درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
65

قوله (قده): المقصد الثّاني في الظّن، و الكلام فيه يقع في مقامين، أحدهما في إمكان التّعبد به عقلاً- إلخ-.

و ليعلم أوّلاً قبل التّكلم في المقامين انّ الظّن هل هو كالعلم يقتضى بنفسه، مع قطع النّظر عن جعل الشّارع و بناء العقلاء وجوب اتباعه مطلقا و لو مع الانفتاح؟ أو لا يقتضى ذلك إلاّ بمقدّمات الانسداد على تقرير الحكومة؛ و المعلوم بالضّرورة من الوجدان انّه لا يقتضيه بنفسه، بحيث ينقدح في نفس الظان باعث و محرّك عقلي، نحو ما ظن وجوبه و مانع و زاجر كذلك عمّا ظن حرمته من دون ملاحظة امر خارج من جعل الشّارع أو بناء العقلاء. و هذا واضح، كما انّه من المعلوم أيضاً انّ ذلك ليس إلاّ من جهة عدم الاقتضاء، لا من باب اقتضاء العدم بحيث يأبى عن صيرورته كذلك و لو بسبب خارج، كيف و قد يصير بنفسه مقتضياً له، كما في حال الانسداد؛ كما انّه من المعلوم أيضاً ليس إلزام الشّارع باتباعه ابتداءً أو إمضاءً ممّا يأبى بنفسه عن الثّبوت و التّحقيق، و يكون ممتنعاً بالذات كاجتماع النّقيضين أو ارتفاعهما، بل يكون دائراً مدار علّته وجوداً و عدماً، كسائر الإلزامات بل الممكنات.

و مما ذكرنا ظهر انّه ليس النّزاع في المقام الأول في إمكانه الذّاتي، لما عرفت من بداهة قابليّة الظنّ لأن يلزم باتّباعه، و بداهة قابليّة الإلزام للتّحقيق و الثّبوت بتحقّق علّته و ثبوتها، كما انّه لا مجال لاحتمال ان يكون الإمكان بمعنى الاحتمال له و للامتناع محلّ النّزاع، و لا يحتاج الحكم به بهذا المعنى إلى مئونة، بل يكفي فيه عدم الاطّلاع على ما يوجب استحالته؛ و هذا المعنى انّما اراده الشّيخ الرّئيس في قوله «كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذدك عنه قائم البرهان» (1) و هذا بخلاف الإمكان في قبال الامتناع، فانّ‏

____________

(1)- الإشارات و التنبيهات: ج 3

66

الحكم به لا بدّ من البرهان، و لا يكفي مجرّد عدم الاطلاع على ما يوجب الامتناع، و ليس بمجرّد ذلك طريقاً يسلكه العقلاء في الحكم به بهذا المعنى و لا بمعنى آخر، إلاّ بمعنى الاحتمال كما أشرنا إليه، و أيّ عاقل يحكم بأحد طرفي الاحتمال بلا موجب و لا مرجّح، و هل هو إلاّ تحكّم و ترجيح بلا مرجّح؟! فالّذي يصلح ان يكون محلاً للنّزاع هو الإمكان بمعنى عدم لزوم محال من فرض وجوده، و يسمّى بالإمكان الوقوعي، و يقابله الامتناع بمعنى لزومه منه، كما يشهد به ما حكى عن ابن قبة من لزوم تحليل الحرام و تحريم الحلال من التّعبد بالخبر، و ليس بالبعيد دعوى القطع بالإمكان بهذا المعنى، أو ما يقابله من الامتناع و إحاطة العقل بتمام الجهات المحسّنة و المقبحة لشي‏ء و سائر تواليه و لوازمه الفاسدة و غيرها من باب الاتفاق، بحيث يجزم بعدم جهة أخرى له، كما يظهر من مراجعة الوجدان و مشاهدة حصول الجزم في المسائل المشكلة و المطالب المعضلة في الفلسفة و غيرها من سائر العلوم بالإمكان من القطع بعدم لزوم تال فاسداً، و عدم بطلان اللازم، أو بالامتناع من القطع بلزومه و ليست هذه المسألة بأعظم إشكالاً و أخفى جهاتاً منها كما ستطّلع عليها إن شاء الله تعالى، بما هي عليها من الجهات و التّوالي.

فظهر بما ذكرنا انّ دعوى المشهور ليست بمجازفة، انّ ما جعله أولى من الدّعوى لا يجدى أصلاً في الإمكان بالمعنى الّذي وقع فيه النّزاع، فضلاً من ان يكون أولى. و امّا الجواب عن الدّليل الأوّل لا بن قبة، فيمنع بطلان التّالي على تقدير تسليم الملازمة نظراً إلى ان «حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد» و لا يختلف الاخبار نوعاً بسبب اختلاف المخبر عنه و كونه هو اللَّه تعالى، أو نبيّه (صلى اللَّه عليه و آله)، أو وصيّه (عليه السلام)، و ذلك لأنّ التّعبد بالخبر الواحد عنه تعالى لو قام دليل عليه؛ كما إذا قال النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) «كلّ ما أخبر سلمان عنه تعالى فاعملوا به» (1) مثلاً فهو بمكان من الإمكان.

و ما ذكره في وجه البطلان فيه، مضافاً إلى انّ دعوى الإجماع و الاتّفاق في مثل المسألة الغير المعنونة مجازفة، و لو سلّم إمكان تحقّقه حدساً، فلا مجال له في المقام إلاّ على عدم الوقوع، لا على الامتناع، انّه لو قام الاتّفاق على ذلك لما كان وجهاً للبطلان، لعدم كون المسألة، أي جواز التّعبد و امتناعه من الشّرعيات كي تصحّ التّمسك فيها بالإجماع المصطلح، بل من العقليّات التي يكون المنبع فيها هو البرهان، و لو اتفق قيامه على خلاف‏

____________

(1)- نفس الرحمن في فضائل سلمان.

67

ما اتّفقوا عليه.

و امّا ما أورده عليه بقوله «مع انّ عدم الجواز- إلخ-» فيه ما لا يخفى، حيث انّ ثبوت الدّين بجميع فروعه بالأدلّة القطعيّة لم يتّفق في زمان الأئمّة (عليهم السلام) لجلّ الناس لو لا كلّهم، فما ظنّك بزمان الغيبة، بل كان أخذ المعالم الدّينيّة في زمانهم من الثّقة حسب إرجاعهم، و لهذا وقع الشّكوى إليهم من كثرة الخلاف بين أصحابهم.

نعم كان غالب الفروع على نحو الإجمال مع الجهل بتفاصيلها معلومة لغالب أصحابهم، كما هو الحال في زمان الغيبة.

و امّا ما أجاب به عن دليل الثّاني بقوله «فالأولى في الجواب بعد ما نقله نقضاً و حلاً، ففيه ان مراده من الحكم في قوله اما ان يكون للمكلّف حكم و امّا ان لا يكون له فيها حكم كالبهائم و المجانين- إلخ-» ان كان خصوص الوظيفة (1) المجعولة من قبل الشّارع في حال عدم التّمكن من الواقع، فللخصم اختيار شقّ ثالث، و هو ما حكم به العقل من لزوم اتّباع الظّن على تقدير تماميّة مقدّمات الانسداد، و الرّجوع إلى أحد الأصول من البراءة، و التّخيير، و الاحتياط على تقدير عدم تماميتها، و ان كان ما يعمّ الوظائف العقليّة، فله اختيار الشّق الأوّل و انّه ليس كالبهائم، بل يكون محكوماً بما حكم له العقل كما فصّلناه، و لا يلزم عليه محذور تحليل الحرام و تحريم الحلال ضرورة انّه ليس في وجوب اتباع الظن و الأخذ بطرف الراجح بما هو مظنون عقلاً تحليل من الشّارع و لا تحريم، بل و لا من غيره، فانّه ليس المراد من إلزام العقل به إلاّ إرشاده إلى صحّة المؤاخذة على المخالفة في صورة الموافقة و المعذوريّة عند الموافقة في صورة المخالفة من دون ان يكون فيه تحليل و تحريم. كيف، و التّعدد في الحاكم و المحكوم له أو عليه لازم، و العقل هو المحكوم له أو عليه حقيقة.

و منه ظهر (ظهور. ن. ل) الحال في الأصول العقليّة، و انّه ليس فيها أصلاً تحليل الحرام أو تحريم الحلال، و له أيضا اختيار الشق الثّاني، و لا يلزم منه ترخيص فعل الحرام الواقعي من الشّارع أو غيره، إذ المفروض انّه لا حكم له حينئذ منه و لا في غيره كالبهائم، فكما انّه لا ترخيص و لا غيره من الأحكام بالنّسبة إليها، كذلك لا ترخيص و لا غيره بالنّسبة إليه، و إلاّ لم يكن مثلها و هو خلف.

و ممّا ذكرنا ظهر انّه لا وقع للنّقض عليه بالقطع، فانّه ليس فيه تحليل حرام و تحريم حلال أصلاً، و صحّ النّقض بالفتوى، فانّ حجيّتها على المقلّد من الشّارع كحجيّة الخبر على‏

____________

(1)- خ ل: كانت خصوصيّة الوضعيّة.

68

المجتهد، فلو لم يكن هذا لاستلزامه تحليل الحرام و تحريم الحلال، لم يكن ذلك لاستلزامه التّحليل و التّحريم، و كون كلامه على تقدير الانفتاح و حجّية الفتوى مع عدم التّمكن من العلم بالواقع على النّحو المتعارف [1]، و انسداد بابه كذلك على المستفتى لا يدفع به النّقض بها، ضرورة انّ ما استدلّ به من لزوم التّحليل و التّحريم لو كان محالاً فعلاً للزوم اجتماع الضّدّين، بداهة تضادّ الأحكام لا اختصاص له بحال الانفتاح، و لو سلّم اختصاص دعواه بهذا الحال.

نعم لو كان محذور التّحليل و التّحريم هو القبح، يمكن دعوى اختصاص القبح منه بهذا الحال، كما انّ نظره إلى ذلك على ما يشهد به قوله- قدّه- و ليس شي‏ء أبعد من تحريم الحلال و تحليل الحرام من العمل بقول المفتي، و قوله: و امّا إيجاب العمل بالخبر على الوجه الأوّل، فهو و ان كان قبيحاً مع فرض انفتاح باب العلم لما ذكره المستدلّ من تحريم الحلال، لعلّه دعاه إلى الصّرف عمّا نقله من الجواب إلى ما جعله أولى من تشقيقه الآخر بصورتي الانسداد و الانفتاح، و منع دليل الخصم في الصورة الأولى و قبوله في الجملة في الثّانية، و أنت خبير بأنّ من الواضح انّ نظره إلى لزوم اجتماع المتضادين من التّحليل و التّحريم، نظراً إلى تضاد الأحكام، و معه لا يتفاوت الحال في صورتي الانفتاح و الانسداد، فظهر انّ ما أجاب به ليس بأولى، بل الصّواب ما نقله من الجواب، فلا بأس ببسط المقال في بيان وجوه الإشكال في التّعبد بغير العلم بما قيل أو يمكن ان يقال.

فنقول و على اللَّه الاتّكال: انّ الأمارة المتعبّد بها ان أصابت كما إذا أدّت مثلاً إلى وجوب صلاة الجمعة الواجبة واقعاً في يومها، يلزم اجتماع المثلين و كونها واجبة بالوجوبين، و ان أخطأت يلزم اجتماع الضّدين و طلب المتناقضين و كونها محكومة بالوجوب و الحرمة، و كونها محبوبة و مبغوضة، و كونها ذات مصلحة و مفسدة، من دون وقوع الكسر و الانكسار بينهما، بل كون كلّ منهما مؤثّرة كما إذا كانت وحدها فيما إذا أدّت إلى وجوب حرام أو حرمة واجب، و لا فرق في ذلك بين صورتي الانفتاح و الانسداد أو تفويت مصلحة الواقع عن‏ (1) المكلّف، أو إيقاعه في المفسدة إذا أدّت إلى إباحة واجب أو حرام، فترك الأوّل و فعل‏

____________

[1]- انّما قيّدنا عدم التّمكن من العلم المعتبر في حجيّة الفتوى بالنّحو المتعارف، لئلا يورد على المصنف- ره- بعدم اختصاص حجيّتها بصورة عدم التّمكن، بل و لو تمكّن منه بالحجر و الرّمل و نحوهما، فلا تعقل. (هذه الحاشية منه- قده-)

____________

(1)- خ ل: من‏

69

الثّاني استناداً إليها في خصوص صورة الانفتاح و تمكّنه من الواقع لا مطلقا، كما لا يخفى.

هذا كلّه لو كان للواقعة حكم في الواقع لا يختلف و لا يتخلّف و لو تخلّفت عنه الأمارة، و إلاّ يلزم التّصويب، و قد أجمع على بطلانه، سواء لم يكن لها حكم مجعول غير ما أدّت إليه الأمارات، أو كان متعدّداً بعدد مؤدّياتها.

ان قلت: انّما يلزم لو كانت صلاة الجمعة بما هي صلاة الجمعة محكومة و متّصفة بذلك و لم يكن ذلك بلازم من التّعبّد بالأمارة، بل اللاّزم انّما هو كون صلاة الجمعة الواجبة بعنوانها محرّمة بما ان الأمارة الكذائية قامت على حرمتها، و لا ضير في كونها بهذا العنوان الطّاري محرمة بعد ما كانت واجبة بما لها من العنوان الّذي يتوقّف عليه، و على حكمه طرده و الحكم عليه؛ كيف، و قد صحّح بما كان من قبيل هذا التّرتيب طلب المتضادّين بل المتناقضين فعلاً، بحيث يؤاخذ على الإثنين عند تركهما و على مخالفة الأهمّ عند تركه و إتيانه بغيره، و ليس في المقام إلاّ تنجّز أحد الخطابين أبداً في البين.

و من هنا ظهر الحال في جهات المصالح و المفاسد، و انّها انّما يقع بينها المزاحمة و الكسر و الانكسار في مقام التأثير، و يختلف الحكم حسب اختلاف جهات الحسن و القبح، قوّة و ضعفاً، فيما إذا كانت الجهات في عرض واحد، كما في اجتماع الأمر و النّهى، لا فيما إذا طرأت أحدهما على الأخرى بعد الفراغ عن تأثيرها كما في المقام، حيث انّ الجهة المحسّنة و المقبّحة الّتي نشأت من جهة مساعدة الأمارة و سلوكها انّما تعرض على الواقعة بعد تأثير ما هي عليها من الجهة حكمها الواقعي، فلا يزاحمها و لا تزاحم بها، و اما قبح تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، فهو انّما يكون لو لم يكن الفائتة عنه، أو الواقع فيها متداركة بالمصلحة و هاهنا متداركة بمصلحة السّلوك.

قلت: لا يكاد يجدى التّرتيب بين الحكمين إمكان الجمع بينهما، بعد الاعتراف بأنهما متضادان فانّه و ان كان موجباً لعدم الاجتماع بينهما في مرتبة المترتّب عليه، إلاّ انّه لا محيص معه عن الاجتماع في مرتبة المترتّب عليه، و التّضاد ان كان بين الحكمين فهو مانع عن اجتماعهما مطلقاً و لو في هذه المرتبة، كما انّ طلب المتضادّين ان كان قبيحاً لا يجدى التّرتيب بين الطّلبين في رفعه شيئاً، غاية الأمر انّه ليس طلبهما على كلّ حال و على كلّ تقدير، بل على تقدير واحد و طلبهما ان كان قبيحاً، لكونه طلباً لغير المقدور لا يتفاوت بين طلبهما مطلقا و تقدير خاص، كما لا يخفى.

لا يقال: لم لا يجدى ان كان التّقدير باختياره، كالعزم على عصيان الأهمّ في مسألة طلب الضّدين.

70

لأنّا نقول: مضافاً إلى بداهة قبح طلب المحال و لو معلّقاً على امر يكون بالاختيار؛ انّه انّما يكون التّعليق مجدياً و لو لم يكن في البين ترتّب أصلاً لا التّرتّب، و لا يلتزم به الخصم، كما لا يخفى؛ مع عدم التّعليق هاهنا على الاختيار، فانّ كلاً من مساعدة الأمارة على الخلاف، و الحكم عليها بالاعتبار، يكون بلا اختيار من المكلّف، خصوصاً فيما إذا لم يتمكّن من الواقع؛ و فيما ذكرنا هاهنا كفاية في بطلان التّصحيح بالتّرتّب هاهنا و في مسألة الضّد لمن تدبّر، و قد بسطنا الكلام فيه فيما علّقناه على مسألة أصل البراءة من الكتاب.

و امّا التّزاحم في جهات الحسن و القبح، فلا يتفاوت فيه بين كونها في عرض واحد، أو كون ما فيه إحداهما من العنوان طارئا على ما فيه الأخرى من العنوان، ففيما يعرضه كالكذب الطّاري عليه الإنجاء مثلاً يمنعه عمّا يؤثره لو لا طروّه لو كان ما فيه من الجهة غالباً، كما إذا لم يكن أحدهما طارئا على الآخر كما في مسألة الاجتماع على القول بالامتناع، بل لا يخفى انّ الأمر هاهنا كذلك، و لو قلنا بالجواز فيها و كفاية تعدّد الجهة و العنوان في تعدّد متعلّق الأمر و النّهى و ما يتبعانه من المصلحة و المفسدة بما يستتبعانه، و ذلك لعدم تعدّد العنوان هاهنا كالصّلاة و الغصب مثلاً، بل عنوان واحد و هو صلاة الجمعة مثلاً، تعلّق بها الوجوب مطلقا، و الحرمة مقيّدة بكون الأمارات (الأمارة. ن. ل) الكذائيّة قائمة على حرمتها، فيكون من قبيل النّهى في العبادات، لا من باب الاجتماع، فلا تغفل، فحينئذ لا يخلو امّا ان يكون الجهة الطّارية غالبة، فلا يكون واجبة واقعاً فيلزم التّصويب، أو يكون مغلوبة، أو لا غالبة و لا مغلوبة، فلا يكون محرّمة ظاهراً مطلقاً، و هو خلف، و لا واجبة واقعاً أيضاً في الثّاني.

و من هنا ظهر ان المصلحة الفائتة عنه و المفسدة الواقعة فيها المؤثّرتين للحكم الواقعي على تقدير بقائهما، على ما هما عليه من التّأثير غير متداركين بما حدث في البين من مصلحة السّلوك، فتدبّر جيّداً. هذا غاية توضيح ما يرد على التّعبد بغير العلم من وجوه الإشكال.

و امّا التّحقيق في الجواب ان يقال: انّها بين ما لا يلتزم و ما ليس بمحال، و لنمهّد لذلك مقدمة:

فاعلم ان الحكم بعد ما لم يكن شيئاً مذكوراً يكون له مراتب من الوجود: (أوّلها) ان يكون له شأنه من دون ان يكون بالفعل بموجود أصلاً. (ثانيها) ان يكون له وجود إنشاء، من دون ان يكون له بعثاً و زجراً و ترخيصاً فعلاً. (ثالثها) ان يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلاً، من دون ان يكون منجزاً بحيث يعاقب عليه. (رابعها) ان يكون له ذلك كالسّابقة مع تنجّزه فعلاً، و ذلك لوضوح إمكان اجتماع المقتضى لإنشائه و جعله مع وجود مانع أو شرط،

71

كما لا يبعد ان يكون كذلك قبل بعثته (صلى اللَّه عليه و آله)، و اجتماع العلّة التّامّة له مع وجود المانع من ان ينقدح في نفسه البعث أو الزّجر، لعدم استعداد الأنام لذلك، كما في صدر الإسلام بالنّسبة إلى غالب الأحكام؛ و لا يخفى انّ التّضادّ بين الأحكام انّما هو فيما إذا صارت فعليّة و وصلت إلى المرتبة الثّالثة، و لا تضادّ بينها في المرتبة الأولى و الثّانية، بمعنى انّه لا يزاحم إنشاء الإيجاب لا حقا بإنشاء التّحريم سابقاً أو في زمان واحد بسببين، كالكتابة و اللّفظ أو الإشارة.

و من هنا ظهر انّ اجتماع إنشاء الإيجاب أو التّحريم مرّتين بلفظين متلاحقين، أو بغير هما، ليس من اجتماع المثلين و انّما يكون منه إذا اجتمع فردان من المرتبة الثّالثة و ما بعدها، كما لا يخفى.

