درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
115

و بالجملة انّ المائز بين ما اعتبر من باب التّعبّد المحض، و ما اعتبر من باب الكشف و الطّريقيّة بعد اشتراكهما في لزوم ترتيب الأثر الشّرعيّ على ما يؤدّيان إليه انّ الأثر المترتّب عليه، لا بدّ ان يكون بلا واسطة امر عقليّ أو عاديّ فيما كان اعتباره من باب التّعبّد، كالاستصحاب على المختار، بناء على عدم حجّيّة الأصل المثبت، بخلاف ما إذا كان اعتباره من باب الطّريقيّة كالخبر، و أين هذا بما إذا لم يكن بينه و بين الأثر الشّرعيّ ترتّب، بل كان ترتّبه من باب الاتّفاق و تقدير صدق الاخبار واقعاً، فتدبّر.

قوله (قده): و منها انّ المسألة أصوليّة فلا يكتفي فيها بالظّنّ، و فيه الظّهور اللّفظي- إلخ-.

ظاهره كما لا يخفى توهّم نفي اعتبار مطلق الظّنّ في الأصول مطلقا، دون الفقه و إثبات اعتبار الظّنّ الخاصّ في الفقه و أصوله، مع انّ الظّنّ المطلق الّذي ثبت اعتباره بدليل الانسداد يكون معتبراً فيها على ما هو مختاره، و يقتضيه التّحقيق على ما سيأتي بيانه، و ان ذهب إلى اختصاص اعتباره بالفقه و بأصوله طائفة، و الظّنّ الخاصّ يتّبع دليله في اتباعه في كليهما أو في الفقه، دون أصوله أو بالعكس، لصلاحيّته لكلّ منهما، كما لا يخفى.

قوله (قده): و منها انّ المراد بالفاسق مطلق الخارج عن طاعة اللَّه، و لو بالصّغائر- إلخ-.

و فيه انّ إرادة مطلق الخارج عن طاعة اللَّه تعالى عن الفاسق، لا يوجب انحصار غيره في المعصوم، و من كان دونه، ضرورة انّ من بلغ الحلم و لم يعص أصلاً، لم يخرج عن طاعته تعالى حقيقة، و ان لم يكن ذلك عن مكلة، كما لا يخفى؛ فضلاً عن ان يكون معصوماً، أو من كان دونه.

و امّا ما أفاده- قدّه- في الجواب، ففيه انّ إرادة خصوص الكافر من الفاسق بقرينة المقابلة مع المؤمن أو غيرها، لا يقتضى ان لا يراد منه مطلق الخارج عن طاعة اللَّه تعالى، كافراً كان أم لا، إذا لم يكن هناك قرينة على إرادة خصوصه، كما انّه لا شاهد لدعوى انّ الفاسق بحسب عرفنا المطابق للعرف السّابق، هو خصوص الخارج عن طاعته تعالى بالمعاصي الكبيرة، لوضوح عدم تفاوت بين المعاصي، صغائرها و كبائرها في نظر العرف في إطلاق الفاسق على من ارتكبها أ لك شكّ في إطلاقه عرفاً على من يلعب مع الأجنبيّة و يقبّلها و يلمس بدنها و يفعل بها، ما لم يوعّد عليه النّار، و إطلاقه على خصوص مرتكب الكبائر في قبال العادل الّذي لم يعتبر فيه إلاّ الاجتناب عنها، و عن الإصرار على الصّغائر، لا يوجب ظهوره في ذلك عند إطلاقه؛ ضرورة انّه كان بقرينة المقابلة. و لفظ

116

العادل لو سلّم كونه في عرف الشّارع للتّجنّب عن الكبائر و عن الإصرار على الصّغائر، لا يقتضى إلاّ ظهوره في إرادة خصوص المرتكب لها، إذا ذكره في مقابله، لا مطلقا، كما لا يخفى؛ كما انّ تكفيره تعالى للسّيئات باجتناب الكبائر، و خلوّه عن تبعيّة الصّغيرة و الكبيرة بتركه التّوبة، لا يخرجه عمّا صدر عنه من الخروج عن الطّاعة، و لا يمنع عن إطلاق الفاسق عليه باعتبار ذلك، و لا ظهوره فيه عند إطلاقه، و ان كان يمنع عن إطلاقه بالمعنى المقابل للعادل، فتفطّن.

قوله (قده): و الحاصل انّ الآية

(1)

تدلّ على انّ العمل يعتبر فيه التّبيّن، من دون مدخليّة لوجود غير الفاسق- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا على تقدير حمل التّبيّن على العلمي فواضح. و امّا على تقدير حمله على الاطمئناني أو مطلق الظّنّ فمشكل، لقوّة احتمال ان يكون ذلك شرطاً للعمل بخبر الفاسق في قبال خبر العادل، بناءً على المفهوم، فيكون مفاد الآية منطوقاً و مفهوماً انّ خبر العادل يؤخذ به، و يعمل على طبقه بلا تبيّن، و خبر الفاسق معه، فلا يكون لازم القول بدلالة الآية على كفاية مجرّد الظّنّ بمضمون الخبر دلالتها على حجّية مطلق الظّنّ، و ان لم يكن معه خبر، فافهم.

قوله: (قده) و امّا وجوب الحذر، فمن وجهين: أحدهما انّ لفظة لعلّ بعد انسلاخه عن معنى التّرجيّ، ظاهر- إلخ-.

لا يخفى انّ وجه الانسلاخ هو استحالة حقيقة التّرجيّ في حقّه تعالى لاستلزامه الجهل بحصول المترجّى للمترجّي، فلا يمكن حمل كلمة «لعلّ» على معناها الحقيقي، و اقرب المجازات إليه عرفاً و اعتباراً ان يكون التّحذير محبوباً له تعالى، مع حصوله تارة، و عدم حصوله أخرى، إمّا لاختلاف المنذرين، أو المتحذّرين، أو الإنذارات، فيشابه التّرجّي تمام المشابهة، كما لا يخفى.

هذا، و لكن قد حققنا في بحثنا في الأوامر، انّ صيغ التّرجّي، و التّمنيّ، و الاستفهام، و أمثالها كصيغة الأمر، إنّما هي لمعانيها الإيقاعيّة الإنشائيّة الّتي ينشئها المتكلّم بهذه الصّيغ، و لو لم يكن مترجّياً، أو متمنّياً، أو مستفهماً، أو مريداً، أو طالباً حقيقة، لا لمعانيها الواقعيّة

____________

(1)- الحجرات- 6

117

الّتي يكون من الصّفات و الحالات القائمة بالنّفس، و المستحيل في حقّه تعالى، انّما هو هذه الواقعيّات، لا تلك الإنشائيّات، و التّميز بينهما واضح، كما انّ كون ما وضعت له الصّيغ هو النّحو الأوّل، لا الثّاني، كذلك و ان عقل جملة من الاعلام من ذلك، إذ تخيّلوا انّ مراد أصحابنا أصحاب الإماميّة و المعتزلة في اتّحاد الطّلب و الإرادة هو اتّحاد الإرادة الخارجيّة، مع ما هو مفاد الصّيغة من الطّلب، فوقعوا في الإشكال، و ذهبوا إلى مغايرتهما تبعاً للأشاعرة، و لم يبلغوا إلى حقيقة مرامهم، انّ مرادهم هو اتّحاد كلّ نحو من أنحاء الطّلب مع مثله من أنحاء الإرادة، فمفهومه مع مفهومها، و وجوده الخارجي مع وجودها، و وجوده الخارجيّ الإنشائيّ مع وجودها الإنشائيّ، لا الإرادة الخارجيّة، مع ما هو معنى الصّيغة الّذي بلا إشكال يكون من الأمور الإيقاعيّة الإنشائيّة.

و العجب انّهم كيف رضوا بنسبة ذلك إلى أصحابنا و المعتزلة، مع وضوح الفرق بينهما بمثابة لا يخفى على من دونهم. و التزموا أيضاً بمجازيّة صيغ الأمر، و الاستفهام، و التّرجيّ، و التّمنّي، و نحوها فيما لا إرادة، و لا استفهام، أو لا ترجّي، أو لا تمنّي هناك حقيقة، مع كثرة موارد هذه الاستعمالات و عدم علاقة معتبرة بين ما تخيّلوا كونه المعنى الحقيقيّ لها و ما استعملت فيها، فأيّ مناسبة بين الاستفهام حقيقة، أو التّوبيخ، أو الإنكار مثلاً؛ و أيّ مناسبة بين الإرادة، و التّعجيز، و التّسخير، و غيرهما و هكذا.

و التّحقيق ما فصّلناه في ذاك البحث من انّ معانيها، كما أشرنا هاهنا هي هذه المفاهيم الإنشائيّة الّتي تنشأ لا بجهة واحدة، بل لجهات عديدة من البعث، و الزّجر، و التّعجيز، و التّسخير، و غيرها في صيغة الأمر، و كذا في غيرها، كما لا يخفى، لا الخارجيّة.

نعم لا نضايق من انّ المنساق منها حين إطلاقها، ربّما يكون إحداها بخصوصها، و لا يسع الحال لبسط المقال، و فيما ذكرنا كفاية لأهل التّدبّر و الدّراية. و كيف كان فالآية (1) ظاهرة في محبوبيّة الحذر له تعالى؛ و جملة القول في وجه دلالتها على وجوبه انّه أحد أمور:

أحدها: ثبوت الملازمة بين محبوبيّته في الجملة و وجوبه امّا عقلاً، لما في المقام من انّه مع المقتضى له يجب، و بدونه لا يحسن، و ذلك لأنّه مع إتمام الحجّة يستحقّ العقوبة على المخالفة على تقدير اتّفاقها، و بدونه يطمئنّ بعدمها للجزم بعدم الاستحقاق لا يحسن، بل لا يمكن. و امّا شرعاً فلعدم الفصل بينهما.

ثانيها: انّ الحذر جعل غاية للإنذار الّذي جعل غاية للنّفر الواجب بمقتضى كلمة لو لا

____________

(1)- الحجرات- 6

118

التّنديميّة، أو التّخصيصيّة؛ و غاية الواجب لا يكون إلاّ واجباً إذا كان من الأفعال الاختياريّة، كما لا يخفى.

ثالثها: انّ إيجاب الإنذار يستلزم عقلاً لوجوب الحذر، للزوم لغويّته، بدونه.

رابعها: انّه مستلزم له عرفاً و ان لم يكن بينهما لزوم لا عقلاً، و لا شرعاً.

و امّا الجواب عنها:

فعن الأوّل: منع محبوبيّة الحذر مطلقا أوّلاً، ضرورة انّ الإطلاق فيه غير مسوق في مورد بيان حكمه، بل في مورد بيان إيجاب الإنذار، فلعلّ المراد هو محبوبيّته بشرط العلم، لا مطلقا، بل لا يبعد دعوى ظهور الآية في ذلك لظهور كونها مسوقة لبيان إيجاب الإنذار بما هو الواقع من الأحكام الشّرعيّة، فيتبعه التّحذير في ذلك.

و من المعلوم انّه كما لا يكون الإنذار واجباً إلاّ بما علم انّه منها، كذلك لا يكون التّحذير واجباً إلاّ عمّا علم انّه منها، كما هو الحال في جميع ما ورد في إظهار الحقّ و قبوله، حيث لا مجال فيها لتوهّم كونها لبيان إيجاب قبول قول من يظهر حقيقة امر، كما لا يخفى؛ و منع الملازمة بين محبوبيّته و وجوبه ثانياً.

و ما أفاده في المعالم‏ (1)، انّما يصحّ لو انحصر الإنذار بالعقوبة على المعصية، و ليس ذلك لصحّة الإنذار بملاحظة فوت المصالح، و الوقوع في المفاسد الكامنتين في الأفعال على ما هو المشهور بين العدليّة من تبعيّة الأحكام لهما. و منه ظهر ما في دعوى عدم الفصل بينهما، ضرورة انّ حسن الاحتياط و التّحذّر بما أنذر لئلا يفوت المصالح على المكلّف، و لا يقع في المفاسد ممّا لا ينكره أحد.

و عن الثّاني: بما أوردنا نظيره أوّلاً على الأوّل من منع وجوب التّحذّر مطلقاً، لكون الإطلاق فيه في مقام الإهمال أو ظهور السّياق في وجوب التّحذّر عمّا هو الواقع المتوقّف، اتّصافه بالوجوب فعلاً على إحراز انّ الإنذار، انّما صار بالواقع.

و عن الثالث: عدم استلزام إيجاب الإنذار لوجوب القبول و التّحذّر تعبّداً، لعدم لغويّته بدونه لما فيه من إظهار الحقّ و إفشائه، ليتمّ به الحجّة على المتخلّفين أو النّافرين، على اختلاف التّفاسير عند حصول العلم لهم به من جهة كثرة المنذرين به، أو احتفاف الإنذار بالقرينة الموجبة له. و لا يخفى انّه لو سلّم الاستلزام، لا يرد عليه ما أوردناه على الوجهين الأولين، ضرورة تبعيّة وجوبه لإيجاب الإنذار في الإطلاق أو الاشتراط، بحيث لا يجوز ان‏

____________

(1)- معالم الدّين- 418

119

لا يجب على تقدير، مع إيجابه، ضرورة لزوم اللّغويّة على هذا التّقدير؛ و ظاهره- قدّه- توجيهه عليه أيضاً، كما لا يخفى.

و عن الرّابع: انّ الاستلزام عرفاً انّما هو بين إيجاب إظهار الواقع و الإنذار به، و بين لزوم قبوله على تقدير إحرازه لا تعبّداً، و هذا واضح لا سترة عليه.

ثمّ انّه قد أورد- قدّه- على الآية (1) بأنها أجنبيّة عمّا نحن بصدده من حجّية الخبر و الرّواية، فانّ وظيفة الرّاوي ليس إلاّ مجرّد حكاية ما تحمّله من الرّواية، لأنّ الإنذار كما انّ قضيّة حجيّته و وجوب قبوله على المنقول إليه، ليس إلاّ تصديقه فيما حكاه، لا التّحذّر و لو أنذر، بل يدور ذلك وجوداً و عدماً مدار نظره و فهمه.

نعم يجب التّحذّر عند إنذاره على ما يجب عليه تقليده، فالآية انّما يناسب مقام حجيّة الفتوى و وجوب التّقليد، لا مقام حجيّة الخبر.

قلت: لا يخفى عدم المنافاة بين حجيّة القول من باب حجيّة الخبر لا الفتوى، و صحّة الإنذار و التّخويف في الإبلاغ و الاخبار، لوضوح صحة الإنذار من نقله الفتاوى إلى المقلّدين، مع بداهة انّ اعتبار قولهم لهم انّما هو من حيث الخبر لا الفتوى.

و من المعلوم انّ حال المتفقّهين مع النّافرين أو المتخلّفين في نقل التّكاليف إليهم بعينها، حال نقله الفتاوى مع المقلّدين، ضرورة انّه ربّما يكون المتفقّه ينذر من هو أفقه منه، فكيف يكون اعتبار قوله هذا من باب الفتوى.

و الحاصل انّ حال المتفقّهين في الصّدر الأوّل، حال نقله الفتاوى بعينها في أمثال زماننا، فكما انّهم ينقلون ما أخذوه من المجتهد، كذلك هم ينقلون ما أخذوه من النّبي (صلى اللَّه عليه و آله)، أو الإمام (عليه السلام) من دون مدخليّة رأيهم في اعتبار نقلهم؛ و ذلك قد يكون بعين لفظ «سمعوا منه» مع مخالفة المنقول إليهم لهم في المراد منه، كما قد يتّفق في نقل عبارة الفتوى أيضاً. فظهر انّ وجوب التّحذّر على تقدير تسليم دلالة الآية عليه، انّما هو من جهة حجّية الإنذار من باب الخبر لا الفتوى، كما لا يخفى، و بضميمة عدم الفصل بين ما يكون على نحو الإنذار، و ما لا يكون، يكون الآية دليلاً على تمام المدّعى، كما لا يخفى.

قوله (قده): و التّقريب فيه نظير ما بيّنّاه في آية النّفر- إلخ-.

لا يخفى انّ استلزام حرمة الكتمان لوجوب القبول على ما أفاده- قدّه-، عقليّ، للزوم لغويّة الحرمة لو لا الوجوب، و عليه لا يتوجّه على الاستدلال بها إلاّ منع الاستلزام و عدم‏

____________

(1)- التوبة- 22

120

لزوم اللّغويّة لو لا الوجوب، لأجل كون الإظهار لإشاعة الحقّ و إفشائه المستلزم غالباً لحصول العلم به من كثرة المظهرين له، أو الاختفاف بسائر القرائن الموجبة له، كما لا يخفى، و لا يتوجّه عليه على تقدير الاستلزام أحد من الأوّلين‏ (1)، للزوم اللغويّة في الجملة على تقدير حرمة الكتمان مطلقا، و عدم الوجوب كذلك كما أشرنا إليه في الآية السّابقة، فلا بدّ ان يكون الحرمة مستتبعة للوجوب مطلقاً.

ثم انّه يمكن ان يكون التّقريب فيه نظير ما أشرنا إليه في الآية السّابقة (2)، من دعوى استلزام الحرمة للوجوب عرفاً؛ و قد عرفت منعه، و انّ المسلّم انّما هو على تقدير إحراز انّه إظهار للواقع.

قوله (قده): و ثالثاً لو سلّم حمله على إرادة وجوب السّؤال للتّعبّد بالجواب- إلخ-.

لا يخفى انّ السّؤال ممّن يطّلع على آراء الإمام (عليه السلام) الّذي يصدق عليه انّه أهل العلم بلا إشكال و لا كلام، كان سؤالاً منه عمّا هو عالم به، فبحكم الآية (3) يجب التّعبّد بجوابه حينئذ، و لو كان السّائل أكثر اطلاعاً منه بها أو مثله، و لا يكاد ان يكون تعبّد السّائل في الصّورتين بالجواب إلاّ من باب التّعبّد بالخبر لا التّقليد، فالآية بضميمة عدم القول بالفصل في حجّيّة الخبر بين ما كان النّاقل من يصدق عليه عنوان أهل العلم، و من لم يصدق عليه هذا العنوان، يدلّ عليه حجّيّة الخبر مطلقاً، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و امّا توجيه الرّواية،

(4)

، فيحتاج إلى بيان معنى التّصديق فنقول انّ المسلم- إلخ-.

لا يخفى انّ حمل فعل المسلم على الصّحيح و الأحسن لا يقتضى حمل اخباره على الصّادق، ضرورة انّ قضيّة النّبأ على حسنه و جواز صدوره عنه و ان كان كاذباً، عدم‏

____________

(1)- قوله «أحد الأوّلين- إلخ-» لا يخفى انّ المراد بأحد، أحد الإيرادين الأوّلين في كلام الشّيخ (ره) على الاستدلال بهذه الآية الشّريفة. (منه ره)

(2)- الحجرات- 6

(3)- النّحل- 43

(4)- وسائل الشيعة: 13- 230

121

الاعتناء باحتمال قبحه و عدم جواز صدوره عنه و ان كان صادقاً، بداهة انّ كلّ واحد من الخبر الصّادق و الكاذب يتّصف بالحسن و الجواز، و القبح و عدمه، فالأولى في توجيه رواية إسماعيل‏ (1) ان يقال: التّصديق فيها انّما يكون بلحاظ بعض الآثار المعلوم بقرينة المقام، مثل عدم استئمان من أخبر بشر به الخمر، لا جميع الآثار، كما هو المطلوب في باب حجّيّة الأخبار.

