درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
265

العقاب، فليتدبّر جيّداً.

قوله (قده): فمقتضى «لا تعاد الصّلاة إلاّ من خمسة

(1)

»- إلخ-.

هذا بناء على عموم «لا تعاد» للزّيادة بأن يكون معناه: لا تعاد الصلاة إلاّ من الخلل الناشئ من قبل الخمسة بزيادتها أو نقصانها، و لا ينافيه عدم تأتّيها في كلّ من الخمسة لأنّه انّما هو بملاحظة مجموعها، و امّا بناء على عدم عمومها فلا معارضة بينه و بين أخبار الزيادة (2) أصلاً.

قوله (قده): بناء على اختصاص «لا تعاد»

(3)

بالسّهو- إلخ-.

كما هو ظاهر سياقه، مضافاً إلى منافاة عدم اختصاصه مع ما هو قضيّة الجزئيّة و الشّرطيّة من بطلان المركّب و المشروط بنقصان الجزء أو الشّرط عمداً، و إلى لزوم تخصيص كثير فيه يأباه سياقه.

ثمّ لا يخفى انّ التّعارض بينهما على عدم الاختصاص و إن كان أيضاً بالعموم من وجه لافتراق أخبار الزّيادة عنه في زيادة الخمسة مطلقا و افتراقه عنها في النّقيصة مطلقا، إلاّ انّ مورد تعارضهما ليس خصوص الزّيادة السّهويّة، بل مطلق الزّيادة؛ و عليه يمكن الجمع بينهما بتخصيصها بالزّيادة العمديّة، و تخصيصه بالسّهويّة عنها، لتعاكسهما في الظّاهريّة و الأظهريّة فيهما كما لا يخفى هذا، و لو لم نقل بحكومته عليها بأن لا يكون كأدلّة ساير ما يخلّ فعله أو تركه في الصّلاة، بل كانت بصدد بيان حكمها الفعلي من البطلان.

ثمّ هذا كلّه لو أريد من التّعليل فيها بأنّه زاد في فرض اللَّه أو زاد في المكتوبة، مطلق الزّيادة في الصّلاة. و أمّا لو أريد خصوص زيادة الرّكوع أو السّجود أو تمام الرّكعة بأن يكون المراد من الزّيادة في فرض اللَّه أو في المكتوبة، الزّيادة فيما فرضه اللَّه و كتبه في الصلاة من الرّكوع أو السّجود أو تمام الرّكعة، لا الأعمّ ممّا سنّة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) فيها من الأجزاء كما ليس ببعيد، إذ على الأوّل يلزم تخصيص الأكثر، مع إباء العلّة عن أصله، فلا معارضة بينهما.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 4- 683

(2)- وسائل الشيعة: 5- 332 ح 2 و 1

(3)- وسائل الشيعة: 4- 683

266

و ممّا ذكرنا انقدح انّ نسبة المرسلة (1) معها على أحد التّقديرين تباين، و على الآخر عموم مطلق.

لا يقال: النّسبة بينهما عموم مطلق على كلّ تقدير لمكان شمول المرسلة للنّقيصة أيضاً، فإنّ شمولها لها و للزّيادة ليس بلفظ واحد يعمّها، بل بلفظين، فهي في الباب بمنزلة خبرين.

ثمّ لا يخفى تقديم «لا تعاد» عليها و إن كانت النّسبة بينه بحسب حكمه الاستثنائي، و بين كلّ واحد من جزأيها، عموماً من وجه بحسب الشّمول، خصوصاً لو قلنا بعدم اختصاصه بالنّسيان لأجل عدم الفصل في الخمسة أصلاً، لا بين الزّيادة و النّقصان، و لا بين العمد و النّسيان.

هذا مجمل الكلام في المقام، و بسطة يحتاج إلى تأمّل تامّ لا يسعه المجال، مع انّه خارج عن طور المقال في هذه التّعليقة.

قوله (قده): و الظّاهر انّ بعض أدلّة الزّيادة- إلخ-.

لا يخفى انّ ظاهره بقرينة قوله (قده) قبله: «ثمّ لو دلّ الدّليل- إلخ-» انّ مثل «إذا استيقن‏ (2)- إلخ-» أخصّ من الصّحيحة (3)، حيث دلّ بظاهره على الزّيادة سهواً، و ليس كذلك بل بالنّسبة بينهما عموم و خصوص من وجه، لمكان استثناء الخمسة فيها و عمومه لها، كما لا يخفى.

قوله (قده): فإذا لم يكن للقيد إطلاق- إلخ-.

من دون تفاوت بين ان يكون دليل القيد مجملاً أو مبيّن الاختصاص بحال التّمكن منه و لكن ليس من هذا القبيل إذا كان دليله الأمر لتقيّده عقلاً بالتّمكّن و لو كان في مقام البيان و الإطلاق، و ذلك لأنّ الأمر الغيري إذا لم يقيّد لفظاً بحال التّمكّن و كان في مقام البيان، يكشف عن انّ المأمور به ممّا يعتبر في الواجب شطرا أو شرطا و إن كان فعليّة التّكليف و تنجّزه يتوقّف على التّمكّن منه و من ساير ما يعتبر فيه كذلك و يتبعه في ذلك فعليّته، فلا ينافي تقيّده عقلاً بالتّمكّن تبعاً لتقيّده به؛ كذلك إطلاق جزئيّته أو شرطيّته‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 346

(2)- وسائل الشيعة: 5- 332

(3)- وسائل الشيعة: 1- 260

267

ليقيّد بحال التّمكّن مع إطلاق أمره، و هذا بخلاف ما إذا قيّد لفظاً بصورة التّمكّن، كما لا يخفى.

قوله (قده): فان كلاً منهما أمر غيري إذا ارتفع- إلخ-.

بل إذا ارتفع الأمر بذي المقدّمة بسبب العجز عن واحد منها، ارتفع الأمر عنها و عن سائرها، و ذلك لتبعيّة الأمر الغيريّ للنّفسي حدوثاً و ارتفاعاً، كما أشرنا إليه في الحاشية السّابقة.

قوله (قده): نعم إخراج كثير من الموارد لازم- إلخ-.

بل أكثرها، مع أنّ سياق مثله آب عن أصل التّخصيص، كما لا يخفى، فلا بدّ من التّصرف فيه بنحو لا يلزم ذلك و إن كان بعيدا في نفسه، مع انّ إرادة المعنى الّذي لا يستلزم ذلك غير متوقّف على ما ذكره في المناقشة، بل لو حمل «ما» على الموصولة و «من» على التّبعيض كما هو الظّاهر في مثل هذه القضية، لكن جعل التّبعيض بلحاظ الأفراد لا الأجزاء و ما عبارة عن المقدار ليس بذلك البعيد، فيكون المعنى «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا من أفراده مقداراً استطعتم‏ (1)» و يؤيّده أو يعيّنه ما سمعت و إن لم حقّقه، إذ هذا قد ورد جواباً عن سؤالهم بعد أمره (صلى اللَّه عليه و آله) بالحجّ عن تكراره و عدم تكراره، فليراجع.

قوله (قده): إذ لو حمل على الأفرادي- إلخ-.

فيه انّ مثله من السّوالب ظاهر في سلب العموم، لا عموم السّلب أيضاً كما لا يخفى.

نعم ربّما يكون لعمومه بالقرينة، كما في قوله تعالى «لا يحبّ كلّ مختال فخور (2)».

قوله (قده): و لكنّ الإنصاف جريانها- إلخ-.

الظّاهر انّ الضّابط في مجرى هذه القاعدة هو ما إذا عدّ الفاقد ميسوراً للواجد بحسب العرف مطلقا، كان فاقداً للجزء أو الشّرط، بداهة انّ فاقد معظم الأجزاء لا يعدّ ميسوراً للمركّب، كما انّ فاقد بعض الشّروط لا يعدّ ميسوراً للواجد لها، كما لا يخفى.

____________

(1)- غوالي اللئالي: 4- 85

(2)- لقمان- 18

268

ثمّ إن هاهنا إشكالاً و هو أنّ الباقي تحت هذه القاعدة بالنّسبة إلى الخارج كالقطرة من البحر، و لأجله لا يجوز التّمسّك بها في مورد إلاّ و قد تمسّك بها الأعاظم من الأصحاب، أو عملوا على وفقها من غير تمسّك بها؛ و معه كيف يمكن ان ينزّل عليها قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «الميسور لا يسقط بالمعسور (1)»، و قد تفصّينا عنه في بحثنا الفقه بأنّه يمكن أن يكون خروج ما خرج عن تحتها على نحو التّخصيص بأن يكون الفاقد في هذه الموارد أجنبيّاً غير مربوط بالواجد في نظر الشّارع، و إن كان العرف يتخيّل كونه ميسوراً له، و لا ينافي ذلك ان يكون العبرة ما لم يعلم خلافه بنظرهم في ذلك الباب، كما لا يخفى على المتأمّل فتأمّل.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا يظهر ما في كلام صاحب الرّياض- إلخ-.

قال في الرّياض في وجه حكم الماتن بسقوط الغسل عند تعذّر السّدر ما هذه عبارته:

«لفقد المأمور به بفقد جزئه، و هو كذلك بعد تسليمه إذا دلّت الأخبار على الأمر بالمركّب، و ليس كذلك لدلالة أكثرها، و فيها الصّحيح و غيره على الأمر بتغسيله بماء و سدر، فالمأمور به شيئان متمايزان و إن امتزجا في الخارج، و ليس الاعتماد في إيجاب الخليطين على ما دلّ على الأمر بتغسيله بماء السّدر خاصّة حتّى يرتفع الأمر بارتفاع المضاف إليه، و بعد تسليمه لا نسلّم فوات الكلّ بفوات الجزء بعد قيام المعتبرة بإتيان الميسور و عدم سقوطه بالمعسور، و ضعفها بعمل الأصحاب طرّاً مجبور- انتهى موضع الحاجة- (2)» و ظاهره على ما لا يخفى انّه بنى أوّلاً وجوب الغسل بالماء القراح بدل ماء السّدر على انّ الواجب هاهنا أمر ان مستقلاّن، حيث بتغسيله في الأخبار بشيئين الماء و السّدر، و ليس من قبيل ما إذا كان الواجب أمراً مركّباً بفقد جزئه، ثمّ منع على تقدير تسليمه ذلك من فقدان المركّب بفقدان جزئه لمكان قاعدة الميسور.

و لا يخفى انّه لا يرد عليه إلاّ انّ توهّمه انّ الواجب في الأمر بالتّغسيل بالماء و السّدر شيئان فاسد، فانّ الواجب ليس الأشياء واحداً و هو الغسل و متعلّقه أيضاً واحد مقيّد أو مركّب من شيئين ممتزجين.

نعم لو كان مفاد قوله (عليه السلام) «اغسله بماء و سدر (3)» اغسله بماء و اغسله بسدر، كان‏

____________

(1)- غوالي اللئالي: 4- 58

(2)- رياض المسائل: 1- 57

(3)- وسائل الشيعة: 2- 680- ح 1

269

الواجب شيئين و ليس كما هو واضح، و من المعلوم أنّه لا مدخليّة في توجيه ذلك عليه لما حقّقه في قاعدة الميسور من جريانها في الأجزاء و الشّرائط، و عدم اختصاصها بالواجبات المتعدّدة الّتي جمعها خطاب واحد، أو مع عمومها للمركّب من أجزاء خارجيّة، حسب ما لا يخفى على المتأمّل، فليتأمّل.

قوله (قده): و إن كان من إضافة الشّي‏ء إلى بعض أجزائه- إلخ-.

يعنى انّه لو كان من إضافة جزء الشّي‏ء إلى بعض أجزائه الآخر، كان الحكم في هذه الأجزاء واحداً لا متعدّداً حسب تعدّدها، فيكون المأمور به شيئين متمايزين، كما بنى عليه صاحب الرّياض أوّلا عدم سقوط الغسل بسبب تعذّر السّدر، حسبما عرفت.

قوله (قده): و يمكن ان يستدلّ على عدم سقوطه- إلخ-.

لكن لا يخفى انّ البناء على مراعاة ما تضمّنه ظاهر رواية عبد الأعلى‏ (1) من انّ تعسّر القيد لا يوجب سقوط المقيّد المقيّد مطلقا، و لو كان مثل قيد المباشرة الّتي هي في الحقيقة من قبيل المقوّم للفعل المأمور به، لا المقسم له مقطوع الفساد، و ارتكاب التّخصيص فيها كما ترى، مع انّ سياق قوله (عليه السلام) «يعرف هذا و أشباهه- إلخ-» يأبى عن التّخصيص، كما لا يخفى على المتأمّل.

قوله (قده): لأنّ فوات الوصف أولى- إلخ-.

لا يخفى اختلاف الأجزاء و الشّروط في ذلك حسب نظر الآمر و كذا العرف، فربّ فوات جزء أو أجزاء لا يقال فوات الشّرط، كما هو الحال في كثير من أجزاء الصّلاة بالإضافة إلى الطّهارة كما لا يخفى. فلا بدّ من تعيين ما هو الأقرب إلى المأمور به من فاقد الجزء أو الشّرط بنظر الآمر أو العرف.

قوله (قده): ففي تقديمه على النّاقص و جهان- إلخ-.

أقواهما تقديم النّاقص عليه، و ذلك لوضوح حكومة أدلّته من قاعدة الميسور و غيرها فيما إذا جرت على الدّليل الدّال على إيجاب التّام المقتضى لسقوطه بمجرّد عدم التّمكّن منه‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 327

270

ببيان انّ الواجب عند عدم التّمكّن من الجزء أو الشّرط هو النّاقص، و انّما يكون هو التّام مع التّمكّن من التّمام، و كذا على الدّليل الدّال على إيجاب بدله عند تعذّره عقلاً أو شرطاً ببيان عدم تعذّر ما هو المأمور به في هذا الحال، فليتدبّر.

قوله (قده): و انّه موافق للأصل- إلخ-.

فيترتّب عليه من أحكامهما كلّ ما وافق الأصل و يطرح ما خالفه إلاّ فيما إذا لزم منه مخالفة العلم الإجماليّ، فيجب موافقته بترتيب أطرافه، فتنبّه.

قوله (قده): و التّحقيق انّه إن قلنا

(1)

- إلخ-.

بل التّحقيق هو وجوب الاحتياط مطلقا، فانّ المقام من قبيل المتباينين، فانّ الواجب إنّما هو أحد الخاصّين الّذين لا جامع بينهما بحسب الخارج و إن كان أجزاؤهما مندرجة تحت حقيقة واحدة، حيث انّ المعتبر منها في كلّ بحسب خصوصيّاتها غير المعتبر في الآخر، حيث انّها في أحدهما مقيّدة بوجود ما شكّ في شرطيّته و مانعيته، و في الآخر بعدمه فلا يتحقّق في الخارج منها في واقعة واحدة إلاّ ما يعتبر في أحدهما، كما لا يخفى، فليتأمّل.

قوله (قده): لكنّ الإنصاف أن الشّك- إلخ-.

لا يقال: حكم العرف بتحقّق الإطاعة لعلّه لأجل حسبان حصول الغرض من الأمر للأمر، كما هو الحال في الأوامر العرفيّة؛ و أمّا مع احتمال عدم حصوله كما في الأوامر الشّرعيّة، فلا يحكمون بتحقّقها.

لأنّا نقول: نعم لو شكّ في حصول الغرض بدون قصد الوجه، فلا شكّ في عدم الجزم بتحقّقها حيث انّ الإطاعة هو إتيان المأمور به على نحو يحصل به الغرض، لا مجرّد إتيانه بداعي الأمر، لكن يمكن أن يجزم بعدم مدخليّة قصده في حصوله بملاحظة انّه لو كان له مدخليّة في ذلك، كان على الشّارع بيانه لئلا يخلّ بغرضه، حيث انّه كثيراً مّا يغفل عنه، فلا يحتمل مدخليّته في حصوله حتّى يلزم به تحصيلا، للقطع بحصول الإطاعة، مع أنّه ليس في الشّرع منه عين و لا أثر أصلاً، كما لا يخفى، فليتدبّر.

____________

(1)- و في المصدر: و التّحقيق انه لو قلنا.

271

قوله (قده): بل يمكن أن يجعل هذان الاتّفاقان- إلخ-.

لا يخفى انّ هذه المسألة ليست من المسائل الشّرعيّة الصرفة الّتي لا يتطرق إليه العقل، بل هذه ممّا لا يتطرّق إليه غيره، و في مثلها لا يجوز الاتكال على الاتّفاق فضلاً عن نقله، فربّما يؤدّى العقل إلى تخطئتهم، فالمتبع هو حكمه وافقهم أو خالفهم.

نعم لو كان الإمام (عليه السلام) في جملة المتّفقين يحصل القطع من جهة عصمته و عدم خطائه عن الواقع، و لو لم يكن من الأمور الشّرعيّة بإصابتهم، فيتبع ذلك.

و من هنا ظهر انّ الاتّفاق في مثلها يمكن ان لا يكون منشأ للاحتمال فضلاً عن كونه دليلاً يجوز الاتكال.