إذا عرفت ما مهّدنا لك، فنقول:

امّا الإشكال بلزوم اجتماع المثلين فيما إذا أصابت الأمارة، فان أريد منه اجتماع الإنشاءين للإيجاب أو التّحريم فهو ليس بمحال، و ان أريد اجتماع البعثين فهو غير لازم، بل يوجب اصابتها ان يصير إنشاء الإيجاب أو التّحريم واقعاً، بعثاً و زجرا فعليّين. و منه يظهر حال الإشكال بلزوم اجتماع الضّدّين فيما إذا أخطأت، حيث انّ الاجتماع المحال غير لازم، و اللازم ليس بمحال، إذا لبعث أو الزّجر الفعلي ليس إلاّ بما أدّت إليه، لا بما أخطأت عنه من الحكم الواقعي، و لا تضادّ إلاّ بين البعث و الزّجر الفعليّين.

فان قلت: لا محيص امّا من لزوم الاجتماع المحال، أو لزوم التّصويب الباطل بالإجماع، إذ لا يرتفع غائلة الاجتماع إلاّ إذا لم يكن في الواقع بعث و زجر، و معه لا واقعيّة للحكم.

قلت: التّصويب الّذي قام على بطلانه الإجماع، بل تواترت على خلافه الرّوايات، انّما هو بمعنى ان لا يكون له تعالى في الوقائع حكم مجعول أصلاً يتبع عنه و يشترك فيه العالم و الجاهل و من قامت الأمارة عنده على وفاقه و على خلافه، بل حكمه تعالى يتبع الآراء، أو كان متعدّداً حسبما يعلم تبارك و تعالى من عدد الآراء، و كما يكون بالإجماع الضّرورة من المذهب في كلّ واقعة حكم يشترك فيه الأمة لا يختلف باختلاف الآراء، كذلك يمكن دعوى الإجماع بل الضرورة على عدم كونه فعليّاً بالنّسبة إلى كل من يشترك فيه بمعنى ان يكون بالفعل بعثاً أو زجراً أو ترخيصاً، بل يختلف بحسب الأزمان و الأحوال، فربّما يصير كذلك في حقّ أحد (واحد. ن. ل) في زمان أو حال، دون آخر كما انّه بالبداهة كذلك في المرتبة الرابعة. و بالجملة المسلّم انّه بحسب المرتبتين الأوليّين لا يختلف حسب اختلاف الآراء و الأزمان و غيرهما، دون المرتبتين الأخيرتين، فيختلف حسب اختلاف الآراء و غيرها.

72

ان قلت: إذا كان الحكم الواقعي الّذي يقول به أهل الصّواب بهذا المعنى، فإذا علم به بحكم العقل من باب الملازمة بين الحكم الشرعي و حكمه بحسن شي‏ء أو قبحه، لا يجب اتباعه، ضرورة عدم لزوم اتباع الخطاب بتحريم أو إيجاب ما لم يصل إلى حدّ الزّجر و البعث الفعليّين، بل و كذا الحال في العلم به من غير هذا الباب.

قلت: مضافاً إلى انّ العلم به مطلقا لو خلّى و نفسه يوجب بلوغه إلى حدّ الفعليّة، انّه انّما يكون ذلك لو كان طرف الملازمة المدّعاة بين الحكمين، هو الحكم الشّرعي بهذا المعنى، فلا ضير في القول بعد لزوم الاتّباع، و ذلك كما لو منع مانع من اتباع العلم الناشئ من العقل، كما يظهر ممّا نقله- قده- من السّيد الصدر في تنبيهات القطع، و لا ينافي ذلك ما أوضحنا برهانه و شيّدنا بنيانه (ببرهانه. ن. ل) من لزوم اتباع القطع بالحكم الشّرعي على نحو العليّة التّامّة، فانّه في القطع بالحكم الفعلي كما أشرنا إليه في توجيه كلام الأخباريّين، لا ما لو كان الطرف هو الحكم الفعلي الشّرعي بان يدعى انّ استقلال العقل بحسن شي‏ء أو قبحه فعلاً يستلزم الحكم الشّرعيّ به كذلك.

نعم لو لم يستقل إلاّ على جهة حسن أو قبح، لا حسنه أو قبحه مطلقا، لم يستكشف به إلاّ حكماً ذاتيّاً اقتضائيّاً يمكن ان يكون حكمه الفعلي على خلافه، لمزاحمة تلك الجهة بما هو أقوى منها فتفطّن.

و امّا حديث لزوم اتّصاف الفعل بالمحبوبيّة و المبغوضيّة و كونه ذا مصلحة و مفسدة، من دون وقوع الكسر و الانكسار بينهما فيما إذا أدّت الأمارة إلى حرمة واجب أو وجوب حرام، فلا أصل له أصلاً، و انّما يلزم لو كانت الأحكام، مطلقا و لو كانت ظاهريّة تابعة للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهيّ عنها. و امّا إذا لم يكن كذلك بل كانت تابعة للمصالح في أنفسها و الحكم في تشريعها سواء كانت كلّها كذلك أو خصوص الأحكام الظّاهرية منها، فلا كما لا يخفى؛ و ليست قضيّة قواعد العدلية إلاّ انّ تشريع الأحكام انما هو لأجل الحكم و المصالح الّتي قضت بتشريعها، بخلاف ما عليه الأشاعرة، مع انّه لو كانت الأحكام مطلقا تابعة للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهيّ عنها، فذلك غير لازم أيضاً، فان الكسر و الانكسار انما يكون لا بدّ منه بين الجهات مطلقا في مقام تأثيرها الأحكام الفعليّة لا في مجرّد الإنشاء، و قد عرفت انّ الحكم الواقعي فيما أخطأت الأمارة ليس يتحقّق‏ (1) إلاّ بالوجوب الإنشائي، فيكون الجهة الواقعيّة الّتي يكون في الواقعة مقتضية لإنشاء

____________

(1)- في (عليه السلام): بمحقق.

73

حكم لها من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، فينشئ على وفقها من دون ان يصير فعليّاً إلاّ بأمور:

منها عدم قيام أمارة معتبرة على خلافه المحدث فيها جهة أخرى غالبة على تلك الجهة، يكون موجبة لحكم آخر فيها بالفعل فالكسر و الانكسار، انّما يقع بين الجهات فيما أدّت إليه الأمارة من الحكم في صورة الخطاء، لكونه حكماً فعليّاً لا في الحكم الواقعيّ الّذي أخطأت عنه الأمارة، بل انّما هو إنشاء بمجرّد ما في الواقعة بما هي هي من الجهة الواقعيّة، كما هو الحال في جميع الأحكام الذّاتية الاقتضائيّة المجعولة للأشياء بما هي عليها من العناوين الأوّليّة، و ان كانت أحكامها الفعليّة بسبب ما طرأت عليها من العناوين الثّانويّة على خلافها.

و من هنا ظهر ان المحبوبيّة أو المبغوضيّة الفعليّة تابعة لغالب الجهات كالحكم الفعلي، فلا يلزم ان يكون الفعل الواحد محبوباً و مبغوضاً بالفعل.

و قد ظهر ممّا ذكرنا هاهنا ما به يذبّ عن إشكال التّفويت و الإلقاء، لأنّهما لا يلزمان من إباحة الواجب أو الحرام، لا مكان ان يكون الإيجاب أو التّحريم واقعاً عن الحكم في التّشريع، لا عن مصلحة في الواجب أو عن المفسدة في الحرام مع إمكان منع ان يكون تلك الجهة الموجبة لتشريع الوجوب أو التّحريم، لازم الاستيفاء أو لازم التّحرز كي يلزم ذلك.

هذا، مع انّه لو سلّم كونها لازم الاستيفاء لا يكون تشريع التّرخيص و الإباحة ظاهراً للمفوّت له قبيحاً مطلقا، بل إذا لم يكن عن مصلحة و حكمة كائنة فيه راجحة على ما فيه من جهة القبح، و من المعلوم انّ الفعل لا يكون قبيحاً أو حسناً فعلاً بمجرّد ان يكون فيه جهة قبح أو حسن، بل إذا لم يكن مزاحمة بما يساويها أو أقوى، كما لا يخفى، هذا كلّه إذا كانت الأحكام الظّاهريّة لمصالح في تشريعها، لا لمصالح في سلوكها؛ و امّا بناء على ذلك فالمصلحة المفوتة عليه، أو المفسدة الملقى فيها متداركة بمصلحة سلوك الأمارة، و معه لا قبح في التّفويت و الإلقاء كما لا يخفى، حيث انّهما حينئذ كلا تفويت و لا إلقاء.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا انّه لا يلزم التصويب من الالتزام بجعل الأحكام و إنشائها للافعال بما هي عليها من العناوين، و قد جعل عليها أمارات تخطئ عنها تارة، و تصيب أخرى، و لا اجتماع المثلين في صورة الإصابة لعدم لزوم البعثين و الزّجرين، بل يصير الحكم الواقعي فعليّاً بسبب اصابتها، و لا اجتماع الضّدّين في صورة الخطاء لعدم اجتماع البعث و الزّجر الفعليّين، بل ليس البعث أو الزّجر الفعليّ إلاّ في مؤدّى الأمارة، و لا التّفويت و الإلقاء القبيحين، امّا لأجل التّدارك بمصلحة السّلوك، و إمّا لعدم كون المصلحة أم المفسدة الواقعيّة، لازم الاستيفاء و التّحرز، أو لأجل كون الفعل‏ (1) الموجب لهما مشتملاً على ما هو أقوى و أرجح من جهات الحسن من هذه الجهة المقبّحة، لو سلّم.

____________

(1)- خ ل: الجعل‏

74

ثمّ لا يخفى انّه قد ظهر من مطاوي ما ذكر، انّ التّضاد و التّماثل المانعين عن اجتماع الحكمين، انّما هو في المرتبتين الأخيرتين مطلقا، سواء كانا واقعيّين أو ظاهريّين أو مختلفين، فلو بلغ حكم إليهما واقعاً في موضوع لم يمكن ان يحكم عليه فعلاً و لو ظاهراً بحكم آخر مطلقا و لو كان مثله؛ هذا إن لم يعلم به أصلاً، فضلاً عمّا إذا علم به تفصيلاً أو إجمالاً، فما ذكرناه سابقاً من التّفاوت بين العلمين و ان مرتبة الحكم الظّاهري محفوظة مع الإجمالي دون التّفصيلي، انّما هو في المعلوم في غير هاتين المرتبتين، حيث انّه لا يكون مع التّفصيلي مرتبة غير مرتبة الحكم الواقعي، فلا معنى لجعل حكم آخر إلاّ بعد نسخه و رفع اليد عنه بالمرّة، إذ لا يمكن ان يكون في فعل واحد من شخص واحد علّتان لإنشاء حكمين في عرض واحد في زمان واحد كما لا يخفى، بخلاف الإجمالي حيث يعقل فيه مع بقائه على حاله و عدم رفع اليد عنه، ان يجعل في هذه المرتبة و مع الجهل به تفصيلاً حكم فعليّ يعمل على وفقه على خلافه.

فظهر انّ مع الفعليّ من الواقعيّ لا مجال للظّاهريّ أصلاً و لو مع الجهل به رأساً، غاية الأمر كون المكلّف معذوراً معه لو كان من قصور عقلاً، و مع الثّاني منه المتحقّق بمجرّد الوجود الإنشائيّ يكون له المجال مطلقا و لو كان معلوماً بالإجمال، و يترتّب عليه آثاره إذا انكشف الحال، كما سنشير إليه.

ثم اعلم انّه إذا استمرّ الاشتباه، فلا إعادة و لا قضاء بلا إشكال، و إذا ارتفع في الوقت فقضيّة العلم فعليّة الخطاب المقتضية للزوم الامتثال، و لا مانع عنه إلاّ توهّم سقوطه عقلاً بحصول الغرض منه، بناء على التّفصي من إشكال تفويت المصلحة بالالتزام بالتّدارك بمصلحة السّلوك أو الأمر به، و هو فاسد لعدم لزوم التّفويت حينئذ ليلتزم بتداركه.

ان قلت: و ان لم يكن التّدارك بلازم إلاّ انّه يمكن حصول الغرض منه بتلك المصلحة أحياناً، و معه يكون التّكليف ساقطاً فحينئذ لا يعلم بفعليّة الخطاب.

قلت: مجرّد إمكان حصول الغرض لا يؤمن من العقاب على مخالفته، و لا يكون من قبيل ما إذا كان بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان، فانّ العقل يكتفي بالعلم به حجّة و بياناً.

و من هنا ظهر حال القضاء إذا ارتفع الاشتباه في خارج الوقت لو قيل بأنه بالأمر الأوّل، فانّ مصلحة أصل الفعل غير مفوّتة بالسّلوك ليجب تداركه و تدارك ما فات من مصلحة الوقت لا يوجب سقوط ما يمكن من استيقاء مصلحة خارج الوقت. و امّا إذا كان القضاء بأمر جديد، فلا إشكال في ثبوته مطلقا ان كان معلّقاً على فوت نفس الواجب، كما

75

يدلّ عليه قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» (1)، و لو كانت مصلحة الوقت متداركة بناء على لزوم التّدارك، إذ ليست المصلحة الموجبة للفعل خارج الوقت المضروب له بمنحصرة فيما استوفيت من المصلحة كي لا يبقى مجال معه لوجوبه، و لا ضير في تسميته قضاء إذ لا يعتبر فيه أزيد من إتيان الفعل خارج الوقت المضروب له في الأصل و لو كان معلّقاً على فوت مصلحته، فكذلك بناء على عدم الالتزام بالتّدارك.

و امّا بناء عليه ففيه و جهان: من عدم فوت المصلحة لمكان ما يتدارك به ما فات من مصلحة الواجب، و من انّ دليل القضاء دلّ على انّ أصل الواجب يتمكّن منه المكلّف بعد الوقت، كما إذا فرض انّ القضاء بالأمر الأوّل فلم يكن مع عدم استمرار الاشتباه تفويت إلاّ لمصلحة الوقت لا مصلحة نفس الواجب، فلا يجب التّدارك إلاّ بهذا المقدار.

و لا يخفى انّ ظاهر أدلة القضاء و أدلّة الموقّتات انّ الفعل خارج الوقت بدل نفس الفعل فيه و تداركه، لا انّه وقع في محلّه، و ان فات قيده و هو وقوعه فيه حيث انّه لم يكن معتبراً في أصل مطلوبيّته و ان كان معتبراً في مرتبته منه. و لا وجه لاحتمال ان يكون الالتزام بالتّدارك بمصلحة السّلوك أو الأمر به في خصوص ما إذا لم ينكشف الحال، أو لم يتدارك بجعل القضاء مطلقا و لو انكشف الحال خارج الوقت، لا في صورة الانكشاف مع التّدارك بالقضاء إلاّ بمقدار لا يتدارك به من المصلحة، و ذلك لأنّ التفويت الموجب للتّدارك بإحدى المصلحتين على هذا الوجه حاصل بمجرّد مضيّ الوقت و عدم الانكشاف فيه، فيجب ان يتدارك بإحداهما ما فوّت من مصلحة الموقّت في الوقت، فلا يبقى مجال لما يكون تداركاً له في الخارج، فافهم.

هذا ما يقتضيه سلوك الأمارات على حسب اختلاف التّفصيّ عن الإشكالات المتوهّمة في جعلها و اعتبارها مع قطع النّظر عن دليل آخر دلّ على الاجتزاء بما أتى به، و إلاّ فيمكن سقوط الإعادة، فضلاً عن القضاء، و على تقدير عدم الالتزام بالتّدارك أصلاً فضلاً عن تقديره، لكن ليس ذلك لأنّ الأمر الظّاهريّ يقتضى الاجزاء، بل لأنّ ما أدّت إلى وجوبه الأمارة الشّرعيّة أو العقلية من باب الاتّفاق يكون مشتملاً على مقدار من مصلحة الواجب الواقعيّ، لا يبقى مع استيفائه مجال لاستيفاء تتمة المصلحة، كما يظهر ممّا دلّ على تماميّة الصّلاة في مسألتي الإتمام في مورد القصر و الإخفات في موضع الجهر، أو العكس‏

____________

(1)- لم نعثر على هذا اللفظ في الاخبار و لكن استدل به صاحب الجواهر في أبواب قضاء الصلوات من كتاب الجواهر 13- 20

76

جهلاً و لو عن تقصير، كما بيّنا تفصيله فيما علّقناه على أواخر مسألة أصالة البراءة، أو يكون الإتيان به رافعاً لإمكان استيفاء مصلحة الواجب بإتيانه في الوقت أو في خارجه، فيكون معذوراً ان كان عن قصور، و مؤاخذاً ان كان عن تقصير، فتفطّن.

بقي الكلام في انّ القول بالاجزاء هل يستلزم التّصويب، كما يظهر ممّا نقله عن الشّهيد- ره-؟

فنقول: ان أريد به التّصويب المجمع على بطلانه، فلا، فانّ غاية الأمر سقوط الواجب الواقعيّ بحصول الغرض منه بعد ثبوته، كما يسقط بإطاعته و السقوط بالإطاعة و المعصية و ما بحكمها من حصول الغرض و تفويته على وجه لا يتمكّن من تحصيله في وقته، لا ينافي ثبوته المجمع عليه في قبال المصوّبة القائلين بعدم ثبوت حكم أصلاً أو بعدد ما يؤدّى إليه الأمارات، كما لا يخفى.

و ان أريد به التّصويب في الحكم الظّاهريّ الفعلي، فهو و ان كان يستلزمه، إلاّ انّه لا محذور فيه أصلاً يلزم به القائل به، و لعلّ منشأ تخيّل المحذور، تخيّل كون الحكم الجمع على ثبوته عند أهل الصّواب من التّخطئة هو الحكم الفعلي، و قد عرفت بما لا مزيد عليه، بطلانه، و انّه ينافي جعل الأمارة المؤدّية إلى خلافه و لو في بعض الأحيان، و انّه لا يمكن ان يكون ممّا اشترك فيه كافّة الأنام من صدر الإسلام إلى يوم القيامة، و عليك بالتّأمّل التّام في المقام، فانّه مزالّ الإقدام للاعلام.

تذنيب فيه تحقيق‏

اعلم انّ كثيراً من الإشكالات على التّعبد بالظّنّ و ما تقدم من وجوه التّفصيّ عنها، انّما يبتنى على كون ما يؤدّى إليه الأمارات في صورة الخطاء أحكاماً حقيقيّة شرعيّة، و امّا بناء على كون مؤدّياتها في هذه الصّورة أحكاماً صوريّة، كما هو التّحقيق ناشئة من إطلاق اعتبار حجّيتها من دون الإناطة بصورة الإصابة، لعدم إمكان هذه الإناطة لعدم التّميز بين الصّورتين، و إلاّ كان المقصود الأصلي هو التّوصّل بها إلى الأحكام الواقعيّة في صورة الإصابة، و لا ينافي ذلك جعلها حجّة و لو مع التّمكن منها، كما في صورة انفتاح باب العلم بها إذا كانت هناك حكمة موجبة لذلك، فلا مجال لتوهّم الإشكال، بلزوم التّصويب أو اجتماع الحكمين المتضادّين و المصلحة و المفسدة، و المحبوبيّة و المبغوضيّة؛ لكن لا يخفى انّ هذا انّما يتمشّى في مؤدّيات الأمارات.

77

و امّا الأصول التّعبّدية كأصالة الإباحة و الطهارة و الاستصحاب في وجه، فهي أحكام شرعيّة فعليّة حقيقيّة، بداهة «ان كلّ شي‏ء حلال» (1) إباحة فعليّة، و ترخيص حقيقيّ في الاقتحام في الشّبهة من الشّارع، كالتّرخيص في المباحات الواقعيّة، و التّفاوت بين التّرخيصين يكون موضوع أحدهما الشي‏ء بعنوانه الواقعي، و موضوع الآخر بعنوان كونه مجهول الحكم، لا يوجب التفاوت بينهما بالحقيقة و الصّورة، كما لا يخفى.