و بذلك يصحّ مقابلة تكذيب خمسين قسامة مع تصديق الأخ في قوله «يا أبا محمد كذب سمعك- إلخ- (2)» بان يكون تصديقه و تكذيبهم بلحاظ خصوص أثر مثل عدم قطع مودّته و محبّته مثلاً، و ان كان عليه ان يصدّقهم في أثر آخر كالحذر عنه، و عدم تمام الثّقة به. و لا ينافي ذلك ما ورد عن القميّ في تفسير الآية (3)، فانّه انّما صدّق المنافق في بعض الآثار و هو عدم عقوبته بما نمّ كما لا يخفى؛ و لعلّه لذا ما عطف المؤمنون على اللَّه، و كرّر يؤمن متعدّياً باللام، إشارة إلى انّ تصديقه لهم إنّما هو بلحاظ أثر ينفعهم، لا مطلقاً، فافهم.

قوله (قده): بل هذا أيضاً منصرف ساير الآيات، و ان لم يكن انصرافاً موجباً لظهور عدم إرادة غيره حتّى يعارض المنطوق- إلخ-.

لو كان هذا ينصرف إليه ساير الآيات على نحو يوجب ظهورها فيه، لوقع التّعارض بينها و بين منطوق آية النّبأ (4) بالعموم من وجه في خبر الفاسق المفيد للاطمئنان، و ان اختصّ كلّ بخبر لا يعارضه فيه الآخر، و هو غير المفيد منه، و خبر العادل المفيد، فالغاية يكون للمنفيّ لا للنّفي، فلا تغفل.

قوله (قده): و امّا السّنّة فطوائف من الاخبار- إلخ-.

لا يقال: وجه الاستدلال بالأخبار مع عدم تواترها لفظاً و معنىً، لوضوح اختلافها بألفاظها و مضامينها و ان كان بينهما قدر مشترك، كما لا يخفى؛ ضرورة انّ وجود القدر المشترك بينها لا يوجب تواتر الاخبار بالنّسبة إليه ما لم يحرز انّ المخبرين بصدد الإخبار عن‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 13- 230

(2)- ثواب الأعمال- 295 (يا محمد كذّب سمعك.) ..

(3)- النحل- 43

(4)- الحجرات- 6

122

معنى واحد، و انّ اختلافهم انّما هو يكون في خصوصيّاته؛ كيف، و الاخبار الكثيرة المتفرّقة يكون بين مضامينها قدر مشترك لا محالة، و لا يفيد كثرتها القطع به أصلاً.

لأنّا نقول: وجه الاستدلال انّما هو تواترها على نحو الإجمال، بمعنى انّ كثرتها يوجب القطع بصدور واحدٍ منها، و هو كاف حجّية على حجّيّة الخبر الواحد في الجملة في قبال نفى حجّيّته مطلقاً، و قضيّة الاقتصار على اعتبار خصوص ما دلّ على اعتباره من أنحاء خبر الواحد مثل خبر العدل أو مطلق الثّقة، أخصّ الطّائفة الّتي علم بصدور واحد بينها (1) مضموناً.

نعم يمكن التّعدي عنه إلى غيره لو وجد مثل هذا الخبر ناهضاً على حجّيّة غير هذا النّحو؛ و الإنصاف حصول القطع بصدور واحد ممّا دلّ منها على حجّيّة خبر الثّقة. و لا يخفى ظهور هذه الطّائفة في انّ اعتبار هذا الوصف في المخبر، انّما هو لأجل حصول الوثوق بالصّدور، ففي الحقيقة يكون العبرة به، لا بها، فلو حصل من غيرها يكون مثله في الاعتبار.

و من المعلوم عدم انحصار أسباب الوثوق بالصّدور بوثاقة الراوي، بل هي يكون في الاخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة، سيّما الكتب الأربعة الّتي عليها المدار في الأعصار و الأمصار، و ما يحذو حذوها في الاعتبار كثيرة جدّاً:

منها: وجود الخبر في غير واحد من الأصول المعتبرة المتداولة في الأعصار السّابقة.

و منها: تكرّره و لو في أصل واحد بطرق مختلفة و أسانيد عديدة معتبرة.

و منها: وجوده في أصل معروف الانتساب إلى من أجمع على تصديقه، كزرارة و نظرائه و على تصحيح ما يصحّ عنه، كسنوان بن يحيى و أمثاله.

و منها: كونه مأخوذاً من الكتب الّتي شاع بين السّلف، الوثوق بها و الاعتماد عليها، و لو لم يكن مؤلّفوها من الإماميّة.

إلى غير ذلك ممّا لا يخلو عن أكثرها الكتب الّتي ألّفت ليكون مرجعاً للأنام في الأحكام. و يشهد على ذلك أي كون العبرة على الوثوق بالصّدور مطلقا، انّه كان المتعارف بين القدماء على ما صرّح به الشيخ بهاء الدّين في مشرق الشّمسين، إطلاق الصّحيح على ما اعتضد بما يقتضى الاعتماد عليه، أو اقترن بما يوجب الوثوق به و الرّكون إليه، و لم يكن تقسيم الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة، معروفاً بينهم، و انّه كان من زمان العلاّمة- قدّه-.

____________

(1)- في (عليه السلام): منها.

123

قوله (قده): و امّا الإجماع، فتقريره من وجوه: أحدها الإجماع على حجّيّة الخبر الواحد في مقابل السّيّد و اتباعه، و طريق تحصيله أحد وجهين- إلخ-.

لا يخفى ما في كلا الوجهين:

امّا في الأوّل، فلأنّ اتّفاق كلمتهم على الحجّيّة مع استدلال الجلّ على ذلك لو لا الكلّ، بما ذكر في المقام من الآيات و الرّوايات و غيرها، لا يوجب القطع برضاء الإمام (عليه السلام)، أو بوجود نصّ معتبر متبع على تقدير الظّفر به، لوضوح ما به استنادهم، و عليه اعتمادهم؛ و معه كيف يكشف عن مستند آخر، و هذا واضح لمن تأمّل و تدبّر.

و امّا في الثّاني، فلوهن نقل الإجماع و دعواه، لا لأجل الظّفر بالمخالف، بل لما ذكرناه الآن من انّ الاتّفاق في الفتوى مع بيان ما عليه الاستناد فيها، لا يكشف عن مستند آخر أصلاً.

هذا، مع انّه لو لم يكن في هذه المسألة بيان ما استندوا إليه عنهم، لم يكن الاتّفاق فيها بكاشف عن وجود حجّة من قبله (عليه السلام)، لقوّة احتمال ان يكون ذلك لأجل بناء العقلاء على العمل بخبر الثّقة، كما هو قضيّة الوجه الرّابع من وجوه تقرير الإجماع، و معه لا يجوز وجه آخر لتقريره.

فالإنصاف انّ كثرة الأمارات و الشّواهد الدّالّة على صحّة العمل بخبر الثّقة من بناء العقلاء و الآيات و الرّوايات يكون مانعة عن استكشاف سند آخر من اتّفاقهم على الفتوى بصحّته، فتدبّر جيّداً.

و ممّا ذكرنا هاهنا ظهر حال الوجه الثّالث، و ذلك لأنّ عمل المسلمين بخبر الثّقة في الشّرعيّات، لم يحرز انّه يكون بما هم مسلمون، كي يكشف عن رضاء الشّارع به، لإمكان ان يكون هذا بما هم عقلاء إلاّ ان يمنع عن استقرار سيرة العقلاء على ذلك، و معه لا وجه للوجه الرّابع؛ و لعلّه أشار إلى ذلك بامره بالتّأمّل؛ كما يحتمل قريباً ان يكون إشارة إلى عدم التّفاوت بين دعوى السّيرة و الإجماع في تطرّق الإلزام و الرّد إليهما، أو إلى عدم الجدوى في التّفاوت بأقربيّة تطرّق الإلزام و أبعديّته بعد عدم التّفاوت بينهما في أصل التطرّق، فتفطّن.

قوله (قده): الرّابع استقرار طريقة العقلاء- إلخ-.

لا يخفى انّ استكشاف رضاء الإمام (عليه السلام) بهذه الطّريقة، انّما هو من جهة تقريره لها و إمضائه إيّاها، فلا بدّ من إحرازه، و لا طريق إليه هاهنا إلاّ انّه لم يردع عنها، مع انّه لو لا رضائه به و إمضائه كان عليه الرّدع، و لو ردع لنقل إلينا لتواتر الدّواعي إلى نقله، فحيث‏

124

لا نقل فلا ردع، و هو كاشف عن رضائه و تقريره و إمضائه، و العمومات النّاهية عن اتباع غير العلم أو الظّنّ من الآيات و الرّوايات، غير صالحة للرّدع، كيف و كان الرّدع بها يتوقّف على وجوب اتّباعها مطلقاً، حتّى في عدم اتّباع خبر الثّقة، و هو يتوقّف على عدم إمضاء السّيرة و الرّدع عنها، و إلاّ كانت مخصّصة أو مقيّدة بها في خبر الثّقة، فلو كان ذلك الرّدع بها لزم الدّور، ضرورة انّ الرّدع بها حينئذ يتوقّف على وجوب اتّباعها مطلقاً، المتوقّف على الرّدع الحاصل بها.

و الحاصل انّه لا يمكن الرّدع عنها بما يتوقّف حجّيته فعلاً عليه، إلاّ على وجه دائر؛ و من المعلوم انّ وجوب اتّباع ظهور تلك العمومات في خبر الثّقة يكون معلّقاً على الرّدع عنها، و قد عرفت انّ عدمه كاشف عن إمضائه، و معه يكون مخصّصة أو مقيّدة لظهورها في الإطلاق أو العموم، فليتأمّل فانّه دقيق.

و من هنا ظهر حال الأصول، لفظيّة كانت أو عمليّة، شرعيّة كانت أو عقليّة، فانّ حجّيتها فعلاً تكون معلّقة على عدم حجّيّة خبر الثّقة المتوقّف على الرّدع عن السّيرة عليه، فانّه بدونه يكون حجّة لما عرفت، و لا كلام في تقدّمه عليها وروداً، أو حكومة، أو تخصيصاً، فكيف يمكن ان يكون الرّدع بها، و هل يكون إلاّ على وجه دائر لوضوح توقّف الرّدع لو كان بها على حجّيتها في قباله، و توقّف حجّيتها كذلك على الرّدع بها، و المفروض انّه لا رادع غيرها، فتأمّل جيّداً.

و امّا ما أفاده- قدّه- في وجه عدم الرّدع، فلا يخلو عن نظر، فانّ عدم كون الملتزم بخبر الثّقة مشرعاً بل مطيعاً في الأوامر العرفيّة، إذا كان من جهة حجّيته عند أهل العرف؛ لا يستلزم ذلك في الأوامر الشّرعيّة مع الشّك في حجّيته عند الشّارع، بل قضيّة تلك العمومات لو أغمض عمّا ذكرنا، عدم حجّيته عنده و معه، أو مع الشّك فيه يكون الملتزم به في الشّرعيّات مشرعاً عرفاً.

و منه انقدح انّ عدم الإشكال في عدم جريان الأصول العقليّة في مقابل خبر الثّقة في الأحكام العرفيّة لأجل حجّيته عندهم، لا يقتضى عدم جريانها في الأحكام الشرعيّة مع الشّك في اعتباره شرعاً، بل مع إلغائه عن الاعتبار بمقتضى تلك العمومات، لتحقّق ما هو ملاك حكم العقل بالبراءة، أو الاحتياط، و التّخيير في مواردها في مقابله مع الشّك في حجّيته، لعدم كونه بياناً أو حجّة معه شرعاً، كي لا يكون معه ملاك حكم العقل بها؛ فلا بدّ من إثبات حجّيته شرعاً أوّلاً، كي لا يكون لها مجال في قباله.

و لا يخفى انّ الاستصحاب ان أخذ من العقل أي بناء العقلاء، فهو و ان لم يفد الظّنّ‏

125

على خلاف خبر الثّقة فعلاً، إلاّ انّ الظّاهر انّ اعتباره انّما يكون من باب الظّنّ النّوعي، و هو متّبع ما لم يقم حجّة على خلافه أقوى منه ما لم يقم ظنّ على خلافه.

و بالجملة ليس حال خبر الثّقة إذا لم يحرز اعتباره إلاّ حال ساير الأمارات الغير المعتبرة و ان أخذ من الاخبار. فالإنصاف حصول القطع بصدور واحد منها من جهة تعدّدها و صحّة أسانيد غير واحد منها.

و امّا الأصول اللّفظيّة كالإطلاق و العموم، فالظّاهر انّ اعتبارها عند أهل اللّسان ليس معيّن (مغني. ن. ل) إلاّ بقيام حجّة أقوى على خلافها، لا بوجود خبر الثّقة بما هو خبر الثّقة في مقابلها، بل بما هو حجّة عندهم. و بالجملة إلغاؤها عن الاعتبار في مقابله عند العرف، لمكان حجّيته عندهم غير مستلزم، لإلغائها عندهم في مقام لم يثبت اعتباره كما في الشّرعيّات، إلاّ يقال بثبوته فيها على النّحو الّذي قرّرناه في بيان عدم صلاحية تلك العمومات للرّدع عن السّيرة عليه، و لعلّه أشار إلى بعض ما أوردناه بامره بالتّأمّل، فتأمّل.

قوله (قده): أوّلها ما اعتمدته سابقاً- إلخ-.

و اعلم انّ قضيّة ذلك وجوب العمل بكلّ خبر مثبت للتّكليف، أو ناف له، إذا لم يكن على خلافه أصل مثبت له كالاحتياط في نفس المسألة، أو الاستصحاب، بناء على اعتباره في موارد علم إجمالاً، لا بقيام الحجّة على خلافه في بعضها أيضاً، فلا وجه لما فرع عليه بقوله (قده) فيجب بحكم العقل العمل بكلّ خبر مظنون الصّدور، و لذا اضرب عنه بقوله «بل ربّما يدّعى- إلخ-»، هذا لو لم يلزم من العمل بالكلّ محذور العسر، و إلاّ وجب التّبعيض على وجه يأتي إليه الإشارة، فتفطّن.

قوله (قده): و الجواب أوّلاً انّ وجوب العمل بالأخبار الصّادرة، انّما هو الامتثال الحكم الواقعيّة المدلول عليها بتلك الاخبار- إلخ-.

لا يخفى انّ العلم الإجمالي بوجود الاخبار الصّادرة عن الحجج المعصومين (صلوات اللَّه عليهم أجمعين) فيما بأيدينا من الأصول و الكتب المعتبرة إذا كان بمقدار يفي بمعظم الفقه، بحيث لا يبقى معه علم بالتّكليف إجمالاً فيما عدا الموارد الّتي دلّت على التّكليف فيها، نمنع عن تأثير العلم الإجماليّ بوجود التّكليف بينها و بين ساير الأمارات الّتي لم ينهض دليل على اعتبارها، و ذلك لأنّه حينئذ لم يعلم بتكليف آخر غير ما اقتضته تلك الاخبار الصّادرة، كي يراعى و يحتاط في غير ما يكون من محتملاتها من الرّوايات من موارد ساير الأمارات،

126

كما إذا كانت تلك الاخبار معلومة تفصيلاً؛ فكما ان العلم الإجماليّ بالتّكاليف بين هذه الأطراف حينئذ لا يوجب الاحتياط في خصوص أطرافه بالأخذ بكلّ خبر مثبت منها.

و الحاصل انّه يكون حال العلم الإجماليّ بالتّكاليف بين الاخبار و ساير الأمارات مع العلم الإجماليّ بوجود اخبار صادرة بينها، ناهضة بنصوصها أو ظهورها على مقدار من التّكاليف قد علمناه بينها و بين سائر الأمارات حال العلم الإجمالي بحرمة عشرين شاة في قطيع غنم، مع العلم الإجمالي بقيام البيّنة على حرمة العشرين من خصوص البيض، حيث لا يجب الاجتناب إلاّ عن كلّ ما كان بيضاً من باب الاحتياط، فظهر انّ العلم الإجمالي بوجود أحكام و تكاليف كثيرة بين الرّوايات و سائر الأمارات، لا يوجب الاحتياط في أطرافه إذا علم إجمالاً بصدور اخبار منهم (عليهم السلام) ناهضة بظهورها أو بنصوصها على المقدار المعلوم بالإجمال من التّكاليف بين تمام الأمارات و ان كان وجوب العمل بالأخبار الصّادرة، انّما هو لأجل امتثال أحكام اللَّه الواقعيّة المدلول عليها بتلك الاخبار، إلاّ انّ احتمال انطباقها على الموارد الّتي نهض على التّكليف فيها خصوص الاخبار الصّادرة، مع بداهة حجّيتها و تنجّز التّكاليف المدلول عليها و فعليّتها ظاهراً مطلقا، أصابت الواقع أو أخطأت عنها، يكون مانعاً عن تنجّزها فيما صادفت غير تلك الموارد من الأطراف، و سرّه كما أشرنا إليه، انحلاله إلى العلم الإجماليّ بتكاليف فعليّة في خصوصها و مجرّد الاحتمال فيما عداها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و ثانياً انّ اللاّزم من ذلك العلم الإجمالي، هو العمل بالظّن- إلخ-.

قد عرفت انّ قضيّة هذا الوجه ما ذا، و انّه لا وجه لاختصاص مقتضاه بما ظنّ مضمونه، و لا باختصاصه بما ظنّ صدوره لو لم يلزم العسر من الاحتياط و العمل به مطلقاً، ظنّ صدوره أو مضمونه، أو لا، و لو لزم منه يجب الاقتصار، أو يجوز على تفصيل يأتي لما يأتي من عدم الفرق فيما يهمّنا في نظر العقل بين الظّنّ بالواقع أو الطّريق، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و ثالثاً انّ مقتضى هذا الدّليل وجوب- إلخ-.

لا يخفى انّه ليس عدم وجوب العمل بالخبر (1) الثّاني من لوازم ثبوته بالعمل الإجمالي ليرد به على هذا الوجه، بل هو من لوازمه و لو علم تفصيلاً. نعم يتّجه عليه ما أورده عليه بقوله‏

____________

(1)- أي الاخبار الصادرة النافية للتكليف.

127

«و كذلك لا يثبت به حجّية الاخبار على وجه ينهض لصرف الظّواهر- إلخ-».

قوله (قده): الثّالث ما ذكره بعض المحقّقين- إلخ-.

مراد المستدلّ من السّنة على ما صرّح به في الجواب عن بعض ما أورده على نفسه، هي الاخبار المحكيّة، لا نفس ما يحكى بها من قول الحجّة و فعله و تقريره، و تنزيلها عليها، كما أفاده- قدّه- اجتهاد في مقابلة النّص، و كأنه- قدّه- ما لاحظ تمام ما أورده في المقام من النّقض و الإبرام، كما انّ ظاهر كلامه على ما يشهد به مراجعة تمامه على طوله، دعوى العلم بوجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة علينا فعلاً، و لزوم الخروج عن عهدة هذا التّكليف عقلاً بان يرجع إليهما على نحو يحصل منهما العلم بالحكم، أو الظّنّ الخاصّ لو أمكن، و إلاّ فعلى وجه يحصل منهما الظّن بالحكم، سواء كان عدم التّمكن من العلم و ما بحكمه في الدّلالة وحدها، كما في الكتاب و الخبر المتواتر، أو فيها و في السّند، كما في السّنة المحكية بخبر الواحد، فيكون ملاك الاستدلال بهذا الوجه استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدة هذا التّكليف الفعلي على قدر القدرة الموجب للرّجوع إلى الكتاب و السنّة على نحو يحصل منهما الظّن بالحكم دلالة أو سنداً، بعد فرض عدم إمكان الرّجوع إليهما على نحو يحصل منهما العلم أو بما يحكمه، لا دعوى لزوم الرّجوع إلى هذه الاخبار المحكيّة، لاستلزام عدم الرّجوع إليها الخروج من الدّين من جهة العلم بمطابقة كثير منها للتّكاليف الواقعيّة حتّى يرجع إلى دليل الانسداد، أوْ لأجل خصوص العلم الإجماليّ بصدور أكثر هذه الأخبار حتّى يرجع إلى الوجه الأوّل، فهو سالم عمّا أورده- قدّه- عليه، إلاّ يرد عليه انّه لازم ذلك أي العلم الإجماليّ بوجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة المحكيّة الاقتصار على القدر المتيقّن ممّا يحتمل وجوب الرّجوع إليه منهما لو كان، فان و في بمعظم الفقه، و إلاّ فالتّعدي إلى المتيقّن من الباقي لو كان، و هكذا؛ و إلاّ فالاحتياط في الرّجوع إليهما و لو لم يحصل منهما الظّنّ بالحكم.

