درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
215

على انّ مؤدّاه الواقع لا يوجب ان يكون مكلّفاً بالواقع بحسب تأدية هذا الطّريق، لا بالواقع، من حيث هو مع العلم به، فلا يجب مراعاته بالاحتياط.

و أمّا الثّاني، فلأنّه ليس مجرّد عدم ثبوت العلم الإجماليّ بعد العلم بحرمة بعضها يوجب ارتفاع اثره ما لم ينطبق ما علم تفصيلاً على ما علم إجمالاً، كما إذا علم بحرمة غنم من قطيع إجمالاً، ثمّ علم بحرمة واحد تفصيلا، و ذلك لأنّ العلم الإجماليّ بعد تأثيره التّنجّز و الاشتغال لا عبرة ببقائه و ارتفاعه في لزوم تحصيل الفراغ اليقينيّ من ذاك التّكليف، و لذا لو فقد بعض الأطراف، أو اضطرّ إليه، أو خرج عن مورد الابتلاء كان باقيها على ما كان عليه من وجوب مراعاة جانب التّكليف المحتمل فيه قبل طروّ واحدها، كما سيصرّح به في الشّبهة المحصورة.

نعم لو كان طروّ أحدها و التّكليف ببعضها قبل العلم الإجماليّ، لكان مانعاً من أصل تأثيره.

و بالجملة العلم الإجماليّ لا يرتفع أثره بلحوق أحد هذه الأمور الّتي كان سبق كلّ واحد منها مانعاً من تأثيره، بل باق كما كان قبل اللّحوق، إلاّ إذا انقلب الإجماليّ بالتّفصيلي، و انطبق ما علم إجمالاً بما علم تفصيلاً، كما في المثال.

فالتّحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الظّفر على الأمارات المثبتة للتّكاليف في بعض أطراف العلم ليس من قبيل لحوق التّكليف له، فيشكل بأنه لا يرفع أثره، بل هو من قبيل لحوق العلم بتكليف سابق عليه، فانّها كاشفة عن ثبوت ما أدّت إليها من التّكاليف في مواردها من أوّل الأمر، لا محدثة إيّاها من حين نهوضها عليها، فيجب البناء على انّ مواردها من أوّل الأمر ما كانت مجاري لأصالة الإباحة و البراءة، فيبقى أصالة البراءة في غيرها سليمة عن المعارض، كما إذا علم بعد العلم الإجماليّ بتعلّق تكليف ببعض الأطراف قبله، من دون تفاوت بينهما فيما هو موجب لارتفاع اثره، و هو استكشاف مسبوقيّته بالتّكليف في بعض أطرافه بالحجّة المعتبرة.

هذا، مضافاً إلى إمكان منع كون غير موارد الأمارات و الأصول من أطراف العلم، بحيث لو ضمّت إلى ما بقي منها بعد إخراج المقدار المعلوم من جملتها، كان التّكليف بينها معلوماً على حدّ الشّبهة المحصورة، بل لو كان التّكليف معلوماً كان على حدّ الشّبهة الغير المحصورة، كما لا يخفى، و لو سلّم كونه على حدّ الشّبهة المحصورة، لكن لمّا كان العلم بالتّكاليف في موارد الأمارات المثبتة بمقدار التّكاليف الواقعيّة المعلومة، بل أزيد منها و كان مقارناً للعلم بها، كان مانعاً من تأثير العلم بها، فانّ الضّابط في تأثيره أن يكون التّكليف‏

216

المعلوم بحيث لو كان متعلّقاً بكلّ طرف كان يوجب الإتيان به فعلاً، و ليس كذلك لو كان بعض الأطراف معلوم التّكليف حين العلم به، فإنّه لو كان متعلّقا بهذا الطّرف لما كان مؤثّراً له لحصوله بدونه؛ و عليك بالتّأمّل التّام في المقام.

قوله (قده): فوجوب دفعها غير لازم عقلاً- إلخ-.

لا يخفى انّ منع وجوب دفع ما لا يدخل في عنوان المؤاخذة عقلاً مساوق لمنع الملازمة بين حكم الشّرع و حكم العقل؛ كيف و احتمال الحرمة شرعاً على الملازمة، ملازم لاحتمال وجود ما يلزم العقل دفعه.

و بالجملة ليس ما لا يدخل في عنوان المؤاخذة من المفاسد الّتي تكون مناطات للنّواهي الشّرعيّة من المضارّ الدّنيويّة الّتي لا يحكم العقل بوجوب الاحتراز عنها، بل لو اطّلع عليه كما اطّلع الشّارع لحكم به، كما هو حكم به بناء على الملازمة، فتدبّر.

قوله (قده): حتّى يتّضح حال النّسبة- إلخ-.

و انّها ليست بصادقة، فانّه ليس ما يورث تخيّل التّفصيل في عبارتيه إلاّ في عبارته الأولى قوله (ره): «و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر» حيث يتخيّل منه انّ المحقّق (ره) جعل القول بالإباحة بالمعنى الّذي هو محلّ الكلام من أقسام ما لا يصحّ إلاّ فيما علم انّه لو كان هناك دليل لظفرنا به؛ و من المعلوم انّه لا يكون كذلك إلاّ ما يعمّ به البلوى، كما لا يخفى.

و ما في عبارته الثّانية قوله (ره): «انّه لو كان هذا الحكم ثابتاً لدلّ عليه إحدى تلك الدّلائل» حيث يتخيّل انّه لا يتمّ إلاّ فيما يعمّ به البلوى، فانّ غيره لا يلزم ثبوته نهوض دليل من الأدلّة عليه، و أنت خبير بعدم صلاحية واحدة منهما لذلك.

أمّا الأولى، فلأن الإباحة في قوله (ره): «و منه القول بالإباحة» ليس بالمعنى الّذي هو محلّ الكلام، بل هو الإباحة الشّرعيّة الواقعيّة الّتي هو أحد الأحكام.

و أمّا الثّانية، فلأنّ تعليله (ره) «ذلك» لقوله (ره): «لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التّكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به- إلخ-» يشهد بصراحته انّ مراده من الحكم المنفيّ بذلك هو الحكم الفعلي المنجّز، ضرورة انّه لا تكليف بنفس الواقع من حيث هو ليلزم من عدم الدّلالة عليه التّكليف بما لا يطاق. و من المعلوم انّه لا يتفاوت الحال في الحكم الفعلي بحسب الدّليل بين ما يعمّ به البلوى و غيره، كما حقّقه (قده)، فتفطن.

217

قوله (قده): هي الإباحة من غير ملاحظة الظّنّ بعدم تحريمه- إلخ-.

المراد بالإباحة هاهنا هو مجرّد عدم المنع شرعاً، لا الّتي تكون أحد الأحكام الخمسة، و إلاّ لا يكون جلّ الأدلّة لو لا كلّها بمقتضية لها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و جهان: من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوب- إلخ-.

لا يخفى انّه لا يأبى عن حملها على الاستحباب شمولها للشّبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ، فلا يمكن حملها عليه و لو على مذهب الأصوليّين. و لا يأبى عن حمله على الإرشاد المطلق ما استظهره عن بعض الأخبار الآتية في كلامه (قده) من انّ الحكمة في الأمر بالتّوقف و الاحتياط هو ان لا يهون على المكلّف ارتكاب المحرّمات المعلومة و يسهل عليه الاجتناب عنها، لعدم المنافاة بين ما هو ملاك الاستحباب النّفسي، و ما هو ملاك الطّلب الإرشادي المطلق الّذي يتبع ما يرشد إليه في الوجوب و الاستحباب، فلا محذور أصلاً في أن يكون الاحتياط في موارد الشّبهات مطلقا، مع ما هو عليه من ملاك الاستحباب و المطلوبية النّفسيّة مأموراً به، إرشاداً بالطّلب المطلق الّذي يختلف إيجاباً و استحباباً حسب اختلافها فيهما، كما تقدّم بيانه، فتفطّن.

قوله (قده): لأنّ معنى الإباحة الإذن- إلخ-.

و هو مأخوذ من الأذان بمعنى الإعلام، و منه قوله تعالى «و أذان من اللَّه‏ (1)» و قوله تعالى «و أذّن مؤذّن أيّتها العير (2)» فما لم يعلم التّرخيص لا يتّصف بكونه مباحاً. لكن لا يخفى انّ الإباحة كسائر الأحكام الخمسة لها واقع، لا يتفاوت حالها في حالتي العلم لها و الجهل، كيف فإن كانت واقعيّتها منوطة بالعلم بها لدار، كما لا يخفى.

قوله (قده): و لا يستلزم‏

(3)

من تسليم استحقاق الثّواب على الانقياد- إلخ-.

لا يخفى انّ الظّاهر بل المقطوع، انّ التّجرّي و الانقياد كالإطاعة و العصيان توأمان يرتضعان بلبن واحد فإن كان الانقياد موجباً لاستحقاق الثّواب، فليكن التّجرّي موجباً

____________

(1)- التوبة- 3

(2)- يوسف- 70 (ثم أذّن مؤذن.).

(3)- و في المصدر: و لا يلزم ..

218

لاستحقاق العقاب.

نعم صحّة التّفضّل بالثّواب دون العقاب، ربّما يوجب تخيّل التّفاوت بينهما و هو فاسد، لأنّ الكلام في الاستحقاق دون التّفضّل، و التّفاوت بينهما بحسب أحدهما لا يستلزم التّفاوت بينهما بحسب الآخر.

قوله (قده): و إن شكّ فيه من جهة الشّكّ في قبوله التّذكية- إلخ-.

هذا مع قطع النّظر عن عموم دليل يدلّ على قبول كلّ حيوان للتّذكية و إلاّ كما ربّما يظهر منه ثبوت العموم، فلا مجال لأصالة عدم التّذكية، كما سيصرّح به.

ان قلت: لا مجال لها و لو مع الإغماض عن ذلك، لأنّ الشّبهة حسب الفرض إنّما هي ناشئة من الشّكّ في قبول التّذكية و عدم قبولها، و لا معنى له إلاّ حلّيّة الحيوان بعد الذّبح على نحو خاصّ، و أصالة الحلّ صالحة لإحرازها.

و بعبارة أخرى انّ أصالة الحلّ كما انّها صالحة لإحراز الحلّيّة إذا شكّ في حلّيّة شي‏ء على كلّ تقدير، كذلك صالحة لإحرازها إذا شكّ فيها على بعض التّقادير، و ليس القابليّة للتّذكية إلاّ عبارة عن حلّيّة الحيوان على تقدير خاصّ و هو بعد الذّبح على نهج خاصّ، و نظيره ما إذا شكّ في حلّيّة امرأة بالعقد عليها لأجل احتمال نسب أو رضاع موجب الحرمة، فبأصالة عدم تحقّقها يحرز كونها ممّن يؤثّر العقد عليها حلّيّة الوطء، فكذلك أصالة الحلّ محرزة العلّيّة بعد الذّبح.

قلت: هب، انّ قابليّة الحيوان للتّذكية إنّما هو بمعنى حلّيّته بالذّبح، إلاّ انّ هذه الحلّيّة إنّما هي الثّابتة للحيوان بما هو؛ و من المعلوم انّها غير محرزة بأصالة الحلّ، و انّ المحرز بها هو حلّيّته بما هو مجهول الحكم أو العنوان، و لا يقاس أصالة الحلّ باستصحابه فضلاً عن الاستصحابات الموضوعيّة، فانّه محرز للحلّ للموضوع بما هو، و بعنوانه تعبّداً، فيترتّب عليه ما يترتّب على الحلّية الواقعيّة، بخلاف الحلّية الثّابتة بأصالة الحلّ، فانّها ليست بلسان انّها هي الحلّيّة الواقعيّة، كي يترتّب عليها ما يترتّب على الواقعيّة من الآثار، و منها اعتبارها في تأثير التّذكية الحلّيّة، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): و يمكن منع حصر المحلّلات- إلخ-.

الظّاهر انّ عبارة شارح الرّوضة هو حصر محلّلات اللّحوم لا مطلق المحلّلات، و ربّما يشهد به قوله «كان الأصل طهارته و حرمة لحمه» كما لا يخفى.

219

قوله (قده): بل الطّيب ما لا يستقدز، فهو امر عدميّ- إلخ-.

لا يخفى انّه لا يجدى كون الوصف عدميّاً ما لم يكن للاتّصاف به حالة سابقة، و معه لا يتفاوت بينه و بين كونه وجوديّاً، إذ مجرّد إحراز العدم في العدميّ بالأصل لا يثبت الاتّصاف به إلاّ على الأصل المثبت، و هو المهمّ في المقام، و لعلّه إليه أشار بقوله «فتدبّر».

قوله (قده): كان داخلاً في الشّبهة في طريق الحكم- إلخ-.

المراد بالشّبهة في طريق الحكم هي الشّبهة الموضوعيّة، فلا يجب فيها الاحتياط و لو على مذهب الأخباريين، و منشأ التّوهّم انّ منشأ الاشتباه فيها إنّما هو عدم المعرفة بالوضع، فيرتفع بالرّجوع إلى العارف به و ليس من شأن الشّارع رفعه، كما هو شأن جميع الشّبهات الموضوعيّة.

و امّا وجه الفساد هو انّ الملاك في الشّبهة الحكميّة ان يكون الشّكّ في مراد الشّارع، و لا ريب انّ الشّكّ هاهنا فيه و إن كان منشؤه عدم المعرفة بالوضع، و لا شبهة في انّ شأنه رفعه و تعيينه و ان كان قد يرتفع بالرّجوع إلى غيره من العارف بالوضع أو علائمه أيضاً.

و بإزاء هذا التّوهّم، توهّم النّص، فالاحتياط لازم هاهنا و لو على مذهب المجتهدين القائلين بالبراءة في تلك المسألة، و هو أيضا فاسد، فإنّ التّكليف إنّما هو ثابت بالنّسبة إلى ما كان الخطاب بياناً له و هو القدر المتيقّن منه. و امّا بالنّسبة إلى غيره، فالتّكليف بعد غير منجّز، و إلاّ لزم العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان، كما في صورة فقد النّص بلا تفاوت أصلاً، كما لا يخفى [1].

قوله (قده): و ان حكم أصحابنا بالتخيير- إلخ-.

لا يخفى انّ الحكم بالتّخيير يشكل و لو بملاحظة أخبار التّخيير، فانّها بملاحظة ما ربّما يستفاد من مجموع أخبار التّرجيح على ما ادّعى مقيّدة بما إذا لم يكن لأحد الخبرين مزيّة

____________

[1]- حاشية منه (ره):

و حاصل الدّفع انّ التّكليف بالاجتناب عن الطّبيعة المنهيّ عنها و إن كان منجّزاً يجب إحراز الاجتناب عنها، لكن يكفي في ذلك إحرازه بأصالة العدم الجارية غالباً عند الإتيان بما يشكّ انّه منها، حيث انّ المكلّف به ليس إلاّ التّرك، و هو محرز بالأصل و لو أتى بما احتمل حرمته. و أمّا وجه جواز الإتيان به فلعدم كون الخطاب و النّهى عن الطّبيعة بياناً للتّكليف من غير ما علم تفصيلها، أو إجمالاً من أفراده، فليفهم.

220

من جهة أصلاً، فلا يشمل خبري النّاقل و المقرّر بناء على ترجيح النّاقل بمخالفته للأصل، إلاّ إذا قلنا بتحكيم إطلاقها في موارد المزايا المنصوصة، و إن كان هو الأظهر، حسب ما استظهرناه من أخبار التّرجيح فيما علّقناه على التّعادل و التّراجيح، لكنّه خلاف ديدنهم، حيث انّ بنائهم على التّعدّي من المزايا المنصوصة إلى كلّ مزية، كما لا يخفى.

قوله (قده): لكن هذا الوجه قد يأباه مقتضى أدلّتهم- إلخ-.

أي هذا الوجه الّذي وجّه به الإشكال الأوّل، لا ما وجّه به الإشكال الثّاني، كما ربّما يوهمه العبارة فانّه ليس بمراد قطعاً. و امّا إباء أدلّتهم فلأن تعليلهم تقديم النّاقل بأنّ الغالب فيما يصدر من الشّارع من الحكم ممّا يحتاج إلى البيان، و لا يستغنى عنه بحكم العقل يعمّ الحاظر، كما لا يخفى.

كما انّ استدلالهم على تقديم الحاظر بقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1) يشمل خبر الدّالّ على الوجوب، فلا وجه لجعل النّاقل و المقرّر، و الحاظر و المبيح مسألتين، بل يكون مسألة الحاظر و المبيح من جزئيّات مسألة النّاقل و المقرّر، كما حكى عن بعضهم تفريع تقديم الحاظر على تقديم النّاقل، فالأولى في الجواب كما أفاده (قده) في مسألة التّعادل و التّراجيح منع ثبوت الاتّفاق على تقديم الحاظر، و انْ ادّعاه بعضهم، و المحقّق هو ذهاب الأكثر، و قد ذهبوا إلى تقديم النّاقل أيضا.

قوله (قده): لأصالة بقاء الثّوب على ملكيّة الغير- إلخ-.