ثم اعلم انّ التّحقيق كما أشرنا إليه انّ مؤدّيات الأمارات في صورة الخطاء يكون أحكاماً صوريّة، و ليست حقيقة باحكام، و ذلك لأنّ الظّاهر ممّا دلّ على اعتبار الأمارات انّ النّظر انّما يكون إلى الواقعيّات الّتي يؤدّى إليها، لا إلى المؤدّيات بما هي مؤدّيات، كما لا يخفى على من تأمّلها.

و امّا ما كان دليل اعتبارها السيرة و بناء العقلاء، فيكون الحال فيها على هذا المنوال، فلا (2) ريب و لا إشكال، بداهة انّ العقلاء في سلوك الأمارات لا غرض لهم إلاّ الواقعيّات.

قوله (قده): فيقع الكلام في المقام الثّاني في وقوع التّعبد بالظّن في الأحكام الشرعيّة مطلقا أو في الجملة، و قبل الخوض في ذلك لا بدّ من تأسيس الأصل الّذي يكون عليه المعوّل- إلخ-.

اعلم انّ العمل بالظّن (تارة) يكون مع التّعبد به و التّقيد بكون المظنون حكم اللَّه الظّاهري أو الواقعي. (و أخرى) بدون ذلك بل بمجرد الاستناد إليه و الاعتماد عليه، كما في الاستناد إليه في الأمور العادية، و كما في الأمور الشرعيّة في حال الانسداد بناء على تقرير الحكومة، حيث انّ الجري على طبق الظّنّ فيهما ليس إلاّ لأجل كون طرفه راجحاً لا واقعاً؛ امّا في الأولى فواضح، و امّا في الثّانية فلوضوح انّ العقل لا يستقلّ بأزيد من الاكتفاء بالظّن بالواقع في مقام الإثبات و الإسقاط على ما هو عليه من كونه مظنون الواقع، لا بما هو الواقع تعبّداً، و انّما يجي‏ء التّعبّد في البين فيما اعتبره الشّارع ابتداء و إمضاء؛.

و من هنا ظهر انه ليس العمل بالظّن مختصّا بما إذا تعبّد به، كما أفاده- قدّه-، بل يعمّ ما إذا لم يتعبّد به إذا استند إليه بحيث كان هو المحرّك نحو المظنون. نعم مجرّد العمل على وفقه من دون استناد إليه، ليس عملاً به.

إذا عرفت هذا، فتحقيق الكلام في تأسيس العمل بالظّن، انّه إمّا العمل به على النّحو

____________

(1)- وسائل الشيعة: 12- 60- ح 4

(2)- خ ل: بلا

78

الثاني، فلا يرى فيه محذور إلاّ مخالفة الواقع أو التّجري بالنّسبة إليه، فيما كان على خلافه حجة معتبرة مثبتة للتّكليف، فانّه ان أصابت فالواقع منجّز يعاقب على مخالفته، و إلاّ فيعاقب على تجرّيه عليه تعالى على ما مرّ، و مخالفة نفس الحجة المعتبرة أصلاً كانت أو أمارة بما هي ليست محذوراً، إلاّ إذا كانت موافقتها مطلوبة في نفسها، و هو بمعزل عن التحقيق، بل ليست قضيّته الحجّة شرعاً الا تنجّز الواقع في صورة الإصابة، و المعذوريّة في غيرها إذا وافقها، و التّجري إذا خالفها، كما لا يخفى على من تأمّل أدلّة اعتبارها.

و امّا العمل بالظّن على النّحو الأوّل فالتّحقيق على ما يساعد عليه النّظر الدّقيق، انّ العمل بسبب ذلك لا يتغيّر عمّا هو عليه واقعاً، و لا يوجب ذلك فيه مبغوضيّة، و لا حرمة مولويّة شرعيّة، كما يشهد به مراجعة الوجدان، حيث نرى إذا راجعناه انّ الفعل الّذي يكون مطلوباً لنا واقعاً، لا يصير مبغوضاً بمجرّد إتيان العبد إيّاه ملتزماً بأنه واجب مع عدم علمه بوجوبه، بل يقع كما إذا علم به من دون تفاوت أصلاً.

و بالجملة الالتزام بحكم للعمل من قبل المولى مع الجهل به لا يوجب حدوث عنوان له، يكون ذلك العنوان مبغوضاً، بل حاله كالقطع لا يوجب تغيّر المقطوع عمّا هو عليه من العنوان، و لا يحدث على طبق ما قطع به من الحكم حكماً له، كما حقّقناه في باب التّجري.

نعم يوجب إثماً قلبيّاً حيث انّه بهذا البناء و الالتزام، تصرف في ما هو سلطان المولى من تشريع الأحكام، فيستحقّ بذلك ذمّاً و عقاباً، حيث انّه بنفسه هتك الحرمة المولى، و ما كان من قبيل ذلك يوجب الذّمّ و العقاب من دون خطاب كالمعصية و التّجري بقصدها، كما عرفت في باب التّجري، فالحرمة التّشريعيّة عقليّة صرفة، لا شرعيّة كحرمة قصد المعصية، لما عرفت في ذلك الباب انّ كلّ ما يوجب للعقاب‏ (1) و الثّواب بلا خطاب معه، لا يكون قابلاً للأمر أو النّهى الشّرعي، فلو ورد في الشّرع فهو من باب الإرشاد و إطباق العقلاء على ذمّ المشرّع، انّما هو على نفس البناء و الالتزام الّذي هو من افعال القلب أتى بالعمل الّذي هو بنى على انّه واجب أو حرام، أم لا.

و اما ما ادّعاه‏ (2) الفريد البهبهاني ((قدّس سرّه))، فلو سلّم لا يكاد يصحّ دعوى الإجماع في مثل هذه المسألة الّتي تكون عقليّة، مع انّ الظّاهر إرادة انّ العلماء بما هم عقلاء يكون عدم‏

____________

(1)- خ ل: العقاب‏

(2)- خ ل: أفاده‏

79

الجواز عندهم‏ (1) بديهيّاً، لا بما هم عقلاء متديّنون بهذه الشّريعة، كما يشهد بذلك مشاركة العوام معهم في ذلك، على ما ادّعاه ((قدّس سرّه)).

و امّا الرّواية فمع احتمال ان يكون استحقاق هذا القاضي للعقوبة، لأجل تصدّيه ما ليس له من الحكومة و القضاوة، لأنّ لها أهل، كما يدلّ عليه رواية «لا يجلس هذا المجلس إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ» (2) لا تدلّ على خلاف ما ذكرناه، لما عرفت من عدم اختصاص سبب استحقاق العقوبة بالمخالفة كي يستكشف من استحقاق العقوبة مخالفة للخطاب الشّرعي، و انّما يكون الاستكشاف فيما إذا لم يكن بنفسه موجباً للعقاب.

و امّا الآية فكذلك لأنّ الذّم و التّوبيخ على جعل بعض ما أنزل إليهم من الرّزق حلالاً، و بعضه حراماً، و استناد ذلك إليه تعالى من غير علم، انّما هو لأجل ما يحذر عنه عقولهم من الالتزام و التّعبد بحكم من قبله تعالى من غير علم بكونه منه تعالى، لا لأجل انّ ذلك حرام شرعاً.

ان قلت: نعم الأمر كما ذكرت، حيث لا وقع للتّوبيخ إلاّ على ما يستقلّ بقبحه عقولهم، لكنّ الآية تدلّ على حرمة التّعبد و الالتزام بغير العلم، من جهة إدراجه فيها تحت الافتراء المعلوم انّه حرام شرعاً بلا إشكال و لا كلام.

قلت: إطلاق الافتراء عليه مجازاً لعلاقة بينه و بين معناه الحقيقي، لا يقتضى سراية حكمه إليه أصلاً و لو كانت العلاقة بينهما المشابهة لعدم كون الحرمة الشّرعيّة في المشبّه به من أظهر خواصّه، بل أظهرها كما لا يخفى، هو القبح العقلي. هذا، مع انّ في دلالتها على محذوريّة الالتزام و التّعبد بغير العلم تأمّل، من انّه لا يبعد بملاحظة صدر الآية، ان الذّمّ و التّوبيخ، انّما يكون على هذا التّقسيم مع علمهم بعدمه، و انّ كلّ ما أنزل إليهم يكون حلالاً.

لا يقال: قضيّة المقابلة ان يكون الكلام في قوّة ان يقال: أو لم يأذن لكم، بل عليه تفترون مضافاً إلى عدم انحصار شأن الكفّار في الإسناد مع العلم بالخلاف و ظهور الآية، كما لا يخفى في توبيخهم على ما هم عليه، بعد وضوح انّهم ليسوا بمأذونين.

لأنّا نقول: هذا انّما يكون كذلك لو لم يكن هذه القضيّة مسوقة مورد الغالب، و متعرّضة لما هم عليه غالباً من النّسبة إليه تعالى مع العلم بالخلاف، كما ربّما يظهر فيه لفظ الافتراء

____________

(1)- خ ل: لهم‏

(2)- وسائل الشيعة: 18- 6- ح 2

80

و يشهد صدرها؛ و كيف كان فلا يكون الآية دليلاً على حدة غير العقل، كما هو بصدده- قدّه-، بل غاية الأمر تدلّ على الذّمّ و التّوبيخ على الإسناد بغير العلم، و لو لا العلم بكون وجهه استقلال العقل بقبحه و الذّمّ عليه، فلا أقلّ من قوّة احتماله.

و بالجملة ما دلّت آية أو رواية على حرمة ما يؤتى به من فعل شي‏ء أو تركه متعبّداً بوجوبه، مع عدم العلم بالوجوب أو العلم بعدمه، بل لو كان ظاهره ذلك فهو محمولة على الإرشاد إلى ما يستقلّ به العقل من الإثم القلبي، لما عرفت من انّ الفعل لا يتغيّر عمّا هو عليه إذا أنى به بهذا العنوان.

وهم و رفع‏

لعلك تقول: على تقدير تسليم مساعدة الأدلّة الأربعة على حرمة التّعبّد مع الشّك في الحجّية، لا مساس له بمسألة الحجّية و عدمها، ليكون هذا أصلاً فيها يعوّل عليه عند اليأس عن مساعدة دليل على أحدهما فيها، مع انّه (قده) بصدد تأسيس الأصل فيها، و ليست الحجّية كبعض أحكام الوضع مثل الشّرطية، و الجزئية، و المانعيّة، و الصّحة، و الفساد إلى غير ذلك منتزعة من التّكليف، كي يكون تابعة له في تأسيس الأصل فيه، فلا يكون تابعة له في الشّك، بل يكون من الاعتبارات العقلائيّة المنتزعة من أسباب خاصّة أخرى، كالولاية، و الوكالة، و الزّوجيّة، و الحرّيّة، و الرّقيّة، إلى غير ذلك، و لكنّك تغفل عن انّ الحجّية و ان لم يكن تابعة له و منتزعة من التّكليف، إلاّ انّه تستتبعه كما هو شأن كلّ واحد من مثل هذه الاعتبارات العقلائيّة في كلّ مقام اعتبرها الشّارع، فيصحّ ان يعوّل على الأصل الجاري فيه عند الشّك فيها إذا لم يكن أصل في السّبب من أصله أو بسبب، و قد تخيّل (قده) عدم جريان الأصل في السّبب هاهنا، حيث منع عن جريان أصالة عدم الحجّية و نظائرها.

بقي الكلام في تحقيق حال ساير الأصول الّتي نقلها في المقام، و بيان ما قيل فيها، أو يمكن ان يقال، من النّقض و الإبرام.

(فمنها) أصالة عدم الحجّية، و قد أورد عليها بقوله- قدّه- «انّ الأصل و ان كان كذلك، إلاّ انّه لا يترتّب على مقتضاه شي‏ء، فانّ حرمة العمل- إلخ-».

قلت: الحجّية و عدمها و كذا إيجاب التّعبّد و عدمه بنفسيهما ممّا يتطرّق إليه الجعل، و تناله يد التّصرف من الشّارع، و ما كان كذلك يكون الاستصحاب فيه جارياً، كان هناك أثر شرعيّ يترتّب على المستصحب أوّلاً، و قد أشرنا إلى انّه لا مجال للأصل في المسبب، مع‏

81

جريان الأصل في السّبب كما حقّق في محلّه.

هذا، مع انّه لو كان الحجّية و عدمها من الموضوعات الخارجيّة الّتي لا يصحّ الاستصحاب فيها إلاّ بملاحظة ما يترتّب عليها من الآثار الشّرعيّة، فانّما لا يكون مجال لاستصحاب عدم الحجّية فيما إذا لم يكن حرمة العمل إلاّ أثراً للشّك فيها لا لعدمها واقعاً، و امّا إذا كانت أثراً له أيضاً فالمورد و ان كان في نفسه قابلاً لكلّ من الاستصحاب و القاعدة المضروبة لحكم هذا الشّك إلاّ انّه لا يجري فعلاً إلاّ الاستصحاب لحكومته عليها.

و الضّابط انّه إذا كان الحكم الشّرعيّ مترتّباً على الواقع ليس إلاّ، فلا مورد و لا مجال إلاّ للاستصحاب، و إذا كان مترتّباً على الشّك فيه كذلك فلا مورد و لا مجال إلاّ للقاعدة، و إذا كان مترتّباً على كليهما، كما في حكم الطّهارة المترتّبة على الواقع و على الشّك فيه، فالمورد و ان كان قابلاً لهما إلاّ انّ الاستصحاب جار دونها، لحكومته عليها، فاستصحاب حكم الطّهارة في مسألة الشّك في طهارة ما كان طاهراً، أو استصحاب موضوعها لحكومته على قاعدتها، جار دونها كما حقّق في محلّه و فيما نحن فيه، و ان كان حكمه حرمة العمل و التّعبّد مترتّباً على الشّك في الحجّية، إلاّ انّه يكون مترتّباً أيضاً على عدمها، لمكان ما دلّ على حرمة الحكم بغير ما أنزل اللَّه إليه من العقل و النّقل، فيكون المتّبع فيه هو الاستصحاب.

و من هنا انقدح الحال في استصحاب الاشتغال و قاعدته، و انّها لا يجري معه للورود عليها (هاهنا. ن. ل)، و امّا لزوم الإتيان بالمحتمل فليس إلاّ بحكم العقل لأجل انحصار المفرّغ عن هذا التّكليف المعلوم شرعاً به، لا بحكم الشّرع، ليلزم كون الاستصحاب مثبتاً، فافهم.

(و منها) انّ الأصل هي إباحة العمل بالظنّ، لأنّها الأصل في الأشياء.

و قد أورد (قده) عليه بأنّ إباحة العمل بالظّنّ غير معقول، إذ لا معنى لجواز التّعبّد و تركه، لا إلى بدل غاية الأمر التّخيير بين التّعبّد به و التّعبّد بالأصل، أو الدّليل الموجود هناك الّتي يتعيّن الرّجوع إليه لو لا الظّنّ هناك. و لا يخفى انّ التّعبّد بالمعنى الّذي ذكره، و هو التّديّن بكون المظنون أو ما قام عليه الأصل، أو الدّليل حكم اللَّه تعالى، ليس بلازم على كلّ حال، لا تخييراً و لا تعييناً، أو الّذي لا بدّ منه و لا محيص عنه عقلاً؛ هو الاستناد إلى حجّة معتبرة عقلاً أو نقلاً و لو كانت أصالة البراءة العقليّة و هو قبح العقاب بلا بيان.

و من الواضح انّ الاستناد إليها في مقام الاقتحام، لا يقتضى الالتزام بحكم شرعي‏

82

أصلاً، و هكذا في مورد الاستناد إلى الاحتياط و التّخيير العقليين، بل و كذا في موارد الأمارات و الأصول الشّرعيّة على ما تقدّم منه (قده) من منع وجوب الموافقة الالتزاميّة للأحكام الواقعيّة المعلومة، فضلاً عن الأحكام الظّاهريّة الّتي ليست هي إلاّ لأجل خروج المكلّف عن التّخيير بحسب العمل، فالصّواب في الجواب ان يقال انّ نفس العمل على طبق الظّنّ عن استناد إليه قد ظهر حاله، و انّه تختلف أحواله، فربّما يكون حراماً، و قد يكون تجرياً، و قد لا يكون فيه محذور أصلاً. و امّا التّعبّد به و الالتزام بكون المظنون حكم اللَّه، فقد عرفت انّه قبيح عقلاً، و موجب للعقاب بنفسه بلا واسطة خطاب.

(و منها) انّ الأمر في المقام دائر بين الوجوب و الحرمة، و مقتضاه التّخيير، أو ترجيح جانب الحرمة، و قد ظهر حاله ممّا ذكرنا.

(و منها) انّ الأمر في المقام دائر بين تحصيل مطلق الاعتقاد بالاحكام المعلومة بالإجمال، و بين تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي فيرجع إلى الشّك في المكلّف به و تردّده بين التّعيين و التّخيير، فيحكم بتحصيل خصوص الاعتقاد القطعي تحصيلاً لليقين بالبراءة، خلافاً لمن لم يوجب ذلك في المقام.

و فيه مضافاً إلى اختصاصه بمقام الإسقاط، و الخروج عن عهدة التّكاليف المنجّزة بالعلم الإجمالي، و لا يعمّ مقام إثباتها و تنجّزها انّ المقام ليس من باب الشّك في المكلّف به و تردّده بين التّخيير و التّعيين، كي يبتنى إجراء قاعدة البراءة فيه، أو الاشتغال على ما بنى عليه فيه، بل هو شكّ في طريق الامتثال الّذي لا مجال فيه إلاّ لقاعدة الاشتغال و لو قيل بالبراءة في ذاك الباب، بداهة انّ الحكم بلزوم تحصيل الاعتقاد انّما هو من العقل في مقام الامتثال، و الخروج عن عهدة التّكاليف المعلومة، و العقل و ان كان يمكن ان يشكّ فيما هو ملاك حكمه في المقام و مناطه، و انّه يعمّ مطلق الاعتقاد، أم يختصّ بالقطعي منه، لبداهة عدم لزوم انتهاء نظره فيه، و جواز بقائه متحيّراً، إلاّ انّه لا يكاد ان يشكّ فيما هو موضوع حكمه الفعلي، و انّ ما به الاكتفاء في مقام الامتثال على نحو القطع، هو مطلق الاعتقاد، أو خصوص القطع.

و بما ذكرنا يمكن التّوفيق بين جعل دليل الانسداد دليلاً عقليّاً و حكماً يستقلّ به العقل، و جعل نتيجته مهملة بان يكون المراد الإهمال بحسب المناط و عدم انتهاء نظر العقل إلى تعيينه و ان كان ما يحكم به بالفعل لا إهمال فيه أصلاً، فتفطّن.

و لا يخفى انّه يظهر ممّا أورده (قده) عليه بقوله: و امّا ثانياً انّه جعل مجرى قاعدة الاشتغال الّتي أجراها المؤسّس نفس التّكاليف المعلومة، و ليس كذلك لوضوح انّه أجراها

83

في نفس التّكليف بلزوم تحصيل الاعتقاد، فلا تغفل.

ثمّ انّه جعل ما أسّسه- قدّه- من أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ من جهتين، مبنيّا على ما هو التّحقيق من إطلاق اعتبار الأصول و منع عن أصالة حرمة العمل مطلقا، لا (العمل.

ن. خ) على وجه الالتزام، و لا على غيره على تقدير اشتراط اعتبارها بعدم الظّنّ على خلافها، و أنت خبير بعدم ابتناء الحرمة على وجه الالتزام على ذلك أصلاً، فانّ قضيّة مقدّمات الانسداد في صورة عدم التّمكن من العلم، و عدم وجوب دفع الضّرر الموهوم و لو مع تمكّنه، ليس بحكم العقل أزيد من جواز الاكتفاء بالطّرف المظنون بما هو كذلك، لا جوازه مع الالتزام بكونه حكم اللَّه، فبقي الالتزام على ما هو عليه من أصالة الحرمة من دون تأمّل.

نعم على تقدير مقدّمات الانسداد على نحو الكشف يجوز الالتزام، لكنّه مع كونه خلاف التّحقيق، خلاف فرض كلامه في المقام، لأنّه حكم على تقدير عدم التّمكن من العلم بتقدّم الظّنّ بحكم العقل، و هذا لا يكاد يتمّ إلاّ على تقرير الحكومة، كما ستطلع عليه إن شاء الله. و كيف كان فقد عرفت انّ الأصل المعوّل عليه في المقام هو أصالة عدم الحجّية، و لا وجه للتّنزل إلى ما يستتبعه الشّك فيها من الشّك في حرمة العمل على نحو الالتزام أو بدونه، على ما فصّلناه من الكلام.

