتياط فيما إذا كان الشك من جهة الشكّ في المكلّف به.

و من المعلوم كثرة التكاليف المحتملة الّتي تكون كذلك، فأين هذا من الاحتياط التّام‏

545

الموجب للأخذ بالتّكاليف المحتملة مطلقا و لو قام على نفيها الطرق و الأصول.

و العجب كلّ العجب كيف غفل المورد في المقام، و تخيّل انّ هذا احتياط مساوق للاحتياط التّام، مع وضوح الفرق كالشمس في رابعة النّهار.

و توضيح المرام و تفصيل الكلام في المقام أنّ هذه الأمارات (تارة) بأجمعها ناهضة على التّكليف إثباتا أو نفيا، و (أخرى) ببعضها، و (ثالثة) ساكتة نفيا و إثباتا بأن لا تكون منها ما يدلّ على واحد منها.

فأمّا الصّورة الأولى، فلا إشكال في الأخذ بموجبها و لو كان نفي التكليف لمكان العلم الإجماليّ بقيام أمارة معتبرة عند الشارع عليه.

و أمّا الصورة الثانية، فكذلك لو كان المؤدّى ثبوت التكليف و لو كان على خلاف البعض الاخر منها، أو أصل عملي في المسألة من البراءة أو الاستصحاب النّافي، لعدم اعتبار الأصول النّافية مع العلم الإجماليّ، بأنّ بعض الأمارات الّتي تكون على خلافها معتبر عند الشارع، و عدم منافاة الاحتياط في المسألة الأصوليّة مع عدم الأخذ بموجب النّافي من الأطراف كما لا يخفى.

و كذلك لو كان المؤدّى نفي التّكليف إذا لم يكن هناك على الخلاف ما يثبته من بعض الأطراف، أو أصل في المسألة من الاحتياط و الاستصحاب عند الشك في المكلّف به و الشك في بقاء التكليف و إلاّ فلا بدّ من الأخذ بموجبة، لعدم العلم بنهوض ما لم يرفع به اليد عمّا يوجبه الأصل، و للعلم بوجود التكليف في موارد الأطراف الملزم للأخذ بموجب المثبت منها لا النافي، و لا ينافي ذلك الاحتياط في المسألة الأصوليّة، كما سبقت إليه الإشارة.

لا يقال: لا مجال للأخذ بموجب النّافي مطلقا للعلم الإجماليّ بالتكليف في موارد تلك الأمارات، لأنّ العلم الإجماليّ به إنّما هو بين موارد المثبتة منها، لا بينها و بين موارد النّافية، مع انّها لو كانت كذلك فأثره من توارد النّافية قد ارتفع بقيام الطرق المعتبرة المعلومة بالإجمال على ما يساوي مقدار ما علم من التكليف، حسبما يظهر وجهه ممّا حقّقناه سابقا فراجع.

و أمّا الصّورة الثانية، فالمرجع فيها هو الأصل في المسألة و إن كان هو البراءة و الاستصحاب النّافي، إذا المفروض وجود الأمارات المعتبرة بقدر الكفاية بينها، بحيث لا يبقى معها مانع من الرجوع إلى الأصول في المسائل، كما سبق تحقيقه، لا الاحتياط مطلقا و لو سلّم كون الموارد الخالية عنها من أطراف العلم.

546

و بما حققناه ظهر الجواب عمّا أورده- (قدّس سرّه)- بقوله: اللّهم لما عرفت من عدم لزوم الاحتياط في موارد الاستصحابات النّافية، و كذا المثبتة لو كان جميع الأطراف على الخلاف، و كذا في الشك في الجزئيّة فيما إذا كان جميعها على عدمها، هذا لو قيل بالاحتياط في الشك فيها، و إلاّ فالأمر سهل، و لعلّ أمره بالتّأمّل إشارة إلى ما ذكرنا.

فائدة لا يخلو ذكرها عن مناسبة المقام:

اعلم أنّ العلم الإجماليّ بخلاف بعض الاستصحابات المثبتة هل هو مسقطة عن الاعتبار و الحجيّة، و إنّما يؤخذ بمؤدّياتها من باب الاحتياط ليعمل بما لم يكن كذلك من الاستصحابات أو لا، بل يعمل بكل واحد منها لحجّيته و اعتباره؟ الظاهر الأخير، لعموم أدلّة الاعتبار و الحجيّة، و عدم تأثير العلم بالخلاف ما ينافي الأخذ بالكلّ، كما لا يخفى.

نعم لو علم إجمالا يكون بعضها فاقدا لبعض شرائط الاعتبار، فالعمل بها إنّما هو باب من الاحتياط، لا لأجل اعتبار الجميع، و من هذا القبيل ما لو علم بقيام الظنّ المعتبر على خلاف بعضها، حيث يكون مورده معيّنا، فيكون الاستصحاب في ذلك المورد غير حجّة، و هذا بخلاف ما لو علم بخلاف بعضها إجمالا، حيث انّه لا تعيين في المورد فيه، ضرورة انّ جميعها على حدّ سواء بالنسبة إلى هذا العلم.

نعم يمكن فرض التّعيين فيه أيضا بأن علم أوّلا موارد الاستصحابات، ثم اشتبهت بغيرها، فيؤخذ بالكلّ أيضا من باب الاحتياط لا الاستصحاب، هذا حال الاستصحابات المثبتة.

و أمّا النّافية، فلا إشكال في سقوطها عن الاعتبار و عدم جواز العمل و لو بواحد منها و إن كان من باب الاحتياط، حيث انّ الأدلّة و ان تعمّها إلاّ انّ العلم بالتّكليف إجمالا، أو قيام أمارة معتبرة عليه في موارد البعض يؤثر تنجزه على المكلّف، و هو يقتضى الاحتياط بالعمل، بخلاف الجميع.

و لا يذهب عليك أنّ هذا إنّما هو فيما إذا كانت الاستصحابات محصورة، و إلاّ فغير ساقطة عن الاعتبار لوجود المقتضى له من عموم الأدلّة و عدم المانع من تنجّز التّكليف، فلا يشكل ما ذكر بلزوم سقوط الاستصحابات النّافية في أبواب الفقه عن الاعتبار، ضرورة العلم إجمالا، بخلاف بعضها، كما لا يخفى.

547

قوله (قده): فتأمّل.

أقول: كما يحتمل أن يكون إشارة إلى الجواب، حسبما سبقت إليه الإشارة، كذا يحتمل أن يكون إشارة إلى أنّه لو سلّم لزوم العسر على هذا الوجه، فمقتضى القاعدة هو التبعيض حسبما عرفت سابقا لا التنزل إلى الظنّ، هذا، فتدبّر.

قوله (قده): فلا فرق بين الظنّ بالواقع- إلخ-.

أقول: و مبرئاً يقينيّا في هذا الحال، إذا المبرئ و المؤمّن من العقاب في نظر العقل حال الانسداد إنّما هو الظنّ بما كان القطع به حال الانفتاح مبرئاً و مؤمّنا، من غير فرق بين الواقع و المؤدى فيما هو همّه من تحصيل الأمن إن لم نقل بأولويّة الظنّ الأوّل من جهة الظنّ بالمصلحة الواقعية فيه أيضا، دون الثاني إلاّ انّه ليس بفارق فيما نحن بصدده، كما لا يخفى.

قوله (قده): فالعقل لا يحكم بتقديم- إلخ-.

أقول: قد عرفت وجهه من مساواتهما بعد التنزّل من القطع لسدّ بابه إلى الظنّ فيما هو همّ العقل إن لم يكن الأوّل أولى.

قوله (قده): إنّ مبنى الاستدلال- إلخ-.