هذا، مع علمه بكونه سابقاً ملكاً للغير، كما هو الغالب. و أمّا إذا احتمل حدوثه في ملكه من دون سبق ملك أحد عليه، فلو أغمض العين عن اليد حسب الفرض، كان المرجع هو أصالة الحلّ بناء على أن يكون كلّ واحد من جواز التّصرّف في الأموال، و حرمته محتاجاً إلى سبب محلّل ككونه ملكاً له، و محرّم ككونه ملكاً لغيره، فانّه بعد تساقط استصحاب عدم حدوث الملكيّة له بمعارضة استصحاب عدم حدوثها لغيره يبقى أصالة الحلّ بلا مزاحم عليها حاكم. و أمّا إذا كان أحدهما محتاجاً إلى سبب دون الآخر فبعد استصحاب عدم حدوث سببه يحكم بالآخر، فانّه لا يحتاج حسب الفرض إلى سبب، و قد أحرز عدم حدوث سبب الآخر بالأصل، فيحكم بجواز التّصرّف و لو كان الحرمة في الأدلّة

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 124- ح 47

221

محمولة على ملك الغير، و بها لو كان الجواز محمولاً على ملكه. و لا يخفى انّه لو كان حرمة التّصرف معلّقاً، فالحكم بحلّيّة التّصرف، و جوازه ليس من باب أصالة الحلّ، بل لأجل الدّليل الاجتهاديّ، فانّ مجرّد استصحاب عدم حدوث سبب حرمة التّصرّف ينقّح ما هو موضوع دليل جواز التّصرّف، و لذا خصّصنا جريانهما بما إذا كان كلّ منهما معلّقاً على السّبب، فتدبّر.

قوله (قده): مع انّ صدرها و ذيلها- إلخ-.

ان لم يوجب ذكر هذه الأمثلة إجمال طرفيها، لكن يمكن ان يقال انّه ليس ذكرها للمثال، بل إنّما ذكرت تنظيراً لتقريب أصالة الإباحة في الأذهان، و انّها ليست بعادمة النّظير في الشّريعة، فقد حكم بملكيّة الثّوب و العبد مع الشّكّ فيها بمجرّد اليد، و بصحّة العقد على الامرأة الّتي شكّ انّها من المحارم بالنّسب أو الرّضاع بمجرّد أصالة عدمها.

قوله (قده): يوجب حرمة الافراد المعلومة- إلخ-.

أي يوجب حرمتها بالخصوص على نحو التّنجّز، و إلاّ فلا اختصاص للحرمة الواقعيّة بما علم من الأفراد، كما لا يخفى. و بالجملة التّكليف لا يكاد ان ينجّز إلاّ بعد إحراز صغرى ما يستفاد من الأدلّة الشّرعيّة من الكبرى المتضمّنة للحكم على عنوان كلّي، و إيجاب الاحتياط الموجب للتّنجّز انّما هو بمنزلة الإحراز، كما لا يخفى، فافهم.

قوله (قده): و إن أريد ما لا يدفع العقل ترتّبه من غير بيان- إلخ-.

قد تقدّم في بعض الحواشي السّابقة، انّ منع وجوب دفع ما ليس من العقاب من المفاسد الّتي هي مناطات النّواهي الشّرعيّة مساوق لمنع الملازمة بين الحكم الشّرعيّ و العقليّ، و قد تقدّم في بعض الحواشي المتعلّقة بالشّبهة الحكميّة ما يناسب المقام أيضا من الكلام، فراجع.

قوله (قده): لأنّ الحلّيّة في الأملاك- إلخ-.

الأولى ان يقول بدل في الأملاك، في الأموال، فانّه يوهم بظاهره ان كان ملكاً للإنسان فعلاً يحتاج جواز التّصرف فيه إلى سبب، مع انّ الملكيّة من أقوى الأسباب المبيحة له، فلا تغفل.

222

قوله (قده): و لقوله (عليه السلام) «لا يحلّ مال امرئ إلاّ من حيث ما أحلّ اللَّه تعالى‏

(1)

- إلخ-.

وجه الاستدلال به على تقدير كونه في مقام إنشاء الحلّيّة واضح، حيث انّ الإمام (عليه السلام) أناط حلّيّة المال بالسّبب و الحيثيّة الّتي أناطها اللَّه تعالى بها. و أمّا على تقدير كونه إخباراً فهو حينئذ و إن كان بنفسه ليس دليلاً على إناطتها، إلاّ انّه يدلّ على انّها منوطة في أدلّتها بأسباب و حيثيّات خاصّة، فليتدبّر.

قوله (قده): مدفوع أوّلاً بأنّه يكفي في الحكم- إلخ-.

لا إشكال ظاهراً بينهم في انّ ما لم يذكّ واقعاً فهو حرام كذلك و إن لم يمت موت حتف أنف، بحيث لو أحرز بالقطع أو أمارة معتبرة لا كلام في الحكم بحرمته، و انّما الإشكال في انّه المأخوذ في موضوع الحكم كي يحرز بأصالة عدم التّذكية أيضا، أو ما يلزمه من العنوان و لو مثل عنوانه ما يغاير المذكّى، لئلا يمكن إحرازه بها إلاّ على القول بالأصل المثبت.

و من هنا ظهر انّ استثناء «ما ذكّيتم» (2) انّما يكون دليلاً على أنّ موضوع الحرمة في المستثنى منه يكون على نحو يحرز بأصالة عدم التّذكية إذا قلنا بأنّ الاستثناء ليس مفاده التّنويع بان يكون موضوع الحكم في المستثنى هو المذكّى، و في المستثنى منه هو ما يغايره، بل مفاده ثبوت الحكم في المستثنى منه بمجرّد عدم كونه مذكّى، و إن كان الأظهر عدم دلالة الاستثناء على التّنويع، كما لا يخفى على المتأمّل، فليتأمّل.

قوله (قده): و ثانياً انّ الميتة عبارة عن غير المذكّى- إلخ-.

أي خصوص ما ليس بمذكّى، لا مطلق ما يغايره، كما لا يخفى وجهه.

قوله (قده): فحملها على الاستحباب أولى- إلخ-.

بل الأولى حملها على مطلق الرّجحان إرشاداً، مع ما هو عليه من ملاك الاستحباب أيضاً حسب ما هو مقتضى الجمع بين الأخبار، كما تقدّم في بعض الحواشي السّابقة، و الأولويّة هاهنا من قبيل ما في «أولو الأرحام‏ (3)» كما لا يخفى.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 6- 375- ح 2

(2)- المائدة- 3

(3)- الأنفال- 75

223

قوله (قده): ما ذكره من الفرق- إلخ-.

لا منشأ لتخيّل التّفرقة بذلك ظاهراً، إلاّ انّ الأنسب حينئذ ان يحمل هذه الأسئلة الّتي في أخبار الوقف‏ (1) بأجوبتها على الشّبهة الحكميّة، إمّا لأنّه لا يرجع في غيرها إلى الإمام، أو لأنّه انّما يناسب ان يتوقّف فيها كي يرجع إلى الإمام في إزالة الشّبهة، بخلاف الشّبهة الموضوعيّة فانّها لا يسأل عن الإمام فيناسب التّوقّف إلى أن يزول الشّبهة بالرّجوع إليه.

و فيه انّ الشّبهة الموضوعيّة و ان كانت لا يرجع إليه في إزالة الشّبهة عنها، إلاّ انّه لا يرجع إليه في بيان حكمها، و انّما يرجع إلى غيره من إزالة نفس الاشتباه فيناسبها التّوقّف أيضاً إلى أن يزول الاشتباه بالرّجوع إلى أهل الخبرة و المعرفة، و ليس الرّجوع إلى غيره (عليه السلام) في الشّبهات الموضوعيّة بأضعف من الرّجوع إليه في الحكميّة منها.

نعم الابتلاء بها أكثر، فربّما يناسبه التّخفيف بالحكم بالإباحة فيها، لكنّه مطلب آخر، مع انّ مواردها غالباً لا يخلو من أمارة أو أصل موضوعيّ.

قوله (قده): نعم يمكن ان يقال- إلخ-.

هذا من تتمة وجه الأولويّة، و ليس باستدراك كما يوهمه ظاهر كلمة «نعم» إذ لا محلّ له، كما لا يخفى على المتأمّل.

قوله (قده): لأنّ تحديده في غاية العسر- إلخ-.

بل تحديده علماً ممّا لا يمكن عادة، فانّه ممّا لا يعلم غالباً إلاّ بعد وقوعه، بل تحديده ظنّاً على نحو مضبوط في عدد خاصّ أيضا كذلك، كما لا يخفى.

قوله (قده): و يحتمل التّبعيض بحسب المحتملات- إلخ-.

فيحتاط فيما يعتنى به الشّارع أكثر من غيره كما في الفروج و أموال النّاس و حقوقهم.

لا يقال: الاقتصار على ما علم حلّيته منها أيضا ربّما يوجب الاختلال، كما أشير إليه في بعض الأخبار اعتبار اليد و السّوق بأنه «لولاه لما بقي للمسلمين سوق‏ (2)».

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 281- ح 25

(2)- وسائل الشيعة: 18- 215- ح 2

224

فانّه يقال: نعم لو لم يكن في غالب مواردها الأمارات الموضوعيّة أو أصولها، فافهم.

قوله (قده): فهو إنّما يقدح في وجوب الاحتياط لا في حسنه- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا لا يكاد يتمّ إلاّ على تقدير عدم كون الاختلال مبغوضاً تعلّق غرض الشّارع بعدمه، بل كان مثل العسر في انّه انّما رفع منّة منه تعالى على العباد، و هو كما ترى، بداهة انّه لا معنى للاحتياط في مورد الاختلال، مع كونه مبغوضاً لامتناع تحقّق الانقياد في العصيان.

قوله (قده): في مسألة وجوب الاحتياط- إلخ-.

مخالفة المحدث يستفاد من إطلاقه الحكم الّذي تردّد فيه المكلّف، خصوصاً بملاحظة تمثيله على ما حكى عنه المصنف (قده) بما إذا تردّد بين الوجوب و الاستحباب، كما هو واضح.

ثمّ لا يخفى انّ قول‏ (1) المحدّث «و من هذا القسم ما لم يرد فيه نصّ» لا يلائم ما قبله، فانّه عين ما لم يرد فيه نصّ لا مثال و نظير له إن كان هو القسم المشار إليه، و إن كان المشار إليه هو القسم الأوّل الّذي جعل الاحتياط فيه واجباً فهو و إن كان منه إلاّ انّه قد ذكره في اقسامه، فلعلّ في العبارة المحكيّة منه على ما في هذه النّسخ سقطاً، و كيف كان فالأمر سهل.

قوله (قده): و الحكم بالثّواب هنا أولى- إلخ-.

وجه الأولويّة انّ الأمر في جانب الثّواب أوسع منه، و لذا لا يعاقب إلاّ بالاستحقاق و ربّما يثاب بدونه، لكن قد عرفت انّ هذا بحسب التّفضّل، و امّا بحسب الاستحقاق فهما توأمان مرتضعان بلبن واحد، فلا تغفل.

قوله (قده): لأنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّة القربة- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا الإشكال إنّما هو على تقدير اعتبار نيّة القربة في العبارة شطراً أو شرطاً و أمّا على تقدير عدم اعتبارها فيها كذلك، بل كانت من الوجوه و الكيفيّات‏

____________

(1)- أي المحدث البحراني في الدرر النجفيّة ص 25

225

المعتبرة في إطاعة أمرها كما في غيرها، غاية الأمر انّه لمّا كان على تقدير الأمر به عبادة لا بدّ من الإتيان به بداعي احتمال الأمر، لا بداعي آخر من الدّواعي النّفسانيّة، و لا يعتبر في القربة المعتبرة في العبادة أزيد من ان يكون الدّاعي إلى الإتيان هو امتثال أمره على تقديره.

ثمّ انّى لا أظنّك إن كنت من أهل معرفة بالشّرع و بصيرة بمذاق أهله ذا مزيّة في جريان الاحتياط في العبادات حقيقة نحو جريانه في غيرها فأحدس منه انّ القرية و أمثالها من وجوب الطّاعة لا مأخوذاً في العبارة، و إلاّ لا يكون الاحتياط حقيقة جارياً فيها، كما هو مقتضى ما ذكره (قده) في حلّ الإشكال.

قوله (قده): و ما ذكرنا من ترتّب الثّواب على هذا الفعل- إلخ-.

لا يخفى انّه لا مجال له أصلاً، و لو سلّم انّ ترتّب الثّواب على الاحتياط يوجب الأمر به؛ كيف، و ترتّب الثّواب عليه يتوقّف على إتيانه بعنوان الاحتياط المفروض توقّفه هاهنا على الأمر. و بالجملة الأمر الناشئ من قبل ترتّب الثّواب متأخّر طبعاً عن الاحتياط، لبداهة تأخّر الحكم عن موضوعه، فلا يعقل مدخليّته في تحقّق عنوانه.

و من هنا ظهر القدح في قوله «و دعوى انّ العقل- إلخ-» و لو قلنا بالملازمة أيضاً بين هذا الحسن، و الأمر الشّرعيّ المولويّ، فانّه لا حسن إلاّ للاحتياط، و المفروض توقّف تحقّقه هاهنا على الأمر، و قد ظهر أيضا انّه لا وجه لجعل هذا وجهاً لجريان الاحتياط، فلا تغفل.

قوله (قده): بعد النّقض بورود هذا الإيراد- إلخ-.

لا يخفى الفرق بين الأوامر الواقعيّة و أوامر الاحتياط، فانّ الأوامر الواقعيّة بعد قيام الإجماع على عباديّتها يتكلّف في تصحيحها بتعدّد بالأمر قد تعلّق أحدهما بذات العمل و الآخر بإتيانه بداعي أمره، و لا يتمشّى هذا هاهنا، فانّ المفروض انّه لا امر هاهنا الا بعنوان الاحتياط، و قد عرفت توقّفه هاهنا على الأمر، و الأمر به أوّلاً، لا بعنوانه. ثمّ الأمر بإتيانه بداعي أمره الأوّل يخرجه عن عنوان الاحتياط رأساً، كما لا يخفى، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): انّ المراد من الاحتياط- إلخ-.

لا يخفى انّ المصير إليه يتوقّف على شمول أوامر الاحتياط للاحتياط في العبادات و عدم محيص آخر؛ و قد عرفت انّ الاحتياط فيها حقيقة لا مجال له، فلا بدّ في شمولها من‏

226

الالتزام بعموم مجاز، من دون نصب قرينة عليه.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه في هذه الحواشي المتعلّقة بالمقام، انّه لا مجال للاحتياط في العبادات لو قلنا باعتبار القربة فيها شطراً و شرطاً، و امّا لو قلنا بعدم اعتبارها فيها أصلاً و انّما هي من وجوه الإطاعة و كيفيّاتها، كما هو الحق حسب ما حقّقناه في بعض حواشي فروع العلم الإجماليّ، فتذكّر.

قوله (قده): عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) «من بلغه‏

(1)

- إلخ-.

البلوغ بمعنى الوصول، و هو لا يصحّ أن ينسب على الحقيقة إلى الفعل أو الثّواب بمعنى الأجر قبل تحقّقهما، كما هو المفروض في الرّواية، بل بالنّسبة إلى الفعل مطلقا لأنّه صادر حينئذ عن الفاعل لا واصل إليه، فلا بدّ من الالتزام بالمجاز إسناداً أو إضماراً أو حذفاً بان يكون المعنى «من بلغه خبر شي‏ء- إلخ-» كما لا يخفى.

قوله (قده): و الظّاهر انّ المراد من شي‏ء من الثواب- إلخ-.

إذ احتمال أن يكون المراد من شي‏ء من الثّواب، نوعاً أو مقداراً من الثّواب بمعنى الأجر كما هو ظاهره، بعيد لاحتياجه إلى تقدير ما يكون مرجعاً للضّمير و مشاراً إليه لاسم الإشارة، مع انّ المناسب حينئذ أن يكون مكان له أجر ذلك له ذلك، كما لا يخفى على من له دراية، و المجاز أرجح من التّقدير مطلقا، خصوصاً في المقام.

قوله (قده): و ثالثة بظهورها فيما بلغ فيه الثّواب المحض- إلخ-.

كما في الخبر الضّعيف بالاستحباب، حيث انّه لازمه الثّواب المحض، بخلاف ما إذا كان الخبر على الوجوب، فانّه فيه بلوغ العقاب على التّرك، كما فيه بلوغ الثّواب على الفعل إذا أتى بداعي التّقرب، فلا تشمل هذه الأخبار ما هو محلّ الكلام، فتدبّر.

قوله (قده): مع إطلاق الخبر

(2)

- إلخ-.

لا يخفى أنّ دعوى الإطلاق إنّما هو بالنّسبة إلى العقاب مع الثّواب، لا وحده، كما هو

____________

(1)- المحاسن للبرقي- 25

(2)- المحاسن للبرقي- 25

227

واضح.

قوله (قده): و يردّ ما قبله ما تقدّم- إلخ-.

قد تقدّم ما فيه و ما يحسم به مادّة الإشكال، فلا تغفل.

قوله (قده): و لا يترتّب عليه رفع الحدث، فتأمّل.- إلخ-.

لعلّ وجه التّأمّل ما حقّق في محلّه من انّ تصحيح عباديّة الوضوء إنّما هو باستحبابه النّفسيّ و رجحانه الذّاتي لا بما يعرضه من الرّجحان الغيري، و حينئذ ينعقد صحيحاً مؤثّراً إذا قصد به التّقرّب بهذا اللّحاظ كان مغيّا بهذه الغاية الّتي ورد باستحبابه أو وجوبه لها خبر ضعيف أم لا، فافهم.

قوله (قده): و ان قلنا بصيرورته مستحبّاً- إلخ-.

لأنّ المسح لا بدّ من أن يكون من بلل الوضوء و لا يصحّ ببلل ما ليس منه و لو كان مستحبّاً فيه. نعم لو ثبت كونه جزءاً مستحبّاً فلا إشكال في جواز المسح ببلله، فافهم.

قوله (قده): أمّا لو شكّ في الوجوب التّخييري و الإباحة- إلخ-.

