درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
565

بالحكم الناشئ من الظنّ بها و بسائر الجهات ما تيقّن حجيّته على أيّ حال، هذا، مع احتمال ابتناء اللّزوم و عدمه على جواز الاكتفاء بالظنّ الضعيف، مع إمكان تحصيل القوى في المورد و عدم الجواز، بل لزوم تحصيله و لو كان الضعيف حجة لو لم يكن تحصيله، و عدم الرجوع إلى الأصول العملية معه، لا الاكتفاء به و لو أمكن تحصيله، هذا.

ثمّ انّه لا فرق فيما ذكرنا بين الصّدور و غيره من الجهات، و الفرق بينهما بأنّه لو انفتح باب العلم أو العلميّ به و انسد في غيره من الجهات، فلا بدّ من تحصيل العلم به فيما أمكن مهما أمكن، و لا يجوز الاقتصار بالظنّ به المستتبع للظنّ بالحكم، فضلا عمّا إذا لم يكن.

و ذلك بتقريب انّه لو انفتح باب العلم بالصّدور يكون الطّريق إلى الأحكام موجودا، فلا بدّ من عدم التّجاوز عنه و عن سلوكه على حسب ما يقتضيه المقام من إحراز ساير الجهات علما أو ظنّا مع إمكان الظّفر عليه، و من الرّجوع إلى الأصول فيما إذا اتّفق عدم إمكانه، بخلاف ما لو انفتح باب العلم بسائر الجهات دونه، فانّه لا يكون الطّريق العلمي حينئذ إلى الأحكام موجودا كي لا يجوز التّجاوز عنه مع وجوده، و يرجع إلى الأصول مع فقده، فاسد، إذ مجرّد كون الصدور علميّا لا يوجب انفتاح باب العلم بالطّريق مع انسداده بسائر الجهات كلا أو بعضا على ما هو المفروض من انسداد باب العلم بالأحكام، ضرورة أنّ الطّريق ما ينتهى إلى العلم سندا و دلالة و جهة لا سندا فحسب، و لو لم ينته إليه سائر جهاته فهو و غيره في جميع ما ذكرنا في المقام مستوى الإقدام، فلا تغفل.

قوله (قده): و لعلّ الوجه في ذلك.

أقول: و يمكن أن يكون الوجه و لو كان وجوب التديّن من آثار نفس المسألة هو أنّ الموضوع في أصول الدّين و ما يجب أن يتديّن به لما كان هو نفس الواقع بحاقّه، لا بما هو معنون بعنوان من العناوين، و ليس ما يعمّر عنه به من العناوين إلاّ التّعبير من دون مدخليّة له في التّأثير أصلا، لا يمكن أن يحرز بالخبر، إذ من المعلوم أنّ ما يمكن أن يحرز به إنّما هو الواقع معنونا، حيث لا يمكن الإخبار به إلاّ كذلك، هذا، مع انّه لا يبعد دعوى القطع بان الأصول الدينيّة ليست ممّا يصلح أن يقوم مقامها غيرها و ينزّل منزلتها في وجوب التديّن بها كما في العمليات، فكيف يتديّن بما أدّى إليه الخبر، مع انّه غير مصون من الخطاء و التّأدية إلى الخلاف.

ثمّ لا يخفى انّ ما ذكره هاهنا وجها ينافي ما تقدّم منه في أوّل الكتاب من قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة، و هذا اعتراف منه بما وجهنا

566

على هذا من الإشكال.

اللّهم إلاّ أن يقال: انّ مراده من القطع هاهنا ما كان تمام الموضوع للتديّن و التعبّد، لا جزؤه، فتأمّل.

قوله (قده): نعم يمكن أن يقال انّ مقتضى عموم وجوب المعرفة- إلخ-.

أقول: و في دلالة ما ذكره على المدّعى نظر، إذ الظّاهر انّ المعرفة المفسّرة بها العبادة هو خصوص معرفة اللّه حسب ما لا يخفى، و هي في الخبر مهملة لا إطلاق فيها، حيث انّه بصدد بيان فضيلة الصّلاة، كما هو واضح.

و الظّاهر من اية النفر (1) انّها بصدد بيان الطّريق الّذي يتوصّل به إلى معرفة ما يجب معرفته، ليتحقّق في التّفقّه إطلاق أو عموم، و استشهاد الإمام (عليه السلام) بها إنّما هو لوجوب سلوك هذا الطّريق لما يجب من المعرفة، لا لوجوب معرفة الإمام (عليه السلام) حيث انّ الظاهر انّه كان أمرا مفروغا عنه مركوزا في ذهن السّائل، و انّما هذا السؤال عمّا يجب على النّاس في تحصيل المعرفة به (عليه السلام) و في عدم ملائمة الإنذار، و الحذر مع الإعلام بمن هو الإمام، و التّصديق به شهادة على المرام، هذا.