قوله (قده): يعدّ في الشّرع و العرف لاعباً بأمر المولى- إلخ-.

كيف يعدّ لاعباً إذا كان له داعياً عقلائي إلى ترك تحصيل القطع و العمل بالاحتياط، فبالجملة الكلام انّها هو في صرف التّكرار للاحتياط، من دون انضمام جهة مانعة أخرى، إليه، كما لا يخفى، فلا تغفل.

قوله (قده): الّذي نظيره في العرفيّات ما إذا ورد- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا ليس نظير المقام، بل هو من باب وجوب النّظر في معجزة من يدعى النّبوة، حيث انّهم حكموا باستقلال العقل به و بعدم معذوريّته في تركه مستندين في ذلك إلى وجوب دفع الضّرر المحتمل. و من المعلوم انّه لا ملازمة بين ذلك و بين عدم معذوريّة الإنسان بعد الإيمان و المعرفة، و الإذعان بكثير من الأحكام فيما شكّ فيه منها، كما في المقام على ما لا يخفى، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

لكن مع ذلك كله كانت قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنّسبة إلى الملتفت غير جارية إلاّ فيما إذا تفحّص و لم يطّلع على برهان و لا بيان، و لا مجال بدون ذلك كما يظهر من مراجعة الوجدان و اتّفاق العقلاء على استحقاق العبد للعقاب فيما إذا خالف مولاه في واحد من أوامره، أو نواهيه قد شكّ فيه و لم يتفحّص عنه أصلاً، فليراجع.

قوله (قده): مع انّ هذا الدّليل إنّما يوجب الفحص- إلخ-.

و لا يوجبه بعد استعلام جملة من التّكاليف علم منها بمقدار ما علم إجمالاً منها، لا إذا احتمل ذلك، كما لا يخفى على المتأمّل.

272

و من هنا انّه كان عليه ان يقول: يعلم انحصار المعلوم بدل يحتمل، فليتأمّل، و عليك بالمراجعة إلى ما أسلفنا من الحواشي المعلّقة على ما ذكره في ردّ استدلال الأخباريّين.

قوله (قده): و الاعتذار عن ذلك- إلخ-.

لا يخفى متانته و صحّته، فإنّ صدور الصّلاة عن المكلّف عصياناً و لو للخطاب المنقطع فعلا بسبب الغفلة عنه المستتبع للعقاب عليه غير صالح لأن يحصل به القرب، و هو ممّا لا بدّ منه فيما امر به على وجه العبادة.

و امّا حكمهم بصحّة صلاة من توسّط في ضيق الوقت خارجاً، فيمكن ان يكون لأجل أنّ الخروج عندهم ليس بما يأثم به الغاصب و إن أثم بابتداء الكون و استدامته إليه، كما ربّما يظهر ذلك من محكيّ المنتهى‏ (1) و التّحرير (2) في ردّ أبي هاشم حيث حكم بأنّ الخروج أيضا تصرّف في المغصوب فيكون معصية، فلا يصحّ الصّلاة و لو تضيّق الوقت، ففي الأوّل: «انّ هذا القول عندنا باطل» و في الثّاني: «أطبق العقلاء على ردّ أبي هاشم» و يمكن أن يكون لأجل أنّ الكون حال التّشاغل بالخروج ليس صلاتيّاً كي يقتضى حرمته فسادها، بل ليست الصّلاة إلاّ النّيّة و الأقوال بناء على أنّها ليست من التّصرّف.

و كيف كان فمجال المنع عن صحّة الصّلاة مع صدورها عن المكلّف مبغوضاً فعلاً و معاقباً عليها، لكونها غصباً و إن كان النّهى منقطعاً، واسع و إن كان التّحقيق، حسبما حقّقناه في محلّه في البحث، أنّ الخروج في نفسه كالدّخول و التوقّف غصب و مبغوض فعلاً و موجب للعقاب لكونه عصياناً للخطاب، و قد كان متمكّنا من امتثاله بترك دخوله و إن انقطع بعصيانه بدخوله.

نعم يجب اختياره عقلاً لأجل كونه أقلّ المحذورين، لكن في ضيق الوقت إذا قام الإجماع على صحّة الصّلاة في حال تشاغله به، لا بدّ إمّا من البناء على انّ كونه في الحال ليس من الصّلاة، كما أشرنا إليه آنفاً، أو البناء على انّ مصلحة الصّلاة قد زاحمت مفسدة الغصب و غلبت عليها فصار الكون في حالها محبوباً فعلا و خرج عن كونه مبغوضاً و معاقبا عليه، و الكلام يحتاج إلى زيادة بسط لا يسعه المقام.

____________

(1)- منتهى المطالب: 1- 242 (لكن هذا القول عندنا باطل)

(2)- تحرير الأحكام- 32 (و أطبق العقلاء كافة على تخطئة أبي هاشم في هذا المقام).

273

قوله (قده): و ممّا يؤيّد إرادة المشهور للوجه الأوّل- إلخ-.

يمكن أن يقال: انّ التّكاليف الموقّتة و المشروطة في الشّريعة يكون التّكليف فيها فعليّاً منجّزاً، بحيث يجب على المكلّف تحصيل غير ما علّق عليه من مقدّماته ممّا كان باختياره و ذلك بأن يكون الوقت أو الشّرط من قيود المادّة و المأمور به، لا من قيود الهيئة و الأمر، و إن كان من قيودها بحسب القواعد العربيّة حسب ما يراه المصنّف (قده) في الواجبات المشروط حيث بنى انّ الشّرط فيها من قيود المادّة، و ليس الواجب إلاّ نحو واحد، لا نحوين المعلّق و المشروط على ما يراه صاحب الفصول، فيكون الواجب المشروط عنده هو المعلّق عند صاحب الفصول؛ لكن لا يخفى انّ ما كان من هذا القبيل‏ (1) انّما أخذ في المأمور به على نحو لا يجب تحصيل كالاستطاعة مثلاً، حيث انّ المطلوب من الحجّ ما إذا حصل الاستطاعة من باب الاتّفاق أو حصلها المكلّف بميله و مشتهاه.

و بالجملة كان التّفاوت بين القيود في ذلك من جهة تفاوتها في كيفيّة اعتبارها في المأمور به، فحينئذ يستكشف من إطباقهم على استحقاق الجاهل المقصّر في تعلّم المسائل حتّى التّكاليف المشروطة، انّ المعرفة لم يؤخذ فيها على نحو لا يجب تحصيلها، فلو حصل من جهة التّقصير فيها لم يكن معذوراً فيها.

نعم إنّما يلزم عدم استحقاق العقاب فيها كما أفاده (قده)، لو كان الواجب المشروط عند المشهور، كما يراه صاحب الفصول في قبال المعلّق بأن لا يكون تكليف قبل الشّرط أصلاً و كان حدوثه بعد حدوثه، فليتدبّر جيّداً.

قوله (قده): و يمكن ان يلتزم حينئذ- إلخ-.

لا يخفى انّ في العبارة قصوراً، و المراد هو الالتزام باستحقاق العقاب على نفس التّكاليف و لو كانت مشروطة بسبب ترك التّعلّم، حسب ما يظهر من السّوق، و صريح ما ذكره من استقرار بناء العقلاء دليلا فيه، و أشار (قده) بقوله- قدّه- «فتأمّل» إلى أجنبيّة مثال الطّومار عن المقام، كما أشرنا إليه هناك فراجع.

لكنّك عرفت انّ الوجه في ذلك هو كون الشّرط في الواجبات المشروطة ليس بشرط التّكليف، بل المكلّف به، فيكون نسبة الواجبات مطلقا، مطلقها و مشروطها إلى المعرفة على نهج واحد، فافهم و اغتنم.

____________

(1)- أي من قيود الهيئة (منه ره).

274

قوله (قده): و من البديهيّات الّتي انعقد- إلخ-.

فيه انّ اختلاف ترتيب الآثار على هذه الحقائق بالنّسبة إلى الأشخاص انّما هو حسب اختلافهم فيما قامت عندهم من الأمارات على انّها الواقعيّات، لا بما هي هي، كي يجدى فيما هو بصدده، كما لا يخفى.

قوله (قده): فانّه‏

(1)

يتعبّد باعتقاده كتعبّد- إلخ-.

لا يخفى انّ الغافل عن احتمال الخلاف مطلقا و لو مع اعتقاده الوفاق لم يقم على تفرّد معاملته و صحّتها و لو انكشف بطلانها واقعاً عقل و لا نقل، و قضيّة لزوم جريه حسب اعتقاده عقلاً حينيّة، و ليست بدائميّة، و ليس العمل على حسبه بصالح لأن يقوم عليه دليل نقليّ يتوهّم منه الدّلالة على النّفوذ و الصّحة و لو بعد انكشاف الخلاف، كما في التّقليد و الاجتهاد، و إن كان هذا التّوهّم بالنّسبة إليه أيضا في غير محلّه، إذ ليس لازم بطريقتهما شرعاً إلاّ ما هو لازم الطّريقيّة عقلاً من تنجّز الواقع في صورة الإصابة و المعذوريّة في غيرهما، كما لا يخفى على المتأمّل.

قوله (قده): و لا دليل على التّقييد في مثله- إلخ-.

أي لا دليل على التّقييد لا في تأثير المعاملة في صورة الموافقة، و لا في عدم تأثيرها في صورة المخالفة بالعلم بأنها مؤثّرة شرعاً أو ليس بمؤثّرة، كي لا يؤثّر في الصّورة الأولى أو يؤثّر في الثّانية، و احتماله الخلاف أو ظنّه به انّها يقدح في ذلك لو لم يكن مأمورا بالفحص و السّؤال و قد امر به، فلا يمنع من التّأثير في الصورة الأولى و لا يقتضيه في الثّانية، كما انّ احتمال الحلّيّة في الخمر لا يورث المعذوريّة عن الحرمة الواقعيّة قبل الفحص و السّؤال، لأنّهما مأمور بهما.

قلت: ظاهره انّ عدم قدح الاحتمال هاهنا إنّما كان لمكان الأمر بالسّؤال؛ بحيث- لولاه لكان قادحاً، كما انّه لو لا الأمر به في مثل المثال كان احتمال عدم التّكليف مورثاً للعذر، و أنت خبير بأنّ الاحتمال لم يكد أن يكون مؤثّراً هاهنا شيئاً و إن لم يكن امر بالسّؤال، بداهة عدم تأثير الاحتمال في الواقع برفع التّأثير عن المؤثّر بحسبه و اقتضائه في غير المؤثّر كذلك.

____________

(1)- و في المصدر: لأنّه يتعبّد ...

275

هذا، مع انّ الأمر بالسّؤال إنّما هو بحسب ما يترتّب في البين من التّكليف لا الوضع، و امّا تأثير الأمر بالسّؤال في المثال في رفع تأثير الاحتمال فهو لأجل انّ موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يتحقّق حقيقة و واقعاً، مع لزوم عقلاً أو شرعاً، كما بيّن في محلّه، فليس الاحتمال هنا و هناك من باب واحد، فلا تغفل.

قوله (قده): و أمّا السّببيّة المنفصلة فلا دليل عليها- إلخ-.

لا يخفى انّه لانفصال في السببيّة نفسها، بل في كشفها حيث كانت حين العقد غير معلومة فصارت بالتّقليد معلوم التّحقيق من حينه بحسب الظّاهر، بحيث يجب ترتيب ما كان له مجال الآن من حينه؛ و هذا أوضح من أن يحتاج إلى مزيد بيان، فلا يلزم من ذلك كون الدّخول في التّقليد كالإجازة، و أصالة الفساد في المعاملات إنّما يجدى فيما إذا لم ينكشف الصّحة، و قبل التّقليد لم يثبت لا ترتيب الأثر و لا عدمه، مع قطع النّظر عن أصالة الفساد و بملاحظتها و إن كان عدمه ثابتاً قبله، إلاّ انّه قد عرفت انّها ممّا لم ينكشف ما لم ينكشف فسادها بقيام الحجّة على الصّحة، فلا يبقى معها حالة يستصحب، و لعمري انّ صدوره مثل هذه الكلمات من مثل هذا المحقّق لعجيب.

قوله (قده): فلا يشبه ما نحن فيه- إلخ-.

كيف، و كان ذا مع ما نحن فيه في طرفي الأطراف و التّفريط، حيث انّ فيه مراعاة احتمال الأمر، و فيما نحن فيه الاكتفاء بالاحتمال في امتثال الأمر المعلوم. و منه قد انقدح انّه لو كان هناك امر كان مطيعاً، و لو اتّفق موافقة المأتيّ به للمأمور به، حيث ما كان الأمر فيه وحده بداعيه نحوه، و إلاّ لما كان بانياً على الاقتصار عليه كيف ما كان، وافق المأمور به أو خالف، حسب الفرض.

قوله (قده): نعم لو قلنا بأنّ مؤدّيات الطّرق- إلخ-.

وجه لزوم الانقلاب على ذلك، انّه لولاه لزم اجتماع الحكمين و ما يتبعانه من المصلحة و المفسدة الملتزمتين فعلا من دون كسر و انكسار بينهما، و ما يتبعهما من الإرادة و الكراهة، أو وجود مصلحة ملزمة أو مفسدة كذلك مع عدمها، كما إذا كان مؤدّى الأمارة إباحة ما كان واجباً أو حراماً أو بالعكس إلى غير ذلك، حسب ما فصّلنا القول فيه فيما علّقناه على كلامه (قده) في ردّ ابن قبة، فليراجع.

276

قوله (قده): فحينئذ يقع الإشكال في انّه إذا لم يكن معذوراً- إلخ-.

لا يخفى انّه ليس منشأ أصل الإشكال هاهنا هو عدم المعذوريّة بحسب الحكم التّكليفي دون الوضعي، كما هو ظاهر العبارة، و إن كان يزيد به قوّة فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت، حيث انّه يتمكّن حينئذ من امتثال ما هو تكليفه بحسب الواقع من دون لزوم تفويت أصلاً بسبب جهله السّابق، فكيف يحكم عليه باستحقاق العقاب على ما حكم بسقوطه عنه مع بقاء وقته و غاية تمكّنه من إتيانه.

و أمّا أصل الإشكال فتوضيحه انّه لمّا كان ظاهر الأصحاب كما هو ظاهر اخبار (1) الباب، انّ الإتمام في مقام القصر أو الإخفات في موضع الجهر و بالعكس، لا يكون مخلاً بالصّلاة في صورة الجهل و لو عن تقصير، بل يكون الصّلاة المأتي بها كذلك صحيحة تامّة، كما ورد في الجهر و الإخفات تمّت صلاته، و مع ذلك كان القصر أو الجهر مثلاً عليه واجباً فعلاً بحيث يعاقب على الإخلال به بتقصيره، حسبما هو بناؤهم في الجاهل المقصّر، قد أشكل بأنه إذا لم يكن الإخلال به جهلاً مخلاً بالصّحة و حصول الامتثال، و لا يكاد أن يكون ذلك إلاّ إذا كان المأتيّ به موافقاً للأمر، و معه كيف يكون الواجب الواقعيّ عليه فعلاً منجّزاً، و ليس على الإنسان إلاّ صلاة واحدة في حال من الأحوال، مع انّه لو كان عليه صلاتان فلا وجه للحكم بسقوطهما بفعل أحدهما، سيّما إذا انكشف الحال في الوقت، و كان متمكّناً من الامتثال، و كيف يعاقب مع ذلك و لم يلزم من تقصيره في هذه الصّورة إخلال بعد بالواجب أصلاً، بل كان سقوطه بحكم الشّارع بالاجزاء.

ثمّ لا يخفى انّه لو كان المأتيّ به غير موافق للأمر و كان مسقطا مع ذلك، لم يكن إشكال إلاّ في الحكم بعدم المعذوريّة بحسب الحكم التّكليفي فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت، و لم يكن إشكال بحسب الحكم الوضعيّ لإمكان أن يكون غير الواجب مسقطاً عنه، بل وقوعه في الشّريعة. و من هنا ظهر ما في كلامه في تقريب الإشكال من الإخلال بما هو ملاكه.

ثمّ التّحقيق في حل الإشكال بحذافيره هو ان يقال: هو ان يقال: انّ الواجب فعلاً ليس إلاّ صلاة القصر أو الجهر، إلاّ انّ صلاة الإتمام أو الإخفات في مقامهما لمّا كانت قائمة ببعض ما هما عليه من المصلحة، بحيث لا يبقى مع استيفاء هذا المقدار من مصلحتهما مجال لاستدراك ما لم يستوف منها، كان سقوط الواجب فعلاً عليه لأجل إتيانه جهلاً بما لا

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 530

277

يقدر معه من استيفاء تمام المصلحة التّامّة، فيسقطان بذلك، فيعاقب عليه، و لو انكشف الحال في الوقت لتفويته عليه بتقصيره ما لزم عليه استيفاؤه، و هو بعض تلك المصلحة التّامّة، و لمّا لم يكن المأتي به مسقطاً صرفاً كالسّفر، بل قائماً بمعظم ما يقوم الواجب به بحيث لم يكن مانع عن إيجابه إلاّ قيام الواجب بمصلحته مع الزّيادة اللازمة، كان اتّصافه بالصّحة و التماميّة في محلّه.