ظاهره و إن كان يوهم انّه لا مجال لأصالة البراءة فيما لو شكّ في أصل توجّه الخطاب التّخييري، إلاّ انّه غير مقصود جزماً، بداهة عدم التّفاوت في قاعدة قبح العقاب بلا بيان و غيرها من أدلّة البراءة بين الوجوب التّخييري و التّعييني، و إنّما المقصود انّه لا مجال لها بعد العلم بتوجّه أصله لو شكّ في كيفيّته، و انّه على نحو التّعيين بأن يكون متعلّقا بغير ما شكّ في وجوبه و إباحته، أو على التّخيير بأن يكون متعلّقا به أيضا.

قوله (قده): فتعيّن إجراء

(1)

أصالة عدم سقوط ذلك الفرد- إلخ-.

لا يخفى انّه إنّما يتعيّن بناء على عدم اعتبار أصالة البراءة في مقام الشّكّ في الوجوب التّعيينيّ و التّخييريّ مطلقا، و إلاّ كما هو مختاره على ما سيجي‏ء تفصيله فهي حاكمة عليها، فانّ مقتضاها عدم المؤاخذة من قبل هذه الخصوصيّة المشكوكة و عدم تنجّز الواقع‏

____________

(1)- و في المصدر: فتعين هنا إجراء أصالة ...

228

كيف ما كان، و لازمه سقوط ما تنجّز عليه بأي من الفردين من دون شكّ فيه فيجري أصالة عدم السقوط، لكن جريان أصالة البراءة في مسألة الشّكّ في الوجوب التّعييني و التّخييري محلّ تأمّل، بل منع، كما سيجي‏ء إن شاء الله.

قوله (قده): و أمّا إذا شكّ في إيجابه بالخصوص- إلخ-.

و ذلك بأن يكون واجباً بالوجوب التّخييريّ الشّرعيّ.

لا يقال: كما أنّ الأصل عدم حدوث وجوب تخييريّ لهذا، كذلك الأصل عدم حدوث وجوب عينيّ للآخر المعلوم وجوبه في الجملة. و بالجملة المعلوم انّما هو حدوث وجوب في البين، إمّا وجوبهما تخييراً، أو وجوب ما علم وجوبه عيناً، فكما انّ الأصل عدم وجوبهما تخييراً، كذلك الأصل عدم وجوبه عيناً.

لأنّا نقول: هذا بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على خصوص الوجوب التّعيينيّ و التّخييريّ؛ و أمّا بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة شرعاً أو عقلاً على مطلق الوجوب، فأصالة عدم الوجوب فيه بلا معارض، حيث انّ الوجوب المشكوك فيه معلوم في الآخر.

ثمّ لا يخفى انّه كان على المصنّف (قده) ان يمنع من جريان أصالة عدم الوجوب هاهنا، حيث انّه منع من جريان أصالة عدم الحرمة في المسألة الأولى من مسائل الشّبهة التّحريميّة لاتّحادهما في الملاك، كما لا يخفى.

قوله (قده): لكنّ الظّاهر انّ المسألة ليست- إلخ-.

و انّما يكون من هذا القبيل ما كان مبايناً لما علم وجوبه، كالسّفر المباح بالنّسبة إلى الصّوم، لا ما كان من أفراده، فانّه يتّصف بالوجوب لا محالة.

قوله (قده): ثمّ انّ الكلام في الوجوب‏

(1)

الكفائيّ- إلخ-.

مجمل الكلام في الوجوب الكفائي انّه لا إشكال في جريان أصالة عدم الوجوب مطلقا في حقّ الشّاكّ فيه و لو مع علمه بأصل الوجوب، لكن مع تحيّره في تعلّقه به أو بغيره، أو مع العلم بتعلّقه بغيره، لكن مع الشّكّ في تعلّقه به أيضاً، و كذا في جريان أصالة البراءة عند عدم قيام الغير به، كما لا إشكال في جريان استصحاب بقاء الوجوب و قاعدة الاشتغال‏

____________

(1)- و في المصدر: ثم ان الكلام في الشك في الوجوب.

229

في حقّ الشّاك في سقوطه بعد ثبوته في حقّه، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): إلاّ انّ جوابه بالأخذ بأحد الخبرين- إلخ-.

انّه لو كان الإمام (عليه السلام) في المقام بصدد تعليم علاج المتعارضين لا ينبغي أن ينقل أحد المتعارضين بمعناه على نحو كان ظاهره يقتضى علاجاً آخر غير ما عالج به (عليه السلام)، فيمكن أن يكون غرضه (عليه السلام) من نقل الحديثين في الباب بيان استحباب كلّ واحد من التّكبير و قول «بحول اللَّه» في نفسه لو لا مزاحمة الآخر، و انّ المقتضى لاستحباب كلّ منهما من الانتقال من حال إلى حال الّذي هو مقتضى لاستحباب التّكبيرة، كما دلّ عليه أحد الخبرين، و من القيام بعد الجلوس الّذي هو مقتضى لاستحباب قول «بحول اللَّه» كما دلّ عليه الآخر بالالتزام بناءً على أنّ الغرض من نفي التّكبيرة فيه إثبات ما يزاحمه موجود، و لا مانع في البين إلاّ التّزاحم. و من المعلوم انّ الحكم حينئذ ليس إلاّ التّخيير، و قد حكم به الإمام (عليه السلام)، و لا ينافي الحمل على الاستحباب كذلك ما هو ظاهر السّؤال من الإيجاب، لاتّفاق الأصحاب على عدم الوجوب، فلا بدّ من حمل الوجوب في السّؤال على الوجوب بمعنى الثّبوت لا اللّزوم، و ما حكاه عن بعض الأصحاب من عدم وجوب التّكبيرة و جواز قول «بحول اللَّه»، لعلّ مراده عدم ثبوت استحبابه عيناً، بل تخييراً بينه و بين قول «بحول اللَّه». و قد انقدح بما ذكرنا انّ الاستدلال بالتّوقيع‏ (1) في الباب محلّ تأمّل، بل منع، فتأمّل.

قوله (قده): و ليس فيه الإغراء بالجهل- إلخ-.

لا يخفى انّه لا إغراء بالجهل أشدّ من ملازمة المكلّف و مداومته ما لا يلزمه و يداومه لو لم يعتقد بوجوبه، سيّما إذا لم يترتّب عليه ثواب الإطاعة، كما إذا لم يكن بانياً على امتثال هذا الأمر الشّخصي كائناً ما كان، و لو كان مستحبّاً، إلاّ انّه يعتقد وجوبه بحيث لا يدعوه إلى الامتثال غير الإيجاب، فالأولى في توجيه التّوقيع‏ (2) الشّريف ما أشرنا إليه في الحاشية السّابقة.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 87- ح 39

(2)- وسائل الشيعة: 18- 87- ح 39

230

قوله (قده): و ربّما يظهر من بعض المحققين الفرق- إلخ-.

محصّل ما يظهر منه انّ الأمثلة غير مسبوقة بالعلم التفصيليّ فينجّر به التّكليف، بخلاف ما نحن فيه، حيث انّ الفرض انقلاب العلم التّفصيليّ بالإجمالي بطروّ النّسيان، و بمجرّده كيف يرتفع أثره من تنجّز التّكليف بالواقع و لو كان بالأكثر؛ لكن لا يخفى انّ النّسيان و إن كان لا يصلح لذلك عقلاً إذا أمكن التّحفظ على حسب المتعارف، حيث انّ العقل لا يرى قبحاً أصلاً في مؤاخذة النّاسي على مخالفة التّكليف المنسيّ، مع تمكّنه منه بحسب العادة بالتّحفظ عليه، إلاّ انّه صالح له شرعاً لمكان حديث الرّفع‏ (1)، و «النّاس في سعة ما لا يعلمون» (2). نعم لا يبعد دعوى انصرافهما عمّا إذا كان عروضه بسبب منه، لا بمجرّد ترك تحفّظه، كما لا يخفى.

قوله (قده): من قبيل وجوب الشّي‏ء و وجوب تداركه- إلخ-.

و هذا لا يكاد يتأتّى على تعدّد المطلوب، فإنّ الواجب بناء عليه بين ما لم يفت بعد، و هو نفس الفعل، و بين ما فات بلا تدارك أصلاً، و هو إيقاعه في الوقت، كما لا يخفى.

قوله (قده): مع انّ الاهتمام في النّافلة- إلخ-.

لا يخفى انّ هذه الأولويّة على تقدير تماميّته، لا يقتضى أزيد من الاستحباب، مع انّها ممنوعة، فانّ مثل المشقّة ربّما يمنع من الإيجاب، لا من الاستحباب، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

قوله (قده): عدم الحكم بشي‏ء لا ظاهراً و لا واقعاً- إلخ-.

قبالاً لمن حكم بالإباحة الظّاهريّة، و للشّيخ حسب ما استظهره منه (رحمه اللَّه) من انّه اختار التّخيير الواقعيّ حسب ما يأتي منه (قده)، فانتظر.

قوله (قده): فلا حرج في الفعل و لا في التّرك- إلخ-.

و من هنا ظهر انّ أصالة البراءة و أصالة التّخيير و إن كان بحسب الأثر عملاً واحداً،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

(2)- جامع أحاديث الشيعة: 1- 326

231

و هو مجرّد نفي الحرج عن الفعل عقلاً، إلاّ انّ الملاك في إحداهما غير الملاك في الأخرى، فلا تغفل.

قوله (قده): و التّخيير- إلخ-.

هذا على تقدير عدم الضّرب عليه، كما في بعض النّسخ عطف تفسيريّ لقوله «أوّلاً بعينه»، كما لا يخفى.

قوله (قده): و الرّجوع إلى الإباحة، لأنّها

(1)

مخالفة قطعيّة- إلخ-.

لا يخفى عدم لزوم المخالفة، إلاّ إذا كانا تعبّديين أو كان أحدهما المعيّن، و قد وقع العمل بلا نيّة التّقرّب على طبق ما كان منهما على تقدير ثبوته تعبّديّاً، و إلاّ فالمخالفة ليست إلاّ احتماليّة، كما يتّضح بأدنى تأمّل.

قوله (قده): و ليس العلم بحبس التّكليف- إلخ-.

لا يخفى انّ العلم بحبس التّكليف إنّما لا يكون كالعلم بنوعه في تنجّز التّكليف به، إذا كان طرفاه متعلّقين بأمر واحد، كما فيما نحن فيه. و أمّا إذا كان طرفاه متعلّقين بأمرين، فهو كالعلم بنوعه، فكان عليه تقييده بذلك.

و السّرّ انّ التّنجز يتقوّم بأمرين البيان الحاصل بالعلم و لو بالإجمال، و التّمكّن من الامتثال و لو بالاحتياط، و البيان و إن كان حاصلاً في الصّورة الأولى كالصّورة الثّانية بلا تفاوت، إلاّ انّه لا تمكن من الامتثال فيها، مع التّمكن منه فيها، كما لا يخفى.

قوله (قده): إن أريد وجوب موافقة حكم اللَّه تعالى- إلخ-.

يعنى المقدار المتمكّن منها، و هو الموافقة الاحتماليّة، كما لا يخفى.

قوله (قده): و ليس حكماً شرعيّا ثابتاً في الواقع- إلخ-.

يعنى ليس من هذا النّحو من الحكم الشّرعيّ، أي ما كان ثابتاً في الواقع و لو مع الجهل بمتعلّقه، بل من قبيل ما يؤخذ في موضوعه العلم، بحيث لو لم يعلم به لما كان ثابتاً في الواقع،

____________

(1)- و في المصدر: .... لأنه مخالفة ...

232

لا انّه ليس بحكم شرعيّ رأساً؛ كيف، و المفروض انّه حكم شرعيّ. و الحاصل انّ وجوب مراعاته و لو مع الجهل التّفصيلي لا يكاد يتمّ إلاّ بأمور ثلاثة كلّها في محلّ المنع:

الأوّل: كون وجوب الالتزام شرعيّا، و كونه كوجوب الإطاعة إرشاديّاً، بمكان من الإمكان.

الثّاني: كون متعلّق الالتزام، العناوين الخاصّة، كعنوان الوجوب و الحرمة و غيرها، و لم يقم عليه دليل، بل غاية ما ينهض عليه هو لزوم الالتزام بأحكامه تعالى على ما هي بحسب الواقع، و لو لم يحرز عناوينها الخاصّة.

الثّالث: عدم تقييد موضوعه بالعلم، و هو أيضا ممنوع، كما منعه (قده) مع سابقه، على ما يظهر من التّأمّل في كلامه.

و ذلك أي عدم تماميّة وجوب المراعاة إلاّ بهذه الأمور الثّلاثة، لأنّ العقل لا يلزم بالالتزام إلاّ بما هو حكم اللَّه تعالى لو كان اللّزوم بإرشاده، كما أنّ الالتزام حاصل لو كان متعلّقه الواقع على ما هو عليه و لو كان اللّزوم شرعيّا، و لا لزوم في محلّ الفرض لو كان الموضوع مقيّداً بالعلم، كما هو واضح. و امّا وجوب المراعاة مع ثبوت هذه الأمور، فانّ إطاعة الأمر بالالتزام بالموافقة القطعيّة و إن كان في محلّ الفرض ممتنعة، إلاّ انّها بالموافقة الاحتماليّة و عدم المخالفة القطعيّة، بأن يلتزم بالوجوب أو الحرمة ممكنة، فتدبّر.

قوله (قده): و من هنا يبطل قياس ما نحن فيه- إلخ-.

حيث ظهر انّه فيما نحن فيه لا حكم واقعاً حتّى يجب مراعاته مع الجهل بمتعلّقه، بخلاف صورة تعارض الخبرين، فانّه لا مانع عن وجوب الأخذ فعلاً بكلّ منهما، إلاّ وجوب الأخذ بالآخر.

قوله (قده): فانّه يمكن ان يقال: ان الوجه- إلخ-.

محصّل الوجه هو انّ المناط إنّما ينقّح لو كانت حجّية الأخبار من باب السّببية و الموضوعيّة أمراً محقّقاً معلوماً، بحيث لا يحتمل كونها من باب الطّريقيّة، و ليس كذلك.

قوله (قده): ثمّ إنّ هذا الوجه و إن لم يخل- إلخ-.

و ذلك لظهور أدلّة اعتبارها، و كذا أدلّة التّراجيح في انّ حجّيتها من باب الطّريقيّة لا الموضوعيّة.

233

قلت: لا يخفى انّه ليس مجرّد احتمال خلاف ما هو ظاهر الدّليل من الأصل بمانع من استفادة ما يكون المناط فيه منقّحاً على نحو اليقين، ضرورة انّ هذا الدّليل ينهض عليه حينئذ على نهج نهوضه على الأصل، و إنّما المانع هو احتمال عدم تحقّق المناط فيه و لو كان دليل الأصل يفيده على نحو القطع.

و بالجملة العبرة بتحقّق المناط في الفرع على نحو القطع، و لو كان الدّليل الدّالّ على الأصل ظاهراً فيه محتملاً لخلافه، و لعلّه أشار إليه بقوله «فافهم» لكنّه من المحتمل ان يكون التّخيير بين المتعارضين و وجوب الأخذ بأحدهما، لا لمجرّد انّه منشأ لأحد الاحتمالين، بل لأنّه لمّا كان فيه ما هو المصلحة في باب الحجّية من باب الطّريقيّة من الكشف نوعاً، و احتمال الإصابة شخصاً جعل حجّة في البين، لئلا يخلو الواقعة من الحجّة بعد سقوط المتعارضين، مع انّه يمكن أن يقال: إنّ اعتبارها على نحو الطّريقيّة، إنّما يكون في غير صورة التّعارض، و امّا فيها فكان على نحو الموضوعيّة، كما يستفاد من بعض الأخبار الواردة في بيان حكم التّعارض مثل قوله «بأيّهما أخذت من باب التّسليم وسعك‏ (1)» و بعض أخبار التّرجيح‏ (2) المشتمل على التّرجيح بالأمور التّعبديّة الّتي لا يورث قوّة في الخبر المشتمل عليها، فليتأمّل.

قوله (قده): و ما ذكره من التّفريع أقوى شاهد- إلخ-.

لا شهادة فيه أصلاً إذ يحتمل قريباً ان يكون هو انّ وجه الحكم بالتّخيير، هو انّه لا بدّ أن يكون حكم الإمام (عليه السلام) بين الأمّة على نحو اليقين و لو من دون التّعيين، بل على نحو التّخيير بينه و بين غيره، بحيث لا يحتمل طرحه رأساً. و من المعلوم انّه يحتمل طرحه في صورة الاتّفاق على أحد القولين من باب الاتّفاق، كما يحتمل الاتّفاق عليه، مع انّ كون التّخيير حكماً واقعيّاً غير معقول؛ كيف، و موضوعه احتمال الوجوب و الحرمة المعلوم ثبوت أحدهما معيّناً في الواقع، فيكون مؤخّراً عن الحكم الواقعيّ لا محالة، و مثل الشّيخ (رحمه اللَّه) أجلّ من أن يلتزم بمثله، فليتدبّر.

قوله (قده): و إلاّ فأصالة الطّهارة و عدم الحيض- إلخ-.

يعنى انّه لو لا الإطلاقات، و قاعدة الإمكان، لما كان عبادات ذات العادة ممّا دار

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 81- ح 21 (مع تفاوت يسير)

(2)- وسائل الشيعة: 18- 75

234

الأمر فيه بين الحرمة و الوجوب، لمكان الأصل الموضوعيّ المنقّح لموضوع الوجوب.

قوله (قده): مع انّها لو كانت ذاتيّة فوجه- إلخ-.

