درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
165

ذلك كان عليه ان يعدل أيضاً إلى المصلحة في النّهى هاهنا، إلاّ انّه قبل ان يصل إلى هنا بحثه، قضى نحبه و فاز إلى روح و ريحان، و جنّة و رضوان.

قوله (قده): ذهب بعض مشايخنا إلى الأوّل بناء منه- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا البناء لا يقتضى وجوب العمل بالممنوع، ضرورة انّ عدم حجّية الظنّ إلاّ في الفروع لا يلازم حجّيته فيها مطلقا و لو ظنّ عدم اعتباره، و لا ينافي حجّية خصوص ما لا يحتمل عدم اعتباره بالخصوص شكّا، بل وهماً، فضلاً عن الظنّ، كما سنبيّنه؛ كما انّه ليس لازم من ذهب إلى حجّية الظّنّ في الأصول، حجّية المانع مطلقا، لإمكان ان يكون كلّ من المانع و الممنوع فيها، كما لو قام ظنّ على عدم حجّية ظنّ قام على حجّية أمارة أو أصل، و انّما يصحّ ذلك فيما كان الممنوع في فرع. و منه يظهر انّ الإشكال في هذه المسألة في الجملة يعمّ الأقوال، لا اختصاص له بما إذا قيل بحجّية الظّنّ مطلقا، أصولاً و فروعاً، كما لا يخفى.

ثمّ انّه كما لا يتأتّى حديث ترجيح التّخصيص على التّخصيص في المسألة، لكونها عقلية، و هو فيما إذا لم يمكن الجمع في حكم عامّ لفظيّ بين فرديه كالاستصحابين، أو في حكم عامّين في فرد أو فردين، فيرجّح كلّ ما لا يلزم من العمل بحكم العام فيه تخصيص للزوم اتّباع أصالة العموم، و عدم جواز التّخصيص بلا مخصّص، لا يتأدّى ما استدركه (قده) بقوله: «إلاّ ان يقال» فانّه أيضا من مرجّحات العمل بحكم الدّليل اللّفظي في أحد فرديه عند عدم إمكان الجمع بينهما فيه، أو الدّليلين اللّفظيّين في واحد كذلك، فانّه أيضاً يرجع إلى انّه يلزم من العمل بأحدهما مخالفة أصالة العموم، و لا يلزم من العمل بالآخر، فتعيّن العمل بما لا يلزم منه ذلك.

و هذا بخلاف ما إذا كان الدّليل عقليّا، فانّ المتّبع ما استقلّ به العقل في هذا الحال من تعيين أحدهما؛ و معه فلا إجمال و لا احتمال، و بدونه لا دلالة له إذا لم يكن له استقلال، فيتّبع ما هو قضية الأصل فيهما، و لا يكاد ان يصحّ التّرجيح بما أفاده بدون ان يكون في البين لفظ ظاهر في العموم يلزم تخصيصه من العمل بحكمه في أحدهما، بخلاف العمل به في الآخر فيما كان قضيّة العمل به فيه عين نفي الحكم عن الآخر، و إلاّ فمجرّد كون قضيّته حكم في أحد الأمرين ذلك دونه في الآخر، لا يوجب ترجيحاً فيه، و اختصاصه به ما لم يكن مرجّح من خارج، كما هو واضح للمتأمّل، و لعلّه أشار إليه بقوله فافهم.

166

قوله (قده): و الأولى ان يقال- إلخ-.

التّحقيق ان يقال انّه لا ينبغي الإشكال في عدم اكتفاء العقل بظنّ يحتمل عدم اعتباره بالشّك أو الوهم، فضلاً عن الظّنّ. و لزوم الاقتصار على ما لا يحتمل عدم اعتباره بالخصوص في الحال إذا كان بمقدار الكفاية في الفقه، و إلاّ فبضميمة خصوص ما احتمل وهماً و إلاّ فشكّاً أيضاً.

و ذلك لما عرفت من إمكان صحّة المنع عن بعض الظّنّ و عدم كونه مؤمّناً معه، فمع احتماله ظنّاً، أو شكّا، بل وهماً في الجملة، لا يكون مؤمّناً و هم العقل في جميع مراتب امتثال على تحصيله و الاكتفاء به مع عدم الكفاية، انّما هو الجزم باختصاص المنع، لو كان هناك بغير هذه الصّورة، و لو فرض احتمال المنع فيها أيضاً، فالظّاهر ان يعامل كما إذا لم يكن في المسألة ظنّ المنع، و كما إذا لم يكن هناك احتمال له إذا ظنّ عدمه، و ان تخيّر بين الجري على وفقه و العمل على طبق أصل يكون على خلافه إذا شكّ فيه؛ و ذلك لأنّه إذا صحّ ان يكون حكم العقل على نحو التّعليق بعدم المنع في هذه الصّورة و احتمل ثبوته فيها ظنّاً أو شكّا، لا يكاد أن يستقلّ به، ضرورة عدم الجزم بشي‏ء مع احتمال مانعه، و مع الظّنّ بعدم المنع و ان لم يجزم به ابتداءً أيضاً، الا انّ العمل على طبقه لمّا كان أرجح، كان اتباعه لازماً عند دوران الأمر بينه و بين اتّباع الأصل في المسألة، و لا يقاس حال ذلك بحال احتمال الأمر بأمارة في حال الانفتاح، فانّه يكفي في الاستقلال بعدم الاعتبار مجرّد احتمال عدم الأمر بها، لمكان أصالته عقلاً و هذا بخلاف الاستقلال بالاعتبار، فانّه بخلاف الأصل. فظهر منه انّه لا وجه لما مرّ منه غير مرّة من دعوى الاستقلال مع الاحتمال هاهنا مقايسته بالاستقلال معه هناك.

و بالجملة لا يكتفي العقل في حال إلاّ بما يؤمّنه من العقوبة، و لا يؤمّن منها إلاّ بما يطمئنّ بعدم المنع عنه في هذا الحال، من غير تفاوت في ذلك أيْ في تحصيل الأمن و الفراغ عن تبعة التّكليف في هذا الحال بين الوجه السّادس و غيره، و ان كانا متفاوتين فيما كان الغرض جلب المصالح و دفع المفاسد الكامنتين في الأفعال، فعلى الوجه السّادس يأتي مسألة التّرجيح بأقوائيّة الظّنّ، أو أهميّة المظنون منها، بناء على انّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة؛ بخلاف غيره فانّ فيه ليس إلاّ جلب مصلحة مظنونة، أو دفع مفسدة كذلك بلا دوران و لا مزاحمة فعليّة لا بدّ من متابعة الممنوع مطلقا، فتأمّل في المقام.

167

قوله (قده): بل لو انفتح باب العلم في جميع الألفاظ- إلخ-.

لا يخفى انّ الظّنّ الحاصل من الظّنّ بإحدى هذه الجهات الموقوفة عليها إثبات الأحكام من الرّوايات من الصّدور الظّهور و الإرادة في مورد سدّ باب العلم بها، ممّا لا إشكال في اتباعه أصلاً و لو انفتح باب العلم بها في سائر الموارد، ضرورة انّ قضيّة مقدّمات الانسداد حجّية الظّنّ بالحكم من أيّ سبب كان؛ و امّا فيما يمكن تحصيل العلم ببعض تلك الجهات، ففي الاكتفاء بالظّنّ الحاصل من الظّنّ بها من دون تحصيل العلم بهذا البعض إشكال، بل منع، إذ لا يبعد دعوى استقلال العقل بلزوم تقليل جهات الاحتمالات بقدر الإمكان في هذا الحال، فيجب سدّ باب الاحتمالات في كلّ جهة يمكن إحرازها بالعلم بتحصيله، و مرجعه إلى لزوم تحصيل الأقوى، و عدم جواز الاقتصار على الأضعف، مع إمكان تحصيله، إذ ليس مرجع انسداد باب احتمال من الاحتمالات مستند الظّنّ و عدمه إلاّ إلى قوّته و ضعفه، و لا يخفى انّ الظّنّ الخاصّ في ذلك بحكم العقل.

ثمّ لا فرق في ذلك بين جهة الصّدور و باقي الجهات؛ و توهّم الفرق بأنه مع إمكان تحصيل العلم به يكون باب العلم في المسألة مفتوحاً و لو كان باب العلم فيها مسدوداً، و معه لا يجوز العدول عنه إلى ما يتنزّل إليه في حال الانسداد، فيجب إحرازه بالعلم، كي يسلك بإحراز ساير الجهات علماً، أو ظنّاً خاصّاً، أو مطلقاً، على اختلافها و اختلاف المقامات، بخلاف ما إذا أمكن تحصيله في غيره من الجهات، فقد انسدّ فيها بابها فيجب التّنزّل إلى ما استقلّ به العقل في هذا الحال، فيجري فيه ما تقدّم من الإشكال؛ فاسد، فانّ الطّريق العلمي ما يوجب الانتهاء إلى حكم شرعاً جزماً، غاية الأمر يكون ظاهريّاً، و الرّواية بمجرّد كون صدورها معلوماً أو مظنوناً بالظّنّ الخاصّ ما لم يكن سائر جهاتها كذلك لا يوجب ذلك، فهو و باقي الجهات سواء، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): الشّهرة و نقل الإجماع إنّما يفيد ان الظّنّ- إلخ-.

و ذلك لانحصار السّبيل في العقليّات بالبرهان و لو كان على خلاف المشهور، بل الاتّفاق. نعم ربّما يحصل الظّنّ بل القطع من الاشتهار، أو الوفاق لحسن الظّنّ بالأعلام، و بُعد خطائهم بَعد تراكم أفكارهم، و توافق أنظارهم؛ إلاّ انّه فيما لم يقم البرهان على خلافهم، و منه دلالة دليل الانسداد على الحجّية في هذه المسألة، كما هو الفرض، يمنع عن حصول الظّنّ فيها بوفاقهم، إلاّ ان يقال انّ المسألة ليست بعقليّة محضة، بحيث لم يكن للنّقل إليه سبيل، لما عرفت من صحّة المنع عن بعض الأمارات شرعاً في حال الانسداد، بل‏

168

وقوعه كالقياس، و معه لا يكون حصول الظّنّ من الشّهرة، أو دعوى الاتّفاق على المنع في هذا الحال بمجال و لا ببعيد، لقوّة احتمال ان يكون توافقهم على المنع، لأجل الظّفر بما يوجب القطع به، كما ظفرنا به في القياس.

و قد عرفت انّ التّحقيق هو عدم حجّية الظّنّ الممنوع على كلّ حال و لو كان أقوى من الظّنّ المانع.

و قد ظهر ذكرنا وجه منعه حصول الظّنّ منهما في ذيل ما أورده ثالثاً، و ترقّبه بدعوى استحالته في ذيل ما أورده رابعاً، و تنزّله بتسليم حصوله في ذيل ما أورده خامساً، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): نعم قد يوجد في الأمور الخارجيّة ما لا يبعد إجراء نظير دليل الانسداد فيه- إلخ-.

لا يذهب عليك انّ استنتاج إناطة الحكم بالظّنّ منه موقوف على ضمّ مقدّمة أخرى، و هي كون الوقوع في خلاف الواقع كثيراً في هذا الموضع نقضاً للغرض الشّارع، كي يستكشف به اعتبار الظّنّ، و إلغاء عموم دليل الأصل عنده، و إلاّ فمجرّد الوقوع في الخلاف كذلك ليس بمحذور يستكشف‏ (1) بمجرّده. كيف، و قد علمنا لزوم ذلك من العمل بالقاعدة المضروبة للشّاكّ في باب النّجاسة، مع انّه لا إشكال في اتّباعها فيه دون الظّنّ بها، فكلّ مورد أحرز فيه ذلك تمّ الدّليل على اعتبار الظّنّ، و بدونه لا يكاد أن يتمّ، بل كان المتّبع هو عموم دليل الأصل.

قوله (قده): فنقول مستعيناً باللَّه تعالى: انّ مسائل أصول الدّين- إلخ-.

المراد بها ما يقابل الفروع، و هي الّتي لا يطالب فيها أوّلاً و بالذّات، إلاّ العمل و ان وجب الاعتقاد بها باطناً، من باب وجوب الاعتقاد بما جاء به النّبي (صلى اللَّه عليه و آله)، لا خصوص المعارف الخمسة المعروفة.

ثم اعلم انّ المطلوب في تلك المسائل الأصوليّة باطناً، أو المرغوب فيها قلباً، ليس هو مجرّد العلم بها، بل لا بدّ من عقد القلب عليها، و الالتزام بها، و التّسليم لها، غير جاحد أيّاما بعد استيقانها، و الا لزم إيمان المعاندين من الكفّار الّذين كانوا يجحدون ما استيقنت به‏

____________

(1)- خ ل: ليستكشف.

169

أنفسهم، كما قال اللَّه تعالى: «و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم» (1) بناء على انّ الظّاهر انّه ليس المراد الجحد و الإنكار باللّسان، بل عن إنكار قلبيّ و عناد باطني، أو خصوص ذلك و لو لم يكن باللّسان، هذا ما يعتبر فيها من فعل القلب.

و امّا الإقرار بها باللّسان، فلا يبعد اعتباره في بعضها بالنّسبة إلى ترتيب بعض الآثار في الظّاهر، كحليّة النّكاح، و استحقاق الميراث، و نحوهما، بل يكفي ذلك فيها و لو لم يكن إذعان بالجنان، كما في صدر الإسلام، حيث يكتفي بالشّهادتين في ترتيب هذه الأحكام.

و بالجملة الظّاهر انّ الإقرار بالايمان باللَّه و رسوله باللّسان انّما يكون موضوعاً لتلك الآثار الشّرعيّة و وسيلة إلى حصول شوكة الإسلام، فهو مطلوب على كلّ حال؛ و انّ الإقرار في غيره من الاعتقاديّات لا دليل على وجوبه، و امّا جوازه ففي كونه من آثار نفس المسألة الأصوليّة حتّى جاز ترتيبه عليها إذا قام عليها طريق معتبر، أو من آثار العلم بها، كي لا يترتّب بدونه إشكال حيث لا دليل في البين، فيكون الإقرار و الإخبار به من قبيل القول بغير العلم.

و من هنا علم عدم جواز الإخبار ببعض تفاصيل الحشر و النّشر بمجرّد مساعدة ظهور آية أو رواية عليه، كما هو ديدن بعض الواعظين.

و امّا ما ذكرناه من الأثر القلبي في المسائل الاعتقاديّة، فيمكن دعوى القطع بعدم ترتيبه على ما قام عليه طريق معتبر منها ما لم يفد العلم، و ان قلنا بأنه من آثار نفسها لا العلم بها، و ذلك لإمكان ترتيبه على نفس الواقع في هذا الحال، غاية الأمر على نحو الإجمال بان يلتزم بكلّ ما هو الواقع من طرفي النّفي و الإثبات من دون تعيينه، و عدم لا بدّية الالتزام بأحدهما على التّعيين، كي يحتاج إلى حكم من عقل أو نقل يرجع إليه في تعيين شغله، بخلاف العمل بالجوارح فانّه من الواضح استحالة خلوّ الإنسان من كونين من الأكوان، فلا بدّ في تعيين ما له من العمل، أو عليه من الرّجوع إليه، فيكون ذلك موجباً لتقييد أدلّة الأمارات و الأصول العمليّة بالنّسبة إلى الآثار أو تخصيصها، لو كان لها إطلاق أو عموم مع وضوح المنع عنهما، بداهة عدم عموم لواحد منهما وضعاً بالنّسبة إلى الآثار، و العموم الحكمي لا يكاد ان يتمّ لها بحيث يعمّ مثل هذا الأثر، لكون ما عداه من الآثار متيقّناً (2) منها لو لم يكن منصرفاً إليها، و من جملة مقدّمات الحكمة، عدم قدر المتيقّن في البين،

____________

(1)- النّمل- 14

(2)- خ ل: مستغنياً.

170

كما لا يخفى على من أتقنها.

و بالجملة مع التّمكن من التّديّن بنفس الواقع و لو إجمالاً، لا أظنّ وجود موجب لترتيبه على ما أدّى إليه الطّريق، مع انّه غير مصون عن الخطاء، و في معرض ان يكون التّديّن بمؤدّاه تديناً بغير الواقع، و مفسدة التّديّن به أعظم ممّا فات من مصلحة التّديّن بالواقع تفصيلاً في صورة الإصابة، لو لم يمنع من قوّتها في هذا الحال مع التّديّن به على نحو الإجمال، من دون لا بدّية الالتزام و التّديّن في البين، و جواز الخلوّ عن التّديّن بكلّ منهما، بخلاف العمل بالجوارح، فانّه لا يمكن الخلوّ منه في حال، كما هو واضح، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): ثمّ انّ الفرق بين القسمين- إلخ-.