هذا بناء على العلم بوجود ما يجب الرّجوع إليه ممّا يفي بمعظم الفقه من الأخبار فيما بأيدينا، مع انّ مجال المنع عنه واسع، لاحتمال ان يكون المرجع منها قسماً خاصّاً لم يكن هاهنا أصلاً، أو لم يكن بمقدار الكفاية.

قوله (قده): و هو فاسد، لأنّ الحكم المذكور حكم إلزاميّ- إلخ-.

و وجه إطباق العقل على الالتزام به، انّ الالتزام بدفع الضّرر المظنون، بل خوفه‏

128

كالضّرر المقطوع من الفطريّات، بل ذلك مودع في طبائع سائر الحيوانات، و لذلك تراها تتحرّز عن مظانّه، فدفعه واجب عقلاً و ان لم نقل بالتّحسين و التّقبيح العقليّين؛ و منه ظهر عدم الحاجة أصلاً بعد منع ابتناء الكبرى على القول بهما، إلى دعوى دلالة الكتاب و السّنّة على ثبوتها كي يخرج الدّليل عن الأدلة العقليّة، مع ما في دلالة الآيات الّتي ذكرها ما لا يخفى، فانّها بين ما يكون ظاهره التّحذير عن الضّرر المعلوم، و ما يكون ظاهره الإرشاد، فيتّبع ما يرشد إليه في الوجوب و الاستحباب، و لا يترتّب على موافقته و مخالفته الثّواب و العقاب.

فتلخّص ممّا ذكرنا عدم ابتناء الحكم بوجوب دفع الضّرر الظنون في الكبرى عقلاً على القول بهما، لما عرفت من انّه ضروريّ فطريّ، و ظهر فساد ابتنائه عليه و لو قيل به، لما عرفت من انّ ملاكه مجرّد ملاحظة انّه مظنّة الضّرر، من دون ملاحظة انّه ممّا يذمّ عليه؛ فالمصنّف و إن أجاد فيما أفاد، من انّ الحكم في الكبرى إلزاميّ أطبق العقلاء على الالتزام به في جميع أمورهم، إلاّ انّه لا وجه لما التزم به من انّه بملاك التّقبيح على عدم الالتزام به عقلاً، فافهم.

ثمّ إنّ التّحقيق في الجواب، و توضيح الحال فيما وقع من النّقض و الإبرام، يستدعى بسط الكلام برسم أمور في المقام:

(أحدها): انّ الأمر بالأمارة أو أصل، أو النّهى عن امر كالقياس و نحوه و إن كان لا بدّ ان يكون عن مصلحة، إلاّ انّه في نفس الجعل و الأمر الّذي هو فعل الشّارع، لا في فعل يؤدّى الأمارة أو الأصل إلى وجوبه أو حرمته، كما تقدّم منّا تحقيقه، و يأتي في توجيه خروج القياس؛ و قد عرفت سابقاً انّ مصلحة الجعل ليس ممّا يصلح ان يتدارك به ما فات به عن المكلّف من المصلحة أو وقع فيه من المفسدة، كما عرفت انّه لا قبح في الجعل لأجل ذلك إذا كان فيه من المصلحة ما كان مراعاته أهمّ من ذلك.

(ثانيها): انّ الأحكام الواقعيّة و ان كانت على المشهور بين العدليّة، تابعة للمصالح و المفاسد الّتي يكون في نفس المأمور بها و المنهيّ عنها لا المصالح في نفس الأمر و النّهى، إلاّ انّ مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبيّ أو التّحريمي، لا يوجب ظنّاً بالضّرر، لأنّ المصلحة أو المفسدة الّتي يكون في المأمور بها أو المنهيّ عنها و إن كانت علّة تامّة للحكم الواقعيّ و إنشائه و جعله، إلاّ انّ مجرّد ذلك لا يقتضى ان يكون فعلاً واجبة لاستيفاء أو التّحرز عقلاً، لما عرفت سابقاً من مراتب الحكم، و انّ الحكم الواقعيّ الّذي ينظر إليه الأمارات ليس إلاّ مرتبة الإنشاء منها، لا المرتبة الّتي ينقدح في نفس المولى فيها البعث و الزّجر الفعليين.

و بعبارة أخرى، المصلحة أو المفسدة الّتي يكون في الشّي‏ء الموجبة لإنشاء الأمر به أو النّهى‏

129

عنه لا يكون فوت الأولى و لا الوقوع في الثّانية، ضرراً دائماً بحيث يلزم العقل بالتّحرّز حيثما اطّلع عليه، و لا يخفى انّ ذلك لا ينافي ثبوت الملازمة بين حكمي الشّرع و العقل.

(و ثالثها): انّه من الواضح انّه لا ملازمة بين الوجوب و الحرمة الواقعيّين، و استحقاق العقوبة على ترك الواجب فعلاً، لبداهة انفكاكهما فيما إذا كانا مجهولين عن قصور، فلا يكون الظّنّ بهما ظنّاً بالعقوبة، إلاّ إذا أحرز و لو بالظّن انّه يتنجّز التّكليف به كما يتنجّز بالقطع، فانّه حينئذ يلزم من الظّنّ بهما الظّنّ بالعقوبة على المخالفة، و لا يحتاج ذلك إلى إثبات انّ مجرّد الوجوب أو الحرمة مستلزم للعقوبة، فلا تغفل. لكنّك عرفت سابقاً عند تأسيس الأصل في الظّن، عدم تنجّز التّكليف به.

(رابعها): انّ الضّرر الّذي يستقلّ العقل بالتّحرّز عن مقطوعه و مظنونه و إن كان خصوص ما لا يتدارك بمنفعة و ما لا يجبر كسره بفائدة، إلاّ انّه ليس كلّ منفعة عائدة بجابرة له، بل خصوص ما كان في نفس الفعل، أو فيما يلازمه واقعاً، أو جعلاً من جاعل من منفعة يتلافى بها ضرورة، و إلاّ فليكن كلّ منفعة حصلت للإنسان جابرة لما ورد عليه من الضّرر، فالحسنات و إن كانت يذهبن السّيئات‏ (1) بعقوباتها، حيث انّها تجزى بعشر أمثالها و هي لا تجزى إلاّ بمثلها (2)؛ إلاّ انّ ضرر مفاسدها لا يجبر بما فيها من المصالح، و إلاّ لجاز الإقدام فيها لمن عمل الحسنات و فعلها.

(خامسها): ان يكون المدار في غايات حركات الإنسان و إن كان على المقتضيات دون العلل التّامّة، إلاّ انّ الظّنّ بمقتضى الضّرر لا يحقق ما هو الصّغرى لكبرى دفع الضّرر المظنون ما لم يظن أيضا بعدم المانع، كما لا يخفى؛ إلاّ ان يدعى ثبوت كبرى أخرى أوسع دائرة منها، مع انّ كون المدار على المقتضيات مطلقا و لو عند وجود ما يورث عند العقلاء احتمال المانع ممنوع، و إنّما لا يعتنى باحتماله إذا لم يكن هناك منشأ عقلائي.

إذا عرفت ما رسمناه من الأمور، فقد ظهر لك ما هو الصّواب في الجواب، و حال ما ذكر في هذا الباب في الكتاب، فلأنّه ظهر منع الصّغرى بسنده، حيث ظهر انّ الظّنّ بالوجوب أو الحرمة لا يكون ظنّاً بالعقوبة، إلاّ على وجه غير وجيه، و لا ظنّاً بضرر آخر، فإنّ فوات المصلحة أو الوقوع في المفسدة الكامنتين في الأفعال الموجبتين للوجوب و الحرمة الواقعيّين و ان كان مظنوناً، إلاّ انّه لم يعلم كونهما من الضّرر على كلّ حال، مع احتمال عدم كون‏

____________

(1)- هود- 114

(2)- الأنعام- 160

130

الأحكام تابعة لهما، بل تابعة لما في نفسها من المصلحة، فلا يكون حينئذ ظنّ بهما أيضاً، و انّه لا وجه لالتزامه (قده) بتدارك ما فات منه من المصلحة أو وقع فيه من المفسدة بمصلحة نفس الجعل فيما امر به أو نهى عنه من الأمارات أو الأصول، مع انّ مصلحة الجعل لا يتدارك بها ضرر المخالفة، فمثل مصلحة التّسهيل النّوعي كيف يتدارك بها ضرر المخالفة على المتمكّن من الموافقة بلا صعوبة أصلاً، كما لا يخفى؛ و قد اعترف به (قده) فيما تقدّم، و لعلّه أشار إليه بامره بالتّأمّل.

و انّه يكفي المستدل، مع منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة مع الظّنّ بالتّكليف على المخالفة، مجرّد الظّنّ بصحة المؤاخذة عليها معه، من دون حاجة إلى إثبات استلزام التّكاليف العقوبة.

و لا يخفى انّ قوله (قده): «لكنّه رجوع من الاعتراف- إلخ-»، كأنّه سهو من القلم، و انّ الصّحيح ان يقال: «لكنّه رجوع عن الاعتراف بعدم وجوب دفع الضّرر المشكوك» كيف، و المفروض فيما استدرك عنه هو الظّنّ بالتّكليف، فلا تغفل.

و انّه لا وجه لما ذكره في سند منع الصّغرى على تقدير كون الضّرر مفسدة الحرام بعد الاعتراف بكونه في نفسه ضرراً، لما عرفت من انّه ليس كلّ ما يعود إليه من مصالح الحسنات ينجبر بها ضرر السّيئات، و إلاّ لجاز الاقتحام فيها مع الإقدام عليها، كما لا يخفى.

و انّه لا وجه لما أورده عليه بعد البناء على صحّة التّدارك و احتماله إذا كان احتماله عقلائيّاً يعتنى به. اللّهم الا ان يدّعى وجوب دفع الضّرر المشكوك أيضاً، كما ليس ببعيد، و لا شهادة في كون أكثر موارد التزام العقلاء بالتّحرز عن المضارّ من موارد الظّن بمقتضى الضّرر على اكتفائهم بذلك في إحراز صغرى ما يلتزمون به من وجوب دفع الضّرر المظنون، إذ من المحتمل ان يكون ذلك من جهة التزامهم بالتّحرز عن الضّرر المشكوك أيضاً، فافهم.

قوله (قده): و امّا إذا لم يثبت وجوب التّرجيح، فلا يرجّح المرجوع و لا الرّاجح- إلخ-.

انّما يثبت وجوبه فيما إذا دار الأمر في مقام العمل بينهما، و هو لا يكون إلاّ إذا لم يجز الرّجوع إلى البراءة، بان كان الغرض متعلّقاً بالواقع، و مع ذلك لا يمكن الاحتياط أو لا يجب، فيحتاج في إثبات الوجوب إلى مقدّمات دليل الانسداد كما أفاده فالإيراد عليه بأنّ التّوقّف عن ترجيح الرّاجح أيضاً قبيح خال عن السّداد، و لعلّه لذا أمر بالتّأمّل و قال:

«فالأولى في الجواب» لا «فالصّواب»؛ و انّ ما أفاده في الحاشية على ما في التّعليقة في‏

131

وجه التّأمّل، ما هذا لفظه: «وجه التّأمّل انّ مراد المستدلّ من الرّاجح و المرجوح ما هو الأقرب إلى الغرض و الأبعد منه في النّظر، و لا شك في وجوب التّرجيح بمعنى العمل بالأقرب و قبح تركه مطلقاً، فلا يبقى فرض لعدم وجوب التّرجيح ليردّ به هذا الدّليل، فلا فائدة في الرّد»- انتهى.

و لا يخفى انّه انّما لم يبق فرض لعدم وجوبه حينئذ إذا لم يمكن الاحتياط، و إلاّ فللتّوقّف عن التّرجيح مجال، كما أفاده في الجواب عن الاستدلال، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): مع انّ العمل بالاحتياط في المشكوكات كالمظنونات، لا يلزم منه حرج قطعاً- إلخ-.

لا يخفى انّه لا وقع لهذه الإضافة بعد الإيراد عليه بكونه راجعاً إلى دليل الانسداد الوارد عليه؛ ذلك على ما أفاده- قدّه- فيما يأتي. اللّهم إلاّ ان يكون الإيراد به مع قطع النّظر عمّا يرد عليه من الرّجوع، فافهم.

قوله (قده): الرّابع، هو الدّليل المعروف بدليل الانسداد، و هو مركّب من مقدّمات:

الأولى انسداد باب العلم- إلخ-.

لا يخفى انّ الأولى، جعل المقدّمة الأولى هو العلم الإجماليّ بثبوت تكاليف فعليّة علينا في الشّريعة و ان كان ذلك بين اللّزوم لما جعله أولى المقدّمات، بداهة انّ وضوح المقدّمة لا يوجب الاستغناء عنها، فيكون الدّليل مركّباً من مقدّمات خمس، كما انّ المتعيّن انْ يجعل خامسها على هذا، و رابعها على ما جعله هو عدم جواز العدول إلى الموافقة الشّكّية أو الوهميّة مع التّمكن من الموافقة الظّنيّة، لاستلزامه التّرجيح بلا مرجّح، فيستنتج منها تعيّن الرّجوع إلى الامتثال الظّنّي و الموافقة الظنّية للواقع، لا نفس تعيّن الرّجوع إلى الامتثال الظنّي، كما فعله (قده)، فانّه المطلوب و نتيجة المقدّمات، لا- منها.

و كيف كان لما كان كفاية الامتثال الظنّي فيما إذا تحقّقت المقدّمات الخمس و جواز التّنزّل إليه من الامتثال العلميّ الإجماليّ، لا إلى غيره من أقسام الامتثال الاحتمال بحكم العقل الاستقلالي، سمّى هذا الدّليل عقليّاً، و ان كان بعض مقدّماته شرعيّا، يستدلّ على تحقّقه بغير العقل من الأدلّة الشّرعيّة، فليس عقليّة بمجرّد عقليّة استلزام تلك المقدّمات للنّتيجة، كي يقال: انّه لا يوجب عقليّة الدّليل لكون ذلك عقليّاً في كلّ دليل، بل إنّما هو لكون النّتيجة حكماً عقليّاً، فافهم.

132

قوله (قده): امّا المقدّمة الأولى فهي بالنّسبة إلى انسداد باب العلم- إلخ-.

امّا المقدّمة الّتي جعلناها مقدّمة أولى مبنيّة، و امّا هذه المقدّمة بالنّسبة إلى انسداد باب العلم في هذا الزّمان، و ما يشابهه من الأزمنة السّابقة (السّالفة. ن. ل)، كما أفاده. و امّا بالنّسبة إلى انسداد باب العلمي (العلم. ن. ل)، فهو و ان كان يختلف باختلاف الأقوال في حجيّة خبر الواحد و غيره من الأمارات، إلاّ انّ الإنصاف بحسب مساعدة الأدلة السّابقة، هو حجّية خبر يوثق بصدوره، و لو لاحتفافه بما يوجب ذلك و مثله بحمد اللَّه في الأخبار المودّعة في الكتب المعتبرة الأربعة كثير جدّاً، بحيث يفي بمعظم الفقه.

قوله (قده): و امّا المقدّمة الثّانية- إلى قوله- فيدلّ عليه وجوه: الأوّل الإجماع- إلخ-.

لا يخفى انّه لا مجال لدعوى الإجماع، فإنّ تحصيله في هذه المسألة بعيد، بل محال، بل و لو اتّفقت الأقوال، لقوّة احتمال ان يكون مصير الجلّ لو لا الكلّ إليه، لأجل حكم العقل بكون العلم الإجماليّ بالتّكليف الفعلي، يوجب تنجّزه على نحو التّنجيز، كما هو الحقّ على ما حققناه سابقاً، أو على نحو التّعليق، مع عدم ثبوت ما علّق عليه من الشّرع، و اختصاص ما يوهمه ممّا يدلّ على التّرخيص، و الإذن في الاقتحام في الشّبهات البدويّة أو تخصيصها بها، لأجل ما يعارضها، كما بيّن في محلّه.

و الحاصل انّه كيف يستكشف رأي الحجّة (عليه السلام) عن اتّفاقهم على حكم عقليّ تنجيزي، لا تناله يد التّصرف، أو تعليقيّ قابل لذلك، فتفطّن.

قوله (قده): الثّاني: الرّجوع في تلك الوقائع إلى نفي الحكم- إلخ-.

لزوم مخالفة كثيرة من الرّجوع في تلك الوقائع إلى البراءة، بحيث يعدّ الرّاجح إليها، مع التزامه بما قطع بثبوته في الشّريعة من الضّروريّات، و الإجماعيّات، و المتواترات، (1) و ما احتف بما يوجب اليقين، و ما ساعدت عليه أمارة ثبت اعتبارها من العبادات و غيرها من العقود و الإيقاعات، و سائر أبواب الفقه خارجاً من الدّين غير متديّن بشريعة سيّد المرسلين، كي يكون ذلك محذوراً لا يجوزه أحد من المسلمين، و لوجود المخالفة القطعيّة لما علم بالإجمالي من التّكاليف ممنوع جدّاً، سيّما إذا كان الاحتياط في الدّماء و الفروج و الأموال ممّا علم بثبوته في الشّريعة أيضاً على نحو اللّزوم، بحيث لا يجوز شرعاً الاقتحام فيما اشتبه حلاله‏

____________

(1)- خ ل: المتواتريات‏

133

بالحرام.

و لا يخفى انّه لا شهادة في أكثر ما نقله من الاعلام على ذلك، و ذلك لأنّ ظاهر السؤال و الجواب في كلام السّيّد و ان كان هو التّسالم و التّصالح على انّه لو فرض الحاجة إلى أخبار الآحاد لعدم المعوّل في أكثر الفقه، لزم العمل عليها و ان لم يقم دليل عليه بالخصوص، إلاّ انّه لم يعلم منه انّ ذلك لئلا يلزم محذور الخروج عن الدّين، بل لعلّه لأجل انّه يرى نفس المخالفة القطعيّة محذوراً. و كذا ظاهر تعليل الشّيخ- قدّه- في بيان بطلان ترك أكثر الأحكام و أكثر الأخبار، لقوله- قدّه- لأنّه تكون معوّلاً على ما يعلم ضرورة من الشّرع خلافه، انّ وجه البطلان كونه خلاف ما علم من الشّرع، لا للزوم كونه خارجاً من الدّين.

و كذا لا وجه لقياس مثل المقام، و قد أكمل الدّين بوجود الأئمّة الطّاهرين المعصومين و بتبليغهم تفاصيل الأحكام على الأنام، و انّما عرض الاشتباه لنا في جملة منها لطواري الزّمان الرّاجعة إلى كيد الكائدين، و خيانة الخائنين على مثل مسألة إثبات عصمة الإمام بلزوم بطلان أكثر الأحكام من عدم عصمته، فانّ الفارق بينهما واضح، فتدبّر.

قوله (قده): الثّالث: انّه لو سلّمنا انّ الرّجوع لا يوجب شيئاً- إلخ-.

وجه اختصاص أدلّة البراءة بغير صورة العلم الإجماليّ بالتّكاليف، هو صحّة المؤاخذة عقلاً معه، و عدم عموم أو إطلاق لأغلب أدلّتها اللّفظيّة يشملها، و لزوم تخصيص الشّامل بعمومه أو إطلاقه بغيرها عقلاً فيما كان التّكليف المعلوم بالإجمال فعليّاً، كما هو كذلك في المقام، و جمعاً بينها و بين ما دلّ على وجوب الاحتياط مطلقاً، على ما عرفت مفصّلاً في بعض تنبيهات القطع.