قوله (قده) القسم الأوّل ما يعمل لتشخيص مراد المتكلّم عند احتمال إرادته خلاف ذلك، كأصالة الحقيقة عند احتمال إرادة المجاز، و أصالة العموم، و أصالة الإطلاق، و مرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة- إلخ-.

مجمل الكلام في المقام، انّ ما يصدر عن المتكلّم للإفادة بما حفّت به من حال أو مقال لا يخلو: إمّا ان يكون له بحسب المتفاهم العرفي ظهور في معنى بمعنى، انّهم يجعلونه قالباً له، و يعبّر به عنه في محاوراتهم، أم لا، بل يتحيّرون في معناه الّذي ينبغي ان يعبّر به عنه و يجعل قالباً له، لا ينبغي الإشكال في التّوقف في هذا القسم و لو كان ما وضع له اللّفظ معلوماً، و كان منشأ الإجمال هو الاحتفاف بما يوجب ذلك من حال أو مقال، و عدم اعتبار أصالة عدم قرينيّة ذلك، و لا أصالة الحقيقة و لو قلنا بحجيّتها من باب التّعبّد، إذ لا طريق لنا إلى حجّية مثلها إلاّ الرّجوع إلى سيرة أهل المحاورة و طريقتهم، على ما يشاهد التّوقف في هذه الصورة، و الاستفسار من المراد كما لا ريب في اتّباع الظّهور العرفي في القسم الأوّل في الجملة، سواء كان بالوضع أو بالقرينة.

84

انّما الكلام و الإشكال في المقامين:

أحدهما بيان ان مرجع ما يعمل به في تشخيص مراد المتكلّم من كلّ واحد من أصالة الحقيقة، أو العموم، أو الإطلاق، و أصالة عدم القرينة، أو المخصّص، أو المقيّد، إلى واحد أو كلّ واحد أصل على حدة، ضرب لطرف من الشّكّ في المراد. و ثانيهما بيان كيفيّة اعتبار أصالة الظّهور، و انّها معتبرة مطلقا و لو لم تفد الظّنّ، بل و لو كان على خلافها، أو مقيّدة بالإفادة، أو بعدم الظّنّ بالخلاف.

امّا المقام الأوّل‏

فاعلم انّ الشّك في إرادة الظّهور (تارة) يكون من جهة احتمال الاحتفاف بما يوجب صرف اللّفظ إلى غير معناه الحقيقي أو طروّ الإجمال عليه. (و أخرى) مع القطع بعدم ذلك من جهة احتمال العمد إلى الإخفاء لحكمه داعية إلى ذلك، كما هو الحال في كثير من العمومات و المطلقات في صدر الإسلام. (و ثالثة) من جهة كلا الاحتمالين.

و ذلك من غير تفاوت بين ان يكون الظّهور ذاتيّاً فيما وضع له بسبب الوضع، أو عرضيّاً في غيره بواسطة القرينة، و الّذي يظهر من المراجعة إلى أهل المحاورة، و يعرف من بنائهم و سيرتهم انّما هو البناء على اتباع ما للّفظ من الظّهور في الصّور الثلاث بلا تفاوت في ذلك بينهما من دون بناء آخر منهم على عدم الاحتفاف بالقرينة أوّلاً عند احتماله، ثم البناء على اتّباع الظّهور عند احتمال عدم إرادته و لو على تقدير عدم الاحتفاف، كما في الصّورتين الأخيرتين، فلا يكون في مثل (جئني بأسد) الظّاهر في الحيوان المفترس، مع احتمال عدم إرادة ظهوره من جهة الشّكّ في احتفافه بمثل (يرمى) و قد خفي، أو من جهة احتمال عدم ذكره عن عمد إلاّ البناء على معناه الحقيقي الظّاهر منه، كما انّه لا يكون في مثل (جئني بأسد يرمي) الظّاهر في الرّجل الشّجاع، مع احتمال عدم إرادته مطلقا و لو كان لأجل الشّكّ في العمد إلى عدم نصب ما يمنع القرينة من (عن. ن. ل) صرف لفظ الأسد إلى هذا المعنى المجازي إلاّ البناء على هذا المعنى الظّاهر منه، فليس في البين إلاّ أصل واحدٌ و هو البناء على حمل اللّفظ على معناه الظّاهر فيه حقيقة كان أو مجازاً.

نعم لا مضايقة من تسميته بأصالة الحقيقة أو العموم أو الإطلاق عند الشّك في إرادة المعنى الحقيقي، أو العموم، أو الإطلاق، مع القطع بعدم الاحتفاف بالقرينة على المجاز، أو التّخصيص، أو التّقييد، و بأصالة عدم القرينة، أو عدم المخصّص، أو المقيّد مع الشّكّ فيه.

85

و ممّا ذكرنا انقدح انّه لا وجه لإرجاعه- قدّه- تلك الأصول الوجوديّة إلى العدميّة، بل كما عرفت يكون الأمر بالعكس؛ و الحاصل انّ أصالة الحقيقة لانطباق أصالة الظّهور عليها فيما إذا شكّ في إرادة المعنى الحقيقي، مع القطع بعدم الاحتفاف بما يوجب الصّرف أو الإجمال ممّا لا إشكال في اعتبارها، مع انّه لا مجال لأصالة عدم القرينة فيه، كما لا يخفى.

و امّا أصالة عدم القرينة فيما شكّ فيه الاحتفاف مع القطع بإرادة المعنى الحقيقي لولاه أو بدونه و ان كان عن الممكن، فانّه اعتبارها به.

لكنّ الإنصاف عدم الاختلاف بين الشّكّ في الاحتفاف، و القطع بعدمه فيما يبنون عليه عند الشّكّ في إرادة المعنى الحقيقي، بل يبنون فيهما على أصالة الحقيقة الّتي لا مجال لغيرها في صورة القطع بالعدم، و هذا كما انّ الظّاهر انّه لا خصوصيّة فيها، بل من جهة مطلق أصالة الظّهور المتّبعة أيضاً عند الشّكّ في إرادة المعنى المجازي من اللّفظ مع القرينة، و منشأ توهّم الخصوصيّة تداول التّعبير عنها في مورد الشّكّ في إرادة ما وضع له بأصالة الحقيقة، كما انّ منشأ توهّم كون أصالة عدم القرينة أصلاً برأسها، بل مرجعها لغيرها التّعبير بها عنها فيما كان الشّكّ فيه لأجل احتمال وجودها، كما لا يخفى.

و امّا المقام الثّاني‏

فالظّاهر اعتبار أصالة الظّهور مطلقا و لو كان الظّنّ الغير المعتبر على خلافه، كما يظهر ذلك من مراجعة طريقة العقلاء في مقام الاعتذار و الاحتجاج لدى المخالفة (1) و اللّجاج، حيث انّهم يحتجّون بظهور المطلق أو العامّ و لا يصغون إلى الاعتذار بأنه ما أفاد الظّنّ، أو كان على خلافه في هذا المقام، إلاّ إلى ما يصلح ان يعارضه و يزاحمه من حجّة معتبرة أخرى. و الحاصل انّ حجّية الظّهور ليست مغيّاة إلاّ بقيام حجّة أخرى على خلافه، كانت مساوية له أو أقوى.

ثم انّه إذا كانت على خلاف الظّهور أمارة في العرفيّات موجبة للتّوقّف عن العمل به، لا يكون موجبة له في الشّرعيّات ما لم يكن معتبرة لدى الشّارع، كما كانت معتبرة لدى العرف و إمضاء طريقة العرف شرعاً في حجّية الظّواهر لا يقتضى التّوقّف عنها في الشّرعيّات، إلاّ بما كانت حجة فيها، كما لا يخفى، فربّما يختلف الأمارات شرعاً و عرفاً في‏

____________

(1)- خ ل: المخاصمة

86

ذلك، مع عدم اختلاف بينهما في كيفيّة حجّية الظّهور، و كونها مغيّاة بعدم الحجّة على خلافه.

ثمّ الظّاهر عدم اختصاص حجّيته بمن قصد افهامه لما يشاهد عرفاً من صحة الاحتجاج و المؤاخذة به بالنّسبة إلى من لم يقصد افهامه أيضاً، و عدم قبول الاعتذار بذلك بحيث لا يكون تفاوت عند العقلاء و بينهما في إتمام الحجّة عليهما بكلام عامّ يعمّها حكمه و ان اختصّ بأحدهما افهامه، و لا يوجب احتمال ان يكون بين المتكلّم و المقصود بالإفهام قرينة معهودة على إرادة خصوصه من ذاك العام تفاوتاً، و ليس ذا إلاّ كسائر ما يوجب احتمالها ممّا يختلف فيه الأشخاص.

و بالجملة اختصاص أحد بسبب من أسباب الاحتمال، لا يوجب اختصاص حجّية الظّهور بغيره، فكما لا فرق عند العقلاء بينهما في اتّباع أصالة عدم الغفلة عند احتمالها، كذلك لا فرق بينهما في أصالة عدم القرينة عند احتمالها، فلا وجه لتفصيل المحقق القمي (رحمه اللَّه) بينهما.

ثم لا يخفى انّه بناء على ما بيّنا عليه، من انّه ليس في البين إلاّ أصالة الظّهور لا وجه لاستبعاد كونها حجّة من باب التّعبّد لا الظّنّ النّوعي، فضلاً عن دعوى استحالته بدعوى انّ همّ العقلاء هو الواقع، فكيف يتعبّدون بأحد طرفي احتماله من دون رجحانه و لو نوعاً، و ذلك لأنّه انّما يكون هناك مرجّح، أو ما يحكى كونه الواقع، لا فيما يكون ذلك أيضاً و ان لم يفد الظّنّ، لوضوح انّه لا وجه لدعوى الاستحالة و لا الاستبعاد مع كل واحد منهما بعد رجحان أصل التّعبّد لصلاحيّة كلّ، لأن يكون مرجّحاً و معيّناً لحجّيّة ما في طرفه، كما لا يخفى؛ و كيف كان لا يهمّنا إحراز كون حجّيتها من أيّ باب بعد إثبات الحجّية كما بيّنا (كمّاً و كيفاً. ن. ل).

ثم الظّاهر انّ المتّبع عند احتمال قرينة منفصلة من الكلام، هو الظّهور أيضاً بلا ضميمة امر آخر من أصالة عدمها و ان عبّر بها، كما عرفت في القرينة المتّصلة. و بالجملة يكون الظّهور حجّة إلى ان يزاحمه حجّة أخرى يساويه، أو يكون أقوى، فلا فرق في اتّباع أصالة الظّهور عند احتمال القرينة بين المتّصلة و المنفصلة.

نعم ما يوجب الإجمال مع الاتّصال، لا يصلح للمزاحمة مع الانفصال، إلاّ فيما دار الأمر فيه بين المتباينين، كما إذا ورد (أكرم العلماء) مثلاً، و ورد أيضاً (لا تُكرم زيداً) و تردّد بين زيد النّحويّ و الصّرفيّ، فلا يتّبع ظهور العامّ في واحد منهما، بخلاف ما إذا تردّد بين زيد العالم و غيره فيتّبع. و هذا بخلاف ما إذا استثنى زيد عقيب جمل مثل (أكرم العلماء و أهن‏

87

التّجار إلاّ زيداً) بناء على عدم الظّهور في الرّجوع إلى الجملة الأخيرة، فانّه لا يتبع ظهور (أكرم العلماء) في وجوب إكرام زيد العالم، و لا ظهور (أهن التّجار) في إهانة زيد التّاجر، بل ذلك يوجب إجمالها و إهمالها بالنّسبة إلى كلّ منهما، و السّرّ عدم تحقق الظّهور و استقراره مع الاتّصال بمثل ذلك، بخلاف صورة الانفصال لاستقراره، فلا مانع عن حجّيته إلاّ ما كان حجّة على خلافه و لو علم ذلك على الإجمال، كما إذا علم مثلاً بتخصيص أحد العامّين، أو تقييد أحد المطلقين إجمالاً.

ثم الظّاهر أيضاً اتّباع أصالة الظّهور عند احتمال القرينة المتّصلة أو المنفصلة مطلقا، من دون لزوم فحص أصلاً؛ و انّما يجب في خصوص ما إذا كان الكلام في معرض ان يكون على خلافه قرينة متّصلة أو منفصلة، و لو لم يعلم إجمالاً بنصبها على خلافه أو خلاف كلام آخر، و يشهد بذلك انّ دَيْدن العلماء على الفحص في جميع أبواب الفقه، من دون تخصيص ذلك بصورة العلم إجمالاً و إلاّ فليختلف الأبواب في ذلك، بل الأوّل و الآخر من كلّ باب لشخص، فضلاً عن الأشخاص، هذا.

بقي الكلام في حجّية خصوص ظواهر الكتاب، و قد وقع فيه الخلاف بين الأصحاب، فالأخباريّون ذهبوا إلى عدم حجيّتها بدون التّفسير من أهل بيت العصمة (صلوات اللَّه عليهم).

و ما قيل أو يمكن ان يقال في وجه ذلك بملاحظة الاخبار النّاهية عن التّفسير و غيرها أمور:

(أحدها): المنع عن الأخذ بظهور الكتاب تعبّداً لئلا يتطرّق إليه الاختلاف في فهمه، كما هو الشّأن في ظهورات غيره من ساير الكلمات، و لا يقع كلامه تعالى محلا للأنظار و الاختلاف في الاستظهار، فمنع من تفسيره، و امر بالرجوع إلى أهله، و الأخذ منهم عليهم- السلام؛ و لا يخفى انّه على هذا يكون النّزاع في الكبرى، أي في تحقيق قاعدة حجّية الظّهور و أصالتها في الكتاب.

(ثانيها): ذلك، لكن لأجل قصور غير أهله من فهمه؛ كيف، و قد عجز الأفاضل عن فهم كلام بعض الأوائل، و البلوغ إلى ما فيه من الإشارات إلى نفائس المطالب، فما ظنّك بكلام الخالق جلّت عظمته، و عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) «ما من امر يختلف فيه اثنان إلاّ و له أصل في كتاب اللَّه تعالى، و لكن لا يبلغه عقول الرّجال» (1)؛ و عنه (عليهم السلام) أيضاً انّه قال: «انّ اللَّه تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شي‏ء، حتّى و اللَّه ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد- إلخ-» (2). و لو لا قصور النّاس عن فهم القرآن و علم‏

____________

(1)- المحاسن للبرقي: 268

(2)- المحاسن للبرقي: 267

88

تأويله، و ما كان ذلك امراً خطيراً، لما استدعاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) من اللَّه تعالى لأحبّ خلقه إليه، و هو أمير المؤمنين (عليه السلام) بالدّعاء له بقوله: «اللّهم فقهه في الدّين و علّمه التّأويل» (1).

يدلّ عليه أيضاً ما في مرسلة شعيب، و رواية زيد الشّحام؛ من قوله (عليه السلام) في الأولى رداً على ما ادّعاه أبو حنيفة من معرفة القرآن «يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً، ويلك، ما جعل اللَّه ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك ما هو إلاّ عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا (صلى اللَّه عليه و آله)، و ما ورثك اللَّه من كتابه حرفاً» (2).

و من قوله في الثّانية ردّاً على قتادة «و يحك، انّما يعرف القرآن من خوطب به» (3). فكان المنع على ذلك لعلوّ مطالبه و قصور عقول الرّجال عن البلوغ إليها، و ان لم ينزّل إلاّ على وضع لغة العرب و اصطلاحهم، لا على اصطلاح خاصّ لا يعرفه العرب، كما عن السّيّد الصّدر.

(ثالثها): كون المنع لأجل انّ ما يتراءى فيه ظاهراً ليس بظاهر، امّا لما من السّيّد الصّدر من انّه على اصطلاح خاصّ من وضع جديد، أو مجازات لا يعرفها العرب، و إمّا لطروّ التّقييد، و التّخصيص، و النّسخ، و التّجوز، و عدم تميز النّاسخ من المنسوخ، و المخصّص أو المقيّد عن غيره، كما يدلّ عليه بعض الاخبار (4) المانعة عن التّفسير.

(رابعها): العلم الإجمالي بطروّ ذلك الموجب لطروّ الإجمال على ما كان بنفسه ظاهراً.

و الجواب:

امّا عن الوجه الأوّل، فبمنع مساعدة الاخبار على ذلك أوّلاً، و بمنع لزوم تطرّق الاختلاف في فهم ظواهر الآيات ثانياً؛ و لو سلّم فهو انّما يكون فيما إذا استغنى بها عن كلام أهل العصمة، كما هو طريقة العامّة، لا فيما إذا استعين به في فهمها، كما هو طريقة الخاصّة، كما لا يخفى.

____________

(1)- المحجة البيضاء: 8- 56

(2)- وسائل الشيعة: 18- 29- ح 27

(3)- الفروع من الكافي: 8- 312

(4)- وسائل الشيعة: 18- 129- ب 13

89

هذا، مضافاً إلى المنع عن شمول المنع عن التّفسير بحمل اللّفظ على ظاهره، كما أفاده (قده).

و امّا عن الوجه الثّاني، فبأنّ قصور عقول الرّجال عن البلوغ إلى كلّ ما في الكتاب من أصول أحكام الأشياء ممّا يختلف فيه اثنان، أو يحتاج إليه إنسان. و كون فهم القرآن بتأويله خطيرٌ، لا يقتضى المنع عن البلوغ إلى خصوص ما ظهر معناه و مفهومه، و وضح مراده و مقصوده أصلاً، كما لا يخفى، كي يوجب ذلك المنع عن العمل به سيّما بالنّسبة إلى من لا يستغنى به عن الرّجوع إلى العترة الطّاهرة.

و انّما يكون قصور العقول بالنّسبة إلى إدراك الإشارات إلى مثل هذه الأصول، و أصول المعارف من معرفة ذاته تعالى، و صفاته و أفعاله.

و امّا عن الثّالث و الرّابع، فبأنّ طروّ هذه الطّواري عن بعض هذه الظّهورات، انّما يمنع عن الأخذ بها قبل تميز النّاسخ عن المنسوخ، و ما خصّص من العمومات، أو قيّد من المطلقات عن غيرها بالرّجوع إلى الرّوايات، لا مطلقا، فإذا أحرز انّ الآية ناسخة أو غير منسوخة، مخصّصة أو غير مخصّصة، إلى غير ذلك، لا مانع عن الأخذ بظهورها.

ان قلت: لا يجدى مجرّد الرّجوع إلى الرّوايات المعتبرة في تميز ذلك، للعلم الإجمالي بوجود الرّوايات الغير المعتبرة أيضاً.

قلت: نعم إذا علم بوجودها فيها، غير ما علم به فيها و هو ممنوع؛ و لو سلّم فهو في غاية النّدرة و القلّة، فلا يؤثّر شيئاً.

لا يقال: انّه لو لم يعلم بوجودها فيها، فلا أقلّ من كونها من أطراف العلم به على الإجمال.

لأنّه يقال: نعم إذا علم به إجمالاً بينها، مضافاً إلى ما علم في المعتبرات وحدها، و هو ممنوع أيضاً، و لو علم ففي غاية القلّة، و من قبيل الشّهرة الغير المحصورة الّتي لا يعتنى بما علم بين أطرافها، هذا.

ان قلت: انّ الرّجوع إلى الاخبار لا يوجب تمام التّميز، غاية الأمر يوجب به الظّفر بتخصيص العامّ، أو تقييد المطلق، أو نسخ آية مع بقاء احتمال تخصيص أو تقييد آخر لذلك العامّ أو المطلق، فضلاً عن احتمال ذلك فيما لم يظفر له بذلك أصلاً.

و بالجملة ان كان الاحتمال الناشئ عن العلم بطروّ هذه الطّواري على الإجمال، غير مانع عن الأخذ بالظّواهر، بعد الفحص و الرّجوع إلى الرّوايات و الظّفر بجملة منها، فليكن غير مانع قبله أيضاً؛ و ان كان مانعاً عنه قبله، فليكن مانعاً بعده، و ذلك لئلا يلزم انفكاك‏

90

أمر عنه لبقائه بعده على ما هو عليه قبل بلا توقّف عن العمل، و عليه فلا وجه للفحص أصلاً، فقلنا بالتّوقّف مع هذا الاحتمال أم لا؟ كما لا يخفى.