أقول: فعليه يتعاكس الظنّ بالواقع و الظنّ بالمؤدّى في الظنّ بإدراك مصلحة الواقع و مصلحة الطّريق و احتمالها، ضرورة عدم الاعتبار بظن الواقع الغير المحتمل اعتباره و حجيّته، فلا ترجيح بينهما لو لم نقل بترجيح الظنّ بإدراك المصلحة الواقعيّة و احتمال إدراك ما تتدارك به من المصلحة الطّريقيّة على العكس، كما لا يخفى.

قوله (قده): بناء منه انّ الأحكام- إلخ-.

أقول: إنّ ما استظهره المصنف العلاّمة عن كلامه من أنّ قضيّة النّصب هو أنّ غير مؤدّيات الطّرق من الأحكام الواقعيّة غير مكلّف بها فعلا، و قد أغمض عنها الشارع، و إنّما المكلّف به منها ما يساعد عليه الطّريق من ليس بمرامه، حسبما يشهد به صريح كلامه حيث قال بعد جملة من المقال ما هذا لفظه:

«فاتّضح انّ للطّريق ثلاث مراتب لا نعوّل على اللاّحقة منها إلاّ بعد تعذّر السابقة، و نحن حيث علمنا ممّا مرّ أنّ الشّارع قد قرر في حقّنا إلى الأحكام أصولا و فروعا و لو بعد

548

انسداد العلم و ما في مرتبته طرقا مخصوصة لم يجز لنا العدول إلى المرتبة الثالثة و الأخذ بما يقرّره العقل طريقا إلى الأحكام، بل يجب علينا تحصيل تلك الطّرق الّتي علمنا بنصب الشّارع إيّاها و تعيينها بالعلم، أو بما علم قيامه مقامه و لو بعد تعذّره، و مع تعذّر ذلك كلّه كما هو الغالب في حقّنا يجب الرجوع في التّعيين إلى ما يقتضيه العقل بأقوى تلك الأمارات على ما مرّ البيان- انتهى محل الحاجة-».

حيث انّ صريح كلامه هذا كما ترى أنّ سبب عدم التنزّل إلى الظنّ بالواقع عند تعذّر العلم مع النّصب إنّما هو وجود المرتبة السّابقة، و من مراتب الطريق عليه، لا إغماض الشارع عن الأحكام الواقعيّة الّتي لم يساعد عليها الطريق، و انحصار المكلف به فعلا فيما ساعد عليه، و عليه فمعنى قوله: و مرجع القطعين عند التحقيق إلى أمر واحد، أنّ ما تنجّز من الأحكام الواقعيّة على المكلّف إنّما هو خصوص ما أدّى إليه هذه الطرق، إذ المفروض عدم التّجاوز عنها و التّعويل على اللاّحقة، حسب ما فصّله.

و من المعلوم عدم تنجّز ما ادى إليه هذه الطّرق الخاصّة الكافئة من الأحكام لو كان، لا إغماض الشارع عن غير ما أدّى إليه الطّريق و عدم إرادته بحيث لو أتى بالتّكليف، من دون مساعدته عليه وقع لغوا.

و بالجملة المستدل جعل نصب الطّريق بمجرّده و لو لم تكن معلومة تفصيلا مقتضيا لعدم العدول عنها و التّعويل على المرتبة اللاحقة، و العمل بما يقرّره العقل طريقا إلى الأحكام، بل يجب تحصيل تلك الطرق المنصوبة مهما أمكن و لو بالظنّ.

فالتّحقيق في الجواب أنّ الجعل إنّما يوجب ذلك إذا صار المجعول متّصفا بالطّريقيّة فعلا و ما لم يعلم تفصيلا لا يتّصف بها، إذ لا معنى لها إلاّ تشخيص الأحكام الواقعيّة و تعيينها بها.

و من المعلوم ضرورة عدم اتّصافه به بدون ذلك و لو علم إجمالا، لعدم تفاوت الحال مع فرض وجوده كذلك، و فرض عدمه في رفع الإجمال عن الواقع، بل هو بعد باق أيضا على ما هو عليه من الاحتمال، إذ من المعاين بالوجدان أنّ التردّد و الاشتباه في أطراف العلم الإجماليّ بالأحكام قبل فرض تحقق الجعل باق على حاله بعده، مع عدم العلم تفصيلا؛ و أمّا معه فلا اشتباه شرعا حيث تميّزت الأحكام بحكم الشارع عند المكلف، بحيث يكون ما لم ينهض عليه الطريق مجرى للأصل العملي في المسألة، لأنّه حسبما فصّل سابقا، إمّا لم يكن من جملة الأطراف، أو لعدم بقاء أثر العلم الإجماليّ بالاحتياط فيه بعد تعيين ما يساوي قدر المعلوم الإجماليّ شرعا، و لا تأتى شي‏ء من الوجهين بدونه و لو مع العلم الإجماليّ،

549

لعدم تميّز بين الموارد أصلا، و أمّا تميّز موارد الطّريق الجعليّ عن غيرها في الواقع مع العلم الإجماليّ بها ليس بأزيد من تميّز نفس الأحكام في الواقع مع العلم الإجماليّ بها ليس بأزيد من تميّز نفس الأحكام في الواقع مع العلم الإجماليّ بها، كما لا يخفى.

هذا غاية توضيح المرام في المقام.

ثمّ انّه لا يخفى انّ ما نسبه إلى هذا المستدلّ ليس من كلامه، بل من كلام بعض المحقّقين في ذيل الجواب عمّا أورده على نفسه، فراجع كلامهما، إلاّ أن يراد من هذا المستدل، المستدل بهذا الوجه، لا خصوص من تقدّم، و هذا كما ترى.

ثمّ انّه لا يخفى انّ جميع ما ذكر من الإشكال في كلّ مقدّمة من هذا الاستدلال جار في مقدّماته أيضا على ما قرّره المحقق الآتي، حيث لا فرق بينهما، إلاّ في التّعبير في الجملة، فراجع، إلاّ أن ولده الفاضل المعاصر الشيخ محمد باقر- سلّمه اللَّه تعالى- تصدى لدفع الإشكالات عنه على ما قرّره أبوه المحقّق بأداء الفرق بين مرامي والده المحقّق و عمّه المدقّق طاب ثراهما من وجوه، و زعم أنّ منشأ أكثر ما أورده شيخنا العلامة عليه في هذا الباب كما صرّح بذلك، إنّما هو الغفلة عن الفرق، و ملخّص ما أفاده- سلّمه اللّه تعالى- أنّ إثبات الطريق بالظنّ المطلق يتصور على وجهين:

أحدهما أن يقال بحجيّة مطلق الظنّ الواقعي من أيّ طريق حصل إلاّ من الطريق الممنوع عنه.

و الاخر أن يقال بحجيّة الظنّ بالطّريق الفعليّ الّذي يكتفي المكلّف به على ما هو عليه في حكم الشارع به.

و جعل الثاني مختارا لوالده، و الأوّل لعمّه، و عمدة وجوه الفرق الّتي أبداها الّذي بنى عليه دفع الإشكالات هو ما هذا لفظه:

«إنّ الظنّ بالطّريق على الوجه الأوّل تجتمع مع القطع بالبراءة و الظنّ بالبراءة و الشكّ فيها، و الظنّ و القطع بعدمها، لأنّ الطريق المفيدة له تنقسم إلى الأقسام الخمسة، و لذا استثنى صاحب الفصول القسم الأخير، بخلاف الوجه الثاني، فإنّه لا يتصور إلاّ على وجه واحد- انتهى».