اعلم انّ شرافة الإنسان على سائر أنواع الحيوان، و كذا التّفاوت بين النّاس، و اختلاف طبقات الأشخاص، و ان كان بالعلم و المعرفة، إلاّ انّه لمّا كان من الواضح عدم مساواة الثّابتات في المعرفة حسناً، بل عن الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) انّه جعل بعض العلوم ممّا لا يضرّ جهله، بل من الفضول، حيث قال: «انّما العلوم ثلاثة- الخبر-» (1): كان ما يجب معرفته على أقسام: (أحدها) ما يجب معرفته عقلاً بما هو هو. (ثانيها) ما يجب معرفته كذلك لكونه ممّا جاء به النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و أخبر به، و إلاّ لم يعرف له خصوصيّة موجبة للزوم معرفته من بين الأشياء. (ثالثها) ما يجب معرفته شرعاً.

و المتّبع في الأوّل هو ما استقلّ بلزوم معرفته العقل من باب استقلاله بقبح تركه في نفسه، أو من باب خوف الضّرر عليه؛ و هذا كمعرفة المنعم الحقيقي جلّ و علا، و وسائط نعمه من رسله و سفرائه و أوصيائهم على وجه صحيح. و في الثّاني هو ما عُلم ثبوته من الدّين و كونه ممّا جاء به سيّد المرسلين (صلى اللَّه عليه و آله). و في الثالث ما دلّ النّقل على وجوب الاعتقاد و التّديّن به مطلقاً أو مشروطاً، و هذا كمعرفة الإمام (عليه السلام) على وجه، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله) «من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهليّة» (2)، و كذا المعاد؛ لبداهة انّه من ضروريّات الدّين، و ممّا أخبر به سيّد المرسلين (صلى اللَّه عليه و آله) و ان استقلّ العقل بثبوته، ضرورة انّه لا يوجب استقلاله على وجوب تحصيل المعرفة به في نفسه، أو ليتديّن به، كما لا يخفى.

____________

(1)- بحار الأنوار: 1- 211 (عن الكاظم (عليه السلام)).

(2)- بحار الأنوار: 23- 78

171

و المرجع فيما لم يدلّ عليه النّقل هو حكم العقل بعدم وجوبه إلاّ بعد حصول المعرفة، إذ الإيجاب به من دون دلالة عليه عقلاً و لا نقلاً تكليف بلا بيان، فالعقاب عليه كان بلا برهان، و هكذا كتفاصيل الحشر و النّشر، فلا يجب الاعتقاد إلاّ بما علم ثبوته من باب الاتّفاق، من دون لزوم تحصيله لذلك أو لنفسه.

فظهر بما ذكرنا حال المعارف، و انّ الواجب منها مطلقا عقلاً على الصّحيح، هو معرفته تعالى بذاته المستجمع لجميع الكمالات الوجوبيّة، و منها العدل؛ و افراده و جعله من الأصول الخمسة إنّما هو لمزيد اهتمام به، و المنزّهة عن النّقائص الإمكانيّة؛ و معرفة نبيّه و التّصديق بنبوّته و جميع ما جاء به، تفصيلاً فيما علم، و إجمالاً فيما لم يعلم؛ و منه المعاد ببعض تفاصيله المعلوم ثبوته بالضّرورة أو بغيرها؛ و جعله من الأصول الخمسة انّما هو أيضا لمزيد اهتمام به، حيث يترتّب على التّديّن به فوائد لا تحصى و مصالح لا يخفى.

و بالجملة الميزان في القسم الأوّل هو كلّ ما استقلّ به العقل بوجوب الاعتقاد به بعنوانه خوفاً أو قبحاً في تركه. و في القسم الثّاني كلّما ثبت انّه ممّا جاء به النّبي صل اللَّه- عليه و آله تفصيلاً ليتديّن به كذلك بهذا العنوان عقلاً، و ان وجب الاعتقاد فيما عداه أيضاً إجمالاً. و في القسم الثالث كلّ ما علم بالدّليل العقلي وجوب الاعتقاد به، لما عرفت من أصالة البراءة عن الوجوب فيما لم يعلم وجوب الاعتقاد به كذلك، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): نعم يمكن ان يقال انّ مقتضى عموم وجوب المعرفة- إلخ-.

في عموم ما ذكره من الآيات‏ (1) و الرّوايات‏ (2) نظر، بل منع، حيث انّ المعرفة المفسّرة بها العبادة، لو لم يكن ظاهرة في خصوص معرفته تعالى، لا دلالة لها على معرفة ما سواه، فانّها فرع إطلاقها، و الآية (3) مسوقة لبيان حكم آخر، لا حكمها، و هو حصر غاية الخلق فيها، كما لا يخفى، و كذا حالها في الرّواية، (4) حيث انّها واردة في مقام بيان فضيلة الصّلوات الخمس، كما هو واضح. و آية النّفر (5) بصدد بيان الطّريق الّذي به يتوسّل إلى معرفة ما يجب معرفته،

____________

(1)- الذاريات- 56

(2)- وسائل الشيعة: 3- 25

(3)- الذاريات- 56

(4)- وسائل الشيعة: 3- 25 (عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام))

(5)- الحجرات- 6

172

لا بيان ما يجب معرفته، و استشهاد الإمام بها انّما هو لبيان انّ النّفر طريق تحصيل المعرفة الواجبة، لا لوجوب معرفة الإمام، حيث انّ الظّاهر انّه كان مفروغاً عنه مركوزاً في ذهن السّائل، و انّما كان الغرض من السؤال الاهتداء إلى سبيل في تحصيلها و وصيلة للتوسّل إليها. و لا عموم لما دلّ على طلب العلم من هذه الجهة إلاّ من أجل خوف المتعلّق، و هو انّما يفيد العموم إذا كان مقام بيانه، و أدلّة طلب العلم انّما يكون في مقام التّحريص و التّرغيب إليه، لا في مقام بيان ما كان العلم به مطلوبا، كيف و إلاّ يلزم تخصيص الأكثر، و هي آبية عن أصله، كما لا يخفى على من لاحظها، فالعبرة فيما لا يستقلّ به العقل، و لا يدلّ عليه النّقل بما ذكرناه من الأصل، فلا تغفل.

قوله (قده): وجوه، أقواها الأخير ثم الأوسط- إلخ-.

لا يخفى انّ الأخير بمقتضى ظاهر العبارة هو عدم اشتراط إنكار الضّروريات و لو مع العلم بكونها من الدّين بلا إضرار مطلقا في إنكارها، و أنت خبير بأنّ الإنكار مع العلم بذلك مستلزم لتكذيب النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) المساوق لإنكاره و عدم الإيمان به، فكيف يكون هذا الوجه أقوى؟ بل المتعيّن هو التّديّن بكلّ ما علم ثبوته من الدّين بالمعنى الّذي قدّمناه و لو لم يكن من ضروريّاته، بداهة مساوقة ذلك للإيمان بالنّبي (صلى اللَّه عليه و آله)، و عدم لزوم التّديّن به فيما لم يعلم إجمالاً كما مرّ، و لو كان ضروريّاً؛ و أظنّ انّى بكون كلمة «و لا بشرط ذلك» بعد قوله «فلا يضرّ إنكارها- إلخ-» غلطا من النّاسخ، أو من قلمه الشّريف، و يشهد به قوله «ثم الأوسط» إذ على تقدير صحّتها يلزم تردّده بين الوجهين و لو كان إضافيّا، و إرادة الإثنين لو كان حقيقيّاً، و كلاهما بعيدان إلى الغاية، كما لا يخفى.

قوله (قده): و لذا ادّعى غير واحد في مسألة التّخطئة و التّصويب- إلخ-.

لا يخفى انّ مسألة المعذوريّة و عدمها، ليست شرعيّة، بل عقلية محضة يتوقّف عدم المعذوريّة و استحقاق العقوبة على إتمام الحجّة، و بدونه يكون معذوراً عقلاً، كان الخطاء في الاعتقاديّات أو غيرها، و قد مرّ غير مرّة انّه لا وجه لدعوى الإجماع في مثلها. و من الواضح انّه ليس الأمر في الاعتقاديات بواضح، كي يكشف الخطاء عن التّقصير في الاجتهاد فيها، بل و لا بأوضح من العمليّات، فكيف يكون المخطئ فيها معذوراً دونها، و الظّاهر انّه ليس المراد بالمجاهدة في الآية «و الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا» (1)، الاجتهاد بمعنى النّظر في الأدلّة، كما هو المراد في مسألة التّخطئة و التّصويب، بل يكون‏

____________

(1)- العنكبوت- 69

173

المقصود منها تهذيب الأخلاق و المجاهدة مع النّفس في ترك العمل بمشتهياته الّذي هو أكبر من الجهاد، و لا شبهة انّ الإنسان لو جاهد كذلك في اللَّه، و اللَّه يهتدى إلى السّبيل، و لا يحتاج إلى الدّليل، و لكنّه قليل، فمن لم يقصر في مقام الاجتهاد، و لم يأخذه التّعصب و العناد، و حماية طريقة الآباء و الأجداد، فهو معذور فيها يؤدّى إليه دليله و برهانه عقلاً و نقلاً «لا يكلّف اللَّه نفساً إلاّ وسعها» (1)، ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، إلاّ انّ هذا مقام من مزالّ الإقدام، إذ ارتكاز العصبيّة و الحميّة في الأذهان أخفى من دبيب النّمل على الصّفا في ليلة الظلماء، حيث انّ الإنسان و ان كان في مقام الاجتهاد صار بصدد ان لا يكون عصبيّة و عناد في طلب الحق و حميّة بقول مطلق، إلاّ انّ حبّ طريقة السّلف للخلف قلّ ان يتخلّف و نعم قيل بالفارسيّة (با شير اندرون شود و با جان بدر شود) و حبّ الشي‏ء يعمي و يصمّ، و لذا ترى قلّة آراء الاجتهاد إلى الاعتقاد بغير طريقة الآباء و الأجداد، فعلى الإنسان كمال التّصفية و التّزكية عن العصبيّة في مقام تحصيل الاعتقاد و إن كان هو أكبر من الجهاد، كي يكون طالباً للحقّ في الحقيقة، و ان كان غير ما هو عليه من الطّريقة، لا طالباً لأن يكون هو الحقّ.

و من هنا يمكن ان يدّعى انّ المخطئ في الاعتقاديّات غير معذور غالباً، ذلك حال الملتفت البالغ درجة الاجتهاد، فما ظنّك بالغافل أو القاصر عن درجته، و مثلها في الأشخاص من العوام، بل الخواصّ أيضاً كثير جدّاً، و هذا لا ينافي ترتيب أحكام الكفر عليهم من النّجاسة و عدم جواز المناكحة و المواريث و المقاتلة (2) معهم، لأنّها حدود دنيويّة قضيتها مصالح و لو كانت علينا خفيّة.

ان قلت: نعم، و لكنّه ينافيه ما دلّ عليه الآيات و الأخبار من خلود الكفّار في النّار.

قلت: مضافاً إلى منع ظهورها في خلود الجميع بدعوى انصرافها إلى خصوص المعاندين الجاحدين أو المنافقين، انّ غاية الأمر هي ظواهر لا بدّ من رفع اليد عنها بحكم العقل، و صريح النّقل.

ان قلت: هل لهم في الآخرة من نصيب؟

قلت: الظّاهر حسبما يشهد به الاعتبار، و يساعده بعض الاخبار، اختلاف هؤلاء في‏

____________

(1)- البقرة- 286

(2)- خ ل: المعاملة

174

الآخرة، فمن كان قصوره لدناءة ذاته و خساسة فطرته و خبث باطنه، فطبع على قلبه و سمعه و بصره، لم يكن له في الآخرة من نصيب «من كان في هذه الدّنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى» (1). و من كان قصوره لا لذلك، بل لأمور غريبة خارجيّة، و إلاّ كان من أجل شرافة ذاته و حسن باطنه، ذا أخلاق كريمة و صفات حميدة، يطلب الحقّ و يحبّه و ان لم يعرفه، فهو ممّن يرجى له الرّحمة من ربّه على حسب اختلاف طبقاته «النّاس معادن كمعادن الذّهب و الفضّة» كما في الخبر، و السّر في ذلك انّ المدار انّما يكون على التّديّن و الإقرار بالحقّ تفصيلاً إذا علم، و إجمالاً فيما لم يعلم، بسيطاً أو مركّباً من جهة الخطاء في التّطبيق، بحيث كان تديّنه به لكونه الحقّ، لا انّه يتديّن به و يحبّ ان يكون هو الحقّ لا غيره، فافهم، و اللَّه هو العالم بما يعامل به من عباده في الآخرة.

ثمّ لا بأس بالإشارة إلى ما لا بدّ منه في تحقّق الإيمان على نحو الإجمال ممّا يعمل بالجوارح و الأركان، أو ممّا يتعلّق بالقلب و الجنان من التّديّن و الاعتقاد بما لَه من الخصوصيّة من المتعلّق و السّبب و المرتبة؛ فاعلم انّ الظّاهر اختلافه بحسب ما له من الآثار الدّنيويّة و الأخرويّة، و كذا الكفر الّذي مقابله، و كفاية إقرار الإنسان بالتّوحيد و النّبوة باللّسان، و عدم إنكاره ما علم انّه جاء به النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) في الخروج عن حدود الكفر في- الدّنيا في الجملة، و ان لم يعترف و يعتقد بهما بقلبه، بل و إن اعتقد خلافهما، كما يظهر من معاملة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) مع المنافقين معاملة المسلمين، في الطّهارة و النّكاح و الميراث و غيرها، و ان كانوا في الآخرة أسوأ حالاً من الكافرين، كما أشرنا إليه. و الظّاهر عدم اختصاص ذلك بصدر الإسلام، لأجل التّوصّل به إلى زيادة شوكة له، لعموم العلّة لغيره، و ان كان به مزيد اختصاص و هو لا يوجب الاختصاص، كما لا يخفى. و عدم كفاية ذلك في الخروج عن الكفر في الآخرة، بل لا بدّ فيه من الإقرار و الالتزام قلباً، بعد الاعتقاد و القطع بكلّ ما استقلّ العقل بوجوب معرفته، أو دلّ النّقل، و قد عرفته مفصّلاً. و لا يكفى الظّنّ به و لو كان من الخبر، للتّمكن من تحصيل الاعتقاد و القطع عقلاً و نقلاً، كما قال اللَّه تعالى: «إنّ الظّنّ لا يغنى عن الحقّ شيئاً» (2) و «لا تقف ما ليس لك به علم» (3) و غيرهما

____________

(1)- الإسراء- 72 (من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى- الآية-).

(2)- النّجم- 28

(3)- الإسراء- 36

175

من الآيات و الرّوايات، و عدم صدق العناوين فيهما بدونه. هذا ما يعتبر فيه من فعل القلب بما له الخصوصيّة بحسب المتعلّق و الرّتبة.

و امّا بحسب السّبب فلا يعتبر كون حصوله أو تحصيله بسبب دون آخر، بل المدار على حصوله و إن كان من الأخذ بقول الغير بسبب حسن الظّنّ به من دون نظر إلى دليل آخر، لاستقلال العقل به و إطلاق النّقل، و ظهور ما دلّ منه على وجوب النّظر في وجوبه مقدّمة لحصوله، فلا وجوب له مع حصول ذي مقدّمته، مع انّه يعمّ مثل ذلك فانّه نحو من النّظر و الاستدلال بترتيب ما ارتكز من المقدّمات على نحو الإجمال، لوضوح انّ حصوله بدون ذلك من المحال، و لا دليل على وجوبه مستقلاّ بعد عدم اعتباره فيه، بل بعد حصول المعرفة لا معنى للنّظر و ترتيب المقدّمات، لأنّه على تقدير الانتهاء إليها من قبيل اللّغو أو تحصيل الحاصل، و على تقدير عدمه يكون عنده من الباطل، و رجاء التّغيّر و تبدّل المعرفة بالعلم بالنّتيجة على هذا التّقدير، مع انسداد بابه بالنّسبة إليه، لا يوجبه إلاّ فيما أحرز بطلان هذه المعرفة، و صحّة نتيجة ما يقيمه من البرهان. و كلام شيخ الطّائفة (ره) ظاهر في الأخذ بقول الغير من غير جزم، فافهم.

ثم الظّاهر كفاية ذلك من دون اعتبار إقرار باللّسان، أو عمل آخر بسائر الأركان فيه إلاّ من باب الكشف و الطّريقيّة، إذ لا طريق إليه بالنّسبة إلى من لم يحكم بإسلامه لدى الشّك، إلاّ ذلك غالباً. هذا، و ان قلنا بوجوب الإقرار به على المكلّف مستقلاً، و انّه فرض اللّسان.