قلت: انّما يلزم ذلك لو لم يكن الفحص موجباً لانحلال علم الإجمالي إلى التّفصيلي و الشّكّ البدوي لا فيما يوجب ذلك أيضاً، كما هو الحال هاهنا، لعدم بقاء الاحتمال حينئذ بعده على ما هو عليه قبله، بل هو غيره. و امّا وجه الانحلال فلأنّ العلم بالطّواري لا يكون إلاّ بما لو تفحّصنا لظفرنا به، و ليس بأزيد من ذلك و ان كان مجملاً، فتدبّر.

هذا، مع انّ هذين الوجهين جاريان في ظواهر الاخبار، و اعترف به السّيّد الصّدر، و أجاب بأنّ أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) جرت طريقتهم على العمل بها من غير فحص، و إلاّ كنّا كظواهر الكتاب من المتوقّفين.

و فيه مضافاً إلى ما أفاده- (قدّس سرّه)- من انّ عمل أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) بظواهر الاخبار لم يكن لدليل خاصّ وصل إليهم، بل كان أمراً مركوزاً في أذهانهم بالنّسبة إلى مطلق الكلام؛ انّه لو سلّم كونه لدليل خاصّ بالأخبار لا يجديه ذلك بعد الاعتراف بالعلم الإجمالي بطروّ (1) هذه الطّواري، لعدم جواز (2) كون طريقتهم على العمل مع هذا العلم، لقوّة احتمال ان يكون ذلك منهم لأجل معرفتهم تفصيلاً بالنّاسخ و المنسوخ، و الخاصّ و العام، إلى غير ذلك من أنحاء الكلام.

ثمّ لا يخفى انّ ما أورده (قده) عليه في المقام بقوله: «ثمّ انّ ما ذكره من عدم العلم بكون الظّواهر من المحكمات- إلخ-» لا يتوجّه عليه أصلاً، لأنّه ما ادّعى كون الظّواهر مطلقا من المتشابهات، بل خصوص ما صار منها متشابهاً حيث جعلها بين ما طرء عليه التّشابه بحسب الاصطلاح الخاصّ، و ما بقي على ما هو عليه من الظّهور بحسب العرف و اللّغة، و أدرج الأوّل تحت الذّمّ على اتّباع المتشابه، و النّهى عن تفسير النّاس بالآراء، و أصالة عدم العمل بالظّنّ، و لم يحكم على الثّاني إلاّ بالاندراج في أصالة العمل بالظّنّ، كما يشهد بذلك قوله، و مقتضى الثّانية عدم العمل به، إلى آخره.

و من هنا ظهر انّ احتمال كون الظّواهر من المتشابه انّما لا ينفع في الخروج عن الأصل الّذي اعترف به لو لم يكن هنا أصل وارد عليه يقتضى عدم العمل بها، و هو أصالة عدم العمل بالظّنّ من دون مخرج حيث انّ الإجماع على اتّباع المحكم على هذا الاحتمال لا يعمّ‏

____________

(1)- خ ل: بطرد

(2)- خ ل: إحراز

91

الظواهر، و لا دليل آخر على حجّيتها حسب دعواه.

نعم يرد عليه منع الدّعوى لبناء العقلاء على ذلك، من دون ردع من الشّارع و الآيات النّاهية عن الظّنّ‏ (1)، لا يصلح لذلك على ما سنشير إليه و أيضاً يرد على ما مهده من المقدّمة الأولى، انّه ان كان الغرض منه استنتاج حجّية الظّن، فهو لا يكاد ان ينتج ذلك ما لم يضمّ إليه ساير مقدّمات دليل الانسداد، و ان كان المراد منه استنتاج مجرّد ثبوت المقتضى لحجّيته، فلا دخل للعلم الإجمالي ببقاء التّكليف فيه أصلاً، بل يكون ذكره في مقدّمات البرهان من قبيل ضمّ الحجر بجنب الإنسان، فتدبّر جيّداً.

ثمّ هذا كلّه بناء على المنع عن شمول الاخبار (2) الدّالة على الذّم و الوعيد على تفسير القرآن بالرّأي، بحمل الظّواهر منه على المعاني الظّاهرة فيها على ما هو طريقة الخاصّة من الاستعانة و الاستظهار، بالنّقل و السّماع عن العترة الطّاهرة، و عدم الاستقلال في ذلك و الاتكال إلى القواعد العربيّة، و دعوى اختصاصها بغير الظّواهر، و انّ المراد منها تأويل المتشابهات بالرّأي و الاعتبار العقليّ الّذي يؤدّى إليه نظره القاصر، و عقله الفاتر، أو تأويلها على وفق رأيه و طبق ميله من هواه و طبعه، فيحمله على هذا التّفسير برأيه و ميله، كما يشاهد ذلك كثيراً من أصحاب البدع و الضّلال، لإضلال الجهال؛ أو المراد منها ما يعمّ حمل الظّواهر على المعاني الظّاهرة فيها أيضاً على نحو الاستقلال، من دون المراجعة إلى السّماع و النّقل عن العترة الطّاهرة (عليهم السلام) في تميز النّاسخ و المنسوخ، و الخاصّ و العام، و الحقيقة و المجاز من الكلام.

و امّا لو سلّم ظهورها في نفسها على المنع عن العمل بالقرآن مطلقا، فالجواب لزوم حملها على ما ذكرنا أيضاً، لما يظهر من غير واحد من الاخبار في غير مورد صحّة المراجعة إلى القرآن في استفادة الأحكام، و ملاحظة مجموعها يوجب الاطمئنان بذلك، بحيث لا يصغى إلى ما يمكن ان يناقش به في خصوص كلّ مقام، كما يظهر صدق ما ذكرنا من التّأمّل التّام فيما نقله (قده) في المقام و غيره، مثل ما عنه (صلى اللَّه عليه و آله): «اقرءوا القرآن و التمسوا غرائبه» (3). و ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: «قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله):

و الّذي بعثني بالحقّ لتفرقنّ أمّتي عن أصل دينها و جماعتها على اثنين و سبعين فرقة، كلّها

____________

(1)- النجم- 28 و الإسراء- 36.

(2)- وسائل الشيعة 18- 129

(3)- مجمع البيان 1- 27 (مع تفاوت).

92

ضالّة مضلّة يدعون إلى النّار، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب اللَّه، فانّ فيه نبأ ما كان قبلكم، و نبأ ما يأتي، و حكم ما بينكم من خالفه من الجبابرة خصمه اللَّه، و من ابتغى العلم في غيره أضلّه اللَّه، و هو حبل اللَّه المتين، و نوره المبين، و شفاؤه النّافع، عصمة لمن تمسّك به، و نجاة لمن اتّبع، لا يعوج فيقام، و لا يرفع فيستقيم، و لا ينقضي عجائبه، و لا يخلقه كثرة ترديد- الحديث-».

بقي أمران:

الأوّل [اختلاف القرائة فى الكتاب اذا كان موجبا لإختلاف المؤدّى‏]

انّه إذا اختلف القراءة في الكتاب على وجهين مختلفين في المؤدّى، كما في قوله تعالى «حتّى يطهرن» (1) حيث قرأ بالتّشديد و التّخفيف، فلا يخلو إمّا ان يقال بتواتر القراءات، أم لا. فعلى الأوّل هما آيتان حقيقة متعارضان، لا بدّ من الجمع بينهما بحمل الظّاهر منها على النصّ أو الأظهر لو كان بينهما، و إلاّ فالتّوقّف و الرّجوع إلى غيرهما. و على الثّاني إمّا قام الدّليل على اعتبار كلّ قراءة في إثبات القرآنيّة بها و ترتيبها لها من الآثار، كجواز القراءة، و الاستدلال كما نقل الإجماع على جواز القراءة بكلّ قراءة، أم لا.

فعلى الأول هما بمنزلة آيتين متعارضتين، فلا بدّ من الجمع بينهما أيضاً، و إلاّ فالتّوقّف و الرّجوع إلى غير هما مطلقا بناء على عدم ثبوت التّرجيح على الإطلاق بين الأمارات، بل في خصوص الرّوايات تعبّداً، لاختصاص دليله بها و إذا لم يكن في البين ترجيح لأحدهما؛ و امّا معه فالأخذ بالرّاجح بناء على ثبوته الأصلي‏ (2) كما ليس ببعيد. و على الثّاني لا يجوز الاستدلال بواحد منهما مطلقا و لو كان بينهما ترجيح و قلنا بثبوته بين الأمارات، إذ المفروض عدم اعتبار القراءات بالنّسبة إلى جواز الاستدلال، و لا مجال للتّرجيح بناء على ثبوته، إلاّ فيما اعتبر من الأمارات كما هو واضح. فانقدح بذلك ما أفاده في المقام من بيان ما لهذه الأقسام من الأحكام، فتدبّر جيّداً.

____________

(1)- البقرة- 222

(2)- خ ل: انه الأصل‏

93

ثمّ انّ المرجع بعد التّوقف أو السّقوط هل هو عموم قوله تعالى «فأتوا حرثكم- الآية-» (1) بناء على انّه لعموم الزّمان، أو استصحاب حكم المخصص؟ وجهان ناشئان من انّ الأزمان لو حظت في المقام مشخّصة و مقرّرة لموضوع العامّ، فالمرجع يكون عمومها لأصالة العموم فيها لا يعلم تخصيصه به من افراد الزّمان؛ أو طرفاً لاستمرار حكمه فيها، فالمرجع يكون استصحاب حكم المخصّص لانقطاع حكم العامّ به، و ليس ما كان بعد زمانه من الأزمان من افراده، ليلزم عدم انسحاب حكمه فيه زيادة تخصيص ليجدي أصالة العموم فيه إذا شكّ فيه، كما بيّن في محلّه، فتفطّن.

الثاني [مقتضى القول بوجوب التحريف بإسقاط أو التصحيف فى الكتاب‏]

انّ العلم بوقوع التّحريف بالإسقاط أو التّصحيف في الكتاب لو سلّم فهو انّما يوجب التّوقّف عن العمل بظواهره لو علم بوقوعه في خصوص ظواهر آيات الأحكام، مضافاً إلى ما يظفر به في الاخبار من التّحريف، إلاّ إذا علم بوقوعه بمقدار ما يظفر به في الاخبار مطلقا و لو في خصوصها، أو مطلقا و لو كان زائداً على ذاك المقدار فيما إذا لم يعلم به في خصوصها، و ذلك لانحلال العلم الإجمالي بالظّفر بذلك المقدار إلى العلم التّفصيلي، و محض الاحتمال في الأوّل و عدم تأثيره التّوقف في الثّاني، لخروج أحد طرفي العلم عن محلّ الابتلاء.

لا يقال: خروج بعض أطراف العلم بطروّ ما يوجب الإخلال بأحد الظّهورين عن محلّ الابتلاء، ليس حاله حال خروج بعض أطراف العلم بالتّكليف عن محلّ الابتلاء؛ كيف، و ملاكه تنجّز التّكليف به الّذي لا يكاد ان يكون إلاّ ان يعلم بتوجّهه فعلاً على كلّ تقدير، و معه لا يكون إلاّ على تقدير تعلّق التّكليف بمحلّ الابتلاء بخلافه، فانّ ملاكه العلم بطروّ خلل في أحد الظّهورين و هو يوجب إجمالها و لو كان أحدهما خارجاً عن محلّ الابتلاء، كما يظهر ذلك بمقايسته بالجمل المتعقّبة بالاستثناء بناء على عدم ظهور الاستثناء في الرّجوع إلى الأخيرة أو الجميع، حيث انّه يوجب الإجمال في الجميع، و لو كانت غير الأخيرة منها خارجة عنه.

لأنّا نقول: انّ بناء العقلاء على اتّباع ظهور الكلام إذا انعقد و استقرّ، و لو علم إجمالاً بطروّ خلل من خارج عليه، أو كلام آخر غير مبتلى به، و صحّة الاحتجاج به إلى ان يعلم بقيام ما يوجب الإخلال به تفصيلاً أو إجمالاً، بينه و بين ظهور آخر كان حجّة عليه‏

____________

(1)- البقرة- 223

94

أيضاً. و مقايسة المقام بما إذا احتفّت بالكلام، ما يمكن ان يخلّ به أو بغيره ممّا احتفّت به، كالاستثناء في المثال؛ في غير محلّها، و مع الفارق، و هو عدم تحقّق الظّهور في المقيس عليه مطلقاً و ان كان بعض الأطراف ما علم إجمالاً برجوعه إليه خارجاً عن محلّ الابتلاء، بخلاف المقيس، فانّه لا ينثلم به أصل ظهوره و لو علم رجوعه إليه تفصيلاً، بل انّما ينثلم به حجّيته و اعتباره فيما علم برجوعه إليه كذلك، أو إجمالاً بينه و بين كلام آخر مبتلى به مثله، و لذا يرجع إلى عموم العامّ في المخصّص عند إجماله في المنفصل، دون المتّصل.

و ممّا ذكرنا ظهر انّه لا يهمّنا الكلام في إثبات وقوع التّحريف أو عدمه في المقام. نعم لو كان احتمال وقوعه في الجملة مانعاً عن الاستدلال بظواهر آيات الأحكام، كان على من يقول بحجّيتها فعلاً سدّ باب هذا الاحتمال.

قوله (قده): و امّا القسم الثّاني، و هو الظّنّ الّذي يعمل لتشخيص الظّواهر- إلخ-.

بعد الفراغ عن إثبات حجّية الظّهور في تشخيص المراد في القسم الأوّل؛ يقع الكلام في هذا القسم فيما يشخّص به الظّهور من الأمارات فيما لم يعلم بتحقّقه هناك.

فاعلم انّه لا كلام في عدم حجّية مطلق الظّنّ بالخصوص في المقام، و انّما وقع الإشكال و الخلاف في حجيّة خصوص قول اللّغوي في تشخيص ذلك؛ و التّحقيق انّ الرّجوع إلى اللّغة لا يوجب تشخيص الظّهور بحيث يحمل عليه عند فقد القرينة مطلقا، كان المذكور فيها معنى، أو معاني. امّا على الثّاني فواضح لاحتمال الاشتراك فيها و عدم تميز كون اللّفظ في أيّ منها حقيقة و لو على تقدير عدم هذا الاحتمال. و امّا على الأوّل فكذلك، لاحتمال معنى آخر لم يظفر به، يكون فيه حقيقة أو مجازاً، لوضوح عدم إمكان الإحاطة بجميع موارد استعمالاته عادة، و لو سلّم إمكانها فلا يمكن إحراز تحصيلها (1) كذلك، و لو سلّم فلا أقل من ان يكون في غاية البعد، و معه لا ريب في عدم حجّية قوله في نفي معنى آخر أو ادّعاه، و لذا لا يعارض به قول المثبت، كما لا يخفى.

ان قلت: هبه، و لكنّه بضميمة أصالة عدم الاشتراك، و أصالة كون فهم هذا المعنى منه بمعونة قرينة يجدى في ذلك، و يوجب كونه ظاهراً فيه بحيث يحمل عليه عند فقد القرينة فيما لو ذكر له معنى واحد، كما يجدى في ذلك أيضاً أصالة عدم الاشتراك فيما إذا ذكر له معاني، بضميمة ظهور كون أوّلها معنىً حقيقيّاً له.

____________

(1)- خ ل: تحققها

95

قلت: أصالة عدم الاشتراك ممّا لا حجة على اعتبارها، حيث لم يحرز من العقلاء انّهم يبنون على عدمه عند احتماله، بحيث يحمل عليه اللّفظ عند إطلاقه بلا قرينة، و كذا أصالة عدم القرينة في مثل المقام، فانّ المعلوم من حالهم انّما هو عدم الاعتناء باحتمالها في صرف الظّهور المستقرّ عليه الكلام، لا في أصل انعقاده، و استقراره له لو لم يكن المعلوم منهم خلافه.

و من هنا ظهر حال استكشاف كون تبادر المعنى وضعيّاً و من نفس اللّفظ، أو كون الانفهام بالقرينة العامّة، ككون الأمر عقيب الخطر، لا بقرينة خاصّة من هذا الأصل، كما يظهر حال إعمال أصالة عدم الاشتراك لإثبات الظّهور فيما إذا ذكر له معاني بضميمة ظهور كون أولها معنى حقيقيّا، مع منع هذا الظّهور، بل الظّاهر كونه أكثر استعمالاً حقيقيّاً كان أو مجازيّا، مع منع حجّية كلام اللّغوي في تعيين كون المعنى حقيقيّاً أو مجازياً و لو صرح به، بل انَّما يكون حجة في تعيين أصل المعنى، و ذلك لأنّه لا وجه لحجّية قوله، إلاّ من جهة حجّية قول كلّ بارع باهر في صنعته فيما يختصّ بصنعته، و لا يختصّ بفنّ اللّغة إلاّ خصوص ضبط المعاني المستعمل فيها، دون كيفيّة الاستعمال فيها، بل يكون اللّغوي و غيره سواء حيث يحتاج في تعيينها إلى إعمال علائم الحقيقة و المجاز. و من المعلوم عدم اختصاصها به.

و بالجملة انّ الظّاهر و ان كان حجّية قوله في تعيين أصل المعاني من دون اعتبار شرائط الشّهادة فيه إذا لم يكن موهوناً، كما إذا استشهد بما لا شهادة له مثلاً من باب بناء العقلاء على الرّجوع إلى البارعين في الصّنائع؛ إلاّ انّ الرّجوع إليه لا يجدى فيما يهمّنا من تشخيص الظّهور مطلقاً، كما عرفت تفصيله.

و لا يخفى عدم تفاوت فيما ذكرنا بين كثرة الحاجة إلى الرّجوع إلى قوله، لكثرة موارد الاشتباه و قلّتها.

قوله (قده): و من جملة الظّنون الخارجة عن الأصل، الإجماع المنقول- إلخ-.

تلخيص الكلام في المقام انّ حجّية الإجماع المنقول من باب حجّية الخبر بالخصوص، إمّا من شمول أدلّة الحجّية (حجّيته. ن. ل) بعمومها، أو إطلاقها لكلّ واحد من الخبر عن حسّ أو حدس؛ و إمّا من كون استناد النّاقل في نقله رأى الإمام (عليه السلام) في ضمن نقل الإجماع بلفظه أو بغيره ممّا يشابهه على اختلافه إلى الحسّ أو الحدس القريب منه؛ و إمّا من كون المنقول إليه ممّن يرى الملازمة، كالنّاقل بين ما نقل إليه عن حسّ أو ما بحكمه، و بين رأيه (عليه السلام) و لو لم يكن بينهما ملازمة بحسب العادة، خلافاً لما أفاده، كما سيظهر

96

وجهه؛ و لا يكاد ان يكون حجة بالخصوص من باب حجّية الخبر إلاّ بأحد هذه الأمور؛ امّا عدم الحجّية بدونها فواضح، بداهة عدم دليل حينئذ على نقل الإجماع المتضمّن لنقل قوله (عليه السلام) حدساً، تعبداً بالنّسبة إلى من لا يرى الملازمة بينهما أصلاً، لا من باب الكاشف و لا المنكشف، لاختصاص أدلّة حجّية الخبر بغيره.

و لا يخفى انّ الغالب في الإجماعات المنقولة ذلك، إذ قلّ ان يوجد بينهما ما يكون متضمّناً لنقل قوله (عليه السلام) حسّاً أو حدساً قريباً منه، بل يكون نقله غالباً لها من باب الحدس البعيد، أو اللّطف، كما يظهر ممّا أفاده (قده).