قوله (قده): لأنّ الظّنّ بالسّالبة الكليّة يناقض العلم بالموجبة الجزئيّة- إلخ-.

انّما يناقض فيما إذا كان الظّنّ بالسّالبة الكليّة فعليّاً، بان يكون السّالبة بكليّتها مظنوناً فعلاً، لا فيما إذا ظنّ بالسّلب في كلّ واحد تدريجاً في أزمنة متمادية. كيف، و العلم بها كذلك لا يناقض العلم بالموجبة الجزئيّة، و السّرّ عدم العلم أو الظنّ بها بكليّتها حين العلم أو الظّنّ بالموجبة، فافهم.

134

قوله (قده): و فيه انّ حكم العقل بقبح المؤاخذة من دون البيان- إلخ-.

لا مساس لهذا الإيراد بما أفاد القمي (ره)، فانّه انّما منع من حكم العقل القطعي، بل الظّنّي مطلقا، لا سيّما فيما إذا كان على خلافه خبر صحيح بخيال انّ المدّعى له يريد نفى الواقع به قطعاً أو ظنّاً، كما يكشف عنه قوله: «و امّا بعد ورود الشّرع- إلخ-»، و قوله مع انّه ممنوع إذا حصل من خبر الواحد ظنّ أقوى كما لا يخفى، بل الوارد عليه انّ المدّعى انّما هو القطع بنفي العقوبة لا الواقع، كما لا مساس لذلك، أي منعه (ره) من حكم العقل بالنّفي و ان كان حقّاً بما اراده المدّعى للبراءة، للقطع بعدم العقوبة على مخالفته (مخالفة. ن.

ل) التّكليف المشكوك أو المظنون بالظّن الغير المعتبر، فإنّها بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان، و هو ممّا لا مجال لإنكاره، و لا لاختصاصه مجال، كما أفاده- قدّه-.

قوله (قده): فانّه لا مجرى للبراءة، لحرمة تصرّف كلّ منهما على تقدير كون المبيع ملك صاحبه- إلخ-.

إلاّ انّ هذا التّقدير لما لم يكن محققاً لواحد منهما كان التّصرف لكلّ واحد منهما في كلّ واحد منهما جائزاً، و لا يمنع عنه العلم بحرمة أحدهما إجمالاً لكلّ واحد منهما، إذ الفرض عدم مانعيّته، و لا شي‏ء آخر من أصل موضوعي معتبر، أو حكمي، مع انّه لو كان، فهو من المستثنى في كلامه- ره-.

ثم لا يخفى ان أشملية أصالة العدم محلّ تأمّل، بل منع و لو قلنا باعتبارها لا من باب الاستصحاب، فانّ الظّاهر عدم جريانها فيما سيق بالوجود، لو لم نقل باختصاصها بما سيق بالعدم.

قوله (قده): أحدهما الإجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام- إلخ-.

قد عرفت في بعض الحواشي السّابقة انّ دعوى الإجماع في مثل المسألة ممّا يتطرّق إليه العقل، بعيدة لاحتمال ان يكون وجه عدم التزام البعض بالاحتياط فيها على تقدير الانسداد عدم تنجّز التّكليف بالعلم به إجمالاً عنده.

ثمّ انّه لا يشكل عليه بأنه كيف التّوفيق بين دعوى الإجماع القطعي على عدم وجوب الاحتياط و التّرخيص في الاقتحام في الأطراف في الجملة، و دعوى احتمال عدم جعل طريق في حال الانسداد و الإيكال إلى حكم العقل في (على. ن. ل) كلّ حال؛ فانّه لا منافاة بين التّصرف من الشّارع بالتّرخيص أو المنع كما في القياس، و عدم التّصرف بجعل‏

135

الحجّة و الإيكال إلى ما يحكم به العقل في هذا الحال؛ فانّ غاية الأمر له مع التّصرف، حكم غير حكمه مع عدمه، فافهم.

قوله (قده): الثّاني: لزوم العسر الشّديد و الحرج الأكيد- إلخ-.

يمكن ان يقال انّه ليس لزوم ذلك من الاحتياط بدائمي و لا بغالبيّ، بل من باب الاتفاق و عروض بعض الخصوصيّات أحيانا، مثل فرض انحصار الماء في المستعمل في رفع الحدث الأكبر مثلاً، و إلاّ فحسب المتعارف و المعتاد لا يلزم منه ذلك، لوضوح عدم لزوم ذلك من ترك ما احتمل حرمته إلاّ نادراً، و لا من فعل ما احتمل وجوبه ممّا يبتلى به غالباً، أ ترى لزومه غالباً على من اكتفي بما علم حليّته من المأكول، و المشروب، و المنكوح، و المركوب، مع وفورها و كثرة أصنافها، و التزم بالصّلاة و الصّوم بما فيهما من الأجزاء و الشّرائط المحتملة؛ كيف، و ليس هذا بأزيد من ان يكون الحلال منحصراً فيما علم حلّيته، و كانت الصّلاة و الصّيام واجبتين على هذه الكيفيّة، و لزوم العسر الاتفاقي لا يوجب شيئاً إلاّ في مورده، كما لا يخفى؛ بل لو كان العسر غالبيّاً لا يؤثر رفع الاحتياط في حقّ خصوص من لا عسر عليه أصلاً، أو فيما لا عسر فيه عليه اتّفاقاً، فإنّه لا موجب لرفع اليد عن حكم العقل به إلاّ بهذا المقدار.

ثمّ انّه لو سلّم لزوم العسر، فان كان موجباً للاختلال، فلا إشكال في عدم جواز الاحتياط فضلاً عن وجوبه، و ان لم يكن موجباً له ففي نهوض الأدلّة النّافية للعسر و الحرج على جواز تركه تأمّل، فإنّه لا يبعد ان يكون مفادها بملاحظة نظائرها نفي مال الأمر العسر من الإلزام و غيره من الأحكام الّتي تقتضي المنّة رفعها عنه، لا نفي الحكم الّذي ينشأ منه العسر، و عليه لا يكون قاعدة العسر ناهضة على الجواز، لأنّ الإلزام في المقام ليس إلاّ بأمور يسيرة، و انّما العسر إنّما جاء من قبل امتثال التّكليف بها بعد طروّ الجهل و الإجمال عليها.

و الحاصل انّ التّكليف الشّرعي هاهنا ليس ممّا فيه العسر و ان كان منشأ له لعروض الجهل، و الظّاهر ان تلك القاعدة لم يكن نافية إلاّ التّكليف لما فيه العسر، لا التّكليف الّذي يجي‏ء منه العسر، فافهم و تأمّل في أدلّتها.

ثمّ ان النّسبة بينها و بين العمومات المثبتة للتّكليف و ان كان عموماً من وجه، إلاّ انّه لا إشكال في تقديمها عليها، و إنّما الإشكال في وجهه، و الظّاهر انّ قضيّة الجمع بينهما دلالة، حيث انّ شمولها لمورد الاجتماع من الأفراد العسرة، أظهر من شمول العمومات و المطلقات لها، كما لا يخفى. مضافاً إلى ورودها في مقام الامتنان الآبي عن التّخصيص، لا لأجل‏

136

حكومتها عليها، و ذلك لإناطة الحكومة على ناظرية أدلّتها إلى بيان كميّة مفادها، لا مجرّد نفي العسر و الحرج في الدّين واقعاً، و دون إثبات ذلك خرط القتاد، لا أقل من عدم ثبوت ذلك عند الكلّ و معه كيف يكون هو الوجه عندهم، و إرجاعه (عليه السلام) في رواية عبد الأعلى‏ (1) في بيان جواز المسح على المرارة، و أشباهه إلى ما يدلّ على هذه القاعدة من الكتاب‏ (2)، مع كون النّسبة بينه، و بين ما يدلّ على التّكاليف عموماً من وجه لا ينافي ما ذكرنا، فإنّ حمل الظّاهر على الأظهر كالحكومة عرفاً في عدم الحاجة إلى مئونة زائدة غير ما يكون الدّليلان عليه من ملاحظة ناظرية أحدهما إلى الآخر كما في الحكومة، أو ملاحظة أظهريّته عنه كما في الظّاهر و الأظهر، و لعلّه أشار إليه بقوله فافهم.

قوله (قده): بل أدلّة نفي العسر بالنّسبة إلى قاعدة الاحتياط- إلخ-.

أيْ يكون واردة عليها و رافعة لموضوعها، و هو عدم الأمن من العقوبة حقيقة، كما هو الحال في كلّ دليل بالنّسبة إلى أصل عقلي من براءة، أو احتياط، أو تخيير، لكنّك عرفت انّ الظّاهر انّما تكون نافية للتّكليف بما فيه العسر، لا لما يجي‏ء منه العسر، فلا تغفل.

قوله (قده): و امّا بناء على ما ربّما يدّعى من عدم التّنافي- إلخ-.

هذا إذا كانت حصولها تدريجيّة، بحيث لا يكون حاصله في زمان واحد، و إلاّ فالمنافاة بين الظنّ التّفصيلي الفعلي، و العلم الإجماليّ بخلافه، أوضح من ان يخفى، كما لا يخفى.

قوله (قده): مع إمكان ان يقال بأنّ ما ألزمه- إلخ-.

بان يقال: انّ نفي العسر لما كان منة على المكلّف كان نفيه مختصّا بما إذا لم يقدم على العسر، و يلزمه على نفسه بإجارة، أو نذر، و شبهه، فإنّه لا منّة في رفع الإلزام عمّا التزم به باختياره، بخلاف ما إذا أتى بما يوجب التّكليف بالعسر، كما إذا أجنب متعمّداً و قد كان الغسل عنه كمال المنّة.

و الحاصل انّه لا منّة في نفي الإلزام عمّا أقدم عليه المكلّف و التزم به باختياره، كما يكون في نفيه فيما لم يقدم إلاّ على سببه من دون التزام منه بما يلزم عليه بسببه، فافهم.

____________

(1)- وسائل الشيعة 5- 327- ح 5

(2)- الحج- 78

137

قوله (قده): و فيه أوّلاً انّ معرفة الوجه ممّا يمكن للمتأمّل في الأدلّة و في إطلاقات العبادة- إلخ-.

قد تقدّم في بعض تنبيهات القطع انّ مثل معرفة الوجه و قصده لا يمكن ان يؤخذ في العبادة، لا شرطاً، و لا شطراً، كي يصحّ التّمسك بإطلاق أدلّتها في نفيه إذا شكّ في اعتباره فيها، و قد اعترف- قدّه- بذلك هناك، حيث قال: و هذا ليس تقييداً في دليل تلك العبادة حتّى يرفع بإطلاقه، اللّهم إلاّ ان يراد بالإطلاق هاهنا إطلاق المقام، لا إطلاق الكلام، و هو عبارة عن السّكوت في مقام بيان جميع ما اعتبر في كيفيّة الإطاعة عن بيان اعتباره، فلا بدّ من إحراز هذا المقام في الحكم بعدم اعتباره، و الظّاهر انّ وجه التّمسك بسير المسلمين، و سيرة النّبي و الأئمّة مع النّاس، هو ما نبّهنا عليه هناك من انّ قصد الوجه و نحوه لو كان معتبراً في حصول الإطاعة في العبادة، كان على الشّارع ان ينبّه عليه، إذ كثيراً ما يغفل عنه فحيث ما نبّه عليه يقطع بعدم اعتباره، فافهم.

قوله (قده): و رابعاً: لو أغمضنا من جميع ما ذكرنا- إلخ-.

لا يخفى انّ المراد بالوجه هاهنا، هو الوجه الّذي حكم المتكلّمون باعتباره في الإطاعة، و من المعلوم انّه خصوص الحكم الشّرعيّ الّذي يوجّه به العمل و لو كان ظاهريّاً، لا مطلق الحكم و لو كان عقليّاً، كي يكتفي في تأتى نيّته بإتيان العمل موجّهاً بقصد الوجوب الناشئ من قبل حكم العقل بلزوم إتيانه احتياطاً، و لا أظنّ أحداً من العقلاء ان يشكّ في عدم اعتبار ذلك هذا.

قوله (قده): قلت: مرجع الإجماع قطعيّاً أو ظنّياً- إلخ-.

غرضه انّ مرجع هذه الدّعوى إلى دعوى الإجماع على حجّية الظّن بعد الانسداد، و هو غير مفيد في المقام. امّا وجه رجوعها إليها فلأجل انّه لو لم يكن الظّنّ حجّة لم يكن وجه آخر يوجب الرّجوع إلى الأصول في المشكوكات دون المظنونات، مع استواء الطّائفتين حينئذ في كونهما طرفي العلم بالتّكاليف، و عدم الحجّة الكافية في البين. و امّا عدم كون الإجماع مفيداً أصلاً قطعيّاً كان أو ظنّياً، فلأنّه لو كان قطعيّاً فهو و ان كان يوجب رفع اليد عن الاحتياط في المشكوكات، إلاّ انّه إثبات حجّية الظّنّ بغير دليل الانسداد و هو ليس بالمراد و ان كان ظنياً، فلا يوجب رفع اليد عنه فيها، لتوقّفه على ثبوت حجّية الظّن، مع عدم الثّبوت بالظّنّ إلاّ على وجه دائر، كما لا يخفى على المتأمّل.

138

قلت: بناء على حكومة العقل عند التّبعيض بكون الظّنّ بحجّية الأصول في المشكوكات مفيداً، و ذلك لعدم التّفاوت في نظر العقل بحسب ما يهمّه من تحصيل الأمن من العقوبة فيما ظنّ فيه بالتّكليف، أو بعدمه بين كونه واقعيّاً و كونه ظاهريّاً، فيلحق موارد الأصول المثبتة منها بالمظنونات، و موارد الأصول النّافية بالموهومات، و يكون أطراف العلم حينئذ بحسب نظر العقل بين طائفتين مظنونات التّكليف مطلقا و لو كان ظاهريّاً و موهوماته كذلك، بل يمكن ان يقال انّه يجب اتّباع الأصول المثبتة في الطّوائف الثلاث كلّها، لوجود المقتضى و عدم المانع فيها.

امّا عدم المانع فواضح، لموافقتها لما علم إجمالاً من التّكاليف. و امّا وجود المقتضى فهو العلم الإجماليّ بالتّكليف في خصوص المسألة في موارد الاحتياط، و عموم أدلّة الاستصحاب في موارده، و لا وجه لتوهّم عدم عمومها له في تلك الموارد، للعلم بانتقاض الحالة السّابقة في بعضها، و معه لا يستلزم عمومها له للتّناقض في مدلولها، بداهة تناقض حرمة النّقض في كلّ، كما هو قضيّة «لا تنقض اليقين‏ (1)» مع وجوب النّقض في أحدهما، كما هو مقتضى قوله في ذيل بعض الأخبار «و لكن تنقضه بيقين آخر (2)» و ذلك لأن العلم الإجماليّ بالانتقاض يوجب ذلك لو كان الابتلاء بأطرافه فعلاً، بحيث كان الشّك في كل، مع العلم بالانتقاض إجمالاً دفعة، و إلاّ فهذا العلم حاصل في الاستصحابات الجارية في الموارد الخالية عن الأمارات المعتبرة و لو كانت بمقدار الكفاية، و السّر انّ أخبار الاستصحاب انّما هي لبيان وظيفة الشّاك فعلاً في بقاء ما علم حدوثه مع الابتلاء به، و بيان انّ حكمه البناء على بقائه، فلا يعمّ إلاّ ما ابتلي به فعلاً ممّا شكّ في بقائه و ارتفاعه، لا ما لا ابتلاء به، و انّما ابتلي به سابقاً، أو يبتلى به لاحقاً، من دون ان يتعلّق به عمل بالفعل و لو كان شاكّا فيه فعلاً، فضلاً عمّا إذا كان غافلاً عنه تفصيلاً و لم يلتفت إليه إلاّ إجمالاً، بمعنى انّه يعلم بحدوث الشّكّ له في غير مورد. هذا، مع خلوّ بعض الأخبار عن قوله «و لكن تنقضه- إلخ-» (3).

و امّا الأصول النّافية للتّكليف، فيجب أيضاً اتباعها في الطّوائف الثّلاث لو كان موارد الأصول المثبتة، و لو بضميمة ما علم من التّكاليف الفعليّة بالإجماع، أو الضّرورة، أو غيرهما، و لو كان أصلاً معتبراً بمقدار ما علم إجمالاً منها، بحيث لا نعلم بوجود تكليف في‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 5- 321

139

مواردها، و ذلك لانحلال العلم الإجماليّ إلى العلم التّفصيلي بالتّكليف الفعلي و الشّك البدوي، كما إذا كانت هناك أمارة معتبرة بمقدار الكفاية و لو بضميمة ما علم من التّكاليف، و إلاّ فلا يجوز اتّباعها في جميعها، بل يجب في مخالفتها مراعاة للاحتياط اللاّزم فيما لا يلزم منه العسر، و يجوز موافقتها مع لزومه، بل يجب فيما بلغ حدّ الاختلال.

فانقدح بذلك انّه لا مجال للتّرجيح بين الأطراف إلاّ في خصوص موارد الأصول النّافية منها في الجملة لو ارتفع العسر برفع اليد عن الاحتياط في طائفة أو طائفتين منها، فيتعيّن لذلك الموهومات وحدها، أو بضميمة المشكوكات، و إلاّ فلا مجال أصلاً، كما لا يخفى.

نعم لو لم يرتفع العسر بذلك، بل كان باقياً لم يرفع اليد عن بعض موارد الأصول المثبتة أيضاً يكون خصوص مواردها مورداً للتّرجيح.

و لا يخفى انّ هذا ممّا يختلف باختلاف تلك الموارد و موارد الأصول النّافية، قلّة و كثرة، و هو يختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال، فافهم، و استقم.

قوله (قده): و تحصل ممّا ذكرنا إشكال آخر- إلخ-.

لا يخفى عدم اختصاص الإشكال بما إذا كان نفي الاحتياط بلزوم العسر، بل وارد على كلّ حال و ان كان نفيه لعدم المقتضى له، أو بالإجماع، فإنّ قضيّة المقدّمات انّما هو التّنزل إلى الامتثال الظّنّي عقلاً على تقرير الحكومة، أو شرعاً على تقرير الكشف فيما لم يكن هناك حجّة معتبرة بالخصوص، فلا عبرة معها أصلاً، فكيف يصير حجّة ناهضة، لتخصيص عمومات الكتاب أو السّنة المتواترة مثلاً.

و بالجملة ليس قضيّة المقدّمات هو اعتبارها في عرض ما اعتبر بالخصوص، ليصحّ تخصيصه أو تقييده، بل في طوله و في مرتبة عدمه، فتفطّن.

قوله (قده): و يرد هذا الوجه انّ العلم الإجماليّ بوجود الواجبات و المحرّمات، يمنع عن إجراء البراءة و الاستصحاب المخالف للاحتياط- إلخ-.

قد عرفت آنفاً في بيان كيفيّة التّبعيض انّ العلم الإجماليّ انّما يمنع عن إجراء البراءة و الاستصحاب النّافي فيما إذا لم يبلغ موارد الأصول المثبتة، و سائر ما علم فيه التّكليف بالإجماع، أو الضّرورة، أو دليل معتبر بمقدار ما علم إجمالاً من التّكاليف و مواردها أكثر من ذلك بكثير؛ كيف، و قد ادّعى (قده) انّ العمل بها مستلزم للعسر لكثرتها، و كذا العلم الإجماليّ بوجود غير الواجبات و المحرّمات في الاستصحاب المثبتة، إنّما يمنع عن شمول بعض‏

140

أدلّتها لو كان الابتلاء بأطرافه، و الشّك فيها فعليّين.