و أنت إذا عرفت ذلك كلّه أمكنك التّوفيق بين كلمات المخالفة الواقعة في بيان حقيقة الإيمان، و انّها ليس اختلافهم في حقيقته، بل لاختلافه بحسب اختلاف الآثار و اختلاف أربابها في الأنظار؛ فنظر من اكتفي فيه بإقرار اللّسان، كما عن الخواجة (قده) في غير تجريده و نسب في شرحه للقوشجي إلى الكرامية إلى ما يوجب الخروج عمّا على الكافر مطلقا من الحدود الشّرعيّة؛ و من اكتفي بالاعتقاد بالجنان على ما يوجب الخروج عمّا عليه من الخلود في النّيران، و من اعتبر هما كالمحقق الطّوسي في التّجريد (1) إلى ما يوجب الخروج عمّا عليه في النّشأتين، و الفوز بسعادة الدّارين؛ إلى غير ذلك ممّا قيل في بيان حقيقته على ما في شرح التّجريد و غيره.

و يمكن ان ينزّل ذلك على ما لكلّ واحد من الكفر و الإيمان من الدّرجات، فأسفل‏

____________

(1)- التجريد- المسألة 15

176

الكفر الإنكار باللّسان و الجنان، و أعلى مراتب الإيمان الإقرار بهما مع العمل بالأركان، و عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) انّه قال: «لا يزني الزّاني حين يزني و هو مؤمن‏ (1)»، و ما بينهما من المراتب، فلا يخلو من عرق للكفر، و لا الإيمان يستتبعان ما لهما من الآثار الشّرعيّة الدّنيويّة، و الخارجيّة الأخرويّة، على الاختلاف حسب تفاوتهما في ذلك، كما لا يخفى.

قوله (قده): و التّحقيق انّ إمساك النّكير لو ثبت- إلخ-.

هذا مع انّ العفو، بمعنى رفع اليد عمّا يوجب استحقاق العقوبة مع ثبوت مقتضية و ان كان يوجب إمساك النّكير، إلاّ انّه لعدم المقتضى له حيث لا منكر حينئذ، فيدلّ على عدم الوجوب فعلاً مع ثبوت مقتضية؛ و بمعنى رفع اليد عن العقوبة مع ثبوت ما يوجب استحقاقها، لا يوجب الإمساك أصلاً، ضرورة ترك النّظر عنه مع ذلك قبيح و معصية يستحقّ الذمّ عليه من العقلاء، و العقوبة من المولى، كما إذا لم يكن منه عفو عنها، و عدم عقوبة المولى على معصية و عفوه لا يوجب تفاوتاً في طرف العاصي فيما يوجبه معصيته لولاه، من قطع المودّة و النّكير عليها، كما لا يخفى.

و الحاصل انّ الإمساك و عدم قطع الموالاة دليل على عدم وجوب النّظر مطلقا، إذا العفو عن تركه بالمعنى الأوّل و إن كان يجوز ذلك، إلاّ انّه كما عرفت يرفع وجوبه. و بالمعنى الثّاني غير مجوّز له، كما بيّنا، فلو كان النّظر واجباً كان المقتضى للإنكار و قطع الموالاة من الطّائفة الّتي لهم‏ (2) المعصوم. و من دونه موجوداً بلا مانع، فيكشف عدمها من عدمه، لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته، فافهم.

قوله (قده): و الفرق انّ فهم الأصحاب و تمسّكهم به- إلخ-.

انّما يكشف ذلك عن القرينة ظنّاً لو لم يكن احتمال انسباق هذا المعنى من نفس الخطاب إلى أذهانهم راجحاً أو مساوياً، كما لا يخفى. و كيف كان يكشف ظنّاً عن ظهوره فيه ظهوراً ذاتيّاً مستنداً إلى الوضع، أو عرضيّاً ناشئاً من القرينة ان لم نقل باتّباع أصالة عدم القرينة، لإحراز انّ الانفهام كان من نفس الكلام، لا من حال أو مقال، و إلاّ كان بضميمتها كاشفاً عن الظّهور الذّاتي مطلقا، كالتّبادر في سائر المقامات مع احتمال‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 76- 28

(2)- خ ل: فيهم.

177

استناده إلى القرينة أيضاً.

قوله (قده): خصوصاً مع عدم العلم باستناد المشهور إلى تلك الرّواية

(1)

- إلخ-.

أو رواية (2) أخرى مثلها مضموناً، بداهة انّ الاستناد إلى غيرهما و لو كان مرضيّا لا يجبر ضعف الرّواية، و لا يوجب الوثوق بصدور متنها أصلاً، لعدم ارتباط و ملازمة، كما لا يخفى. و امّا مع العلم باستنادهم إليها، أو مثلها، فالإنصاف انّه يكشف عادة عن احتفاف الرّواية بالقرينة المورثة للفتوى على طبقها، و الاتّفاق على العمل بها، مع ما هم عليه من الاختلاف كثيراً في الفتوى و تفاوت مشاربهم في مدركها في صورة الاتّفاق فيها من باب الاتّفاق، هذا فيما إذا علم الاستناد إليها واضح.

و امّا إذا تردّد بينه و بين الاستناد إلى مثلها، أو علم الاستناد إليه، فكذلك لا بدّ على كلّ حال من قرينة موجبة للعلم بصدور مضمونها بهذا السّند أو بغيره، لا أقلّ من كونها موجبة لغاية الوثوق به، إذ لولاه لكان هذا الاتّفاق مع ضعف الخبر و اختلافهم في مسألة حجّية الخبر الغير المقرون بها قريباً من المحال لو لم يكن بمحال، و مثله في الخبر لوهن الخبر بلا إشكال، إذ مدار الاعتبار لدى المشهور ظاهراً كان على الوثوق و الاطمئنان بصدور المضمون بهذه العبارة، أو بعبارة أخرى لا نعرفها، كما لا يخفى، و خلافهم في مسألة الحجّية و اعتبارهم الإيمان في الرّاوي على ما حكى، انّما هو في غير هذا الخبر، فراجع و تدبّر.

و العموم غير مفهوم من مثل قولهم ضعف الخبر مجبور بالشّهرة، لأنّه إطلاق ورد في موارد خاصّة لبيان جبر خبر خاصّ بشهرة خاصّة منزل على كونها ممّا تكون صالحة للجبر واقعاً، أو خطاء من المطلق بتوهّم استناد المشهور في هذا الفتوى إلى مثل المجبور.

و من هنا ظهر الفرق بين الانجبار بها في هذه الصّورة و ساير الأمارات الغير المعتبرة، و لا يخفى انّ ذلك ليس قولاً بحجّيّة الشّهرة، و لو في هذه الصّورة إذ بين حجّيتها و استكشاف الحجّة بها بملاحظة ما ذكرناه فرق واضح.

ثم انّه ظهر بما ذكرناه حال عكس المسألة، و هو وهن الخبر المعتبر بالشّهرة على خلافه و الإعراض عنها إلى الاستناد إليه، مع وجود ما به يكشف عن ظفرهم فيه بعيب بلا ريب، بل كلّما ازداد صحّة ازداد بذلك وهناً، لكن لا يخفى انّه ليس من ذلك أي الإعراض، ترجيح رواية أخرى ليست بمرتبة ذلك الخبر في الصّحة عليه دلالة فيتّبع ما يقتضيه النّظر

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 109

(2)- وسائل الشيعة: 18- 109

178

من التّوفيق و الجمع و لو على خلاف ما اشتهر، بل لو علم ذلك منهم بالنّسبة إلى خبر غير معتبر على ما بأيدينا من سنده لا يجبر إذ الجمع، و التّرجيح في الأخبار فرع الاعتبار، فيكشف ذلك عن الظّفر بما يوجب اعتباره.

و بالجملة المناط في الاستكشاف اعتناؤهم به في مقام الاستنباط و لو مع الاستناد في الفتوى إلى ما رجّحوا عليه سنداً و دلالة، بحيث لو لا معارضة الرّاجح لاستندوا إليه، كما هو واضح.

قوله (قده): فيكون النّهى عن القياس ردعاً لبنائهم- إلخ-.

إنّما يكون ذلك ردعاً لبنائهم لو كان بناؤهم على تعطيل الظّواهر بمجرّد مخالفة القياس بنفسه لا بوصفه و أجل اعتباره، و إلاّ كان عدم التّعطيل به لأجل خروجه بالنّهي عمّا به التّعطيل مع وصف اعتباره، و هذا ليس ردعاً لبنائهم على التّعطيل، بل ردعاً لبنائهم على اعتباره، و بينهما بكون بعيد، كما لا يخفى على المتأمّل.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا صحّ للقائلين لأجل الانسداد- إلخ-.

لا يخفى انّ ما ذكره انّما يفيد حجّية الظّنّ الشّأني مع ارتفاع الظنّ الشّخصي بمثل القياس الممنوع دخله في الشّريعة، إذا كان المصحّح لمنعه غلبة خطائه و كثرة مخالفته، لا وجود المصلحة في نهيه أو المفسدة في سلوكه، و إلاّ كان حال هذه الأمارة عند العقل، مع القياس حالها مع سائر الأمارات المانعة عن إفادة الظّنّ فعلاً و ان كان يتفاوت حاله و حالها في عدم اعتباره و اعتبارها. هذا و لو على القول بجريان دليل الانسداد في كلّ مسألة، فانّ المسألة الّتي يكون فيها أمارة مزاحمة بالقياس كمسألة لا يكون فيها أمارة فيؤخذ بالأصل الجاري فيها و لو كان على خلافها، كما لا يخفى.

قوله (قده): هذا كلّه مع استمرار السّيرة على عدم ملاحظة القياس- إلخ-.

يحتمل قريباً ان يكون ذلك لكونهم أرباب حجّية الأمارات من باب الظنّ الخاصّ بغير دليل الانسداد، و معه لا شهادة فيها على القول بحجّيتها من باب الظّنّ المطلق، و ليس القائل بحجّيتها من هذا الباب من أصحاب السّيرة، إذ القول بها كذلك من المستحدثات في الأزمنة المتأخرة، ليس منه في كلمات السّابقين عين و لا أثر، إلاّ على نحو الاحتمال و التّعليق على نحو المحال، و الإشارة إلى حجّية الاخبار على كلّ حال.

179

قوله (قده): و لعلّ هذا الظّهور المحصّل من مجموع الأمارات العلاجيّة- إلخ-.

لا يخفى انّ المحصّل من المجموع ما لم يكن مفهوماً من واحد عرفاً، لم يكن بظهور و لا اعتبار لغيره و لو ظنّاً ناشئاً ممّا فيها من الإشعار. نعم لو كان المفهوم من المجموع على فرض الانضمام في كلام عرفاً شيئاً، كان بحكم الظّهور منه، لو لم يكن مفهوماً من واحد منهما بدون ضميمة ما عداه، و هذا غير الظّنّ الحاصل ممّا فيها من الإشعارات، من دون الانفهام عرفاً على فرض الانضمام أيضاً كما لا يخفى. لكنّه بناء على ان يكون المناط في الجمع بين المتعارضين دلالته يعمّ غيرهما، من دون اختصاصه بالمختلفين منهما في الظّهور و الأظهريّة، أو النّصوصيّة، بأن يكون المناط فيه هو معاملة أهل العرف مع كلّ كلامين منفصلين عن متكلّم واحد حقيقة أو حكماً، معاملة كلام واحد متّصل في اتباع ما يستفاد منهما لو كانا كذلك، كما يشهد به الإحتجاج به لدى الاحتياج في مقام المخاصمة و اللّجاج، و عدم قبول الاعتذار بعدم ظهور فيه لواحد منهما و لا إشعار إلاّ انّه ليس لمجموع الرّوايات هاهنا، غير ما يستفاد من كلّ واحد منها ظهوراً، أو إشعاراً، إلاّ الظّنّ الناشئ من الإشعارات فيها لو سلّم و لم يكن تلك الإشعارات مزاحمة بمثلها أو أقوى منها، كما بيّناه فيما علّقناه على مسألة التّعادل و التّراجيح من الكتاب. فكيف يحصل من المجموع دلالة لفظيّة تامّة.

و الحاصل انّه فرق واضح بين ان يكون لكلّ واحد منها مقدار من الإشعار، من دون ان يكون لمجموعها على تقدير الانضمام، ظهور آخر؛ و بين ان يكون لمجموعها على هذا التّقدير، ذلك و لو لم يكن لواحد منها إشعار، و الأوّل ليس من باب الدّلالة اللّفظيّة، و لو كان مجموع تلك الإشعارات مورثة للظّنّ؛ و الثّاني من هذا الباب و لو لم يكن بمجموعها مورثة له، بل و لو لم يكن في واحد منها إشعار، و غاية ما يسلّم انّ ما يكون عليه هذه الأخبار، هو الأوّل، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و المرجّحات المنصوصة في الأخبار غير وافية- إلخ-.

لا يخفى ثبوت تلك المرجّحات بين غالب الرّوايات المتعارضات، بحيث لا يبعد أن يكون ما لم يكن بينها ترجيح بحسبها في غاية القلّة، مع انّه لو سلّم كثرة ذلك، فلم يثبت لزوم التّرجيح مطلقا و لو بغيرها، و الثّابت انّما هو التّرجيح بها، و التّخيير في موارد فقدها بحكم إطلاق التّخيير في غير واحد من الأخبار، للاقتصار على القدر المعلوم من تقييد الإطلاق، و معارضة أخبار التّرجيح بعضها مع بعض؛ بل عدم العمل بالبعض كالمقبولة (1) لو سلّم و لم يكن بينها جمع مقبول بحسب الدّلالة عرفاً، لا يوجب التّعدّي عنها إلى غيرها،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 75

180

و التّنزّل إلى الظّنّ بمرجّحيّة الشّي‏ء، بل يوجب التنزّل إلى الظّنّ في تعيين الرّاجح و المرجوح، و المقدّم و المؤخّر عنها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و ما كان من قبيل تعارض الظّاهرين مطلقا- إلخ-.

بل ما كان من قبيل تعارض الظّاهرين، كانا عامين من وجه أو متباينين، ليس أيضاً مورداً للتّرجيح، و التّخيير، أو التّساقط و الرّجوع إلى الأصول إذا كان له، مع فرض الجمع في كلام واحد ظهور، إذ معه يجب ان يتّبع هذا الظّهور، و يبنى عليه إذا كانا صادرين كذلك، كما أشرنا إليه في الحاشية الّتي قبل الحاشية السّابقة، و قد فصّلنا القول فيه فيما علّقناه على مسألة التّعادل و التّراجيح، فيكون موارد وجوب التّرجيح قليلة لا بدّ من مراعاة المرجّحات، للمنصوصة فيها و الأخذ بالرّاجح بحسبها و التّخيير فيما إذا لم يكن في البين رجحان لأحد المتعارضين، لفقدها أو لفقد المزيّة بها في أحدها، كما أشرنا إليه و إلى وجهه في الحاشية السّابقة، و هو لزوم اتّباع إطلاق اخبار التّخيير في موارد فقدها و التّنزّل إلى الظّنّ في تعيين الرّاجح منها فيما إذا كان كلّ منها واجداً لواحدٍ منها بمقدّمات الانسداد، لثبوت التّكليف بالتّرجيح بأحدهما على الإجمال و انسداد باب العلم و ما بحكمه بتعيينه، و لا أصل يرجع إليه في ذلك إن لم نقل بعدم التّكليف بالتّرجيح حينئذ، و انّ التّرجيح بكلّ واحد منها، إنّما هو فيما إذا كان أحد المتعارضين فاقداً لجميعها، فانّه مع ثبوت التّكليف بالتّرجيح يجب التّنزّل إلى الظّنّ و تعيين المرجّح منهما عند المزاحمة، و بدونه لا وجه لتعيين ما وافق الأصل، أو عموم الكتاب، أو السّنّة منهما، أو الرّجوع إلى أحدهما، بل المرجع هو إطلاقات التّخيير، كما لا يخفى.

قد وقع الفراغ لمؤلّفه الآثم محمد كاظم، في سادس شهر شوّال المكرّم في سنة اثنين بعد الألْف و ثلاثمائة من الهجرة النّبويّة، على هاجرها ألف صلوات و تحيّة.

181

المبحث الثّالث في أصالة البراءة

182

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

183

بسم اللَّه الرحمن الرّحيم

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على أشرف الأنبياء و المرسلين و آله الطّيّبين الطّاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم و مخالفيهم و معانديهم أجمعين إلى يوم القيامة امّا بعد، فهذه وجيزة لطيفة، مشتملة على نكات شريفة من شتات فوائد استفدتها من الأساتيذ، و متفرّقات عوائد أخذتها من أفواه الأسانيد، و زوائد ظفرتُ عليها في البحث و غيره بالفكر الصّائب، و النّظر الثّاقب، و قد تركها الأوائل للأواخر، و كم ترك الأوّل للآخر علّقتها على رسالة أصالة البراءة من رسائل استنادنا الأعظم و مولانا الأفخم، آية اللَّه في الورى، الشّيخ مرتضى طاب اللَّه ثراه، و جعل الجنّة مثواه؛ إجابة لالتماس جمّ من أفاضل الطّلاب ممّن قرأ عليّ الكتاب، و ساعدهم من أعاظم الأصحاب، و أرجو اللَّه ان ينفع بها و أخواتها ممّا علّقت على حجّية القطع و الظّنّ، و التّعادل و التّرجيح، و الاستصحاب، و إن لم يجزل لنا الثّواب، انّه خير من أعطى و أجود من أثاب.