يمكن أن يقال: انّ ثبوت البدل انّما يجدى إذا كان اختياريّا ثابتاً في مرتبته، و ليس كذلك فيما نحن فيه، حيث لا يثبت إلاّ بعد تعذّر المبدل عقلاً أو شرعاً، فلا يرى وجهه إلاّ ترجيح جانب الحرمة، إلاّ أن يقال انّ الوجه هو وقوع المكلّف غالباً في محذور النّجاسة باستعمال الماءين، فانّه يعلم بنجاسة يده بأوّل ملاقاتها للماء الثّاني، إمّا به أو بالأوّل، و لا يقطع بحصول الطّهارة لها إلاّ بغسلها بماء آخر، و لا يجدى فيه غسلها بهما أو بأحدهما، لأنّه و إن كان الغسل بهما يوجب القطع بزوال تلك النّجاسة الحادثة أوّلاً، إلاّ انّه يوجب العلم بحدوثها ثانياً حين أوّل الملاقاة للثّاني كما في أوّل الأمر، و لا يوجب الغسل بأحدهما إلاّ احتمال الإزالة لا القطع بها، كما لا يخفى.

نعم لو قلنا بطهارة اليد لو كانت نجسة بمجرّد ملاقاتها للماء الطّاهر، كما لا يبعد في الماء الجاري و الكثير، يتمكّن من الطّهارة الحدثيّة على نحو اليقين من دون يقين بحصول النّجاسة أصلاً فيما إذا استعمل الأوّل في الطّهارة الحدثيّة، ثم يطهّر بالثاني في مواضع الاستعمال بالطّهارة الخبثيّة، ثم استعمله في الطّهارة الحدثيّة، فلأنّه أوّل ملاقاة الماء الثّاني و إن علم بحدوث طهارة في يده، إمّا في خصوص الزّمان الّذي كان قبل ملاقاة هذا الماء، أو في خصوص زمان ملاقاته.

و بعبارة أخرى يعلم بملاقاة يده مع المطهر و المنجّس مع الشّك في المقدّم و المؤخّر منهما، و من المعلوم انّ الحكم معه الطّهارة لقاعدتها، تأمّل، تعرف إن شاء الله تعالى.

قوله (قده): فانّ العقل إمّا ان يستقلّ- إلخ-.

لا يخفى انّه ليس كلّ ما من شأن العقل دركه أن يستقلّ به و لا يتحيّر فيه، لعدم لزوم بداهة ملاكه أبداً، و عدم لزوم انتهاء نظره إلى ما هو بديهيّ له و لو كان من وجدانيّاته كالحسن و القبح، كما هو واضح لمن راجع وجدانه. فحينئذ لا واقع في البين أصلاً، لا بمجرّد الملاك و المناط ان كان من الوجدانيّات، بخلاف غيرها فانّها على ما هو عليها في الواقع، استقلّ به العقل أو لا، فافهم و استقم.

235

قوله (قده): فله العدول مطلقا- إلخ-.

أي و لو لم يبن علي الاستمرار، بل بنى على اختيار غير ما اختاره في الواقعة الأولى.

قوله (قده): أو بشرط البناء على الاستمرار- إلخ-.

وجهه انّه لو لم يكن بانياً عليه، بل لا يبالي بالعدول عمّا اختاره أولا، أو بنى عليه لم يكن مبالياً بمخالفة الواقع تدريجاً في واقعتين، و العقل لا يتفاوت عنده في قبح القصد إلى المخالفة بين التّدريجيّ منها و الدّفعيّ، بخلاف ما لو بنى على الاستمرار ابتداءً ثمّ بدا له فعدل، فانّه و إن خالف تدريجاً إلاّ انّه ليس عن عمد إليها و بدونه لا قبح فيها.

و فيه مضافاً إلى النّقض بجواز العدول للمقلّد من مجتهد إلى مجتهد آخر و لو مع قصده العدول حين تقليده الأوّل، انّ القصد إلى المخالفة إنّما يكون قبيحاً لو كان الخطاب منجّزاً، و لا يتنجّز له فيما نحن فيه لعدم ابتلاء المكلّف عند كلّ واقعة إلاّ بإحداهما، و التّعبّد بالحكم الظّاهري عند كلّ واقعة لا يجوّز المخالفة العمليّة لو كانت قبيحة بنفسها، كما لا يخفى، سيجي‏ء فيه بعض الكلام في تنبيهات الشّبهة المحصورة، فانتظر.

قوله (قده): إذ لا إهمال في حكم العقل- إلخ-.

قد حقّقنا فيما علّقناه على الاستصحاب، انّ معنى عدم الإهمال في حكم العقل انّما هو بمعنى انّه مع الشّك في ملاك حكمه لا حكم له جزماً، لا بمعنى انّه لا يتحير في بقاء ما هو الملاك، فإنّ الوجدان أقوى شاهد على إمكان حكمه بشي‏ء عند اجتماع خصوصيّات، مع عدم إحرازه جميع ما له المدخليّة منها من غيرها، فتحيّر في بقاء ملاك حكمه عند فقد بعضها.

و من هنا ظهر انّه يمكن ان يتحيّر في الزّمان الثّاني مع استقلاله بالتّخيير في الأوّل. لكنّه لا يخفى انّه مع ذلك لا مجال للاستصحاب أيضاً، لما عرفت من انّه مع تحيّره في بقاء الملاك لا حكم له قطعاً فيستقل بلزوم الاحتياط، إذ لا مؤمّن له من المؤاخذة، لا حكمه بقبح العقاب بلا بيان، و لا استقلاله بالتّخيير، و لا الأدلّة الشّرعيّة على البراءة كلّها على حسب الفرض، فليتدبّر.

قوله (قده): إذ

(1)

المتيقّن من موضوعه هو المتحيّر- إلخ-.

إن كان المراد من المتحيّر من جاءه خبران متعارضان، فهو على ما كان عليه قبل الأخذ من التّخيّر و إن كان من لم يظفر على طريق بعد، فهو بعد الأخذ و إن كان ليس‏

____________

(1)- و في المصدر: أو المتيقن ...

236

على ما كان من التّحيّر إلاّ انّه لم يؤاخذ بهذا العنوان في موضوع الدّليل، كما لا يخفى، و لعلّه أشار إليه بقوله «فتأمّل».

قوله (قده): و الأولى فرض المثال- إلخ-.

بل الأولى فرضه فيما إذا وجب إكرام العدول و حرم إكرام زيد، و اشتبه عادل بين أن يكون زيداً فيحرم إكرامه، أو غيره فيجب، و ذلك فانّ الأصل الموضوعي فيما فرضه (قده) من المثال يكون أيضاً موجوداً بناء على أن يكون العدالة و الفسق من قبيل العدم و الملكة.

نعم على تقدير التّضادّ بينهما فالأصل الموضوعي في طرف كلّ معارض به في الطّرف الآخر، كما لا يخفى.

قوله (قده): لنا على ذلك وجود المقتضى للحرمة- إلخ-.

لا يخفى انّ المهم إنّما هو إثبات التّنجّز للحرمة المعلومة بالإجمال ببيان ثبوت ما هو مقتضى له و فقد مانعه، لا إثبات نفسها، إذ مع عدم تعقّل إنكارها مع فرض العلم بها، كما هو أوضح من أن يخفى، لا يكفي إثباتها فيما نحن بصدده من وجوب الموافقة و حرمة المخالفة، لعدم لزوم إطاعة التّكليف بمجرّد ثبوته واقعاً، فبالحريّ صرف عنان الاستدلال إلى إثبات التّنجّز ببيان المقتضى له، و دفع ما يحتمل ان يكون مانعاً منه، بل البناء هنا على الفراغ من بيان المقتضى له، و الإحالة إلى ما تقدّم تحقيقه في أوّل الكتاب من انّ العلم لو كان طريقاً و مرآتاً للواقع لا يفرّق فيه الإجمال و التّفصيل في وجوب اتّباعه، لأنّ المقصد الأوّل متكفّل لبيان انّ العلم الإجماليّ كالتّفصيلي مقتضى لتنجّز المعلوم و يجب اتّباعه، و الاقتصار في المقام ببيان دفع ما يكون على تقدير ثبوته مانعاً من معذوريّة المكلّف بسبب جهله التّفصيلي عقلاً أو شرعاً، و ليس ذا إلاّ شغل هذه المسألة، أي مسألة البراءة و الاحتياط.

و كيف كان فالمهمّ في المقام تحقيق انّ حكم العقل بتنجّز المعلوم بالإجمال كالمعلوم بالتّفصيل، تنجيزي لا يعقل ان يجعل الجهل التّفصيلي مانعاً و عذراً. و بعبارة أخرى العلم الإجماليّ علّة تامة لتنجّز مثل التّفصيليّ لا يمكن إبداء المانع يجعل الجهل عذراً، بحيث لو ورد ما دلّ على ذلك فليأوّل أو يطرح، أو تعليقيّ يعقل فيه ذلك، و ليس بعلّة تامّة، بل معلّق على عدم جعل الجهل عذراً.

237

فاعلم انّ التّحقيق [1] انّه حكم تعليقيّ، كما يظهر بمراجعة الوجدان الحاكم في مثل الباب، و ليس حكمه هاهنا كحكمه به في العلم التّفصيلي. و سرّه هو انّ الواقع في العلم التّفصيليّ منكشف على ما هو عليه عند المكلّف، فلو جعل مع ذلك في عذر يكون حكماً واقعياً على خلاف حكمه الواقعيّ، فيلزم التّناقض، كما مرّ تحقيقه في أوّل الكتاب، بخلاف العلم الإجماليّ، فانّ الواقع فيه لم ينكشف عنده كذلك، بل يبقى له بعد ستره، فلو جعل له العذر بلحاظ ذلك، فليس ذا في مرتبة حكمه الواقعيّ، كي يلزم التّناقض.

و الحاصل انّ مرتبة الحكم الظّاهريّ فيه يكون محفوظة، فلا يلزم من جعل العذر له اجتماع حكمين واقعيّين ليلزم التّناقض كما يلزم في العلم التّفصيليّ، حيث ليس فيه إلاّ مرتبة واحدة لانكشاف الواقع به بما هو، كما هو هكذا موضوع للحكم الواقعيّ و لا تناقض بين الحكم الواقعيّ و الظّاهريّ، كما حقّق في محلّه. هذا، و لو علم المكلّف بمخالفتهما فانّه لو كان بينهما تنافي لا يجدى في اجتماعهما جهل المكلّف به، و لا يرتفع به التّنافي و لو لم يكن بينهما تناف، فلا ضير في اجتماعهما و لو علم المكلّف، كيف و لا ريب في العلم بمخالفة الحلّيّة للحكم الواقعيّ كثيراً في موارد الشّبهات الابتدائية، و العلم بالمخالفة لو أثّر في التّنافي لا يتفاوت فيه الحال بين حصول العلم بها في الشّبهة المحصورة، و حصوله في جملة موارد الشّبهات البدويّة، كما لا يخفى. و من هنا انقدح ما في جوابه عمّا أورده على نفسه بقوله «فان قلت» بقوله «قلت: مخالفة الحكم الظّاهري- إلخ-»، تأمّل في المقام فانّه حقيق به.

قوله (قده): لأنّها كما تدلّ على حلّيّة كلّ- إلخ-.

فيلزم من شمولها للشّبهة المحصورة، التّناقض في مدلولها، فانّ الحكم في المغيا كما يشمل كلاً من الطّرفين، كذا يشتمل الحكم في الغاية أحدهما المعلوم بالإجمال حرمته، و التّناقض بين الإيجاب الكلّي و السّالبة الجزئيّة واضح، فيكشف ذلك عن عدم الشّمول، فتفطّن.

____________

[1]- حاشية منه:

الإنصاف انّه خلاف التّحقيق كما حققنا فيما علّقنا جديداً على بعض مسائل القطع، فليراجع ثمّة.

238

قوله (قده): إلاّ انّ إبقاء هذه الصحيحة

(1)

على هذا الظّهور- إلخ-.

قد عرفت انّ المخالفة هاهنا لا يوجب المنافاة و المناقضة، لعدم اتّحاد المرتبة و محفوظيّة مرتبة الحكم الظّاهريّ، لكن مع ذلك لا يمكن الأخذ بظاهر هذه الصّحيحة لإعراض المشهور عنه، سيّما في مثل هذا الحكم الّذي ارتكز خلافه في العقل، فليأوّل بأن يكون المراد من التّقييد بقوله (عليه السلام) «بعينه‏ (2)» انّ الحكم بالحلّيّة مغيا بمعرفة الحرام الشّخصيّ الخارجيّ، و الاطلاع عليه، و الظّفر به بحسب الخارج بأن يعلم وجوده و تحقّقه هاهنا في قبال العلم بتحقّق القسم الحرام بحسب الاتّفاق في الخارج، و لو من دون الظّفر به بالفعل، و إلاّ فلا بدّ من أن يطرح، لما حقّق في محلّه من سقوط الخبر و لو كان في أعلا مراتب الصحّة من الحجّيّة، بمخالفة المشهور و إعراضهم عنه، بل كلّما زاد صحّة زاد وهناً.

لا يقال: لم يعلم إعراض المشهور عنه، بل لعلّهم طرحوه لأجل أنّهم تخيّلو أنّ حكم العقل هنا تنجيزي، بحيث لو لا ذلك لكانوا ملتزمين به.

لأنّا نقول: هذا خلاف ما يظهر من مراجعة كلماتهم على أنّه يكفي في الوهن كون الخبر في معرض الإعراض. هذا، مضافاً إلى انّه لو سلّم عدم الإعراض عنهم، فهو معارض بالخبر (3) الآخر، حيث انّ مفهومه يعمّ ما علم حرمته إجمالاً، حسبما عرفت من انّه لا يعمّه بمنطوقه، و هو لو لم يكن أقوى بحسب الدّلالة، كما لا يخفى و لو كانت بالمفهوم، مع انّه صرّح به في رواية (4) أخرى بقوله «فتدعه»؛ فلا أقلّ من التّساوي و التّساقط، و الرّجوع إلى حكم العقل، فتفطّن.

قوله (قده): و أمّا مع علم المحكوم بالمخالفة فيقبح- إلخ-.

إنّما يقبح لو لم يكن مرتبة الحكم الظّاهريّ محفوظة ليلزم كونهما واقعيّين، و إلاّ فلا قبح أصلاً، كما هنا حسب ما عرفت، و إذن الشّارع في الفعل إنّما ينافي حكم العقل بوجوب الإطاعة فيما إذا لم يكن معلّقاً على عدمه، و قد عرفت تعليقه عليه.

قوله (قده): نعم لو أذن الشّارع في ارتكاب أحدهما- إلخ-.

لا يخفى انّه (قده) قد اعترف بالتّفاوت بين العلم الإجماليّ و التّفصيليّ، حيث جوّز

____________

(1)- وسائل الشيعة: 12- 60

(2)- وسائل الشيعة: 12- 60

(3)- الفقيه: 3- 216 و التهذيب: 9- 79

(4)- وسائل الشيعة: 12- 59

239

الإذن في ارتكاب أحدهما مع جعل الآخر بدلاً ظاهريّاً، و لا يجوز الاجتزاء بغير الواقع عنه في العلم التّفصيليّ عقلاً، كما هو واضح؛ فلو لم يكن مرتبة الحكم الظّاهريّ مع العلم الإجماليّ محفوظة، لما جاز أيضا جعل البدل الظّاهريّ، و مع حفظها لجاز الإذن ظاهراً فيهما من دون منافاة مع حكم العقل على ما عرفت.

قوله (قده): إذا تركه في زمان الآخر لا يصلح- إلخ-.

و ذلك لأنّه حينئذ يكون خارجاً عن تحت القدرة و الاختيار، فلا يصلح ان يتعلّق به الخطاب.

قوله (قده): و المسلّم منه ما إذا لم يسبق- إلخ-.

كما إذا لم يعلم بالتّكليف بين الواقعتين إلاّ في الواقعة الثّانية.

قوله (قده): أو بسبق تكليف بالفعل- إلخ-.

عطف على النّفي، لا على المنفيّ، و الفعل في كلّ واقعة إنّما يصلح لأن يكون بدلاً من الواجب، لأنّه في كلّ واقعة تحت القدرة و الاختيار، بخلاف المتروك في زمان الإتيان بالآخر، فانّه ليس بمقدور، كما أشرنا إليه.

قوله (قده): على ما مثّل من الجمع بين الأجنبيّة و الزّوجة- إلخ-.

و كذا كلّ ما كان من ذوي الأسباب، و ذلك فانّه لا يجوز الاقتحام في المشتبهة منها بالشّبهة الابتدائيّة، فضلاً من المشتبهة بالشبهة المحصورة، للزوم إحراز السّبب في ترتيب آثار المسبب.

قوله (قده): فلا يبقى مجال للإذن في أحدهما- إلخ-.

لا يخفى انّه قد اعترف في المقام الأوّل بجواز الإذن في ارتكاب أحدهما مع جعل الآخر بدلاً ظاهريّاً، فحينئذ لو سلّم انّ أصالة الحلّ في كلّ من المشتبهين جارية في نفسها بمعنى وجود المقتضى لها من عموم دليلها للمشتبه بالشّبهة المحصورة، و لا مانع من جريانها فيهما إلاّ التّعارض الناشئ من تنجّز التّكليف المعلوم بينهما، فلا محيص من البناء على التّخيير في العمل بها، فإنّ العمل بالدّليل واجب حسب الإمكان، غاية الأمر عموم دليلها بضميمة

240

عدم جواز الإذن فيهما مطلقا، و لا جوازه في أحدهما بدون جعل الآخر بدلاً ظاهريّاً، حسب ما أفاده (قده) في المقام الأوّل يكشف عن جعل أحدهما على التّخيير بدلاً ظاهريّاً عن الحرام، و سيجي‏ء منه (قده) في باب الاستصحاب و غيره، انّ الأصل فيما كان حجّة من باب التّعبّد، التّخيير عند التّعارض لا التّساقط، فالصّواب في الجواب منع جريانها في نفسها فيهما، لعدم عموم دليلها للمشتبه بالشبهة المحصورة للزوم التّناقض في مدلوله من عمومه له، كما أشار إليه عند الجواب عن الأخبار في المقام، و في آخر الاستصحاب.