و من المعلوم انّه لا يكون الابتلاء إلاّ ببعضها، و ليس حال الأصول الجارية فيها إلاّ حال الأصول، مع وجود الحجّة في البين، حيث يعلم إجمالاً على نحو الكلّية بانتقاض الحالة السّابقة في بعض مواردها المبتلى بها تدريجاً، و لا يكون هذا مانعاً عن جريانها جدّاً، و إلاّ فلا تجري في موارد فقد الأمارات المعتبرة في الفقه، إذ من البعيد جدّاً ان يكون حال عن هذه العلم من أوّل الأمر.

و من هنا ظهر انّه لا مانع عن الرّجوع إلى الأصل الجاري في المسألة، و ان العلم الإجماليّ بالتّكاليف لا يمنع عن الرّجوع إلى الأصول النّافية، و العلم الإجماليّ بعدمه لا يمنع عن إجراء الأصول المثبتة.

و امّا ما ذكره (قده) بقوله: «و بالجملة فالعمل بالأصول النّافية للتّكليف- إلخ-.

في بيان المنع عن الرّجوع إلى الأصول؛ ففيه ما لا يخفى، فانّ استلزام العمل بالأصول النّافية للمخالفة القطعيّة الكثيرة، للكثرة مواردها لم يكد أن يكون إلاّ إذا كان موارد الأصول المثبتة، مع ما علم من التّكاليف تفصيلاً دون ما علم بالإجمال منها بكثير؛ و ذلك لأنّه بدونه لا يعلم بالمخالفة أصلاً من العمل بها، فضلاً عن كونها كثيرة، فكيف يمكن معه أن يكون العمل بالأصول المثبتة وحدها مستلزماً للعسر، و لم يكن تمام المقدار المعلوم بالإجمال مستلزماً له.

اللّهم إلاّ ان يدّعى العلم بعدم إصابة الأصول المثبتة على كثرتها إلى كثير من التّكاليف المعلومة، بحيث يعلم بوجود كثير منها من موارد الأصول النّافية. و الإنصاف انّه لا يخلوا عن الجزاف و الاعتساف.

قوله (قده): توضيح الاندفاع بعد الإغماض عن الإجماع- إلخ-.

هذا انّما يتمّ على تقرير الحكومة، و استقلال العقل في تعيين كيفيّة الامتثال. و امّا على تقرير الكشف، فلا، حسب ما اعترف به من صحّة هذا الإشكال عليه عند اختياره تقرير الحكومة؛ و سيأتي توضيح الحال و تحقيق المقال حسبما يساعده المجال، فانتظر.

قوله (قده): الأوّل انّك قد عرفت انّ قضيّة المقدّمات المذكورة- إلخ-.

اعلم انّه لمّا كان الظّاهر انّ هذا الاختلاف إنّما هو مع الاتّفاق على لزوم التّنزّل في حال الانسداد، و إلاّ لجاء إلى الظّنّ بما يجب تحصيل القطع به في حال الانفتاح، و إنّما هو

141

لاختلافهم فيما يجب تحصيل العلم به مع التّمكن، أو في حصول الإلجاء، و الضّرورة إلى التّنزّل إليه و عدمه مع الوفاق في انّه ممّا يجب تحصيل العلم به، فمن رأي حجّية الظّنّ بالطّريق، انّما توهم انّ ما يجب تحصيل العلم به، هو مؤدّى الطّرق المجعولة، كما هو قضيّة أحد الوجهين لهم، أو حكم المولى بالفراغ، كما هو مقتضى الآخر، مع كون الظّنّ بالواقع غير مستلزم عندهم للظّنّ بالمؤدّى و لا للظنّ بحكمه بالفراغ، بخلاف الظّنّ بالطّريق، و من رأي حجّية الظنّ بالواقع، انّما توهّم عدم الإلجاء و الضّرورة في التّنزّل إلى الظّنّ بالطّريق بمجرّد انسداد باب العلم بالاحكام الفرعيّة، لانفتاح بابه في المسائل الأصوليّة.

كان المهمّ في المقام بيان ما يجب تحصيل العلم به، و انّ مجرّد الانسداد في الفروع يجوز الالتجاء إلى الظّنّ في الأصول أيضاً، فنقول:

لا ريب في انّ ما يهمّ العقل في مقام الامتثال ليس إلاّ تحصيل الأمْن من تبعية التّكليف المنجّز عليه من العقوبة على تقدير اتّفاق المخالفة، و هو يحصل بالقطع بإتيان المكلّف به الحقيقي أو الحكمي و الجعلي، فمع التّمكن منهما يلزم بأحدهما تخييراً، و مع عدم التّمكن إلاّ من واحد منها يلزم (يلتزم. ن. ل) به تعيينا، فمع عدم التّمكن منه رأساً، مقتضى تلك المقدّمة الاتّفاقيّة ان يقوم الظنّ بكلّ مقام القطع به، فيتنزّل إليه مع التّمكن منه تخييراً، و إلى الظنّ بأحدهما مع عدم التّمكن إلاّ منه تعييناً، لعدم التّفاوت في نظر العقل بينهما فيما يهمّ، كما لم يكن تفاوت في القطع في نظره.

و منه انقدح انّ الضّرورة أو الإلجاء في مقام امتثال الأحكام الفرعيّة، هو المصحّح أيضاً لكفاية الظنّ بالطّريق في مقام تحصيل الأمن و إن كان باب العلم في مسائل الأصوليّة مفتوحاً، لعدم التّفاوت بين الظنّين فيما هو همّه، من دون حاجة في ذلك إلى إلجاء آخر من انسداد في الأصول أيضاً.

و امّا توهم انّ المكلف به الفعليّ لمّا كان هو العمل بمؤدّى طرق مخصوصة، كانت الوظيفة في صورة التّعذّر و انسداد باب العلم به بمقتضى لزوم التّنزّل إلى الظّنّ بما يجب العلم به، انّما هو الرّجوع إلى الظنّ في تعيين هذه الطّرق، فانّه مستلزم للظنّ بالمؤدّى لا الظّنّ بالواقع، لعدم استلزامه كما لا يخفى؛ فإن أريد صرف التّكليف عن الواقع إلى المؤدّى، بحيث كان مدار التّكليف على ما أدّت إليه الطّرق و لو أخطأت؛ ففيه مع كونه تصويباً مجمعاً على بطلانه، انّه خلاف ما فرضه المتوهّم من القطع بكوننا في زماننا هذا مكلّفين تكليفاً فعليّاً باحكام فرعيّة كثيرة كما لا يخفى، فتأمّل [1]؛ و انّه مناف لما لا بدّ من الاعتراف به من كفاية القطع بأداء التّكليف الواقعي، من دون قطع أو ظنّ بقيام واحد من تلك‏

____________

[1]- قوله «فتأمّل» إشارة إلى ان لا يتوهّم عدم لزوم الخلف لأجل انّ القطع بالتّكليف القطعي باحكام كثيرة يكون على كلّ حالٍ و لو كان المكلّف به الفعلي مؤدّى الطّرق المخصوصة، و ذلك لأجل انّ القطع على الفرض به، يكون على كلّ تقدير و لو لم يقطع بنصب طريق معه، و لا بدّ أن يكون ما علم به إجمالاً من الأحكام واحداً على كلّ تقدير فتأمّل. (منه ره)

142

الطّرق عليه.

لا يقال: ذلك إنّما هو لكون القطع طريقاً إلى الواقع في العقل و الشّرع.

لأنّا نقول: إنّما يكون انتزاع الطّريقيّة و الحجّيّة له، من جهة الاكتفاء به عقلاً في مقام الامتثال بلا إشكال، ضرورة انّ وصف الطّريقيّة ليس من الاعتبارات الوهميّة المحضة الّتي لا واقعيّة لها أصلاً و لو بوجود منشأ الانتزاع كأنياب الأغوال، بل من الاعتبارات العقليّة الّتي يكون لها ذلك، و لا منشأ للانتزاع هاهنا إلاّ ذلك الاكتفاء؛ و هذا، مع وضوح انّ القطع بالأداء، قطع للمبرئ للذّمة عن التّكليف و المسقط له عن العهدة، لا انّه مبرأ و مسقط.

هذا، مضافاً إلى انّه لو سلّم الصّرف، فالوظيفة هو الرّجوع إلى الظنّ في تعيين مؤدّيات الطّرق المخصوصة مطلقاً بعد تعذّر تعيّنها بالقطع، لا إلى خصوص الظنّ في تعيين الطّرق، فلو ظنّ من الشّهرة مثلاً بوجوب صلاة الجمعة يومها، و انّه ممّا ساعد عليه طريق من الطّرق المخصوصة المعلومة بالإجمال، من دون ظنّ. بحجّية الشّهرة، فقد ظنّ بالمؤدّى من دون ظنّ بطريقيّة شي‏ء أصلاً، ضرورة انّه ليس الظّنّ بنهوض طريق معتبر عليه إجمالاً ظنّياً بطريقيّة شي‏ء.

و الحاصل انّ المدار على الظّنّ بالمؤدّى. لا بالطّريق، و انّما يكتفي به لاستلزامه الظّنّ بالمؤدّى، و لا يخفى انّ الظّنّ الحاصل بالأحكام الفرعيّة من الأمارات المتداولة في المسائل المبتلى بها غالباً لا ينفك في الأغلب عن الظنّ بأنها مؤدّيات الطّرق المعبرة، و ان أريد إناطة فعليّة التّكاليف الواقعيّة بإصابة الطّرق إليها، بأن يكون الحكم الحقيقي، و البعث و الزّجر الفعلي، هو خصوص ما أصاب إليه طريق معتبر، كما هو ظاهر الكلام المنقول في الكتاب عن بعض الفحول في ذيل ما يتعلّق بكلام الفصول، أو أريد إناطة تنجّزها بالإصابة، بان يكون المنجّز من التّكاليف، هو خصوص ما أصاب إليه طريق ممّا علم اعتباره إجمالاً، كما هو مراد الفصول على ما يظهر من مراجعة كلامه بتمامه، و حينئذ يجب التنزّل مع التّعذّر إلى الظّن في تعيين الطّرق المعتبرة، فانّ التّكاليف الواقعيّة الّتي يكون فيها

143

هي المكلّف به و المؤاخذة عليها، فلا يكون الظنّ بها بمجرّدها من دون الظّنّ بكونها مؤدّيات الطّرق، مجدياً؛ ففيه أيضاً انّه لمّا كان العلم بكلّ من الواقع بمجرّده، و مؤدّى الطريق المعتبر في صورة الانفتاح مجدياً و مؤمنا، كان الظنّ بكلّ يقوم مقام علمه في حال الانسداد، و ليس ذلك في العلم لحصول الأمرين به، نظراً إلى أداء الواقع و كونه من الوجه المقرّر، لكون العلم طريقاً إلى الواقع في العقل و الشّرع، و لا يكون الظّنّ بالواقع بمجرّده كذلك، أي ظنّاً بالأمرين؛ بخلاف الظنّ بالطّريق فلا ينزّل إلاّ إليه، لما عرفت من انّ حصول البراءة فيه انّما هو لكونه علماً بالمبرئ و المسقط، و هو أداء الواقع، و انّ طريقيته شرعاً و عقلاً ناشئة من كفايته، لا بالعكس.

هذا، مع ما عرفت أيضاً من انّ الظنّ بالواقع في المسائل الابتلائية يكون غالباً مستلزماً للظنّ بكونه مؤدّى طريق معتبر، فيكون الظّنّ بالواقع غالباً ظنّاً بأمرين و لو لم يكن ظنّ بحجّيته في البين، فيصحّ التنزّل إليه أيضاً، و لا يتعيّن التنزّل إلى الظنّ بالطّريق، مع انّ الظّنّ به بمجرّده لا يكون ظنّاً بأمرين، فإنّه غير مستلزم للظّن بالواقع، ضرورة انّ ما ظنّ اعتباره ربّما لا يفيد الظنّ به، كما صرّح به في الوجه الثّاني في بيان الفرق بين المسلكين.

اللّهم إلاّ ان يكتفي بأنه ظنّ بالأمرين إجمالاً، حيث انّه يستلزم الظّنّ بالإصابة في بعض موارده، و هو كما ترى حيث انّ العقل لا يجوز التنزّل عن الظّنّ التّفصيلي بالأمرين لو كان بمقدار الكفاية في البين إلى الظّنّ بهما إجمالاً، و إلاّ فليجوّز التنزّل إليه و لو كان امر الإجمال و التّفصيل على عكس ذلك، أي إلى الظنّ بالواقع إذا كان من أطراف ما ظنّ اعتباره، فتأمّل.

و الحاصل انّ مقدّمة العلم الإجماليّ بنصب طرق خاصّة، و ان سلّم انّها تقتضي اختصاص التّكليف الفعلي أو المنجّز بمؤدّياتها من الواقعيّات، إلاّ انّ قضيّة ذلك حسب لزوم التّنزّل في حال التّعذّر إلى الظّنّ بما يجب العلم به بدونه، هو الرّجوع إلى الظنّ بالواقعيّات المؤدّية إليها الطّرق، لا الظّنّ بالطّريق وحده، و لا بالواقع كذلك، لانفكاك الظّنّ بكلّ عن الآخر، إلاّ انّه لا انفكاك عن طرف الظّنّ بالواقع في غالب المسائل الابتلائيّة، بخلافه من طرف الطّريق، كما لا يخفى.

هذا، مع انّ اختصاص التّكليف الفعلي أو المنجّز بمؤدّياتها حال التّمكن من العلم بالطّرق، دون التّمكن من العلم بالواقعيّات، لا يقتضى التّنزّل إلى الظّنّ بالمؤدّيات وحده حال انسداد باب العلم بكليهما، بل كما كان العلم بكلّ منهما حال انفتاح بابه كافياً، كان الظّنّ به كذلك حال انسداده.

144

و امّا توهّم انّ الواجب علينا أوّلاً، أي في حال التّمكن لمّا كان تحصيل العلم بتفريغ الذّمة في حكم المكلّف، كان الواجب علينا في حال انسداد سبيله تحصيل الظّنّ بتفريغ الذّمّة في حكمه، إذ هو الأقرب إلى العلم به، فتعيّن الأخذ به عند التّنزّل من العلم في حكم العقل، فإذا تعيّن تحصيل ذلك يلزم اعتبار امر يوجب الظّنّ برضاء الشّارع بالعمل بالطّريق إلى الواقع، و ليس ذلك إلاّ الدّليل الظّنّي الدّال على حجّيته، فكلّ طريق قام ظنّ على حجّيته عند الشّارع يكون حجّة، دون ما لم يقم.

ففيه:

(أوّلاً): انّه قد عرفت انّ همّ العقل ليس في كلّ حال إلاّ تحصيل الأمن من العقوبة و الجزم بعدمها عند المخالفة، و هو يحصل بلا إشكال في حال الانفتاح بالعلم بالواقع أو الطّريق إليه، فلا جرم يحصل في حال الانسداد بالظّنّ بأحدهما، لاستقلال العقل في هذا الحال بكفاية الظّنّ بما يجب العلم به في تلك الحال، و حكم المولى بالفراغ إن كان بمعنى ما يتّبع حكم العقل به و يتفرّع عليه، فهو مثله في استلزام متابعة الحجّة للقطع به، فالظّنّ في حال الانسداد كالعلم في غير هذا الحال، يكون مستلزماً للقطع به، من غير تفاوت في ذلك بين الظّنّ بالواقع أو الطّريق، فمع حجّيته يكون مستلزماً للقطع به فيهما، و مع عدمها لا يكون مستلزماً للظّنّ به أيضاً في واحد منهما، كما لا يخفى.

ان قلت: كيف، و الظّنّ بالواقع ربّما يجتمع مع الظّنّ بالحكم بعدم الفراغ، كما إذا ظنّ عدم اعتباره، بل مع القطع به، كما إذا قطع به؛ و هذا بخلاف الظّنّ بالطّريق، فانّه مستلزم للظّنّ بالحكم بالفراغ و لو لم يظنّ اعتباره، بل قطع بعدمه.

قلت: ان أريد انّ الظّنّ بالطّريق مع قطع النّظر عن اعتباره يكون مستلزماً للظّنّ به بخلاف الظّنّ بالواقع، فان أريد استلزامه له على كلّ تقدير، أصاب أو أخطأ، فهو باطل.

كيف، و هو يجتمع مع القطع بعدمه على تقدير خطائه فيما إذا قطع بعدم اعتباره. و إن أريد استلزامه له على تقدير إصابته، فالظّنّ بالواقع كذلك و لو قطع بعدم اعتباره، حيث انّ الإتيان بالواقع مفرّغ للذّمة واقعاً لسقوط التّكليف به بإتيانه جدّاً، فيكون الظّنّ به ظنّاً بالحكم بالفراغ، و ان كان يقطع أو يظنّ بعدم الحكم به على تقدير خطائه فيما إذا قطع أو ظنّ بعدم حجّيته، و صحّة المؤاخذة على مخالفته.

و الحاصل انّهما متوافقان في كلّ واحد من الاستلزام للظّن بالحكم بالفراغ اللازم للإتيان بالواقع الحقيقي أو الجعلي، و عدم الاستلزام للحكم به المجدي على كلّ حال اللازم‏

145

لحجّيته، فيدور القطع به أو الظّنّ مدار القطع أو الظّنّ بها، تأمّل في المقام فانّه مزالّ الإقدام لهؤلاء الأعلام.

و إن كان بمعنى ما يتبعه حكم العقل بالفراغ، فلا يعقل للمولى حكم مولوي غير أحكامه الواقعيّة و الظّاهريّة الّتي يستقلّ العقل بالبراءة، مع موافقتها قطعاً في حال الانفتاح، أو ظنّاً في غير هذا الحال، كما يستقلّ بالاشتغال بدون ذلك، بمعنى صحّة المؤاخذة في صورة اتّفاق المخالفة حينئذ، فأين المجال لحكم المولى بالبراءة أو الاشتغال المستتبع لحكم العقل بهما، و ليس الفراغ عن تبعة التّكليف المنجّز و عدمه، و صحّة المؤاخذة على مخالفته و عدمها من الأمور الجعليّة الشّرعيّة، بل يدوران مدار وجود العلّة التّامّة لاستحقاق العقوبة و عدمها الموجب للأمن منها.

و من المعلوم انّ ذلك انّما يكون بنظر العقل و ان كان يختلف الحال في نظره بنصب الطّرق و عدمه، فهو الحاكم بالفراغ أو الاشتغال، و ليس لاستكشاف حكم الشّرع به و لو على القول بالملازمة، مجال لوضوح انّ مرجعها إلى حسن المؤاخذة على المخالفة و قبحها منه تعالى. و من المعلوم عدم اتّصاف أفعاله تعالى بأحكامه، كبداهة اختصاص ذلك بما يكون قابلاً له، فتدبّر جيّداً.

(و ثانياً): انّه لو سلّم حكم الشّارع بالفراغ، بمعنى ما يتبعه حكم العقل، و انّه لازم اعتبار الطّريق لا الواقع، كي يكون الظّنّ به مستلزماً للظّنّ به، دون الظّنّ به، إلاّ انّه لم ينهض برهان من عقل أو نقل على انّ الواجب علينا أوّلاً هو العلم بحكم المولى بالفراغ.

و ما نقل في الكتاب عن بعض المحقّقين في المقدّمة الرّابعة من مقدّمات مطلبه، لا ينهض إلاّ على الاجتزاء و الاكتفاء به، و عدم لزوم الاقتصار على تحصيل العلم بالواقع، كما لا يخفى على من تأمّل فيه.

و حينئذٍ فنقول: ان صحّ لنا تحصيل العلم بالواقع أو بحكم الشّرع بالفراغ، فلا إشكال في وجوبه و ان انسدّ به بابه، كان الواجب علينا تحصيل الظّنّ بأحدهما، من دون تفاوت بينهما لا خصوص الظّنّ بالحكم بالفراغ، لعدم ترتيب بينهما في حال التّمكن من العلم، فيجب مراعاته في حال عدم التّمكن في الظّنّ أيضاً، و قد اعترف به فيما جعله عبارة أخرى لما جعله محصّلاً لما ذكره في المقدّمة على ما نقل في الكتاب، حيث قال- ره-:

«و بعبارة أخرى لا بدّ من معرفة أداء المكلّف به على وجه اليقين، أو على وجه منته إلى اليقين، من غير فرق بين الوجهين، و لا ترتيب بينهما- إلخ-».