إن قلت: فعلى هذا يكون ما أتى به مبغوضا فيما إذا انكشف الحال في الوقت لتفويته الواجب عليه، و معه لا يكون مقرّباً و هو ممّا لا بدّ منه في صحّة ما يكون مطلوباً على نحو العبادة.

قلت: ليس التّفويت في هذه الصّورة أيضاً بسببه، لما حقّق في محلّه من انتفاء التّوقّف و العلّيّة بين وجود أحد الضدّين و عدم الآخر، و قضيّة التّضاد إنّما هو التّلازم بين وجود أحدهما و عدم الآخر، فيكون عدم الواجب كوجود المأتيّ به في هذه الصّورة كسائر الصّور مستنداً إلى تقصيره، فلا يقع المأتيّ به إلاّ محبوباً لما هو عليه من المصلحة التّامّة في نفسها و لو انكشف الخلاف في الوقت.

و بذلك قد ارتفع الإشكال و حصل التّوفيق بين استحقاق العقاب على القصر أو الجهر في مقامهما إذا صلّى إتماماً أو إخفاتا و لو انكشف الخلاف في الوقت، و بين صحّة ما أتى به من الصّلاة، مع عدم كونه مأموراً به فعلاً، و عليك بالتّأمّل التّام في المقام.

قوله (قده): و دفع هذا الإشكال إمّا بمنع تعلّق- إلخ-.

لا يخفى انّه ليس واحد منها بناهض بدفع تمام الإشكال، مع الحفظ على ما هو ظاهر المشهور في باب عدم معذوريّة الجاهل المقصّر، و على ما اتّفقت عليه ظاهراً كلمة الأصحاب في غير الباب من عدم إيجاب صلاتي القصر و الإتمام، أو الجهر و الإخفات على المكلّف في حال.

أمّا الأوّل فلأنّه بجميع وجوهه ما عدا الأخير خلاف ظاهر المشهور حسب اعترافه (قده)، و بهذا الوجه و إن لم نضايق عن أن يكون على وفق مرامهم، حسب ما عرفت في بعض الحواشي المتعلّقة بأصل المسألة، و قد أشرنا فيه إلى كفاية عدم انقطاع التّكليف عقاباً في بطلان الصّلاة و لو انقطع خطاباً، إلاّ انّه غير واف بدفع تمام الإشكال، بل هو على حاله من جهة انّ الإتمام كيف يصير مأموراً به، و المصلحة الملزمة كانت في غيره و انّ الواقع كيف يعاقب عليه فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت.

278

و أمّا الثّاني فلأنّه يبقى معه إشكال انّ المأتيّ به إذا لم يكن مأموراً به، فلم اتّصف بالصّحة و التماميّة، كما هو ظاهرهم تبعاً لظاهر الخبر و إشكال استحقاق العقاب أيضاً، لكنّك عرفت ما ينبغي أن يقال في حلّ الإشكال، و الحمد للّه على كلّ حال.

قوله (قده): فالأوّل إمّا بدعوى- إلخ-.

لا يخفى استحالتها بداهة استلزامها الدّور اللازم من تخصيص الحكم بالعامّ به.

قوله (قده): و إمّا بمعنى معذوريّة- إلخ-.

كون الجهل فيه عذراً و إن كان بمكان من الإمكان، إلاّ انّه يحتاج إلى نهوض دليل عليه نقليّ حيث لم يستقلّ العقل به، بل استقلّ بعدم المعذوريّة معه، و ليس إلاّ ما دلّ على صحّة ما أتى به و تماميّته، و لا ملازمة بينه و بين المعذوريّة أصلاً.

قوله (قده): نعم قد يوجب إتيان غير الواجب- إلخ-.

يظهر منه (قده): انّ فوات الواجب فيما نحن فيه بإتيان غيره، انّما يكون في بعض الصّور كما في آخر الوقت، و ظاهر الأصحاب و أخبار الباب فواته به و لو في أوّل الوقت.

قوله (قده): و يردّ هذا الوجه انّ- إلخ-.

لا يخفى انّه انّما يردّه ذلك لو كانت ملازمة بين الصّحة و التّماميّة و بين المأمور به، و قد عرفت بما ذكرناه في حلّ الإشكال عدمها، و انّه يمكن الصّحة لأجل الاشتمال على المصلحة.

قوله (قده): بل الظّاهر في تلك الموارد- إلخ-.

لا يخفى انّ سقوط الواجب بغيره و لو كان حراماً ممّا لا مجال لإنكاره، كما في ركوب الدّابّة المغصوبة المسقطة لوجوب ركوب المباحة، لكنّه غير سقوطه بقيام بدله مقامه، كي يتوهّم منه سقوط الأمر الواقعيّ و ثبوت الأمر بالبدل، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

قوله (قده): و يردّه انّا لا نعقل التّرتيب بين‏

(1)

المقامين- إلخ-.

إذ مجرّد عدم كون التّكليف الثّاني في مرتبة الأوّل لا يجدى بعد اجتماعهما في التنجّز في‏

____________

(1)- و في المصدر: و يردّه انا لا نعقل الترتيب في المقامين.

279

المرتبة التّنجّز الثّاني، و هو ما إذا عزم على معصية الأوّل و جزم بها لعدم تقيّد تنجّز الأوّل بمرتبة، بل يعمّ المراتب و منها هذه المرتبة.

إن قلت: نعم لكن توجيه التّكليف إلى المتضادّين انّما يقبح إذا لم يكن بتوسيط اختيار المكلّف في البين. و بعبارة أخرى إذا لم يكن له مناص كما كان له فيما نحن فيه، حيث يكون له الإتيان بالأهمّ في مسألة الضّدّين، و القصر و الجهر في هذه المسألة لو لا تقصيره في التّعلّم.

قلت: ما يلزم من التّكليف بالضّدّين من البعث فعلاً إلى المحال، قبيح على كل حال، و لا يرفعه التّعليق على الفعل الاختياري، و إلاّ لم يكن قبيحاً إذا علق عليه و لو لم يكن ترتيب في البين لعدم إجدائه شيئا، كما عرفت.

إن قلت: نعم لا مجال لإنكار قبح الأمر بهما على كلّ حال و لو علّق على الاختيار، لكنّه إذا لزم منه إرادة الأمر للجمع بينهما لا مطلقا، و لا يلزم ذلك مع التّرتيب بينهما كما فيما نحن فيه، كيف و إيجاب أحدهما لمّا كان معلّقاً على عدم إتيان الآخر في زمانه، و عصيانه لأمره، كان الجمع بينهما فرضاً محالاً موجباً للتّفريق بين التّكليفين لانتفاء ما علّق عليه الثّاني منهما، فكيف يريده.

و بالجملة انّما يراد الجمع لو لم يلزم من فرضه انتفاء الأمر بأحدهما، كما فيما إذا لم يكن بين تكليفهما ترتّب.

قلت: كيف لا يلزم إرادة الجمع فيما إذا كان هناك ترتّب و الأهمّ منهما مراد على كلّ حال، و الآخر صار بسبب تنجّز أمره حين عزمه على عصيان الأمر بالأهمّ مرادا أيضاً، و ما ذكره من عدم وقوعهما مراداً لو فرض محالاً جمعهما، كان إشكالاً آخر يختصّ به مسألة الأمر بالضّدّين على نحو التّرتّب، و حاصله عدم وقوعهما على الإطاعة لأمر هما مع تنجّزه و فعليّة التّكليف بهما.

إن قلت: التّكليف بالمتضادّين على نحو التّرتّب من العقلاء فوق حدّ الإحصاء من دون نكير، فلو لا جوازه عقلاً فكيف يصدر منهم بدون ذلك.

قلت: يتراءى أن يكون من هذا القبيل ليس منه بحسب الحقيقة، بل يكون أمرهم بغير الأهمّ حسب اختلافهم و لو بحسب اختلاف المقامات، إمّا بعد تجاوزهم عن طلب الأهمّ بعد انكشاف انّ المأمور عازم على عصيانه، و إمّا لمجرّد الإرشاد إلى انّه مطلوب في نفسه،

280

فلعلّه يأتي به بمجرّد ذلك حين عصيانه لأمر الأهمّ بعدم إتيانه لأنّه يقع محبوباً، كما إذا لم يكن مزاحماً بالأهمّ و ان لم يكن فعلاً مأمورا به لمزاحمته به، فيستحق بذلك مقداراً من الثّواب فيقابل مقداراً ممّا استحقّه من العقاب، و يدلّ على ذلك انّهم لا يحكمون باستحقاق من لم يأت بواحد من الأمرين لعقابين بل لعقاب واحد، و لا معنى لتنجّز الخطاب إلاّ استحقاق العقاب على مخالفته، فتأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام للأعلام.

قوله (قده): أمّا إجراء الأصل في الشّبهة الموضوعيّة- إلخ-.

لو لا إطلاق ما دلّ على الرّخصة في الإقدام في الشّبهة الموضوعيّة، سيّما بملاحظة ما حكى من الاتّفاق و عموم الابتلاء بها كثيراً في التّحريميّة منها بحيث يوجب الفحص للعسر، لكان العقل مانعاً عن الاقتحام فيها قبل الفحص، كما يظهر ذلك من استحقاق المبادر إليه قبله عند العقلاء للّوم و الذّم؛ هذا مع قطع النّظر عن تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد و احتمال المفسدة فيه لذلك، بل لمجرّد احتمال المخالفة، و إلاّ فالأمر أوضح، لوجوب دفع الضّرر المحتمل، كما تقدّم الكلام فيه في بعض الحواشي في أوائل المسألة، فتذكّر.

قوله (قده): حتّى العقل كبعض- إلخ-.

قد عرفت انّه لا استقلال للعقل بالبراءة قبل الفحص في الشّبهات الموضوعيّة مطلقا، كما في الحكميّة سيّما بملاحظة تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد، و لا عسر في الفحص في الوجوبيّة منها لقلّة الابتلاء بها، و لا اتّفاق على عدمه لما وقع من الخلاف بينهم فيما ذكر من الفروع، و لا إطلاق للنّقل الدّالّ على البراءة فيها لقوّة احتمال سوقه مساق حكم العقل، و لا ينافيه كونه في مقام المنّة، فانّها بملاحظة عدم إيجاب الاحتياط مع انّه كان بمكان من الإمكان، كما حقّقناه عند الكلام في حديث‏ (1) الرّفع، فتذكّر.

قوله (قده): بل وجه ردّه انّ وجوب‏

(2)

التّبيّن شرطيّ- إلخ-.

يمكن أن يقال: انّ غرض صاحب المعالم‏ (3) من الاستدلال بالآية (4) على وجوب التّبيّن،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 11- 295- ح 1

(2)- و في المصدر: بل وجه ردّه قبل الفحص و بعده انّ وجوب التبيّن شرطي.

(3)- معالم الدين- 419

(4)- الحجرات 6

281

الاستدلال على وجوبه النّفسي، و انّه بمجرّد ان يكون المخبر مجهول الحال لا يسقط هذا التّكليف بدون الفحص، بحيث يكون المكلّف معذوراً على تقدير فسقه واقعاً، حيث انّه كان شرطيّا، كان نفسيّاً عنده، لا على وجوب الشّرطي، كي يرد عليه بأنه يكفي في ردّه و عدم قبوله مجرّد الشّكّ في وجود شرط قبوله بدون التّبيّن من عدالة مخبره، من دون حاجة إلى الفحص في ذلك، فتدبّر.

قوله (قده): لموضوع أنيط به حكم- إلخ-.

المراد بالموضوع ليس خصوص تمام ما يترتّب عليه الحكم الشّرعيّ، بل أعمّ ممّا له المدخليّة فيه و لو بنحو الجزئيّة أو الشّرطيّة، فلا تغفل.

قوله (قده): و أمّا إعمال أحدهما بالخصوص- إلخ-.

أمّا إعمال أحدهما على التّخيير فهو على الأصل المؤسّس فيما كان المتعارضان حجة من باب السببيّة لا الطّريقيّة على ما اعترف به (قده) في أواخر الاستصحاب و أوائل التّعادل و التّرجيح، فسقوط الأصلين من الطّرفين ليس إلاّ لعدم شمول أدلّة الاعتبار لهما على ما مرّ تحقيقه، فليس سقوط العمل بالأصل في المقام لأجل المانع و المعارض، بل لعدم المقتضى لاعتباره، فافهم.

قوله (قده): لأنّ الملاقاة مقتضية للنّجاسة- إلخ-.

قد حقّقنا في محلّه ان كون الملاقاة مقتضية للنّجاسة لا يوجب الحكم بها، و ليس هنا محلّ بيان ذلك.

قوله (قده): فهو في نفسه ليس من الحوادث المسبوقة- إلخ-.

و ذلك لأنّ الكرّيّة امّا حدث مقدّماً أو مؤخراً، و ما كان في زمان لم يكن معه أحد الوصفين، فيستصحب.

282

قوله (قده): إلاّ أنّ الاكتفاء بوجود السّبب- إلخ-.

بل الاكتفاء مع الإحراز بالأصل ما لم يكن عدم المانع ممّا رتّب عليه المسبّب شرعاً أيضاً محلّ تأمّل إلاّ على القول بالأصل المثبت، حيث انّ ترتّب المقتضى على المقتضى عند عدم المانع عقليّ و كفاية إحرازه به في المقام بلا كلام فيما إذا لم يكن هناك تعارض، انّما هو لترتّبه عليه شرعاً كما هو مقتضى مفهوم قوله (عليه السلام) «إذا بلغ- إلخ- (1)».

قوله (قده): بمعنى انّ الشّارع لم يشرع حكماً- إلخ-.

أو بمعنى انّ الشّارع لم يشرع جواز الإضرار بالغير أو وجوب تحمّل الضّرر عنه، و هو أظهر، كما يظهر من مراجعة ما يوازنه مثل «لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحجّ‏ (2)» أو يقال مثلاً: «لا قمار و لا سرقة و لا أكل أموال النّاس بالباطل في الإسلام‏ (3)» حيث انّ الظّاهر منها نفي تشريع ما يناسب الموضوع المنفيّ فيها من الأحكام.

و لا يخفى انّه من الشّائع المتعارف في المحاورات، التّعبير عن نفي حكم الموضوع بنفيه، بخلاف التّعبير عن نفي السّبب بنفي مسبّبه؛ هذا؛ مضافاً إلى انّه أسلم حيث لا يرد عليه بتخصيص كثير أو أكثر، و لا محيص عنه في المعنى الآخر إلاّ بالتّكليف، حسبما يأتي إليه الإشارة، إذ عليه لا يعمّ الضّرر الناشئ من قبل التّكاليف، فيحتاج إلى التزام التّخصيص بالنّسبة إليه، كما في ذاك المعنى، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و هذا المعنى قريب من الأوّل- إلخ-.

قربه منه أو رجوعه إليه إنّما هو على تقدير أن يكون المراد هو النّهى عن مطلق الإضرار بالنّفس أو بالغير، و لو بالضّرر الناشئ من الأحكام الشّرعيّة، و إلاّ فهو قريب ممّا ذكرنا من المعنى كما لا يخفى، فتدبّر.

قوله (قده): ثمّ انّ هذه القاعدة حاكمة على جميع العمومات- إلخ-.

حكومتها يتوقّف على أن يكون بصدد التّعرّض لبيان حال أدلّة الأحكام المورثة للضّرر

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 117

(2)- البقرة- 197

(3)- لم أعثر عليه بهذه العبارة، نعم هناك روايات تدل على ذلك‏

283

بإطلاقها أو عمومها على ما أفاده (قده)، أو حال الأدلّة الدّالّة على جواز الإضرار بالغير، أو وجوب تحمّل الضّرر عنه بالإطلاق أو العموم على ما ذكرنا، و إلاّ بأن يكون لمجرّد بيان ما هو الواقع من نفي الضّرر، فلا حكومة لها، بل حالها كسائر أدلّة الأحكام. نعم لو كانت في مقام الامتنان فربّما تقدّم عليها عند التّعارض لذلك، و هو فيما إذا لم يكن لما يعارضها جهة مرجّحة أقوى.

و من هنا ربّما يظهر الثّمرة، فعلى الحكومة يقدّم مطلقا، بخلاف ما إذا لم يكن حكومة في البين و لو مع كونها في مقام الامتنان.

قوله (قده): حتّى يقال: انّ الضّرر يتدارك- إلخ-.

بعد ما عرفت من أنّ الظّاهر من الرّواية (1) بحسب متفاهم العرف ما ذكرنا من المعنى، لا حاجة في بيان عدم شمولها للضّرر الحكمي إلى ذلك، كي يورد عليه بما أورد.

قوله (قده): و مع ذلك فقد استقرب- إلخ-.