ثمّ لا يخفى انّ ما ذكرنا لا يرجع إلى ما أورده فيما بعد بقوله: «فإن قلت: كلّ شي‏ء- إلخ-»، فانّ استفادة جعل أحدهما حراماً ظاهريّاً عليه انّما قوله بلحاظ انّ احتمال الحرمة في كلّ واحد منهما، كما انّه يلازم احتمال الحلّيّة في الآخر و بالعكس لاتّحاد الشّك، كذلك البناء على حلّيّة كلّ منهما، كما هو موجب قوله «كلّ شي‏ء- إلخ- (1)» يلازم البناء على حرمة الآخر، لا بلحاظ ما ذكرنا من الضّميمة، كما هو مبنى ما ذكرنا، فليتدبّر.

قوله (قده): لأنّ حمل تلك الأخبار على الواحد لا بعينه- إلخ-.

قد عرفت في الحاشية السّابقة إمكان استفادة حلّيّة الواحد لا بعينه في الشّبهة المحصورة و حلّيّة كلّ مشتبه في غيرها، بضميمة ما تقدّم على ما عرفت.

فإن قلت: كيف، و عمومه لهما كذلك يستلزم استعمال اللّفظ في معنيين، كما لا يخفى.

قلت: إنّما يلزم ذلك لو كان إرادة حلّيّة أحدهما لا بعينه، كما في الشّبهة المحصورة و إرادة حلّية كلّ واحد من المشتبهات، كما في غيرها على تقدير استفادة العموم لازماً، و لا يمكن استفادته من مجرّد إرادة حلّيّة كلّ مشتبه مطلقا من اللّفظ، مع انّه بمكان من الإمكان.

غاية الأمر يكون الحكم بالحلّيّة فيها بلحاظ نفس المشتبهات، مع قطع النّظر عمّا يطرأ على بعضها ممّا لا بدّ معه من رفع اليد عنها، و حينئذ لا بدّ من الاقتصار في رفع اليد على ما لا بدّ منه. و قد عرفت انّه ليس في الشّبهة المحصورة إلاّ أحدهما، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): فيجب حمله على أقرب المحتملين من ارتكاب- إلخ-.

و هاهنا وجه آخر لا يبعد كونه أقرب منهما، و هو أن يكون المراد من قوله (عليه السلام)

____________

(1)- وسائل الشيعة: 12- 59

241

«إن كان خلط» هو خلط الحرام بالحلال و عدم تميز أحدهما من الآخر عند عمّال بنى أميّة بحيث لا يعلم من إصابة المال انّه من الحرام أو الحلال، كما هو الحال في غالب أموال العمّال للظّلمة، فيكون من قبيل ما دلّ على جواز أخذ ما علم فيه الحرام إجمالاً المحمول على كون الحكم بالحلّ مستنداً إلى كون الشّي‏ء مأخوذاً من يد المسلم و متفرّعاً على تصرّفه المحمول على الصّحّة عند الشّكّ.

قوله (قده): منها قوله: ما اجتمع الحلال‏

(1)

- إلخ-.

في دلالته نظر، بل منع، فانّه لا يصدق اجتماعهما بمجرّد وقوع الاشتباه بينهما في الخارج، مع كمال البينونة بينهما بحسبه، كما لا يخفى، و كذا في دلالة المرسل‏ (2)، فانّ الأمر فيه للإرشاد و هو يتبع ما يرشد إليه وجوباً و استحباباً، فما لم يحرز من الخارج لزوم الحذر، لا يجدى مثله في إثباته.

قوله (قده): فانّ الخلط يصدق مع الاشتباه- إلخ-.

الخلط هو المزج، و هو لا يصدق مع الاشتباه، كما هو واضح و الظّاهر من رواية ابن سنان‏ (3)، ان يكون الميتة داخلة فيه ممزوجة به، كما لا يخفى.

قوله (قده): فانّ مثل هذا الدّليل لو فرض وجوده- إلخ-.

لا يخفى انّ مثل خبر التّثليث‏ (4) حسب ما أفاده إذا كان في دلالته على وجوب الاجتناب أو الاستحباب فرعاً لما يحكم به العقل من وجوب دفع الهلكة، كما في العقاب، أو استحبابه كما في غيره من المضارّ. و من المعلوم انّ حكمه بوجوب دفع العقاب فرع الدّليل على الاجتناب عن الحرام الواقعيّ، فإذا فرض وجود ما كان حاكماً على الأدلّة الدّالّة على الاجتناب عن الحرام الواقعيّ، فلا عقاب لحكم العقل بوجوب دفعه، و يرشد إليه مثل خبر التثليث، و حينئذ فيا سبحان اللَّه، كيف يعارض مثل هذا الدّليل الحاكم على ما يوجب‏

____________

(1)- السنن الكبرى للبيهقي: 7- 69

(2)- تهذيب الأحكام: 9- 72 و وسائل الشيعة: 16- 494

(3)- وسائل الشيعة: 17- 91- ح 2

(4)- غوالي اللئالي: 1- 89 و وسائل الشيعة: 18- 114

242

العقاب بمثل هذا الخبر الّذي يتوقّف دلالته على المهمّ في الباب على ثبوته، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و منها ما ورد

(1)

في الصّلاة- إلخ-.

لا يخفى انّ كون هذا من أمثلة ما نحن فيه مبنىّ على أنّ المراد من الحلّيّة المحكوم بها في المشتبهات ما يعمّ الصّحة، كما هو قضيّة معناه اللّغوي ظاهراً إلاّ خصوص ما هو أحد الأحكام الخمسة التّكليفيّة، كما هو معناه العرفي. و من الحرمة ما يعمّ الفساد، لا خصوص ما هو أحد الأحكام بأن يراد منها الممنوعيّة مطلقا، تكليفاً أو وضعاً، فيحكم بصحة الصّلاة فيما شكّ في كونه ممّا لا يصحّ الصّلاة فيه مثل النّجس، و ما لا يؤكل لحمه مطلقا، و الحرير للرّجال، و هو بعيد في الغاية، فانّ الظّاهر من قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء فيه حلال‏ (2)» أو قوله «كلّ شي‏ء لك حلال‏ (3)» هو التّرخيص و المنع التّكليفيّان، كما لا يخفى.

قوله (قده): و منها ما دلّ على بيع الذّبائح‏

(4)

مطلقا- إلخ-.

و ذلك انّه حيث لو جاز الاقتحام في الشّبهة المحصورة و لو في بعض أطرافها، لما كان حاجة في جواز بيع الذّبائح المختلطة إلى قصد بيع خصوص المذكّى، أو مع ما لا تحلّه الحياة من الميتة، كما هو مبنى الاستشمام. و امّا لو لم يحمل على ذلك فلو لم يطرح لمخالفته لما دلّ على عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا، بل عمل به كما في الكفاية انّه استوجه العمل بهذه الأخبار؛ لكان من جملة ما دلّ على عدم جواز الارتكاب بلا ارتياب، لكن لا يخفى انّ تخصيص المشتري بالمستحلّ ينافي الحمل إلاّ ان يدّعى انّه انّما هو لمجرّد انّ غيره بحسب المتعارف و العادة، غالباً، لا يرغب في اشترائها، فتأمّل.

قوله (قده): و هو خارج عمّا نحن فيه- إلخ-.

لا يخفى انّه انّما يكون خارجاً عنه لأنّ الظّنّ في باب الضّرر شرعاً تمام الموضوع، فكما

____________

(1)- وسائل الشيعة: 2- 1082- ب 64- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 12- 59- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 12- 60- ح 4

(4)- وسائل الشيعة: 16- 369- ب 36

243

انّ الضّرر الواقعي محكوم بالحرمة واقعاً، كذلك مظنونه محكومٌ بها كذلك و لو لم يكن مصادفاً له. و امّا ما ذكره (قده) في وجه ذلك، ففيه انّ وجوب الاجتناب عمّا علم حرمته أيضا إرشاديّ لا يترتّب عليه إلاّ ما يترتّب على المأمور به من العقاب على الارتكاب فيما إذا صادف الضّرر و التّجرّي فيما إذا لم يصاف، كما في الضّرر الأخروي، و العقاب من أجله لو قلنا به، غير العقاب على الارتكاب المحرّم الشّرعيّ، كما هو بصدده.

و من هنا انقدح انّ الظّنّ في هذا الباب لو كان طريقاً شرعيّا إلى إثبات ما هو موضوع الحكم بالحرمة، لا تمام الموضوع له كما قلنا، لم يكن في مخالفته فيما إذا لم يصادف إلاّ التّجرّي أيضا، و احتمال أن يكون غرضه من كونه طريقاً شرعيّا. ذلك، مع انّه خلاف الظّاهر و منافاته لظاهر قوله «و المفروض- إلخ-» يأباه تنظيره الظّنّ بالضّرر في استحقاق المقدم معه العقاب بظنّ ساير المحرّمات، كما لا يخفى؛ و كذا قوله «نعم لو شكّ في هذا الضّرر يرجع- إلخ-» لأجل انّه لو كان العلم أو الظّنّ في الباب تمام الموضوع لما كان في الأمن من العقاب حاجة إلى أصالة الإباحة و عدم الضّرر، فانّ الشّكّ في الضّرر حينئذ يقطع بانتفاء ما هو موضوع الحرمة.

فان قلت: يمكن ان يكون الحرمة كما رتّب شرعاً في الواقع على الضّرر، كذلك رتّب على الظّنّ به أيضاً، فإذا شكّ فيه فالموضوع إنّما هو مقطوع الانتفاء بلحاظ الحكم الثّاني لا الأوّل، و لأجله لا يؤمّن من العقاب إذا شكّ في الضّرر إلاّ بأصالة الإباحة أو عدم الضّرر.

قلت: هب، انّه يمكن في الظّنّ، لكنّه لم يكن في العلم، لما حقّقناه فيما علّقنا على مسألة التّجرّي من انّ العلم لا يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم متعلّقه مطلقا، سواء كان بنحو التّماميّة أو المدخليّة، و معه كيف يكون ما ذكره من إجراء الأصل بهذه اللّحاظ، و قد أثبت له ما للعلم في هذا الباب لقياسه عليه، فافهم و استقم.

قوله (قده): فإذا احتمل العاقل العقاب على تركه فإن قلنا- إلخ-.

لا يخفى انّه يصحّ عقاب تارك الشّكر مع احتمال العقاب فيما إذا صادف و لو لم نقل بحكومة العقل في مسألة دفع الضّرر المحتمل، بداهة انّ تجويز الاقتحام فيما يحتمل الضّرر لا يرفعه على تقديره، غاية الأمر عدم تقبيحه المقدّم لو وقع فيه، كما أسلفنا الإشارة إليه في بعض الحواشي السّابقة على الشّبهة التّحريميّة، فتذكّر.

244

قوله (قده): نعم يحسن الأمر بالاجتناب عنه مقيّداً- إلخ-.

لا يخفى انّه إنّما لا يحسن الأمر إلاّ كذلك بلحاظ أثره و ما هو الغرض منه من البعث و التّحريك، و إلاّ فبلحاظ الأصل إنشاء الحكم لا يحسن التّقييد بذلك، بل لا يجوز كما ننبّه عليه في الحاشية الآتية.

قوله (قده): و امّا إذا شكّ في قبح التّنجيز، فيرجع إلى الإطلاقات.

فيه انّه إنّما يجوز الرّجوع إلى الإطلاقات في دفع قيد كان التّقييد به في غرضه و مرتبته، بأن يكون من أحوال ما أطلق و أطواره، لا في دفع ما لا يكون كذلك، و قيد الابتداء من هذا القبيل، فانّه بحكم العقل و العرف من شرائط تنجّز الخطاب المتأخّر من مرتبة أصل إنشائه، فكيف يرجع إلى الإطلاقات الواردة في مقام أصل إنشائه في دفع ما شكّ في اعتباره في تنجّزه، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): فمرجع المسألة إلى انّ المطلق- إلخ-.

لا يخفى انّه ليس مرجعها إلى ذلك أصلاً، فانّ الحاكم بالتّقييد في الباب إنّما هو العقل و ليس شأنه الحكم بالتّقييد بمفهوم عامّ متعذّر ضبطه على وجه لا يخفى مصداق من مصاديقه، بل يستقلّ بالتّقييد فيما يجزم التّقييد به، و يشكّ فيما يشكّ فيه من دون تفاوت بين علمه باندراجهما تحت مفهوم. و بالجملة ليس منشأ الشّك فيما يكون الحاكم فيه العقل هو الشّكّ في الاندراج، بل الشّكّ في وجود ما هو الملاك في حكمه و لو علم الاندراج أو عدمه.

و من هنا انقدح انّه يجوز التّمسّك بالمطلق في مثل المسألة لو أغمض عمّا ذكرنا، و لو قلنا بعدم جواز التّمسّك بالمطلق الّذي جعله مرجع المسألة، فافهم و استقم.

قوله (قده): قولان مبنيّان على انّ تنجّس الملاقى- إلخ-.

لا يخفى انّ تنجّس ملاقى للنّجس و لو جاء من قبل وجوب الاجتناب عنه، بأن كان الخطاب الدّالّ على وجوب الاجتناب عنه دالاً على وجوب الاجتناب عن ملاقيه عرفاً، غير مستلزم للحكم بنجاسة ملاقى أحد الطّرفين، لأنّ العقل الحاكم في الباب بوجوب الاجتناب إنّما يحكم به من باب المقدّمة العلميّة، و هذا الباب منسدّ في طرف الملاقى، كيف يتعدّى حكمه إلى ما ليس فيه ملاكه و مناطه، فتأمّل جيّداً.

245

قوله (قده): و به يندفع تعجّب صاحب الحدائق- إلخ-.

بل يندفع بأنّ دلالة الخطاب لوجوب الاجتناب عن شي‏ء على نجاسته، وجوب الاجتناب عن ملاقيه، لا يقتضى أن يكون وجوب الاجتناب عقلاً، و فيما نحن فيه مقتضياً لهما، كما أشرنا في الحاشية السّابقة. و منه انقدح اندفاع تعجّبه حتّى من مثل صاحب الغنية بخلاف ما بنى اندفاعه عليه، كما لا يخفى.

قوله (قده): فالظّاهر طهارة الملاقى- إلخ-.

وجهه سلامة أصالة الطّهارة فيه، و عدم معارضتها بأصالة الطّهارة في صاحب الملاقى، لبقائها على ما كانت عليه من السّقوط بمعارضتها ما في الملاقى المفقود، و إلاّ لجاز ارتكاب أحد المشتبهين بمجرّد فقد الآخر.

قوله (قده): ترخيص بعضها على البدل- إلخ-.

هذا إذا لم يكن الاضطرار بالغاً حدّ الإلجاء الرّافع للتّكليف عقلاً، و إلاّ فلا ترخيص من قبل الأمر، و لا اكتفاء منه بالاجتناب منه عن الباقي، بل من قبل العقل الحاكم بعدم الحرج في ارتكاب أحدهما و وجوب الاجتناب عن الآخر، إذ سقوط الموافقة القطعيّة لتعذّرها لا يستلزم سقوط الموافقة الإجماليّة مع التّمكّن منها.

قوله (قده): و يشكل الفرق بين هذا و بين ما إذا نذر- إلخ-.

لعلّ الفرق هو انّ وجوب الاعتزال و ترك الوطء في مثل اشتباه أيّام الحيض إنّما لم ينجّز، لا لعدم إحراز ما هو شرط تنجّزه من الابتداء ليشكل الفرق بينه و مسألة النّذر من جهة استوائهما فيه، بل لعدم إحراز ما هو شرط أصل التّكليف و موضوعه من الحيض، بخلاف وجوب ترك الوطء في مسألة النّذر، فانّه غير معلّق على أمر لعلّه لم يتحقّق بعد و إن كان يحتمل فيه عدم مجي‏ء زمان ترك الوطء الواجب، و مجرّد عدم مجي‏ء زمان الواجب و تأخّره لا يمنع عن تنجّز وجوبه بحيث يعاقب على مخالفته و لو بالإخلال بما يتوقّف عليه قبل زمانه مع تمكّنه منه.

و بالجملة لا مانع من تنجّز الخطاب بتحريم شي‏ء أو إيجابه في زمان متأخّر، بحيث يلزم بإتيان ما يتوقّف عليه الامتثال، و يعاقب بالإخلال به مع تمكّنه منه و لو قبل مجي‏ء زمانه، كما في نذر فعل شي‏ء أو تركه في زمان متأخّر، و لا يعقل تنجّزه كذلك قبل تحقّق ما هو

246

موضوعه و سببه، فافهم و اغتنم.

قوله (قده): لعدم جريان الاستصحاب- إلخ-.

للعلم بارتفاع الحالة السّابقة في الحال و في السّابق، و الشّكّ في ارتفاعها مأخوذ في قوام الاستصحاب.

قوله (قده): لكنّ الظّاهر الفرق بين الأصول اللّفظيّة- إلخ-.

و هو انّ الملاك في عدم جريان الأصول اللّفظيّة في صورة العلم بخروج بعض الشّبهات، انّما هو طروّ الإجمال على العامّ، فلا يبقى معه مجال لأصالة العموم؛ و هذا لا يتفاوت فيه الحال بين تنجّز التّكليف بينها، كما في غير التدريجيّات، و عدم تنجّزه، كما فيها، و هذا بخلاف الأصول العمليّة، فانّ الملاك في عدم جريانها في صورة العلم الإجماليّ إنّما هو تنجّز التّكليف، فيتفاوت الحال فيها بين تنجّزه به و عدمه، كما لا يخفى. و لعلّ أمره بالتّأمّل إشارة إلى ما ذكرنا في وجه الفرق.