لا يقال: لعلّه لأجل انّ العلم عنده طريق شرعيّ أيضاً، كما صرّح به فيما نقل عنه في‏

146

الكتاب في ذيل ما يتعلّق بكلام صاحب الفصول.

لأنّا نقول: مضافاً إلى انّه ما ادّعاه هاهنا، و لا بنى عليه فيما صار بصدده في المقدّمة، بل جعل العلم بمصادفة الأحكام الواقعيّة الأولويّة (1) فيها مقابلاً للعلم بأداء الأعمال على وجه إرادة الشّارع في الظّاهر، و حكم معه بتفريغ الذّمّة بملاحظة الطّرق المقرّرة لمعرفتها، و قد صرّح في ذيل ما نقلناه بكون العلم طريقاً إلى الواقع بحكم العقل من غير توقّف إلى بيان الشّرع، انّه قد عرفت انّ حجّيته و طريقيّته إنّما يكون منتزعة عن كفايته في مقام الامتثال بحكم العقل بلا إشكال، لا انّ الكفاية به لأجل حجّيته و طريقيّته شرعاً.

(و ثالثاً): سلّمنا انّ الواجب علينا أوّلاً هو العلم بحكم الشّارع بالفراغ، فيجب تحصيله مع انفتاح بابه و التّنزّل إلى الظّنّ به مع انسداده، لكنّه لا تقتضي اختصاص الحجّية في حال الانسداد بالظّنّ بالطّريق، لعدم اختصاصه باستلزام ذلك و اشتراك الظّنّ بالواقعيّات معه ان كان حاصلاً من الأمارات المتعارفة في المسائل الابتلائية، فانّه يستلزم الظّن بحكم الشّارع بالفراغ معها أيضاً، حيث يستلزم الظّنّ بأنها مؤدّيات الطّرق المجعولة، مع انّه ليس ظنّاً بالطّريق، كما عرفت سابقاً.

و بالجملة قضيّة ذلك هو لزوم التّنزّل إلى كلّ ظنّ كان معه الظّنّ بالفراغ في حكمه، و لو كان هو الظّنّ بأداء الواقع من دون الظّنّ بحجّيته، لا خصوص الظّنّ بالطّريق. نعم إنّما لا نتنزّل إلى ما لا يظنّ معه بذلك، كما في الظّنّ بالحكم في واقعة لا يبتلى بها عادة إلاّ نادراً، بحيث يحتمل راجحاً أو مساوياً عدم أداء أمارة معتبرة إليها، بل كان ممّا سكت عنه اللَّه تعالى و هو نادر جدّاً. هذا كلّه، مضافاً إلى بعض ما أورده- قدّه- على ما هو مبنى المتوهّمين من الوجهين، حسبما نفصله و نوضحه، فانتظر.

قوله (قده): و فيه أوّلاً منع نصب الشّارع طرقاً خاصّة- إلخ-.

لا يقال: المراد من الطّرق الخاصّة ما يعمّ ما نصبها من الطّرق المتعارفة بين العقلاء إمضاء لسيرتهم، و تقريراً لطريقتهم و لو بعدم الرّدع عنه، و معه لا مجال لمنع نصبها، و دعواه بيّنة، و إنكاره مكابرة.

لأنّا نقول: دعوى منع نصب طرق خاصّة كذلك من رأس و ان كانت مكابرة، إلاّ انّ المنع عن غير ما علم تفصيلاً من الطّرق الخاصّة الابتدائيّة أو الإمضائيّة، في محلّه. و دعوى‏

____________

(1)- خ ل: الأولية

147

العلم به، لا بيّنة و لا مبيّنة، لقوّة احتمال الإحالة في الموارد الخالية على تقدير عدم الكفاية، كما هو الفرض إلى ما يحكم به العقل على الاستقلال من مراتب الامتثال، كما إذا لم يكن طريق خاصّ في البين، بداهة انّه يعين مراتب له مرتبة (1) لا يجوز التّنزّل من سابقتها إلى لاحقتها، إلاّ بعد تعذّرها؛ و الإجماع على وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنّة، غير مفيد، فإنّ المسلّم منه إنّما هو على الرّجوع إليهما في الجملة لا بمقدار الكفاية في الفقه، و هو المفيد.

قوله (قده): و ينتقض أوّلاً بأنّه مستلزم- إلخ-.

و حيث انّ المفروض انّه غير معلوم تفصيلاً أيضاً، يكون المرجع في تعيّنه أيضاً طريقاً خاصّاً، و هكذا هلمّ جرّاً، و توضيح الحال انّه لا وجه لاستكشاف جعل الطّريق عن المنع عن القياس إلاّ توهّم استحالته مع الإحالة إلى حكم العقل، لاستلزامه التّخصيص في حكمه و لا تخصيص فيه، و هو مندفع ببعض الوجوه الآتية.

قوله (قده): إلاّ انّ اللازم من ذلك هو الأخذ بما هو المتيقّن- إلخ-.

اللازم و إن كان ذلك لو كان، بداهة انّه حينئذ يكون معلوم الحجّية بالخصوص، فلا بدّ ان يقتصر عليه و لا يتعدّى إلى غيره و ان ظنّ حجّيته، لأصالة عدم حجّيته مع عدم حاجة إليه، إلاّ انّ وجوده خلاف فرض المستدلّ فيما أخذه في الاستدلال، حيث قال: «لا سبيل لنا بحكم العيان- إلخ-»، كما لا يخفى؛ بداهة انّه يكون لنا على ذلك سبيل إلى كثير من الأحكام المعلومة بطريق معيّن يقطع من السّمع بقيامه مقام القطع هذا.

قوله (قده): لكن اللازم من ذلك وجوب الاحتياط- إلخ-.

أي الاحتياط في الطّريق لا في الفروع، كما هو واضح، و ليس مرجع الاحتياط فيه إلى الاحتياط فيها كما توهّم، لأجل عدم تعلّق المسألة الأصوليّة بالعمل إلاّ بواسطة المسألة الفرعيّة، و ذلك لأنّ قضيّة هذا الاحتياط رفع اليد عن الاحتياط فيها في موارد، فكيف يرجع إلى الاحتياط فيها: (منها) ما كان خالياً عن أطراف العلم بالطّريق رأساً. (و منها) ما كان خالياً عن خصوص المثبت منهما، و المرجع فيهما إلى الأصل الجاري فيهما و لو كان نافياً، للعلم بخلوّهم عن الحجّة على التّكليف. (و منها) ما نهض جميع أطرافه على نفي التّكليف،

____________

(1)- مترتّبة. ظ.

148

للعلم بقيام طريق معتبر حينئذ على النّفي، و هو واضح. (و منها) ما تعارض فيه فردان من بعض الأطراف أو اثنان منها مطلقا [1] في غير الخبرين [2] و فيهما في خصوص ما إذا لم يكن المثبت فيه راجحاً، لخلوّه عن الحجّة عن التّكليف قطعاً، فيرجع إلى الأصل الجاري فيه و لو كان نافياً.

(و منها) موارد الاستصحابات المثبتة في موارد الأطراف النّافية، حيث انّها بسبب قيام الأمارة المعتبرة بينها على انتقاض الحالة السّابقة في واحد منها تسقط عن الاعتبار طرّاً، أمّا فيما علم بقيام الحجّة على الانتقاض فواضح، و أمّا فيما عداه، فلاحتمال ان لا يكون له ما به يمتاز واقعاً أصلاً، كما إذا كانت الأمارات النّافية في جميع الأطراف معتبرة، إذ حينئذ لا يتميّز مورد العلم عن غيره واقعاً، و ليس تغيّره من العنوان ما به يصحّ ان يكون حكماً أو موضوعاً لحكم، و بدونه لا يكاد ان يعمّه دليل الاستصحاب و عمومه لكلّ واحد من مورد العلم، و ما عداه يناقضه و ينافيه قوله (عليه السلام) في بعض اخباره «و لكن تنقضه بيقين- إلخ- (1)».

نعم لو لم يكن جميع الأمارات النّافية معتبرة، لم يكن مانع عن شموله لغير موارد الأمارة المعتبرة لتعيّنه واقعاً، لكن مع عدم إحراز ذلك، و احتمال ان يكون الأمارات النّافية كلّها معتبرة لا يجوز التّمسك بدليل الاستصحاب، فانّه يكون من باب التّمسك بالعامّ فيما اشتبه انّه من افراد موضوعه، فظهر سقوط الاستصحابات المثبتة في موارد الأطراف، إلاّ إذا علم بعدم اعتبار بعض الأمارات النّافية، فيكون الاستصحاب في مورده جارياً فنحتاط لأجله، لاشتباه مورده.

هذا فيما إذا علم بقيام أمارة معتبرة في بعض موارد الاستصحابات المثبتة.

امّا إذا علم بانتقاض الحالة السّابقة في بعضها و لا تعيين، فالاستصحابات ساقطة للزوم المناقضة على تقدير شمول دليل الاستصحاب لجميعها، و عدم صحّة توجّه الخطاب على تقدير تخصيصه بالاستصحاب في غير مورد العلم بالانتقاض.

____________

[1]- يمكن هذا، لا مطلقا و لو كان التّعارض بينهما بالسّلب و الإيجاب، بل في خصوص ما إذا أدّى على التّحريم و الإيجاب. (منه)

[2]- هذا التّفصيل مبنىّ على ثبوت التّرجيح بين الأخبار المتعارضة، دون غيرها من ساير الأمارات، فتدبّر.

(منه)

____________

(1)- وسائل الشيعة 1- 175- ح 1

149

و بالجملة يصحّ الرّجوع إلى البراءة في مجاري الاستصحابات الجارية في موارد الأمارات النّافية الّتي علم إجمالاً باعتبار بعضها مطلقاً إلاّ في صورة العلم بعدم زيادة المعتبر على ما علم اعتباره من المقدار فيحتاط، و ذلك لسقوط الاستصحابات في غير هذه الصّورة عن الاعتبار إمّا لعدم صحّة توجّه الخطاب بالاستصحاب، أو لعدم إحراز صحّته، و منعها لعدم سقوطه إلاّ عمّا هو مورد الأمارات المعتبرة، فيحتاط في مورد الأمارات المثبتة. و لا يخفى لزوم الاحتياط في مجاري الاستصحابات النّافية الجارية في موارد الأمارات المثبتة مطلقا، و ذلك للعلم بقيام أمارة معتبرة على التّكليف في أحدها.

هذا كلّه لو كان الابتلاء بتلك الموارد دفعة، و إلاّ كان كلّ واحد من الاستصحاب المثبت أو النّافي في مورده متبعاً و لو كان أحد الأطراف للمعلوم على الخلاف، تأمّل في المقام، فانّ نفعه عامّ لا يختص بمقام.

فانقدح بما ذكرنا انّ موارد الاستصحابات النّافية انّما تكون كالشّبهة المحصورة بعد العلم الإجماليّ بوجوب العمل في بعضها على خلاف الحالة السّابقة في وجوب الاحتياط إذا كانت بتمامها مورد للابتلاء؛ و لعلّه أشار إليه، أو إلى بعض ما ذكرناه بأمره «فليتأمّل»، و يمكن ان يكون إشارة إلى انّه لو سلّم لزوم العسر من الاحتياط هكذا، فاللازم هو التّبعيض لا الرّجوع إلى الظّن في الطّريق. و يؤيّد انّه لو لا ذلك، لتوجّه عليه (قده) انّه لا وجه لإسقاط ذلك من البين؛ اللّهم إلاّ ان يقال: انّ وجه الإسقاط هو عدم اختصاص إشكال التّبعيض بهذا الوجه، بل هو وارد على دليل الانسداد على تقدير إبطال الاحتياط بلزوم العسر مطلقاً.

قوله (قده): فالعقل لا يحكم بتقديم إحراز الطّريق بمطلق الظّن- إلخ-.

بل ربما يتوهّم في (هذه) الصورة انّ العقل يحكم بتقديم الظنّ بالواقع من جهة ان العلم به كان مقدّماً حال الانفتاح، فيقدّم ما يقوم مقامه حال الانسداد، لكنّه خال عن السّداد، إذ شرطه حجّيّة الطّريق في صورة انسداد باب العلم بالواقع حاصل، و معه لا يتفاوت الحال بينه و بين ما إذا كان حجّة مطلقا، و بدون هذا الشّرط في انّه حال الانسداد يعلم المكلّف بوجود الطّريق المجعول له في هذا الحال، كما يعلم بثبوت الواقع، فيكون الظنّ بكلّ مثل الظّنّ بالآخر؛ و قياس الظّنّ في هذا الحال بالعلم في حال الانفتاح، في غير محلّه، إذ ليس هناك شي‏ء يتعلّق به العلم غير الواقع، بخلاف هاهنا لثبوت كلّ واحد منه و من الطّرق المجعول، مثل ما إذا كان حجّة مطلقا، بلا تفاوت أصلاً.

150

قوله (قده): و كأنّ المستدلّ توهم انّ مجرد نصب الطّرق- إلخ-.

قد عرفت بما لا مزيد عليه، أنّ الأمر لو كان كذلك أيضاً لا يوجب الاقتصار على الظّنّ بالطّريق، بل قضيته الاكتفاء بالظّنّ بأنه مؤدّى الطريق و ان لم يظنّ معه اعتبار طريق أصلاً، لكن الظّاهر انّ المستدلّ انّما توهّم انّ مجرّد نصب الطّريق انّما يوجب تعيّن ما يساعد عليه الطّرق المجعولة في مقام الامتثال ما دام إليه سبيل و لو بالظّنّ، و تقدّمه على سائر مراتب الامتثال، لا صرف التّكليف عن الواقع إلى مؤدّى الطّريق، كما يشهد بذلك كلامه، حيث قال بعد جملة من المقال ما هذا لفظه: «فاتّضح انّ للطّريق ثلاث مراتب لا يعوّل على اللاحقة منها إلاّ بعد تعذّر السّابقة، و نحن حيث ما علمنا ممّا مرّ انّ الشّارع قد قرّر في حقّنا إلى الأحكام أصولاً و فروعاً و لو بعد انسداد باب العلم و ما في مرتبته، طرقاً مخصوصة، لم يجز لنا العدول إلى المرتبة الثّالثة و الأخذ بما يقرّره العقل طريقاً إلى معرفة الأحكام، بل يجب علينا تحصيل تلك الطّرق الّتي علمنا بنصب الشّارع إيّاها و تعيّنها بالعلم، أو بما علم قيامه مقامه و لو بعد تعذّره، و مع تعذّر ذلك كلّه، كما هو الغالب في حقّنا، يجب الرّجوع في التّعيين إلى ما يقتضيه العقل.- انتهى محل الحاجة-».

و هذا كما ترى ظاهر، بل صريح في انّ المتعيّن على المكلّف في مقام الامتثال بحيث لا يجوز له العدول منه إلى غيره، انّما هو خصوص ما أدّى الطّريق‏ (1) المجعولة إليه من الواقعيّات، فعليه مع التّمكن تعيينه بالعلم أو بما في مرتبته، و مع التّعذّر بالظّنّ، و جوابه كما عرفت انّ النّصب انّما يوجب الاكتفاء بالظّنّ مع التّعذّر، كالاكتفاء بالعلم به بدونه، لا الاقتصار عليه؛ و لو سلّم ليس قضيّته الاقتصار على الظّنّ بالطّريق، بل الاكتفاء بالظّنّ بأنه مؤدّى الطّريق.

قوله (قده): فان قلت نحن نرى انّه إذا عيّن الشّارع طريقاً إلى الواقع- إلخ-.

قلت: مجمل الكلام في الذّبّ عنه، انّ الموارد الموهمة للرّجوع إلى الظّنّ في تعيين الطّريق دون الواقع؛ إمّا يكون ذلك لأجل حجّيّة الظّنّ في تعيين الطّريق له بالخصوص، فلا انسداد معه؛ و إمّا للمنع عن اتّباع الظّنّ في تعيين الواقع كالنّهي عن اتّباع القياس مطلقا و على كلّ حال و لو في حال الانسداد؛ و إمّا لأنّ الطّريق المعلومة بالإجمال ليست مجعولة على نحو الكاشفيّة، بل على نحو السببيّة و الموضوعيّة، كالحكم بالحلف و النّكول و نحوهما، فلا جرم‏

____________

(1)- خ ل: الطرق‏

151

عند الاشتباه و لا بديّة التّعيين، كان الرّجوع إلى الظّنّ في تعيّنها لا تعيين الواقع، فافهم.

قوله (قده): لكن ليس مفاد نصْبها تقييد الواقع بها- إلخ-.

بل ربّما يقال: بأنّ تقييد الواقع بها غير معقول، لأجل انّ مرتبة نصب الطّريق متأخّرة عنه، فكيف يصحّ ان يتقيّد به ما ليس في مرتبته و يكون مقدّماً عليه، بل لا إطلاق له من هذه الجهة حيث لا تقييد بها، ضرورة انّ الإطلاق و التّقييد متضايفان، لا بدّ من صحّة توارد هما في محل واحد، لكن لا يخفى انّ الأمر كذلك لو أريد تقييد الواقع في مرتبة الأولى و ليس كذلك، بل أريد تقييدها في مرتبة الثانية، أي مقام فعليّته و حقيقته، و هو مقام انقداح البعث و التّحريك، و الزّجر و الرّدع في نفس المولى، و هو بهذه المرتبة ليس مؤدّى الطّرق المنصوبة ليكون بهذه المرتبة متقدّماً، بل بمجرد وجوده الإنشائيّ الّذي هو المرتبة الأولى من مراتب الحكم، فافهم.

قوله (قده): فالحكم بأنّ الظّنّ بسلوك الطّريق المجعول، يوجب الظّنّ بفراغ الذّمّة- إلخ.

و أنت خبير بأنّ المستدلّ ما فرق بين الظّنّين بذلك، بل فرّق بينهما بأنّ الظّنّ بالسّلوك يوجب الظّنّ بحكم الشّارع بالفراغ، بخلاف الظّنّ بأداء الواقع، حيث صرّح بعد استنتاج انّ الواجب علينا حال الانسداد هو تحصيل الظّنّ بالبراءة و الفراغ في حكم الشّارع بأنّ الظّنّ بالواقع لا يستلزم الظّنّ باكتفاء الشّارع بذلك الظّنّ، و انّ الظّنّ بحجّيته شي‏ء مستلزم للظّنّ برضاه بالعمل به و الاكتفاء بمجرّده، و المنشأ هو تخيّل انّ معنى الحجّيّة شرعاً، أو لازمه عقلاً، أو عرفاً هو حكم الشّارع بحصول الفراغ بالعمل على طبق ما جعله حجّة، و قد عرفت الكلام في حال هذه التّفرقة، و ما فرّع عليها من الاقتصار على الظّنّ بالطّريق، و ما بنى عليه استنتاج وجوب تحصيل الظّنّ بحكم الشّارع بالفراغ، بما لا مزيد عليه، فلا نعيده، فراجع.

قوله (قده): هذا كلّه ما علمت آنفاً في ردّ الوجه الأوّل من إمكان- إلخ-.

لا يخفى انّه لمّا لم يكن مبنى الاستدلال بهذا الوجه مثل الوجه الأوّل على دعوى العلم بالنّصب على الإجمال، بل يكفي فيه مجرّد الاحتمال؛ كان مجرّد إمكان منع النّصب غير مضرّ به أصلاً، بل لا بدّ في ردّه من إقامة البرهان عليه، و معه لا مجال لاحتمال حجّية طريق، كما لا يخفى؛ فكيف ينازع في لزوم الاقتصار على الظّنّ بالطّريق و عدمه، فتفطّن.