الموارد الّتي استدلّوا فيها بها على ما هو بنظري على الإجمال، انّما هي في قبال العمومات المثبتة بعمومها جواز الإضرار بالغير أو وجوب تحمّل الضّرر عنه، لا في قبال العمومات المثبتة للأحكام الناشئ منها الضّرر على المكلّف، فيلزم من العمل بها في قبالها فقه جديد، و من عدم العمل بها تخصيص كثيراً و أكثر.

ثمّ لا يخفى انّه لو لم يكن مرجّح آخر لما ذكرنا لها من المعنى، لكان ذلك كافياً في ترجيحه، و قد عرفت انّه أقرب المجازات إلى المعنى الحقيقيّ المتعذّر.

قوله (قده): إلاّ أن يقال مضافاً إلى منع أكثريّة- إلخ-.

و يتأيّد المنع بملاحظة انّ ما لم يثبت لأجل الضّرر ممّا له مقتضى الثّبوت و الجعل من الأحكام، و ليس له مقتضى الإثبات من مطلق أو عام، لعلّه كان أضعاف ما كان له مقتضى الإثبات بحيث كان نسبة الخارج إلى الباقي نسبة قليل إلى كثير، فليتدبّر.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 17- 91

284

قوله (قده): و قد تقرّر انّ تخصيص الأكثر استهجان فيه- إلخ-.

عدم الاستهجان فيه إنّما هو إذا كان الأفراد الّتي استوعبها العامّ هي العناوين الّتي يعمّها، لا نفس الأشخاص المندرجة تحتها، لعدم لزوم تخصيص الأكثر فيما هو أفراد العامّ حينئذ، و إلاّ فلا يتفاوت في استهجانه بين أن يكون بعنوان واحد أو بعناوين للزوم تخصيص الأكثر فيما هو أفراده، كيف ما كان و هو الملاك في الاستهجان.

قوله (قده): خصوصاً إذا كان المخصّص ممّا يعلم- إلخ-.

هذا إذا اعتمد المتكلّم في مقام تفهيم المخاطب بذلك، و إلاّ فمجرّد ذلك لا يوجب تفاوت الحال في استهجان المقال و عدمه.

قوله (قده): إلاّ أن يقال إنّ الضّرر- إلخ-.

يمكن أن يقال: انّه لا مجال لذلك، فانّه كما انّ الحكم بلزوم العقد موجب للضّرر على المغبون و الشّفيع، كذلك الحكم بجوازه و تزلزله موجب للضّرر على الغابن و المشتري.

نعم يمكن ان يقال: انّ الضّرر و إن كان في الطّرفين، إلاّ انّ الضّرر الوارد على الشّفيع و المغبون أقوى، فبالمراعاة كان أولى، فتأمّل، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

قوله (قده): ثمّ انّه قد يتعارض الضّرران.

لا يخفى أنّ تصادم الضّررين إن كان بالنّسبة كان بالنّسبة إلى شخص واحد ليس من باب تعارض الفردين للعامّ و تنافيهما، كي لا يكون العامّ حجّة في واحد منهما، بل من باب التّزاحم، حيث انّ المقتضى لنفي كلّ ضرر موجود، و لا مانع عنه في صورة المصادمة إلاّ عدم الإمكان بحيث لو كان نفيهما ممكناً بنحو لا يقع الإنسان في ضرر أصلاً لوجب، و لازم ذلك التّخيير بين نفيهما، لا الرّجوع إلى ساير القواعد.

نعم لو كان نفي أحدهما موافقاً لحكم القاعدة و كان تقدير قاعدة [1] الضّرر عليها من باب المزاحمة بأن يكون المقتضى للحكم في جميع أفرادها أيضاً تامّاً و إنّما رفع اليد عنها في موارد الضّرر المزاحم و المانع، كان الرّجوع إليها موجّهاً، حيث انّ ما شأنه المزاحمة و الممانعة

____________

[1]- المأخوذة من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في حديث سمرة بن جندب: «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» وسائل الشيعة: 17- 340

285

لابتلائه بمثله لا يصلح للمنع فعلاً، فيبقى المقتضى بلا مانع فعليّ فيقتضى، و هذا بخلاف ما إذا كان نفي كلّ واحد من الضّررين على خلاف تلك القاعدة، أو كان تقديم قاعدة نفي الضّرر عليها لا من باب المزاحمة، بأن لا يحرز المقتضى للحكم فيها بعمومها فانّه حينئذ لا محيص عن التّخيير إن لم يكن في البين ترجيح، و إلاّ فالتّرجيح.

و أمّا إذا كان تصادم الضّررين بالنّسبة إلى شخصين، فالمقتضى لنفي كلّ منهما أيضاً و إن كان موجوداً إلاّ انّه لا وجه للحكم هاهنا بالتّخيير، و المفروض انتفاء المرجّح و المعيّن، و ذلك حيث لا معنى للمنة على العباد برفع الضّرر فيما كان نفيه عن أحد مستلزماً لثبوته على آخر فيستكشف بذلك عن عدم إرادتهما، فيجب الرّجوع إلى ساير القواعد.

هذا ما يقتضيه التّحقيق بحسب التّأمل و النّظر الدّقيق، فليتأمّل.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ أقوائيّة الضّرر أو أكثريّته انّما يوجب التّرجيح في الضّررين بالنّسبة إلى شخص واحد لا شخصين، إذ لا منّة في نفي الضّرر الأقوى على من استلزم ذلك في حقّه ثبوت الضّرر، بل انّما يكون منّة على خصوص من نفي عنه و كون العباد بالنّسبة إليه تعالى بمنزلة عبد واحد لا يصحّح المنّة على جميعهم في نفي الضّرر الأكثر و الأقوى. و لو على من استلزم ذلك بالنّسبة إليه الضّرر، كما لا يخفى، فالمرجع في تعارض الضّررين بالنسبة إلى شخصين هو ساير القواعد أو الأصول مطلقا، و قد اعترف المصنّف (قده) في رسالته المنفردة في قاعدة الضّرر باضطراب كلمات الأصحاب في هذا الباب، و إن مال إلى التّرجيح بالأكثريّة مطلقا، و التّحقيق ما ذكرناه، فليتأمّل.

قوله (قده): و لعلّ هذا أو بعضه- إلخ-.

و لعلّ المنشأ هو أقوائيّة الضّرر الناشئ عن منع المالك من التّصرف في ملكه من ضرر الجارية لا الرّجوع إلى قاعدة السّلطنة [1] بعد تساوى الضّررين لو قيل بالتّرجيح بالأقوائيّة و الأكثريّة مطلقا و لو بالنّسبة إلى شخصين على ما مال إليه؛ كما انّه يمكن على هذا أن يكون الفرق بين تصرّفه في المباح و تصرّفه في ملكه انّه لو كان في عدم التّصرف فيه ضرر، لما كان بمثابة الضّرر على الجار من التّصرف فيه، فضلاً عمّا إذا لم يكن في مثله ضرر، بل مجرّد فوات انتفاع.

ثم انّ النّقض و الإبرام في الفروع المذكورة في المقام يحتاج إلى بسط الكلام و زيادة

____________

[1]- المأخوذة من قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «ان الناس مسلطون على أموالهم». بحار الأنوار: 2- 273

286

تتبع في كلمات الأعلام، لا يسعه المجال و لا يساعده الحال، و الحمد للّه على كلّ حال، و أرجوه العفو من الزّلل و المقال.

و قد وقع الفراغ لمؤلّفه الآثم في يوم الجمعة من العشر الأوّل من جمادى الثّاني من سنة خمس و تسعين بعد الألف و المائتين من الهجرة النّبويّة، على هاجرها ألف صلوات و تحيّة، و كان ذلك في أرض الغري على مشرفها ألف سلام و ألف تحيّة و إكرام.

287

المبحث الرّابع في الاستصحاب‏

288

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

289

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه ربّ العالمين. و الصّلاة و السلام على محمد و آله الطّاهرين. و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين.

قوله (قده): و هو

(1)

أخذ الشّي‏ء مصاحباً- إلخ-.

الظّاهر انّه بحسب اللّغة أوسع دائرة ممّا يوهمه ظاهر ذلك، لوضوح عدم صدق المصاحبة عرفاً في جميع موارد صدق الاستصحاب كذلك؛ فالأولى أن يعتبر عنه بأنّه «أخذ الشّي‏ء معه» (2).

قوله (قده): و عند الأصوليّين عرف بتعاريف- إلخ-.

لا يخفى انّ حقيقة الاستصحاب و ماهيته يختلف بحسب اختلاف وجه حجّيته، و ذلك لأنّه إن كان معتبراً من باب الأخبار، كان عبارة عن حكم الشّارع ببقاء ما لم يعلم ارتفاعه.

و إن كان من باب الظّنّ، كان عبارة عن‏ (3) ظنّ خاصّ به.

و إن كان من باب بناء العقلاء عليه عملاً تعبّداً، كان عبارة عن التزام العقل به في‏

____________

(1)- خ ل: و هو لغة.

(2)- في (عليه السلام): كما لا يخفى فتأمل.

(3)- في (عليه السلام): عن نحو ظن.

290

مقام العمل.

و لا يخفى مخالفة كلّ واحد منها مع الآخر بمثابة لا يكاد أن يحويها جامع عبارة خالية عن فساد استعمال اللّفظ في معنيين بلا تعسّف و ركاكة، اللّهم إلاّ أن يجعل الاستصحاب على جميعها عبارة عن نفس حكم الشّارع بالبقاء ابتداء أو إمضاء، لما عليه العقلاء من العمل على طبق الحالة السّابقة تعبّداً، أو لأجل حصول الظّنّ به، لكنّه لا يساعد عليه كلماتهم أصلاً، كما لا يخفى على من راجعها.

و لذا انقدح الخلل في تعريفه بإبقاء ما كان، حيث انّه بمعناه الحقيقي لا يكاد أن ينطبق عليه أصلاً، و لا معيّن لإرادة خصوص واحد منها، كما لا يخفى.

هذا، مضافا إلى ما فيه من الإخلال بما هو قوام الاستصحاب على كلّ حال من الشّك و اليقين، من دون دلالة عليه إلاّ بشاهد الحال، و من الاقتصار على الإشعار في بيان‏ (1) ما يعتبر فيه، كما اعترف به (قده) من التّعويل على الحالة السّابقة في الإبقاء، مع انّه لا تعويل فيه عليها على ما عرفت من حقيقته و ماهيته أصلاً، ضرورة انّ حكم الشّارع بالبقاء انّما هو لحكمة موجبة لجعله، و كذا في التزام العقلاء به، و منشأ الظّنّ به إنّما هو غلبة البقاء كما هو ظاهر غالب الكلمات. نعم لو كان منشؤه مجرّد الثّبوت في السّابق، كما يظهر من بعض كلماتهم، صحّ ذلك.

و منه يظهر استدراك لفظ ما كان للغنية عنه بلفظ الإبقاء الدّال عليه‏ (2)، هذا بل مطلقا، لعدم كفاية الإشعار به على تقدير الاعتبار له مع عدمه خصوصاً في مقام الاختصار.

ثم انّك بعد ما عرفت حقيقة الاستصحاب و اختلافها بحسب اختلاف أنظار الأصحاب في وجه حجّيته، يظهر لك النّقض و الإبرام في تعاريفهم له إلاّ انّهم غالبا في مقام التّعريف ليسوا بصدد بيان حقيقة الشّي‏ء و بيان مطلب ما الحقيقيّة، بل مجرّد شرح الاسم و بيان مطلب ما الشّارحة، كشرح أهل اللّغة معاني الألفاظ، و معه لا وقع لما يقع من النّقض و الإبرام في التّعريفات في المقام و سائر المقامات، فتفطّن.

ثمّ انّ الأولى يعرف الاستصحاب الّذي يكون محلا للنّقض و الإبرام بين الأصحاب و مورداً لما يقع‏ (3) بينهم من الخلاف في حجّيته و اعتباره، و الاختلاف في وجهه و جهته بأنه‏

____________

(1)- خ ل: بيان بعض ما يعتبر فيه.

(2)- خ ل: إلاّ على هذا.

(3)- خ ل: وقع.

291

إلزام الشّارع ببقاء ما لم يقم على بقائه دليل، كما أشرنا إليه، فيكون النّزاع في حجّيته بمعنى النّزاع في ثبوته كالنّزاع في حجّية المفاهيم، فافهم.

قوله (قده): و لا يخفى أنّ كون حكم أو وصف- إلخ-.

هذا، مع انّه ظاهر في اعتبار كون زمان اليقين سابقاً على زمان الشّك، ضرورة ظهوره في كون الظّرفين للوصفين، لا للحصول و البقاء، و إلاّ لو لم يستدركا جميعاً لكان الثّاني مستدركاً، و لا يعتبر في الاستصحاب أزيد من اليقين بالحدوث و لو حدث مع الشّكّ في البقاء دفعة.

ثم انّه يمكن الذّبّ عمّا أورده (قده) بأن يكون الوصفان مجرورين على الوصفيّة و الكون المضاف بمعنى الثّبوت من كان التّامة، إلاّ انّه مع ما فيه من التّعسّف لا يكاد ينطبق على الاستصحاب و مشتقاته إلاّ ان يجعل التّحديد له بمعنى اسم المصدر، لا بالمعنى المصدري، لكنّه بعيد.

قوله (قده): و ان جعل خصوص الكبرى- إلخ-.

لا يخفى ان الكبرى عبارة عن الإذعان و الحكم بأنه مظنون البقاء، و الاستصحاب على تعاريف المشهور نفس الإذعان بالبقاء ظنّاً. نعم يشهد به عدة من الأدلّة العقليّة على تقدير اعتباره من باب الظّنّ، كما نبيّنه إن شاء اللَّه تعالى، كما يشهد بأنّه خصوص الصّغرى ما قال بعد كلامه هذا على ما نقله (قده) ما هذا لفظه، و قد اختلف في صحّة الاستدلال به لإفادته للظّن و عدمها لعدمه، إذا الصّالح لأن يختلف في إفادته للظّن ليس إلاّ الصّغرى كما لا يخفى؛ و امّا الكبرى على هذا، فانّما ذكرها لمجرّد بيان انها يكون كذلك أي مفيدة للظّنّ، فيكون حجة لما عرفت من كلامه من كون الحجّية مفروغاً عنها عندهم على تقدير الإفادة له.

قوله (قده): فيقال انّ الاستصحاب‏

(1)

هو التّمسّك- إلخ-.

لا يخفى ما فيه من الضّعف، فانّ الاستصحاب سواء جعل نفس الظّنّ بالبقاء أو ما يفيده، أو الظّنّ بالملازمة بين الثّبوت و الدّوام على ما سنشير إليه كان به التّمسّك لا نفسه‏

____________

(1)- و في المصدر: فقال الاستصحاب هو ...

292

و إن كان لفظه بمشتقاته إنما يناسب ذلك.

ثمّ انّ الظّاهر أنّ هذا الاختلاف في التّعاريف ليس لأجل الخلاف في حقيقته من غير الجهة الّتي أشرنا إليها، بل لأجل أخذ كلّ منهم بأحد أطرافه مع حصول الغرض به، و هو الإشارة إليه بوجه و الإحاطة به بكنهه لا يكاد أن يحصل إلاّ بتمام البحث فيه.

قوله (قده): باعتبار انّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ- إلخ-.

قد يقال: انّه على تقدير إفادته للظّنّ بالحكم الشّرعي ليس إلاّ كسائر الأمارات المعتبرة، بل من باب إفادتها له. و من الواضح عدم صحّة عدها بمجرّد ذلك من الأدلّة العقليّة لوضوح انّها عبارة عن القضايا الّتي يستقلّ بها العقل برهاناً أو وجداناً، و يتوصّل بها إلى الأحكام الشّرعيّة لا نفس الإذعان بها كان ظنّا أو قطعا، فكما لا يكون القطع بحرمة الخمر شرعاً حكماً عقليّاً لا يكون الظنّ بها كذلك قطعاً، بداهة انّ الملاك في شرعيّة الحكم ليس إلاّ كون المحمول من مجعولات الشّارع أو من لوازمها، سواء ظنّ بثبوته لموضوعه أو قطع، من غير تفاوت في ذلك أصلاً.

و لا يخفى انّه لا محيص عن هذه الغائلة إلاّ إذا كان الاستصحاب عند من عدّه من الأدلّة العقليّة هو الظّنّ بالملازمة الناشئ من غلبة بقاء ما حدث المستلزم للظّنّ بالحكم الشّرعي دون نفس الظّنّ به، و الملازمة بين الحدوث و البقاء ليست بشرعيّة، بل من الأمور الواقعيّة الّتي أدركها العقل مطلقا و لو كان طرفاها من الأحكام الشّرعيّة، فيكون من العقليّة الغير المستقلّة كسائر الملازمات الغير المستقلّة ممّا لا بدّ في التّوصّل بها إلى الحكم الشّرعي من ضم خطاب شرعيّ، كما هو الحال في مسألة مقدّمة الواجب و الضّد و المفاهيم، و قد عرفت عدم التّفاوت في ذلك بتفاوت الإذعان بها ظنّاً و يقيناً، فلا بدّ أن يجعل مورد النّقض و الإبرام في كلام الأعلام ثبوت هذه الملازمة الغالبيّة و نفيها و ليس ببعيد، لأنّ المهمّ عند العامّة الّذين هم الأصل في عنوان‏ (1) الاستصحاب هو إثبات هذه الملازمة و نفيها، و إلاّ فحجّية الظّنّ الناشئ عن الملازمة مفروغ عنها عندهم، و المهمّ لدى الأصحاب و إن كان هو إثبات حجّية الظنّ بالحكم الشّرعيّ الناشئ عن تلك الملازمة على تقدير ثبوتها، إلاّ أنّه لا يوجب جعل الاستصحاب بمعنى آخر محلا للنقض و الإبرام في الباب، غاية الأمر انّه كما لهم منع حجّية الظنّ الناشئ منها على تقدير ثبوتها، و القول بوجوب العمل على طبق الحالة

____________

(1)- في (عليه السلام): في عنوان هذا الباب للاستصحاب ...