قوله (قده): و يمكن الفرق من المجوّزين للارتكاب- إلخ-.

كما يمكن الفرق بينهما بناء على ان يكون سقوط الأصل من الطّرفين بسبب مراعاة التّكليف المنجّز في البين، لا لعدم المقتضى من عموم الدّليل الدّال على اعتباره، فانّه لا مانع حينئذ من أصالة الحرمة و النّجاسة، حيث انّ إجراءهما في الطّرفين لا ينافي في هذا الصّورة مراعاة التّكليف بينهما، بخلاف أصالتي الحلّ و الطّهارة، بل لا مجال حينئذ لحكم العقل بوجوب الاجتناب عن كلّ منهما من باب المقدّمة العلميّة، فانّ كلاً منهما محكوم بالنّجاسة أو الحرمة شرعاً، و يظهر الثّمرة حينئذ في الحكم بالنّجاسة في ملاقى أحدهما و عدم الحكم بها فيما إذا كان الأصل فيهما الطّهارة، كما سبق الكلام فيه، فلا تغفل.

قوله (قده): فهي على عمومها للشّبهة الغير المحصورة، أخصّ‏

(1)

مطلقا- إلخ-.

قد حقّقنا فيما علّقناه على التّعادل و التّراجيح في مسألة «ما إذا اختلف النّسبة بين المتعارضات» انّ تخصيص أحد العامين لا يوجب انقلاب النّسبة بينهما إلى نسبة أخرى‏

____________

(1)- و في المصدر: ... الغير المحصورة أيضا أخص مطلقا.

247

غير ما كان عليها من النّسبة قبل التّخصيص، و لا ينقلب بالنّسبة عمّا كانت قبله، و إن كان تخصيصه ربّما يوجب تقديمه، كما انّه ربّما يوجب تقديم الآخر عليه، كما يظهر من ملاحظة ما علّقناه في تلك المسألة.

و من هنا انقدح أنّ تخصيص أخبار (1) وجوب الاجتناب بالإجماع و صيرورتها بذلك أقلّ من أخبار (2) الحلّ افراداً، لا يوجب أن يكون أخصّ منها، فيخصّصها، فلا تغفل.

قوله (قده): إلاّ أن يقال إنّ أفراد

(3)

الشّبهة الابتدائيّة- إلخ-.

لا مجال له أصلاً فانّ محلّ الكلام في الشّبهة الغير المحصورة إنّما هو فيما كان أطراف الشّبهة بتمامها محلّ الابتلاء، و إلاّ فلا يجب الاجتناب في المحصورة، فضلاً عنها كما عرفت.

و من المعلوم انّ ما يجعل في قبالهما من الشّبهة الابتدائيّة و إن كان ربّما يقترن بالعلم إجمالاً بالتّكليف في بعض مواردها، إلاّ انّه لا في موارد يكون بالفعل بتمامها محلا للابتلاء، و إلاّ كانت من محصورة أو غيرها، بل في موارد قد خرج بعضها عن محلّ الابتلاء أو بعد غير مبتلى به، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّدبّر.

قوله (قده): و حاصل هذا الوجه انّ العقل إذا- إلخ-.

قد أشرنا مراراً إلى انّ العقاب لو احتمل يدور وجوداً و عدماً مدار الإصابة و عدمها، استقلّ العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل أم لا، غاية الأمر مع عدم استقلاله لا يقبح الاقتحام عند العقل و لا يلام عليه، بداهة انّ عدم استقلاله بوجوب دفع ضرر لا يرفعه على تقديره، بل هو على ما هو عليه وجوداً و عدماً في الواقع، فلا يكون العقاب حينئذ بلا برهان.

و بالجملة استقلاله بوجوب دفعه لا يؤثّر في احتماله و لا عدمه في عدمه، و لعلّه لذا أمر بالتّأمّل؛ فالأحسن في تقرير الاستدلال بهذا الوجه ان يقال: انّ العلم بالتّكليف بين أطراف كثيرة غير محصورة لا يوجب تنجّزه بحيث يورث مخالفته العقاب، فلا يحتمل العقاب في واحد من الأطراف. و بالجملة العلم إذا كان أطرافه كثيرة لا يعتنى به، كما يظهر من مراجعة ما ذكره من النّظائر، فتدبّر جيّداً.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 112

(2)- وسائل الشيعة: 18- 112

(3)- و في المصدر: إلاّ ان يقال ان أكثر افراد

248

قوله (قده): السّادس انّ الغالب- إلخ-.

قد عرفت انّ ما كان بعض أطرافه خارجاً من محلّ الابتلاء، خارجاً عن محلّ الكلام، و مورد النّقض و الإبرام، و انّه مع الإغماض عمّا يجوز الاقتحام من غير جهة كثرة الأطراف و عدم انحصارها من الجهات، فتفطّن.

قوله (قده): و المسألة فرعيّة يكتفي فيها بالظّنّ- إلخ-.

لكن لا بكلّ ظنّ بناء على عدم حجّية الظّنّ المطلق، بل الظّنّ الناشئ من أسباب خاصّة و ليس مجموع الوجوه منها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و التّحقيق عدم جواز ارتكاب الكلّ لاستلزامه- إلخ-.

قد عرفت في بعض الحواشي السّابقة، انّه لا دليل على بطلان التّالي فيما إذا كان مرتبة الحكم الظّاهري محفوظاً، و المفروض انّ العقل على تقريرنا الوجه الخامس لا يحكم بتنجّز الواقع المعلوم، فيجب امتثاله و لو ببعض مراتبه من الموافقة الاحتماليّة و عدم المخالفة القطعيّة، و انّه لا يلزم من جواز مخالفته إخراج المعلوم عن تحت عموم دليله، و انّما يلزم منه ذلك لو لم يكن مرتبة الحكم الظّاهري محفوظة، فتذكّر.

قوله (قده): فانّ قوله «اجتنب عن الخمر» لا فرق في دلالته- إلخ-.

لا يخفى انّ نفس الخطاب لا دلالة على تنجّز التّكليف بالاجتناب أصلاً. نعم الالتفات إليه في الجملة يقتضيه، و انّما يقع الإشكال في تفصيله، و لذا لا ينافي العلم بوجود الحرام بين أمور محصورة، الاذن في الاقتحام فيها حسب ما حقّقنا الكلام فيه، فالأولى أن يقال: انّه لا بدّ من الرّجوع في موارد الشّكّ إلى الاحتياط لعدم الأمن من العقاب، لما نبّهنا عليه غير مرّة من انّه غير مأمون مع احتماله و لو كان ضعيفا، و قلنا بعدم استقلال العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل.

قوله (قده): و محتملات هذا الحرام ثلاثة

(1)

- إلخ-.

أي غير متداخلة، فانّ كلّ واحد من هذه الأقسام يحتمل ان يكون بتمامه تمام الحرام‏

____________

(1)- و في المصدر: و محتملات هذا الحرام المتباينة الثلاثة:

249

و كان كلّ واحد من القسمين الآخرين بتمامها حلالاً، بخلاف ساير التقسيمات، فانّ كلّ واحد من الأقسام بحسبها لا يحتمل يكون تمام الحرام و ان كان يحتمل ان يكون بتمامه حراماً، فلا يجب كثرة الأفراد كثرة تطرّق احتمال الحلّيّة من الجهات إلى كلّ واحد من الأطراف كي يكون احتمال الحرمة فيه بالقياس إليه موهوناً غير معتنى به عقلاً؛ هذا مراده (قده) و ان كان عبارته قاصراً عن إفادته، كما لا يخفى، فتدبّر.

قوله (قده): لأنّ الأقلّ معلوم‏

(1)

الحرمة و الشّك في حرمة الأكثر- إلخ-.

هذا مبنىّ على القول بحرمة الاشتغال بالمركّب المحرّم و لو لم يأت به بتمامه، و في بعض النّسخ «لأنّ الأكثر معلوم الحرمة و الشّك في حرمة الأقلّ» و هو مبنىّ على القول بعدم تحقّق الحرام إلاّ بعد الإتيان به بالتّمام، و لا يخفى إمكان النّهى عن المركّب على كلا النّحوين بلا كلام، بل وقوعه كذلك؛ و إنّما الإشكال و الخلاف ظاهراً في انّ ظاهر الخطاب هو أيّهما، و حينئذ لا وجه لإطلاق الحكم بمعلوميّة الحرمة، لا للأقلّ، و لا للأكثر، لاختلافهما في ذلك حسب اختلاف نحوي النّهى، فتفطّن.

قوله (قده): قلت: العلم الإجماليّ كالتّفصيلي- إلخ-.

العلم الإجماليّ حسب ما حقّقناه في بعض الحواشي السّابقة و إن لم يكن كالتّفصيلي علّة تامّة للتنجّز، إلاّ انّه يجب الإطاعة معه عقلاً ما لم يثبت من قبل الشّارع ما ينهض بجعل الجهل عذراً للمكلّف، و لا يكفي احتماله، فالملازمة بين وجوب الإطاعة و العلم الإجماليّ ثابتة فيما إذا لم يثبت ما ينهض بذلك.

قوله (قده): مضافاً إلى انّ غاية ما يلزم عدم التّمكّن- إلخ-.

قد عرفت انّ عدم التّمكّن من تمام الاحتياط إنّما هو بناء على اعتبار قصد القربة و أمثاله في المأمور به شرطاً أو شطراً، لا إذا كان من وجوه الطّاعة و كيفيّات الإطاعة، كما هو التّحقيق، فتذكّر.

____________

(1)- و في المصدر: لأنّ الأقل حينئذ معلوم الحرمة ...

250

قوله (قده): و بما ذكر من الاستصحاب فيه بعد منع عدم جريان الاستصحاب- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا الاستصحاب لو كان في نفسه جارياً، فلا مجال للمنع عنه من جهة حكم العقل بوجوب الجميع من أوّل الأمر، بل معه لا مجال لحكمه هذا الزوال موضوعه به و ملاكه به، فانّ حكمه بوجوب الجميع انّما كان من باب المقدّمة العلميّة لتحصيل ما هو المفرغ للذّمة و المخرج عن العهدة، و قد انسدّ هذا الباب بالاستصحاب، فانّ وجوب الإتيان بالثّاني حينئذ ليس من هذا الباب، بل لأنّه المفرغ على تقدير بقاء الاشتغال، كما هو مقتضى الاستصحاب، فالحاكم بوجوب الثّاني حينئذ و ان كان هو العقل أيضاً، إلاّ انّه لأجل ملاك آخر غير ما هو ملاكه على تقدير عدم جريان الأصل حينئذ.

و من هنا انقدح انّ استقلال العقل حينئذ بوجوب إتيانه من باب لزوم تحصيل اليقين بالفراغ عن الاشتغال المعلوم بالاستصحاب ليس من الاحتياط، فإنّه لا يتقوّم بدون الشّك، و لا شكّ هاهنا لا في الاشتغال و لا فيما يحصل به الفراغ، فلا يرجع الأمر إليه، فافهم.

قوله (قده): و أمّا استصحاب وجوب ما وجب- إلخ-.

يمكن ان يقال انّ وجوب المحتمل الثّاني و إن لم يكن من الآثار الشّرعيّة لوجوب ما وجب سابقاً بل من لوازمه عقلاً، إلاّ انّه لوضوح لزومه، كان بحيث يلزم تنزيله عرفاً لتنزيله، فيكون دليله دالاً عليه، فخطاب «لا تنقض‏ (1)» كما يفيد وجوب البناء على بقاء وجوب ما وجب سابقاً، كذا يفيد وجوب البناء على وجوب المحتمل الثّاني، و قد أوضحنا فيما علّقناه في مسألة الأصل المثبت وجه حجيّة ما كان منه من هذا القبيل، كما أشرنا إليه هاهنا.

قوله (قده): لأنّ الخطاب هنا تفصيلاً متوجّه إلى المكلّفين فتأمّل- إلخ-.

وجه التّأمّل انّ توجّه الخطاب و تعلّق التّكليف معلوم في كلتي المسألتين، و المكلّف به مردّد فيهما بين الشيئين، غاية الأمر طريق العلم بالخطاب هنا هو النّص، و هناك غيره، و هو غير فارق فيما كان العلم طريقاً صرفاً.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 321- ح 3

251

قوله (قده): لكنّ التّأمّل في كلامه يعطى- إلخ-.

التّأمّل فيما نقله من كلامه‏ (1) و كلام المحقّق القمي في هذه المسألة و المسألة السّابقة يعطى انّهما ليسا ممّن خالف في إحدى المسألتين، بل كلّ منهما قائل بوجوب الاحتياط فيما هو المفروض فيهما، و هو ما إذا علم المكلّف بتوجّه الخطاب إليه بمعيّن واقعاً، و تعلّق التّكليف به و تردّد بين أمرين أو أمور، و إنّما صار إلى عدم وجوب الاحتياط حيث صارا لمنعهما العلم بتوجّه الخطاب فيه بمعيّن مع تردّده، بل المسلم عندهما هو العلم بتوجّهه بأحدهما، فالنّزاع معهما ان كان، فهو في الصّغرى لا في الكبرى، كما لا يخفى، فتدبّر.

قوله (قده): إذ غاية الأمر سقوط الشّرط، فلا وجه- إلخ-.

إن كان منشأ السّقوط في البين هو عدم تنجّز التّكليف المعلوم بين الأطراف الغير المحصورة، فهو يقتضى سقوط نفس المشروط. نعم في خصوص بعض الموارد كالصّلاة يمكن دعوى القطع بعدم سقوطها رأساً، لكنّه ليس بملاحظة هذا التّكليف المعلوم بين الأطراف الغير المحصورة، بل لما علم من الشّرع من انّ التّكليف بها لا يسقط رأساً لانحلاله إلى تكاليف متعدّدة متعلّق كلّ منها بمرتبة منها، و لا يسقط منها واحد إلاّ و قد ثبت واحد آخر، و إن كان منشأ السّقوط هو تعسّر الإتيان بجميع المحتملات الغير المحصورة، و هو غير مقتضى لسقوط الشّرط و لا المشروط رأساً، و انّما يقتضى سقوط بعض المحتملات، فافهم.

قوله (قده): أو جزء ذهنيّ و هو القيد- إلخ-.

لا يخفى انّ الجزء الذّهني في المقيّد ليس هو قيده كالطّهارة للصّلاة مثلاً، كيف و هو امر خارجيّ كسائر الأجزاء الخارجيّة، بل هو التّقيّد به الّذي لا تحقّق له في الخارج إلاّ بتحقّق منشأ انتزاعه و هو ذات المقيّد و القيد.

و بالجملة الجزء المشكوك فيه:

إمّا جزء خارجيّ، و هو ما كان له وجود على حدّه قد أخذ في المأمور به، كما أخذ فيه الأجزاء الآخر و إن كان هو مع سائرها من قبيل العرض و موضوعه.

و إمّا جزء تحليليّ عقليّ، و هو ما لا وجود له في الخارج على حدة، بل هو و ساير الأجزاء الّتي يكون كذلك موجودة بوجود واحد، و هذا كالفصول للأنواع.

____________

(1)- أي كلام المحقق الخوانساري‏

252

و إمّا جزء ذهنيّ، و هو ما لا وجود له في الخارج أصلاً، و انّما يكون وجوده فيه بمعنى وجود منشأ انتزاعه كالتّقيّد للمقيّد و منشأ انتزاعه تارة يكون مباينا في الوجود مع المقيّد كالطّهارة مع الصّلاة، و أخرى من عوارضه و أحواله كالسّواد و البياض، و الكفر و الإيمان مع الرّقبة. و ليكن هذا على ما ذكر منك لعلّه ينفعك فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

قوله (قده): و ثانياً إنّ نفس الفعل- إلخ-.

لا يخفى انّ ما أفاده (قده) من الجوابين لا يجدى مثله ممّن كان بنائه على ابتناء الأحكام على المصالح و المفاسد في الأشياء، و عدم اعتبار قصد الوجه في حصول الإطاعة مع أنّ احتمال عدم اعتباره في حصول الغرض كاف في استقلال العقل على تقدير تنجّز الأمر بلزوم الإتيان بجميع ما يحتمل مدخليّته في حصول غرضه و عدم التّخلّص من تبعة مخالفته إلاّ بذلك، حيث انّ الإطاعة الّتي يكون واجبة و موجبة للتّخلّص عنها عبارة عن امتثال الأمر على نحو يحصل أيضاً ما هو الغرض، و هو نفس المأمور به، و ليس لتحصيل الغرض منه أو تفويته مقام و لا طاعته أو معصيته مقام آخر تنجّز بالنّسبة إلى أحدهما دون الآخر، بل ليس في البين إلاّ مقام واحد و هو لزوم الامتثال على نحو لو كان هناك غرض لحصل و سقط، فالأمر مع احتمال عدم التّمكّن من امتثاله كذلك إن كان منجّزاً، فلا محيص عن الإتيان بجميع ما فيه احتمال المدخليّة ممّا شكّ في اعتباره جزءً أو شرطاً، و إلاّ فلا وجه للإتيان بما علم اعتباره.

هذا كلّه، مضافاً إلى انّ هذا الجواب لو تمّ لما عمّ ما هو بصدده حسبما اعترف (ره) فيما علّقه على الهامش من اختصاص هذا الجواب بالأوامر التّعبديّة، فلاحظ و تدبّر جيّداً.

قوله (قده): إذ يكفي في البيان المسوّغ- إلخ-.

فيه انّه لا يكفي العلم بمطلوبيّة أحد طرفي الشّبهة تفصيلاً في ارتفاع أثر العلم الإجماليّ بالتّكليف بينهما، إلاّ إذا كان الطّلب فيما علم تفصيلاً مطلوبيّته منجّزاً على كلّ تقدير، كما إذا علم تفصيلاً بوجوب أحدهما فعلاً، و ان تردّ وجهه بين أن يكون نفسيّاً أو غيريّاً من باب المقدّمة لواجب منجّز فعلى، فإنّ العلم حينئذ ينحل إلى علم تفصيلي بالتّكليف في أحدهما، فيستقلّ العقل بلزوم موافقته و حسن المؤاخذة على مخالفته، و إلى شكّ بدويّ في الآخر، و يستقلّ بقبح المؤاخذة عليه، بخلاف ما إذا لم يكن الطّلب فيما علم مطلوبيّته منجّزاً على كلّ تقدير، كما إذا كان في المثال وجه الوجوب مردّداً بين ان يكون نفسيّاً أو

253

من باب المقدّمة لواجب غير منجّز، فانّ وجوبه حينئذ لا يكون منجّزاً فعليّاً، بحيث يجب الخروج عن عهدته على كلّ تقدير، كي يكون الآخر، مشكوك التّكليف بالشّك البدويّ، بل التّكليف الفعلي بعد بينهما و العلم به على حاله من إجماله، من دون انحلال العلم التّفصيليّ به في أحدهما و الشّكّ البدويّ فيه في الآخر، و العلم التّفصيلي بوجوب الأقلّ فعلاً فيما نحن فيه لتوقّفه على تنجّز التّكليف المعلوم إجمالاً، لاحتمال كون وجوبه لأجل مقدّميّته للأكثر لا يعقل ان يرتفع به ما هو أثر العلم الإجماليّ من تنجّز التّكليف الواقعيّ، و حينئذ لا محيص عن الاحتياط.

فتلخّص انّه لا يعقل عدم تنجّز التّكليف المعلوم بالإجمال في البين بسبب ما يتوقّف على تنجّزه من مطلوبيّة الأقلّ فعلاً، و مطلق مطلوبيّته و لو من دون تنجّز و إن كان غير متوقّف على تنجّز المعلوم بالإجمال إلاّ انّه غير رافع الأثر العلم الإجماليّ، لما عرفت من انّه معه على حاله من دون انحلاله بالنّسبة إلى التّكليف الفعلي و ان انحلّ بالنّسبة إلى الطّلب، فعليك بالتّأمّل التّام في المقام فانّه مزلقة أقدام الأعلام.

قوله (قده): فانّ وجوب الأقلّ بمعنى- إلخ-.

قد عرفت انّ وجوبه بهذا المعنى يتوقّف على تنجّز التّكليف المعلوم إجمالاً، و معه لا محيص عن الاحتياط.

قوله (قده): لكون أحد طرفيه معلوم الإلزام تفصيلاً- إلخ-.

قد عرفت أيضا انّ الإلزام الفعلي المنجّز لا يكون معلوماً تفصيلاً في الأقلّ إلاّ على تقدير تنجّز التّكليف المعلوم إجمالاً، و معه لا يعقل عدم كون العلم الإجماليّ مؤثّراً، و انّ العلم التّفصيلي بمطلق الطّلب في أحد طرفي العلم الإجماليّ ما لم يحرز فعليّته و تنجّزه غير مؤثّر في رفع أثره.

قوله (قده): و دوران الأقلّ بين كونه مقدّميّاً أو نفسيّاً لا يقدح- إلخ-.

إنّما لا يقدح دورانه فيما هو بصدده إذا كان فعليّاً منجّزاً على كلّ تقدير؛ و قد عرفت انّه فيما نحن فيه يتوقّف على تنجّز المعلوم بالإجمال، و معه لا يعقل حكم العقل بوجوب القيام بالأقلّ و قبح المؤاخذة على الأكثر.

و الحاصل انّ العلم التّفصيليّ بالإلزام الأقلّ مطلقا، فعليّاً أم لا، غير مؤثّر في رفع أثر

254

العلم الإجماليّ لتوقّف فعليّته على تنجّز المعلوم، و بدونه يكون العلم الإجماليّ بالتّكليف الفعليّ بينهما على حاله من إجماله بلا انحلال مفيد، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

قوله (قده): فهو و إن كان غير معارض- إلخ-.

قد انقدح بما ذكرنا معارضته، و إلاّ فقد عرفت في الشّك في التّكليف أنّ استصحاب عدم التّكليف نافع في رفع استحقاق العقاب، بل قد عرفت انّه لا مجال لغيره من القواعد فيما كان له مجال و إن كان المورد يصلح لهما بأن يكون عدم استحقاق العقاب من آثار ما يعمّ عدم التّكليف مطلقا و عدم العلم به، و ذلك لوروده عليها كما في العقليّة منها، أو حكومته كما في النّقليّة منها.

نعم ليس له مجال فيما لو كان عدم استحقاق العقاب من آثار خصوص عدم العلم بالتّكليف فحسب، و الضّابط أنّه لا بدّ من الرّجوع إلى الاستصحاب فيما كان الأثر المقصود ترتيبه من آثار خصوص المشكوك أو ما يعمّ الشّك فيه، و من الرّجوع إلى القواعد العقليّة و النّقليّة المقرّرة للشّاكّ فيما كان من آثار خصوص الشّك، فاحفظه.

قوله (قده): مضافاً إلى منع جريانه- إلخ-.

قد عرفت في الحاشية السّابقة مضافاً إلى بعض الحواشي في المتباينين، صحّة جريانه، و لا يخفى انّ العقل لا يستقل معه البراءة، و لو سلّم انّه لولاه كان يستقلّ بها، بل معه من أوّل الأمر يستقلّ بلزوم الخروج عن عهدة التّكليف الثّابت بالاستصحاب بعد الإتيان بالأقلّ، و حيث يتعيّن عنده الخروج عن العهدة في إتيان الأكثر ابتداء أو بعد إتيان الأقلّ، فلا حاجة إلى إثبات انّه الواجب ليلزم كون الأصل مثبتاً. و من هنا انقدح انّ الاستصحاب مجد في الاحتياط و لو لم نقل بالأصل المثبت، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): لكن يمكن ان يقال: انّا نفينا- إلخ-.

كيف يمكن أن يقال ذلك، و قد ثبت من أوّل الأمر باستصحاب بقاء الاشتغال على تقدير الإتيان بالأقلّ كون الواجب هو الأكثر، و معه كيف ينفي وجوب الأكثر في الزّمان السّابق بقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» و كأنّه توهّم انّ إجراء هذا الاستصحاب يتوقّف على إتيان الأقلّ، بحيث لا يكون له مجال قبله، و أنت خبير بعدم توقّفه على ذلك، بل يجري قبل إتيانه لتحقّق؛ أو كأنّه من اليقين و الشّكّ من أوّل الأمر فعلاً بلا تقدير، بل التّقدير في‏

255

المشكوك، بداهة انّ الاشتغال بعد الإتيان بالأقلّ مشكوك من أوّل الأمر قبل إتيانه، تأمّل تعرف إن شاء الله تعالى.

قوله (قده): فكذلك فما نحن فيه- إلخ-.

لا يخفى انّه يمكن منع الملازمة، فإنّ الخطاب المعلوم في المثال اثنان تعلّق كلّ منهما بعنوان غير ما تعلّق به الآخر، بحيث لو اجتمعا في مورد واحد، كما إذا كان معلوم النّجاسة منهما بملاقاة البول مثلاً خمراً، للحق بالارتكاب تبعة كلّ من الخطابين من المعصية و العقاب، فيجب مراعاة ما علم إجمالاً منهما أيضا؛ و هذا بخلاف ما نحن فيه فانّ الأقلّ بما له من العنوان معلوم الوجوب تفصيلا و إن كان حيث وجوبه، و وجهه مردّداً بين النّفسيّة و الغيريّة، و لا يعلم بوجوب آخر إجمالاً في البين، فيجب مراعاة الوجوبين، و المثال المطابق هو ما إذا علم بوجوب الاجتناب عن أحد أمرين، و قد علم بالتّفصيل وجوب الاجتناب عن أحدهما المعيّن، كما إذا علم بوقوع قطرتين من البول، إمّا جميعاً في هذا الكأس المعيّن أو إحداهما فيه، و الأخرى في الآخر؛ لكنّك عرفت انّ الانحلال المجدي إنّما هو فيما كان أحدهما المعيّن معلوم التّكليف الفعلي و هو فيما نحن فيه يتوقّف على تنجّز التّكليف بالواقع، و معه لا بدّ من الاحتياط، فليتدبّر.

قوله (قده): كانت هذه الأخبار كافية في المطلب- إلخ-.

يمكن أن يقال: انّ وجوب واحد من الأقلّ و الأكثر نفسيّاً ممّا لم يحجب اللّه علمه عنّا، فليس موضوعاً عنّا، و لسنا في سعة منه كما هو قضيّة العلم به بحكم العقل أيضاً حسب الفرض، و هذا ينافي الحكم على الأكثر على التّعيين بأنّه موضوع عنّا و نحن في سعته، كما لا يخفى؛ فانّ نفي الوضع و السّعة عمّا علم إجمالا وجوبه مع العلم تفصيلاً بوجوب أحد طرفيه يستدعى نفيهما عنه و لو كان هو الطّرف الاخر، فلا بدّ إمّا من الحكم بعدم شمول هذه الأخبار لمثل المقام ممّا علم إجمالا وجوب شي‏ء إجمالا. و إمّا من الحكم بأنّ الأكثر ليس ممّا حجب اللّه علمه، فانّه يعلم وجوب الإتيان به بحكم العقل مقدّمة للعلم بإتيان ما لسنا في سعته، و ليس بموضوع عنّا بحكم مفهوم هذه الأخبار، كما هو حكم العقل.

و بالجملة مجال المنع عن كفاية هذه الأخبار واسع، و السّند ما ذكره في منع دلالتها على البراءة في المتباينين حرفاً بحرف و كون أحد الطّرفين هاهنا معلوم التّكليف، بخلاف هناك غير فارق بعد الحكم بتنجّز التّكليف المعلوم إجمالاً حسب الفرض، كما لا يخفى‏

256

على من له أدنى تأمّل.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا يظهر حكومة هذه الأخبار

(1)

- إلخ-.

لا يخفى انّ استصحاب الاشتغال على تقدير صحّته حسب ما عرفت، كما هو وارد على حكم العقل بالبراءة لو سلّم على ما بيّنّاه، فكذلك هو وارد على هذه الأخبار، فإنّ الأكثر حيث يتعيّن به الخروج عن عهدة التّكليف الثّابت بالاستصحاب على تقدير الإتيان بالأقلّ، فوجوب الإتيان به عقلاً تفريعاً للذّمّة و خروجاً عن العهدة معلوم، فكيف يكون داخلاً فيما حجب هذا لو لم نقل بالأصل المثبت. و أمّا على القول به فالأكثر معلوم الوجوب شرعاً، فليس ممّا أخبر الشّارع بعدم المؤاخذة على تركه، لأجل حجب العلم بوجوبه، و هذا أوضح من أن يحتاج إلى مزيد بيان.

قوله (قده): و منع كون الجزئيّة امراً مجعولاً- إلخ-.

قد تقدّم منّا في حديث الرّفع انّ الجزئيّة و الشّرطيّة و نحوهما من الأحكام الوضعيّة و ان كانت غير مجعولة على الاستقلال على ما هو التّحقيق، إلاّ انّها لمّا كانت ممّا تنالها يد التّصرف من الشّارع و لو بواسطة ما ينتزع عنها من الأحكام التّكليفيّة رفعاً و وضعاً، صحّ أن يتعلّق بها الرّفع و الوضع يتبعها، و حينئذ منع كون الجزئيّة أمراً مجعولا لا يقتضى عدم شمول هذه الأخبار لها.

ان قلت: إذا كان التّصرف في الأحكام الوضعيّة تبعاً للتّصرف في الأحكام التّكليفيّة رفعاً و وضعاً، كان رفعها و وضعها بمعنى رفع تلك الأحكام و وضعها، فلم يكن لها رفع و وضع على حدة، فيكون بذلك مشمولة للأخبار أيضا.

قلت: مجرّد تبعيّتها لها في الرّفع و الوضع لا يقتضى اتّحاد رفعها مع رفعها، و وضعها مع وضعها، بداهة انّ السّببيّة و المسبّبيّة تقتضيان الإثنينيّة لا الاتحاد و العينيّة.

قوله (قده): ثمّ إنّ الملازمة

(2)

الّتي صرّح- إلخ-.

الفرق بين الأدلّة الظّنيّة و الاستصحاب التّعبّدي و إن كان واضحا موجبا لحكومتها

____________

(1)- اخبار البراءة

(2)- و في المصدر: ثم ان في الملازمة ...

257

عليه، كما فصّلنا القول فيه فيما علّقناه على الاستصحاب إلاّ انّه غير فارق في الباب، فإنّ نسبة كلّ منه و منها إلى هذه الأخبار و كذا إلى كلّ ما كان مضمونه بيان حكم الشّكّ، نسبة واحدة من دون تفاوت في ذلك بين ما نحن فيه و غيره من ساير الأبواب، فكما إذا قامت أمارة شرعيّة على الاشتغال كانت حاكمة على هذه الأخبار الدّالّة على البراءة، كذلك استصحابه حاكم عليها، فانّ ما هو ملاك الحكومة فيها من البناء على بقاء الاشتغال واقعاً، و استقلال العقل حينئذ بلزوم الإتيان بالأكثر لانحصار المفرغ للذّمّة به، موجود فيه أيضا، غاية الأمر اقتضاء الأمارة وجوبه شرعاً أيضا دونه بناء على عدم القول بالأصل المثبت، فليتدبّر.

قوله (قده): و وجوبه المقدّمي بمعنى اللابديّة لازم- إلخ-.

أي لازم للجزء بما هو جزء، لا له بذاته، ضرورة جواز انفكاكه عنه لذلك، مع هذا لا يخفى انّ اللّزوم إنّما يقتضى عدم انفكاك اللازم من الملزوم في الحدوث، لا عدم حدوثه بحدوث مغاير لحدوثه، فكما أنّ الأصل عدم حدوث الملزوم، كذلك الأصل عدم حدوث اللازم، و لا بدّ من كلا الأصلين في ترتيب آثارهما، و لا يجوز الاكتفاء بأحدهما إلاّ على القول بالأصل المثبت، فليتدبّر.

قوله (قده): و فيه انّ جزئيّة الشّي‏ء المشكوك- إلخ-.

حاصله انّ الغرض من أصالة عدم الجزئيّة إن كان هو أصالة عدم اتّصاف المركّب الواقعيّ بكون المشكوك جزءاً له، فليس اتّصافه أمراً حادثاً مسبوقا بالعدم بحيث كان المركّب، و لم يكن الاتّصاف ثم حدث، بل هو إمّا حدث معه، أو لم يحدث بعده و إن كان هو أصالة عدم اتّصاف المشكوك بالجزئيّة للمركّب، فالاتّصاف هاهنا و إن كان مسبوقاً بالعدم، إلاّ انّ الأصل بالنّسبة إلى إثبات المقصود مثبت.

قوله (قده): و الفصل ثابت بالأصل لتعيّن المأمور به- إلخ-.

لا يخفى انّه لا يكاد يتمّ إلاّ على اعتبار الأصل المثبت، فانّه ليس بملاحظة أجزاء المركّب الّذي يؤمر به، و عدم ملاحظة ما سواها معها أثر شرعيّ فانّ الأثر للملحوظ و الأمر إنّما يتعلق به بما هو هو، لا بما هو ملحوظ، و إنّما الملاحظة ممّا لا بدّ منها عقلاً في مقام الحكم، فافهم.

258

قوله (قده): إلاّ أن يقال انّ جزئيّة الشّي‏ء- إلخ-.

أقول: لا وجه له، فانّ للأجزاء ملاحظتين، إحداهما ملاحظتها بلحاظ واحد آليّ تعلّق بكلّ منهما تبعاً، و على الإجمال، و الأخرى هي ملاحظتها بلحاظات متعدّدة بحيث تعلّق بكلّ منهما لحاظ على حدة، و ما كان منها عين ملاحظة الكلّ و راجعاً إليها، انّما هو الأولى، و ما كان منها ملاك الجزئيّة، انّما هو الثّانية، كما لا يخفى على المتأمّل.

نعم انّما يكون ملاحظتها بعين ملاحظة الكلّ و راجعة إليها فيما إذا لم يكن لها جهة وحدة يجمعها إلاّ نفس وحدة لحاظها و إلاّ كانت أموراً متشتّتة لم يجمعها عنوان غير لحاظها دفعة، فليتدبّر.

قوله (قده): بل لا يجري مطلقا فيما دار أمر الجزء- إلخ-.

الجزء المستحب ليس داخلاً في قوام الواجب من أجزاء ماهيّته و إلاّ لا يعقل اتّصافه بالاستحباب، بل من أجزاء بعض مصاديقه و مشخصاته فلا يستلزم الالتفات إلى الواجب بجميع أجزائه حين إيجابه الالتفات إليه أصلاً. نعم الالتفات إليه في الجملة ممّا لا بدّ منه فيقطع به، لا خصوص الالتفات المتوقّف عليه لحاظ جزئيّة للواجب، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

قوله (قده): و إمكان البيان و الحكم بعدم الجزئيّة- إلخ-.

أي إمكان البيان ذاتاً مع امتناعه فعلاً، لعدم إمكان تغيير الواقع عمّا وقع عليه، و مثله لا يصلح أن يكون ثمرة للخلاف في المسألة الأصوليّة، كما لا يخفى، و يمكن ان يكون قوله «فافهم» إشارة إليه.

قوله (قده): لأنّ موافقة أحدهما للمطلق الموجود مرجّح- إلخ-.

هذا بناءً على اعتبار أصالة الإطلاق من باب الظهور النّوعي و التّرجيح بكلّ مزيّة، داخليّة كانت أو خارجيّة، حسب ما يستظهر من أخبار العلاجيّة.

قوله (قده): كما إذا أمر بمفهوم مبيّن مردّد مصداقه- إلخ-.

المراد بالمصداق هاهنا ما يتحصّل به ذاك المفهوم المبيّن في الخارج و يتحقّق به، لا ما ينطبق به و يصدق عليه، فلا تغفل.

259

قوله (قده): أمّا الأوّل، فالكلام فيه هو الكلام فيما تقدّم- إلخ-.

لكن يمكن أن يقال هاهنا مضافاً إلى ما عرفت فيما علّقناه هناك، انّ الخروج عن عهدة التّكليف بالأقلّ على نحو اليقين هاهنا يتوقّف على إتيان الأكثر، حيث لا يحصل القطع بالخروج عن عهدته إلاّ بإتيان ما يسقط معه وجوبه على كلّ تقدير، و ليس هذا إلاّ شأن الأكثر، فانّ وجوب الأقلّ و إن كان يسقط بإتيانه إذا كان نفسيّاً، لكنّه لا يسقط به إذا كان غيريّا، فانّ المأمور به على ذلك ليس هو مطلق وجوده، بل هو وجود خاصّ منه، و هذا بخلاف التّكليف بالأقلّ هناك، و انّ وجوبه يسقط بإتيانه نفسيّاً كان أو غيريّاً، فانّ المأمور به بالأمر الغيريّ في الجزء هو مطلق الوجود منه، لا خصوص ما يؤتى به في ضمن تمام الأجزاء.

إن قلت: فعلى هذا لا معنى لعروض البطلان على ما أتى به من الأجزاء أصلاً، و لا لاستئنافه و لو أتى بألف مانع في الأثناء، و هو كما ترى.

قلت: نعم لا معنى لبطلانه بإتيان مانع، بل هو على ما كان عليه من الصّحّة التّأهّليّة، و هو كونه بحيث لو انضمّ إليه ساير ما اعتبر في المركّب لالتأم و حصل، و الاستئناف إنّما هو لأجل عدم إمكان التئام المركّب حينئذ، و شأن الواجب الغيريّ ان يؤتى به و لو مراراً إلى ان يتمكّن به و بغيره من الإتيان بالواجب النّفسي، فليتدبّر.

قوله (قده): لعدم الجزم باستقلال العقل بالبراءة- إلخ-.

الإنصاف استقلال العقل بالاشتغال بعد العلم بوجوب المعيّن، و لزوم تحصيل القطع بفراغ الذّمّة عن وجوبه، هذا مع قطع النّظر عن استصحاب عدم وجوب الآخر و استصحاب بقاء وجوب المعيّن و عدم سقوطه؛ و أمّا بملاحظتهما فلا مجال للإشكال في استقلاله لعدم جواز الاقتصار بغير المعيّن أصلاً، كما لا يخفى.

قوله (قده): ثمّ انّ مرجع الشّكّ في المانعيّة- إلخ-.

لا يخفى انّه إنّما كان مرجعه إليه إذا كان الشّكّ في أخذ عدم شي‏ء قيداً لما يأتلف منه المركّب من الأجزاء. و أمّا إذا كان الشّكّ في أخذه فيه جزءاً كما يؤخذ فيه من الأمور الوجوديّة جزء، فمرجعه إلى الشّكّ في الجزئيّة، فلا تغفل.

260

قوله (قده): ثمّ إنّ الشّكّ في الجزئيّة

(1)

أو الشّرطيّة- إلخ-.

كما إذا شكّ في اشتراط إباحة مكان المصلّي من جهة الشّك في حرمة الغصب مثلا، بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهى، فالأصل الجاري في الحرمة مثبتاً كان لها أو نافياً، كان حاكماً على الأصل في الشّرطيّة.

ثمّ انّ الشّكّ من جهة ذلك إنّما يتصوّر في الشّرطيّة و لا يتأتّى في الجزئيّة، إذ لا يعقل أن ينشأ الجزئيّة من التّكليف النّفسي، فإلحاقها بها مجرّد فرض، كما صرّح (قده) بذلك في الهامش.

قوله (قده): لأنّ ما كان جزء في حال العمد- إلخ-.

فيه انّه يمكن اختصاص اعتبار جزئيّة شي‏ء بما إذا التفت إليه، بحيث يختلف الأجزاء زيادة و نقيصة واقعاً حسب حالتي الالتفات إليه و الغفلة عنه، كسائر الحالات الموجبة لذلك، بأن يؤمر بالصّلاة مثلاً أوّلا ثمّ يقيّد بدليل دالّ على جزئيّة السّورة في حال الالتفات إليها بناء على وضعها للأعمّ، أو يشرح به، و بما يدلّ على ساير ما يعتبر فيها شطراً أو شرطاً بناء على وضعها للصّحيح، فانّ الغافل حينئذ يلتفت إلى ما توجّه إليه من الأمر و يتمكّن من امتثاله حقيقة بإتيان ما هو المأمور به واقعاً في هذا الحال، و إن كان غافلاً عن غفلته الموجبة لكون المأتي به تمام المأمور به، فانّ اللازم إنّما هو الالتفات إلى ما يتوجّه إليه من الأمر و ما أمر به بتمامه و لو على نحو الإجمال، لا الالتفات إلى ما يكون بحسبه من الحال، فليست الغفلة عن الغفلة بمانعة من ان يتغيّر بها المأمور به بأن يتوجّه خطاب واحد إلى وجوب إقامة الصّلاة على إطلاقها و إجمالها، ثمّ يقيّد أو يشرح، كما ذكرنا بما يدلّ على جزئيّة السّورة لها في خصوص حال الالتفات إليها، فيكون الدّاعي إلى الطّاعة في كلّ الغافل و غيره، هو هذا الخطاب و إن كان الواجب به عليه غير الواجب على الغير.

نعم إنّما هي مانعة عن الإيجاب عليه بخطاب مختصّ ببيان تكليفه، مع انّ هذا إنّما هو إذا خوطب به بهذا العنوان أي الغافل، لا بما يلازمه من عنوان آخر، كما لا يخفى.

هذا، مع انّه لا يلزم خطاب في هذا الحال أصلاً و يكفي مجرّد محبوبيّة الخالي عن المغفول عنه في الحال كمحبوبيّة المشتمل عليه في حال الالتفات إليه، فإنّ فائدة الخطاب ليس إلاّ البعث و التّحريك، و هو حاصل من نفس الخطاب بالمركّب، حيث انّ الغافل يعتقد شموله،

____________

(1)- و في المصدر: ثم انّ الشك في الشرطية ...

261

فافهم.

و من هنا انقدح انّه لو شكّ في الجزئيّة في حال الغفلة لإجمال الدّليل المقيّد، فالمرجع هو الإطلاق لو كان، و إلاّ فأصالة البراءة أو الاحتياط على الخلاف فيما هو الأصل في مسألة الشّك في الجزئيّة، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): فهو غير قابل لتوجّه الخطاب إليه- إلخ-.

قد عرفت بما ذكرنا في الحاشية السّابقة صحّة إيجاب العبادة الخالية عن الجزء المغفول عنه على الغافل بأحد الوجهين، و انّه إنّما يكون غير قابل لتوجيه الخطاب إليه إذا كان مختصّا به و بعنوانه، لا إذا لم يكن مختصّا به أو لم يكن بعنوانه، فلا تغفل.

قوله (قده): و ليس في المقام أمر بما أتى به النّاسي- إلخ-.

قد عرفت انّ ما أتى به النّاسي يمكن أن يؤمر به بخطاب مستقلّ على حدة غير خطاب غيره، أو بخطاب يعمّهما على نحو ما عرفت.

قوله (قده): و التّكليف عقليّاً كان أو شرعيّا يحتاج- إلخ-.

الالتفات الّذي يحتاج إليه و لا بدّ منه عقلاً، انّما هو الالتفات إلى الأمر و المأمور به، لا الالتفات إلى ما يوجبه ممّا هو عليه من الحال، بداهة صحّة التّكليف و لزوم الامتثال بمجرّد الالتفات إلى الخطاب و لو كان غافلاً عمّا يوجبه ممّا هو عليه من الأحوال.

قوله (قده): قلت: بعد تسليم إرادة رفع جميع- إلخ-.

قد نبّهنا مراراً أنّ المرفوع بحديث الرّفع‏ (1) ما يمكن أن تناله يدا التّصرف من الشّرع و لو بالواسطة، كما في الأحكام الوضعيّة، فانّها على التّحقيق و إن كانت غير مجعولة على الاستقلال، إلاّ انّها ممّا يتصرّف فيها وضعاً و رفعاً يتبع ما ينتزع عنها من الأحكام التّكليفيّة، فيكون حديث‏ (2) الرّفع حاكماً على ما دلّ على جزئيّة السّورة مطلقا كدليل خاصّ‏ (3) ناظر إليه كان مضمونه نفي جزئيّتها في حال النّسيان، مع أنّه لو لم يكن المرفوع إلاّ

____________

(1)- وسائل الشيعة: 16- 144

(2)- وسائل الشيعة: 16- 144

(3)- وسائل الشيعة: 4- 846

262

وجوب الكلّ المركّب منها في حال النّسيان، لم يكن الأمر الأوّل المقتضى لوجوبها مقتضياً للإعادة، فانّ الواجب في هذا الحال بهذا الأمر بعد قيام حديث الرّفع على عدم وجوب ما اشتمل عليها في الحال ليس إلاّ ما كان خالياً عنها و قد أتى به، فلا وجه لإطاعته ثانياً بالإعادة، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و يشترط في صدق الزّيادة- إلخ-.

و ذلك لأنّ التّركيب في المركّبات الاعتباريّة و الائتلاف، انّما هو بحسب الاعتبار، و لا ائتلاف بدونه، فما يؤتى به من دون اعتباره جزء يقع أجنبيّاً غير مربوط بالعبادة كسائر الحركات و السّكنات الواقعة فيها.

قوله (قده): و أمّا الزّيادة على الوجه الأوّل- إلخ-.

يمكن أن يقال بالصّحة حتّى فيما إذا اعتقد تشريعاً إذا لم يلزم من ذلك عدم قصده لامتثال الأمر بالعبادة و إطاعته بأن يكون مريدا لإطاعته بإتيان العبادة كيف ما كان، إلاّ انّه اعتقد انّها كذلك شرعاً أو تشريعاً، لا ما إذا لزم منه ذلك بأن لم يكن مريداً للامتثال إلاّ على تقدير كون العبادة كما اعتقدها، و ذلك لأنّ المفروض انّ الزّيادة بنفسها ليست بمانعة، و مجرّد اعتقاد الجزئيّة لا ينافي القربة و قصد الامتثال، و لا يعتبر في صحّة العبادة أزيد عن إتيان المأمور به بداعي التّقرب و الامتثال، فتأمّل.

قوله (قده): إذا نوى ذلك قبل الدّخول- إلخ-.

حقّ العبارة أن يقال: سواء نوى ذلك- إلخ-؛ كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.

قوله (قده): اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ استصحاب الهيئة- إلخ-.

بأن يكتفي عرفاً في تحقّق الهيئة سابقاً بتحقّق بعض أمور تدريجيّة تقوّم بمجموعها، كما يكتفي في استصحاب نفس الأمور التّدريجيّة كاللّيل و النّهار بتحقّق بعض أجزائها سابقاً.

و من هنا ظهر انّ جهة التّسامح في هذا الاستصحاب غير جهته في استصحاب الكرّيّة، فإنّ التسامح فيه انّما هو من جهة الموضوع، بخلاف الباب فانّه في نفس المستصحب، فافهم.

263

قوله (قده): و يقال في بقاء الأجزاء السّابقة- إلخ-.

يعنى ظاهراً انّ عدم وجوب الاستئناف و إن كان مترتّباً على بقاء الأجزاء السّابقة على قابليّتها لإلحاق الباقي بواسطة ما يلزمها من تحقّق الهيئة بين تلك الأجزاء و ما يلحقها من الباقي، إلاّ انّ الواسطة خفيّة بحيث يتخيّل انّه من آثار نفس قابليّة تلك الأجزاء للإلحاق.

هذا، مع انّه يمكن ان يقال أيضاً انّ الواسطة و إن كانت غير خفيّة، إلاّ انّ تنزيل القابليّة عرفاً لا ينفكّ عن تنزيل الفعليّة، في مثله يكون الاستصحاب المثبت أيضا حجّة، حسبما حقّقناه فيما علّقناه على الاستصحاب.

هذا كلّه لو كان القاطع بمعنى ما يرفع به ما اعتبر بين الأجزاء من الهيئة الاتّصاليّة.

و أمّا إذا كان بمعنى ما يرفع به قابليّة الأجزاء السّابقة لإلحاق الباقي، أو قابليّته للّحوق بها، أو قابليّتهما، و لم يعتبر بينهما هيئة اتّصاليّة، فلا إشكال في استصحاب بقاء ما كان على ما كان قبل حدوث ما شكّ في قاطعيّة من قابليّة اللّحوق، و قد فصّلنا المقام في باب الاستصحاب، فليراجع ثمّة.

قوله (قده): هذا كلّه مع انّ إرادة المعنى الثّالث- إلخ-.

مع انّ إرادته لا ينفع فيما نحن فيه، لما ذكره في وجه عدم نفع المعنى الأوّل فيه؛ و حاصله انّه من قبيل التّمسّك بالعموم في الشّبهة الموضوعيّة.

قوله (قده): للشّكّ في زمان اللاحق في القدرة- إلخ-.

لا يقال: يستصحب القدرة على الإتمام أيضا، بل لا مجال مع استصحابها لاستصحاب وجوب الإتمام، فانّ الشّكّ فيه ناش عن الشّكّ فيها.

لأنّا نقول: إن استصحاب القدرة لا يجدى إلاّ في ترتيب الآثار الشّرعيّة عليها، و ليس منها القدرة على الإتمام واقعاً، و هي ممّا لا بدّ منه في إثبات وجوبه باستصحابه فإنّ الاستصحاب لا يجدى في إثبات التّكاليف إلاّ ما يمكن امتثاله، بداهة اعتبار ذلك عقلاً في التّكليف مطلقا و لو كان ظاهريّاً.

و من هنا ظهر أنّ القدرة على الإتمام شرط لوجوبه عقلاً، لا موضوعه شرعاً كي لا يكون لاستصحابه مع استصحابها مجال.

264

قوله (قده): و لا شكّ انّ هذا الاحتياط- إلخ-.

يمكن منع الأولوية، فإنّ عدم وجوب هذا الاحتياط إنّما هو على تقدير الجزم بعدم اعتبار الوجه في تحقّق الإطاعة، إذ مع الشّك فيه يجب الاحتياط و لو قلنا بالبراءة في الشّكّ في الأجزاء و الشّرائط، فانّه على تقدير اعتباره إنّما هو من وجوه الطّاعة و كيفيّات الإطاعة، لا ما يؤخذ شطرا أو شرطا في العبادة حسب ما حقّق في محله، فمع الشّكّ فيه يقع الشّكّ في تحقّق الإطاعة، و لا بدّ من القطع به.

و من هنا انقدح انّه ليس الشّكّ فيه شكّا في المكلّف به، كي يكون وجوب الاحتياط فيه محلا للخلاف، و انّ الفقيه عند تردده بين الإتمام و الاستئناف يتعيّن عليه الحكم بالقطع و الإعادة إذا كان شكّا في اعتبار الوجه، أو جازماً به، و إلاّ فالأولى الاحتياط بالإتمام و الإعادة، فتفطّن.

قوله (قده): و قد عرفت انّ حكمه البطلان- إلخ-.

قد عرفت انّ حكمه الصّحّة إذا كان لدليل العبادة إطلاق، و لا إطلاق لدليل الجزء أو الشّرط؛ أو لم يكن له إطلاق، و قلنا بالبراءة في مسألة الشّكّ في الأجزاء و الشّرائط، فثبت انّ الأصل في الجزء يختلف، فلا تغفل.

قوله (قده): فأصالة البراءة الحاكمة بعدم البأس- إلخ-.

فانّها بضميمة عدم القول بالفصل حاكمة بعدم البأس بالنّقيصة أيضا، كما أنّ أصالة الاشتغال بضميمتها حاكمة بالبطلان فيهما، فيتعارضان.

قوله (قده): و إلاّ فاللازم ترجيح قاعدة الاشتغال- إلخ-.

و ذلك لارتفاع ما هو موضوع البراءة و ملاكها من عدم البيان في الزّيادة بملاحظة حصوله في النّقيصة، مع عدم الفصل بينهما كما هو الفرض، و هذا بخلاف العكس، فانّ عدم البيان في أمر في نفسه لا يقتضى رفع البيان عمّا لا فصل بينه و بينه، بداهة انّ البيان و إتمام الحجّة في أحد المتلازمين لا يرتفع بعدم البيان و إتمام الحجّة في الآخر، بل يكفى ذلك بياناً و إتماما للحجّة فيهما، كما لا يخفى.

هذا، مع انّه لا بدّ من الحكم بالاشتغال و لو قلنا بعدم التّرجيح و سقوط القاعدتين من الطّرفين، فانّه يكفي في الحكم به مجرّد عدم الاطمئنان و عدم استقلال العقل بالأمن من‏