152

قوله (قده): و التّحقيق انّه لا إشكال في انّ المقدّمات السّابقة- إلخ-.

لا إشكال في انّ مقدّمات الانسداد إذا جرت في مسألة، فلا إهمال في النّتيجة أصلاً، بناءً على اختصاصها بحجّية الظّنّ في الفروع، بل تعيّن العمل بأيّ ظنّ حصل في تلك المسألة من أيّ سبب كان، و امّا بناء على عدم اختصاصها بحجّيته فيها، فالعمل بالظّنّ و ان كان ممّا لا محيص عنه بخلاف ما إذا جرت المقدّمات في مجموع المسائل، إلاّ انّ حديث الإهمال في النّتيجة جاء فيها أيضا، حيث انّ الظّنّ فيها يتعدّد بحسب المراتب و الأسباب كما فيها على ما لا يخفى، فيختلف الحال في النّتيجة تعيينا و إهمالاً حسب اختلاف تقريرها كشفاً و حكومة. فما يتراءى من ظاهر كلامه من اختصاص الإهمال بما إذا لم يجر المقدّمات إلاّ في المجموع مطلقا، على ما هو مذهبه من تعميم النّتيجة للظّنّ في المسألة الأصوليّة؛ ليس في محلّه، إلاّ ان يريد إبداء الطّرق‏ (1) بينهما بما أشرنا إليه من العمل بالظّنّ في المسألة لا محالة إذا جرت المقدّمات فيها، دون ما إذا لم يجري إلاّ في الجميع، فانّه يمكن ان لا يعمل به، كما لا يخفى.

قوله (قده): مدفوع بما قرّرنا في محلّه، من انّ التّلازم بين الحكمين انّما هو مع قابليّة المورد لهما- إلخ-.

و المورد هاهنا غير قابل للحكم الشّرعي، فانّ كفاية الامتثال الظّنّي في حال الانسداد من جهة قبح المؤاخذة من الشّارع تعالى عقلاً، مع أزيد منه، راجع إلى استقلال العقل بحكم فعله. و من الواضح عدم قابليّة فعله لحكمه، و من جهة قبح الاقتصار و الاكتفاء بدونه على المكلّف و ان كان راجعاً إلى استقلال ممّا يجب عليه في مقام الإطاعة و الامتثال في هذا الحال، إلاّ انّ الإطاعة الظّنّية لما كانت بنفسها ممّا يترتّب عليها الثّواب و على مخالفتها العقاب عند إصابة الظّنّ حال الانسداد، كترتّب القرب و البعد عليهما، من دون حاجة إلى امر بها، أو نهى عن مخالفتها؛ كان‏ (2) الملاك الّذي حكم بسببه العقل بلزوم هذه الإطاعة في هذا الحال لا يكاد ان يكون سبب حكم الشّرع به، إذ لا يترتّب عليه شي‏ء من استحقاق الثّواب، أو العقاب، أو القرب، أو البعد، لترتّبها بدونه، و لا يكاد ان يحكم بدون ذلك، إذ انقدح الطّلب بدون الموجب له أو الدّاعي إليه محال.

____________

(1)- ن: الفرق.

(2)- ن: لأنّ.

153

ان قلت: قضيّة ذلك استحالة كون الظّنّ حجّة شرعاً في حال الانسداد، و امتناع استكشاف حجّيته كذلك عن مقدّماته أو عن دليل آخر، و هو كما ترى؛ غاية الأمر عدم مساعدة دليل الانسداد، و لا دليل آخر على ذلك.

قلت: انّما قضيّة ذلك عدم حجّيته شرعاً بملاك حجّيته عقلاً، و عدم استكشاف حجّيته عند الشّارع من حكم العقل بها، كما هو مقتضى الملازمة، لا عدم حجّيته أصلاً و لو بسبب آخر موجب لجعله حجّة يكشف عنه إجمالاً، دليل الانسداد على تقرير الكشف، أو دليل آخر، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): إلاّ أن يقال انّ مجرّد إمكان ذلك- إلخ-.

لا مجال لذلك، لاستقلال العقل في الحكومة، و تعيين المرتبة الثّانية من الإطاعة و الامتثال بمجرّد عدم التّمكن من المرتبة الأولى بانسداد باب العلم بالواقع و بطريقه و لو مع احتمال نصبه، كما لا يخفى.

قوله (قده): و امّا ثانياً، فلأنّه إذا ابني على كشف المقدّمات المذكورة- إلخ-.

انّما يرد هذا لو كانت النّتيجة على هذا التّقرير مجرّد جعله حجّة واقعيّة مطلقاً واصلة إلى المكلّف أم لا، لا ما إذا كانت النّتيجة هي الحجّة الواصلة إليه، كما هو مبنى التّعيين و التّعميم ببعض الوجوه الآتية على ما ننبّه عليه، فإنّ الّذي يصلح ان يصل إليه و يتعيّن لديه، من دون نصب علامة من الخارج عليه، هو الظّنّ عموماً أو خصوصاً، حسبما يأتي تفصيله؛ و ذلك لأنّه لا يكاد ان يتعيّن حينئذ ما هو الحجّة و يصل إلاّ إذا كان العقل حاكماً في باب التّعيين، و يكون المجعول واقعاً من بين محتملاته ما كان ذا مزيّة عنده يمتاز بها من بينها من جهة لزوم نقض الغرض عن الحكيم لو لم يكن كذلك، حيث انّ الغرض انّه تعيّن لوصوله إليه و تعيّنه لديه، من دون نصب علامة عليه، و لو لم يكن تلك المزيّة معيّناً له، لزم نقض الغرض عليه. و هذا نظير قرينة الحكمة الموجبة لحمل المطلق الوارد في مقام البيان على العموم البدلي، أو الاستيعابي، أو الفرد المعيّن على اختلاف المقامات.

قوله (قده): و سيجي‏ء عدم تماميّة شي‏ء من هذين- إلخ-.

و سيجي‏ء بيان تماميّة كلّ منهما بدون ضميمة الإجماع، مع انّه لو لم يتم بدون ذلك، لا يلزم رجوع الأمر إلى دعوى الإجماع حجّية مطلق الظّنّ بعد الانسداد و لو ادّعى على الملازمة

154

بين حجّية شي‏ء و حجّيته، بداهة انّ الدّليل العقلي الّذي أقيم على حجّيته شي‏ء في هذا الحال، انّما يكون دليلاً على حجّيته لا الإجماع، بداهة انّ الدّليل على ثبوت الملازمة بين الشّيئين لا يكون دليلاً على ثبوتهما، و لا على ثبوت أحدهما، ضرورة صدق القضيّة الشّرطيّة مع كذب طرفيها، فافهم.

قوله (قده): و نذكر للتّعميم وجوهاً: الأوّل عدم المرجّح لبعضها على بعض- إلخ-.

اعلم انّ مبنى التّعميم بهذه الوجوه كالتّعيين لوجوهه مختلف و ليس بواحد؛ بيانه انّ التّعميم بالوجهين الأوّلين، كالتعيين بقوّة الظّنّ و نحوها، و لا يكاد ان يصحّ إلاّ إذا كانت النّتيجة هو الطّريق الواصل إلى المكلّف بنفسه، لا أعمّ منه و ممّا لم يصل أصلاً، أو يصل بطريقه لا بنفسه؛ بداهة انّه لو لم يكن ممّا يجب وصوله إليه و تعيّنه لديه، لم يكن ضير في بقائه على إهماله و إجماله، فلا وجه لحكومة العقل و استقلاله بالتّعميم في صورة فقد المرجّح، و لا بالتّعيين مع وجوده، فيحتاط في الطّريق، أو ينتهى إلى حكومة العقل على الاستقلال في تعيين مرتبة الامتثال في هذا الحال، و انّ التّعميم بالوجه الثّالث يكون مبنيّا على كون النّتيجة هي حجّية شي‏ء واقعاً، وصل أم لا، إذ لو كانت النّتيجة هو الطّريق الواصل بنفسه، أو و لو بطريقه، لم يكن وجه للاحتياط في الطّريق، بل لا بدّ من التعيين بالتّعميم، أو التّعيين و لو بإجراء مقدّمات انسداد أخرى في هذه المسألة، و انّ إجراء مقدّمات الانسداد في تعيين الحجّة المجعولة، حسبما يأتي تفصيله في ذيل كلامه (قده)، يبتنى على كون النّتيجة حجّية طريق واصل و لو بطريقه، حيث انّ النّتيجة لو كانت الحجّة الواصلة بنفسها، فلا بدّ من ان يتعيّن تعميماً أو تعييناً، و لو كانت أعمّ من الواصلة و لو بطريقها، فلا يكاد ان يتمّ مقدّمات الانسداد، بل لا بدّ من الاحتياط أو الانتهاء إلى حكومة العقل، كما أشرنا.

و ممّا ذكرنا ظهر ما في بعض ما وقع في المقام من النّقض، و الإبرام، و الإشكال، و الكلام من الخلط في المباني، حسبما نشير إليه.

قوله (قده): بمعنى كونه واجب العمل على كلّ تقدير- إلخ-.

لكنّه بعد إثبات وجوب العمل بشي‏ء على نحو الإجمال بدليل الانسداد، لا بمعنى كونه واجب العمل مطلقا و لو مع قطع النّظر عن هذا الدّليل، و إلاّ كان من الظّنون الخاصّة الثّابتة حجّيتها بغير دليل الانسداد بلا إشكال.

و الحاصل ان يكون المتيقن من الخارج هو الملازمة بين وجوب العمل به مطلقا و حجّية

155

شي‏ء بدليل الانسداد، و قد عرفت في بعض الحواشي السّابقة انّ الدّليل على ثبوت اللاّزم إنّما هو الدّليل على الملزوم، لا الدّليل على اللّزوم. و من هنا ظهر فساد التّوهّم و وجه حجّية المتيقّن بدليل الانسداد، و لعلّه أشار إليه، و يمكن ان يكون إشارة إلى ما أشكل به سابقاً على تقرير الكشف في ذيل قوله «و امّا ثالثاً» تقوية للتّوهّم و تضعيفاً لدفعه، و قد عرفت اندفاعه هناك و هاهنا، فتفطّن.

قوله (قده): إلاّ ان يؤخذ بعد الحاجة إلى التّعدّي منها- إلخ-.

هذا إذا كان قدر متيقن بالإضافة بين سائر أقسام الأخبار ممّا لم يجتمع فيه القيود الخمسة، أو بين سائر الأمارات، و لم يعلم تخصيص، أو تقييد، أو إرادة مجاز بلا قرينة عليه بينها، و ليس وجود مثله بيّناً و لا بمبيّن، و لعلّه أشار إليه بامره بالتّأمّل.

قوله (قده): و امّا على تقدير كشف مقدّمات الانسداد- إلخ-.

لا يخفى انّ عدم لزوم كون المجعول الحجّية هو الأقوى و احتمال طرحه و التّعبّد بالأضعف، انّما يكون على غير تقدير لزوم وصول الحجّة المجعولة، و امّا عليه كما هو مبنى التّرجيح و التّعميم على ما عرفت، فلا مجال لهذا الاحتمال، لاستلزام الخلف المحال، إذ- المفروض كون النتيجة هي الحجّة الواصلة، و لا وصول مع التّحيّر في المجعول، و القابل له انّما هو الظّنّ مطلقا لو لم يكن بين افراده تميز باشتمال بعضها على مزيّة بمثل القوّة أو الظّنّ بالحجّية، و امّا معه فيمكن ان يقال بلزوم الاقتصار على حجّية ذي المزيّة، لأنّه القدر المتيقّن في البين، للقطع بعدم اختصاص الجعل بالأضعف مع عدم نصب دلالة عليه على هذا الفرض، و معه لا وجه للتّعدّي إلى غيره للشّك في اعتباره.

و بالجملة يمكن ان يكون وجه عدم النّصب مع لزوم الوصول و كون المجعول هو خصوص ذي المزيّة، هو الاتكال إلى استقلال العقل بلزوم الاقتصار على متيقّن الحجّية و الاعتبار، و هو كذلك لعدم احتمال كون المجعول في هذا الحال هو خصوص ما عداه، لعدم صلاحيته للوصول بلا قرينة مع لزومه.

هذا غاية ما يمكن ان يقال في وجه التّرجيح بالأقوائيّة؛ و منه انقدح وجه التّرجيح بالظّن بالاعتبار من دون إثبات اعتباره، و عليه ينزل ما صدر من الأعلام في المقام، و عليك بالتّأمّل التّام.

156

قوله (قده): ففيه انّ الوجه الثّاني لا يفيد لزوم التّقديم- إلخ-.

و ذلك لأنّ الاهتمام في المقام إنّما هو بحصول الفراغ و البراءة عن تبعة التّكليف المعلوم بالإجمال، لا بإحراز المصلحة، مع انّ التّدارك على تقدير المخالفة إنّما هو على تقدير ان يكون الأمر بسلوك الأمارة لأجل المصلحة في سلوكها، لا للمصلحة في نفسه، و تصوّره لا يخلو عن غموض و إشكال قد عرفت في أوّل مباحث الظّنّ حقيقة الحال فيه بما لا مزيد عليه، مع انّه خلاف ظاهر أدلّة الأمارات، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): و امّا إذا وجدها مختلفة و كان جملة منها اقرب إلى الحجّية- إلخ-.

قد عرفت انّ وجه القديم المظنون على المشكوك و المشكوك على الموهوم، انّه لا يحتمل حجّية الموهوم دون المشكوك، و لا المشكوك دون المظنون، من دون نصب دلالة عليه مع لزوم وصول المجعول كما هو مبنى التّرجيح و التّعميم، و يحتمل العكس من دون ذلك، إحالة إلى استقلال العقل بلزوم الاقتصار على المتيقّن مع الاحتمال لأصالة عدم الاعتبار.

فليقتصر على المظنون أو المشكوك في مقام الحيرة و الجهالة، و تردّد الأمر بين حجّيته و حجّية الجميع.

قوله (قده): مع انّ الظّنّ المفروض انّما قام على حجّية بعض الظّنّ- إلخ-.

لا يخفى انّ دليل الانسداد على تقدير الكشف، كما هو الفرض الكاشف عن حجّية الظّن في الجملة في الواقع، فينطبق المظنون على المدلول عليه بهذا الدّليل، و لعلّه أشار إليه بامره بالتّأمّل.

قوله (قده): و فيه انّه إذا التزم باقتضاء مقدّمات الانسداد- إلخ-.

فيه انّ ظاهر المعترض لو لم يكن صريحه إرادة إلزام القائل بمطلق الظّنّ بإجراء مقدمات الانسداد أيضاً في هذه المسألة الأصوليّة، لا بالمقدّمات الجارية في المسائل الفرعيّة، و عليه ان يختار الشقّ الثاني أيْ عدم حجّية مطلق الظّن بمقدّمات الانسداد في المسائل الفرعيّة.

و لا يرد عليه ما أورده من عدم جواز التّرجيح بالظّنّ بحجيّة الظّنّ في مسألة التّعيين حينئذ.

نعم إجراء المقدّمات في هذه المسألة انّما يصحّ على تقدير كون نتيجة المقدّمات في المسائل الفرعيّة هي الحجّة الواصلة و لو بطريقها، كما أشرنا إليه سابقاً، لا الحجّة الواصلة بنفسها، و لا مطلق الحجّة و لو لم يصل أصلاً، بداهة انّه على الأوّل لا تحيّر و لا إجمال، و على‏

157

الثّاني لا مجال لإجرائها، إذ لا يلزم محال من بقاء نتيجة المقدّمات في الفروع على‏ (1) الإهمال، فيحتاط في الطّريق أو ينتهى إلى حكومة العقل على الاستقلال في مقام الامتثال.

فانقدح بذلك انّ كلاً من الإلزام و الإيراد على تقدير غير ما يكون الآخر عليه من التّقدير، فلا يتّجه واحد منهما على جميع التّقادير.

قوله (قده): فانّ الأوّل محال، لا قبيح- إلخ-.

فانّ المرجّح في الأوّل بمعنى العلّة التّامّة، و ترجيح أحد طرفي الممكن بدونها محال، لاستلزامه التّرجيح بلا مرجّح و علة، و هو واضح الاستحالة؛ و في الثّاني بمعنى ما ينبغي و عقلاً ان يكون داعياً إلى الفعل أو التّرك، و ترجيح أحدهما و اختياره بما لا يكون كذلك قبيح و سفهي عند العقل و العقلاء، و لا محال إلاّ عن الحكيم المتعال.

قوله (قده): و حجّيتها مع عدم حجّية الخبر الدّال على المنع عنها غير محتملة، فتأمّل- إلخ.-

يمكن ان يقال: كون الخبر بنوعه متيقّن الاعتبار بالنّسبة إلى الأولويّة لا يستلزم عدم احتمال حجّيتها مع عدم حجّيته شخص الخبر الدّالّ على المنع عنها، و لعلّه أشار إليه بامره بالتّأمل، فتأمّل.

قوله (قده): فالّذي ينبغي ان يقال علي تقدير صحّة تقرير- إلخ-.

التّحقيق ان يقال علي تقدير صحّة هذا التّقرير، انّ اللازم بعد عدم وجود القدر المتيقّن في البين على حسب ما ذكره من التّفصيل، هو التّعميم مطلقا، أو إذا لم يكن هناك ترجيح، و إلاّ فالتّرجيح حسبما مرّ تفصيله لو كانت النّتيجة نصب الطّريق الواصل بنفسه، و التّعيين بالظّنّ بإجراء (2) مقدّمات الانسداد في هذه المسألة، أي مسألة تعيين المجعول دفعة أو دفعات إلى ان ينتهى إلى ما لا يتفاوت بينها بالظّنّ بالاعتبار و عدمه، أو الظّنّ الواحد و لو كان ناهضاً على حجّية أزيد من المقدار الوافي بالفقه، أو المتعدّد لو كان ناهضاً على هذا المقدار مطلقا، و لو كان في البين تفاوت بالظّنّ بالاعتبار و عدمه، لو كانت النّتيجة الطّريق الواقع مطلقا و لو بطريقه، و الاحتياط في الطّريق على حسب تفصيل قدّمناه لو لم‏

____________

(1)- ن: مع.

(2)- ن: بإحراز.

158

يلزم منه محذور، أو الانتهاء إلى حكومة العقل بالاستقلال في مقام الامتثال ان لزم المحذور من الاحتياط، أو قلنا بعدم وجوبه مطلقا، لو كانت النّتيجة نصبه مطلقا و لو لم يصل أصلاً لعدم جريان المقدّمات على هذا التّقدير، كما مرّت إليه الإشارة عن قريب في بعض الحواشي السّابقة.

قوله (قده): و دعوى الإجماع لا يخفى ما فيها، لأنّ الحكم بالحجّية في القسم الأوّل- إلخ‏

لا يخفى انّ ذلك انّما يرد لو كان الأخذ بأطراف العلم الإجماليّ من مشكوكات الاعتبار و موهوماته، لمجرّد مطابقة بعضها للواقع من دون استكشاف جعل حجّيتها في الجملة واقعاً، لما أفاده (قده) من انتفاء المناط في غير الأطراف من مشكوكاته و موهوماته جزماً، لا مع استكشافه بدليل الانسداد بعد فرض عدم كفاية مظنونات الاعتبار، و كون الحجّة المجعولة بمقدار الكفاية حسب اقتضائه كما هو واضح؛ و ذلك لأنّ المعارضات لها من المشكوكات و الموهومات حينئذ يكون متيقنة الحجّية، و الجعل مثلها، و يكون الحال مع استكشافه بهذا الدّليل العقلي بعينه الحال مع الاستدلال عليه بالدّليل النّقلي، و لا إشكال في إمكان دعوى الملازمة بين حجّية المعارضات و غيرها بالإجماع و الأولويّة القطعيّة فيما إذا كان الدّليل على الحجّية هو النّقل، فكذلك، إذا كان العقل؛ بداهة انّ الواقعة الواحدة لا يختلف في ذلك بسبب اختلاف دليلها.