و امّا الحجّية بأحدها فامّا بالأوّل فلكون نقل الإجماع متضمّناً لا محالة، لنقل قوله (عليه السلام) على نحو التّضمّن أو الالتزام. نعم ليس ببعيد ان يقال انّ عموم الأدلّة لا يفيد حجّيته ما كان مبناه على اللّطف مطلقا، بناء على عدم صحّته مطلقا، أو مبناه على الحدس في خصوص ما كان من مقدّمة باطلة تخيّل صحّتها، فتدبّر جيّداً. و امّا بالثاني فواضح و لو قلنا باختصاص أدلّة الحجيّة بالحسّيّ و ما بحكمه، إذ لا تفاوت في نقل قوله (عليه السلام) بين نقله تفصيلاً، كما في الرّوايات، أو في ضمن نقل الأقوال، كما لا يخفى، لكنّه قلّ ما يتّفق مثله في الإجماعات. و امّا بالثّالث فلأنّ الأمر المحسوس المنقول إليه يثبت بالخبر و هو ينتقل منه إلى لازمه باعتقاده و ان لم يكن ممّا يستلزمه عادة، إذ لا معنى للتّعبّد بالخبر في شي‏ء إلاّ ترتيب ما له من اللّوازم الثّابتة له واقعاً.

و من المعلوم انّه ليس طريق الإحراز إلاّ اعتقاد المنقول إليه بالثّبوت و لو من باب الاتّفاق، من دون لزوم استلزام عادة بحيث يقطع باللّزوم و الثّبوت كلّ أحد، بل يكفى قطعه به، فلو كان خبر عشرين عنده مثلاً مستلزماً لوقوع المخبر به، فإذا أخبره عادل بإخبار عشرين يكون خبره بإخبارهم حجّة يثبت به ما يكون لازمة عنده من وقوع المخبر به بلوازمه و أحكامه.

و بالجملة يكون المنقول إليه كالمحصّل له فيعامل معه معاملته، فمن يراه تمام السّبب يعامل معه معاملته كما إذا حصّله، و من يراه جزئه يعامل معه معاملته فيضمّ إليه ممّا يحصّله ما يبلغ به تمام السّبب باعتقاده و ان لم يبلغ ما يكون تمامه عادة، بل لا يكفي كونه تمامه عادة ما لم يعتقد باللّزوم و الثّبوت واقعاً، فالمدار على إحرازه ذلك و عدمه مطلقا كما لا يخفى.

فانقدح بذلك انّه لا وجه لما أفاده من اختصاص حجيّة نقل الإجماع فيما كان مبنى النّقل على الحدس من أمور محسوسة بما إذا استلزمت رأيه (عليه السلام) عادة و ضرورة، إلاّ إذا كان مراده حجّيته مطلقا بالنّسبة إلى الكلّ، لا مطلقا حتّى بالنّسبة إلى خصوص من‏

97

يرى استلزامه خصوص ما نقل إليه من المحسوس لرأيه (عليه السلام)، غاية الأمر يكون حجّة فيما استلزم ضرورة بحسب العادة، سواء جعلنا مناط حجّيته تعلّقه بالكاشف أو بالمنكشف، كما حقّقه المحقّق الكاظمي و قرّره المصنف (قدّس سرّهما)، بخلاف ما إذا لم يستلزم إلاّ من باب الاتّفاق لدى المنقول إليه، فالمناط انّما هو تعلّقه بالكاشف، إذ المفروض اختصاص أدلّة الحجّية بالمحسوس و ما بحكمه و المنكشف به، و هاهنا ليس بواحد منهما.

و الظّاهر انّ ذلك موافق لما أفاده المحقق الشّيخ أسد اللَّه، كما يظهر من التّأمّل في كلامه، حيث انّه جعل السبب المنقول بعد حجيته كالمحصل في استكشاف الحجة المعتبرة منه تارة بنفسه، و أخرى بضم ما يحصله من الأقوال و الأمارات، إذا الظاهر منه إيكال إحراز سببيّته بنفسه أو بالضميمة إلى نظر المنقول إليه، فكما يختلف الحال في الاستكشاف بحسب اختلاف حال الناقل حين نقله، من جهة ضبطه و تورّعه في النقل، و بضاعته في العلم، و وقوعه على الأقوال؛ كذا يختلف الحال بحسب إنظار المنقول إليه، فرب يرى أحد مما نقل إليه من المحسوس مستلزماً لرأيه (عليه السلام) و لا يراه الآخر؛ كما يختلف الحال بحسب اختلاف الأنظار في الاستظهار من اللفظ الدال على السبب أيضا، و لعل ذلك أي جعل المحقق المذكور السبب المنقول مطلقا كالمحصل، و ان لم يكن سببيته ضرورية بحسب العادة، صار سبباً لجعله حجية النقل باعتبار نقل السبب الكاشف و حصول الانكشاف للمنقول إليه، لا باعتبار نقل ما انكشف منه‏ (1) لناقله بحسب ادعائه، بخلاف المصنف العلامة (قده) فانه لما خصص حجية السبب المنقول بما كان سبباً عادة، جعل مناط حجيته أعم منهما، و هذه جهة اختلاف أخرى بين ما أفاده (قده) و ما أفاده المحقق (ره) كما لا يخفى، فتدبر جيداً.

ثم انك إذا عرفت ان حجية الإجماع المنقول من باب الخبر بالخصوص مطلقا، يبتنى على عموم أدلة حجية الخبر لما كان مبناه الحدس أيضاً. فاعلم ان أدلتها لا تكاد تفي بذلك:

اما الإجماع و بناء العقلاء فواضح. و اما الاخبار فلانصرافها إلى غير ذلك، لا أقل من عدم إطلاق لها يعم غير المتعارف من الروايات، كما لا يخفى على من لاحظها. و اما الآيات فسيجي‏ء عدم دلالتها على الحجية أصلاً.

و لا يخفى ان ما أفاده (قده) في آية النبأ (2) من استظهار كونها بصدد بيان الفارق بين الفاسق و العادل، من حيث احتمال تعمد الكذب لا من حيثية أخرى، كما يشهد تصريحه‏

____________

(1)- خ ل: عنه‏

(2)- الحجرات- 6

98

بذلك في ذيل «قلت» جواباً عن «ان قلت» الثاني، و تفريعه عليه بقوله «فالآية لا تدل أيضا على اشتراط العدالة- إلى آخرها-» كما لا يخفى، ظاهر في المنع عن دلالتها على حجية خبر العادل فعلاً، مع ان الظاهر من سوق كلامه ((قدّس سرّه)) انه بصدد بيان الفارق بين خبر العادل عن حس و عن حدس على تقدير دلالتها على حجية خبره في الجملة فعلاً.

و لا يخفى انه حينئذٍ يكون اعتبار كل ما شك في اعتباره وجوداً كان أو عدماً على وفق الأصل، و لا يحتاج إلى دليل أصلاً، فلا وقع لقوله بعد التفريع، بل لا بد له من دليل آخر الا ان يريد ما يعم الأصل، فتدبر.

لا يقال: غرضه إجمال الآية من جهة احتمال الخطاء في الحدس، و هو ينافي إطلاقها من ساير الجهات مع إيكاله صحته من هذه الجهة إلى ما عليه العقلاء من أصالة عدم الخطاء فيكون دليلاً بضميمة هذا الأصل فيما يجري فيه على حجية الخبر فعلاً، كما يظهر مما أجاب به عن «ان قلت» الأول.

لأنا نقول: ينافيه ما أفاده في الجواب عن «ان قلت» الثاني صريحاً، كما هو واضح و لعله أشار إلى بعض ما ذكرنا بامره بالتأمل، فتأمل جيداً.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول‏

انه لا يجوز الاستناد إلى نقل الإجماع و لو قلنا بعموم الدليل للخبر عن حدس ما لم يتبين، و تحرز ان مبناه ليس على اللطيف، و لا عن الحدس من مقدمة باطلة، للعلم إجمالاً باستناد بعض الناقلين إلى ذلك، و قد أشرنا إلى عدم مساعدة دليل على الحجية فيما كان بناء النقل على أمر باطل. نعم يكون حجة من باب نقل الكاشف فيما إذا كان ما نقل إليه من الفتيا، صار ملازماً لقوله (عليه السلام) عنده بحيث لو كان المنقول إليه محصلاً له، لكان قاطعاً برأيه (عليه السلام)، و لو كان الناقل لا يرى ذلك، بل انما اعتمد في نقله بالمقدمة الباطلة من اللطف و غيره، لا من حيث نقل المنكشف له بتلك المقدمة، فتفطن.

الثاني‏

ان الظاهر ذلك، أي عدم جواز الاستناد إلى نقل الإجماع من حدس و لو قلنا بعمومه‏

99

له، لو كان في المسألة المنقول فيها ما يمنع عن الحدس مع الالتفات، إليه، كما إذا كان فيها سند واضح من خبر صحيح ظاهر أو صريح في المقصود، أو كان ممّا يتطرّق إليه العقل، بحيث كان من الممكن عادة استناد النّاقلين‏ (1) كلاً، أو بعضاً إلى حكم العقل، و ذلك لأنّ الاتفاق في مثل هذه المسألة، و لو كان من الكلّ، لا يوجب الحدس لمن يلتفت إلى ذلك، فليس حدس رأيه (عليه السلام) آكد من فعله.

ان قلت: إذا كانت المسألة كذلك، فلا بدّ من المصير إلى ما نقل عليه الإجماع من حكمها، قلنا بحجّيته، أم لا.

قلت: ليس كذلك لو لم نقل بها، لإمكان الظّفر بما يعرض الخبر، و يرجّحه عليه، و عدم الإذعان بما ادّعوا من حكومة العقل، أو الحكم بخلافه، فتأمّل جيّداً.

الثّالث‏

انّه لا يجوز الاستناد إليه، و لو أحرز عدم كون حدسه عن مقدّمة باطلة، و لم يكن هناك مانع عنه ما لم يتفحّص عن حاله، و انّه ليس ممّا يرجع عنه ناقله، أو نقل هو أو غيره الإجماع على خلافه، إذ كثيراً مّا يتّفق ذلك في الإجماعات المنقولة، فبذلك صار نقله موهوناً لا يجوز الاتّكال عليه ما لم يحرز خروجه عن دائرة ما علم فيها ذلك بالفحص و اليأس من الظّفر بنقل الإجماع على خلافه مطلقا، أو برجوع ناقله عن الفتوى على طبقه، حيث يكشف عن مسامحته في نقله أولا، قصوراً أو تقصيراً، كما لا يخفى وجهه على المتأمّل، فتأمّل.

الرّابع‏

انّ الإجماع في مصطلح الخاصّة و ان كان ما اصطلح عليه العامّة من اتّفاق الكلّ، إلاّ انّه لمّا كان ملاك حجّيته عندهم هو الكشف عن قوله (عليه السلام) بوجه إمّا اشتمالاً، أو لملازمته إيّاه حدساً، أو تقريراً، أو لطفاً على اختلاف مشاربهم، تسامحوا ابتداءً في إطلاق لفظه على اتّفاق جماعة يكشف عن رأيه (عليه السلام) بأحد الوجوه فأطلقه كل من كان حجّيته عنده دائرة مدار دخوله على اتّفاق جماعة كان أحدهم الإمام، قلّت أو كثرت، و أطلقه غيره ممّن يرى حجّيته من جهة استلزامه لرأيه (عليه السلام) بأحد الوجوه السّابقة على اتّفاق جماعة كذلك كان مستلزماً له، لا انّهم تسامحوا أوّلاً في إطلاقه على اتّفاق جماعة

____________

(1)- القائلين. ظ.

100

كان الإمام (عليه السلام) داخلاً فيهم، ثمّ تسامحوا ثانياً في إطلاقه على ما يستلزم رأيه (عليه السلام)، كما أفاده (قده) كما لا يخفى. بداهة انّ مثل الشّيخ من رأس أطلقه على اتّفاق علماء أهل عصر واحد، لاستلزامه عنده لطفاً لرأيه (عليه السلام).

ثمّ انّ وضوح كون ملاك حجّيته ذلك عندهم، بحيث لا اعتناء لهم معه بكثرة الجماعة أصلاً يوجب مسامحتهم في إطلاقه، و هو أغناهم عن نصب قرينة أخرى على ذلك، فلا يكون تدليساً أصلاً، و لو كان نقل الإجماع المصطلح حجّة عند الكلّ، فلا وجه لما اعتذر به عنه من عدم حجّيته عند الكلّ، بعد تسليم كونه تدليساً لو كان حجّة عندهم لعدم إحداثه في ذلك، غاية الأمر لزوم التّدليس بالنّسبة إلى خصوص من يرى حجّيته، و هو كاف في المحذور كما هو واضح. و العجب من صاحب المعالم، حيث غفل عن ذلك مع وضوحه، فتعجّب من إطلاقهم هذا، و جعله عقلة من جمع الأصحاب من كون الإجماع هو ما اشتمل على قوله (عليه السلام)، فالغفلة عنه، لا عنهم هذا.

الخامس‏

انّه قد ظهر من مطاوي ما قدّمناه، انّه لا يتفاوت في الاعتبار من حيث نقل السّبب و الكاشف بين ان يكون المنقول تمامه أو جزئه، و الدّليل عليه شمول أدلّة الاعتبار له من الإجماع، و السّيرة، و غير هما. بداهة انّه ليس عند العلماء أو العقلاء ما إذا سمع من ثلاثين مخبرا شيئاً، و أخبره ثقة باخبار عشرين به غيرهم أيضاً، بأقلّ في الاعتبار ممّا إذا أخبره الثّقة باخبار تمام الخمسين به، كما لا يخفى، فكما لا يجوز الاتكال على النّقل فيما إذا تعلّق بتمام الخمسين، يجوز الاتكال عليه فيما إذا تعلّق بجزئه، فيضمّ إليه من الأمارات ما كان المجموع منه و من المنقول إليه سبباً تاماً فيكشف منه، كما إذا كان الكلّ محصّلاً له كالمنقول كلّه.

نعم لو كان المنقول سبباً تامّاً ربّما يكون حجّة، سواء تعلّق النّقل به أو بالمسبب، بخلاف ما إذا كان جزئه باعتقاده المنقول إليه، فلا يكون حجّة إلاّ من حيث تعلّقه بالسّبب، كما أشرنا إليه سابقاً، فلا تغفل.

السّادس‏

انّ العبرة في تعيين انّ ما نقل إليه تمام السّبب أو جزئه بمراتبه، انّما هو بظهور اللّفظ الّذي يختلف بحسب اختلاف الألفاظ الّتي ينقل بها الإجماع، و اختلاف المقامات مثل مقام الاستدلال‏ (1) و مقام بيان الخلاف و الوفاق في المسألة، و اختلاف الأنظار، و اختلاف‏

____________

(1)- خ ل: الاستدلالات‏

101

النّاقلين، و اختلاف الكتب حتّى بالنّسبة إلى ناقل واحد، فالمتّبع ما يستظهره من لفظ ما نقل إليه بملاحظة جميع هذه الخصوصيات، و على تقدير عدم الاستظهار، الاقتصار على الأقلّ، فتأمّل جيّداً.

السّابع‏

انّه قد ظهر حال نقل التّواتر ممّا ذكرناه في نقل الإجماع على الإجمال و التّفصيل، انّ الكلام فيه يقع تارة بملاحظة آثار نفس ما نقل تواتر خبره، و أخرى بملاحظة آثار نفس التّواتر.

أمّا بالملاحظة الأولى فهو انّه انّما يقبل نقل التّواتر فيما إذا نقل إليه من الاخبار ما يكون ملازماً لوقوعه عنده، و لو لم يكن ملازماً عادة بحيث يقطع ضرورة كلّ أحد بالوقوع عند هذا المقدار من الاخبار، خلافاً لما أفاده (قده) فيختلف حسب اختلاف إنظار المنقول إليهم، و اختلاف مقدار المنقول.

و أمّا بالملاحظة الثّانية فهو انّه ان كانت الآثار التّواتر (1) في الجملة و لو عند غيره، فيقبل نقله مطلقاً، و لو لم يكن مقدار ما نقل إليه من الاخبار على الإجمال بالغاً حدّه عنده و ان كانت الآثار مخصوص ما بلغ حدّه عنده يقبل نقله لو كان مقداره بالغاً عنده. و ان لم يبلغ عند غيره، فلا وجه لما أفاده (قده) من نفي الإشكال عن عدم ترتيب آثار ما تواتر عند هذا الشّخص لنقله مطلقا.

اللّهم إلاّ ان يريد خصوص ما إذا أخذ في موضوعها العلم على نحو الصفتيّة، فحينئذ يؤاخذ بأنه لم يتعرّض لغير تلك الصّورة مع انّ قرينة المقابلة، و السّياق يقتضى التّعرض له، كما لا يخفى.

فتلخّص انّه إذا نقل إليه ما يبلغ حدّ التّواتر عنده يجب ترتيب الآثار مطلقاً، كانت للواقع أو للتّواتر مطلقا، و إذا لم يبلغ حدّه لم يترتّب عنها إلاّ خصوص ما كان له في الجملة.

و منه ظهر حال ما ذكره (قده) من فرع جواز القراءة، و انّه يجوز مطلقاً لو كان ما نقله الشّهيد بالغاً ذلك الحدّ عنده، و لا يجوز ان لم يبلغه إلاّ إذا كانت من آثار ما تواتر قرآنيّته في الجملة.

____________

(1)- خ ل: المتواتر

102

فلا وجه لما أورده صاحب المدارك، تبعاً لشيخه على المحقّق و الشّهيد الثّانيين أصلاً، حيث انّه ليس هذا رجوعاً عن اشتراط التّواتر في القراءات، بل هذا إحرازها كسائر الشّروط، و إحرازها كسائر الأمارات؛ هذا، و لو قلنا باعتبار التّواتر عند القاري إلاّ ان يقال باعتبار العلم به عنده، لا نفسه، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده) و من جملة الظّنون التي توهّم حجّيتها بالخصوص، الشّهرة- إلخ-.

لا يخفى انّه يمكن تقريب دلالة بعض أدلّة حجّية الخبر الواحد بمفهوم الموافقة على حجّية الشّهرة، مثل آية النّبأ (1) بان يقال: انّه لمّا كانت هذه الآية مفصّلة بين الفاسق و العادل، منطوقاً و مفهوماً، مع تعليل الحكم في طرف المنطوق بعدم إصابة القوم بالجهالة و حصول النّدم بذلك، كانت دالّة من حيث دلالتها المفهوميّة عرفاً على حجّية كلّ أمارة كانت أقوى ظنّاً، و أبعد من الإصابة بالخطإ من خبر العدل بطريق أولى.

و بعبارة أخرى يفهم العرف من مثل هذه القضيّة، ثبوت الحكم في طرف المفهوم لما كان أقوى ظنّاً من خبر العادل على نحو أولى لفهمهم منها، إنّ مناط حجيّة خبر العادل بقرينة تعليل الحكم في طرف المنطوق بمعزل عن الإصابة (2) بالخطإ، و هو مجرّد أبعديّة خبر العادل من (عن. ن. ل) الإصابة به من خبر الفاسق، فيدلّ على أولويّة الحكم فيما كان ذلك فيه أشدّ و أقوى، فعلى هذا يكون استفادة حكم الفرع من الدّليل اللّفظي الدّال على حكم الأصل، فيكون تسميتها بمفهوم الموافقة في محلّه. و هكذا يمكن تقريب ذلك في الرّوايات الّتي يكون مضمونها الإرجاع إلى الثّقات، حيث لا يبعد ان يقال: انّ الظّاهر منها عرفاً انّ ملاك ذلك هو الثّقة بما يحكى و يخبر، فيكون في كلّ ما كان فيه أشدّ، كان الحكم فيه أولى. و لا يخفى انّه على هذا ينحصر الجواب بمنع هذه الدّلالة عرفاً، فتأمّل.

قوله (قده): و من جملة الظّنون الخارجة بالخصوص عن أصالة حرمة العمل بغير العلم، خبر الواحد- إلخ-.

اعلم انّ إثبات الأحكام الشّرعيّة بالأخبار المرويّة عن الأئمة (عليهم السلام) و ان كان يتوقّف على جهات شتّى لا يكاد استنباطها منها إلاّ بإحرازها، إلاّ انّها على أقسام:

____________

(1)- الحجرات- 6

(2)- بمعرفته الإصابة. ظ.

103

منها ما فرغ عنه في علم الكلام، و هو حجّية السّنة.

و منها ما هو مفروغ عنه بلا كلام، و هو أصالة عدم الصّدور منهم.