و لا عموم في ما دلّ على وجوب تحصيل‏ (2) العلم، و إلاّ يلزم تخصيص الأكثر، و الظّاهر انّه في مقام وجوب تعلّم الأحكام الشرعيّة الفرعيّة و المسائل العمليّة، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): فالمتّبع هو ما يفهم- إلخ-.

أقول: فالمهمّ في المقام هو بيان ما اقتضاه دليل الحجيّة، فأمّا اية النّبأ (3)، فالظّاهر منها عدم كفاية مطلق الظنّ بالصّدق ما لم يصل مرتبة الاطمئنان، و ذلك لعدم صدق التبيّن بدونه، حيث انّه من «بان» بمعنى «ظهر» مع صدق الإصابة بالجهالة عليه و إن كان الوثوق الحاصل منه بمقدار ما يحصل من خبر الثّقة، إذ الظّاهر انّهم يعتنون بالوثوق الحاصل منه و إن لم يصل حدّ الاطمئنان، و لا يعتنون بالوثوق من الخارج ما لم يصل هذا الحدّ.

و أمّا الأخبار، فالظّاهر منها هو اعتبار خصوص ما يحصل الوثوق به من جهة الرّاوي، لا

____________

(1)- البقرة- 122.

(2)- خ ل: طلب.

(3)- الحجرات- 6.

567

و لو حصل من الخارج، إلاّ أن يقال إنّ المناط هو حصول هذه المرتبة من الوثوق مطلقا، و دون إثباته خرط القتاد.

و أمّا بناء العقلاء، فالمعتبر عندهم من مراتب الظنّ هو الوثوق و الاطمئنان، بحيث لا يبقى معه التحيّر و التّردد و إن كان من غير الخبر، و أمّا دونه من المراتب فالظّاهر عدم اعتنائهم به لو كان من غيره، و أمّا لو كان منه فالظّاهر اعتناؤهم به حسب ما عرفت من فرقهم ظاهرا بينه و بين غيره في ذلك، فراجع في طريقتهم.

قوله (قده): و كذلك دعوى انجبار- إلخ-.

أقول: نعم لو استكشف به بحيث يطمئنّ به من احتفاف الكلام بقرينة على المرام يؤخذ بالضعيف، لكن لا من جهة الانجبار بذلك، بل من جهة ظهوره فيه بمعونة القرينة الثانية بالاطمينان.

هذا بناء على حجيّته و لو في الموضوعات الصّرفة، كما هو الظّاهر.

قوله (قده): لا يعبئون به.

أقول: و ذلك لأن الاعتبار به في أحكامهم إنّما هو لغلبة إصابته فيها، لا بما هو ظنّ و بعد كشف الشّارع عن حاله و غلبة خطائه في أحكامه يكون فاقدا لما هو المناط لاعتنائهم به، فكيف يعبئون به في أحكامه.

و من هنا ظهر أنّ الأحسن هو عدم التّخصيص، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): لو قلنا بأن حجيّتها من حيث- إلخ-.

أقول: قد عرفت ممّا حقّقناه سابقا أنّ الإشكال في حجيّتها ليس إلى أصالة عدم القرينة أصلا و لو على القول باعتبارها من باب الظنّ النّوعي، و انّ الأقوال و الاحتمالات في جهة اعتبارها آتية و لو لم يكن هناك مجرى لأصالة العدم، كما إذا قطع بعدم القرينة و إجرائها فيما إذا شكّ فيه، فإنّما هو لأن يحرز عدمها لينعقد فيه الظّهور الآتية فيه جميع الأقوال و الاحتمالات، سواء كان اعتبار أصالة العدم من باب التعبّد منهم أو الظّهور النّوعي، فلا تغفل.

568

قوله (قده): لفرض تساقط- إلخ-.

أقول: الصّواب أن يقال: عدم انعقاد هما التّساقط ما يتوقّف الانعقاد عليه من الأصلين حسب ما عرفت وجهه بما لا مزيد عليه، هذا.

قوله (قده): لأجل الحاجة إليه.

أقول: الإنصاف عدم العلم بصدورها كذلك، و في غير ما علمناه انّه كذلك، مع أنّه لو سلّم هو من قبيل الشّبهة الغير المحصورة، حسب ما لا يخفى.

قوله (قده): و العمل به لا على هذا.

أقول: قد سبق منّا الإشكال و النّظر في حرمته من جهة صرف مخالفته للقاعدة و الأصل لو لم يخالف الواقع عند التّكلم في تأسيس الأصل في العمل بالظنّ، فلا نعيد الكلام في المقام، و عليك بالمراجعة، و اللّه الهادي.

قد تمّ بحمد اللّه و حسن توفيقه، و صلى اللّه على أشرف بريّته و أفضل خليفته محمّد و آله و عترته، على يد الأقلّ من القليل القاصر محمد ابن ناصر في يوم الخميس، عاشر شهر رمضان المبارك في البلدة الطيّبة نجف على ثاويها سلام اللَّه و التّحف من سنة (1291).