و الحاصل انّ الشهرات المزاحمة إذا علم حجّيتها عند الشارع بدليل و لو كان دليل الانسداد، كان دعوى القطع بحجّية غير المزاحمة منها بدعوى الإجماع على الملازمة أو الأولويّة، غير خالية عن السّداد، و ليس ممّا يقطع فيه بانتفاء المناط فيه، كما أفاده، ضرورة انّ انتفاء ما هو المناط في الإثبات جزماً كالعلم الإجماليّ بين مشكوكات الاعتبار أو موهوماته من المزاحمات لمظنوناته الموجب للعلم بوجود الحجّة المجعولة أيضاً بينها، لا يوجب انتفاء ما هو المناط في الثّبوت و علّة الوجود و ملاك جعله واقعاً، فيمكن ان يكون المناط في غير المزاحمات منها ثابتاً بطريق أولى كما لا يخفى، فافهم و استقم.

قوله (قده): كما إذا تردّد الواجب بين القصر و الإتمام، و دلّ على أحدهما- إلخ-.

بل في هذه الصّورة دلّ على أحدهما جميع الأمارات الّتي يعلم إجمالاً بوجوب العمل ببعضها، فانّ هذا الاحتياط في المسألة الأصوليّة تكون مزيلاً للشّك الموجب للاحتياط في المسألة الفرعيّة، لا ما إذا دلّ أحدهما، بداهة انّ الأخذ بموجبة احتياطاً لا يزيل الشّك‏

159

الموجب للاحتياط فيها؛ و قد عرفت في بعض الحواشي السّابقة تعدّد الموارد الّتي يوجب الاحتياط في المسألة الأصوليّة رفع اليد عن الاحتياط فيها، بحيث لولاه كان لازماً فيها، فراجع.

قوله (قده): و امّا دعوى انّه إذا ثبت وجوب العمل بكلّ ظنّ- إلخ-.

شناعة هذه الدّعوى و ان كانت يعرف ممّا أفاده في الرّد على تتميم التّعميم بالإجماع و الأولويّة في المعمّم السّابق، حيث انّ العلم الإجماليّ بثبوت التّكليف في موارد الأمارات موجب للأخذ بالمثبتة منها و العمل على طبقها احتياطاً، و هذا لو لم يوجب العمل على خلاف النّافية منها، لا يوجب العمل على وفقها، كما لا يخفى، و لا موجب آخر على الفرض؛ إلاّ انّك قد عرفت الحال فيما أفاد، و انّه هناك خال عن السّداد.

قوله (قده): و امّا على تقدير تقريرها على وجه يوجب حكومة العقل- إلخ-.

اعلم انّ تقريرها على وجه الحكومة أيضاً على وجهين: (أحدهما) على وجه يستنتج من المقدّمات حجّية الظّن المطلق، أو خصوص الاطمئناني منه في حال الانسداد، فيكون هو في هذا الحال كالعلم في حال الانفتاح إثباتاً و نفياً، كما هو مراد المستدلّين بهذا الدّليل، و ظاهر صدر كلامه قبل ما ذكره في ذيل ما جعله بياتاً لمرامه، و صريح قوله فيما بعد: «نعم لو ثبت بحكم العقل- إلخ-». (ثانيهما) على وجه يستنتج منها تبعيض الاحتياط، كما هو صريح ما في ذيل البيان؛ و قد عرفت التّحقيق في كيفيّة التّبعيض و مورده بما لا مزيد عليه سابقاً، فلا نطيل بالإعادة.

لكن لا يخفى انّه عليه لا يكون المدار في الإطاعة و المخالفة على الظّنّ، بل على لزوم الاحتياط في الأطراف ما لم يلزم منه العسر؛ و من المعلوم اختلاف ذلك قلّة و كثرة حسب اختلاف الأمارات المثبتة و النّافية كذلك، فربّما يجب الاحتياط في موهومات التّكليف في- الجملة، و ربّما يجوز رفع اليد عنه في مظنوناته كذلك، فضلاً عن مشكوكاته. و امّا على النّحو الأوّل فانّما يكون المدار عليه، قلّت موارد الأمارات النّافية للتّكليف، أو كثرت؛ و منه انقدح عدم ارتباط تامّ لما هو صريحه بعد البيان بما هو ظاهره قبله، فتأمّل.

قوله (قده): فالتّعميم و عدمه لا يتصوّر بالنّسبة إلى الأسباب- إلخ-.

هذا لو لم يكن بينها تفاوت بالظّنّ بالاعتبار و عدمه، و إلاّ فيه إشكال لو لم نقل‏

160

باستقلال العقل بتعيين مظنون الاعتبار في مقام الامتثال، و سيجي‏ء منّا زيادة توضيح [1] لذلك إن شاء اللَّه عن قريب.

قوله (قده): فانّ هذه الدّعوى يكذّبه ثبوت العلم الإجماليّ- إلخ-.

لا شهادة لثبوت العلم الإجماليّ قبل استقصاء الأمارات و الاطلاع عليها على تكذيب الدّعوى أصلاً، لعدم المنافاة بين شيوع الأطراف و عمومها قبل تميز موارد الأمارات من غيرها للاختلاط في الاشتباه، و اختصاص الأطراف بالموارد بعد التّميّز، سواء كان ذلك من أوّل الأمر، كما إذا علم بالتّكليف من الأوّل بين خصوص موارد الأمارات المثبتة بين المحتملات، أو بعد التّميز، كما علم بثبوته بمقدار بين الجميع أوّلاً، من دون اختصاص بموارد الأمارات، ثم يعلم إجمالاً بثبوته بذلك المقدار في خصوص مواردها، كما هو واضح لمن له أدنى تأمّل.

قوله (قده): و دفع هذا، كالإشكال السّابق منحصر في ان يكون النّتيجة- إلخ-.

لا يخفى انّ اتّباع الظّنّ في حال الانسداد بحكم العقل في مقام الامتثال، لا يجدى في رفع الإجمال عن الأمارات المجملة بالذّات، أو بالعرض بواسطة العلم الإجماليّ بعروض التّقييد و التّخصيص و غيرهما، و ذلك لعدم كونه في هذا الحال في عرض الأمارات المعتبرة بالخصوص، بل في موارد فقدها، كما لا يخفى، فلا يصلح قرينة لتخصيصها، أو تقييدها، أو بيان إهمالها.

نعم يكون مرجعاً عند إجمالها و عدم إمكان إعمالها كما هو، و قد سبقت الإشارة إلى عدم اختصاص الإشكال بتقرير الحكومة، بل يعمّ تقرير الكشف، إذ لا يستكشف عليه أزيد من حجّية الظّنّ شرعاً فيما لم يكن هناك علم و لا علميّ، فلم يعلم اعتباره في عرض الأمارة المعتبرة بالخصوص ليصلح تقييدها أو تخصيصها، فلو كان في المسألة عموم أو إطلاق لم يطرأ عليه الإجمال، يتبع على كلّ حال، لا الظّنّ و لو كان على خلافه، و مع طروّه يكون هو المرجع على نحو الاستقلال، لا ذاك العموم أو الإطلاق و لو كانا على وفاقه.

____________

[1]- فيما نعلّقه على توجّه خروج القياس و الظّن المانع و الممنوع (منه).

161

قوله (قده): و قد تقدّم سابقاً انّ المعيار في دخول طائفة من المحتملات- إلخ-.

هذا إذا كان لها دخل في العلم الإجماليّ بحيث لا يبقى العلم بدونهما. و لا يخفى انّ هذه الدّعوى ليست ببعيدة، و ذلك لأنّ الظّاهر انّه لا منشأ للعلم بالتّخصيص، أو التّقييد، أو غيرهما إلاّ قيام الأمارات في غير واحد منها على واحد منها، و انّه لا يحصل بدونها العلم بدون التّبديل، و لو حصل كانت الشّبهة غير محصورة، لا يوجب العلم بين أطرافها الاحتياط و لا الإجمال.

قوله (قده): ثم انّ هذا العلم الإجماليّ و ان كان حاصلاً- إلخ-.

هذا العلم و ان كان حاصلاً لمن قامت عنده الأمارات المعتبرة بمقدار الكفاية أيضاً، إلاّ انّ العلم بثبوت التّكاليف الفعليّة بين خصوص مؤدّياتها زائداً على المقدار المعلوم بين تمام المحتملات، و لا أقلّ من كونها بذاك المقدار، و إلاّ لم يكن الأمارات بمقدار الكفاية، كما لا يخفى يمنع عن تأثيره المتنجّز بها في جميع أطرافه، لصيرورة الشّك في غير موارد تلك الأمارات حينئذ بدويّاً، ضرورة انّه لا علم بثبوت التّكاليف غير المؤدّيات مضافاً إليها بين مواردها، و سائر المحتملات.

و لا يخفى انّه لا تفاوت في ذلك بين تقارن العلمين زماناً و عدمه. نعم لو كان المعلومان بهما مختلفين، كما إذا كان كل معنوناً بعنوان خاص يحتمل عدم الانطباق مع الآخر خارجاً، كان العمل بهما موجبين لتنجّز هما و لو تقارنا زماناً، لوجوب الخروج عن عهدة كلّ تكليف خاصّ؛ و مجرّد احتمال الانطباق بحسب الخارج، غير مفيد، بخلاف ما إذا انطبقا قهراً، كما إذا لم يكن واحد منهما أو أحدهما معنوناً كذلك، لحصول الانطباق قهراً حينئذٍ في المقدار المشترك بينهما؛ تأمّل جيّداً.

قوله (قده): ثم تعميمه بأحد المعمّمات المتقدّمة فلا إشكال- إلخ-.

هذا بناء على عدم التّرجيح بالظّنّ بالاعتبار، و امّا بناء على التّرجيح به، كما وجّهناه، فالإشكال في الظّنّ القياسي بالاعتبارات، كما لا يخفى.

قوله (قده): فيشكل خروج القياس- إلخ-.

توضيح الإشكال انّه إذا استقلّ العقل بأنّ المدار في مقام الامتثال على الانكشاف الظّني أو الاطمئناني في حال الانسداد، بحيث يصحّ المؤاخذة على مخالفته للواقع في صورة

162

موافقته، و لا يصحّ بدونها، فالمنع عن اتّباع مثل القياس في هذا الحال مع حصول الظّنّ منه أو الاطمئنان؛ لا يخلو إمّا يكون مع عدم تحقّق ما هو ملاك حكم العقل فيه؛ و إمّا يكون مع تحقّقه؛ و الأوّل مستلزم لعدم كون الانكشاف الظّني أو الاطمئناني مناطاً، و هو خلف، و إلاّ فلا وجه لاستقلال العقل بذلك في سائر افرادها؛ و الثّاني مستلزم لانفكاك المعلول عن علّته التّامّة، و فسادهما بيّن.

و الحاصل انّ المنع عن مثله يستلزم إمّا الخلف، أو الانفكاك بين العلّة و معلولها.

لا يقال: انّما يلزم ذلك من منعه في هذا الحال لو لم يكن حكم العقل به، و استقلاله معلّقاً على عدمه، بل كان منجّزاً، و على كلّ حال و المسلّم منه انّه على نحو التّعليق.

لأنّا نقول: إنّما يجدى ذلك لو لم يكن المعلّق عليه بمحال، و هو في غاية الإشكال، و وجهه انّ المنع عن الظنّ القياسي مع كونه كسائر الأفراد للظّنّ في نظر العقل من غير تفاوت أصلاً، تخصيص و ترجيح، و هو بلا وجه مصحّح قبيح و صدوره من الحكيم تعالى محال.

ثمّ لا يخفى عدم اختصاص الإشكال بما إذا قلنا بحكومة العقل و استقلاله بالحجّية في حال الانسداد، بل يعمّ ما إذا قلنا بتبعيض الاحتياط في هذا الحال، و استقلاله في تعيين ما لا يجب فيه الاحتياط عمّا عداه، فيشكل فيما كان موهوم التّكليف بالقياس، لا المظنون به، بناءً على لزوم الاحتياط في المشكوكات، للزوم الاحتياط فيه على كلّ حال. نعم لو قلنا بلزوم المعاملة مع الظّنّ القياسي في الشّريعة على ما يساعده بعض الاخبار النّاهية (1) عنه، معاملة الوهم يعمّه الإشكال، كما لا يخفى على المتأمّل.

و خلاصة المقال في حلّ الإشكال ان يقال: ان حكم العقل بلزوم اتّباع الظّنّ في هذا الحال ليس إلاّ على نحو التّعليق بعدم المنع عنه شرعاً، فلا مجال له مع المنع لعدم مناطه و ملاكه، و المنع بلا وجه صحيح و ان كان محالاً عليه تعالى لأنّه قبيح، إلاّ انّه لا وجه لنفيه عن المنع عن القياس بمجرّد عدم تفاوت في الكشف في نظر العقل بينه و بين سائر أسبابه، ضرورة إمكان التّفاوت بينهما بغلبة الخطاء فيه دونها، كما هو ظاهر بعض الأخبار النّاهية (2) عنه؛ أو كون العمل على طبقه ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع فيما كان على وفقه، كما هو ظاهر بعضها (3) الآخر؛ أو كون نفس المنع عنه ذا مصلحة مهمّة يجب مراعاتها و لو لزم‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 38- ح 40 و 42

(2)- وسائل الشيعة: 18- 38

(3)- بحار الأنوار: 2- 111

163

منه في صورة الإصابة تفويت مصلحة الواقع، كما هو محتمل جلّها. و قد أشبعنا الكلام بالنّقض و الإبْرام فيما هو نظير المقام من تصحيح الأمر ببعض الأمارات في حال الانفتاح، فانّ الأمر ببعضها في هذا الحال، كالنّهي عنه في حال الانسداد فيما يترتّب عليه من وجوه الإشكال، إلاّ انّ ذلك يتعاكس فيهما بحسب صورتي الخطاء و الإصابة، فليراجع ثمّة من أراد الاطلاع على التّفصيل هاهنا، و إجماله انّه من النّهى يلزم في صورة الإصابة كالأمر على تقدير الخطاء، امّا اجتماع الحكمين المتضادّين بما يستتبعهما من المصلحة و المفسدة الملزمتين، و الإرادة و الكراهة المؤثّرتين من غير ان يقع الكسر و الانكسار في البين، و هذا على تقدير بقاء الحكم الواقعي على حاله، و امّا يلزم التّصويب بمعنى عدم ثبوت حكم في الواقع غير ما نشاء من النّهى على تقدير عدم بقائه، هذا مع تفويت مصلحة الواقع على المكلّف تارة، كما إذا كان مفاد الأمارة للنّهي عنها وجوب شي‏ء؛ و الإلقاء في المفسدة أخرى، كما إذا كان مفاد الأصل إباحة شي‏ء ظنّ حرمته بها؛ و التّفويت و الإلقاء كليهما ثالثة، كما إذا كان مفاد الأصل حرمة ما ظنّ وجوبه.

و خلاصة الجواب انّ الحكمين لا يكونان متضادّين ما لم يكونا فعليّين، و ليس الحكم الواقعي بفعلي حينئذٍ، بل ثبوته بمجرّد ثبوت إنشائه، من دون انقداح بعث أو زجر فعلاً.

و منه يظهر حال ما يستتبعه مع ما يستتبع الحكم الظّاهريّ الّذي هو مفاد الأصل من المصلحة و المفسدة، حيث لا مضادّة بينهما إلاّ تبعاً للمضادّة بين أثريهما، كما لا يخفى؛ و لا يكون المأمور به مراداً فعلاً و لا المنهيّ عنه مكروهاً كذلك، إلاّ إذا كان الأمر و النّهى فعليّين، و التّفويت أو الإلقاء غير لازم فيما كان النّهى لأجل غلبة الخطاء، و غير قبيح إمّا للتّدارك، أو لمصلحة فيه راجحة مهمّة، بحيث يجب مراعاتها مع لزوم ذلك منه أحياناً فيما كان النّهى لأجل مفسدة في السّلوك، أو مصلحة في نفس النّهى، و يلزم منه على تقدير الخطاء كالأمر في صورة الإصابة، امّا التّصويب بالمعنى المتقدّم، أو اجتماع المثلين، كما إذا أدّت القياس مثلاً إلى وجوب الحرام، أو حرمة الواجب.

و الجواب انّ الحكمين في مرتبة ثبوتهما الإنشائيّ و ان كانا مثلين، إلاّ انّهما ما اجتمعا في محلّ واحد في آنٍ واحد؛ و كذا في مرتبة ثبوتهما الفعلي لم يكد ان يكونا فعليّين إلاّ في زمانين أو حالين، و يلزم منه و من الإرجاع إلى أصل يكون على خلافه طلب المتضادّين في صورة الإصابة فيما أدّى القياس إلى إباحة ما يضادّ واجباً، و كان مقتضى الأصل وجوبه.

و الجواب انّه لا ضير فيه ما لم يكن طلبهما فعليّاً و لا يكون هاهنا إلاّ طلب الضّدّ.

هذه خلاصة ما قدّمناه من النّقض و الإبرام في ذاك المقام.

164

قوله (قده): الأوّل: ما مال أو قال به بعض من منع- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا على تقدير صحته، ليس من توجيه خروج القياس، بل منع خروجه في هذا الحال، فيكون الإشكال على تقدير خروجه بعد على حاله، فلا وجه لعدّه في عداد التّوجيهات، و كذا حال ما يتلوه من الوجه الثّاني، فانّ الإشكال انّما هو في النّهى عنه على فرض إفادته الظّنّ، إلاّ ان يكون الغرض التّفصّي عن توجّه إشكال و لو لعدم ثبوت فرضه و تقديره، لا عن الإشكال، فتدبّر.

قوله (قده): الثّالث: انّ باب العلم- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا انّما يكون بصدد التّفصّي عن الإشكال من جهة توهّم استقلال العقل في هذا الحال على نحو العليّة و التّنجّز، مع عدم الالتفات إلى الإشكال في صحّة المعلّق عليه و إمكانه، و لو سلّم انّه انّما يكون على نحو التّعليق. و ما أورده عليه (قده) انّما هو بهذه الملاحظة، فلا تغفل.

قوله (قده): أقول: كان غرضه بعد جعل الأصول- إلخ-.

الظّاهر انّ غرضه من العدول في نتيجة المقدّمات عن نفس الظّنّ إلى الأمارات المفيدة له، حسب انّ الإشكال انّما يتوجّه لو كانت النتيجة نفسه، حيث لا يكون تفاوت فيه بحسب أسبابه في نظر العقل، فيكون المنع عن بعض افراده قبيحاً إلاّ إذا كانت هي الأمارة المفيدة له، لاحتمال ان يكون اختلافها يوجب التّفاوت بينها، و لاستقلال العقل في عدم التّفاوت بذلك.

و يرد عليه انّ العبرة في حال الانسداد بنفس الظّن، لا بأماراته؛ سلّمنا إلاّ انّها بما هي مفيدة لا بما هي هي، و الاختلاف مع كون اعتبارها كذلك، أو من جهة واحدة لا يوجب التّفاوت، يوجب المنع عن اعتبار بعضها، و التّفاوت بما احتملناه لا اختصاص له بها، فلا وجه للعدول عنه إليها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و حاصله انّ النّهى يكشف عن وجود مصلحة- إلخ-.

قد عرفت ممّا قدّمناه في تصحيح الأمر بسلوك الأمارة في حال الانفتاح التّفصي عن وجوه الإشكال كلّها بهذا الوجه و ان لم يخرج المصنف (قده) عن عهدة ذلك هناك حين قراءتنا عليه الكتاب، فلذا عدل عنه إلى المصلحة في الأمر بالسّلوك و زاد لفظ الأمر، و على‏