قوله (قده): المكلّف الملتفت- إلخ-.

ثمّ الظّاهر انَّ المراد من المكلّف هنا، انّما هو من كان يصلح شرعاً لأن يحكم عليه بالاحكام، لا من تنجّز عليه التّكليف، و إلاّ لما صحّ جعله مقسماً لمن كان مرجعه البراءة، كما لا يخفى؛ فذكر الوصف للاحتراز و التّوطئة لذكر الأقسام، إذ لا مجال لها بدون الالتفات.

184

قوله (قده): موقوف على وقوع التّعبّد- إلخ-.

شرعاً كان التّعبّد به، كما في الظّنون الخاصّة و الظّنّ المطلق على تقرير الكشف، أو عقلاً كما فيه على تقرير الحكومة، فلا تغفل.

قوله (قده): لم يعقل فيه- إلخ-.

لاستواء نسبته إلى طرفيه فترجيح أحدهما بلا مرجّح، و التّرجيح في الاستصحاب بناء على التّعبّد، انّما هو للعلم بوجوده سابقاً و هو ممّا لا ينقض بالشّك، فافهم.

قوله (قده): فلو ورد في مورده حكم- إلخ-.

أقول: لكنّه يرد على أنحاء من مراعاة الواقع فيه مطلقا كما في الاحتياط، أو في الجملة كما في الاستصحاب إذا أصاب، فانّ الحكم بهما إنّما هو لتنجّز التّكليف في موردهما لو كان، كما سنحقّقه إن شاء الله تعالى، أو عدم مراعاته أصلاً كما في الإباحة في الشّبهة الوجوبيّة و التّحريميّة.

قوله (قده): حكماً ظاهريّاً لكونه- إلخ-.

الظّاهر انّ مرادهم من الحكم الظّاهري، هو خصوص ما يؤدّى الطّريق إلى كونه حكماً واقعيّاً، لا كلّ حكم عمليّ و لو كان في قبال الواقع، و كيف كان فالأمر فيه سهل.

قوله (قده): يظهر لك وجه تقديم- إلخ-.

و مجمل الكلام في تقديم الدّليل على الأصل هو انّه إمّا وارد عليه برفع موضوعه حقيقة، كما هو الحال في الدّليل العلمي بالنّسبة إلى الأصل العملي مطلقا، أو الدّليل مطلقا بالإضافة إلى خصوص أصل كان مدركه العقل، فانّ موضوع حكم العقل بالبراءة أو الاحتياط أو التّخيير يرتفع حقيقة بقيام الدّليل المعتبر حقيقة، بداهة صلاحية للبيان و لحصول الأمان من العقاب و للمرجحيّة.

و إمّا حاكم عليه برفع موضوعه حكماً، كما هو الحال في الدّليل الغير العلمي بالنّسبة إلى كلّ أصل كان مدركه النّقل.

و من المعلوم انّه لا منافاة بين الوارد و المورود، و كذا بين الحاكم و المحكوم، فانّ الحاكم بمنزلة الشّارح لما هو المراد ممّا له من إطلاق أو عموم، و قد فصّلنا الكلام في شرح معنى‏

185

الحكومة و كيفيّة حكومة الدّليل على الأصل بما لا مزيد عليه فيما علّقناه سابقاً على أواخر الاستصحاب و أوائل التّعادل و التّرجيح من الكتاب فلا نعيد.

هذا في دفع المنافاة بين الدّليلين، و امّا دفعه بين نفس الحكمين فقد أشبعنا المقال فيه بعد توضيح الحال فيما في الجمع بينهما من وجوه الإشكال فيما علّقنا على حجّية الظّن عند كلامه (قده) في ردّ ابن قبة، فليراجع.

قوله (قده): لا ينفع بعد قيام الإجماع- إلخ-.

إذ معه لا يجوز تخصيص دليل الأمارة بدليل الأصل بأن يعمل بالأصل في مورد التّعارض دون الدّليل، للزومه الفصل، بخلاف العكس فيتعيّن. و بالجملة فالدّليلان و ان كان بينهما عموم و خصوص من وجه بحسب الشّمول، إلاّ انّه لا محيص عن معاملة العموم المطلق لوجود ما هو الملاك فيه هاهنا و عدم جواز التّخصيص إلاّ في خصوص أحدهما بعينه هذا.

قوله (قده): توضيح ذلك- إلخ-.

ذلك إشارة إلى أصل توجيه كون إطلاق إطلاقه المخصّص و المخرج على الدّليل على الحقيقة، فلا تغفل.

قوله (قده): و لذا اشتهر انّ علم المجتهد- إلخ-.

يعنى لأجل انّ مفاد دليل الاعتبار ليس إلاّ حكماً ظاهريّاً اشتهر انّ علم المجتهد بالحكم مستند إلى هذا القياس الغير المنتج، إلاّ للحكم الظّاهري، حيث أخذ في موضوع الكبرى عدم العلم كما هو الشّأن في الأحكام الظّاهريّة، كما لا يخفى. و من المعلوم انّه لو كان مفاده حكماً واقعيّاً لكان ما يترتّب عنده من القياس غير منتج إلاّ حكماً واقعيّاً، كما هو واضح.

قوله (قده): و اعلم انّ المقصود- إلخ-.

و ذلك لأنّ الكتاب في الأصول فلا يتكفّل إلاّ بيان ما يجدى المجتهد في مقام الاستنباط ممّا يعمله في طريق استنباطه للحكم الشّرعيّ من دليله، أو ما يستريح إليه بعد الفحص و اليأس عنه و ليس مفاد الأصول في الشّبهات الموضوعيّة ممّا يعمل في طريق استنباط

186

حكمها، و لا ممّا ينتهى إليه بعد اليأس عن الدّليل فيها، بل هو بنفسه الحكم المستنبط المعمول به ظاهراً، فليتفطّن.

قوله (قده): و الأوّل امّا ان يدلّ دليل عقليّ- إلخ-.

فلا ينتقض بما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر كما انتقض به ما ذكر ضبطاً في أوّل الرّسالة من العبادتين، فانّ العقل مؤيّداً بالنّقل دلّ على ثبوت العقاب على مخالفة الواقع، لكنّه ينتقض أيضاً بما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة، فإنّ مقتضاه التّخيير حيث لا يمكن فيه الاحتياط، و مختاره فيه البراءة، و قد فصّلنا الكلام في النّقض و الإبرام فيما علّقناه على أوّل الرّسالة، فليراجع.

قوله (قده): و مدار الثّلاثة- إلخ-.

فهي جارية فيما إذا كانت له حالة سابقة غير ملحوظة، و يجري فيه الاستصحاب لو كانت ملحوظة فالمورد الواحد إذا كانت له حالة سابقة يصلح له و لها و ان كان لا يجري فيه فعلاً إلاّ هو، أو واحدها، كما لا يخفى.

قوله (قده): بناء على تواتر القراءات- إلخ-.

و جواز الاستدلال بكلّ قراءة كما ثبت جواز القراءة بها، فلا تغفل.

قوله (قده): و فيه انّها غير ظاهرة- إلخ-.

أقول: و انّما تكون ظاهرة لو كان الإيتاء حقيقة في الاعلام، أو كان كناية عنه في المقام، مع انّه حقيقة في الإعطاء، و لا يكاد يصحّ ان يكون كناية إلاّ إذا أريد من الموصول حصول الحكم و التّكليف، و هو ينافي مورد الآية (1) كما أفاده (قده).

قوله (قده): و هذا المعنى أظهر و أشهر

(2)

- إلخ-.

وجه الأظهريّة انّ التّصرف بالحمل على المعنى الكنائي أقلّ مئونة و أكثر تداولاً في‏

____________

(1)- البقرة- 286

(2)- و في المصدر: ... و أشمل.

187

المحاورات من التّصرف بالتّقدير، مع انّ الآية (1) في مقام المنّة، و الأنسب به العموم و عدم الاختصاص بخصوص الإنفاق، فليتدبّر.

قوله (قده): إذ لا جامع بين تعلّق التّكليف- إلخ-.

فانّ تعلّقه بالحكم على نحو التّعلّق بالمفعول المطلق، و بالفعل على نحو المفعول به، و هما ممّا لا يحويهما بحسب الخارج تعلّق جامع، فإذا لم يعلق بحسب الخارج تعلّق جامع نحويهما لا يمكن أن يراد من الموصول ما يجمع بين المتعلّقين بحسب المفهوم، بل لا بدّ من أن يراد منه كلّ منهما بخصوصه ليصير بمنزلة لفظين بإزاء متعلّقين تعلّق الفعل بأحدهما تعلّقه بالمفعول المطلق، و بالآخر تعلّقه بالمفعول به، فلا جدوى في حصول الجامع بحسب المفهوم بعد عدم إمكان إرادته، كما لا يخفى.

و لا يذهب عليك انّه يمكن منع كون تعلّقه بالحكم على نحو تعلّقه بالمفعول المطلق، إذا لوجوب و الحرمة الواقعيّان يتنجّز ان لم يندرجا تحت التّكليف لغة، فيكون تعلّق تكليف اللَّه بالموصول المراد منه ما يعمّهما على نحو المفعول المطلق أيضاً، بل انّما تعلّقه بهما على نحو تعلّقه بالفعل، و يكون المعنى انّه تعالى لا يكلّف عبده في كلفة شي‏ء أصلاً، حكماً كان بان ينجّزه و يعاقب على مخالفته، أو فعلاً بأن يأمر به، إلاّ ما آتاه بالإعلام بالنّسبة إلى التّكليف و بالإقدار بالإضافة إلى الفعل، و إرادتهما من الإيتاء ليس باستعماله فيهما، بل على نحو الكناية، فليتأمّل.

قوله (قده): لأنّ نفس المعرفة- إلخ-.

الظّاهر انّ المراد من المعرفة، المعرفة التّفصيليّة، فإنّه غير مقدور لعامّة النّاس إلاّ الأوحدي منهم قبل تعريف اللَّه سبحانه بإرسال الرّسل و إنزال الكتب، لا المعرفة على نحو الإجمال، فإنّه يكون مقدوراً لغالبهم، هذا.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا ظهر حال التّمسك- إلخ-.

و انّه كيف يجوز التّمسك بها، مع أنّ ترك ما يحتمل التّحريم ممّا في وسع المكلّف، كما لا يخفى.

____________

(1)- البقرة- 286

188

قوله (قده): و فيه انّ ظاهر

(1)

الإخبار- إلخ-.

أقول: فيه تأمّل، بل منع، فانّ الأفعال المنسوبة إليه تعالى منسلخة غالباً عن الزّمان.

قوله (قده): فلا وجه للثّاني- إلخ-.

لأنّه لا يدلّ على عدم التّكليف إلاّ إذا دلّ على نفي الاستحقاق، إذ لا ملازمة بين نفى فعليّة العقاب و نفيه كما في الظّهار، فمع تسليم دلالته على نفي الاستحقاق لا مجال للإيراد على الاستدلال بها لعدم الملازمة، و مع عدم التّسليم كيف الاستدلال بها للبراءة، فإنّ الملاك فيها انّما هو عدم الاستحقاق، فتدبّر.

قوله (قده): لأنّ الخصم- إلخ-.

لا يخفى انّ الخصم لا يدّعى إلاّ انّ حال الاقتحام في الشّبهة حال ارتكاب الحرام في انّه يستحقّ به العقاب، لا أنّه أشدّ منه و انّه يوجب فعليّته و أنّى له بإثباته، و ليس التّوعيد بالملاك في خبر (2) التّثليث إلاّ كالوعيد بأنحاء العقوبات في ارتكاب المحرّمات و اجتناب الواجبات في كونه من باب الإخبار بالشّي‏ء لقيام ما يقتضيه كما لا يخفى.

هذا، مع انّ الاستدلال بها على هذا ليس على نحو البرهان المنتج للقطع و الإذعان، بل على الجدل، و هو لا يجدى إلاّ إسكات الخصم.

اللّهم إلاّ ان يكون همّ القائل بالبراءة، هو الأمن من العقاب و لو مع استحقاقه، و الآية (3) تدلّ على نفيه و إن لم يكن دالّة على نفي الاستحقاق.

ثمّ لا يذهب عليك انّه مع هذا مع القائل بالاحتياط لفي شقاق و نفاق، فإنّه بصدد إثبات الاستحقاق و عدم نهوض ما يثبت به الأمن، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و فيه ما تقدّم في الآية

(4)

السّابقة- إلخ-.

و فيه ما تقدّم من منع الظّهور فانّ الأفعال المنسوبة إليه تعالى منسلخة غالباً عن‏

____________

(1)- و في المصدر: ان ظاهره الاخبار.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 114

(3)- التوبة- 115

(4)- الطلاق- 17

189

الزّمان.

قوله (قده): غير مستلزم‏

(1)

للمطلب المهم- إلخ-.

هذا، مع إمكان منع استلزامه له بالفحوى أيضا، لأنّ إضلاله تعالى عبده، إنّما هو بخذلانه- و سدّ باب التّوفيق بالطّاعة و التّأييد بالعبادة عليه و إيكاله إلى نفسه، و هذا لا يكون إلاّ بعد انقطاع الصّلاح و الفلاح عنه بالمرّة، و حينئذ يستحقّ العقاب الدّائمي و الخلود الأبدي، و مثل هذه المرتبة إذا لم يكن يستحقّها إلاّ بعد الهداية لا يلزم ان لا يستحقّ العقوبة على معصيته أصلاً إلاّ بعدها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و في دلالته‏

(2)

تأمل- إلخ-.

لاحتمال أن يكون واردة (3) في قضيّة خاصّة و هي غزوة بدر، و كان المراد من الهلاك هو القتل، و من البيّنة هي المعجزات الباهرة الظّاهرة من النّبي (صلى اللَّه عليه و آله)، فليراجع التّفاسير.

قوله (قده): و فيه إشارة إلى المطلب- إلخ-.

فيه تأمّل أيضاً، إذ لعلّ النّكتة في التّعبير به هو تلقين أن يجاد لهم بالّتي هي أحسن‏ (4)، فإنّ في التّعبير بعدم الوجدان من مراعاة الأدب، ما ليس في التّعبير بعدم الوجود، كما لا يخفى.

قوله (قده): و لا ريب انّ اللاّزم من العلم‏

(5)

- إلخ-.

لا ريب انّ مجرّد كون التّفصيل كذلك واقعاً، لا يوجب العلم بعدم كون المتروك محرّماً واقعيّاً ما لم يعلم به، و انّه تفصيل بجميع المحرّمات، و لم يظهر من الآية (6) انّهم كانوا

____________

(1)- و في المصدر: غير ظاهر الاستلزام.

(2)- و في المصدر: و في دلالتها تأمل.

(3)- الأنفال- 42

(4)- المستفاد من قوله تعالى «و جاد لهم بالّتي هي أحسن». النّحل- 125

(5)- و في المصدر: ان اللازم من ذلك العلم.

(6)- الأنعام- 119

190

عالمين به، فتوبيخهم انّما هو بمجرّد عدم كون المتروك في جملة ما فصّل و لو مع احتمالهم كونه من المحرّمات الواقعيّة و لم يفصّل بعد، فليتدبّر.

قوله (قده): مع انّ تقدير المؤاخذة- إلخ-.

هذا، مع انّ إسناد الرّفع إلى الحكم لمّا كان من قبيل الاستناد إلى ما هو له، لأنّه بنفسه ممّا يتطرّق إليه الجعل رفعاً و وضعاً، بخلاف إسناده إلى الموضوع، فانّه من قبيل الإسناد إلى غير ما هو له، حيث انّه بنفسه غير قابل لذلك، بل رفعه برفع آثاره، و لم يكن في البين إسناد واحد يجمع الإسنادين، لا يكاد ان يجوز ان يراد من الموصول معنى واحد يعمّ الحكم و الموضوع إلاّ ان يراد كلّ منهما منه مستقلاً كما في استعمال اللّفظ في المعنيين، و لا يجوز ان يصار إلى تقدير الأثر بالقياس إلى الحكم أيضاً لتوافق الموضوع في إسناد الرّفع لعدم ما كان يقتضيه في غيره فيه من دلالة الاقتضاء، لما عرفت من انّ الحكم بنفسه قابل للرّفع و الوضع، فكما انّ الحكم الشّرعي إذا كان مورداً للاستصحاب وجوداً و عدماً كان المقتضى استصحابه إثباته أو نفيه ظاهراً بنفسه، فكذلك إذا كان متعلّقا للرّفع في الباب؛ و كما كان استصحاب الموضوع موجبا لترتيب آثاره عليه، كذلك كان رفع الموضوع بمعنى رفع آثاره، فالبابان توأمان يرتضعان من ملاك واحد.