و منها ما يبحث عنه في هذا العلم، و هو مباحث الألفاظ في غير مبحث و مقام فلم يبق منها إلاّ صدور ما حكى منهم (عليهم السلام) فعقد له هذا المبحث في المقام ليبحث فيه انّ السّنّة المحكيّة فيما لم يعلم بتواتر الاخبار بالقرائن و الآثار هل يثبت بخبر الواحد، أو لا؟

و لكن لا يخفى انّ البحث عن حجّية خبر الواحد و ان كان راجعاً في الحقيقة إلى البحث عن إثبات السّنة به، و هي أحد الأدلّة الأربعة الّتي يكون موضوعاً لعلم الأصول على ما هو المعروف في ألسنة الفحول، إلاّ انّ البحث عن إثبات موضوع العلم و تحقّقه ليس من مباحثه و مسائله بل من مباديه، ضرورة انّ المسائل يكون باحثة عن مفاد كان النّاقصة، أي إثبات شي‏ء للموضوعات من عوارضها الذّاتيّة، لا عن مفاد كان التّامة، أي إثباتها و تحقّقها، بل لا بدّ ان يكون مفادها بيّناً أو مبيّناً في علم أعلى، يكون ذلك بالنّسبة إلى موضوعة من مفاد كان النّاقصة، و لو لم يكن بيّناً أو مبيّناً في علم آخر، فليبحث عنه في نفس العلم في المبادي.

لا يقال: هذا كذلك في البحث عن إثبات الموضوع حقيقةً و واقعاً، لا جعلاً و تعبّداً، فانّ إثباته كذلك في الحقيقة يكون مفاد كان النّاقصة، إذ ليس محصّله إلاّ ترتيب الآثار الشّرعيّة عليه.

لأنّا نقول: ثبوته التّعبّدي و ان كان مفاد كان النّاقصة حقيقة، إلاّ انّه لمشكوكه، لا له.

و امّا بالنّسبة إليه فليس إلاّ مفاد كان التّامة تعبّداً. فانقدح انّه بناء على كون الأدلّة الأربعة موضوعاً للأصول لا يندرج مثل هذا المبحث في مسائل إلاّ بالتّجشم و جعل ذاتها موضوعاً، لا بما هي أدلّة، كما يساعد على ذلك تعريفه، حيث انّ قضيّة كلّ مسألة يكون لتمهيد قاعدة و استنتاج فائدة يقع في طريق استنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة، بان وقع صغرى أو كبرى القياس المستتبع لحكم شرعيّ يكون من مباحثه و مسائله، و جعل الأدلّة بما أدلّة موضوعاً له من قبيل لزوم ما لا يلزم، مع انّه مستلزم لخروج عمدة المباحث الأصوليّة عن المسائل، كما لا يخفى، فتدبّر جيّداً.

ثم انّ الجواب عن استدلال المانعين عن حجّية الخبر الواحد ان يقال: امّا عن الآية الأولى، فبمنع إطلاقها من حيث المورد الّذي منع فيه عن اتّباع غير العلم مطلقا، أيْ أيّ فرد منه كان، و القدر المتيقّن منه غير الصّورة الّتي انسدّ باب العلم فيها بالاحكام، بحيث لو لم يكن نقل بحجّية خبر الثّقة مثلاً لزم الاكتفاء به و بما دونه، مضافاً إلى ما أفاده (قده).

104

و امّا عن الآية الثّانية فبما يأتي مفصّلاً. و امّا عن الأخبار فبأنّ غاية تقريب الاستدلال بها ان يقال و ان لم تكن متواترة لفظاً، و لا معنىً لاختلافهما بحسبهما كما لا يخفى، إلاّ انّه يقطع بصدور بعضها بحيث يستحيل عادة ان يكون كلّها كاذبة، و هو كاف في المنع.

و لا يخفى انّ قضيّة ذلك ان يؤخذ بأخصّ الطّائفة التي يقطع بصدور البعض في جملتها، ليتوافق عليه الكلّ، و ما يكون أخصّ هذه الاخبار مضموناً، ما دلّ منها على المنع عمّا خالف الكتاب و السّنّة، إلاّ انّ يدعى القطع به في غير هذه الطّائفة، و ليس ببعيد، فيكون أخصّها ما دلّ على المنع عمّا لا يوافقهما.

و من المعلوم انّها على الأوّل لا تدلّ على المنع عن خبر الواحد مطلقا، بل عن خصوص المخالف، و كذلك على الثّاني، ضرورة انّ ظاهر قضيّة ما لا يوافق عرفاً خصوص السّالبة المنفيّة بانتفاء المحمول، لا ما يعمّ السّالبة المنفية بانتفاء الموضوع، و يشهد على إرادة المخالف ممّا لا يوافق منها انّه جعل مقابلاً للموافق في رواية محمد بن مسلم‏ (1) و صحيحة هشام بن الحكم‏ (2)، فتأمّل.

ثمّ بملاحظة القطع بصدور اخبار كثيرة مخالفة للكتاب و السّنّة بالعموم و بالخصوص، و الإطلاق و التّقييد، يقطع بأنّ المراد من المخالفة في هذه الاخبار هو خصوص المخالفة على وجه التّباين الكليّ و إلاّ لزم التّخصيص المستهجن جدّاً، سيّما مع إبائها عن أصل التّخصيص كما لا يخفى، كإبائها عن الحمل على خبر غير الثّقة أو حمل كلّها على ما ورد في خصوص العقائد، أو على خصوص مقام المعارضة. و امّا دعوى عدم صدور ما يباين الكتاب كلّية من المخالفين، فمجازفة، فانّه فيما إذا لم يمكن (يكن. ن. ل) على نحو الدَّسّ في كتب الأصحاب، حيث لا يصدق منهم ذلك حينئذ، لا إذا كان كذلك، كما لا يخفى.

ثمّ انّ الظّاهر انّ الاهتمام في هذه الاخبار الكثيرة (3) على ردّ الخبر المخالف للكتاب و السّنّة، و عدم قبوله و طرحه على الجدار، انّما هو لتنبيه الأصحاب على وجود الاخبار المكذوبة المدسوسة بها في الأصول ليذبوها و يحفظوها بعد ذلك، ان ينالها يد المخالفين ليدسّوا فيها الكفر و الزّندقة في العقائد، و الحكم على خلاف كتاب اللَّه و سنّة نبيّه في غيرها ليصرفوا وجوه النّاس عنهم، و ليس لهم تمام بصيرة بحالهم (عليهم السلام)، و انّهم معصومون عن‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 2- 244.

(2)- بحار الأنوار: 3- 250

(3)- وسائل الشيعة 18- 76 و 79

105

الخطاء و الزّلل، و عن الباطل و الخلل، و لذلك صار الأصحاب بصدد تهذيب الأصول ممّا دسّ فيها بعد ذلك، و نهاية المداقّة و الاحتياط في الرّواية حتّى انّهم لم يرووا عمّن لم يسمع عن الثّقات، و انّما وجد في الكتب، بل عليّ بن فضّال لم يرو كتب أبيه عنه مع مقابلتها عليه، و انّما يرويها عن أخويه أحمد و محمّد عن أبيه، و اعتذر عن ذلك بأنه يوم مقابلته مع أبيه كان صغير السّنّ، ليس له كثير معرفة بالرّوايات، فقرأها على أخويه ثانياً.

فتلخّص انّ ما يقطع بصدوره منهم (عليهم السلام) في هذه الاخبار في الجملة، لا دلالة له على المنع عن قبول خبر الواحد الغير المحفوف بالقرينة مطلقاً، و ما يدلّ على ذلك منها لا قطع بصدوره أصلاً، بل هو خبر واحد غير محفوف بالقرينة، و لا مجال للاستدلال به على المنع عن العمل، بما كان كذلك من الاخبار.

ان قلت: ما دلّ منها على المنع عن الأخذ بما ليس له شاهد أو شاهدان من الكتاب و السّنّة و ان لم يقطع بصدوره، إلاّ انّه ليس ممّا وقع النّزاع في اعتباره، حيث انّه ممّا يكون عليه الشّاهد من الكتاب و السّنّة الدّالّين بالإطلاق أو العموم على المنع عن اتّباع غير العلم مطلقا.

قلت: ليس ما كان الكتاب أو السّنّة شاهداً له بهذا النّحو من الموافقة، خارجاً عن محلّ النّزاع، و داخلاً في معقد الإجماع، بل و لا فيما يكون عليه الشّاهد منها بالمعنى الّذي أريد من هذه الاخبار الّتي دلّت على المنع إلاّ عمّا كان عليه الشّاهد منهما، كما لا يخفى، ضرورة عدم وجدان خبر لم يتوافقه الكتاب و السّنّة بهذا النّحو من الموافقة، أو ندرته و شذوذه جدّاً.

ثمّ ان أبيت إلاّ عن ظهور هذه الاخبار في المنع إلاّ عن ما وافق الكتاب أو السّنّة، فلا محيص عن حملها على المنع عن خصوص ما خالف أحدهما جمعاً بينها و بين ما دلّ على الحجّية من الاخبار الكثيرة.

قوله (قده): و امّا المجوّزون فقد استدلّوا على حجّيّته بالأدلّة الأربعة، امّا الكتاب فقد ذكروا منها آيات- إلخ-.

اعلم انّه ما قيل أو يمكن ان يقال في كيفيّة الاستدلال بآية النّبأ (1) وجوه:

أحدها: انّه من جهة مفهوم الشّرط، حيث علّق بأنّ وجوب التّبيّن فيها عن النّبأ على مجي‏ء الفاسق به فينتفي عند انتفائه.

____________

(1)- الحجرات- 6

106

ثانيها: انّه من جهة مفهوم الوصف، حيث حكم فيها بالتّبيّن على خبر الفاسق فينتفى عند انتفاء الوصف.

ثالثها: انّه من جهة دلالة الإيماء، حيث اقترن فيها بالحكم ما لو لم يكن علّة له من وصف الفسق لاستبعد اقترانه به جدّاً مع كمال مناسبته له، فاستفيد بذلك عليّته لهذا الحكم فينتفي عند انتفائه. و لا يخفى انّ هذا غير سابقه، و لو قيل بأنّ ملاك مفهوم الوصف هو استفادة العليّة من التّعليق عليه، فانّ الاستفادة فيه انّما هو من مجرّد التّعليق، لا بملاحظة خصوصيّة وصف، بخلاف هذا الوجه، فانّه بملاحظتها كما لا يخفى؛ مع انّه ليس بالملاك عند القائلين بالمفهوم فيه، فما يتراءى من كلامه- قدّه- من جعله هذا تقريراً لمفهوم الوصف، كما ترى، فتأمّل جيّداً.

رابعها: انّه من جهة انّه تعالى لمّا صار بصدد الرّدع، و اكتفي بالرّدع عن خبر الفاسق، ظهر حجّية خبر العادل عنده، و إلاّ لردع عنه أيضاً.

خامسها: انّه من جهة انّه حيث علّل تبارك و تعالى لزوم التّبيّن عن بناء الفاسق بخوف إصابة القوم بدونه، ظهر انّ القبول بدون التّبيّن على وفق الأصل لا يحتاج إلى علّة، و إلاّ فالأولى ان يعلّل بعدم ثبوت موجب القبول.

سادسها: من جهة دلالة المنطوق بناء على عدم اختصاص التّبيّن بالعلمي، و شموله للظّنّي مطلقاً أو لخصوص الاطمئناني منه، و يرد على هذا منع المبنى، و ظهور التّبيّن في خصوص العلمي سيّما بملاحظة لفظ الجهالة الظّاهر في عدم العلم مطلقاً.

لا يقال: انّ هذا بملاحظة ظهورهما في نفسه، و لكن بملاحظة انّ حملهما على ذلك يوجب التّخصيص الكثير في العلّة، العلّة أبيه عن أصله مطلقاً، سيّما مثل هذه العلّة الّتي يساعدها الاعتبار، لا بدّ من صرفهما عن ظهورهما إلى ما لا يستلزم ذلك.

لأنّا نقول: لو سلّم ذلك فانّما هو لو لم يلزم من الصّرف محذور أشدّ، و هو في المقام لازم، و هو تخصيص المورد لوضوح عدم كفاية الظّنّ، و لا اطمئنان فيه، بل لا بدّ فيه من العلم، أو البيّنة العادلة، أو غير هما ممّا يقوم مقامهما بدليل خاصّ. و يرد على سابقه انّه انّما يستفاد من التّعليل ذلك لو كانت العلّة راجعة إلى عدم القبول، بخلاف ما إذا كانت راجعة إلى اشتراط القبول بالتّبيّن، كما هو ظاهر الآية (1)، ضرورة انّ وجه الاستفادة هو تعليل العدم بالوجود الكاشف عن ثبوت المقتضى و تحقّقه من جهة انّه لولاه لكان المتعيّن تعليله بعدمه‏

____________

(1)- الحجرات- 6

107

منتف حينئذ، مع انّه لو سلّم رجوعها إلى عدم القبول فانّما تفيد المطلوب لو أحرز انحصار المانع بما علّل به، و لا طريق إليه، و أصالة عدم مانع مثبتة انّ ترتّب المقتضى على المقتضى، انّما يكون من آثار عدم المانع عقلاً. و يرد على سابقه انّه لم يحرز انّه تعالى صار بصدد الرّدع عن كلّ ما ليس بحجّة من الاخبار، لإمكان ان يكون الاقتصار على الرّدع عن خبر الفاسق للتّنبيه على فسق الوليد، مع إمكان منع الاقتصار بملاحظة عموم العلّة لغيره، كما لا يخفى.

و يرد على سابقه منع الدّلالة الإيمائيّة في الآية، فانّ الاقتران و ذكر وصف الفسق فيها ليس ببعيد ان يكون لمجرد التّنبيه على فسق الوليد. و يرد على سابقه منع المفهوم للوصف مطلقاً، لا سيّما مثل هذا الوصف الغير المعتمد على الموصوف. و يرد على سابقه منع المفهوم للشّرط في الآية و لو قلنا بمفهوم الشّرط؛ و ذلك لأنّ المفهوم انّما يجي‏ء من قبل تعليق إثبات حكم لموضوع على شي‏ء بأنّ و أخواته، و ليس في مثل الآية إلاّ إثبات الحكم لموضوعه، و قد سيقت القضيّة الشّرطيّة فيها لمجرّد تحقّق الموضوع و هو خبر الفاسق، كما يظهر حالها من ملاحظة نظائرها مثل «إن ركب الأمير فخذ ركابه» و «إن رزقت ولداً فاختنه» إلى غير ذلك، حيث انّ مفادها ليس إلاّ الحكم بأخذ ركاب الأمير، و ختان الولد، من دون تعليقه على شي‏ء أصلاً كي يقتضى انتفائه انتفائه.

و الحاصل انّ القضيّة الشّرطيّة المسوقة لتحقّق الموضوع لا مفهوم لها أصلاً، كي يلاحظ انّها سالبة منتفية الموضوع أو المحمول. و امّا انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، فهو بحكم العقل في كلّ قضيّة معقولة، أو ملفوظة شرطيّة، أو حمليّة، و ليس بمدلول اللّفظ و المفهوم، و هو انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء الشّرط من مداليله، كما هو واضح.

فانقدح بذلك انّ التزامه- قدّه- بالمفهوم كما يظهر من الجواب عن جعل المفهوم فيها السّالبة المنفية بانتفاء المحمول، انّ المفهوم في الآية و أمثالها ليس قابلاً لغير السّابقة بانتفاء الموضوع؛ في غير محلّه، و انّه من باب اشتباه ما يستقلّ به العقل من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه مطلقاً بما هو اللّفظ.

فالصّواب في الجواب ان يقال كما قلنا: انّ أمثال هذه القضايا لا مفهوم لها أصلاً، و إلاّ فللخصم ان يستظهر و يدعى انّ التّعليق ب (إن) في أمثال هذه القضايا يدلّ عقلاً أو عرفاً على الخلاف في المفهوم على انتفاء سنخ الحكم عن غيرها علّق عليه على وزان مفهوم الوصف أو اللّقب.

و بعبارة أخرى انّ الوصف و اللّقب و ان لم يدلاّ على انتفاء الحكم بنفسهما عن غير الموصوف و اللّقب، إلاّ انّ تعليق الحكم ب (إن) و أخواته على واحد منهما يدلّ على ذلك،

108

فيكون وزان مفهوم الشّرط في أمثالها، وزان مفهوم الوصف و اللّقب على القول به، و ليس المصير إلى ذلك ببعيد، لكثرة استعمال أمثال هذه القضايا في المحاورات، و بعد ان يكون كلمة (إنْ) و أخواتها فيها غير مستعملة في معناه الحقيقي من السّببيّة المنحصرة الّتي هي مبنى القول بمفهوم الشّرط، و قد استعملت مجازاً في مجرّد ربط الوجود بالوجود، بل و من القريب جدّاً استعمالها فيها أيضاً فيما يستعمل فيه في غيرها الّذي لازمه انتفاء سنخ الحكم المعلّق عند انتفاء ما علّق عليه، لا خصوص شخصه، لما عرفت من انّ انتفائه بانتفاء موضوعه ليس من المفهوم الّذي هو أحد نحوي الدّلالة اللّفظيّة، بل هو لازم عقلاً في كلّ حكم، فانتفاء سنخ التّبيّن رأساً عند انتفاء خبر الفاسق لا يكون إلاّ إذا لم يكن تبيّن مع خبر العادل، و إلاّ لم ينتف سنخه، فتدبّر جيّداً.

و به نذبّ عمّا ذكره وجهاً لفساد حمل المفهوم هاهنا على السّالبة المنتفية بانتفاء المحمول، كما يظهر وجهه بالتّأمّل.

و لا يخفى انّ دعوى ظهور مثل هذه القضايا بحسب المفهوم في السّالبة المنتفية بانتفاء المحمول على تقدير ثبوته لها، كما هو المفروض، لا يبتنى على توهّم كون المفهوم قضيّة لفظيّة يدّعى ظهورها فيها كما لا يخفى، بل يمكن دعواه في كلّ ما يدلّ على السّلب و لو بالمفهوم.

هذا كلّه على تقدير تسليم كون القضيّة هاهنا لبيان تحقّق الموضوع، و يكون التّعليق فيها بين الحكم و موضوعه، و يمكن منع ذلك، و دعوى انّ التّعليق بين تبيّن النّبأ و كون الآتي به فاسقاً، و انّ الموضوع هو النّبأ لا نبأ الفاسق، و عليه يكون مفهومه عدم اشتراط قبوله بالتّبيّن عند انتفاء شرطه و هو إتيان الفاسق به، كما هو واضح. و يمكن ان يكون نظر من استدلّ بالآية من هذا الوجه إلى ذلك؛ و الإنصاف انّه لا يخلو من وجه.

ثم على الاستدلال بالآية من باب المفهوم شرطاً أو وصفاً إيرادات:

أحدها: ما ملخّصه انّ القضيّة الشّرطيّة أو الوصفيّة انّما يكون ظاهراً في انتفاء الحكم عن غير محلّ الوصف و الشّرط لو خلّيت و نفسها لو لم يكن هناك قرينة على ثبوت الحكم له، و عموم التّعليل في الآية لغير محلّ الوصف و الشّرط قرينة على ثبوته له، حيث انّ العبرة في عموم المعلّل و خصوصه بعموم العلّة و خصوصها، فلا يستقرّ لهذه القضيّة ظهور في المفهوم مع عموم العلّة فيها. و يمكن الذّبّ عنه بمنع العموم، فإنّه لا منشأ لتوهّمه إطلاق لفظ الجهالة، مع إمكان منع كونه في مقام البيان أوّلاً، و مع تسليمه منع حمله على العموم ثانياً، لمكان القدر المتيقّن في البين، و وجوده يمنع عن الحمل عليه من باب دليل الحكمة، و لو ورد في مقام البيان، و لا يقاس المعرضيّة لإصابة القوم بالجهالة الّتي يكون في خبر العادل بما يكون‏

109

في خبر الفاسق عرفاً و لا اعتباراً، للتّفاوت في ذلك بينهما؛ و معه كيف يحمل إطلاق العلّة في المنع عن خبر الفاسق على العموم، بحيث يشمل المنع عن خبر العادل.