و من المعلوم أنّ مراده من الوجه الواحد هو الظنّ بالبراءة، كما صرّح به في أثناء بعض ما أورده تنبيها ليعلم ما هو مقصود والده الماجد- طاب ثراه- بقوله: و إنّما الظنّ بالطريق الملازم للظنّ بالبراءة، هو الظنّ الّذي لا يبتنى على الأسباب الموهومة و المشكوكة، لوضوح أنّ الشك في بعض المقدّمات يستلزم الشك بالنتيجة، و انّما يكون النتيجة مظنونة مع الظنّ‏

550

بجميع مقدّماتها الظنّ ببعضها مع العلم بالباقي، و إلاّ فالنتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين، و هذا هو المراد بالظنّ بالطّريق في مقابل الظنّ بالواقع دون الظنّ بالحجيّة الواقعيّة الّتي هي من الأحكام الواقعيّة- انتهى موضع الحاجة-».

قلت: فليت شعري كيف يتصور و يتعقل ما ذكره من أن الوجه الثاني لا يتصور إلاّ مع الظنّ بالبراءة، و قد جعل الظنّ بالطريق اللاّزم للظنّ بها الظنّ الّذي لا يبتنى على اعتباره الأسباب الموهومة و المشكوكة، و هل هذا إلاّ انّه يستلزم الدّور أو التّسلسل في الظّنون لينهض بعضها على اعتبار بعض اخر، للزوم الانتهاء إلى الشك أو الوهم ان لا ينتج الظنّ بالبراءة حسب ما اعترف، و الانتهاء إلى العلم خلاف الفرض كما لا يخفى، ضرورة انّ الكلام مع فرض انسداد باب العلم أو الظن الخاصّ المنتهى إليه، و الانتهاء إلى ما قام على اعتباره ما قام على اعتباره أيضا، كما إذا قام الإجماع على اعتبار الشهرة، و بالعكس لا يورث واحد منهما الظنّ باعتبار الاخر، و هذا واضح لمن تأمّل.

و من أعجب العجائب ما أجاب به على ما حكاه لي بعض تلامذته مشافهة عنه بعد ما ذكرت له هذا من انّه إذا راجعنا الوجدان ربّما نجد من الظنّ بالطّريق، الظنّ بالبراءة و بشاعة هذا الجواب أظهر من أن يخفى على أحد ذي شعور، ضرورة أنّه لا يتصوّر أن يحصل من الظنّ به مع الالتفات إلى اعتباره و عدمه الظنّ بها، إلاّ إذا ظنّ باعتباره و اعتبار ما قام عليه اعتباره إلى غير النّهاية من غير انتهاء إلى علم أو شكّ أو وهم، و إلاّ فإن انتهى إلى العلم، فهو مع أنّه خلاف الفرض، كما أشرنا إليه آنفا يحصل منه القطع بالبراءة لا الظنّ بها كما لا يخفى، و إن انتهى إلى الشكّ و الوهم، فلا يحصل منه إلاّ الشكّ أو الوهم حسب ما اعترف من تابعيّة النتيجة لأخسّ المقدّمات و انّ الشكّ فيها يستلزم الشكّ فيها.

و الحاصل انّ مع الالتفات لا يتصوّر الظنّ بالبراءة إلاّ بالتّسلسل في الظنون أو الدور، و أمّا بدونه فإنّه و إن ربّما يحصل له الظنّ إلاّ انّه لا اختصاص له بطريق دون اخر، بداهة، ضرورة انّ الطرق المظنونة في ذلك مستوية الإقدام، هذا.

ثمّ اعلم انّه يمكن أن يوجّه مرامهم و إن لم يساعد عليه كلامهم بما وجّهنا به مقالة الأخباريين في عدم حجيّة القطع المستند إلى المقدّمات العقليّة في الأحكام، و بيانه في المقام أن يقال انّه لمّا كانت الإطاعة هو الائتمار و الانتهاء على نحو يطابق غرض المولى لا مطلقا، حسب ما حققناه سابقا، و كان من المحتمل أن يكون غرض الشارع من الأوامر و النّواهي ما لا يحصل إلاّ بالايتمار بحسب ما قام عليه الطريق المعتبر من الأوامر و النّواهي‏

551

الواقعيّة، و أمّا ما لم يقم عليه الطريق فمجرّد العمل على طبقها اتفاقا غير محصّل للغرض، فيبقى بعد على العهدة كان الواجب عدم التعبّدي عمّا أدّى إليه الطرق المعتبرة علما لو أمكن، و إلاّ ظنّا حيث لم يكن غيره محصّلا للغرض جزما على حسب الفرض، فمجرّد الظنّ بالواقع من دون الظنّ باعتباره غير كاف، حيث لم يكن بما هو كذلك محصّلا للغرض، فلا بدّ من التنزّل إلى ما ظن اعتباره فقط، ضرورة انّ المبرئ و المؤمن بحكم العقل حال الانسداد، ليس إلاّ الظنّ بما كان العلم به حال الانفتاح مبرئاً، و مؤمّنا، هكذا ينبغي أن يوجّه المقام.

و لا يخفى أنّه ينحصر دفع ذلك بسدّ احتمال ما ذكر في تحصيل الغرض بالوجدان أو البرهان، فافهم و اغتنم.

قوله (قده): الوجه الثاني ما ذكره- إلخ-.

أقول: و ملخّصه انّه لما كان الواجب علينا حال الانسداد التنزل إلى الظنّ بما كان الواجب علينا حال الانفتاح تحصيل القطع به، و هو ليس إلاّ حكم الشارع بالفراغ وجب التنزل حال الانسداد إلى الظنّ بالطريق دون الواقع، ضرورة أنّ الظنّ بالثاني غير مستلزم الظّن بالحكم بالفراغ، كيف و هو يجتمع مع القطع بالحكم بعدمه، بخلاف الظنّ بالأوّل، إذ لا معنى لاعتبار شي‏ء و حجيّته عند الشارع إلاّ حكمه بكون ما أدّى هو إليه مبرئاً للذّمة مفرّغا لو أتى به فيكون الحكم بالفراغ مظنونا بنفس الظنّ بالطّريق و لو كان ممّا قطع بعدم اعتباره.

و من هنا انقدح فساد ما ربّما يتخيّل انّه يرد عليه من أنّ الظنّ بالطريق مثل الظنّ بالواقع غير مستلزم للظنّ بالحكم بالفراغ حتّى يجب التنزّل من القطع إليه بدونه، حيث انّه ربّما يكون ممّا قطع بعدم اعتباره، فلا تغفل.

قوله (قده): و فيه انّ تفريغ الذمّة- إلخ-.

أقول: توضيحه أنّ همّ العقل إنّما هو تحصيل الأمن من العقاب في جميع الأحوال، كما هو معلوم، بداهة من الوجدان لا تحصيل الحكم بالفراغ بما هو هو، ضرورة أنّه لا يتعلّق به بما هو كذلك غرض له أصلا كما لا يخفى. و هو يستقل بأنّ المؤمّن حال الانسداد إنّما هو الظنّ بما كان القطع به حال الانفتاح مؤمّنا و هو الأمان بكلّ واحد منهما من الواقع، و ممّا جعله الشارع واقعا من مؤدّى الطريق من غير تفاوت بينهما في نظر العقل فيما هو همّه‏

552

فالظنّ بكلّ واحدة منهما حال الانسداد يكون مؤمّنا بحكمه من غير تفاوت في ذلك بينهما أصلا أيضا في نظره لو لم يكن الأوّل أولى حسبما سبقت إليه الإشارة في كلام الجملة.

و بالجملة لا فرق في نظر العقل بين الواقع و المؤدّى أصلا في حال الانفتاح و لا في حال الانسداد فكما أنّ القطع بكلّ واحد منهما مؤمّن قطعيّ في تلك الحال، فكذلك الظنّ بكلّ منهما مؤمّن في هذه الحال و مبرّئ يقيني في هذا المجال بلا ريب و إشكال فلا تغفل و استبصر.