و من هنا انقدح انّه لا يحتاج إلى أثر شرعيّ في التّكليف على تقدير شمول ما لا يعلمون‏ (1) له، بل بنفسه يرتفع ظاهراً، و به يدفع إيجاب الاحتياط المصحّح للعقاب عليه الّذي كان للشّارع على تقدير عدم رفعه التّكليف ظاهراً. اللّهم إلاّ أن يراد من الموصول هو الحكم ليس إلاّ، لكنّه أعمّ من ان يكون منشأ الجهل به، هو فقدان النّص أو إجماله، أو اشتباه الأمور الخارجيّة، و عدم تميز عنوان الموضوع، و عليه يكون إسناد الرّفع في الشّبهة الموضوعيّة أيضاً إلى الحرمة ابتداء، من دون حاجة إلى تقدير، لكنّه يوجب اختلاف ما لا يعلمون مع إخوته في النّسق، لوضوح انّ الإكراه و الاضطرار إنّما يتعلّقان بالموضوع لا بالحكم، فتدبّر.

ثمّ انّه قد أجيب ممّا ذكره (قده) من الوجهين لعدم الشّمول للحكم، بأنه لو أريد من الموصول الفعل الواجب أو المحرّم بما هو واجب أو محرّم، لم يكن مانع عن عمومه للشّبهات‏

____________

(1)- وسائل الشيعة 11- 295- ح 1

191

الحكميّة أيضاً، فانّ الواجب أو المحرّم الّذي لا يعلم، سواء كان الجهل بعنوانه كما في الشّبهات الموضوعيّة، أو بحكمه مع معلوميّة كما في الحكميّة منها، يكون المؤاخذة على نفسه، و يكون فعلاً للمكلّف، فحينئذ يكون حال ما لا يعلمون كسائر أخواته.

قلت: لا يخفى انّ إرادة ذلك و إن كان يوجب ان يكون حاله كحالها فيما ذكر، إلاّ انّه لا يوجب اتّحاد السّياق معها، فإنّ الإكراه و الاضطرار إنّما يتعلّقان بالافعال لعناوينها، لا بما هي واجبة أو محرّمة، كما لا يخفى؛ فالموصول فيما اضطرّوا و ما استكرهوا (1) عبارة من الأفعال بعناوينها، بخلافه فيما لا يعلمون، فانّه يكون عبارة عنها بما هي واجبة أو محرّمة.

هذا، مع انّ الآثار بناء على تقديرها ليست آثاراً لها إلاّ بعناوينها، لا بما هي محكومة بالوجوب أو الحرمة، كما لا يخفى.

قوله (قده): و الحاصل انّ المقدّر- إلخ-.

هذا تمهيد لتسجيل الإيراد على الاستدلال بالحديث باستظهار ما علّق عليه من تقدير المؤاخذة من بين الاحتمالات، و تعيّنه بحسب ما هو الظّاهر منه عرفاً، فيكون قوله «فإذا أريد من الخطاء- إلخ-» تفريعاً على هذا التّمهيد، و استنتاج ما جعله مانعاً عن الاستدلال على نحو التّنجيز بلا تقدير و تعليق، لا تفريعاً على قوله «لأنّ الظّاهر انّ نسبة الرّفع- إلخ-»؛ لعدم اقتضائه إلاّ ان يكون المؤاخذة هو المقدّر في الجميع، لا انّ المؤاخذة إذا كانت في البعض على نفسه، فليكن فيما لا يعلمون كذلك، كما هو ظاهر التّفريع، فتدبّر.

قوله (قده): و هذا أقرب عرفاً- إلخ-.

و إن كان الأوّل أقرب اعتباراً، إلاّ انّه لا اعتبار به في أقربيّة المعنى المجازي من بين المعاني المجازيّة الموجبة لتعيّنه من بينها إذا تعذّرت الحقيقة، إذ من المعلوم انّه ليس المدار في الباب إلاّ الظّهور العرفيّ، و هو يحصل، بما كان اقرب عرفاً، لا بمجرّد الاعتبار، فلا تغفل.

قوله (قده): لأنّ نسبة

(2)

الرّفع- إلخ-.

و تقدير الأثر الظّاهر في كلّ يوجب ان لا يكون نسبة الرّفع على نسق واحد لوضوح‏

____________

(1)- وسائل الشيعة 11- 295- ح 1

(2)- و في المصدر: لأن الظاهر ان نسبة الرفع.

192

اختلاف التّسعة فيه، فانّ الأثر الظّاهر في بعضها هو خصوص التّكليف كالحسد، و في الآخر الوضع وحده كالتّطيّر، أو مع التّكليف كما في الخطاء و النّسيان و أخواتهما، فتدبّر.

قوله (قده): نعم يظهر من بعض‏

(1)

الأخبار- إلخ-.

ما يظهر من الخبر لا ينافي تقدير خصوص المؤاخذة مع تعميمها إلى ما كانت مترتّبة عليها بالواسطة، كما في الطّلاق و الصّدقة و العتاق، فإنّها مستتبعة إيّاها بواسطة ما يلزمها من حرمة الوطء في المطلّقة، و مطلق التّصرف في الصّدقة و المعتق. و بالجملة لو كان المقدّر هو المؤاخذة النّاشئة من قبلها بلا واسطة أو معها، لا ينافيه ظاهر الخبر فيوجب تقدير جميع الآثار، فتدبّر.

قوله (قده): فلعلّ نفي الآثار

(2)

- إلخ-.

لا يخفى انّ الظّاهر انّ هذه الثّلاثة قطعه ممّا كان كلام النّبي‏ (3) (صلى اللَّه عليه و آله) قد اقتصرت عليها الإمام (عليه السلام)، لأنّها كانت محل الاستشهاد، فكيف يمكن التّفكيك بينها و بين باقيها بتقدير جميع الآثار في خصوصها، مع انّها لو كانت مستقلّة بكلام يظهر من استشهاده (عليه السلام) انّ مثل هذا التّركيب ظاهر في رفع جميع الآثار، كما لا يخفى، و لعلّه (قده) أشار إليه بامره بالتّعقل، فليتدبّر.

قوله (قده): أشكل الأمر- إلخ-.

الإشكال من وجهين: (أحدهما) انّه ظاهر في اختصاص الرّفع بأمته صلى اللَّه عليه- و آله، و العقل يستقل بقبح المؤاخذة مطلقا في بعضها. (و ثانيهما) ظهور الحديث في كونه في مقام الامتنان و المنّة على الأمّة، و هو لا يتأتّى في رفع ما يستقلّ العقل بقبح المؤاخذة عليه، كما لا يخفى.

____________

(1)- المحاسن- 232

(2)- و في المصدر: فلعل نفي جميع الآثار.

(3)- المحاسن- 232

193

قوله (قده): شطط من الكلام- إلخ-.

بداهة انّ ضمّ ما لا مدخليّة له أصلاً فيما هو بصدده من بيان ما في رفعه الامتنان على خصوص أمّته به قبيح بلا نهاية، و فضيح بلا غاية.

قوله (قده): و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون- إلخ-.

ربّما يشكل التّوفيق بين منع استقلال العقل بالقبح، و الاستدلال بقاعدة قبح العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان على البراءة، كما سيجي‏ء منه.

و الجواب عنه انّه ليس المنع بمجرّد إمكان الاحتياط بل مع إيجابه، و معه ليس العقاب على التّكليف المجهول بلا بيان، فانّه يصلح للبيان المجوّز للمؤاخذة، كما يشهد به مراجعة الوجدان، فاختصاص هذه الأمّة برفع المؤاخذة على ما لا يعلمون و نظائره، و المنّة عليهم بذلك إنّما هو لعدم إيجاب ما يوجبها و يصحّحها عقلاً، مع انّ المقتضى له موجود، و سيشير إلى انّ الرّفع في الرّواية أعمّ من الدّفع.

ان قلت: كيف يكون إيجاب الاحتياط بياناً للتّكليف المجهول و موجباً لصحّة المؤاخذة عليه و إيجابه النّفسي لا يوجب المؤاخذة إلاّ على مخالفته، لا على تكليف آخر، كما سيجي‏ء منه الاعتراف، و لا وجه لإيجابه الغيري مقدّمة له، فانّ الوجوب الغيري يكون تبعا للغير وجوداً و عدماً و تنجّزاً، فكيف يصحّ إيجابه كذلك لذلك و لم يعلم بعد وجوب الغير فضلاً عن تنجّزه.

و منه انقدح عدم صحّة إيجابه إرشاداً، فانّ الطّلب الإرشادي أيضاً فرع ما يرشد إليه إيجاباً و استحساناً و تنجّزاً، من دون تأثير له في تنجّز ما ليس مع قطع النّظر عنه بمنجّز، بل إنّما هو لمجرّد إراءة الواقع بلوازمه و آثاره من الثّواب و العقاب، و المصالح و المفاسد الأخرويين و الدّنيويين جواب اختلاف المقامات.

قلت: الأمر بالاحتياط يكون طوراً آخر من الأوامر المولويّة غير النّفسي و الغيري، و يكون من قبيل الأمر بالطّرق و الأمارات، و بعض الأصول كالاستصحاب، فكما يكون قيام الطّريق أو الأصل المأمور بسلوكهما يوجب تنجّز التّكليف الغير المعلوم في موردهما لو كان، مع انّ الأمر بسلوكهما ليس بنفسيّ و لا بغيريّ، كذلك الأمر بالاحتياط، فهل يحكم العقل الحاكم بقبح العقاب بلا بيان بقبح العقاب مع إيجاب الاحتياط، كما يحكم به بدونه حاشا ثمّ حاشا. بل يحكم بصحّته بلا ارتياب، كما يشهد به مراجعة العقلاء في جميع‏

194

الملل و الأديان.

قوله (قده): فانّ المخصّص إذا كان- إلخ-.

هذا من دون تفاوت بين ان يكون الشّك في مقداره موجباً للشّك في مقدار تخصيص العامّ الّذي خصص به في الجملة، أو الشّك في أصل تخصيص العامّ و إن كان تخصيص بعض العمومات به معلوماً، كما في المقام، بالنّسبة إلى العمومات المثبتة للأحكام، لكن لا يخفى انّ وجوب العمل بالعامّ عند الشّك في التّخصيص أو مقداره، لأجل إجمال المخصّص لا يوجب خروجه عن الإجمال و ظهوره في القدر المتيقّن بواسطة ظهوره في العموم و العمل به في غير القدر المعلوم تخصيصه به، إنّما هو لعدم ثبوت الصّارف بالنّسبة إليه. و بالجملة فكما لا يوجب إجمال الخاصّ المنفصل إجمالاً في العامّ، كذلك لا يرفع به إجماله، و كذلك الحال في الحاكم و المحكوم، فإنّ عموم العام واجب الاتباع بمقتضى أصالة العموم، إلاّ فيما يكون الحاكم أو المخصّص دليلاً بالنّسبة إليه؛ و من المعلوم انّه ليس دليل إلاّ فيما هو ظاهر فيه، فليتدبّر.

قوله (قده): فتأمّل- إلخ-.

لعلّه إشارة إلى ما أشرنا إليه من انّ العامّ لا يكون مبيّناً لإجمال الخاصّ، و ان يعمل بعمومه في غير ما يظهر فيه الخاصّ.

قوله (قده): إذ لا يعقل رفع الآثار الشّرعيّة- إلخ-.

و ذلك لأنّ الظّاهر بل المتيقّن انّ سبب رفع الآثار منه في الخطاء و النّسيان و هكذا إلى ما لا يعلمون، هو نفس هذه الأمور لمناسبتها للتّسهيل، كما لا يخفى؛ و معه كيف يمكن أن يكون موضوعان لما رفع من الآثار و ليس موضوع الأثر إلاّ مقتضياً لوضعه.

لا يقال: لكنّه يوجب التّفكيك بين ما ذكر و غيرها من التسعة (1)، بداهة انّ الحسد و الطّيرة الوسوسة قد رفع ما يترتب عليها بعناوينها من الآثار الشّرعيّة؛ فانّه لا ضير فيه بعد ما كان بصدد بيان جميع ما رفع آثاره، سواء كانت له بما هو معنون بعنوان خاصّ كالحسد و أخواته، أو كانت له بأيّ عنوان كان معنوناً من العناوين المختلفة من دون اندراج تحت‏

____________

(1)- أي التسعة المذكورة في حديث الرّفع.

195

امر أو اشتراك في شي‏ء إلاّ فيما هو سبب رفعها في الجميع من الخطاء و النّسيان و أخواتهما، و لذا ذكرها بهذه العناوين ليجمع شتاتها بما هو ملاك الرّفع فيها حيث لا جامع غيره.

و ليكن مراده (قده) من عدم المعقوليّة ما ذكرنا و إن كان خلاف ما يتراءى من ظاهر العبارة، من عدم معقوليّة رفع الآثار المترتّبة على هذه بعناوينها، فإنّه كما ترى؛ فإنّ غايته دعوى القطع بعدم الوقوع، لا عدم المعقوليّة، بداهة إمكان رفع أثر مثل نفس النّسيان و الخطاء و أضرابهما للامتنان، كما هو واقع في الحسد و أضرابه، فافهم و اغتنم.

قوله (قده): و لا رفع الآثار المجعولة- إلخ-.

إلاّ إذا كانت خفيّة بحيث كانت الآثار المجعولة لها كأنّها مترتّبة على ذيها، من دون توسيطها في البين، أو كانت خلية بحسب اللّزوم بحيث كان الخطاء الدّال على رفع ذيها كما هنا، أو إبقاؤه و وضعه كما في الاستصحاب دالاً على رفعه أو وضعه معها لا بمجرّده؛ و قد حقّقنا الكلام فيه فيما علّقناه على مسألة الاستصحاب عند كلامه (قده) في الأصل المثبت، فليراجع ثمّة.

قوله (قده): ثمّ المراد من الرّفع‏

(1)

- إلخ-.

و القرينة عليه انّ الرّفع هاهنا كما هو واضح، إنّما هو بالمعنى المقابل للإثبات و الوضع على ساير الأمم و لا خفاء في كونه بهذا المعنى من الدّفع أعمّ.

و منه انقدح الذّبّ عمّا ربّما يشكل ذلك بأنّ الرّفع هاهنا كما في النّسخ و إن كان لا يعقل ان يحمل على حقيقته، إلاّ انّه بالإضافة إلى أثر كان عليه دليل يثبته بعمومه أو إطلاقه كان اقرب مجازاً إلى معناه الحقيقي المتعذّر، فلا يجوز العدول إلى غيره بلا وجه.

قوله (قده): فإن قلت على ما ذكرت- إلخ-.

هذا إنّما يتوجّه بناء على لزوم التّقدير على كلّ تقدير. و امّا بناء على ما بيّنّاه من انّه ليس بلازم، بل و لا جائز بالنّسبة إلى التّكليف، بل هو بنفسه مرفوع، و برفعه يدفع إيجاب الاحتياط، فلا يتوجّه أصلاً كما لا يخفى.

____________

(1)- و في المصدر: ثم المراد بالرفع.

196

قوله (قده): و لا يشترط في تحقّق الرّفع- إلخ-.

لما عرفت من قيام القرينة هاهنا، و إلاّ فوجود الدّليل شرط في تحقق ما هو ظاهر فيه، كما أثرنا إليه، فتذكّر.

قوله (قده) فحينئذ فنقول معنى- إلخ-.

لا يقال انّ إيجاب الاحتياط أو التّحفظ ليس أثراً لنفس التّكليف، بل له بما هو غير معلوم أو منسيّ أو مخطأ فيه؛ و قد مرّ منه (قده) انّه لا يعقل رفع الآثار الشّرعيّة المترتّبة على هذه العناوين من حيث هي، فإن مقتضى الإيجاب هو نفس التّكليف، لوضوح أنّ مراعاته مهما أمكن في كلّ حال يقتضيه لئلا يفوت في كلّ حال، و إلاّ فقد عرفت انّ هذه العناوين مقتضية لتسهيل الأمر على المكلّف لدى عروضها بعد إيجاب الاحتياط عليه، لأنّه معه يقع في التّكليف و هي لا يناسبها، كما لا يخفى.

قوله (قده): حيث انّ وجوب الإعادة

(1)

- إلخ-.

لا يخفى انّ وجوب الإعادة ليس حكماً شرعيّا، بل إنّما الحاكم به هو العقل من باب وجوب الإطاعة و الامتثال. نعم لو كان المراد ما هو أعمّ من القضاء يكون وجوبها في ضمن القضاء حكماً شرعيّا على ما هو التّحقيق من انّه بفرض جديد، و إلاّ فكالإعادة في كون وجوبها عقليّاً من باب لزوم الإطاعة، فلا تغفل.

قوله (قده): فيقال‏

(2)

بحديث الرفع‏

(3)

- إلخ-.