293

السّابقة من طريق آخر، فتدبّر.

قوله (قده): فيقال انّ الحكم الفلاني- إلخ-.

لا يخفى انّ التّوصّل به إلى الحكم الشّرعي على تقدير اعتباره انّما هو بتوسّط خطاب شرعي مستفاد ممّا دلّ على حجّية هذا الظّنّ يجعل كبرى القياس بان يقال انّ الحكم الفلاني مظنون بالظّنّ الاستصحابي، و كلّ ما كان كذلك فهو باق، فالصّغرى عقليّة و الكبرى شرعيّة مستفادة ممّا دلّ على حجيّة الاستصحاب، لا بواسطة خطاب شرعيّ مثبت للمستصحب بجعل صغرى للقياس على ما أفاده (ره).

نعم انّما يجعل هذا صغرى القياس الّذي يتوصّل به إلى نفس الاستصحاب، فيقال ان الحكم الفلاني ثبت سابقاً و لم يعلم ارتفاعه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء. و من المعلوم انّ نتيجة هذا القياس ليس حكماً شرعيّا، بل لا بدّ في التّوصّل إليه من جعلها صغرى لقياس آخر، كما رتّبنا على ما لا يخفى؛ و هذا بخلاف الحال في المفاهيم و نحوها، حيث انّ الحكم العقلي فيها بجعل كبرى القياس المتوصّل به إلى الحكم الشرعي مثلاً يقال هذا واجب شرعاً، و كلّ واجب يجب مقدّمته كذلك.

نعم لو كان الحكم الاستصحابي قطعيّاً، كان القياس المتوصّل إلى الحكم الشّرعي، كما رتّبه (قده) لا يحتاج إلى قياس آخر في التّوصّل إليه، كما انّه يحتاج إليه في المفاهيم و نحوها إذا كان الاستلزام فيها ظنّياً، ثمّ انّه لا يتفاوت في ذلك بين ان يجعل الاستصحاب عبارة عن تلك الملازمة الّتي أشير إليها أو نفس الظّنّ بالحكم الناشئ منها، كما لا يخفى، بل لا بدّ على كلّ حال من تأليف قياس يكون هذا الظّنّ وسطه على ما عرفت ترتيبه.

قوله (قده): نعم ذكر بعضهم انّ موضوع الأصول- إلخ-.

فيكون هذه المباحث من المسائل حيث ان البحث فيها عن الدّليليّة، لكن هذا بناء على أن يكون المراد من الأدلّة هو مطلق الحجّة، كما يدلّ عليه التّعريف لا خصوص الأدلّة الأربعة، و إلاّ فلا يجدى ذلك إلاّ في دخول الاستصحاب في الأدلّة العقليّة على تقدير جعله عبارة عن الملازمة، و كان مورد النّقض و الإبرام فيه هو إثباتها و نفيها مع الفراغ عن حجّية الظّنّ الناشئ منها، كما يظهر من شارح المختصر، أو مع عدمه حيث انّ البحث عنه يكون حينئذ بحثاً عن إثبات هذا الحكم للعقل، كما هو الشّأن في البحث عن سائر الأدلّة العقليّة مطلقا، كما لا يخفى.

294

و أمّا إذا كان محلّ الكلام هو حجّية الظّنّ الناشئ منها بعد تقدير الفراغ عنها، كما هو محطّ نظر الأصحاب، فلا يكون بحثاً عن دليليّة أحد الأدلّة، بل بحثا عن مساعدة ما هو المعتبر منها على حجّيته و عدمها، كما هو الشّأن في جميع المباحث الفقهيّة، كما لا يخفى، فتفطّن.

قوله (قده): و يمكن استظهاره من الشّهيد- إلخ-.

محلّ الاستظهار بحسب الظّاهر هو قوله (قده): «فيرجّح الظّنّ عليه كما مطّرد في باب العبادات، و وجهه انّ الظّنّ المعتبر في العبادات ليس إلاّ الظّنّ الشّخصي، لا الأعمّ» (1) فافهم.

قوله (قده): و مراده من الشّكّ- إلخ-.

هذا دفع لما ربّما يشكل عليه بأنّ الظّنّ مثل اليقين في عدم إمكان الاجتماع مع الشّك، لكن سيجي‏ء منه في آخر التّنبيهات عليه الإشكال، مع دفعه منّا بما علّقنا عليه من المقال، فانتظر.

قوله (قده): بل ظاهر كلامه- إلخ-.

يمكن منعه بأنّ التّعبير عن الاستصحاب بما هو عبارة أخبار الباب‏ (2) و إن كان لا يخلو عن إشعار بذلك، إلاّ انّ في جعله مقولاً لقوله «قولنا اليقين- إلخ-» و في التّعليل بقوله لأصالة بقاء ما كان شهادة بأنّ التّعبير به انّما هو عن الاستصحاب المشتهر بين الأصحاب لا مضمون أخبار الباب، و لعلّه أشار بقوله «فتأمّل».

قوله (قده): ثمّ المعتبر هو الشّكّ الفعلي- إلخ-.

اعلم أنّ الوظيفة المقرّرة في حال الجهل بالحكم أو الموضوع (تارة) على نحو يكون هو المطلوب و المرغوب في هذا الحال كالواقع في سائر الأحوال، كالصّلاة بلا سورة في حال الغفلة عنها و إتمامها و الإخفات فيها في موضع الجهل بوجوب القصر أو الجهر، فيكون‏

____________

(1)- ذكرى الشيعة- 98.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175

295

ملحوظة في استحقاق المثوبة أو العقوبة بالموافقة و المخالفة، بل في الاجزاء و عدمه في الحال كالواقع في غير الحال.

(و أخرى) على نحو يكون الواقع هو المطلوب في هذا الحال دونها، إلاّ انّ جعلها في حال الجهل بأحدهما أنّما هو لأجل أن يكون موجباً لتنجّز الواقع عند موافقتها له، و عذرا عنه في صورة مخالفتها فيعاقب على مخالفة الواقع إذا خالفها و لا يعاقب على مخالفته إذا وافقها، كما هو الحال في مؤدّى الطّرق و الأمارات.

و لا يخفى انّه إن كانت الوظيفة المجعولة على النّحو الأوّل يمكن أن يكون لها ما للحكم الواقعي من المراتب الأربع: أولاها المقتضى له، ثانيها إنشائه و الخطاب واقعاً به، ثالثها البعث و الزّجر به فعلاً، رابعها التنجّز و استحقاق العقوبة على مخالفته عقلاً؛ فيكون الآتي بها في حال الغفلة آتياً بما هو تكليفه فعلا و إن كان معذوراً على تقدير الإخلال لعدم تنجّزه مع هذا الحال.

و بالجملة يترتّب على الحكم بها ما للحكم في المرتبة الثّالثة و إن لم يصل إلى الرّابعة و لم يتنجّز لفقد شرائطه.

و أمّا إذا كانت الوظيفة المجعولة على النّحو الثّاني، فلا يكاد أن يكون له بعد مرتبة إنشائه و الخطاب به إلاّ مرتبة واحدة يعتبر في البلوغ إليها ما يعتبر في بلوغ الحكم إلى المرتبة الرّابعة فلا يترتّب عليها بدونه‏ (1) ما هو المرغوب منها من تنجّز الواقع و العقاب على مخالفته في صورة إصابتها و العذر عن مخالفته على تقدير عدم الإصابة مع موافقتها، و كذا لو قلنا باستحقاق العقوبة في صورة مخالفتها تجرياً كما حقّقناه، أو مخالفة و عصياناً كما في البحث قد احتملناه، ضرورة انّ هذه الآثار لا يكاد أن يترتّب عليها إلاّ بعد الاطّلاع عليها بأطرافها تفصيلاً أو إجمالاً، و لا يكاد أن يوجد أثر آخر يترتّب عليه بدونه و لم يكن مترتّباً على إنشائه و مجرّد الخطاب به واقعاً.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ الاستصحاب كسائر الأصول و الأمارات يكون من النّحو الثّاني كان حجّيته تعبّداً أو أمارة، و كشفا من باب بناء العقلاء أو الأخبار، ضرورة انّ دليل اعتباره على كلّ تقدير انّما يساعد عليه عند الشّكّ و التّحيّر. أمّا الأخبار فلوضوح دلالتها على انّ لزوم مراعاة الحالة السّابقة و الجري على طبقها انّما يكون في خصوص حال الشّكّ فيها فعلاً، دون حال الغفلة و الشّكّ فيها شأناً؛ و كذا بناء العقلاء بداهة انّهم في حال‏

____________

(1)- لا يوجد هذه الكلمة في (عليه السلام).

296

الالتفات بعد الغفلة لا يراعون إلاّ الواقع، و انّه قد أتى به أو أخلّ دون ما هو وظيفته في صورة الجهل لو لم يغفل من الأخذ بالحالة السّابقة بحسب العمل و عدمه.

فاندفع بذلك توهّم انّ مثل المتيقن المحدث سواء التفت إلى حاله في اللاحق فشكّ، أو لم يلتفت إليه، يجري في حقّه الاستصحاب؛ و قد عرفت انّه ما لم يلتفت إليه لا يعمّه خطاب أصلاً غير الخطاب بالواقع، بل قد عرفت انّ الملتفت الشّاكّ في حاله إذا جهل بحكمه في هذا الحال أي حال الشّك في اللاحق، لا يكون محكوماً فعلاً بالاستصحاب و إن عمّه الخطاب.

لا يقال: فعلى هذا يلزم أن يحكم بصحّة صلاته، لقاعدة الفراغ إذا غفل بعد التفاته و دخل فيها، كما يحكم بصحّة صلاته إذا لم يسبقه الالتفات بحكم القاعدة، لعدم جريان الاستصحاب في حقّه قبل الصّلاة أيضاً.

لأنّه يقال: إنّ الاستصحاب و إن كان غير جار قبلها في حقّ الغافل الدّاخل فيها مطلقا، سواء لم يسبقه الالتفات أو لم يسبقه العلم بحكمه و لو سبقه، إلاّ انّ قاعدة الفراغ لا تعمّ ما إذا سبقه الالتفات و الشّك و إن غفل حين العمل، بل يختصّ بما إذا حدث بعده، فيحكم الاستصحاب الجاري في حقّه بعد العمل و علمه به من دون مزاحمة بالقاعدة، كان في حال صلاته محدثاً فكانت باطلة؛ بخلاف ما إذا لم يسبقه الالتفات، فانّ قضيّة الاستصحاب و ان كان فيه أيضاً ذلك، إلاّ انه مزاحم بقاعدة الفراغ المقتضية للصّحة، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و لا يجري في حقّه حكم الشّكّ- إلخ-.

نعم يجري في حقّه حكم الشّكّ أيضاً لو شكّ بعد الصّلاة في انّه تطهر بعد التفاته و صلّى أم صلّى بدونه، فانّه شاكّ في إتيان ما لزم عليه إحرازه بحكم الاستصحاب و ليس بقاطع بعدم إتيانه، كي لا يجري في حقّه حكم الشّكّ بعد الفراغ، بخلاف ما إذا قطع بعدم تطهيره بعد الالتفات، كما لا يخفى.

قوله (قده): يوجب الإعادة بحكم استصحاب عدم الطّهارة- إلخ-.

بل يوجب الإعادة بحكم قاعدة الاشتغال و لو فرض عدم حجّية الاستصحاب في نفسه أو بعارض، لكن مع جريانه لما لم يكن لها مجال لوروده عليها على ما سنحقّقه، كان الشّكّ اللاّحق موجباً لها بحكمه لا بحكمها.

297

و توهّم انّ مثل هذه الاستصحاب مثبت حيث انّ وجوب الإعادة لا يترتّب على المستصحب إلاّ بواسطة لازمة العقلي، و هو كون المأتي به فاقداً للشّرائط، فلا يجدى في إثباته إلاّ على القول بالأصل المثبت؛ فاسد جدّاً لما سنحقّقه من انّ الاستصحاب في إثبات الجزء و الشّرط و نفيهما يجدى و لو على القول بنفي الأصل المثبت، فتوسّع به شرعاً دائرة المأمور به تارة، و تضيق به أخرى، و يترتّب عليه الحكم بوجوب الإعادة و عدم وجوبها كذلك عقلا، بداهة انّ الحكم بوجوب الإعادة ليس إلاّ من باب وجوب الإطاعة، و هو بما يستقلّ به العقل مع عدم الموافقة المأمور به بما له من الأجزاء و الشّرائط المقرّرة له واقعاً أو ظاهراً، و لو باستصحاب عدم ما شكّ في وجوده منها، و بعدم وجوبها مع الموافقة له و لو بعد توسعة دائرته باستصحاب وجود ما شكّ في بقائه منها بأن يؤتى منها ما لم يأت به يقيناً أو استصحاباً، دون ما وجد منها و لو استصحابا لوجوده السّابق، فليس بعد هذه التّوسعة أو التّضييق شرعاً لدائرة الواجب إلاّ التّطبيق الخارجي معه حقيقة، و لا يخفى انّه ليس من توسيط أمر خارجي لترتيب أثر شرعيّ على المستصحب، بل انّما هو من باب التّطبيق على ما رتّب عليه الأثر الشّرعي بالاستصحاب، كما هو شأنه في كلّ باب.

و لا يخفى انّه لا يتفاوت الحال في ذلك بين الشّكّ قبل العمل و بعده، و انه بالاستصحاب السّابق قبل العمل أو اللاحق بعده يلاحظ انّه قد طبق ما أتى به لما وجب شرعا، كيلا يجب الإعادة معه عقلاً أم لا، كي يجب كذلك، فتدبّر جيّداً كيلا يشتبه عليك التّطبيق اللازم في كلّ باب و التّوسيط الموجب لمثبتية الاستصحاب، كما وقع لبعض الأعاظم من الأصحاب.

و قد انقدح من مطاوي ما ذكرنا انّ وجوب الإعادة انّما يكون بحكم العقل، و هو لا يجدى في صحّة الاستصحاب و لو كان مترتّباً على المستصحب بلا واسطة، فغائلة أصل المثبت لا يرتفع إلاّ بما أشرنا إلى إجماله، و يأتي عن قريب تفصيله.

قوله (قده): لو لا حكومة قاعدة الفراغ- إلخ-.

حكومتها بل ورودها عليه كما يأتي تحقيقه، انّما هو على تقدير أن يكون من الأمارات.

و أمّا على تقدير كونها من الأصول، فلو لا نصوصيّة دليل الاعتبار في حجّيتها في مورد الاستصحاب الموجب، فتخصيص دليله بدليلها لكان حاكماً عليها بعين الوجه الّذي يكون حاكماً على سائر الأصول كما لا يخفى، و لعلّه أشار إليه بقوله «فافهم».

298

قوله (قده): و بأنّه يقتضى أن يكون النّزاع- إلخ-.

و ذلك لأنّه مع إحراز المقتضى و المؤثر لا يتفاوت الحال بين أن يقال بالاستغناء و عدمه. و فيه انّ المراد من المؤثّر في مسألة استغناء المؤثّر هو العلّة التّامة، و لا ريب في انّ عدم الرّافع بالنّسبة إلى بقاء الشّي‏ء من اجزائها كعدم المانع بالنّسبة إلى حدوثه، فلا يقتضى اختصاص النّزاع بالشّك في المقتضى، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): اختلافهم في انّ النّافي يحتاج- إلخ-.

الظّاهر انّ وجه الاستشهاد انّ قول النّافي لمّا كان على وفق الاستصحاب كان احتياجه إلى الدّليل منيّاً على عدم حجّيته، و إلاّ فهو عليه دليل، بخلاف قول المثبت فانّه لمّا كان على خلافه لم يكن إليه سبيل على القولين إلاّ بالدّليل.

و فيه انّ ذلك ليس إلاّ بغالبي، و إلاّ فربّما يكون الأمر بالعكس و ربّما لا يكون له سابقة، أو كانت و لم يكن محرزة، و معه لا مجال للاستصحاب أصلاً، فلا وجه للاستشهاد فلا تغفل.

قوله (قده): نظراً إلى انّ الأحكام العقليّة- إلخ-.