قوله (قده): فالحكم بأنّ الظنّ- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّ المستدلّ لم يحكم بأنّ الظنّ بالسلوك يوجب الظنّ بالبراءة دون الظنّ بأداء الواقع، بل ما حكم به حسبما يشهد به ظاهر كلامه، بل صريحه أن الأوّل يوجب الظنّ بحكم الشارع بالبراءة لأنّها نفسها بخلاف الثاني، و قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ الأمر كذلك.

لكن قد ظهر ممّا سبق من الكلام أنّ هذا الفرق غير مفيد في المقام، لما هو نحن بصدده من المرام و إن كان مفيدا له لو لا هدمنا لما أسّسه من البنيان من أنّ الواجب بحكم العقل و الوجدان تحصيل العلم بحكم الشارع بالفراغ، فانّه لو صحّ ذلك يجب التنزّل إلى الظنّ بالطّريق حال الانسداد، حيث انّه يستلزم الظنّ بالحكم بالفراغ حسبما عرفت، و ذلك لوضوح وجوب التنزّل حال الانسداد إلى الظنّ بما كان تحصيل القطع به واجبا حال الانفتاح، هذا.

و قد انقدح بما ذكرنا أيضا انّه ليس منشأ ما ذكره المستدلّ- طاب ثراه- كما ذكره المصنف: تخيّل انّ نفس السّلوك بالطريق- إلخ-، بل ما عيّناه، فلا تغفل و تأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام.

قوله (قده): هذا كلّه مع- إلخ-.

أقول: لا يخفى عدم ابتناء هذا الوجه على دعوى العلم الإجماليّ بالنّصب مثل الوجه الأوّل حتّى يتوجّه عليه ما يتوجّه على ذلك من إمكان المنع، و ذلك لبداهة تحقق الظنّ الابتدائيّ بالطّريق من دون سبق علم أصلا، كما لا يخفى.

قوله (قده): و التّحقيق أنّه- إلخ-.

أقول: قد أورد عليه بأنّ ظاهره أنّ تقريري الحكومة و الكشف غير مختلف الثمرة من‏

553

التعميم و الإهمال فيما إذا جرت المقدّمات في مسألة واحدة، بل قضيّة كلّ منهما اتباع الظنّ الحاصل في تلك المسألة من أيّ سبب كان و ليس كذلك، ضرورة ظهور الثّمرة بينهما فيما إذا اجتمع في تلك المسألة الظنّ بالواقع مع أحد الطرق الظنيّة على الخلاف، أو اجتمع اثنان فيها مع مخالفتها في المؤدّى، أو أزيد كذلك، و كان منشأ الظنّ في كلّ غيره في الاخر، فإنّه على تقرير الكشف هنا يأتي ما هو قضيّة التّعيين مع المعيّن، و التعميم مع عدمه، أو الأخذ بالقدر المتيقن، حسبما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا على تقرير الحكومة فالتّعميم ليس إلاّ، و لازمه في المقام التّخيير حيث لا يمكن العمل بالجميع، و كذا لو بنى عليه على تقرير الكشف كما إذا تعارض فردان من نوع على ما لا يخفى.

نعم لو لم يكن فيها إلاّ واحد امّا الظنّ بالواقع أو واحد منها يتمّ ذلك، كما لا يخفى.

قلت: الظّاهر أنّ مراده ليس نفي اختلافهما في الثمرة رأسا، بل مجرّد عدم اختلافهما في وجوب اتّباع الظنّ فيها لا محالة و إن اختلفا في كيفيّة الاتّباع حسبما سبقت إليه الإشارة و سيأتي مفصّلا، فإنّه يعمل لا بدّ بواحد منها من باب التّخيير بعد التّعميم، أو لتعينه بالمعيّن أو كونه قدر متيقّن بالنّسبة إلى الباقي، بخلاف ما إذا جرت المقدّمات بملاحظة مجموع المسائل، فإنّه ربّما لا يعمل بالظنّ الحاصل في المسألة على تقرير الكشف، كما يأتي بيانه مفصلا إن شاء الله تعالى، فلا تغفل.

قوله (قده): و هذا المقدار لا يثبت إلاّ وجوب- إلخ-.

أقول: لا يخفى أنّ هذا مع قطع النّظر عن حكم العقل عند التبعيض، و إلاّ فالتعميم ثابت بحسب الأسباب في هذا الباب، كما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

قوله (قده): و امّا ان يقرّر- إلخ-.

أقول: الظّاهر انّ هذا تقرير الحكومة على تقدير إنتاج المقدّمات طريقيّة الظنّ و حجيّته و الإغماض عمّا هو التّحقيق من عدم إنتاجها إيّاها، بل التّبعيض في الاحتياط حيث لم يبطل الاحتياط رأسا، حسبما سبق تفصيله و سيجي‏ء أيضا لا تقرير لها على تقدير التبعيض، و إن يوهمه ما سيجي‏ء منه في بيان التّعميم بحسب المرتبة على تقرير الحكومة فراجع، إلاّ انّه مبنىّ على عدم الإغماض عمّا هو التحقيق، كما لا يخفى على المتأمّل.

و يشهد على ما ذكرنا أنّ تقرير الحكومة هنا على تقدير تقدير الكشف لا على‏

554

تقدير اخر، و لا شبهة في أنّه على تقدير تماميّة المقدّمات في الإنتاج كما لا يخفى؛ و في ملاحظة جعله المنشأ في حكم العقل وجوب الامتثال الظنّي و مقايسته بالامتثال القطعي و رفعه توهم انفكاك حكم العقل من الشرع كفاية للشّهادة على ما ذكرناه، حيث انّه ليس حكم العقل بترجيح المظنونات على غيرها عند التبعيض من الإطاعة الظنّية و موردا للتّوهم كما لا يخفى.

و هذا الإطناب لسدّ باب احتمال كون التقرير تقريرا لحكومة العقل عند التبعيض، كما نسب إلى سيّدنا الأستاذ- دام ظله العالي-.

قوله (قده): مدفوع بما قرّرناه- إلخ-.

أقول: أمّا عدم قابليّة المقام للحكم الشرعي فلأنّ الكلام فيه (تارة) فيما هو راجع إلى فعل اللَّه تعالى، كحسن مؤاخذته تعالى العبد به و قبح المؤاخذة بأزيد منه؛ (و أخرى) فيما هو راجع إلى فعل العبد، كوجوب الإطاعة الظنيّة عليه و قبح العمل بالموهوم.

و من المعلوم عدم قابليته من الجهة الأولى للحكم الشّرعي، إذ لا يتصوّر الحكم الشرعي في أفعاله تعالى، و كذا من الجهة الثّانية حيث انّه مرتبة من مراتب الإطاعة، و قد مرّ مرارا أنّ حكم العقل بلزومها غير مستلزم للحكم الشرعي به و إلاّ لتسلسل، و قد عرفت سابقا في مبحث التجرّي ما هو التّحقيق في وجه ذلك، فراجع.

قوله (قده): لا يقدح في إهمال النّتيجة.

أقول: الظّاهر أنّ العقل لا يقف عن الحكومة بمجرّد احتمال النصب، بل له هذا المنصب ما لم يحرز بشهادة الوجدان بكفاية انسداد باب العلم بالطّريق دون الاحتمال أيضا في التنزّل إلى ما هو المرتبة الثّانية من الإطاعة بحكم العقل، هذا.

قوله (قده): لأنّه أمر ممكن- إلخ-.

أقول: بل واقع كثيرا كما لا يخفى، و مناط جعل الشّارع و نصبه الطّريق غير معلوم عند العقل فيتمكّن به من تعيين المجهول المنصوب، و هذا واضح.