لا يقال: إنّ الجزئيّة و الشّرطيّة ليستا من الآثار الشّرعيّة، بناء على مختاره من انتزاعيّة الأحكام الوضعيّة، فإنّ الانتزاعيّة لا ينافي كونها شرعيّة، إذا المراد من الشّرعيّة في المقام ليس إلاّ كونه بحيث تناله بد التّصرف بالرّفع و الوضع و لو بالواسطة، و هي كذلك بتبعيّة ما ينتزع منها من الأحكام التّكليفيّة، فالحديث‏ (4) حاكم على دليل حرمة المنسيّ أو شرطيّته، و يبيّن انّ جزئيّته أو شرطيّته مختصّة بحال الذّكر، و ان أبيت إلاّ عن كون الأحكام الوضعيّة

____________

(1)- و في المصدر: من ان وجوب الإعادة.

(2)- في المصدر: فيقال بحكم حديث الرفع‏

(3)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

(4)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

197

ليست بشرعيّة.

فنقول: انّ المرفوع هو نفس ما انتزع عنه الجزئيّة أو الشّرطيّة، و هو وجوب المركب منه أو المقيّد به، فيكون أيضا حاكماً على دليل الجزئيّة و الشّرطيّة، و يكون مع دليلهما بمنزلة دليل واحد مقيّد لإطلاق دليل وجوب المركّب أو المشروط لو كان له إطلاق، و إلاّ فمبيّن لإجماله؛ و أمّا إذا كان دليل المركّب أو المشروط بنفسه دالاً على اعتبار شي‏ء فيه شطراً أو شرطاً، فالحديث‏ (1) حاكم على دليله، و يبيّن انّ ما دلّ عليه من اعتباره مطلقا مختص بحال الذّكر، كما إذا كانت هناك قرينة متّصلة دالّة على اختصاص الاعتبار بحال الذّكر لا مطلقا، فلا يشكل بأنّه إذا ارتفع الأمر عن المركّب من المنسيّ أو المقيّد، فلا دليل على امر آخر بالفاقد، فتدبّر جيّداً.

ثمّ لا يخفى انّ الاستدلال بالحديث‏ (2) على صحّة فاقد الجزء أو الشّرط نسياناً مبنىّ على تقدير جميع الآثار، لا خصوص المؤاخذة مطلقا و لو كانت ناشئة بالواسطة، فانّ الأمر بالصّلاة لمّا كان موسّعاً كان تركها في حال النّسيان الناشئ من ترك الجزء أو الشّرط نسياناً لا يوجب مؤاخذة كيف، و تركهما عمداً لا يوجبها.

لا يقال: انّه يوجب المؤاخذة لو كان النّسيان آخر الوقت، فانّها حينئذ على تركها في تمام وقتها لا على خصوص تركها في آخر وقتها و إن عرض له التّعيين، كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.

قوله (قده): فتأمّل جيّداً.

لعلّه إشارة إلى بعض ما نبّهنا عليه نقضاً أو إبراماً، و إلى عدم جواز التّمسّك بالحديث‏ (3) على الصّحة، بناء على ما استظهره من تقدير المؤاخذة، كما نبّهنا عليه أيضاً.

قوله (قده): و امّا رفع أثره لأنّ التّطيّر

(4)

- إلخ-.

لعلّك تقول ليس صدّهم عن مقاصدهم بواسطة التّطير من الآثار الشّرعيّة، و قد تقدّم انّه لا يرفع بالخبر إلا ما كان منها.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

(4)- و في المصدر: و امّا رفع أثرها لأن الطير

198

و الجواب انّ الأثر الشّرعي كما نبّهنا عليه، انّما المراد ما تناله يد التّصرف من الشّارع، و هو أعمّ من ان يكون إثباته بإنشائه و جعله، أو بإمضائه و تقريره و لو بعدم ردع النّاس عمّا جرت عليه سيرتهم، و امتناعهم عن الاقتحام في المقاصد بالتّطيّر من هذا القبيل، فإنّه لو لا الرّفع بالخبر لحكمنا من جهة عدم ردع الشّارع، انّ الاقتحام عند التّطيّر لدى الشّارع أيضا ممنوع، كما هو الحال في جميع ما يستكشف من السّيرة، فافهم و اغتنم.

قوله (قده): ما حجب علمه‏

(1)

- إلخ-.

يمكن شموله للشّبهة الموضوعيّة أيضا بأنّ المراد من الموصول هو خصوص حكم المحجوب علمه مطلقا و لو كان منشأ الحجب اشتباه الأمور الخارجيّة، و لا يحتاج مع ذلك إلى تقدير، فانّ الحكم مطلقا بنفسه قابل للرّفع و الوضع، فافهم.

قوله (قده): و فيه ما تقدّم- إلخ-.

لا يخفى انّه انّما يراد على الاحتمال الثّاني، و لا يبعد انّه أضعف الاحتمالين، و امّا على الأوّل فالرّواية (2) تدلّ على سعة ما لم يعلم بخصوصه و بعنوانه من الوجوب و الحرمة، و هو عين ما أنكره الأخباري حيث يقول: بعدم جواز الاقتحام فيه، و أنّه كالحرام يوجب العقاب، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): و سياقه يأبى‏

(3)

عن التّخصيص- إلخ-.

لا يخفى انّ التّخصيص لازم على كلّ تقدير، فانّه يجب تخصيصه بالقياس إلى الغافل بغير المقصّر أيضا، و لعلّه أشار إليه بقوله فتأمّل.

قوله (قده): و فيه انّ مدلوله كما عرفت- إلخ-.

لا يخفى انّ إيجاب الاحتياط ان كان لنفسه بحيث كان الثّواب و العقاب على إطاعة و مخالفة، كان مدلول الرّواية (4) غير منكر لأحد، و انّما يدّعى الأخباري تعريف إيجابه‏

____________

(1)- و في المصدر: ممّا حجب اللَّه علمه‏

(2)- وسائل الشيعة: 5- 344

(3)- و في المصدر: و سياقه آب ...

(4)- بحار الأنوار: 2- 273

199

بالأخبار الدّالّة على وجوب التّوقف و لزوم الاحتياط. و أمّا إذا كان إيجابه لتنجيز الأحكام الواقعيّة و تصحيح المؤاخذة على مخالفتها، كما عرفت في بعض الحواشي على حديث الرّفع، فمدلولها ينافي ما ذهب إليه الأخباريّون من وجوب الاحتياط، فإنّ المؤاخذة على الحرمة المجهولة احتجاج بما لم يؤت و لم يعرف و لو بعد إيجاب الاحتياط، لوضوح انّ إيجابه لا يكون تفريعاً لها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و دلالته على المطلب- إلخ-.

لو لم نقل بكونه أجنبيّاً من المرام، فانّ ورود النّهى يصدق بمجرّد صدوره من الشّارع، وصل إلينا أو لا، بسبب عروض بعض الأسباب الخارجيّة للاختفاء و عدم الوصول، سيّما إذا اطّلع عليه الصّدور الأوّل، و عليه يكون مساوقاً لرواية ما حجب المساوقة لما ورد (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما سبق في كلامه في ذيلها فتذكر.

و لا يخفى انّه لا يجدى فيما هو المهمّ و لو بضميمة أصالة عدم ورود النّهى فيه، فانّ ما شكّ في حرمته يكون بملاحظتها بمنزلة ما علم بعدم ورود النّهى فيه و هو خارج عمّا نحن بصدده الآن. نعم يدخل بملاحظتها فيما حكم عليه بهذا الخبر المساوق لما ورد عن أمير المؤمنين، كما أشرنا بالإطلاق، و لولاها لما جاز التّمسّك به فانّه من قبيل التّمسّك بالعموم في الشّبهات المصداقيّة، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و قد يحتجّ بصحيحة

(2)

- إلخ-.

وجه الإحتجاج [1] بها انّ قوله (عليه السلام) «قد يعذّر النّاس- إلخ-» ظاهر في انّ وجه المعذوريّة الّتي ظاهرة في المعذوريّة بحسب التّكليف، هو جهالته بالحرمة، سواء كان من‏

____________

[1]- هذه حاشية منه (ره).

قولنا «وجه الإحتجاج بها- إلخ-» لا يخفى انّه مبنىّ على كون كلمة «أعذر» افعل التّفصيل. و أمّا إذا كان فعل ماضي من باب الأفعال بمعنى «صار ذا عذر» فلا مجال لتوهّم الاحتجاج بها على الرّواية فيما نحن فيه أصلاً، فانّه و ان حكم فيها بمعذوريّة الجاهل بتحريم التّزويج، إلاّ انّه قد علّل بما يخرج معه عن موضوع مسألة البراءة و الاحتياط، و لا يبعد ان يكون هذا هو الأنسب، حيث لم يكن وقع للسّؤال عن المعذوريّة في الجهالة الأخرى بعد السّؤال عن الأعذر منها كما لا يخفى، فتفطّن.

____________

(1)- نهج البلاغة- الحكم- 102

(2)- وسائل الشيعة: 14- 345- ح 4

200

جهة جهله بكونها في العدّة أو بانقضائها، بعد العلم بكونها فيها، أو الجهل بأصل تشريع العدّة، أو بحرمة التّزويج فيها، و ذلك لعدم استفصال الإمام (عليه السلام) عمّا هو المقصود من هذه الصّور و فهم السّائل العموم من الجواب و تقريره (عليه السلام)، و إلاّ لما كان سؤاله عن الأعذريّة وقع، و كذا جوابه (عليه السلام) بأعذريّته من جهة الجهل بالتّحريم، كما لا يخفى، فيشمل عموم الحكم بالمعذوريّة الشّبهة التّحريميّة الحكميّة.

لكن الإنصاف عدم صحّة الإحتجاج بها، فإنّ المعذوريّة فيها إنّما هو بحسب الوضع بمعنى عدم حرمة المعتدّة عليه أبداً، و جواز تزويجها بعد انقضاء عدّتها، لا بحسب التّكليف، فيكون بمعنى عدم المؤاخذة، و ذلك لمكان قوله (عليه السلام) «امّا إذا كان بجهالة فليزوّجها- إلخ-» و قوله (عليه السلام) بعد ذلك «فهو معذور في ان يزوّجها» فانّه صريح في كون المعذوريّة بحسب الوضع.

هذا، مضافاً إلى انّه لا يكاد يصحّ بالمعذوريّة بحسب التّكليف حسب ما فصّله (قده) إلاّ في الصّورة الأولى، و هو جهالته بكونها في العدّة حيث انّها شبهة موضوعيّة، و لا يجب الفحص فيها و حكومة أصالة عدم كونها في العدّة على أصالة عدم تأثير العقد، كما لا يخفى.

و قد عرفت إطلاق الحكم بها في الصّور، بل عمومه.

لا يقال: الحكم بالأعذريّة بإحدى الجهالتين و تعليله بعدم القدرة معها على الاحتياط، إنّما يلائم المعذوريّة بحسب التّكليف، كما لا يخفى.

لأنّا نقول: لعلّه كان منشأ المعذوريّة بحسب الوضع، هو التّسهيل، مع تحقّق ما يقتضى تحريم التّزويج، و لا ريب انّ مراعاة التّسهيل في مورد التّعليل و هو الغفلة كما سيظهر أولى، و بهذه الجهالة يكون أعذر، فتدبّر.

قوله (قده): فان كان الشّك- إلخ-.

ترديده لعلّه مما شاة مع الخصم، و إلاّ فقد عرفت إطلاق الجهالة، بل عمومها، فتذكّر.

قوله (قده): و كذا الجهل‏

(1)

بأصل العدّة- إلخ-.

يعنى جهله بأصل تشريعها، إذ الجهل بها مع العلم به يكون شبهة موضوعيّة، و لا يجب الفحص فيها إجماعاً في الجملة.

____________

(1)- و في المصدر: و كذا مع الجهل ...

201

قوله (قده): إلاّ انّه إشكال يرد على الرّواية

(1)

- إلخ-.

يعنى هذا التّخصيص موجب لورود إشكال على الرّواية على كلّ تقدير من لزوم كذب العلّة، مضافاً إلى تخصيص العلّة المشتركة بأحد المتشاركين على فرض حمل الجهل في الموضعين على الشّك، و لزوم خصوص تخصيص العلّة المشتركة على تقدير حمله على الغفلة فيهما، و لزوم التّفكيك فيه بينهما لو حمل على الغفلة في موضع التّعليل، و على الشّك في الموضع الآخر، فتدبّر.

قوله (قده): فتدبّر فيه و في دفعه.

قد عرفت ورود الإشكال فيها على كلّ حال؛ و غاية ما يمكن ان يقال في دفعه، هو انّ إرادة الغفلة في أحد الموضعين، و الشّك في الآخر لا يوجب التّفكيك في الجهالة بحسب المعنى فيهما، فإنّه من الجائز، بل المتعيّن في استعماله في كلا الموضعين في المعنى العامّ الشّامل للغفلة و الشّك، لكن لما كان الغالب في الجهل بالحكم هو الغفلة إذ مع وضوح هذا الحكم بين المسلمين قلّما يتّفق مع الالتفات إليه الشّك فيه، بخلاف الجهل بكونها في العدّة، فانّه يتحقّق غالباً مع الالتفات لكثرة أسبابه، إذا المتعارف بحيث قلّ ان يتخلّف التّفتيش من حال المرأة الّتي يريد أن يزوجّها، و معه من المستحيل عادة ان لا يصادف ممّا يورث التفاته إلى انّها في العدّة أم لا، كما لا يخفى، خصّ الإمام (عليه السلام) الجاهل بالتّحريم بالأعذريّة معلّلاً بكونه غير قادر على الاحتياط، نظراً إلى انّ الغالب فيه الغفلة، بخلاف الجاهل بالعدّة من دون اعتناء منه (عليه السلام) بما يتّفق نادراً في الموضعين‏ (2) إلاّ تفكيك بحسب المعنى بين الموضعين، فافهم.

قوله (قده): سواء علم حكم كليّ فوقه أم لا- إلخ-.

هذا بكلا شقّيه شبهة موضوعيّة، حيث انّ الشّك في أحدهما في انطباق ما علم حكمه على المشتبه، و في الآخر في انطباقه على ما علم حكمه و تحقّقه في ضمنه، و منشأ الاشتباه في الانطباق مطلقا هو الخلط في الأمور الخارجيّة، و هو الملاك في الشّبهة الموضوعيّة، و لا يخفى انّ الفرق بينهما ليس بحسب الموارد، بل إنّما هو بحسب الاعتبار، إذ ليس مورد من موارد

____________

(1)- وسائل الشيعة: 14- 345- ح 4

(2)- كذا في الأصل و الظاهر: فلا تفكيك‏

202

الشّبهات إلاّ و يمكن تطبيقه عليهما، كما يظهر بالتّدبّر في مثال اللّحم الملتقط من الطّريق، فيلاحظ تارة انّه لحم غنم شكّ في تحققه في ضمن المذكّى منه أو الميتة، و أخرى في انّه جزئيّ شكّ في اندراجه تحت المذكّى أو الميتة؛ و هذا بخلاف ما إذا لم يعلم لا حكم كلّيّ فوقه و لا كليّ تحته، فالشّبهة يكون فيه حكميّة، و منشأ الاشتباه عدم نهوض الحجّة في البين، فتفطّن.

قوله (قده): إذ لا يستقيم إرجاع الضّمير- إلخ-.

و اعلم انّ الدّاعي على الحمل على هذا المعنى مع انّه خلاف ظاهر فقراتها، هو انّ الأمر الّذي كني عنه بلفظ الشّي‏ء بما هو واحد على ما هو الظّاهر لا يمكن ان يكون فيه حلال و حرام، بل بما هو كذلك إمّا حلال أو حرام من غير تفاوت بين ان يكون ذلك الأمر جزئيّاً أو كليّاً، فانّ الكليّ بما هو واحد أيضاً لا يتّصف إلاّ بحكم واحد.

هذا، لكن لا يخفى انّ ظهور فقراتها في فعليّة القسمين في الشّي‏ء أشدّ و أقوى بمراتب من ظهور كلّ شي‏ء في كلّ شي‏ء بما هو واحد، و ذلك لظهور كلمة «من» في التّبعيض في نفسها، و تعيّنها له هاهنا بملاحظة قوله (عليه السلام) «فيه حلال أو حرام‏ (1)» الظّاهر في كون الشّي‏ء منقسماً إليهما، كما أفاده، فافهم.

قوله (قده): لا ذهناً و لا خارجاً- إلخ-.

المراد من القسمة الذّهنيّة هاهنا هو تقسيم الكليّ بملاحظته، مع ما يعرضها من الفصول المنوّعة، أو العوارض المصنّفة، أو المشخّصة إلى الأنواع، أو الأصناف، أو الأشخاص؛ و من التّقسيم الخارجيّ هو تقسيم الكلّ إلى أجزائه فكّيّة أو فرضيّة، فلا تغفل.

قوله (قده): امر لازم قهريّ لا جائر- إلخ-.

لا يخفى انّه لو أريد من الجواز هو الإمكان العامّ المقيّد بجانب الوجود لا ينافي كون التّقسيم امراً لازماً، فلا تغفل.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 12- 59- ح 1 و 4

203

قوله (قده): فالمعنى و اللَّه العالم- إلخ-.