نعم على طريقة القدماء من كون دلالة المطلق على العموم بالوضع، لا بقرينة الحكمة، يكون الإيراد متّجهاً، فمن الممكن ان يلغى خبر الفاسق رأساً و جعل كأن لم يكن في لزوم تحصيل العلم على طبقه لو أريد العمل على وفقه، لما فيه من المرتبة القويّة من المعرضيّة للإصابة، بخلاف خبر العادل، فلم يشترط العمل على طبقه بذلك، لفقدانه لهذه المرتبة من المعرضيّة.

و من هنا ظهر انّه يمكن الذّبّ عن هذا الإيراد، و لو كان المراد من التّبيّن خصوص العلمي، فتدبّر جيّداً.

هذا، مع انّه يمكن منع العموم بوجه آخر، و هو منع كون الجهالة بمعنى عدم العلم هاهنا، و وجهه انّ الجهالة و ان كان بحسب اللّغة بمعنى عدم العلم، إلاّ انّ حمله عليه يوجب التّخصيص في عموم العلّة بمثل الفتوى، و البيّنة، و غيرهما من الأمارات المعتبرة شرعاً بالخصوص، و إباء مثل هذه العلّة عن التّخصيص، مضافاً إلى إباء مطلقها عنه، كما لا يخفى؛ مع انّه يوجب أيضاً رفع اليد عمّا هو ظاهر القضيّة من المفهوم على ما هو الفرض، فلا بدّ ان يحمل على معنى السّفاهة، و فعل ما لا ينبغي صدوره من العالم، حيث انّه لا معنى آخر يناسب المقام.

و ما أفاده من عدم مناسبته لمورد الآية؛ فيه انّ هم جماعة من العقلاء عند اخبار الوليد، لعلّه كان من أجل حسن ظنّهم به و بإيمانه، غافلاً عن انّه فاسق منافق، فنبّههم اللَّه تعالى على انّه فاسق يكون الاعتماد بقوله سفهاً، و عليه لا يعمّ العمل بقول العادل، بداهة انّه ليس بسفاهة.

و لا يخفى انّ ما أفاده- قدّه- في الإيراد بالنّقض بالفتوى و الشّهادة، لا يرفع غائلة لزوم تخصيص العلّة مع إباء هذه العلّة عنه بالخصوص، و انّما يرفع به غائلة دعوى استحالة التّعبّد بها، و لا كلام لأحد في المقام في بطلانها و إمكانه، فتفطّن.

ثانيها: معارضة مفهوم الآية (1) بالآيات‏ (2) النّاهية عن العمل بغير العلم، و النّسبة عموم من وجه، فالمرجع إلى أصالة عدم الحجّية.

____________

(1)- الحجرات- 6

(2)- الإسراء- 36 (و غيرها من الآيات)

110

و فيه مضافاً إلى ما أفاده- قدّه-، منع إطلاق الآيات النّاهية، و القدر المتيقّن من مواردها انّما هو المنع عن اتّباع غير العلم في الأصول الاعتقاديّة، بل يمكن دعوى انصرافها عن خبر العادل الموجب للوثوق، كما هو منصرف هذه الآية مفهوماً، كما سيجي‏ء دعواه منه- قدّه-.

ثالثها: انّ مفهوم الآية لمّا كان بعمومه شاملاً لنقل السيّد المرتضى و اتباعه الإجماع على عدم حجّيّة خبر العادل، يلزم من دلالته على عدم حجّية دلالته على عدم حجّية غير خبر السيّد.

و فيه انّه لا يمكن دخول هذا الخبر تحت العموم، لأنّه يستلزم خروجه، و ما يستلزم وجوده و عدمه محال. و امّا وجه الاستلزام، فلأنّ حاله في دلالته على عدم حجّية حال ساير الاخبار في ذلك بحسب عموم المناط، بل بحسب عموم اللّفظ أيضاً، بناء على ما هو الظّاهر في مثله من كونه قضيّة طبيعيّة يكون الحكم فيها على الطّبيعة لا الأفراد، و يعمّ حكمها نفسه.

و امّا ما أورده (قده) عليه بقوله «ثانياً و ثالثاً» فيمكن الذّبّ عنه؛ امّا عن الأوّل فبأنّ الاتّفاق من المثبتين و النّافين على عدم حجّيته يكون بملاكين، و مثله لا يكشف عن شي‏ء إلاّ على طريقة اللّطف الّتي لا اعتماد عليها. و امّا عن الثّاني فبمنع لزوم ما هو قبيح في الغاية و فضيح إلى النّهاية، لأنّه من الممكن جدّاً ان يكون المراد من الآية واقعاً، هو حجّية غير العادل مطلقاً إلى زمان خبر السّيّد بعدم حجّيته، كما هو قضيّة ظهورها، من دون ان يزاحمه شي‏ء قبله و عدم حجّيته بعده، كما هو قضيّة لمزاحمة عمومها لسائر الافراد، و بعد شمول العموم له أيضاً.

و من الواضح انّ مثل هذا ليس بقبيح أصلاً، فانّه ليس إلاّ من باب بيان إظهار انتهاء حكم العامّ في زمان بتعميمه، بحيث يعمّ فرداً ينافي و يناقض الحكم لسائر الافراد، و لا يوجد إلاّ في ذاك الزّمان، حيث انّه ليس إلاّ نحو تقييد، لكنّ الإجماع قائم على عدم الفصل، و انّ خبر الواحد لو كان حجّة على الأوّلين، كان حجّة على الآخرين، و لو لم يكن حجّة على الآخرين لما كان حجّة على الأوّلين. و عليه فان لم يمكن الالتزام بذلك واقعاً، إلاّ انّه لا بأس بان يكون الخبر حجّة مطلقاً واقعاً، كما هو كذلك ظاهراً قبل خبر السّيّد، و يلتزم بعدم حجّيته مطلقاً ظاهراً بعده، و لا يستلزم ذلك قبحاً.

لا يقال: و على الالتزام بعدم الحجّية يلزم الحكم بالقبيح.

لأنّا نقول: ليس ذلك من الآثار الشّرعيّة ليحكم بترتيب مثلها، بل هو من اللّوازم الخارجيّة الّتي يدور مدار إرادة ما التزم به ظاهراً بحسب الواقع، فيكفي في عدم الحكم به‏

111

احتمال ان يكون الواقع خلاف ما التزم به ظاهراً، لإمكان عدم إصابة السّيّد فيما أخبر به.

لا يقال: نعم لكنّه لا يجوز البناء عليه و الالتزام به، لأنّ لزوم القبح منه قرينة على عدم إرادته، فكيف يبنى عليه.

لأنّا نقول: هذا إذا كان المواجب للالتزام به من أوّل الأمر، كما لو فرض خبر السّيّد قبل ساير الاخبار، لا كما في المقام، إذ العمل بالعامّ إلى زمان خبره لا إشكال فيه و لا كلام، حيث لم يوجد بعد واقعاً ما يزاحمه.

و ممّا ذكرنا ظهر انّه لا دوران بين التّخصيص بخبر السّيّد أو بسائر الاخبار، إلاّ بالنّسبة إلى بعد زمانه، فيكون من قبيل الدّوران بين التّقييد و التّخصيص، لكن لا يخفى أظهريّة الكلام في عموم الحكم في جميع الأيّام من شموله لمثل خبر السّيّد، فليتأمّل في المقام.

رابعها: انّه لو سلّمنا دلالتها، يشكل شمولها للرّوايات (تارة) من جهة انّ ما يحكى بواسطتها لنا قول الإمام (عليه السلام) من الاخبار، لا يكاد ان يكون اخباراً تعبّدية لمخبريها إلاّ بواسطة الحكم في هذه الآية بالتّصديق، بحيث لو لا حكم الآية بوجوب تصديق من يخبر بها بلا واسطة، لما تحقّق موضوع الخبريّة لها جعلاً، فحينئذٍ كيف يعمّها الحكم بوجوب التّصديق فيها.

و الحاصل انّه لا يكاد ان يعمّ الحكم فرداً يتوقّف تحقّقه حقيقةً أو تعبّداً، إلاّ بترتّبه على ساير الافراد، كما في كلّ خبري صادق، حيث يتوقّف تحقّق خبريّة نفس هذه القضيّة حقيقة على الحكم بالصّدق على ساير الافراد، فكيف يعمّ نفسها، و كذا هذه الاخبار، فانّ تحقّق خبريّتها جعلا انّما جاء من قبل الحكم في الآية بتصديق ساير الاخبار الّتي منها ما يحكى عن تلك الاخبار، فكيف يمكن ان يعمّها.

نعم لو كان وجوب تصديق ما يحكيها بغير الحكم فيها بوجوب التّصديق، صحّ شمول الحكم بوجوب التّصديق لها بلا إشكال، فانّ خبريّتها حينئذٍ ليس من قبل هذا الحكم بل من قبل حكم آخر بوجوب التّصديق.

و بالجملة لا بدّ ان يكون التّنزيل بلحاظ حكم آخر غير نفس حكم التّنزيل، فتأمّل جيّداً.

(و أخرى) من جهة انّه لا يعقل معنى لوجوب التّصديق تعبّداً، إلاّ ترتيب آثار الواقع الثابتة له شرعاً عليه إذا أخبر به كجواز الاقتداء عند الاخبار بالعدالة مثلاً؛ و عليه لا يعقل ان يعمّ الحكم بوجوب التّصديق خبراً ليس لما أخبر به أثر مع الغضّ عن نفس هذا الأثر يهمّ ترتيبه عليه، كخبر العادل أو عدالة المخبر حيث لا أثر لهما يهمّ ترتيبه عليهما بالأخبار بهما،

112

إلاّ ما ثبت لهما من حكم الآية، فانّ وجوب التّصديق و ان كان حكماً شرعيّا حقيقة لخبر العادل الّذي أخبر به العادل، إلاّ انّه لمّا كان ثابتاً له بنفس هذه الآية، كيف يمكن ان يكون الحكم فيها بملاحظة ترتيب نفسه على المخبر به، فلا يعمّ الآية ما يحكى عن تلك الاخبار بلا واسطة، فضلاً عنها، و لا ما يحكى عن عدالة مخبريها.

و الحاصل انّه لا بدّ في صحّة تصديق خبر بحكم الآية من ثبوت الأثر شرعاً للمخبر به، غير نفس هذا الأثر الثّابت بهذه الآية، حتّى يصحّ الحكم بتصديقه فيها بلحاظ ذاك الأثر، فلا يعمّ ما ليس للمخبر به أثر مع الغضّ عن الحكم فيها.

و لا يخفى وضوح الفرق بين الجهتين و ان كان ملاك الإشكال في كلتيهما، هو عدم إمكان شمول العموم لفرد، لا يكاد ان يوجد حقيقة أو تعبّداً إلاّ بالحكم على ساير الافراد، حيث انّ ترتيب الأثر الشّرعيّ الّذي عرفت انّه معنى التّصديق إنّما يصير به أثراً شرعيّا حقيقةً، إذا حكم بالتصديق و ترتيب ساير الآثار الشّرعيّة على المخبر به، كما في هذه الجهة، و انّ الوسائط انّما يصير اخباراً جعليّة إذا حكم بتصديق خبرها، كما عرفت بما لا مزيد عليه، كما في الجهة الأولى. هذا غاية توضيح الإشكال بكلتا جهتيه.

و فيه انّ اللّفظ و ان كان قاصراً بنفسه عن الدّلالة على الحكم بوجوب التّصديق بلحاظ جميع الآثار حتى نفس هذا الأثر، لما عرفت في تقريب الإشكال من الجهة الثّانية، إلاّ انّه بضميمة العلم بالمناط قطعاً يكون دالاً على ذلك، مع انّه يمكن دعوى قصوره عن ذلك أيضاً بدعوى ظهور انّ الحكم ليس بلحاظ الافراد و أشخاص الآثار، بل بلحاظ نفس طبيعة الأثر، من دون ملاحظة خصوصيّات افرادها، فيسري الحكم حينئذ إلى نفس هذا الحكم، ضرورة سراية حكم الطّبيعة إلى جميع افرادها، و منها نفس هذا الأثر.

و بالجملة انّ الحكم إذا كان على الطّبيعة يدور معها حيثما دارت، و يترتّب عليها أينما تحقّقت، و حينئذٍ يكون اللّفظ بنفسه دالاً على انّ الحكم بوجوب التّصديق يكون بلحاظ الأثر الشّرعيّ، من غير تفاوت أصلاً فيما يتحقق في ضمنه من الافراد بين نفس هذا الحكم و ساير الأحكام؛ فاندفع بذلك الإشكال بحذافيره:

امّا من الجهة الثّانية فواضح.

و امّا من الجهة الأولى، فلأنّ الوسائط من الاخبار انّما يجب تصديقها بحكم الآية، لأجل انّ الخبر بهذه صار ممّا له الأثر شرعاً، فيجب بحكمها، بضميمة تنقيح المناط، أو بملاحظة انّه قضيّة طبيعيّة، ترتيب ما للوسائط من الأثر و هو وجوب التّصديق عليها، فيصير بذلك اخباراً جعليّة أي ما يترتّب عليه شرعاً ما هو الأثر للخبر الحقيقي عند الاخبار به،

113

كسائر الموضوعات التّعبديّة، فيصحّ بذلك ان يكون التّنزيل بلحاظ نفس هذا الحكم التّنزيلي.

و الحاصل انّه إذا صار الخبر ممّا له الأثر شرعاً بحكم هذه الآية و ساير أدلّة وجوب تصديقه و ترتيب الأثر على المخبر به، و صحّ الحكم بوجوب التّصديق بأحد الوجهين بلحاظ جميع الآثار المترتّبة على الموضوعات شرعاً حتّى نفس هذا الأثر المترتّب على خبر العادل، كان حال خبر العادل حال ساير الموضوعات الخارجيّة، فكما يجب تصديق الخبر بها و ترتيب آثارها الشّرعيّة عليها، كذلك يجب تصديق الخبر به و ترتيب اثره الشّرعي عليه، و هو تصديقه و ترتيب الأثر الشّرعيّ على المخبر به، و بذلك يصير خبراً جعليّاً، كما انّها بذلك تكون موضوعات جعليّة، فلا إشكال أصلاً، كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.

ثمّ لا يخفى عدم اختصاص الإشكال بما كان المخبر به خبر العادل، بل يعمّ ما إذا كان مثل عدالة المخبر ممّا يعتبر في حجّية الخبر بالنّسبة إلى ترتيب تصديق المخبر به عليه، بداهة انّ هذا الأثر انّما يترتّب عليها بنفس وجوب تصديق العادل، و قد ظهر التّفصّي عنه بما ذكرناه، فلا تغفل.

ثمّ انّ الوجهين انّما يكونان مجديين بلحاظ أثر وجوب التّصديق و ساير الآثار كما قرّرناه، لا بلحاظ ما يحكى بخبر الشّيخ من خبر المفيد مثلاً، و ساير الاخبار، كما يظهر منه- قده- حيث قرّر الإشكال من الجهة الأولى فقط على ما أثبته من قوله «لأنّ ما يحكيه الشّيخ عن المفيد- إلخ-»، و صار بصدد التّفصيّ عنه بأحدهما، و لا يكاد يجدى واحد منهما بهذا اللّحاظ، ضرورة انّ ما يحكى من المفيد لا يجوز كونه خبراً، و معه لا يجدى تنقيح المناط بين الاخبار، أو جعل القضيّة طبيعيّة، فانّهما مجديان في سراية الحكم إلى ما لا تعقل لثبوته بدون هذا الحكم من افراد الموضوع، كما في كلّ خبري صادق، كما لا يخفى؛ و لا يكاد ان يكون خبراً تعبّداً إلاّ بعد التّفصّي عن الإشكال من الجهة الثّانية بأحدهما، و معه لا يبقى الإشكال من هذه الجهة، إذ لا معنى لكونه خبراً تعبّداً إلاّ ترتيب وجوب التّصديق عليه، كما أشرنا إليه، و هو حاصل، و لو بقي فغير مندفع بهما.

فانقدح بذلك انّ التّفصيّ عن الإشكال من الجهة الأولى، يتفرّع على التّفصّي عنه من الجهة الثّانية بأحد الوجهين.

و امّا ما أجاب به- قدّه- فيه بالنّقض أوّلاً، و بالحلّ ثانياً، فلا وقع لواحد منهما:

امّا الأوّل فلأنّ جواز الإقرار بالإقرار بالإجماع لا إشكال فيه أصلاً، انّما هو فيما إذا لم يكن في البين إِلاّ دليل واحد لفظيّ، كما لا يخفى. و لعلّه أشار إليه بامره بالتّأمّل.

114

و امّا الثّاني فلوضوح توقّف تحقق الخبر الجعلي على إثبات الحكم لبعض افراد العامّ، بحيث لولاه لما تحقق خبر تعبداً، و الخبر الحقيقيّ الغير المتوقّف تحقّقه عليه، لا ينكشف به إلاّ تعبّداً، و هو لا يكون إلاّ عبارة أخرى من نفس الخبر التّعبّدي، كما لا يخفى. و لعلّه لذلك ضرب عليه في بعض النّسخ المصحّحة في زمانه.

و قد أجاب بعض أعاظم العصر عن أصل الإشكال على ما حكى لي بما حاصله: انّه انّما يتأتّى لو كان حجيّة الخبر من باب التعبّد، حيث انّه لا معنى لتصديق الخبر عليه، إلاّ ترتيب أثر المخبر به عليه، و تنزيله بمنزلة الواقع، و لا أثر الخبر المفيد مثلاً يترتّب عليه عند اخبار الشّيخ به. و امّا إذا كان من باب الطّريقيّة و الكاشفيّة، كما هو كذلك بلا مزيّة، فيكفي انتهاء الأمر إلى أثر شرعيّ و لو بوسائط عديدة عقليّة أو عاديّة، و ليست الوسائط من الأخبار إلاّ كسائر الوسائط و اللّوازم الواقعة في البين.

و أنت خبير بما فيه، ضرورة انّ الحجّيّة من باب الطّريقيّة انّما يجدى فيما إذا كان الانتهاء إلى الأثر الشّرعيّ بواسطة ما لا يحتاج في وساطتها إلى التّعبّد و دليل الحجّيّة، بل كان لزومها للمخبر به عقلاً أو عادة، كما في لوازمه العقليّة و العادية، لا فيما يحتاج في وساطته إلى دليل التّعبّد، كما في المقام، لأن الانتهاء إلى قوله (عليه السلام) انّما هو بتوسيط ترتيب الأثر الشّرعي على خبر المفيد المخبر بخبر الشّيخ مثلاً، و هو وجوب تصديقه، و لا يكاد ان يكون ذلك إلاّ به، حيث انّ معنى قبول الخبر تعبّداً ليس إلاّ ترتيب الأثر الشّرعيّ على المخبر به، و ان كان ترتّبه عليه بواسطة لازم عقليّ له أو عاديّ على ما هي قضيّة حجّيته من باب الأمارة، و إلاّ لاختصّ بما إذا كان له الأثر بلا واسطة أصلاً، أو مع وساطة أثر شرعيّ آخر، كما لا يخفى.

و خبر المفيد مع قطع النّظر عن وجوب تصديقه، لا أثر له يترتّب عليه شرعاً أصلاً، و لو مع الواسطة، و الحكم الشّرعيّ الّذي يكون مضمون قوله، و يحكى عنه خبر الصّفّار الّذي يحكى عنه خبر المفيد مثلاً ليس من آثاره أصلاً، لا بلا واسطة، و هو واضح، و لا معها لتوقّفه على اتّفاق صدقه واقعاً و صدق خبر الصّفّار و ما بينهما لو كان من الاخبار، و هو ليس بلازم له عقلاً و لا عادة فلا بدّ في الانتهاء إليه من توسيط وجوب التّصديق، و لذلك يعتبر فيما يقع من الاخبار في البين، ما يعتبر في حجّيّة الخبر من العدالة و غيرها، و لو لم يكن دليل الاعتبار يعمّها، لما اعتبر فيها ما اعتبر في حجّيته بحسب دليله، بل لا بد في اعتباره، أو اعتبار شي‏ء آخر من التماس دليل آخر، و لو كان أصالة عدم الاعتبار عند عدم إطلاق في دليله، و لا أظنّ ان يلتزم به أحد، بل و لا إشكال في انّ اعتبار ما اعتبر في قبول الخبر و حجيّته فيما يقع في الوسط من الاخبار بنفس دليل الاعتبار.