لا يخفى انّ الأحكام العقليّة إنّما تكون مبنيّة و منفصلة بما هي أدلّة على الحكم الشّرعي، لا بما هي مناطات و علل له، و ذلك لأنّها إنّما تكون أدلّة عليه إذا كانت أحكاماً فعليّة للعقل، و هو لا يحكم بشي‏ء فعلاً إلاّ بعد تعيّن موضوعه و لو إجمالاً بخصوصيّاته و مشخّصاته الّتي لها دخل أو محتمل الدّخل، ضرورة توقّف الحكم على تصوّر موضوعه و تشخيصه كذلك، إذ به تشخصه و لا يكاد أن يوجد بدونه، فلا يتطرق إليه الإهمال و الإجمال و التّحيّر و التّردّد محمولاً و موضوعاً، و ليست بما هي أحكام كذلك مناطاة للأحكام الشّرعيّة، بل بمناطاتها الواقعيّة، فهي‏ (1) كذلك لا يكون مبنيّة و مفصلة للعجز عن التّميز بين ما له دخل في ذلك و ما لا دخل له ممّا عليه العقل من الخصوصيّات، أو للعجز عن تعيين انحصار الملاك فيها، و احتمال أن يكون فيها ملاك آخر غير متقوّم بما عليه من الخصوصيّات.

و بالجملة انّ الأحكام العقليّة بما هي مناطات للأحكام الشّرعيّة، ليس بلازم ان‏

____________

(1)- خ ل: و هي.

299

يكون مبنيّة، بل ربّما يكون بما هي كذلك مجملة غير مبنيّة لأنّها بملاكاتها يكون مناطات لها، و مناطاتها قد لا يكون بما يتقوّم بها من الخصوصيّات معلومة، ضرورة إمكان اطلاع العقل على مصلحة فعل أو مفسدته مع العجز عن تعيين ما له دخل من خصوصيّاته فيها، أو مع احتماله فيه مصلحة أو مفسدة أخرى غير متقوّمة بما تتقوّم به الأولى.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّه إذا ارتفع بعض ما احتمل دخله في حسن فعل أو قبحه عقلاً، و في وجوبه أو حرمته شرعاً و هو يوجب انتفاء حكم العقل بأحدهما فعلاً بلا شكّ فيه و لا ريب يعتريه، فانّه من الوجدانيّات، و لا يكاد ان يدينها الشّكّ بالبداهة أصلاً، فلا مجال فيه لتوهّم استصحابه، كما لا يخفى.

و أمّا حكم الشّرع بوجوبه أو حرمته، فلا قطع بانتفائه لاحتمال بقائه ببقاء مناطه و انتفاء كاشفه و دليله لا يوجب إلاّ انتفاء كشفه لا بنفسه، فلا وجه لمنع جريان الاستصحاب فيه إلاّ لأجل عدم إحراز الموضوع، لاحتمال اعتبار المرتفع فيه، كما أفاده (قده) و هو وجيه لو كان ذلك، أي إحراز الموضوع في هذا الباب منوطاً بنظر العقل. و عليه فلا مجال لجريان الاستصحاب في الشّكّ في الحكم الشّرعي، و لو كان دليل النّقل، كما يأبى تفصيله لا بنظر العرف، و إلاّ فربّما لا يكون انتفاء ذلك موجبا له بنظره، بل يكون القضيّة المشكوكة بعينها تلك المعلومة سابقاً موضوعاً و محمولا، من غير حصول تفاوت بينها بذلك، فيكون حينئذ محرزاً، و معه لا مجال لمنع الاستصحاب بلا ارتياب. نعم إذا كان موجباً للتّفاوت بينهما عرفاً، فلا مجال له أيضاً.

فانقدح بذلك انّه لا وجه للتّفصيل بين أن يكون الدّليل عليه حكم العقل أو النّقل، إذ قد عرفت انّه إن كان الحاكم في باب الموضوع هو العقل، فلا مجال للاستصحاب في الحكم الشّرعي أصلا و إن كان هو العرف، فالحال كما عرفت من التّفصيل بين الخصوصيّات مطلقا، من غير فرق في ذلك بحسب الدّليل.

قوله (قده): فإن قلت: على القول بكون الأحكام- إلخ-.

لا يخفى عدم ابتناء الإشكال على هذا القول، فانّ ملاكه ليس إلاّ الشّك في مناط حكم الشّارع و موضوعه كان مناطه ما هو المناط في حكم العقل، كما على هذا القول أو غيره، كما على قول الأشاعرة، إذ لا بدّ في الحكم الشّرعي من مناط لا محالة، بحيث لا يتطرّق إليه الشّكّ أبداً ما لم يشكّ في مناطه، و لذا كان النّسخ حقيقة دفعاً لا رفعاً عند الكلّ.

نعم يمكن الشّك بدون ذلك في غير الأحكام الشّرعيّة من أحكام ساير الموالي، لإمكان‏

300

رفع المولى في الزّمان الثّاني حكمه مع بقاء ما أخذه أوّلاً حقيقة بلا تغيير أصلاً بفقد ما أخذ وجوده أو وجود ما اعتبر عدم فيه، بل انّما يرفعه لما بدا له الآن مع بقاء المناط على ما كان، لكنّه بمعزل من الإمكان في الأحكام الشّرعيّة.

و انقدح بذلك أيضاً انّ تخصيص الإشكال بما استند إلى العقل بلا مخصّص، بل الأحكام هي متساوية الإقدام في ذلك، كانت مستندة إلى العقل أو النّقل، كما أشرنا إليه في الحاشية السّابقة، فلا تغفل.

قوله (قده): لكنّه مانع عن الفرق بين الحكم- إلخ-.

لا يخفى وضوح الفرق بينهما من هذه الجهة أيضاً، إذ في الحكم الشّرعي ظنّ ببقاء ما كان سابقاً، و في الحكم العقلي حكم ظنّي من العقل بعد انتفاء حكمه القطعي الّذي كان في السابق.

لا يقال: انّه في الحكم العقلي ظنّ ببقاء مناطه لاحقا، كما كان سابقاً. فانّ الكلام في الفرق في نفس الحكمين، فتفطّن.

قوله (قده): نعم لو علم مناط هذا الحكم- إلخ-.

قد عرفت بما لا مزيد عليه انّ ما علّق عليه حكم العقل من المناط و العنوان، فانّما هو مناط كشف الحكم الشّرعي عندنا، و أمّا مناطه عند الشّارع فيمكن بقاؤه الآن على ما كان؛ فظهر انّ الاستصحاب انّما لا يجري في الأحكام العقليّة، و امّا الشّرعيّة المستندة إليها فحالها حال سائر الأحكام، و لا وجه للتّفصيل بينها بحسب الدّليل.

قوله (قده): و امّا إذا لم يكن العدم مستنداً- إلخ-.

توضيح ذلك انّ حكم العقل و استقلاله بعدم الخطاب بتحريم أو إيجاب من الشّارع تارة يكون لعدم علّته و مقتضية كالعدم الأزلي للممكنات، فانّه لعدم تحقّق علّتها في الأزل، و أخرى يكون لأجل ما يقتضيه و يوجبه كالأسباب الموجبة لقبح الخطاب بالتّحريم أو الإيجاب، كالغفلة و الجنون و نحوهما الموجبة لرفعه عن الغافل و المجنون و نحوهما.

و بعبارة أخرى انّ حكم العقل بعدم الخطاب مرّة يكون بمجرّد البرهان، و هو امتناع حدوث الممكن بلا علة، و أخرى بتوسيط الوجدان و استقلاله بقبح تكليف الغافل، و من لم يكن بمميّز و عاقل فالشّك في صدور الخطاب إن كان مسبّبا عن الشّكّ في حدوث سببه و علّته، فاستصحاب عدمه الأزلي فيما يزال بلا ريب و لا إشكال، فانّ عدمه فيه لعدم تحقّق‏

301

علّته و هو العدم الأزلي، و هو واضح و إن كان مسبّباً عن الشّكّ في ارتفاع ما يوجب قبحه، فبناءً على كون العقل هو الحاكم في إحراز الموضوع، لا مجال لاستصحاب عدمه الثّابت في ذاك الحال للشّكّ في الموضوع بنظر العقل، و بناء على كون الحاكم فيه العرف، قد عرفت انّه لا مانع من جريانه فيما كان الموضوع باقياً بنظره؛ و لا يضرّ بجريان استصحاب عدمه الأزلي ما لم ينقطع بالقطع ان يكون هناك ما يوجب قبحه، و قد ارتفع كاستصحاب البراءة الأزليّة بعد حصول التّميز.

وهم و دفع:

لعلّك تقول انّ العدم الأزلي للتّكليف، حيث انّه ليس بمجعول، و لا ممّا يترتّب عليه أثر مجعول، لا وجه لاستصحابه، و لعلّك غفلت عن انّه فيما يزال مجعول، و إلاّ لم يكن وجود فيه قابلاً له، و انّما المعتبر في صحّة الاستصحاب كون المستصحب كذلك في زمان بلحاظه ليستصحب، لا في زمان القطع بثبوته فيه، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل، فتأمّل.

قوله (قده): الأوّل ظهور كلمات جماعة- إلخ-.

لا يخفى وهن دعوى الإجماع في مثل هذه المسألة الّتي لها مدارك مختلفة، إذ معه لا يكشف الاتّفاق على تقدير تحققه عن رأي المعصوم (عليه السلام)، فكيف مع وقوع الخلاف، حسبما تقدّم منه الاعتراف. و أمّا الاستقراء فعلى تقدير تسليم انّ الشّارع قد حكم في جميع موارد الشّكّ في البقاء من جهة الرّافع لا يوجب ذلك القطع بلزوم العمل على طبق الحالة السّابقة، لاحتمال أن يكون ذلك لأجل لزوم العمل على وفق المقتضى عند الشّكّ في الرّافع، و لو ادّعى وضوح انّ جهة الحكم هو الوجود في السّابق في هذه الموارد، لا وجود المقتضى و الشّكّ في الرّافع.

فدعوى انّ جهته على هذا هو مجرّد سبق الوجود من غير اعتبار بخصوصيّة الموارد من وجود المقتضى و الشّكّ في الرّافع، أوضح و أولى، كما لا يخفى على من تأمّل، فتدبّر.

قوله (قده): و لا يضرّه الإضمار

(1)

- إلخ-.

إذا الإضمار من مثله بمنزلة الإظهار، بداهة انّه أجلّ من أن يستفتي عن غير الإمام (عليه السلام) مع هذا الاهتمام؛ و الظّاهر انّ منشأ سؤاله الشّك في اندراج الخفقة (2) تحت‏

____________

(1)- و في المصدر: و لا يضرها الإضمار.

(2)- خ ل: الخفقة و الخفقتان.

302

النّوم النّاقض بعد الفراغ عن اندراجهما تحته لغة و عرفاً و عن عدم كونهما ناقضاً مستقلاّ، حسبما يشهد به تفصيل الإمام (عليه السلام) بين مراتب النّوم و قوله «الرّجل ينام‏ (1)» إذ الظّاهر منه تحقّق النّوم، لا إرادته بناء على الاكتفاء في المقارنة المعتبرة بين الحال و العامل في ذي الحال بالاتّصال بحسب الزّمان، و عدم اعتبار الاتّحاد إمّا مطلقا أو في خصوص المقام ممّا كان أحدهما سبباً لارتفاع الآخر و علّة لانتفائه، كما هو الحال في النّوم و الوضوء، كما أنّ الظّاهر انّ قوله «فإن حرك- إلخ-» (2) سؤال عمّا إذا اشتبه عليه تحقّق ما جعله (عليه السلام) مناطاً لأجل الشّبهة الخارجيّة النّاشئة عن أمر يظنّ معه أو يشكّ في وجوده و تحقّقه، لا لأجل الشّبهة في كون هذه المرتبة داخلة في المناط لتردّد مفهومه بين ما يعمّها و ما لا يعمّ، و إلاّ لا يناسبه الجواب ببيان حكمه الظّاهري المغيا باليقين بالخلاف، إذ وظيفته حينئذ رفع الشّكّ لا بيان حكمه، كما هو واضح؛ لا انّه سؤال عن الشّك في اندراج هذه المرتبة في المناط و انطباقه عليها، إذا لمناسب حينئذ أن يجاب «لا حتّى يستيقن انّه نوم» لا «انّه نام» كما لا يخفى.

ثمّ انّ عدم الالتفات إلى حركة شي‏ء في جنبه إن كان من الأسباب المؤثّريّة للظّنّ بالنّوم كانت الرّواية صريحة في حجّية الاستصحاب مع الظّنّ بالخلاف، و إلاّ كانت ظاهرة في حجّيته من باب الإطلاق.

ثمّ لا يخفى ظهور قوله (عليه السلام) «فانّه على يقين من وضوئه- إلخ- (3)» في الاستصحاب و لو مع قطع النّظر عن ظهور الصّدر، بل صراحته فيه لظهورها في تحقّق اليقين في زمان الشّكّ، و هو ناش من ظهور الجملة الاسميّة في كون زمان نسبتها هو الحال، و هو لا يوافق الاستصحاب نعم لو حمل تعبّداً على انّه كان سابقاً على يقين، كان محتملاً له و لقاعدة اليقين، فيحتاج في حمله عليه إلى ملاحظة الصّدر، و في إلحاق صورة حدوث اليقين إلى ضمّ عدم القول بالفصل أو بدعوى القطع بعدم مدخليّة سبق اليقين في الحجّية.

ثمّ انّه لا يكاد يصحّ ان يجعل بظاهره نفس الجزاء لإباء لفظه و معناه عن ذلك،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 174- ب 1- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 1- 174- ب 1- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 1- 174- ب 1- ح 1

303

إذ كلمة «فانّه» ظاهرة في التّعليل، و ظاهر القضيّة هو اليقين في الحال بثبوت الوضوء سابقاً قبل الشّكّ في حدوث حدث النّوم، و هو غير مترتّب على هذا الشّرط لأنّه ربّما كان من قبل و يتخلّف عنه فيما بعد، كما لا يخفى.

و أمّا اليقين بثبوته في حال الشّك في حدوثه، فمع انّه ليس بمراد يكون ترتّبه عليه محالاً، لأنّه يقتضى الشّك فيه لا اليقين، فلا بدّ في جعله جزاء من التّكليف، كما أفاده (قده) بأن يجعل مع كونه جملة خبريّة بمعنى الأمر بالمضي على اليقين و البناء عليه بحسب العمل في حال الشّكّ.

بقي الكلام في وجه الاستدلال به على حجّية الاستصحاب في كلّ باب، فاعلم انه يتوقّف إمّا على ظهوره في إهمال تقييد اليقين بالوضوء، و كونه بمجرّد انّه مورد السّؤال و الحاجة من دون خصوصيّة، و عليه لا يحتاج إلى استظهار كون اللام في اليقين للجنس، بل لو كان للعهد لتمّ التّقريب، إذ المعهود حينئذ يكون مهمل الخصوصيّة حسب الفرض؛ و إمّا من كون اللام للجنس، و سبق يقين الوضوء يوهنه لو لا ظهور السّياق في إرادة إدراج المورد تحت القضيّة الارتكازيّة العقلائيّة لا الشّرعيّة المحضة، كما يشهد به تطبيقها على موارد متعدّدة غير المورد في غير الرّواية من الرّوايات الآتية، و التّعبير بلا ينبغي في صحيحة زرارة (1) الثّانية، و تعليل الحكم بالمضي على اليقين بها و ما يرادفها في روايتي محمد بن مسلم‏ (2) الآتيتين، و بعد تعليله بأمر تعبّدي محض، كما لا يخفى، و هذه الأمور كما ترى موجبة لقوّة ظهورها في العموم و عدم اختصاصها بباب الوضوء، كلماتهم (عليهم السلام) بمنزلة كلام واحد سيّما إذا كانت صادرة عن واحد، و كانت عبارة واحدة.

هذا، مع انّ ظهور «فانّه على يقين- إلخ‏ (3)-» في التّقييد ممنوع، فانّه مبنىّ على أن يكون من وضوء متعلقا باليقين و ليس ببعيد ان يكون متعلّقا بالظرف و كان المعنى: فانّه يكون على يقين من طرف وضوئه فتأمّل.

و أمّا احتمال انّه ذكر توطئة و تمهيداً للجزاء المستفاد من قوله (عليه السلام) «لا تنقض اليقين‏ (4)» لا انّه علّة سدّت مسدّ الجزاء، فبعيد جدّاً، بل لا وجه له بعد ملاحظة انّ قضيّة «لا

____________

(1)- وسائل الشيعة: 2- 1006

(2)- وسائل الشيعة: 2- 1006 و 1010

(3)- وسائل الشيعة: 1- 175

(4)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

304

تنقض اليقين» في غير واحد من الرّوايات جعلت علّة للحكم بالمضي مع الشّك، لا نفس الحكم بالمضي كما لا يخفى.