لا يقال انّ معرفة القسم الحرام لا يصلح أن يجعل غاية لحلّيّة المشتبه، كما لا يخفى، لأنّ هذا إنّما هو بلحاظ عموم الحكم بالحلّيّة على هذا الكليّ من دون تخصيصه بفرد منه، كما في هذا المعنى، أو على الجزئيّات الخارجيّة الّتي في نوعها قسمان، كما في المعنى الثّاني المبنيّ على الاستخدام.

قوله (قده): انّ وجود القسمين في اللّحم ليس- إلخ-.

بداهة انّ معرفة حكم عنوان لا يوجب الاشتباه في حكم عنوان آخر، بل الموجب له عدم نهوض الدّليل عليه.

قوله (قده): و معلوم انّ معرفة لحم- إلخ-.

فيه انّ معرفة حرمة لحم الخنزير و ان لم يكن غاية لحلّية لحم الحمير، إلاّ انّه معلوم أنّه غاية لحلّية مطلق اللّحم، كما جعل غاية له على هذا التّعميم، كما مرّ نظيره إشكالاً و حلاً في جعل معرفة القسم الحرام غاية للحكم بالحليّة، بناء على ما هو الحقّ من الاختصاص بالشّبهة الموضوعيّة، فتذكّر.

قوله (قده): مع ما ورد فيه من الأخبار

(1)

- إلخ-.

يمكن ان يقال انّ عدم إلزامه بالاحتياط فيما تعارض فيه النّصان، لعلّة لا يراد فيه أيضاً ممّا يدلّ على التّخيير ما كان أرجح ممّا أورد فيه ممّا دلّ على الاحتياط من وجوه متعدّدة، كما لا يخفى على من راجعها.

قوله (قده): ما لا طريق إلى كونه مفسدة- إلخ-.

أي لا طريق إليه بعنوانه و بما هو، لا بما هو مشتبه، و كذا المراد من الواقعيّة في قوله، و عدم الدّليل على حكم الواقعة إنّما هو بعنوانها بما هي هي، لا بما هي شبهة؛ و لا يخفى انّه لا يكاد يتمّ استظهاره بدون ذلك.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 111- ح 1

204

قوله (قده): فهو مبنىّ على عدم وجوب- إلخ-.

هذا، مع انّ تجويزهم الاقتحام بناء على عدم وجوب دفع الضّرر المحتمل غير مجد في المقام، إذ المهمّ هو الأمْن من العقاب، لا مجرّد عدم مبادرة العقلاء إلى الذّم على الارتكاب، مع ترتّب العقاب عليه على تقدير الحرمة واقعاً.

و من هنا ظهر عدم الحاجة في إثبات لزوم الاحتياط فيما احتمل فيه العقاب على من همّه الفرار عنه إلى البناء على وجوب دفع الضّرر المحتمل، كما انّ وجوبه لا يجدى في إبداء احتماله فيما إذا لم يكن هناك لولاه، كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.

قوله (قده): و دعوى انّ حكم العقل- إلخ-.

قد عرفت دفعها في الحاشية السّابقة، و انّ وجوب دفع الضّرر المحتمل لا يحتاج إليه في رفع قبح المؤاخذة فيما إذا قام فيه احتمالها لولاه، و لا يجدى في قيامه فيما لم يقم لولاه، و لهذا يكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان، واردة على هذه القاعدة، كما سنشير إليه، إذ لا احتمال للمؤاخذة معها؛ و قد عرفت انّه لا مجال لها بدونه.

قوله (قده): مدفوعة بأنّ الحكم المذكور- إلخ-.

لا يخفى ما فيه لو أغمض عمّا أشرنا إليه في دفعها، و سيشير إليه بقوله «بل قاعدة قبح العقاب بلا بيان- إلخ-» فإنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل حسب ما اعترف به (قده) في تنبيهات الشّبهة المحصورة، ليس إلاّ حكماً إرشاديّاً لأجل الفرار عن نفس الضّرر، لا عن ملاك آخر يوجب التّحرز عن احتماله بنفسه، كما يظهر من مراجعة الوجدان و ملاحظة انّ حكمه بوجوب دفع الضّرر المقطوع ليس إلاّ بملاك التّحفّظ عن نفس الضّرر، و بداهة انّ حكمه هاهنا معه من واد واحد.

ان قلت: يمكن المنع من ذلك، فانّ مقطوع الضّرر الأخروي كما هو الفرض، لا يمكن ان يورث ضرراً أخرويّاً اخر، و إلاّ لتسلسل الضّرر، بخلاف محتمل الضّرر، فإنّه لو أورث ضرراً آخر لما تسلسل، بل ينقطع بهذا الضّرر الّذي قطع به من ارتكاب محتمل الضّرر، قلت: لا مجال للمنع، فإنّ احتمال الضّرر و إن لم يكن مثل القطع به في لزوم التّسلسل من ترتّب الضّرر الآخر عليه، إلاّ انّه مثله في عدم ملاك آخر غير المفسدة الموجبة للحكم بالحرمة المقطوعة أو المحتملة، و بدونه لا مجال لحكم مولوي آخر بحيث كان ترك محتمل الضّرر بنفسه مطلوباً و مرغوباً للمولى مطلقا، كان الضّرر المحتمل متحقّقاً واقعاً أم لا،

205

فحيث لا ملاك لهذا الحكم إلاّ التّحرّز عن نفس الضّرر المحتمل لو كان ليس ممّا يستكشف منه الحكم الشّرعي بقاعدة الملازمة بين الشّرع و العقل، كما في الحكم بوجوب الإطاعة و حرمة المعصية، حيث انّه لم يكن إلاّ من جهة ما يترتّب على نفس الإطاعة و المعصية من الثّواب و العقاب، لا لملاك آخر فيهما يوجب المحبوبيّة أو المبغوضيّة الدّاعيتين إلى التّحريم أو الإيجاب، غير ما كان عليه الفعل المأمور به أو المنهيّ عنه من العنوان الّذي يكون به محبوباً و مبغوضاً و به يأمر به أو ينهى عنه، فليس امتثال الموارد من موارد قاعدة الملازمة و لو ورد فيها حكم من الشّرع كان إرشاديّاً، و ان أبيت إلاّ عن عموم القاعدة لجميع الموارد.

فمن المعلوم اختلاف الحكم المستكشف بالحكم العقلي حسب اختلافه، فإن كان حكمه لأجل ما كان عليه الفعل من العنوان الّذي به يمدح عليه فاعله أو يذمّ، فالحكم الشّرعيّ يكون مولويّاً، فإنّه يورث محبوبيّته للشّارع أو مبغوضيّته، و هو الملاك في الحكم المولويّ و ان كان حكمه لمجرّد التّحريص على ما هو لازم المحكوم، كما في الإطاعة من الثّواب أو الزّجر عمّا هو لازمه كما في المعصية من العقاب، فالحكم الشّرعيّ يكون لمجرّد ذلك، و لا نعنى بالإرشاديّ إلاّ بما كان كذلك، فيكون الأمر أو النّهى المستكشف من قبيل الأوامر و النّواهي الواردة في الكتاب السّنّة بالإطاعة و المعصية.

هذا كلّه في حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل أو الشّرع المستكشف به، و إلاّ فليس نهوض الدّليل النّقلي على وجوبه النّفسي بمحال، لاحتمال عدم اطّلاع العقل على ملاكه. و لا يخفى انّه على تقديره ليس بضائر بما نحن بصدده، فليتدبّر جيّداً.

قوله (قده): لأنّها فرع احتمال الضّرر- إلخ-.

و هو فرع عدم جريان قاعدة «قبح العقاب بلا بيان». و من هنا انقدح انّه لو كان فرع قاعدة «وجوب دفع الضّرر المحتمل» لدار.

قوله (قده): إلاّ انّ الشّبهة من هذه الجهة موضوعيّة- إلخ-.

فيه منع كون الشّبهة من مثل هذه الجهة موضوعيّة، إذ الملاك فيها ما كان المرجع فيها غير الشّارع من المميّزات الخارجيّة. و من المعلوم انّه لا طريق إلى المصالح و المفاسد الّتي تكون مناطات للأحكام الشّرعيّة في غير ما استقلّ به العقل إلاّ البيان الشّرعيّ لها أي الأحكام، فانّه بيان لمناطاتها على نحو الإن أيضا؛ سلّمنا، لكن لا وجه للاعتراف بعدم وجوب الاحتياط فيها بمجرّد تسميتها شبهة موضوعيّة بحسب الاصطلاح لا من الأصوليّين و لا من‏

206

الأخباريين، و ذلك لعدم ما هو منشأ الاعتراف به في غيرها من الشّبهات الموضوعيّة هاهنا.

أمّا العقل فالمفروض حكمه بوجوب دفع الضّرر المحتمل. و أمّا النّقل فمثل قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام‏ (1)» فسيجي‏ء منه (قده) انّه مختصّ بما إذا كان منشأ الاشتباه فيه هو وجود الحلال و الحرام فعلاً تحت الشّي‏ء، و عدم ما يميّزانه من أيّ منهما؛ و من المعلوم انّه ليس منشأ الاشتباه في المقام هو وجود القسمين؛ كيف، و لو كان جميع الأشياء غيره معلوم الضّرر أو النّفع، لكان هو على ما كان عليه من احتمال الضّرر.

إن قلت: هبه، لكن ما تقدّم من أدلّة البراءة يؤمننا من هذه المضرّة؛ إمّا لكشفها عن عدم كون المفاسد الكامنة مضارّاً فعليّة بحيث يترتّب على فعل المكلّف مطلقا و لو مع جهله بحرمته، بل يدور فعليّتها مدار فعليّة الحرمة و تنجّزها؛ و إمّا لكشفها عن تدارك ما ربّما يقع فيه المكلّف من المضرّة، و ذلك حيث لا يجوّز الإذن في الاقتحام في المضرّة الفعليّة من دون تداركها، و حينئذ فلا مجال لقاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل حيث لا احتمال له مطلقا، أو على نحو يجب التّحرّز عنه فيكون بياناً لقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» فتدبّر.

قلت: هذا إذا كان الإذن في الاقتحام في المضرّة الفعليّة مطلقا، من دون تداركها قبيحاً، و المنع عنه بمكان من الإمكان فيما إذا كان هناك حكمة و مصلحة داعية إليه، بحيث يقبح معها عدمه.

فتلخّص بما ذكرنا انّه لا مجال للاستدلال للبراءة بقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» إلاّ على مذهب الأشاعرة أو مذهب العدليّة إذا لم يكن المفاسد الّتي يدعوا إلى التّحريم مضارّاً فعليّة، بحيث يجب التّحرز عنها و إن كانت علّة تامّة لإنشاء التّحريم؛ و لا يجدى في ذلك أخبار (2) البراءة، إلاّ على تقدير أن يكون الإذن في الاقتحام في محتمل الضّرر قبيحاً بلا تدارك على تقدير الوقوع فيه، و قد عرفت منعه، أو على تقدير عدم وجوب دفع الضّرر المحتمل عقلاً، و إلاّ فحكمه به يكون بياناً دائماً للحجّة على التّكليف المشكوك، فيكون وارداً على قاعدة «قبح العقاب بلا بيان».

هذا مع قطع النّظر عن أخبار البراءة. و أمّا بملاحظتها، فالعقاب على المشتبه مأمون لرخصة الشّارع و إذنه في الاقتحام و ان وقع في المفسدة المحتملة الّتي حكم العقل بالتّحرّز عنها، و لولاه لجّوز العقاب عليها لو وقع فيها، و ينبغي التّأمّل التّامّ في المقام.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 12- 59- ح 1 و 4

(2)- بحار الأنوار: 2- 268- ب 33

207

قوله (قده): و الظّاهر انّ المراد به ما لا يطاق- إلخ-.

و ذلك حيث انّه لا يعقل ان يكون التّكليف المجهول باعثاً و داعياً إلى المأمور به، و زجراً و مانعاً عن المنهيّ عنه، و مجرّد الفعل أو التّرك بدون أن يكون الأمر أو النّهى داعياً أو زاجراً، لا يكاد ان يكون امتثالاً، مع أنّ الغرض من التّكليف مطلقا و لو توصّليّاً، هو الامتثال بحيث لو لم يكن للمكلّف من قبل نفسه بعث أو زجر صار هو باعثه أو زاجره، و لا ينافي ذلك سقوط التّكليف في التّوصّليّات بمجرّد الفعل أو التّرك، كما لا يخفى.

و بالجملة لمّا كان الغرض من التّكليف هو الامتثال، و لا يكاد يترتّب عليه بدون العلم به كان وجوده بدونه كعدمه، فلا يجوز أن يؤاخذ عليه ما لم يعلم به، فافهم.

قوله (قده): و احتمال كون الغرض- إلخ-.

هذا جواب عن سؤال مقدّر و هو أنّ الأمر كما ذكر لو كان يتعيّن الغرض في الامتثال، و ليس كذلك لاحتمال كونه هو مطلق صدور الفعل.

قوله (قده): مدفوع بأنّه إن قام دليل- إلخ-.

الجواب على نحو اللّف و النّشر المشوّش. توضيحه انّ الانقياد لا يصلح أن يكون غرضاً للتّكليف، فانّ لزومه فرع نهوض دليل عليه عند احتمال التّكليف كان هنا واقعاً أو لا، و مع عدمه لا يجب، و لو كان، فكيف يكون غرضاً له؛ و احتمال صدور الفعل في بعض الأحيان غرضاً له، واضح البطلان، و لذا أخّر جوابه و أكتفي فيه بمجرّد الدّعوى، فانّ قياسها معها، كما لا يخفى.

قوله (قده): فلا يثبت به الأصل- إلخ-.

فلا يجوز الرّجوع إليه إلاّ في صورة فقدان الدّليل المسألة، كما هو شأن الأصل في كلّ مسألة.

قوله (قده): لأنّ الثّابت بها ترتّب- إلخ-.

قد حققنا فيما علّقناه على الاستصحاب، انّ الثّابت بها إنّما هو اللّوازم المجعولة على المستصحب لو لم يكن بنفسه مجعولاً، و إلاّ كان الثّابت هو نفسه، و قد أشرنا إليه في الحواشي على حديث الرّفع‏ (1) أيضاً، و لا يخفى أنّ عدم المنع عن الفعل كالمنع عنه جعليّ شرعيّ،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

208

لوضوح انّ التّكليف إثباتاً و نفياً بيد الشّارع كما له إثباته كان له نفيه، فإذا حكم الشّارع بمقتضى هذه الأخبار بعدم المنع فيثبت ظاهراً عدم المنع، و يترتّب عليه جميع لوازمه، شرعيّة كانت أو عقليّة، و منها عدم العقاب، فانّه أيضا من لوازم حكم الشّارع بعدم التّكليف، واقعاً كان أو ظاهراً، فإنّ العقل لا يرى تفاوتاً بينهما في ذلك، كما لا يرى تفاوتاً في وجوب الإطاعة و حرمة المعصية بين التّكليف الواقعيّ و الظّاهري.

و من هنا انقدح عدم الاحتياج في القطع بعدم العقاب حينئذ إلى انضمام حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، بل لا مجال له أصلاً، إذ استصحاب عدم التّكليف بيان كاستصحابه، فافهم و استقم.

قوله (قده): و موضوع البراءة في السّابق و مناطها هو- إلخ-.

فيه انّ ملاك البراءة و مناطها إنّما يكون ذلك لو أريد استصحاب البراءة المستندة إلى القضيّة العقليّة القائلة بقبح التّكليف غير المميّز أو المعدوم. و امّا لو أريد استصحاب عدم التّكليف الأزلي و البراءة الأزليّة منه الثابت حال الصّغر و الجنون أيضا و ان كانت القضيّة العقليّة موجودة في هذا الحال أيضاً، كما صرح (قده) في باب الاستصحاب بأنّه المراد في اصطلاحهم؛ فلا مجال للإشكال فيه بعدم بقاء الموضوع، و عليك بالمراجعة إلى ما أفاده في ذلك الباب مع ما علّقناه عليه لتطّلع على حقيقة الحال، و لعلّه أشار إلى ذلك بامره بالتّأمّل.

قوله (قده): و لا يرد ذلك على أهل الاحتياط- إلخ-.

يعنى لا يرد ذلك على بعضهم و إلاّ فهو وارد على القائل منهم بالحرمة الظّاهريّة أو الواقعيّة، أو القائل بوجوب الإفتاء بالاحتياط، كما لا يخفى، فلا تغفل.

قوله (قده): فبأنّ الفعل الشي‏ء المشتبه- إلخ-.

بل الحكم عليه بأنه ممّا لا حرج عليه ليس قولاً بغير علم، للقطع بقبح العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان. نعم الحكم عليه بالإباحة شرعاً و لو ظاهراً من دون اتّكال على ما يدلّ عليه يكون من ذلك.

209

قوله (قده): و لازم ذلك إيجاب الشّارع للاحتياط- إلخ-.

ليكون إيجابه بياناً و برهاناً على المؤاخذة و العقاب لئلا يكون بلا بيان و برهان، فيكون استكشاف ذلك على نحو الآن، فلا تغفل.