قوله (قده): إلاّ أن يدّعى الإجماع.

أقول: و لا يتوهّم انّ الإجماع على ذلك يستلزم الإجماع على نصب الظنّ، لأنّه من‏

555

الممكن عدم النّصب و الحوالة إلى ما يحكم به العقل، كما هو كذلك على تقرير الحكومة كما لا يخفى.

قوله (قده): فتسميته دليلا عقليّا- إلخ-.

أقول: لا يخفى انّ هذا كذلك لو ادّعى الإجماع على حجيّة مطلق الظنّ، و أمّا إذا ادّعى على الملازمة بين الحجيّة في الجملة و بينها مطلقا، فالوجه انّ الملازمة أيضا من المقدّمات الّتي لا بدّ منها في استكشاف الحجيّة مطلقا.

و قد عرفت ان المثبت للجلّ لو لم يكن للكلّ إنّما هو الإجماع، و لا خصوصيّة لها من بينها، فيضر إثباتها في التّسمية دونها، و السّر في ذلك مع أنّ جلّ المقدّمات لو لم يكن كلّها سمعيّة أنّ الدليل في الحقيقة هو ما استقلّ به العقل من لزوم نصب مطلق الظنّ بعد إحراز جميع ما ذكر في إثبات المقدّمات، و حكمه بلزومها إيّاه من جهة لزوم القبح و نحوه لولاه مع تحققها غير حكمه بالملازمة بين المقدّمات الشرعيّة و نتيجتها، كما لا يخفى على من تأمّل، و لا يضرّ في كونه عقليّا إحرازها بالأدلّة الشرعيّة، إذ من المعلوم أنّ استقلال العقل بلزوم أمر لأمر اخر، لا على تحقّق الأمر الملزوم، فضلا عن لزوم إثباته بالعقل، فتأمّل.

قوله (قده): فيثبت التعميم لبطلان الترجيح من دون مرجّح.

أقول: و اعلم انّ التعميم بهذا الوجه مبنىّ على أن يكون النتيجة نصب الطريق الواصل إلى المكلّف، لا مجرّد النصب و لو لم يصل إليه، و إلاّ فلا يثبت به التعميم، ضرورة انّه لا ينحصر الأمر فيه معه، إذ لا ضير في بقائه على إهماله و إجماله معه، بخلاف ما إذا كان لا بدّ من أن يصل، فلا مجال لبقائه على الإهمال و الإجمال، هذا.

قوله (قده): لاندفاعه بأنّ المراد- إلخ-.

أقول: و قد علم حجيّة هذا المقدار بدليل الانسداد بعد القطع من الخارج بالتلازم بين الحجيّة في الجملة و حجيّته بالخصوص، لا أنّه قد علم حجيّته تفصيلا من الخارج كي يندرج في الظنّ الخاصّ، و لعلّ أمره بالتأمّل إشارة إلى هذا.

و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما أشار إليه آنفا في الوجه الثالث من وجود فساد تقرير الكشف من أنّه مرجع الأمر بالاخرة إلى دعوى الإجماع على حجيّة هذا المقدار، و عليه يلزم أن يكون من الظنون الخاصّة حيث ثبت حجيّته بغير دليل الانسداد، فلا تغفل.

556

قوله (قده): إلاّ أن يؤخذ بعد الحاجة- إلخ-.

أقول: هذا لو كان قدر متيقن كذلك في البين بأن لا يكون غير ما اجتمع فيه القيود الخمسة من الاحتمالات متساوية الإقدام، بل كانت متفاوتة و كان بعضها متيقّنا بالإضافة إلى بعضها الاخر، و هذا غير واضح، مع أنّه لو كان كذلك أيضا نعلم أيضا بوجود مخصّصات و مقيّدات للمتيقّن بالإضافة في الأمارات الاخر، فلا يصلح المتيقّن بالإضافة مقيّدا أو مخصّصا، كما لا يخفى، و لعلّ أمره بالتأمّل إشارة إلى ذلك، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): مع أنّ الظنّ المفروض.

أقول: و فيه ما لا يخفى، حيث انّ الظنّ على تقرير الكشف حجّة بالخصوص بدليل خاص، غاية الأمر استكشاف ذلك بدليل الانسداد لا أنّه دليل بنفسه على الحجيّة، و لعلّ أمره بالتأمّل إشارة إلى ذلك.

قوله (قده): و بعبارة أخرى.

أقول: فيه إنّما يرد ذلك لو أريد بالترجيح و التّعيين عند الإهمال بالظنّ من دون إجراء دليل الانسداد اخر في تعيين المتّبع، و سيجي‏ء من المصنّف تعيينه به بجريان دليل الانسداد الاخر في هذه المسألة، و كلام المورد صريح في إجراء دليل الانسداد الاخر في ذلك، كما لا يخفى.

قوله (قده): فإنّ الأوّل محال لا قبيح.

أقول: و ذلك لأنّ المراد في المرجّح في الأوّل هو العلّة التّامّة، و من المعلوم استحالة وجود الممكن بدونها، و في الثاني، بل، و في كلّ ما كان وجوده منوطا بالإرادة و الاختيار كأفعال مثل الأكل و الشرب و نحوهما، هو ما يصلح أن يكون موجبا (1) للإرادة و الاختيار عند العقلاء، فالتّرجيح بلا مرجّح على الأوّل بلا علّة، و على الثاني بدون ما يصلح أن يكون موجبا للإرادة و الاختيار عند العقلاء و إن كان صالحا لذلك عند غيرهم، فالشي‏ء بدون المرجّح بالمعنى الأوّل محال، و بدونه بالمعنى الثاني سفهي لا مجال لتحقّق علّته التّامّة و هي الإرادة، هذا.

____________

(1)- خ ل: داعيا.

557

قوله (قده): فالّذي ينبغي أن يقال علي تقدير صحته.

أقول: التّحقيق أن يقال: انّ اللازم على تقرير الكشف مطلقا هو الاقتصار على القدر المتيقّن على حسبما ذكره فيه من التّفصيل لو كان، و إلاّ فإن جعلت النتيجة نصب الطّريق الواصل، فالظّاهر أنّ قضيته التّعميم و الأخذ بالكلّ، حيث انّ الصّالح للوصول حينئذ ليس إلاّ الجميع لا البعض، لعدم إمكان وصوله مع عدم معيّن له على ما هو المفروض و إن جعلت نصبه، و لو لم يصل فاللاّزم أوّلا الاحتياط في الطّرق، حسب تفصيل تقدّم ذكره عند الإيراد على من جعل النتيجة حجيّة الظنّ في الأصول، و لا نطيل الكلام بالإعادة.

ثمّ لو قام دليل على بطلانه أو استلزم العسر، فإن كان هناك ظنّ عمل به في تعيين المتّبع إذا كان واحدا و قام على حجيّة الكلّ أو المقدار الكافي أو متعدّدا إذا لم يكن كلّ واحد منها، بحيث يقوم على اعتبار طائفة من الأمارات كافية في الفقه، بل كان المعتبر بجميعها بمقدار الكفاية لجريان مقدّمات الانسداد في نفس هذه المسألة، أعنى تعيين ما هو المتّبع كما لا يخفى، و إلاّ فإن لم يكن هناك ظنّ، أو كان و لم يقم على مقدار الكفاية واحدا كان أم متعدّدا، فلا بدّ من التّوقف لمكان الإهمال و الإجمال و عدم معيّن لما هو المتّبع، مع عدم لزوم الوصول على ما هو المفروض كي يحكم بالتّعميم بعد بطلان التّخيير.