ثمّ لا يذهب عليك انّه على تقدير ذلك، أي كون «فانّه على يقين» للتّمهيد لا مجال للاستدلال بهذه الرّواية (1) على حجّية الاستصحاب كليّة في هذا الباب، فضلاً عن سائر الأبواب، بل في خصوص ما إذا شكّ في حدث النّوم، بداهة عدم ترتّب حرمة نقض اليقين بالوضوء بالشّك في غير حدث النّوم على ما إذا لم يكن النّوم يبين فضلا عن حرمة نقض اليقين بغيره. اللّهم إلاّ أن يلغى خصوصيّة النّوميّة، و معه ليس إرادة خصوص ما يوجب الشّك في الوضوء بأظهر من إرادة مطلق ما يوجب الشّكّ في الشّي‏ء، بل دعوى أظهريّته من باب الحكمة بعد إلغاء الخصوصيّة بالقرينة ليست بمجازفة، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): كان الظّاهر بقرينة المقام- إلخ-.

و ذلك لأنّ الإمام (عليه السلام) في مقام تقريب حكم حرمة النّقض بالشّك في النّوم، و لا يكاد أن يتمّ إلاّ بالعموم، فانّ القضيّة مع سلبه بحكم الجزئيّة و هو منتجة؛ و قد انقدح عدم صلاحية التّعليل بدونه. و أمّا وجه قرينيّته قوله «أبداً» فهو لأجل انّ تأكيد الكلام بمثله انّما هو لاقتضاء المقام زيادة توضيح للمرام، و هو مع سلب العموم يزيد الإبهام.

قوله (قده): لكن عدم نقض ذلك اليقين بذلك الشّك- إلخ-.

هذا إشكال على الرّواية (2) على هذا الاحتمال، حاصله انّ وجوب الإعادة لليقين بوقوع الصّلاة في النّجاسة بعدها، و القطع بفقد شرطها لا يكون نقضاً لليقين بالطّهارة بالشّك فيها، بل باليقين بارتفاعها حال الصّلاة، و اقتضاء الأمر الظّاهري للإجزاء لو قلنا به لا يوجب حسن التّعليل بذلك كما ربّما يتخيّل، بداهة انّ عدم الإجزاء و لزوم الإعادة لا يوجب أن يكون ذلك نقضا لليقين بالشّكّ بل باليقين، كما أن كون الإجزاء و عدم الإعادة من آثار الطّهارة الواقعيّة لا يوجب ذلك أي الإعادة، و عدم الإجزاء نقضاً له بالشّك فيها بل باليقين بارتفاعها، فلا مجال أصلاً لما ذكره من الدّعوى.

و أمّا ما أفاده (قده) في دفعها، فانّما يتوجّه عليها ما قرّره من كون الإجزاء و عدم الإعادة

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175

(2)- وسائل الشيعة: 2- 1006

305

من آثار الطّهارة الواقعيّة، لكن يمكن تقريرها على نحو لا يتوجّه عليها ما أفاده (قده) بأن يقال: بأنّ الإجزاء و عدم الإعادة و إن لم يكونا من آثارها شرعاً. بل عقلاً كما أفاده، إلاّ انّهما ليسا من آثار خصوص الطّهارة الواقعيّة، بل من آثارها لو كانت جعليّة، فانّ قضيّة التّعبّد بها بالاستصحاب و غيره، و كذا غيرها من الإجزاء و سائر الشّروط هو الاكتفاء بها في مقام الامتثال ما لم ينكشف الخلاف، و لازمه عقلاً الإجزاء بسقوط الإعادة و القضاء بلا إشكال، فيكون الإجزاء كوجوب الإطاعة من الآثار العقليّة الّتي يكون موضوعها الحقيقي ما يعمّ الأمر الجعلي، و ما قرع سمعك من انّ ترتيب الآثار العقلي لا يكون إلاّ على القول بالأصل المثبت، فهو ليس إلاّ إذا كان الأثر لنفس المستصحب، و قد أريد ترتيبه عليه بالاستصحاب لا فيما إذا كان موضوعه واقعاً أعمّ من الواقعي و الجعلي، فافهم و لا تشتبه.

إن قلت: هب إن الاستصحاب بالنّسبة إلى ترتيب مثل هذا الأثر العقلي ليس بمثبت، لكنّه إذا صحّ جريانه في نفسه، و لا يكاد أن يصحّ في أمثال المقام ممّا ليس المستصحب بحكم شرعيّ و لا موضوع له. و من المعلوم انّ الجزء و الشّرط ليسا بحكم شرعيّ، و هو واضح، و لا بموضوع له على ما هو التّحقيق من عدم كون الأحكام الوضعيّة مجعولة.

قلت: الجزئيّة و الشّرطيّة و المانعيّة، و إن لم يكن كسائر الأحكام الوضعيّة بمجعولة بالاستقلال على ما سيأتي تفصيل الحال فيها إن شاء الله تعالى، إلاّ انّها لمّا كانت مجعولة بالعرض و يتطرق يد التّصرف شرعاً إليه رفعاً و وضعاً بحسب الواقع و لو بتبع وضع التّكليف و رفعه، كان ذلك يكفي في صحة جعلها رفعا و وضعا في صورة الشّك بمثل دليل الاستصحاب فيكون مثل دليله حاكماً على أدلّة الأجزاء و الشّروط عند الشّك في وجودها، فيوسعها تارة، و يضيقها أخرى، فافهم و تدبّر جيّداً.

و إن أبيت إلاّ عن عدم صلاحية الوضع للرّفع و الوضع تعبّداً، فلا ريب في انّ الحكم التّكليفي الّذي يكون منشأ لانتزاعه صالحاً لذلك، فيوسع دائرة موضوعه تارة، و يضيق أخرى و يتبعه الوضع كما لا يخفى، فيحكم مثل دليل الاستصحاب على دليله، و يحكم بلحوق مسبوق الوجود من الأجزاء بالموجود، و مسبوق العدم بالمعدوم، فتدبّر جيّداً.

فالصّواب في الجواب عن الدّعوى، ما أشرنا إليه من انّ لزوم الإعادة على من تيقّن بأنه صلّى في النّجاسة ليس نقضاً لليقين بالشّك بل باليقين، و لا يتفاوت في ذلك اقتضاء الأمر الظّاهري للاجزاء و عدمه، كما لا يخفى.

و التّحقيق في حل الإشكال أن يقال: انّ الطّهارة الخبثيّة ليست بشرط واقعي للصّلاة كالطهارة الحدثيّة يدور صحتها و فسادها مدارها وجوداً و عدماً، بل شرط علمي بمعنى انه‏

306

يكفي في صحّة الصّلاة واقعاً مجرّد إحرازها و لو بأصل معتبر إذا التفت إليها. و بعبارة أخرى يعتبر في الصّلاة واقعاً إحرازها لانفسها مع الالتفات إليها، و بدونه لا يعتبر أصلاً.

و لا يخفى انّ وجود إعادة الصّلاة مع الشّك في الطّهارة حين إرادة الدّخول فيها الناشئ من ظنّ إصابة النّجاسة ليس الانقضاء لليقين قبل الظّنّ بالإصابة إلاّ بالشّكّ فيها، و إلاّ كانت الصّلاة واجدة لشرطها الواقعي و هو إحرازها بالاستصحاب و حرمة نقض اليقين بها بالشّك و لو انكشف الخلاف و وقوعها مع النّجاسة، و معه لا وجه لإعادتها إلاّ كونها فاقدة للطّهارة الواقعيّة و هو لا يوجبها، و إلاّ يلزم اشتراطها و هو خلف.

و بالجملة لا وجه لبطلان الصّلاة و وجوب الإعادة فيما إذا علم وقوعها في نجاسة ظنّ قبل الصّلاة بإصابتها إلاّ لأجل عدم حرمة نقض اليقين بالطّهارة بالشّكّ فيها بظنّ إصابتها، بداهة صحّتها واقعاً مع حرمة النّقض لوجود الشّرط كذلك، فصحّ تعليله عدم وجوب الإعادة بأنها نقض لليقين بالشّكّ و سقط الإشكال بأنّها نقض له باليقين؛ و ظهر انّه لا يكاد أن يكون إلاّ بالخلف.

إن قلت: لا مجال لإحراز الطّهارة على هذا الفرض، أي كون إحرازها شرطاً لأنفسها بالاستصحاب للزوم كون المستصحب كما أشرت إليه حكما شرعيّا أو موضوعاً له، و ليست الطّهارة لحكم شرعيّ، و لا له حكم شرعي، إذ الشرطيّة لو سلّم شرعيّتها حسب ما حققت و كفايتها في الباب، إلاّ أنّها ليست من آثارها بل من آثار إحرازها؛ و من الواضح أنّه لا بدّ في صحّة الإحراز بالاستصحاب من أثر شرعيّ مترتّب على المستصحب.

قلت: نعم، الأمر كما ذكرت لو لم يكن اعتبار الاشتراط للطّهارة الواقعيّة أولا، بل كان لإحرازها من رأس، و ليس كذلك بل الشّرط بحسب الأدلّة على أصل الاشتراط و هو الطّهارة بنفسها و الاكتفاء بإحرازها و لو بعد انكشاف الخلاف بعد الصّلاة، انّما هو بمثل هذه الرّواية (1) ممّا دلّ على الإجزاء و لعلّ ذلك توسعة بعد اعتبار الاشتراط لها قد اقتضته حكمة التّسهيل لكثرة الابتلاء بالنّجاسة، و لا يعتبر في صحّة الاستصحاب إلاّ أن يكون المستصحب ذا أثر شرعيّ بحسب الدّليل يترتّب عليه باستصحابه ما لم ينكشف الخلاف، فيحكم بصحّة الصّلاة مع استصحاب الطّهارة لكونها واجدة تعبّداً لما هو شرطها واقعاً، لا لكونها واجدة له حقيقة.

إن قلت: غاية الأمر أنّه يصحّ ذلك ما لم ينكشف الخلاف، و معه لا يكاد أن يصحّ‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 2- 1006

307

استناد الصّحة و عدم الإعادة إلى الوجدان‏ (1) ما هو الشّرط واقعاً و هو إحرازها، كما لا يخفى. و قضيّة ذلك أن يعلّل في الرّواية (2) عدم إعادة الصّلاة بعد انكشاف وقوعها في النّجاسة، بكونها واحدة حقيقة لإحراز الطّهارة، لا لها تعبّداً كما هو قضيّة استصحابها.

و بعبارة أخرى ينبغي أن يعلّلها بأنه كان هناك في حال الصّلاة استصحابها، لا انّها كانت في ذلك الحال تعبّداً باستصحابها كما هو ظاهر الرّواية على ما لا يخفى، و الفرق بينهما دقيق يظهر بالتّأمّل.

قلت: التّعليل فيها إنّما هو بملاحظة حال الاتكال الاستصحاب و هو قبل الدّخول في الصّلاة، لا بملاحظة هذا الحال، أي الانكشاف بعد الصّلاة، و لا يصحّ الاستناد بملاحظة ذاك الحال إلاّ إلى تحققها في الواقع تعبّداً، لا إلى نفس الحكم بتحقّقها و إن كان يحتمل في ذلك‏ (3) الحال أن يكون الصّحة مستندة إلى نفس هذا الحكم، كما علم ذلك بعد انكشاف الخلاف؛ و ذلك لما عرفت من انّ الشّرطيّة بحسب دليلها انّما كانت لها، فلا وجه للتّعليل بغيره ممّا ليس في مرتبته ما دام إليه سبيل، فيحسن تعليل عدم الإعادة بما هو قضيّة الاستصحاب بذاك اللّحاظ كما فعل الإمام (عليه السلام) في المقام لا بنفس الاستصحاب، فافهم فانّه دقيق.

فإن قلت: بناء على ذلك يكفي الشّك فيها لإحرازها بقاعدة الطّهارة و لو لم نقل بحرمة نقض اليقين بالشّك، و لذا يحكم بصحّة الصّلاة و لو لم يكن يقين بالطّهارة سابقاً مع الشّكّ فيها إذا لم يكن هناك مانع عن جريان قاعدتها كما إذا اعلم إجمالاً بالنّجاسة، فلا وجه‏ (4) تصحّ تعليل صحّة الصّلاة في هذه الصّورة بكون الإعادة نقضاً له بالشّكّ أيضاً، حيث انّه لا إعادة و لو لم يكن حرمة النّقض.

قلت: لمّا لم يكن مجال للقاعدة في مجاري الاستصحاب أصلاً و لو كانت موافقة له، لحكومة عليها مطلقا على ما يأتي بيانه، لا يصحّ التّعليل في مورده‏ (5) إلاّ به، فتدبّر جيّداً.

____________

(1)- خ ل: وجدانها له واقعا.

(2)- وسائل الشيعة: 2- 1006

(3)- خ ل: ذاك.

(4)- خ ل: فلا يصح.

(5)- خ ل: مورد.

308

قوله (قده): و هذا الوجه سالم ممّا يرد على الأوّل- إلخ-.

لا يخفى انّه يرد عليه بعينه ما أورده على الأوّل، لأن الصّحة الواقعيّة و عدم الإعادة للصّلاة ليست من الآثار المجعولة للطّهارة، بل من الآثار العقليّة الغير المجعولة لها، حسب ما أفاده في دفع الدّعوى، فلا يحسن تعليل عدم الإعادة بكونها نقضاً لليقين بالطّهارة بالشّكّ كما لا يخفى.

و أمّا إذا كانت من الشّرائط العلميّة كما هو كذلك نصّاً و فتوى، فلأنّ سقوط الإعادة حينئذ ليس لكونها نقضا لليقين بالشّك، بل لاقتضاء الأمر الواقعي للاجزاء عقلاً، كيف و لو لم يكن حرمة النّقض كانت الإعادة ساقطة فيما إذا لم يحتمل النّجاسة، بل لو احتملها أيضاً، لقاعدة الطّهارة و إلاّ يلزم امّا عدم اقتضاء الأمر الواقعي للإجزاء، و هو محال، و إمّا عدم كون الطّهارة شرطاً علميّاً إحرازيّاً، و هو خلف، مع انّه خلاف الواقع. و امّا عدم حجّية القاعدة و هو واضح البطلان، فلا يحسن التّعليل بذلك على الوجهين، و لا يرفع غائلته إلاّ بما حقّقناه في الحاشية السّابقة، و قد عرفت به حسن التّعليل بكون الإعادة نقضاً و لو مع كون الطّهارة شرطاً علميّاً، بل عدم صحّة التّعليل بغيره لا بالقاعدة و لا باقتضاء الأمر الواقعيّ للإجزاء، حسب ما عرفت شرحه بما لا مزيد عليه.

ثمّ لا يخفى انّ هذا الوجه إنّما ينطبق على الاستصحاب بناء على عدم ارتفاع توهّم النّجاسة بعدم الظّفر بعد الفحص و النّظر، و إلاّ فيمكن تطبيقه على قاعدة اليقين بأن يراد من اليقين، اليقين الناشئ بعد ظنّ الإصابة من الفحص و اليأس، و الشّك على هذا الاحتمال بالنّسبة إليه سار بلا إشكال، و لا يبقى معه مجال للاستدلال بها على الاستصحاب إلاّ أن يمنع من حصول اليقين عادة بمجرّد النّظر بها مطلقا، بل يختلف الحال بحسب اختلاف أحوال النّظر و النّاظر، و المنظور إليه كما لا يخفى، فلا وجه لإرادته بلا قرينة، و لعلّ ذا وجه انّه لم يلتفت إليه، فالتفت.

قوله (قده): حتّى يكون حاصل الجواب- إلخ-.

لا يخفى أنّ ظاهره (قده) صحّة الاستدلال على حجّية الاستصحاب في غير الباب من ساير الأبواب على تقدير أن يكون البناء على الأقلّ حاصل الجواب. و فيه نظر بل منع، فانّ الظّاهر انّ قوله (عليه السلام) «و لا تنقض اليقين‏ (1)» و ما عطف عليه انّما ذكر تأكيداً لقوله‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

309

«قام- إلخ-» و حمله على العموم، فيكون بمنزلة العلّة يأباه بعض الفقرات مثل قوله (عليه السلام) «و يتمّ على اليقين و يبنى عليه‏ (1)» لوضوح إرادة معنى واحد من اليقين في جميع الفقرات، و وضوح إرادة اليقين في خصوص الصّلاة من تلك الفقرة، كما لا يخفى.

و أمّا قوله (عليه السلام) «لا يعتدّ بالشّك‏ (2)- إلخ-» فلا ظهور له في إرادة مطلق الشّكّ، و لا مطلق حالات المكلّف لو لم نقل بظهوره في إرادة خصوص الشّك في مفروض السّؤال، و خصوص الحالات الّتي ربّما يتوهّم اختلاف الحكم باختلافها، ليكون مؤكّداً للفقرات السّابقة، مع احتمال إرادة مطلق الشّك في عدد الرّكعات، فيكون قاعدة كلّيّة في هذا الباب، فالأولى بل الصّواب عدّ الرواية في عداد الرّوايات الواردة في الموارد الخاصّة.

قوله (قده): و أمّا احتمال كون المراد من عدم نقض اليقين- إلخ-.

لا يخفى انّ قضيّة الاستصحاب لزوم البناء على عدم الوقوع، و لزوم الإتيان بركعة أخرى موصولة، لا عدم جواز البناء عليه؛ كيف و هذا المقدار لا ينافي إيجاب الاحتياط، إذ معه لا يجوز البناء أيضاً على الوقوع فلا يجدى البناء على هذا الاحتمال في صحّة الاستدلال بالرّواية (3) على الاستصحاب.