قوله (قده): فمساقه مساق قول القائل «اترك الأكل»- إلخ-.

صيغة افعل التّفضيل في مثل هذا المورد ممّا لا يكون المفضّل عليه متّصفاً بالمبدإ أصلاً حقيقة ليس بوصفيّ كما توهّم، و إلاّ لما جاز استعماله مع لفظه «من»، بل للتّفضيل فرضاً لا حقيقة، فيكون المعنى هو الأفضليّة لو فرض اتّصاف المفضّل عليه بالمبدإ، بل قد يكون اتّصاف المفضّل به أيضا كذلك، كما في قول القائل «اترك الأكل» فانّه لا حسن في ترك الأكل يوماً أصلاً، كما لا يخفى، فليتدبّر.

قوله (قده): قلت: إيجاب الاحتياط- إلخ-.

هذا، مع انّه خلاف ما مرّ منه في ذيل حديث‏ (1) الرّفع حيث أجاب عن إشكال عدم اختصاص رفع المؤاخذة عمّا لا يعلمون، و مثله ممّا لا يكون التّكليف فيه بنفسه منجّزاً مورثاً للعقاب، و عدم صحّة المنّة بذلك بمنع قبح العقاب على ما لا يعلمون، و مثله مع إمكان الاحتياط. و عن إشكال عدم كون المؤاخذة أثراً شرعيّا، بأنّ رفعها برفع منشأها و ما يصحّ معه، و هو إيجاب الاحتياط و التّحفظ خلاف التّحقيق، فإنّ إيجاب الاحتياط على ما عرفت في بعض الحواشي السّابقة على حديث الرّفع بما لا مزيد عليه، يكتفي به العقل بياناً على العقاب و برهاناً للمؤاخذة على الارتكاب، و ليس عنده من العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان.

هذا، مضافاً إلى انّه ينافي ما مرّ منه غير مرّة من حكومة أدلّة الأخبارييّن، أو ورودها على أغلب أدلّة البراءة، فإنّها تكون كذلك لو كانت مصحّحة للعقاب على الحرام المجهول، لا على مخالفة الاحتياط صادقة أم لا، لوضوح انّه لو لم يكن كذلك، بل كان نفسيّاً بحيث كان العقاب على مخالفته و لو لم يخالف الحرام، فلا ربط لها بما دلّ على عدم العقاب على التّكليف المجهول، فيكون وارداً أو حاكماً عليه، إلاّ أن يريد ورودها أو حكومتها بالقياس إلى نفس التّكليف بالاحتياط، حيث لا يتفاوت في أدلّة البراءة بين الحكم الواقعيّ أو

____________

(1)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

210

الظّاهريّ المشكوكين، لكن الظّاهر منه (قده) هو انّهما بالقياس إلى التّكليف الواقعيّ، كما لا يخفى على من لاحظ مثل قوله (قده) بعد ذلك: «و اعلم انّ هذا الدّليل العقلي كبعض ما تقدّم من الأدلّة النّقلية، معلّق على عدم تماميّة أدلّة الاحتياط، فلا يثبت به إلاّ الأصل في مسألة البراءة- انتهى-.

فالصّواب في الجواب ان يقال: انّه لمّا كان العقاب لا يصحّ بمجرّد إيجاب الاحتياط ما لم يعلم به التّكليف، لا يصحّ حمل التّهلكة في الأخبار (1) على ما هو ظاهرها من العقاب، حيث لا يعلم بإيجابه بعد، و هذه الأخبار لا يصلح بياناً و إعلاماً له، فانّ كونها بياناً و إعلاماً موقوف على صحّة حمل التّهلكة فيها على ظاهرها، و هو موقوف على كونها بياناً و إعلاماً، و إلاّ لما صحّ حملها على ظاهرها، كما عرفت، تأمّل تعرف.

قوله (قده): إنّما يثبت أخبار التّوقّف بعد الاعتراف- إلخ-.

قد عرفت انّها على تقدير تماميّتها، تصحّ العقاب عند الاقتحام في الشّبهة إذا صادف الحرام، فيكون بالنّسبة إلى أدلّة البراءة من قبيل الدّليل بالنّسبة إلى الأصل، فإنّ موضوعها عدم البيان و هو قد ارتفع بها، حيث صار إيجاب الاحتياط بياناً، فلا معنى لملاحظة التّرجيح بينهما.

قوله (قده): و ما ذكرنا أولى- إلخ-.

و ذلك مع انّ التّخصيص في نفسه لو دار بينه و بين ساير التّصرفات أرجح، لأنّ العامّ قد علّل بما يأبى معه عن التّخصيص، كما لا يخفى. مضافاً إلى لزوم التّخصيص بالأكثر، لكنّه يأتي في بعض الحواشي انّ هذا بلحاظ الافراد، و لعلّه أي التّخصيص انّما هو بلحاظ العناوين، و معه لا يلزم ذلك، فافهم.

قوله (قده): ما لا يكون أعمّ منه- إلخ-.

أي ما لا يجوز ان يعامل معه معاملة الأعمّ، و ان كان كذلك بحسب الشّمول، فلا تغفل.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 111

211

قوله (قده): فإنّ ما ورد فيه نهى معارض- إلخ-.

فيه تأمّل، بل منع إذ لا يصدق حتّى يرد نهى على ما إذا روى فيه نهى ما لم يكن حجّة فعلاً عليه ناهضة بإثباته، كما لا يخفى. و كيف كان فعلى ما ذكره (قده) أخبار (1) التّوقف و إن كان أعم من قوله «كل شي‏ء مطلقا (2)» إلاّ انّه لا يجوز ان يخصّص به، و إلاّ لزم خرق الإجماع المركّب من القائلين بالإباحة فيما لا نصّ فيه، و القائلين بالتّوقّف فيه المنعقد على وجوب التّوقّف فيما لا نصّ فيه، على تقدير وجوبه فيما تعارض فيه النّصان، فلا بدّ أن يعامل معهما معاملة المتباينين من العلاج بالرّجوع إلى المرجّحات السّنديّة.

لكن لا يخفى انّه مع ذلك أعمّ منه لشمولها للشّبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ من الوجوبيّة و التّحريميّة، موضوعيّة كانت أو حكميّة بخلافه، فيصحّ أن يخصّصها بضميمة الإجماع بالشّبهات الغير المقرونة بالعلم الإجماليّ، و يبقى تحتها من الشّبهات ما اقترن به مطلقا، و لزوم تخصيص الأكثر فيها بملاحظة أكثريّة الشّبهات الغير المقرونة بالعلم من المقرونة منه، و ان سلّم كونه في نفسه محذوراً إلاّ انّه بالقياس إلى الطّرح رأساً لا ريب في كونه أقلّ محذوراً، مع إمكان منع لزومه، إذ لعلّه كان بلحاظ العناوين لا الأفراد، و الشبهة الغير المحصورة و ان كانت ملحقة بالشّبهات البدويّة، لكن يمكن ان يدرج معها تحت عنوان واحد خارج بعنوانه من عموم الأخبار، فلا يلزم من خروجها خروج عنوان آخر موجب لأكثريّة العناوين الخارجة من العناوين الباقية، مع انّه لو كانت خارجة بعنوان آخر، فمن الشّبهات البدويّة ما يبقى تحتها في الجملة و هي الشبهات الحكمية قبل الفحص و الشّبهات في المسائل الاعتقاديّة؛ و لعلّه أشار إلى بعض ما نبّهنا عليه بأمره بالتّأمّل، فليتأمّل.

قوله (قده): مع انّ جميع موارد الشّبهة- إلخ-.

يعنى مع انّ أخبار (3) التّوقّف ليس بأعمّ من خبر «كل شي‏ء مطلق‏ (4)» إذ ليس مورد من موارد الشّبهة، وجوبيّة كانت أو تحريميّة، موضوعيّة كانت أو حكميّة بخال عما احتمل حرمته منه فيشمله لذلك خبر «كلّ شي‏ء مطلق» (5) أيضاً.

و فيه ما لا يخفى فانّ غايته عدم انفكاك الشّبهات الّتي لا يشملها خبر «كلّ شي‏ء (6)»

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 118- ح 33 و 24 و المجلة 14- 193- ح 2

(2)- وسائل الشيعة: 4- 917- ح 3

(3)- وسائل الشيعة: 18- 118 ح 24- 33

(4)- وسائل الشيعة: 4- 917- ح 3

(5)- وسائل الشيعة: 4- 917- ح 3

(6)- وسائل الشيعة: 4- 917- ح 3

212

عمّا يشمله من الشّبهات؛ و هذا لا يوجب اتّحاده بحسب الموضوع مع ما يشمل كلا الطّائفتين. و لعلّه أشار إليه بقوله «فتأمّل».

قوله (قده): و منه يظهر انّه لو كان المشار إليه- إلخ-.

يعنى و ممّا ذكر من كون مورد الرواية هي الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان و الاستقلاليّان، ظهر انّ ما نحن فيه ليس مماثلاً لموردها، فلا وجه لسراية الاحتياط إليه، سواء كان المراد منه هو الإفتاء بالاحتياط أو الاحتياط فيه بالاحتراز عنه حتّى بالاحتياط.

قوله (قده): و الظّاهر انّ مراده الاحتياط- إلخ-.

لا يخفى انّ الأولى ان يقول في مقامه: و الإنصاف انّ مراده الاحتياط، و ذلك لأنّه صار بصدد إثبات وجوب الاحتياط إعراضاً عن قوله «فبأنّ ظاهرها الاستحباب» فافهم.

قوله (قده): و كون الحمرة غير الحمرة المشرقيّة.

و انّما حملها حينئذ على غيرها، فانّ سقوط الشّمس يتحقّق قبل ذهابها جزماً، فلا يجب انتظار ذهابها.

ثمّ لا يخفى انّ حمل الأمر بالاحتياط على الوجوب على هذا التّقدير، مبنىّ على عدم حجّية الظّن بدخول الوقت، و إلاّ فلا يكاد يصحّ حمله إلاّ على الاستحباب، فإنّ الأمارات المتراكمة المفروضة في السّؤال من تواري القرص، و إقبال الليل، و زيادة الليل ارتفاعاً، و استتار الشّمس من النّظر، و ارتفاع الحمرة، و أذان المؤذّنين، مفيدة للظّن جدّاً.

قوله (قده): فيحمل عل الطّلب الإرشادي‏

(1)

.

يعنى يحمل على الطّلب الإرشاديّ المشترك بين الوجوب و الاستحباب، بقرينة قوله (قده) في ذيله: «لأنّ تأكّد الطّلب الإرشادي- إلخ-». ثم إنّ الأولى ذكر هذا التّعليل قبل قوله (قده): «أو على الطّلب المشترك بين الوجوب و الاستحباب- إلخ-» كما لا يخفى.

____________

(1)- و في المصدر: فيحمل على الإرشاد أو على الطلب.

213

قوله (قده): و إلاّ لم يكن معنى لتأخير- إلخ-.

أمّا الأوّل فواضح، حيث لا يعقل ملاحظة التّرجيح بين ما لا ريب في صحّته و ما لا ريب في بطلانه. و أمّا الثاني فلأنّ الشّهرة في كلا الخبرين‏ (1) على هذا يوجب اتّصاف كلّ واحد منهما بنفي الرّيب عن صحّته و بطلانه، فانّها في كلّ موجب صحّته و بطلان معارضه حسب الفرض، كيف يصحّ فرضها فيهما. و امّا الثالث فلأنّ أحد الخبرين على هذا يكون بيّن الرّشد و الآخر بيّن الغيّ و لا شكل في البين، فيحتاج في بيان حكمه إلى تثليث الأمور و الاستشهاد بتثليث النّبي (صلى اللَّه عليه و آله).

قوله (قده): فيكفي حينئذ في مناسبة ذكر كلام النّبيّ‏

(2)

(صلى اللَّه عليه و آله)- إلخ-.

لا يخفى انّ كلامه (صلى اللَّه عليه و آله) بمجرّد هذا المقدار من المناسبة لا يصلح للاستشهاد به، و الظّاهر انّه ذكر لذلك؛ فالأولى ان يقال: انّ وجوب طرح الشّاذّ من مصاديق كلامه (صلى اللَّه عليه و آله) فانّه صدر إرشاداً إلى رجحان الاجتناب عن الشّبهات بالرّجحان المطلق المشترك بين الوجوب و الاستحباب فيتبع فيهما ما يرشد إليه، فيكون إيجابيّاً فيما كان الاجتناب واجباً و استحبابيّاً فيما كان مستحبّاً، و الشّاذّ يكون ممّا يجب الاجتناب عنه بطرحه، فانه ممّا شكّ في اعتباره في قبال المشهور فيندرج تحت ما أرشد (صلى اللَّه عليه و آله) إلى رجحان اجتنابه و يكون الرّجحان بالنّسبة إليه وجوبيّا، فليتدبّر.

و كيف كان يرد على الرّواية (3) على هذا إشكال، و هو انّ الإمام (عليه السلام) شأنه ان يزيل الاشتباه ببيان ما يقع فيه التّحيّر من الحكم إذا كانت الشّبهة حكميّة كما في المقام، كما لا يخفى، لا تقرير الجاهل على جهله بإرجاعه إلى الاحتياط.

و يمكن ان يذبّ عنه انّه لمّا كان شذوذ الشّاذّ ليس في نفسه بمثابة يوجب سقوطه عن الحجّية في نفسه و لو لم يعارضه المشهور، بل إنّما هو بالقياس إليه، و إلاّ لما كان لملاحظة التّرجيح بينهما معنى؛ و كان مثل هذا الشّذوذ تارة من جهة الاطلاع على عيب في الخبر يوجب عدم اعتنائهم به، فلا يروونه فلا يعرف بين الرّواة، و أخرى من جهة مجرّد عدم اطّلاع المعظم عليه اتّفاقاً، بحيث لا ينقص الشّاذ عن المشهور أصلاً كان التّحيّر في الشّاذّ،

____________

(1)- أي الخبرين المتعارضين.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 118

(3)- وسائل الشيعة: 18- 118

214

و الشّكّ في اعتباره ليس من الشبهة الحكميّة، بل من الموضوعيّة الّتي ليس من شأنه (عليه السلام) رفعها، بل بيان حكمها، فتأمّل. و لعلّ امره بالتّأمّل في ذيل الكلام إشارة إلى بعض ما أوردناه في المقام.

قوله (قده): يجب بمقتضى قوله تعالى «و ما نهاكم عنه فانتهوا

(1)

- إلخ-.

لا يخفى انّ الآية لا تنهض لإفادة وجوب الخروج عن عهدة التّكاليف المعلومة إجمالاً، إلاّ على بعض الوجوه المحتملة فيها، و هو ان يكون امره تعالى بقوله «فانتهوا- إلخ-» نفسيّاً بأن يكون اتّباع قول النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) مطلوباً ذاتيّاً له تعالى، فتدلّ على انّ المحرّمات المعلومة واجبة الاجتناب، لكونها ممّا نهى عنها النّبي (صلى اللَّه عليه و آله)، و لا يبعد أن يكون ظاهرها انّه للإرشاد، من قبيل قوله تعالى «أطيعوا اللَّه‏ (2)» نظراً إلى انّ نواهي الرّسول هو نواهيه تعالى، و معه لا دلالة لها على وجوب الخروج عن العهدة، لتبعيّة الأمر الإرشاديّ لما يرشد إليه في الوجوب و عدمه، و كذا لا دلالة لها لو كان طريقيّاً. كما يحتمل بعيداً بأن يكون عرضه تعالى جعل نهيه (صلى اللَّه عليه و آله) حجّة و طريقاً إلى نواهيه تعالى، فإنّ الآية على هذا لا تزيد على ما هو قضيّة نفس العلم إجمالاً بنواهيه تعالى، فانّها بعد العلم بها منجّزة يجب الخروج عن عهدتها عقلاً.

و من هنا انقدح عدم الحاجة إليها في إثبات ذلك على الوجه الأوّل، إلاّ على وجه التّأكيد و التّأييد.

قوله (قده): و الجواب أوّلاً بمنع تعلّق التّكليف- إلخ-.

لا يخفى ما في كلام الجوابين من الضّعف و القدح، و مخالفتهما لما هو التّحقيق عنده:

امّا الأوّل، فلاستقلال العقل بتنجّز التّكاليف المعلومة بالإجمال على القادر على الامتثال و وجوب الخروج عن عهدتها، كما سيأتي تحقيقه في كلامه، و مرّ منه غير مرّة. و مجرّد نصب الطّريق لا يفيد أزيد من وجوب البناء على كون مؤدّاه هو الواقع، لا أنّ الشّارع ما أراد من الواقع إلاّ ما ساعد عليه الطّريق، حسب ما حقّق القول فيه عند كلامه على القائلين، بأنّ نتيجة دليل الانسداد حجّية الظّنّ في الطّريق، فراجع. و من المعلوم انّ البناء

____________

(1)- الحشر- 7

(2)- النساء- 59