و أمّا إذا كان متعدّدا بحيث يقوم كلّ واحد على طائفة من الأمارات كافية في الفقه، فالكلام حينئذ هو الكلام في تعيين المتّبع، أو لا، فيتوقّف، أو لم يكن ظنّ بالاعتبار مطلقا، أو بقدر الكفاية و يعمل بالظنّ باعتبارها جميعا أو مقدارا كافيا، متحدا كان أم متعدّدا، بحيث لم يقم كلّ واحد منها على طائفة وافية.

و أمّا إذا كان كلّ واحد منها على ذلك، فالكلام الكلام إلى أن ينتهى إلى ما لم يكن هناك ظنّ أو ما بحكمه فيتوقّف، أو إلى ما كان هناك ظنّ واحد أو ما بحكمه حسب ما عرفت، فيؤخذ به في تعيين المتّبع.

و من جميع ما ذكرنا ظهر أنّ ما حكم به من أنّ اللاّزم بعد فقدان القدر المتيقّن هو الأخذ، لبطلان التّخيير بالإجماع، و بطلان طرح الكلّ بالفرض، و فقد المرجح إنّما يصحّ ذلك أو فرض أنّ النتيجة هو نصب الطّريق الواصل كما عرفت، و أنّ اللازم معه هو الأخذ بالكلّ مطلقا و لو كانت على المقدار الكافي منها أمارة أو أمارات حسبما عرفت، هذا.

ثمّ انّه لا يخفى أنّ الحكم في المقام بوجوب الأخذ بالظنّ بالطّريق خاصّة في كلّ مورد جرى دليل الانسداد في تعيين المتّبع منه فيه حسب ما فصّل إنّما هو على دعوى الكشف فيه أيضا، فلا منافاة بينه و بين الحكم في مقام ردّ صاحب الفصول بعدم اقتضاء المقدّمات‏

558

المذكورة في كلامه، حجيّة الظنّ في خصوص الطّريق، مع أنّ المقدّمات هاهنا هي تلك المقدّمات بعينها، من غير فرق أصلا إلاّ انّ العلم بالنّصب هاهنا و إثباته من الانسداد الأوّل، و هناك من الخارج، و هذا ليس بفارق ضرورة على ما لا يخفى، و ذلك لأنّ الحكم في ذاك المقام على الحكومة دون الشك، و إلاّ فلو بنى على حكومة العقل هاهنا أو على الكشف هناك، فالحكم واحد في المقامين لما ذكر من اتّحاد المقدّمات، فلا تغفل.

قوله (قده): فالتّعميم و عدمه لا يتصوّر.

أقول: هذا إنّما يتمّ فيما إذا علمنا بعدم النّصب أصلا، أمّا إذا ظنّنا أو احتملنا النّصب لطائفة خاصّة، فالظّاهر حكم العقل بسلوك طريق ظنّ اعتباره، لأنّه أقرب إلى حصول الامتثال عمّا إذا لم يكن كذلك، و كذا المشكوك بالإضافة إلى الموهوم، لكن هذا إذا تساوت الظنون مرتبة، و إلاّ فربّما يكون غير مظنون الاعتبار، لقوّته أقرب إلى الامتثال منه لضعفه، فيتعيّن في حكم العقل إذ المعيار في حكمه هو الأقربيّة إلى الامتثال، هذا.

قوله (قده): و أمّا العمل في المشكوكات.

أقول: يمكن أن يقال أنّ المشكوكات لما كان المظنون بالظنّ الاطمئناني فيها اتّباع الأصل في خصوص كلّ مورد منها، و كان على تقرير الحكومة لا يفرق بين الظنّ بالطّريق و الحكم كان المتّبع فيها هو الأصول الجارية في خصوص مواردها و لو لم يلزم العسر من انضمامها إلى الموهومات، لكونها على هذا من جملة الموارد الّتي عمل فيها بطريق ظنّ اعتباره بالظنّ الاطمئناني، فالنّتيجة على هذا مساوية لحجيّة مطلق الظنّ في العمل، هذا و لو أغمض عن عدم كونها من أطراف العلم الإجماليّ و سلّم كونها كذلك على ما لا يخفى، هذا.

قوله (قده): فإن ادعى ذلك.

أقول: بل هذا هو الظّاهر، لأنه لو اخرج من موارد الأمارات و الأصول المثبتة ما يساوي المعلوم الإجماليّ، بحيث لا يبقى العلم الإجماليّ و انضمّت إلى الباقي موارد الأصول النّافية، فالظّاهر عدم حصول العلم الإجماليّ ليكون الموارد المشكوكة الّتي تكون مجاري للأصول النّافية من الأطراف.

و أمّا ما يكون مجاري للأصول المثبتة، فالمتّبع فيها هو الأصول و لو كانت من الأطراف،

559

بل و لو كان العلم بينها لا الاحتياط، لما سبقت إليه الإشارة من أنّه لا محلّ للقاعدة مع الأصل و ثبوت العلم الإجماليّ قبل استقصاء الأمارات و قبل الاطّلاع عليها لا ينافى الاختصاص بعدها، لإمكان خلط غير ما هو من الأطراف بها قبل المراجعة و تميّزه عنها بعدها، كما قد يتّفق تعيين الأطراف في طائفة من القطيع بعد الملاحظة بعد ما كان العلم بحرمة شاة منها إجمالا في الجملة، من دون تعيين كون الكلّ أو طائفة منه أطرافا له، و هذا واضح.

قوله (قده): ليرتفع الإجمال.

أقول: لا يخفى أنّ إشكال عدم ارتفاع الإجمال غير مرتفع و لو كانت النتيجة حجيّة الظنّ، إذا المنشأ و هو العلم الإجماليّ بورود التّخصيص عليه باق بحاله مع الظنّ بما يساوي العلوم من التّخصيصات أيضا و لو كان حجّة، ضرورة عدم تعيّن المعلوم الإجماليّ فيما ظنّ به من الأطراف، بل التردّد بينه و بين غيره بعد باق بحاله، كما لا يخفى.

نعم يترتّب عليه جميع آثاره الشرعيّة، و من المعلوم أنّ الارتفاع للإجمال ليس أحدها فيجوز التمسّك به في باقي الأطراف من المحتملات.

و الحاصل أنّ الإشكال مشترك الورود لا اختصاص له بما إذا لم يكن النتيجة حجيّة الظنّ؛ و دفعه منحصر بدعوى اختصاص المعلوم إجمالا بموارد الأمارات و ليست بالبعيد، و ذلك لأنّ العلم إجمالا بالتّخصيص لا منشأ له إلاّ قيام الأمارات عليه، و الظّاهر عدم بقائه لو أخرج منها ما يساوي المعلوم إجمالا و انضمّ إلى الباقي غير مواردها من مشكوك التّخصيص، كما لا يخفى.

فإن قلت: هب بقاء العلم الإجماليّ مع قيام الظنّ المعتبر على بعض الأطراف، إلاّ انّ أثره قد ارتفع به كما قد يرتفع به أثره من المنع من الرّجوع إلى الأصول العمليّة في غير المظنون من الأطراف.

قلت: فرق واضح بينهما لأنّ منعه من الرّجوع إلى الأصول العمليّة في الأطراف من جهة تنجّز التّكليف الّذي يكون بينها المنافي لإجراء البراءة في جميعها و إجرائها في بعضها دون بعضها ترجيح بلا مرجّح، و بعد قيام الأمارات المعتبرة على بعضها يكون إجراؤها في باقي الأطراف سليما عن المعارض، بخلاف منعه من الرّجوع إلى الأصول اللفظيّة، حيث انّه من جهة انّه يعرض به الإجمال على العامّ المانع عن التّمسك به في موارد الإشكال.

نعم لو قيل باعتبار أصالة الحقيقة من باب التعبّد لا الظّهور النّوعي، لجاز التمسّك بها مع‏

560

قيام الأمارات على التّخصيص في بعض الأطراف، لأنّه على هذا ليس وجه المنع عن الرّجوع فيها إلاّ ما هو الوجه في الرّجوع إلى الأصول العمليّة من منافاة العلم بالتّخصيص إجمالا، لإجراء أصالة عدم التّخصيص في الطّرفين و لزوم التّرجيح بلا مرجّح من إجرائها في أحدها دون الاخر، و هذا يرتفع بقيام الأمارة على أحدها لبقائها في الاخر سليمة عن المعارض، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): و أمّا على تقرير الحكومة.

أقول: قد عرفت أنّ للحكومة تقريرين يكون أحدهما بناء على إنتاج المقدّمات حجيّة الظنّ، و الاخر بناء على إنتاجها التبعيض لا الحجيّة، فهل الإشكال يعمّهما أو يختص بالأوّل؟ الظّاهر بل المتيقّن هو التّعميم لاطّراد منشائه، و هو اتحاد الظنّ الحاصل من القياس مع الحاصل من غيره فيما هو مناط حكم العقل بالأخذ بالظنّ حجّة أو مرجّحا على التقريرين، و هو أقربيّته إلى الواقع، فكيف يحسن عند العقل النّهى عن الأخذ بالظنّ، القياسي، حجّة أو مرجّحا، مع أنّ فيه بنظره ما هو المنشأ و المناط لحكمه بالأخذ بالظنّ، حجة أو مرجّحا، فمنشأ حكمه على التقديرين مشترك بين الظنّ القياسي و غيره، فكيف يحسن عنده منعه عن الأخذ به مرجّحا، مع أنّ فيه بعينه كان منشأ حكمه بأخذ غيره، حسب ما عرفت، فلا تغفل.

قوله (قده): هذا و إن كان.

أقول: قد سبقت الإشارة إلى وجوه الإشكال على هذا الوجه في النّظير من لزوم اجتماع المصلحة و المفسدة و ما يتبعهما من الصّفات في موضوع واحد، و غيره من الإشكالات، و هي بجميعها آتية هاهنا حسب ما يعرف من المراجعة إلى هناك من غير حاجة إلى الإعادة، امّا غير لزوم الأمر بالمتناقضين أو الضدّين فواضح، و امّا هو فلوضوح لزومه فيما إذا أدّى إلى عدم وجوب ما يضادّ الواجب أو يناقضه و كان وجوبه على مقتضى الأصل، فالنّهي عنه و الإرجاع إلى قضيّة الأصل يستلزم الأمر بالضّدّين أو المتناقضين.

نعم يتعاكس المقامات في الإشكالات عند المخالفة و المطابقة، ضرورة أنّ هذه الإشكالات في المقام إنّما هو على تقدير المطابقة، كما هي في ذاك المقام على تقدير المخالفة، فلا تغفل.

و قد عرفت عدم إمكان الذّبّ عن جلّها على هذا الوجه، و هذا قد أغمض عنه‏

561

المصنّف العلاّمة، و زاد لفظ الأمر هناك عند قراءتنا عليه الكتاب، فعلم انّه لا حسن في هذا الوجه أصلا، بل الحسن كلّه في وجه اخر يكون نظير ما اخترناه من الوجه في الذّبّ عن الإشكالات في الأمر بالطّريق مع الانفتاح، و هو أن يقال النّهى عن القياس إنّما هو المصلحة فيه يكون ترك مراعاتها لدرك مصلحة الواقع قبيحا، و به يذبّ عن باقي الإشكالات، حسب ما مرّ توضيحه بما لا مزيد عليه فلا نطيل الكلام بالإعادة، لأنّ في المراجعة إلى ثمّة كفاية.

فإن قلت: ما اختاره من هذا الوجه و الوجه الأخير، و كذا بعض الوجوه السابقة كما يصحّح بها النّهى عن العمل بالظنّ القياسي، كذلك يصحّح بها النّهى عن العمل بالقطع المستند إلى بعض الأسباب كما ذهب إليه بعض الأخباريين، و المصنّف قد شدّد النّكير على ذلك حسب ما تقدّم، و ذلك بأن يقال انّ النّهى عنه أيضا يكشف عن وجود مفسدة غالبة على المصلحة المدركة على تقدير العمل به، أو يكشف عن كونه غالب المخالفة، فإذا كشف الشّارع عن حاله و تبيّن عند العقل، فيحكم بعدم جواز الرّكون إليه بمفهومه و كليّه قبل حصوله لانكشاف غلبة مخالفته، و بعد حصوله لإمكان حمل المقاطع النّهى في هذا المورد الشخصي على عدم إرادة الواقع فيه منه لأجل الاطّراد، لئلا يقع في مخالفة الواقع في الموارد، لأنّه و إن كان لا يحتمله في المورد إلاّ انّه يعترف بأنّ صيانته عنها يتوقّف على ذلك، و بدونه يقع فيها قهرا، كما أنّه مع حكمه بأقربيّة الظنّ، لا الواقع بعد حصوله لا يقبح‏ (1) عنده النّهى لإمكان حمله على عدم إرادته الواقع منه في المورد لئلا يقع في المخالفة كثيرا في الموارد الّتي يحصل له فيها الظنّ.

قلت: ليس الأمر فيما ذكر كذلك، و ذلك لأنّه لمّا كان القطع ينكشف به الواقع تمام الانكشاف عند القاطع، كما إذا رآه عيانا، بحيث يلاحظ بعنوانه الواقعي، لا بما أعرضه من عنوان المقطوعيّة و المعلوميّة، و يجعله موضوعا للأحكام و الآثار، و حكما للموضوعات من دون توسيط ذلك العنوان، حسبما يشهد به الوجدان و كان الالتزام بما أدّى إليه و الأخذ به إنّما هو نفس الواقع، لا بما هو مؤدّى طريق كذا لم يكن للالتزام بالمؤدّى عنوان غير عنوان الالتزام بمؤدّاه و العمل به حتّى يقال فيه بما هو سلوك لطريق كذا و عمل به مفسدة غالبة على مصلحة الواقع.

و هذا بخلاف الظنّ حيث لم ينكشف الواقع به تمام الانكشاف عند الظّان حتّى لا

____________

(1)- خ ل: يصحّ.

562

يحتاج إلى ذلك كما لا يخفى، و ليس الالتزام به إلاّ لأجل كونه مؤدّى الطّريق و العمل به، فيصحّ أن يكون فيه بهذا العنوان مفسدة غالبة على ما فيه بعنوانه الواقعي من المصلحة.

و الحاصل انّ الأخذ بالواقع و الالتزام به لا يعنون بغير ما له من العنوان الواقعي إذا أدّى إليه العلم، بخلاف ما إذا أدّى إليه الظنّ حيث انّ ذلك بما هو أخذ و التزام بما أدّى إليه الظنّ، فيكون فيه بهذا العنوان مفسدة غالبة على ما في الواقع من المصلحة.

و ممّا حقّقناه ظهر لك حال وجه الأخير.

توضيحه أنّه قد عرفت ان الالتزام بعد حصول القطع إنّما هو التزام بالواقع بما هو واقع، لا بما هو مؤدّى الطّريق، فلا مجال للنّهي عن السلوك حينئذ عند القاطع، إذ لا معنى له حينئذ، إلاّ أن يكون بمعنى النّهى عمّا أدّى القطع إلى كونه مأمورا به بما يكون به كذلك من العنوان، و لا معنى للإغماض عن الواقع حينئذ، و إلاّ لزم الخلف إذ المفروض علمه بثبوته و تحققه بالفعل، فكيف يعتقد عدمه بإغماض الشارع عنه، و هذا بخلاف الظنّ على ما لا يخفى.

هذا كلّه بعد حصول القطع، و أمّا قبل حصوله، فالنّهي عنه غير معقول بعد عدم إمكان النّهى عنه بعده، و هذا واضح لمن تأمّل.

ثمّ لا يخفى انطباق ما ذكرناه سؤالا و جوابا على ما ذكرناه من الوجه، فلا تغفل.

ثمّ لنا في المقام وجه اخر نظير ما وجّهنا به ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز الاستناد إلى العقل لا بأس بالإشارة إليه و إن لم يساعد عليه أخبار الباب‏ (1)، و هو أن يكون النّهى لأجل أنّ غرض الشارع من التكاليف لا يحصل إلاّ بامتثالها بغير هذا الطّريق، و ما لم يحصل الغرض لم يحصل الإطاعة، لما سبق تحقيقه من انّها ليست إلاّ الائتمار و الانتهاء على نحو يطابق الغرض و يحصل به، لا كيف ما اتّفق، و لهذا نهى عنه الشّارع ليسلك عن غيره في الإتيان بالتّكاليف ليحصل غرضه فتحصل الإطاعة.

قوله (قده): الا ترى انّه يصحّ.

أقول: لا يذهب عليك أنّ هذا لا ينافي ما حقّقناه سابقا و اعترف به المصنّف قبيل ذلك من عدم إمكان النّهى عن العمل بالعلم، لأنّ المراد تنظير علية اطراد الحكم لا الإغماض عن الواقع بعلّة حسم مادّة الوسوسة بالإغماض عن اشتراط الصّلاة بطهارة

____________

(1)- الكافي: 1- 57- وسائل الشيعة: 18- 150.

563

الثّوب في الوسواسي، و لا غرو في أن يكون الحسم فيه مانعا عمّا يقتضى اشتراطها بالطّهارة، لا تصحيح ذلك مع علم الوسواسي بالاشتراط مطلقا و لو في حقّه، كما ربّما يتوهّم، فلا تغفل.

قوله (قده): و لازم بعض المعاصرين.

أقول: هذا إنّما يصحّ لو كان الظنّ الممنوع في المسألة الفرعيّة، و أمّا إذا كان كل واحد من الممنوع و المانع في المسألة الأصوليّة، كما فيما لو قام ظنّ على عدم حجيّة ظنّ قام على حجيّة الظنّ الاخر، فليس لازمه ذلك، بل الوجوه السابقة آتية على ما لا يخفى حينئذ.

و من هنا علم انّه ربّما يقع التّمانع بين الظنين، كما لو قام كلّ واحد من الشهرة و الإجماع المنقول مثلا على حرمة العمل بالاخر، و لا ينبغي الإشكال في التّساقط لقبح التّرجيح بلا مرجّح، و لما سنشير إليه إلاّ أن يكون أحدهما أقوى، و إن كانت المرتبة الّتي تكون في الأضعف كافية، بل دونها بمراتب، إلاّ أنّ الترجيح عند العقل، مع ما كان أشد مناطا، كما لا يخفى.

قوله (قده): إلاّ أن يقال.

أقول: تقديم الظنّ المانع به إنّما يصحّ أيضا إذا كان الدّليل على الحجيّة لفظا لا عقلا، و لعلّه أشار إلى هذا بقوله فافهم.

قوله (قده): و الأولى أن يقال.

أقول: لا يذهب عليك أنّه إذا تصوّر أن لا يكون بعض الأمارات المظنونة في حال الانسداد حجّة مبرّئا للذّمة لو عمل به و لو في صورة المخالفة، لما سبق من تصحيح المنع بأحد الوجوه السّابقة، فلا إشكال حينئذ في أنّ العقل كما أنّه قد يجزم به في أمارة، كذا قد يظنّ به أو يشك في أمارة أخرى، و حينئذ لا ينبغي الإشكال في عدم اكتفاء العقل بالظنّ الممنوع في مقام الامتثال حيث انّ همّه ليس في كلّ مرتبة من مراتبه إلاّ ما يؤمّنه من العقاب.

و من المعلوم أنّ ما يشكّ في اعتباره فضلا عمّا ظنّ عدم اعتباره غير مؤمّن أصلا، إذ من هنا علم أنّ الظنّ الممنوع يسقط من الاعتبار و لو بنى على اختصاص نتيجة الانسداد بحجيّة الظنّ في الفروع، و ليس من جهة ترجيح الظنّ المانع عليه.

564

فالنتيجة على حسب ما حققناه، هي حجيّة خصوص الأمارات الظنّية الّتي لا يتطرّق إليها احتمال المنع ظنّا، أو شكّا، بل وهما، لكن لا مطلقا بل ما لم يكن في مقابله الاطمئنان بعدمه من مراتبه، لكن هذا إذا كان ما لا يتطرق إليه الاحتمال من الأمارات كافيا في الفقه، و إلاّ سواء لم يكن أصلا أو بقدر الكفاية، فالظّاهر أنّ العقل يجزم بحجيّته ما لم يعلم المنع عنه و لو تطرّق إليه احتماله و انّ الأخذ بالطّرق المظنونة متعيّن عنده، و ليس مع الطرف المقابل متساوية الإقدام عنده، كما إذا انسدّ باب الظنّ أيضا في الأحكام.

و لا يخفى انّ ما أفاده في المقام انّما يتمشّى على هذا الفرض لا على فرض كفاية ما لا يتطرّق إليه الاحتمال، لكنّه فيما إذا كان الكلام بملاحظة جهتي المصلحة و المفسدة؛ و أمّا إذا كان بملاحظة اكتفاء العقل بالظنّ الممنوع في مقام الإطاعة و الامتثال في هذا الحال ففي غاية الإشكال و لو كان أقوى من المانع، فإنّه معه لا يؤمّن من العقاب، و لا يطمئنّ بالبراءة في صورة المخالفة لتحيّر العقل بعد عدم إمكان الجمع بين حجيتهما في تعيين الحجّة منهما، بل و في أصل حجيّة واحد منهما و عدمها أصلا.

نعم لو شكّ في ذلك أو ظنّ، و قلنا باختصاص النّتيجة بحجيّة الظنّ في الفروع لا يلتفت إليهما لما أشرنا إليه آنفا من أنّ المؤمّن عند العقل في الفرض هو الظنّ و لو تطرق إليه احتمال المنع شكّا أو ظنّا، فلا يوقفه الاحتمال عن الاكتفاء به في مقام الامتثال.

و من هنا ظهر أنّ ما أفاده يتمّ على الوجه السّادس من وجوه التّصحيح لو لوحظ صرف إدراك المصلحة و التحرّز عن المفسدة، و أمّا على الوجه السّابع أو على هذا الوجه لو لوحظ جهة الاكتفاء في مقام الإطاعة أيضا فلا.

هذا ما تيسّر لنا في المقام، فليتأمّل فإنّه من مزالّ الأقدام.

قوله (قده): و الظّاهر حجيّتها عند كلّ.

أقول: لا يذهب عليك انّ حجيّة الظنّ في كلّ واحد من الجهات الموقوفة عليها الإثبات من الصّدور و الظّهور و الإرادة و لو انفتح باب العلم فيها فيما إذا لم يتمكّن تحصيل العلم بها في خصوص المورد، كما هو مرامه على ما يظهر من كلامه ظاهر واضح، ضرورة انّ قضيّة مقدّمات الانسداد هو حجيّة الظنّ بالحكم من أيّ سبب كان، و عدم التّجاوز عنه إلى ما دونه من مراتب الامتثال.

و أمّا فيما إذا أمكن فهو محلّ إشكال، لإمكان أن يقال بلزوم تحصيل العلم بها لتقليل جهات الاحتمال و لو قلنا بالتّعميم و عدم الإهمال و لو من حيث المرتبة، أو كان الظنّ‏