نعم يمكن أن يقال ليس قضيّة الاستصحاب و حرمة نقض اليقين مطلقا ترتيب جميع الآثار الواقع، كي كان قضيّته هنا إتيان ركعة موصولة، كما هو مقتضى عدم الإتيان بالرّكعة المشكوكة، بل ذلك قضيّة إطلاق دليله و قد قيّد ببيان كيفيّة الإتيان في الرّواية، فيكون لزوم البناء على عدم الوقوع بلحاظ خصوص أثر لزوم الإتيان بالرّكعة، لا بلحاظ تمام آثاره.

و لا يخفى انّ حملها على هذا لا يستلزم إلاّ التّقييد بالقرينة، بخلاف حملها على التّقيّة من دون أماراتها، بل دلالة صدرها على خلافها، أو حملها على ما أفاده من المعنى، فانه خلاف ما هو المعهود منها من المعنى في سائر الرّوايات.

ثمّ انّ الحمل على هذا المعنى لا يستلزم استفاده كيفيّته المقصودة من بقيّة فقراتها فيورد عليه بمخالفته لظاهر سائر الفقرات، كما أورده (قده) على الاحتمال، فإنّ الظّاهر اتّحاد

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 321- ح 3

(2)- وسائل الشيعة: 5- 321- ح 3

(3)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

310

معنى اليقين و الشّك فيها و انّما أتى بها تأكيداً أو تأييداً، لا لبيان كيفيّة ما ألزم عليه بقوله (عليه السلام) «قام‏ (1) فأضاف إليها أخرى و لا شي‏ء عليها و لا تنقض اليقين بالشّك» فانّه مستلزم لإرادة المتيقن و المشكوك في قوله (عليه السلام) «و لا يدخل اليقين- إلخ‏ (2)-» و سائر الفقرات، بل استفادة هذه الكيفيّة إمّا من تعيين الفاتحة في صدر الرّواية أو لسائر الرّوايات الواردة في بيان ذلك.

فتلخّص ممّا ذكرنا انّه لا مانع من حملها على ما هو المعهود الظّاهر من معنى هذه العبارة في سائر الرّوايات إلاّ لزوم التّقييد و هو غير بعيد، لأنّه خفيفة المئونة مع القرينة لا يزاحمه غيره من سائر الأحوال عند الدّوران، فيوجب الإجمال المانع عن الاستدلال، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): لاحتمال إرادة

(3)

إيجاب العمل بالاحتياط- إلخ-.

لا يخفى انّ مجرّد كون عدد الاحتمال فيها أكثر، لا يوجب كونها أضعف دلالة من الرّواية الآتية (4) و كونها أظهر، و إنّما يوجبه لو لم يكن بين احتمالاتها تفاوت قوّة و ضعفاً، و احتمال إيجاب العمل بالاحتياط فيها في غاية الضّعف، ضرورة ظهورها في اتّحاد متعلّق اليقين و الشّك فيها، و على الاحتمال لا بدّ من تعددهما كما لا يخفى؛ و حينئذ فدعوى ظهورها في تحقّق اليقين الّذي ألزم بالبناء عليه في هذا الحال لا بما زال، فيكون ظاهرة في الاستصحاب لا في القاعدة، فانّه فيما يزال غير بعيدة، بخلاف تلك الرّواية (5) فانّها ظاهرة في اختلاف اليقين و الشّكّ بحسب الزّمان، و لا يعتبر ذلك في الاستصحاب و لا بدّ منه في قاعدة اليقين، فيكون ظاهرة فيها لو لا دعوى انّ المتعارف في التّعبير عن مورد الاستصحاب، ذلك امّا لكون الغالب في موارده سبق حدوث اليقين على الشّكّ، و إمّا لأجل لحوق هذا التّقدم بالعرض و يتبع متعلّقه، كما يقال: كنت على يقين من عدالة زيد فشككت الآن فيها، و يراد انّه الآن كما كان على يقين من عدالته قبل هذا اليوم مثلاً و قد شكّ في عدالته‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 321- ح 3

(2)- وسائل الشيعة: 5- 321- ح 3 و التهذيب: 4- 159

(3)- في (عليه السلام): لاحتمالها لإرادة ...

(4)- وسائل الشيعة: 1- 175

(5)- وسائل الشيعة: 1- 175

311

في اليوم.

و منه قد انقدح انّ ظهورها في اتّحاد الشّك و اليقين بحسب المتعلّق انّما هو في الاتّحاد فيه ذاتاً و زماناً، و بهذا الاتّحاد يجمع بين الحقّين و يوفق بين الظّهورين في مثل «لا تنقض اليقين بالشّك‏ (1)» ظهورها في اجتماع النّاقض و المنقوض في الوجود و ظهوره في اتّحاد المتعلّق فيهما كما في مورد الاستصحاب؛ و امّا في القاعدة فلا اجتماع لهما في الوجود، و من هنا يمكن دعوى ظهوره فيه و لو مع الإغماض عن وروده مورده في غير رواية.

هذا، و قد يؤيّد ذلك بتعليل الحكم بوجوب المضي فيها بقوله (عليه السلام) «فانّ الشّك لا تنقض اليقين‏ (2)» إذا المعهود من حرمة النّقض بالشّك في غير واحد من الرّوايات، انّما هو مورد الاستصحاب، و ظهور مثل تركيب «من كان على- إلخ-» في يقين زال و تبدّل بالشّك في الحال، فانّما هو مع الجمود على ما هو قضيّة أصل اللّغة، مع الإغماض عمّا هو المتعارف في التّعبيرات و عن قرينة مثل التّعليل في الرّواية بتلك القضيّة المعهودة منها إرادة الاستصحاب في غير رواية، كما عرفت.

و لا يخفى جميع ما ذكرنا في هذه الرّواية في الرّواية الأخرى حتّى التّأييد بالتّعليل، فانّ الظّاهر اتّحاد التّعليل فيهما بحسب المراد، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): انّ الظّاهر تجريد متعلّق اليقين- إلخ-.

الظّاهر انّ مراده (قده) التّجريد بحسب اللّفظ من التّقييد، مع كونه مراداً مستفاداً من إطلاقه و عدم بيان زمانه مع تقييد اليقين و تعيين زمانه، فانّ إطلاقه مع مقام بيانه يقتضى هاهنا تقييده و انّه يشارك اليقين في زمانه، و انّما جرّد مع ذلك لئلا يصير ظاهراً في انّه كذلك يكون متعلّقاً للشّك، فيصير ظاهراً في قاعدة اليقين، بل صار ظاهراً في تعلّقه به مجرّداً مع تقييده و تعيين زمانه المقتضى لاشتراكه معه في ذلك، لما أشرنا إليه آنفاً في اليقين و متعلّقه، كي يظهر بذلك في الاستصحاب، لا انّ مراده (قده) من التّجريد الإهمال بحسب المراد أيضاً، بأن لم يلحظ الزّمان في المتعلّق أصلاً، فانّه لو لوحظ معه تعلّق الشّكّ به على نحو تعلّق اليقين بلا لحاظ الزّمان، فلا ينطبق إلاّ على قاعدة اليقين، و لو لم يلحظ كذلك، بل لوحظ تعلّقه به في الجملة من دون تعيينه و ان كان معيّناً عنده، فلا يكون دليلاً على‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 6

312

واحد منها لاحتمال كلّ منهما لو كان معيّناً عنده، و عدم احتمال واحد منهما لو لم يكن له تعيّن أصلاً، لاحتياج جعل كلّ واحد منهما واقعاً إلى لحاظ، و لا لحاظ و لا تعيين في البين على الفرض.

ثمّ لا يخفى انّ ضعف سند الرّواية (1) لا يضرّ بالاستدلال بها بعد وقوع مورد الاستدلال منها في الصّحاح، و يمكن أن يكون أمره بالتّأمّل إشارة إليه، كما يمكن أن يكون إشارة إلى انّ تضعيف التّضعيف بما ذكره من الاستناد إلى تضعيف ابن الغضائري لا وجه له، فانّ تضعيفه لو لم يوجب قدحاً لا يوجب مدحاً، فيكون قاسم بن يحيى مجهول الحال، فالرّواية ضعيف السّند على كلّ حال، فلا تغفل.

قوله (قده): و فيها دلالة واضحة على انّ وجه- إلخ-.

يمكن منع وضوح الدّلالة، إذ احتمال انّ عدم الاستيقان هو تمام العلّة للحكم بالطّهارة، و انّما ذكر خصوصيّة المورد لبيان تحققها فيه لأجل انّها من خصوصيّاتها المنطبقة عليها، لا لخصوصيّة في خصوصيّة ليس ببعيد، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): نعم إرادة القاعدة و الاستصحاب معاً يوجب- إلخ-.

إرادتهما انّما يوجب ذلك لو كان كما أفاده (قده) بأن يراد من المحمول فيها تارة أصل ثبوته، و أخرى استمراره بحيث كان أصل ثبوته مفروغا عنه، و كذلك الحال في الغاية، فجعلت غاية للحكم بثبوته مرة، و للحكم باستمراره أخرى. و أمّا إذا أريد أحدهما من المغيا و الآخر من الغاية، فلا توضيح، ذلك انّ قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء طاهر (2)» مع قطع النّظر عن الغاية بعمومه يدلّ على طهارة الأشياء بعناوينها الواقعيّة كالماء و التّراب و غيرهما، فيكون دليلا اجتهاديّاً على طهارة الأشياء و بإطلاقه بحسب حالات الشّي‏ء الّتي منها حالة كونه بحيث يشتبه طهارته و نجاسته بالشّبهة الحكميّة أو الموضوعيّة تدلّ على قاعدة الطّهارة فيما اشتبه طهارته كذلك و إن أبيت إلاّ عن عدم شمول إطلاقه لمثل هذه الحالة الّتي في الحقيقة ليست من حالاته، بل من حالات المكلّف و إن كانت لها إضافة إليه، فهو بعمومه لما اشتبهت طهارته لشبهة لازمة له لا ينفك عنه أبداً، كما في بعض الشّبهات الحكميّة

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175

(2)- مستدرك الوسائل: 1- 164

313

و الموضوعيّة يدلّ بضميمة عدم الفصل بينه و بين سائر المشتبهات على طهارتها كلّها، و إلاّ يلزم تخصيصه بلا مخصّص، ضرورة صدق عنوان الشّي‏ء على هذا المشتبه كسائر الأشياء بلا تفاوت أصلاً كما لا يخفى، و ليس التّمسّك به فيما اشتبه طهارته موضوعاً تمسّكاً بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة، لأنّ التّمسّك به إنّما هو لأجل دلالته على القاعدة و حكم المشكوك على ما عرفت، لا لأجل دلالته على حكم الشّي‏ء بعنوانه الواقعي، كي يلزم تخصيصه من هذه الحيثيّة بنجاسة (1) بعض العناوين أو بعض الحالات.

و لا منافاة بين جواز التّمسّك به للحكم بطهارة المشتبه من جهة، و عدم جوازه من جهة أخرى، كما لا يخفى، و لا ضير في اختلاف الحكم بالنّسبة إلى أفراد العامّ و صيرورته ظاهريّاً بالنّسبة إلى بعضها، و واقعيّاً بالإضافة إلى بعضها الاخر، لأنّ الاختلاف بذلك انّما هو من اختلاف أفراد الموضوع، لا من جهة الاختلاف في معنى المحكوم به، بل هو بالمعنى الواحد و المفهوم الفارد يحمل على ما هو واحد يعمّ تلك الأفراد على اختلافها، كما هو أوضح من أن يخفى؛ فلا محال لتوهّم لزوم استعمال اللّفظ في المعنيين من ذلك أصلاً، فعلى ذلك يكون دليلاً بعمومه على طهارة الأشياء بما هي بعناوينها و بما هي مشتبه حكمها مطلقا بضميمة عدم الفصل في المشتبهات بين ما يلزمه الاشتباه و بين ما لا يلزمه الاشتباه، فلا حاجة في دلالته على قاعدة الطّهارة، إلى ملاحظة غايته.

نعم بملاحظتها يدلّ على الاستصحاب، بيانه أنّ قضيّة جعل العلم بالقذارة الّتي ينافى الطّهارة غاية لها في الرّواية (2) هو بقاؤها و استمرارها ما لم يعلم بالقذارة، كما هو الشّأن في كلّ غاية، غاية الأمر انّ قضيّتها لو كانت من الأمور الواقعيّة هو استمرار المغيا و بقاؤه واقعاً إلى زمان تحقّقها، و يكون الدّليل عليها دليلاً اجتهاديّاً على البقاء و لو كانت هي العلم بانتفاء المغيا هو بقاؤه و استمراره تعبّداً إلى زمان حصولها، كما هو الحال في الغاية هاهنا، فيكون بملاحظتها دليلاً على استمرار الطّهارة تعبّدا ما لم يعلم بانتفائها، و لا نعنى بالاستصحاب إلاّ ذلك، كما لا يخفى، فدلّ بما فيه من الغاية و المغيا على ثبوت الطّهارة واقعاً و ظاهراً على ما عرفت على اختلاف أفراد العامّ، و على بقائها تعبّدا عند الشّك في البقاء من دون لزوم محذور استعمال اللّفظ في المعنيين، إذ منشأ توهّم لزومه ليس إلاّ توهّم أنّ إرادة (3) ذلك من قوله «كلّ شي‏ء طاهر (4)» لا يكاد أن يكون إلاّ بإرادة الحكم على كلّ‏

____________

(1)- في (عليه السلام): على نجاسة.

(2)- وسائل الشيعة: 2- 1054 (مع تفاوت يسير).

(3)- في (عليه السلام): إرادته.

(4)- مستدرك الوسائل: 1- 164

314

شي‏ء بثبوت أصل الطّهارة ما لم يعلم قذارته و الحكم باستمرار طهارته المفروغة عنها أيضا ما لم يعلم قذارته باستعمال لفظ طاهر، و إرادة كلا الحكمين منه.

و قد عرفت أنّ استفادة مفاد القاعدة من إطلاقه أو عمومه بضميمة عدم الفصل، من غير حاجة إلى ملاحظة الغاية، و استفادة مفاد الاستصحاب من الغاية من جهة دلالتها على استمرار المغيا كما هو شأن كلّ غاية، إلاّ انّها لمّا كانت هي العلم بانتفاء المغيا، كان مفاده استمرار تعبّداً، كما هو الشّأن في كلّ مقام جعل ذلك غاية للحكم من غير حاجة في استفادته إلى إرادته من اللّفظ الدّالّ على المغيا، و إلاّ يلزم ذلك في كلّ غاية و مغيا كما لا يخفى، مثلاً الماء طاهر حتّى يلاقي النّجس لا بدّ أن يراد منه على هذا طاهر بمعنى ثبوت الطّهارة و بمعنى استمرارها كليهما، مع انّه ليس بلازم لاستفادة الاستمرار من نفس الغاية، كما لا يخفى، فلم لا يكون الحال في هذه الغاية على هذا المنوال.

إن قلت: إن التّفاوت بين مثلها و سائر الغايات الّتي يكون من الأمور الواقعيّة يوجب لزوم ذلك فيها دونها، و ذلك لأنّ الغاية إذا كانت أمراً واقعيّاً يدلّ على امتداد نفس المغيا جدّاً و استمراره واقعاً كما لا يخفى، بخلاف ما إذا كانت هو العلم بانتفائه، فانّه لا دلالة لها على استمرار المغيا و امتداده بنفسه و بمعناه الحقيقي، و إلاّ لم يكن باستمرار تعبّدي؛ فلا بدّ أن يراد من اللّفظ الدّالّ على المغيا ما يناسب ذلك من المعنى بأن يراد من لفظ «طاهر» في الخبر مثلاً، مستمر طهارته الظّاهريّة، و يكون فائدة الغاية بيان الغاية بالاستمرار و نهاية الامتداد، فإذا أريد منه مع ذلك، الحكم بثبوت أصل الطّهارة، يلزم استعمال اللّفظ في المعنيين لا محالة.

قلت: الاستمرار التّعبّدي إنّما يستفاد من نفس جعل الغاية هو العلم بارتفاع المغيا مع بقاء لفظه على معناه الحقيقي الواقعي، إذ لا منافاة بين كونه حقيقيّاً واقعيّاً و كون استمراره تعبّديّاً محضاً، فالاستمرار بحدّه و بغايته يستفاد من مجرّد الغاية، كما يستفاد من ساير الغايات بلا تفاوت في البين يوجب استعمال اللّفظ في المعنيين فيها، و إن كانت خصوصيتها موجبة لكون الاستمرار المستفاد عنها ظاهريّاً لا واقعيّاً، بخلافها.

فقد تلخّص بما حقّقناه أنّ إرادة المعاني الثّلاثة، أي مفاد الدّليل الاجتهادي و القاعدة و الاستصحاب من مثل الخبر ممكن من دون لزوم استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد،