درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
315

فتأمّل في المقام، فانّه من مزالّ الأقدام للاعلام.

هذا كلّه في إمكانه، و لا يبعد دعوى ظهوره فيه أيضاً، لما أشرنا إليه في بيان إمكانه من أنّ المفهوم من الغاية و العموم ظاهراً هو إرادة ثبوت الطّهارة و استمرارها تعبّداً و لا صارف عن ذلك، إلاّ أن يدّعى انّ مثل هذه العبارة عرفاً ظاهر في إثبات الحكم لما اشتبه حكمه، و يكون الغاية في الحقيقة لمجرّد بيان ذلك و إن كانت بحسب الصّناعة من توابع المحمول، لكنّه لا شاهد عليه، بل حال الغاية فيها حال سائر الغايات في ظهورها في أنّها لبيان استمرار المحكوم به إلى زمان تحقّقها و لا خصوصيّة لها إلاّ ما يوجب لأجله كون الاستمرار فيها تعبّديّاً دونها، و ذلك لا يقتضى أن يكون المغيا كذلك، و الظّاهر أنّه ليس منشأ توهّم ذلك إلاّ استدلال الأصحاب بمثلها على قاعدة الطّهارة و مثلها و هو أعمّ من ذلك، كما لا يخفى.

فانقدح بذلك أنّ صاحب الفصول (قده) إن أراد استفادة الأصلين من الرّواية (1) بالتّقريب الّذي بيّناه، لا يرد عليه ما أورده (قده)، و إن أراد استفادته بنحو يتراءى من ظاهر كلامه، و قد أشرنا إليه و هو استفادة كلّ أصل من الأصلين من مجموع الكلام، فما وجه عليه وارد لا محالة، إلاّ انّه بعيد أن يخفى على مثله مع وضوح وروده؛ فالظّاهر انّه أراد دلالة الرّواية على أحد الأصلين بعمومها أو إطلاقها و على الآخر بغايتها، فأراد بقوله «أحدهما ان الحكم الأولى- إلخ-» انّ الأشياء الّتي لا يعلم نجاستها داخلة في عموم «كلّ شي‏ء (2)» أو إطلاقه، و بقوله الثاني «انّ هذا الحكم- إلخ-» انّ هذه الطّهارة المحكوم بها مستمرة، أي محكومة تعبّداً بالاستمرار عند الشّكّ في بقائها و ارتفاعها للشّك في إزالة الطّاري أو طروّ المزيل، فلا يتوجّه عليه ما أورد بقوله «ليت شعري- إلخ-».

هذا، مع انّه لا وجه لتشقيقه و الإيراد على كلّ شقّ بغير ما وجّهه على الآخر، بل يرد على كلّ شقّ ما وجّهه على الآخر، بداهة انّ الحكم الواقعي أيضاً يستمرّ إلى زمن نسخه و أنّ الطّهارة الظّاهرية و لو بقاعدتها كذلك، فهي أيضاً مستمرّة في الظّاهر إلى زمن العلم بالنّجاسة، فيكون الكلام مسوقا إلى آخر ما أفاده (قده)، مع انّه لا يدّعى انّ الكلام على هذا كان بياناً للقاعدة، بل يدّعى انّه لبيانها أيضاً، فلا يتوجّه عليه إشكال استعمال اللّفظ في المعنيين، فافهم، فالوجيه التّوجيه عليه بأنّه إن أريد من هذه الحكم حكم الشّارع‏

____________

(1)- مستدرك الوسائل: 1- 164

(2)- مستدرك الوسائل: 1- 164

316

بالطّهارة واقعاً أو ظاهراً، فهو لا محالة مستمرّ إلى زمن نسخه، و إن أريد منه الطّهارة المحكوم بها كذلك، فهو مستمرّ ظاهراً عند الشّكّ في طروّ المزيل و إزالة الطّاري، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): إلاّ انّ الاشتباه- إلخ-.

لا يخفى أنّ قلّة الاشتباه من غير هذه الجهة لا يوجب ذلك إلاّ بعد الفراغ عن حجيّة الاستصحاب و عدم إرادة الاستدلال بهذه الرّواية (1) عليها و إلاّ فلا، لما عرفت من شمول القاعدة موارد كلّ من استصحابي الطّهارة و النّجاسة. هذا، مع أنّه كثيراً ما يحتاج إلى القاعدة و لو مع الفراغ عن حجيّة الاستصحاب، كما لا يخفى.

قوله (قده): و توضيحه أنّ حقيقة النّقض- إلخ-.

تحقيق ما هو الحقّ في المقام و توضيحه ببسط الكلام في صيغة «لا تنقض اليقين» بمادّتها و هيئتها؛ فاعلم انّ النّقض بحسب اللّغة ضدّ الإبرام، فلا بدّ أن يتعلّق بما له أجزاء مبرمة تأليفاً و توصيفاً، كما أنّ متعلّق الإبرام لا بدّ أن يكون ذا أجزاء متفاسخة، و قد يستعار لمثل العهد و اليقين ممّا يترقّب فيه الإتقان و الاستحكام أو البقاء و الدّوام، حيث يشتبه‏ (2) بذلك ذا أجزاء ذات إبرام، و لا يكاد أن يحسن استعماله في رفع مطلق الأمر الثّابت و لو- كان فيه مقتضى البقاء؛ أ لا ترى ركاكة قولك «نقضت الحجر من مكانه» أي رفعته؛ مع ما فيه من الثّقل المقتضى للبقاء فيه ما لم يرفعه رافع.

و منه قد انقدح انّه انّما يحسن لفظ النّقض في هذه الأخبار بملاحظة تعلّقه باليقين، و لا يكاد أن يحسن تعلّقه بمتعلّقه بدون توسيطه، لما عرفت من ركاكة مثال «نقضت الحجر» فلا يجوز التّصرّف في لفظ اليقين بإرادة المتعلّق منه، فضلاً عن لزومه؛ و ما تخيّله من انّه لازم على كلّ حال، يأتي بيان بطلانه، و ما ربّما يقال في وجهه انّه لولاه لدلّ‏ (3) على لزوم البناء على اليقين و العمل بآثاره مع ارتفاعه بالشّك، فيكون مفاده ضرب قاعدة بلحاظ آثار اليقين لا المتيقّن، و هو غير مراد، فيه انّه انّما يلزم ذلك لو كان اليقين ملحوظاً بنفسه و باللّحاظ الاستقلالي، لا إذا لو حظ على نحو الطّريقيّة و اللّحاظ الآلي. و بعبارة أخرى على‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 100- ح 5 (مع تفاوت يسير)

(2)- في (عليه السلام): ليشتبهه.

(3)- في (عليه السلام): يدلّ.

317

نحو الكناية و الانتقال عن لزوم الأخذ به إلى لزوم الأخذ بالمتيقن بناء و عملاً عند الشّك كما هو ظاهر الأخبار، فانّ قضيّة لحاظه كذلك ليس إلاّ لزوم البناء على المتيقّن عملاً و الالتزام به لو كان من الأحكام، و بآثاره و أحكامه لو كان من موضوعاتها. هذا بعض الكلام في المادة.

و أمّا الهيئة فلا بدّ من حملها على النّهى عن النّقض بناء و عملاً كما هو قضيّة جميع القواعد المقرّرة للشّاكّ، لا حقيقة كما هو قضيّة أصل وضعها، و ذلك لعدم كون النّقض الحقيقي اختياريا لمكلّف، لا بالنسبة إلى اليقين كما هو ظاهر القضيّة، ضرورة انّه لا يكون نقض في مورد الاستصحاب لاجتماعه مع الشّكّ، و في مورد قاعدة اليقين و إن كان إلاّ انّه ليس بالاختيار، لا بالنّسبة إلى أحكام اليقين بناء على التّصرّف بالتّقدير و الإضمار، و لا بالنّسبة إلى المتيقّن بناء على التّصرف فيه بإرادته منه، كما احتمل التّصرّف بكلّ منهما بعد جزمه (قده) بأصل التّصرف، بداهة عدم التّمكّن من بقاء الأحكام الشّرعيّة حقيقة و رفعها، و كذا غالب الموضوعات الخارجيّة، لإناطة أمر رفعها و بقائها إلى أسبابها الخارجة عن تحت الاختيار، مع أنّ الكلام في مشكوك البقاء و الارتفاع، و واقعه لا يتغيّر عمّا هو عليه من البقاء و الارتفاع، مع انّ الإبقاء الحقيقي ليس بمراد و إن كان أمره وجوداً و عدماً بيد المكلّف.

و قد انقدح بذلك فساد ما أفاده (قده) في وجه لزوم التّصرّف في اليقين على كلّ حال بما هذا لفظه فانّ النّقض الاختياري القابل لورود النهي عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كلّ تقدير، بل المراد نقض ما كان على يقين منه أو أحكام اليقين، لما عرفت من أنّ النّقض بالنّسبة إلى ما كان منه على يقين كاليقين ليس باختياريّ أبداً، و أنّه لا يجدى في إبقاء الصّيغة على حقيقتها كي يلزم، مع أنّه لو كان يجدى أمكن منع اللّزوم، إذ تقع الدّوران حينئذ بين التّصرّف في الصّيغة و التّصرف في اليقين بأحد التّصرفين، مع أنّه لا يكاد أن يكون علاقة بين اليقين و متعلّقه، مع ما عرفت من أنّ المناسب للنّقض نفس اليقين.

إن قلت: غاية ذلك انّ النّقض بالنّسبة إلى ما كان على يقين منه، و آثار اليقين لا يكون باختياريّ، لكنّه يتطرّق إليه و لو بغير اختيار؛ بخلاف نفس اليقين في مورد الاستصحاب، فانّه لا يتطرّق إليه أصلاً لاجتماعه على ما هو عليه مع الشّكّ في زمان واحد، فلا بدّ من التّصرّف فيه لأجل صحّة النّهى عن نقضه، إذ لا يصحّ النّهى بهذا الوجه أي عملاً و بناء عن نقض ما لا نقض له أصلاً، كما لا يخفى.

318

نعم يصحّ تعلّقه به في مورد قاعدة اليقين بدون ذلك لانتقاضه به حقيقة، فلا نحتاج في موردها إلاّ إلى التّصرّف في الهيئة، بخلاف مورد الاستصحاب، فانّه لا بدّ منهما، كما لا يخفى.

قلت: صحّة النّهى عن نقضه إنّما هو بملاحظة اتّحاد متعلّقه مع متعلّق الشّكّ ذاتاً و عدم ملاحظة تعدّدهما زماناً، و بذلك يحسن أن يقال انّه قد انتقض بالشّكّ في مورد الاستصحاب، و يصحّ النّهى عن نقضه به عملاً بلا ارتياب، و لا حاجة إلى التّصرّف فيه بذلك، مع ما عرفت من عدم العلاقة بينه و متعلّقه و عدم حسن استعمال النّقض، مع إرادته و إرادة آثار اليقين.

هذا، مع انّه صحّ إسناد الانتقاض إليه بالشّكّ في مورد الاستصحاب أيضاً بمجرّد أنّه كان له شأن التّعلّق ببقاء متعلّقه في اللاحق كما تعلّق بثبوته في السّابق، فيصحّ النّهى عنه عملاً أيضاً، فافهم.

إذا عرفت ما تلونا عليك، ظهر لك انّ لفظ النّقض لا يوجب اختصاص أخبار (1) الباب بحجّية الاستصحاب في خصوص الشّكّ في الرّافع بسبب ما أفاده (قده)، لما عرفت من انّ حسن لفظ النّقض في هذه الأخبار إنّما هو بلحاظ تعلّقه باليقين، من غير لزوم التّصرف فيه بل و لا جوازه، و لزوم التّصرف في الهيئة، بما عرفت، و إغناء التّصرّف فيها عن التّصرّف في اليقين بالمجاز أو الإضمار، و عدم الغنى معه عنه، مع انّ رفع ما فيه المقتضى للبقاء ليس أقرب إلى المعنى الحقيقي للنّقض إلاّ اعتباراً، و لا اعتبار به أصلا، و الظّاهر أنّ العبرة بنظر العرف في إطلاق النّقض لا يكون إلاّ بمجرد كون الشّي‏ء محتمل البقاء، من غير نظر إلى انّ الشّك فيه يكون للشّكّ في وجود المقتضى أو الرّافع، كما لا يخفى، و لذا يصحّ إسناده إلى ما كان انتقاضه بانتفاء مقتضية، و ما كان لوجود رافعه بلحاظ واحد، و يقال ينتقض التّيمم عند وجود الماء، كما يقال ينتقض بالحدث، بلا تفاوت بينهما في نظر العرف، كما لا يخفى.

نعم يمكن تقريب دلالة الأخبار على الاختصاص بالشّكّ في الرّافع بوجه أدقّ و أمتن، و هو انّه قد عرفت أنّ استعمال لفظ النقض فيها إنّما هو بلحاظ تعلّقه باليقين؛ و قد عرفت أيضاً أنّه لا يصحّ النّهى عنه بحسب، إلاّ فيما انحلّ اليقين حقيقة، و اضمحلّ كما في مورد قاعدة اليقين، أو مسامحة كما في الشّكّ في الرّافع في مورد الاستصحاب، فإنّ اليقين فيه و إن‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175

319

كان على ما كان بلا اضمحلال و لا انحلال، إلاّ أنّه لمّا كان متعلّق اليقين فيه من شأنه البقاء لوجود مقتضية، كان كأنّه متيقّن البقاء، و قد ارتفع اليقين به و انحلّ إلى الشّكّ، و صحّ بالمسامحة انّه اضمحلّ و يصحّ النّهى عنه بحسب البناء و العمل؛ و هذا بخلاف الشّكّ في المقتضى حيث لا انحلال فيه لليقين لا حقيقة و لا مسامحة.

سلّمنا انحلاله فيه أيضاً كذلك، إلاّ انّه ليست المسامحة فيه بمثابة المسامحة في الشّكّ في الرّافع عرفاً، فيكون أقرب إلى ما يعتبر في صدق النّقض حقيقة، فيتعيّن عند إطلاقه و تعذّر الانحلال الحمل على ما هو أقرب إلى ذلك، ليقوى شباهته بما إذا انتقض اليقين و ارتفع حقيقة، كما في قاعدة اليقين.

لكنّك عرفت انّ الظّاهر انّ وجه إطلاق النّقض و إسناده إلى اليقين في مورد الاستصحاب إنّما هو بملاحظة اتّحاد متعلّقي اليقين و الشّكّ ذاتاً و عدم ملاحظة تعدد هما زماناً، و هي كافية في اضمحلال اليقين و انحلاله مسامحة؛ و في صحّة استعمال النّقض و استعارته له من غير تفاوت في ذلك أصلاً في نظر العرف، كما لا يخفى.

و من المعلوم تداول هذه الملاحظة بين أهله لارتكاز الاتّحاد كذلك في أذهانهم، بخلاف تلك الملاحظة، فانّها في غاية الدّقّة و البعد عن أذهان عامّة أهل العرف، فكيف يكون هو الوجه في إسناد النّقض إلى اليقين في الاستعمالات المتعارفة، بل الظّاهر أنّ وجهه هو ما ارتكز من الاتّحاد، فظهر أنّ مفاد الأخبار هو حجيّة الاستصحاب مطلقا، كما عليه مشهور الأصحاب. و يؤيّده انّ مورد بعضها ممّا فيه لفظ النّقض يكون من قبيل الشّكّ في المقتضى، كما اعترف به (قده) و إن تكلّف بالإرجاع إلى الشّكّ في الرّافع بما لا يخلو عن التّعسّف و بعضها بهذا اللّفظ، فافهم و تأمّل في أطراف ما ذكرناه من الكلام في المقام.

وهم و دفع:

ربّما يتخيّل الغافل و يتوهّم الجاهل من أخبار (1) الباب، حجّية قاعدة أخرى غير الاستصحاب، و هي قاعدة المقتضى و المانع، و لا منشأ إلاّ كون المورد في بعضها ذلك، و جعل غاية عدم إيجاب الوضوء في الصّحيحة (2) الأولى، الاستيقان بالنّوم الّذي يكون رافعاً

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 174 و 175

(2)- وسائل الشيعة: 1- 174

320

له، و أنت خبير بأنّ كونهما المورد لا يقتضى أن يكون القاعدة المجعولة فيه قاعدتهما، و نفى إيجاب الوضوء مع الشّكّ في النّوم، انّما هو لتحقّق الشّكّ في الوضوء و ارتفاعه الّذي يكون صغرى لقضيّة «لا تنقض اليقين‏ (1)- إلخ-.» الظّاهر، بحيث لا يخفى على عاقل غير غافل في وحدة متعلّق اليقين و الشّكّ، و أنّ المعنى: لا تنقض اليقين بشي‏ء بالشّكّ فيه، لا بالشّكّ في رافعه.

و لعمري هذا أظهر من أن يخفى على أحد إلاّ على من ختم اللَّه على قلبه، أعاذنا اللَّه و إيّاك عن ذلك بفضله و كرمه، و ان لم نكن له أهلاً فهو أهل لذلك‏ (2).

قوله (قده): لأنّ الفعل الخاصّ يصير مخصّصاً- إلخ-.

لا يخفى أنّه كما ربّما يصير مخصّصاً، كذلك عموم المتعلّق ربّما يكون موجباً للتّصرّف في ظاهر الفعل بإرادة غير ظاهره، و ذلك لاختلاف الأفعال و المتعلّقات و تفاوتهما في الظّهور في نفسهما و بحسب المقامات، و المدار على أنّ المتبادر منهما في العرف في خصوص المقام هذا أو ذاك، و لا يبعد أن يكون المنسبق إلى الفهم من «لا تنقض اليقين» المنع عن رفع اليد عن أحكام اليقين أو المتيقّن مطلقا، و لا عن خصوص ما كان الشّكّ فيه من قبيل الشّكّ في رافعه. و يؤيّده المنع بغير هذا اللّفظ في بعض الأخبار (3)، و به في غير مورد الشّكّ في الرّافع في الآخر.

هذا، مع ما عرفت من أنّ ذكر لفظ النّقض إنّما هو هاهنا بمناسبة اليقين، من دون حاجة إلى التّصرّف فيه مع التّصرّف اللازم في الهيئة، و لا إلى تخصيص في متعلّقه إلاّ بسبب ما أشرنا إليه و إلى دفعه، فلا تغفل.

قوله (قده): أو أحكام اليقين و المراد- إلخ-.

لا يخفى أنّه لا بدّ أن يراد من الشّكّ فيها حينئذ، ما يعمّ الشّكّ فيها لأجل الشّكّ في موضوعاتها، و إلاّ لم ينطبق على المورد في صحاح زرارة (4) كما لا يخفى، و رفع اليد عنها مع‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(2)- خ ل: فتبصر.

(3)- وسائل الشيعة: 1- 174

(4)- وسائل الشيعة: 1- 174

321

الشّكّ في الموضوع لا يعلم كونه نقضاً لها، فكيف يعمّه النّهى عن النّقض، و لذا يعتبر في الاستصحاب بقاء الموضوع، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى؛ و منه انقدح أنّه لا يجوز تقدير الأحكام على تقدير الحاجة إلى التّصرّف في الكلام.

تنبيه‏

فيه تحقيق يناسب المقام، و هو أنّ خطاب «لا تنقض» على ما أشرنا إليه كناية عن النّهى عن رفع اليد عن المتيقّن عملاً، و لزوم البناء عليه تعبّداً و عدم رفع اليد عنه، و لزوم البناء عليه كذلك يختلف باختلافه موضوعاً و حكماً، فإنّ كان موضوعاً، كان ذلك إنشاء مماثل أحكامه، و إن كان حكماً، كان إنشاء حكم مثله، و ليس هذا اختلاف في المكنى عنه بحسب المفهوم و المعنى، بل لاختلاف مصاديقه و محققاته، كما لا يخفى.

قوله (قده): و فيه أنّ تلك الأصول قواعد- إلخ-.

هذا، مضافاً إلى احتمال كونها قواعد مقرّرة منهم في البناء على العدم عند الشّكّ، من غير ملاحظة الحالة السّابقة أصلاً حتّى يكون حجّة من باب الاستصحاب، بل الظّاهر أنّ أهل المحاورات يعملون بالعمومات و المطلقات مع الشّكّ في التّخصيص و التّقييد، مع عدم الالتفات إلى سبق عدم المخصّصات و المقيّدات، بل مع عدم سبقه، فتدبّر.

قوله (قده): و يمكن أن يستفاد من كلامه- إلخ-.

كما يمكن أن ينزّل المقتضى في كلامه على أنّ مراده المقتضى للظّنّ بثبوته في الزّمان الثّاني و هو اليقين بثبوته في الزّمان الأوّل، فيتوجّه حينئذ أنّ العارض و هو احتمال المزيل، لا يصلح أن يزاحمه و يرفعه لمعارضته باحتمال عدمه فيبقى المقتضى بلا مانع، و يقتضى و يؤيّد ذلك، بل يعيّنه إبدال قوله «فيجب الحكم بثبوته» بقوله «فيظنّ بثبوته» على ما يحكى، كما لا يخفى؛ و يتوجّه عليه بأنه لا يكاد أن يظنّ بثبوت معلول مع الشّكّ في وجود مانع‏ (1)، لبداهة تبعيّة النّتيجة لأخس مقدّماتها، كما لا يخفى، ففي الظّنّ بثبوته في اللاّحق كالسّابق لا أقلّ من الظّنّ بثبوت العلّة التّامّة بأجزائها من وجود المقتضى و الشّرط و فقد

____________

(1)- خ ل: مانعه.

322

المانع، فافهم و تأمّل.

قوله (قده): و لكن الّذي يظهر بالتأمّل عدم استقامته في نفسه- إلخ-.

امّا عدم استقامته في نفسه فلأنّ كون الدّليل دالاً على حدوث علاقة الزّوجيّة، و انّها على الدّوام لا يوجب أن يكون من قبيل العام، و لذا لا يتفاوت أصلاً بين أن يكون لفظيّاً و لبيا، كما لا يخفى.

و الحاصل أنّه ليس الدّليل الدّالّ على استمرار العلاقة و دوامها بنفسها بعامّ، و لا الدّليل الدّالّ على إزالتها بلفظ كذا بمخصّص له، و انّما يكون من العامّ لو كان مفاده الاستمرار و الدّوام عند كلّ لفظ قصد به إزالتها، و يكون حينئذ الدّليل الدّالّ على إزالتها بلفظ كذا مخصّصاً له بلا كلام، و لكن أين هذا من مفاد الدّليل على دوام مثل علاقة الزّوجية في النّكاح.

و أمّا عدم انطباقه على كلام المحقّق فلأنّ صريح الكلام المتقدّم نقله في كلامه (قده) انّ المقتضى للبقاء هو المقتضى للثّبوت لا الإثبات، حيث جعل فيه المقتضى للتّحليل مطلقا نفس العقد، فراجع.

و أمّا إخراجه للمدّعى عن عنوان الاستصحاب فلأنّ المراد بالمقتضى لو كان هو عموم الدّليل أو إطلاقه كما هو قضيّة التّوجيه، لم يكن ذلك من الاستصحاب و لا ينكره أحد، لا من الأصحاب و لا من غيرهم من أولى الألباب، و يخرج عمّا هو محلّ النّزاع بينهم في هذا الباب.

قوله (قده): لاستحالة خروج الممكن عمّا عليه بلا مؤثّر- إلخ-.

هذا على القول بعدم الحاجة في هذا البقاء إلى المؤثّر، و على القول بالحاجة لا بدّ من المؤثّر للبقاء و يكفي عدمه لعدمه من دون حاجة إلى ما يؤثّر فيه، فافهم.

ثمّ انّه لا يبعد أن يكون منشأ الرّجحان هو أنس ذهن الإنسان بثبوته و ركوزه في خاطره، ضرورة تفاوته مع الطّرف الآخر في ذلك و إن كان الطّرفان يتساويان عند الشّكّ في وجود علّة البقاء بحسب البرهان، إلاّ أنّه لا يلتفت إليه غالباً، فلا ينافي تفاوتهما بذلك كما يشهد به الوجدان، و انّما الشّأن في إقامة الدّليل على اعتبار هذا الظّنّ.

ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر مثل العضدي، كون الاستصحاب من الأمارات المركبة من الكون السّابق و عدم الظّنّ بالخلاف، و قضيّة ذلك انتفاؤه مع الظّنّ به و لو لم يكن بمعتبر،

323

و لا أظنّ أحداً يلتزم به أبداً، لوضوح انّ بنائهم على الرّجوع إليه مع عدم أمارة معتبرة في البين مطلقا كما لا يخفى، و الأمارات‏ (1) المعتبرة انّما تمنع عن اعتباره لا عن أصل وجوده و تحقّقه، و إلاّ فليمنع عنه أيضاً غير المعتبر منها، بداهة عدم دخل لاعتبارها في المنع عن وجوده بل انّما هو في المنع عن اعتباره، فلا وجه لما ربّما به يعتذر عنه من انّ ذلك لأجل كون الظّنّ مطلقا حجّة عند العضدي. نعم انّما يصحّ أخذه كذلك على مذاقه في برهان أقيم على اعتباره لا في برهان وجوده، فافهم.

قوله (قده): و منها انّه لو كان الاستصحاب حجّة- إلخ-.

الظّاهر انّه أراد استلزامه غالباً، و إلاّ فربّما كان بيّنة الإثبات معتضدة بالاستصحاب كبيّنة من يدّعى بقاء ذمة مديونة مشغولة بدينه و هو يدّعى عدم اشتغالها به كما لا يخفى، فالأولى أن يقرّر الاستدلال بأنّ الاستصحاب لو كان حجّة لكان ما يوافقه‏ (2) من البيّنتين أرجح بما يخالفه لاعتضادها به.

و التّحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الاستصحاب ان قيل بحجّيته من باب الأخبار تعبّداً فلا يصلح لترجيح البيّنة أبداً، إذ ليس من واديها كي يقويها؛ و إن قيل بحجّيته من باب الظّنّ فلم ينهض دليل على التّرجيح به من خارج، و لا دلالة لدليل اعتباره و لا لدليل اعتبارها على ذلك. نعم يرجع إليه في خصوص ترتيب آثار الواقع، و أمّا مثل الحكومة و فصل الخصومة ممّا له موازين خاصّة فلا، كما لا يخفى.

قوله (قده): و هو انّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميّات يغنى عن التّكلم- إلخ-.

لا يخفى أنّه إنّما يغنى عنه عند من يقول بحجّية مطلق الظّنّ أو الظّنّ الخاصّ، دون مَن لا يقول بذلك، لعدم الملازمة بين اعتبار هذا الظّنّ في العدميّات، و اعتبار ظنّ آخر فيها فضلا عن اعتباره في الوجوديات، و تضعيفه (قده) بقوله فيما يأتي: «و أضعف من ذلك- إلخ-» لا وجه له، لوقوع اختلاف الظّنون في الحجّية و عدمها في مورد واحد عند العقلاء، فضلاً عن الموارد، كما يظهر من حجيّة الظّنّ الناشئ عن الظّهور عندهم في تعيين المراد و عدم حجيّة ما ينشأ منه في آخر ممّا لا دخل له به، فتدبّر جيّداً.

____________

(1)- خ ل: الأمارة.

(2)- خ ل: في.

324

قوله (قده): و لكن يرد عليه انّه قد يكون الأمر الوجوديّ أمراً خارجيّاً- إلخ-.

لا يذهب عليك أنّ الأمر الوجوديّ و لو كان حكماً شرعيّا كان ترتيبه على عدم رافعه باستصحاب عدمه غير جائز إلاّ على القول بالأصل المثبت، إلاّ إذا كان مترتّباً عليه شرعاً أيضا كما هو مترتّب عليه عقلاً، لعدم كفاية التّرتيب العقلي مطلقا على القول بعدم الأصل المثبت و لو كان المترتّب حكماً شرعيّا، و لذا لا يثبت باستصحاب عدم حكم في مقام غيره من الأحكام. نعم لو كان عدم الرّافع من الوسائط الجليّة الّتي لا ينفكّ تنزيلها عرفاً عن تنزيل ما يترتّب عقلاً من الأحكام الشّرعيّة، كان ترتيب الحكم الشّرعي عليه باستصحابه مستثنى عن الأصل المثبت على ما سيأتي تحقيقه منّا إن شاء الله تعالى.

قوله (قده): و فيه أوّلاً النّقض بالأحكام الجزئيّة- إلخ-.

لا يخفى أنّه انّما يتوجّه عليه ما أورده بقوله «أوّلاً و ثانياً» نقضاً و حلاً لو كان منشأ الاستبعاد للشمول للأمور الجزئيّة ما أفاده (قده) من أنّ بيانها ليس من شأن الشّارع و وظيفته، لا إذا كان منشؤه كما هو المحتمل قريباً، أنّ دليل الجعل و التّنزيل لا بدّ في شموله لها من التّصرّف فيه و التّأويل دون الأحكام، فانّها بنفسها غير قابلة للجعل إلاّ بملاحظة أحكامها، بخلافها فانّها بنفسها قابلة لذلك، لكنّه لو لم يكن الدّليل على التّنزيل مثل «لا تنقض اليقين‏ (1)» الدّالّ بلفظه على لزوم البناء على اليقين و عدم نقضه لينتقل منه إلى لزوم الالتزام عملا في الآن بما كان ملتزماً به قبل، فيكون إنشاء حكم مماثل للمتيقّن فيما إذا كان حكماً و مماثل حكمه فيما إذا كان موضوعاً بعبارة واحدة، من دون حاجة إلى تصرّف أصلاً كما عرفت مفصّلاً، فافهم.

قوله (قده): ثمّ لا بأس بصرف الكلام إلى أنّ الحكم الوضعي- إلخ-.

لا بأس ببسط المقام و تفصيل الكلام في شرح محلّ النّقض و الإبرام:

فاعلم انّه لا إشكال في استقلال كلّ واحد من الوضع و التّكليف مفهوماً و تفاوتهما بحسبه جزماً، و أنّه يمكن ان يعبّر عن كلّ بما يخصّه من الخطاب إخباراً و إنشاء، إذ الإنشاء بمجرّده قليل المئونة، و ليس هو إلاّ قصد حصول المعنى باللّفظ و شبهه، كما كان الإخبار به هو حكايته و بيان تحقّقه في موطنه بهما، و لذا كان نسبته خارج دونه فكلّ ما يصحّ الإخبار عنه‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

325

يمكن إنشاؤه، غاية الأمر ربّما يكون لغواً لا يترتّب عليه أثر كالإخبار به، كما لا يخفى.

و بالجملة عدم ترتّب فائدة على إنشاء مفهوم و معنى لا بمنع عن إنشائه و قصد حصوله بنفس اللّفظ و شبهه، و لا إشكال أيضا في صحّة التّعبير عن كلّ منهما، أي الوضع و التّكليف بخطاب الآخر كذلك، أي إخباراً و إنشاء فيجعل مثلاً خطاب إنشاء سببيّة الدّلوك لوجوب الصّلاة كناية عن إنشاء وجوبها و كذا العكس، كما في الأخبار (1).

و منه قد انقدح انّه ليس فائدة إنشاء معنى تنحصر بالتّوسّل به إلى تحقّقه، و التّسبّب إلى وجوده في الخارج، بل قد يكون التّوسّل به إلى تحقّق ما هو ملزوم ذلك المعنى أو لازمه من فوائده، فربّما يكون إنشاء أحدهما جعلاً للآخر لا له، و لا إشكال أيضاً في تطرق جعل التّكليف و سرايته إلى الوضع في الجملة، حسب ما تعرف تفصيله فيجعل بتبع جعله.

و إنّما الإشكال و النّزاع في استقلال الوضع بالجعل بمعنى صلاحيته كالتّكليف في التّسبب بإنشائه إلى جعله و تحقّقه، بحيث يصدق مفهومه عليه بحمل الشّائع، فالشّي‏ء الّذي لا يكون سبباً أو شرطاً أو جزءاً في نفسه صار كذلك بمجرّد إنشاء السّببيّة أو الشّرطيّة أو الجزئيّة له، بحيث يصدق عليه بذاك الحمل انّه كذلك كما كان الشّي‏ء بمجرّد إنشاء إيجابه يصير واجباً حقيقة بذاك الحمل.

و التّحقيق حسبما يؤدّى إليه النّظر الدّقيق أنّ الوضع على أنحاء:

منها ما لا يقبل الجعل أصلاً، لا أصالة و لا تبعاً مثل سببيّة شي‏ء مطلقا أو شرطيّته للتّكليف، أو مانعيته عنه.

و منها ما لا يقبله إلاّ تبعاً كالشّرطيّة و الجزئيّة و المانعيّة للمكلّف به.

و منها ما يقبله أصالة و تبعا كالملكيّة و الولاية و الوكالة و نحوها.

أمّا عدم قبول النّحو الأوّل له فلأنّ ملاك سببيّة (2) شي‏ء لشي‏ء إنّما هو خصوصيّته فيه موجبة لربط خاص بينهما يوجب تخصيصه بتأثيره فيه لا يكاد أن يؤثّر فيه بدونه، و إلاّ فلا بدّ أن يؤثّر في كلّ شي‏ء، بل كلّ شي‏ء في كلّ شي‏ء و إلاّ يلزم الاختصاص بلا مخصّص كما لا يخفى، فما ليس فيه تلك الخصوصيّة الموجبة لذلك لا يكون سبباً بمجرّد إنشاء السّببيّة له، بداهة أنّ مجرد إنشائها لا يؤثر إحداث تلك الخصوصيّة فيه، ضرورة عدم خصوصيّة فيه موجبة لربط خاصّ بينه و بينها كي يكون محدثة لها كما لا يخفى.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 3- 114- ب 10

(2)- خ ل: تبعيّة.

326

و من هنا ظهر أنّه لا يتفاوت في ذلك بين كون الجاعل هو القادر تعالى أو غيره، إذ ليس الكلام في الإيجاد و التّكوين، بل في الجعل و التّشريع، و انّ مجرّد قول المولى هذا سبب إنشاء (1) و قصد حصول معناه به يؤثّر في حصوله، و تحقّقه من دون أن يوجد فيه خصوصيّة مقتضية لذلك، بل كان باقياً على ما كان بلا زيادة و نقصان‏ (2). و من الواضح أنّ القادر تعالى و غيره فيه سيّان.

و الحاصل أنّ الكلام في أنّ السّبب الجعلي يؤثر كالحقيقي بمجرّد جعل كونه سبباً من دون أن يتغيّر عمّا هو عليه من الذّاتيات و الصّفات، فالدّلوك يؤثّر في الإيجاب بمجرّد إنشاء السّببيّة له من دون إنشائه بخطاب آخر يخصّه و لا أوّل هذا الخطاب إليه، بل كان مجرّد الالتفات إليه بعد الجعل موجباً للإيجاب و داعياً إليه، مع أنّه لم يكن كذلك قبله و هو على ما كان بلا تفاوت فيه بسببه و هو ممّا لا يكاد أن يتفاوت بين القادر و غيره.

و قد انقدح بما ذكرنا حال إنشاء الشّرطيّة و المانعيّة، حيث انّه لا يكاد أن يكون لشي‏ء دخل في التّأثير ما لم يكن له ربط خاص، و إلاّ كان كلّ شي‏ء شرطاً أو مانعاً، و بذاك الرّبط لا محالة يكون له دخل وجوداً و عدماً و بدونه لا يكون له ذلك و لو جعل لذلك له تشريعا، و قد عرفت انّه لا يوجبه لعدم ذلك الرّبط بينه و بين إحداث الرّبط.

إن قلت: نعم لكنّه انّما لا يتفاوت بحسب ذاتياته و صفاته المحمولة عليه بالضّميمة لا بحسب صفاته مطلقا، بداهة انّه بملاحظة جعل السّببيّة له أو الشّرطيّة صار منشأ لصحّة انتزاع صفة كونه مجعولاً سببيّة أو شرطيّة، و مثل هذه الصّفة انّما لم يوجب فيه تفاوتاً يؤثّر بوجوده الخارجي تكويناً لعدم التّفاوت بحسبه لا بحسب وجوده الذّهني تشريعاً بأن يصير داعياً إلى التّكليف لحصول التّفاوت بحسبه، فانّ الدّلوك مثلاً و إن لم يكن داعياً إلى التّكليف بدون لحاظها إلاّ انّه بلحاظها يصلح أن يصير داعيا إليه كما لا يخفى، إذ الجري على وفق الجعل يكون من قبيل إنجاز الوعد و العمل على العهد.

قلت: لو سلّم انّ جعل السّببيّة للدّلوك مثلاً ليس في الحقيقة جعلاً للتّكليف عنده، بل يكون ملاحظة الجعل موجبة لإنشائه و جعله في هذا الحال إلاّ أنّه لا يكون حينئذ بداعي الدّلوك و بواسطة الجعل، بل بداعي الوفاء بالجعل و الإقامة عليه كما في الوعد و العهد، و ملاحظة الدّلوك إنّما هو لكونه متعلّق ذاك الجعل الخاصّ و لا يكاد أن يلحظ الوفاء بدونه.

____________

(1)- خ ل: سببا إنشاء.

(2)- خ ل: و لا نقصان‏

327

و بالجملة فرق واضح بين أن يكون إنشاء السّببيّة لشي‏ء موجباً لصيرورة الشّي‏ء سبباً في الخارج على النّحو الّذي عرفت، كما هو محلّ النّزاع؛ و بين أن يكون الإنشاء بنفسه سبباً و داعياً، و هو لا يكاد أن ينكر في الجملة كما لا يخفى.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه لا يتفاوت في ذلك أن يكون الجعل أصالة أو تبعاً، مع أنّه لا يصحّ أن ينتزع السّببيّة حقيقة للدّلوك مثلاً عن خطاب إيجاب الصّلاة (1) عنده، كما يصحّ انتزاع الجزئيّة أو الشّرطيّة حقيقة لما أخذ فيها شطراً أو شرطا، ضرورة عدم اتّصاف الدّلوك بها حقيقة، كيف و إلاّ يلزم تأخّر السّبب عن المسبّب. نعم يصحّ أن يقال انّه سبب مجازاً استعارة أو مرسلاً، فتفطّن.

و أمّا عدم قبول شرطيّة شي‏ء للمأمور به أو جزئيّته أو مانعيّته للجعل أصالة، فلأنّ الشّي‏ء ما لم يؤخذ على نحو خاصّ في متعلّق الأمر الخاصّ لا يتّصف بواحد منها و لو إنشاء له، و يتّصف بواحد منها لو أخذ فيه بوجوده أو عدمه جزءاً و قيداً و لو إنشاء نفي جزئيّته أو شرطيّته. و بالجملة لا محالة يتّصف بها على تقدير الأخذ و لو إنشاء عدم الجزئيّة أو الشّرطيّة له، و لا يتّصف على الآخر و لو أنشأ له الف مرّة.

و من هنا انقدح وجه تطرّق الجعل إليهما تبعاً، و انّ إيجاب شي‏ء مركّب خاصّ يوجب قهراً اتّصاف كلّ واحد من أجزائه بالجزئيّة للواجب و ما به خصوصيّة من القيود بالشّرطيّة و المانعيّة، و يكون إنشاء إيجابه إنشاء لها تبعاً كما كان له أصالة.

و قد انقدح بما ذكرنا فساد استدلال بعض الأعاظم على ما ذهب إليه من استقلال الوضع بالجعل بالدّلالة الحاصلة بالوضع، و انّ السّببيّة و نحوها ليست إلاّ كالدّلالة الوضعيّة، و تأثير الوضع و الجعل بمجرّده فيها كما (2) لا يخفى.

و أنت خبير بأنّ اللّفظ الموضوع و نحوه انّما يدلّ على معناه الموضوع له بمعنى حصول العلم بإرادته منه أو الظّنّ بمقدّمات: (منها) العلم بوضعه له. (و منها) العلم بمتابعة المستعمل له في استعماله هذا أو الظّنّ. (و منها) العلم أو الظّنّ بأنّه قد استعمل فيه ليفهمه جدّاً، لا لينتقل عنه إلى غيره كما في الكنايات، أو ليكون حجّة في البين ما لم يقم قرينة على خلافه كما في العمومات على أقوى الوجهين، إذا الظّاهر انّ المستعمل فيها في مقام ضرب القاعدة هو العموم، و لذا كان العامّ حجّة في تمام الباقي بعد التّخصيص مع أنّه ليس غالباً بمراد عن‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 3- 114- ب 10

(2)- خ ل: ممّا.

328

جدّ.

و من المعلوم أنّه مع العلم بها أو الظّنّ يعلم أو يظنّ بإرادة المعنى و إلاّ فلا علم و لا ظنّ كما لا يخفى، و أين هذا من حصول الدّلالة له بمجرّد الوضع، كما هو المدّعى. نعم لنفس الوضع دخل عقلاً في ذلك لتوقّف العلم بهذه المقدّمات أو الظّنّ ببعضها عليه، و إلاّ لم يكن علم و لا ظنّ بها كما لا يخفى، و دخله في حصول المقدّمات الّتي يستحيل تخلّفه عقلاً عن الدّلالة و العلم بالإرادة، غير حصول الدّلالة به بمجرّده، مع انّ هذا في الدّلالة على ما وضع له بما هو كذلك و إلاّ فلا دخل له في الدّلالة على المعنى بما هو معنى أصلا لوضوح تحقّقها في الغلط و المجاز كما لا يخفى. و أمّا الدّلالة بمعنى مجرّد إخطار المعنى و تصوّره من إحساس الدّالّ بالسّمع أو البصر أو غيرهما، فهي أيضا ناشئة عقلا من العلم بالوضع و الالتفات إليه، و قد عرفت انّ دخل الوضع في تحقّق ما هو سبب عقلاً غير كونها بسببه، مع أنّ دخله فيه إنّما هو في الدّلالة عليه بما هو موضوع له، و أمّا بما هو معنى، فالدّلالة عليه غير متوقّفة عليه، بل يكون مع الجزم بعدم الوضع له أو الشّكّ، بل يحصل بمجرّد إحساسه مع الالتفات إليه مطلقا، لأنّه أمر نسبيّ لا بدّ في الالتفات إليه من الالتفات إلى طرفيه من غير تفاوت بين إثباته و نفيه، و التّردّد بينهما كما لا يخفى.

و بالجملة قد ظهر أنّ دخل الإنشاء و الجعل وضعاً و تشريعاً بحكم العقل في وجود سبب التّكليف و داعيه، أو في تحقّق الدّلالة بكلا معنييها غير حصول المنشأ من السّببيّة أو الدّلالة أو نحوهما بمجرّد ذلك الإنشاء و الجعل كما هو المدّعى، و بذلك يمكن التّصالح بين الأعلام بأن يكون المنكر في المقام ينكر هذا و المثبت يثبت ذاك، فلا نزاع في الحقيقة بينهم و لا كلام، و عليك بالتّأمّل التّام فانّه من مزالّ الأقدام.

و أمّا قبول مثل الملكيّة و الزّوجيّة و الولاية إلى غير ذلك من الاعتبارات ذوات الآثار شرعاً و عرفاً للجعل أصالة و تبعاً، فلأنّها و إن كانت من الأمور النّفس الأمريّة إلاّ أنّها لمّا كانت أموراً اختراعيّة و معاني انتزاعيّة لا واقعيّة لها في الخارج إلاّ بواقعيّة منشأ انتزاعها و لا تحقّق لها فيه إلاّ بوجود ما يصحّ منه اختراعها، كان كلّ واحد من إنشائها عقداً أو إيقاعاً أو عهداً على اختلافها و من إنشاء آثار يستلزمها كافياً في منشأ الانتزاع و وافية بصحّة الاختراع، ضرورة صحّة انتزاع الملكيّة الواقعيّة من مجرّد جعل اللَّه تعالى ملكيّة شي‏ء لأحد، و كذا صحّة انتزاع الولاية من جعلها لواحد، كما يصحّ انتزاعهما من جعل آثار يستلزمها كإيجاب الوفاء بالعقد و إجازة التّصرّف و إباحته بأنحائه في ملك الغير مثلاً، كما يظهر ذلك من مراجعة السّلطان ولاية مملكته و حكومته تارة بإنشائها بخطاب يخصّها،

329

و أخرى بإنشاء آثارها بخطابها مثل أن يقول افعل كذا و كذا، إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بأمر السّياسة في نظم المملكة.

إن قلت: لا ريب في عدم صحّة انتزاع الملزوم من لوازمه و أحكامه و إن صحّ استكشافه بها، فكيف يصحّ انتزاع هذا النّحو من الوضع عمّا له من الآثار التّكليفيّة، مع أنّها من لوازمه و أحكامه.

قلت: معنى ما ذكر أنّه يصحّ انتزاعه من الآثار التّكليفيّة للمورد بما فيه من الخصوصيّات المقتضية لها لا عمّا اعتبر آثاراً له منها كي يستلزم انتزاع الملزوم عن لازمه المساوق لتقدّم المعلول على علّته، كما لا يخفى.

إن قلت: قد حقّق في محلّه أنّ المعنى الواحد و المفهوم الفارد لا ينتزع عن المتعدّد بما هو متعدّد، فكيف يصحّ انتزاع هذه الاعتبارات من المتعدّد و يصحّ اختراعها تارة بجعلها بالأصالة بإنشائها بمفاهيمها، و أخرى بتبع جعل آثارها.

قلت: انّما لا يصحّ انتزاع الواحد من المتعدّد بما هو متعدّد كما أشرت إليه، لا بما هو واحد و بجهة واحدة اشترك فيها كما في المقام، و لا يبعد أن يكون تلك الجهة في مثال الحكومة هو اختصاص هذا بين الأشخاص بنظم هذه المملكة بنظر السّلطان بمخصّص من داخل أو خارج، فيكون الجعلان بجهة كشفيهما عن ذلك منشأين للانتزاع.

فتلخّص أنّ جعل هذه الاعتبارات أصالة على اختلاف العبارات فيه حقيقة و مجازاً بخطاب قصد منه ذلك يستتبع جعل آثارها بالعرض كما أنّ جعل الآثار كذلك يستتبع بالعرض جعلها و لو كان بخطابها فيما أريد منه جعل تلك الآثار لا جعلها، فيكون كلّ واحد منهما مجعولاً بالعرض تشريعاً بعين جعل الآخر بالذّات كذلك، و هذا كما أنّه كان جعل الماهيّة تكويناً موجباً لجعل لوازمها بالعرض، كذلك يعين ذاك الجعل؛ فافهم و تأمّل في أطراف ما ذكرنا من الكلام في المقام، و بما حقّقناه من عدم سراية الجعل إلى سببيّة شي‏ء للتّكليف و عدم قابليّتها له مطلقا، ظهر انّ ما انتزع من مثل خطاب «اغرم ما أتلفته» من المعنى لا يصحّ عن يعبّر عنه بالسّببيّة إلاّ مجازاً، و لذا قال المصنّف العلاّمة (ره): «انتزع من هذا الخطاب معنى يعبّر عنه- إلخ-» و لم يقل انتزعت عنه السّببيّة، كما لا يخفى.

قوله (قده): إذ الفرق بين الوضع و التّكليف ممّا لا يخفى- إلخ-.

قد عرفت انّ الفرق بينهما بحسب المفهوم واضح لا يكاد يخفى، و كذلك قابليّة كلّ للتّعبير عنه إنشاء أو إخباراً بخطاب يخصّه، إلاّ أنّ ذلك غير مجد فيما هو المهمّ في المقام و محلّ‏

330

النّقض و الإبرام من أنّ الوضع كالتّكليف يؤثّر إنشائه بخطابه في تحقّقه بحيث يصحّ حمله عليه بالحمل الشّائع كما مرّ، و قد عرفت تفصيل المقام، و اختلاف الحال بحسب اختلاف أنحاء الوضع و أنّ إنشاء السّببيّة لشي‏ء يكون بنفسه إيجاداً للسّبب كالوعد و العهد، لا إيجاد السّببيّة فيه و انّ استتباعه للتّكليف بمعنى تأثير السّبب المجعول لا يكون لأنّه فرع سببيّته و بمعنى انّه قصد بخطابه كناية، فهو ليس من الاستتباع، و كذلك بمعنى انّ كليهما قصداً بالخطاب كما في الدّلالة الالتزاميّة فان الإيجاب حينئذ يكون على حدة و بالاستقلال، مع أنّ إنشائها حينئذ يكون لغواً كما لا يخفى.

و أمّا ما أورده (قده) عليه بقوله «أقول لو فرض نفسه حاكماً- إلخ-» ففيه انّه لا شهادة في مجرّد كون (أكرم زيداً إن جاءك) خطاباً واحداً لإنشاء خصوص أحد الحكمين و انتزاع الآخر عنه لصدق ما ادّعاه (قده) لأعميّته منه، لوضوح عدم الملازمة بينه و بين صلاحية الوضع للجعل بخطاب آخر يخصّه كما لا يخفى.

و بقوله «مع أنّ قول الشارع- إلخ-» ففيه أنّه إنّما يكون إخباراً عن تحقق الوجوب عند الدّلوك إذا لم يمكن إنشاء الإيجاب قبل الدّلوك بملاحظته، لعدم صلاحيته لأن يكون داعياً إليه لأجل ملائمته و مناسبته معه، و إلاّ كان الخطاب بها يستتبع الإيجاب لاستلزام سببيّة المستكشفة به كذلك؛ و يمكن أن يكون منشأ توهّم ذلك، توهّم انّ قضيّة السّببيّة هو الإيجاب بعد تحقّق الدّلوك، كما هو الشّأن في كلّ سبب مع سببه، و هو فاسد أيضاً، فانّ سببيّته إنّما هو للفعل الاختياري للشّارع، و السّبب بالنّسبة إليه ليس إلاّ الدّاعي، و من المعلوم أنّه بوجوده الإخطاري مؤثّر، لا بوجوده الخارجي، فافهم.

قوله (قده): و لو كانت لم يكن مجعولة من الشّارع- إلخ-.

مراده كما هو الواضح انّه لو كانت لم تكن مجعولة من الشّارع بالجعل التّشريعي و إن كانت مجعولة منه بالتّكويني.

فلا يقال لا مجال لإنكار كونها مجعولة منه، لأنّه القادر المختار. و منه ظهر انه لو تعقّلنا (1) كونها صفة أحدثها الشّارع خرجت أيضا عن الجعل التّشريعي إلى التّكويني.

____________

(1)- خ ل: تعقل.

331

قوله (قده): هذا كلّه في السّبب و الشّرط- إلخ-.

الأولى أن يقول كذا: «هذا كلّه في السّببيّة و الشّرطيّة- إلخ-» كما لا يخفى، و قد عرفت اختلاف الحال فيها بما لا مزيد عليه.

و أمّا الصّحة و الفساد في العبادات فهي من قبيل لوازم الماهيات، و قد أشرنا إلى أنّها يتبعها في الجعل تكويناً و تشريعاً، فمعنى نفي الجعل فيهما نفيه عنهما مستقلاً لا مطلقا.

و أمّا في المعاملات فقد عرفت انّها إن لوحظت سبباً لمثل الملكيّة و الحرّية و الزّوجيّة إلى غير ذلك من الأمور الاعتباريّة، كانت سبباً لاعتبار الشّارع لهذه الأمور عند أسبابها و انتزاعها بملاحظتها من متعلّقاتها ابتداء أو إمضاء لما عليه العرف من الاعتبار و الانتزاع.

و الحاصل أنّه ليس بالبعيد أن يكون إنشاء هذه الأمور بالعقد عليها أو إيقاعها موجبا لتحقّقها و صحّة اختراعها عند الشّارع، كما كان إنشائه لها موجبة لصحّة الانتزاع عند كلّ مؤمن لأن له التّصرف تشريعا، كما كان له ذلك تكوينا، فيصحّ أن يقال يكون هذه الأمور الاعتباريّة أحكاما شرعيّا لكون اعتبارها أو إنشائها من الشارع، فافهم.

قوله (قده): و فيه أنّ الموقّت قد يتردّد وقته- إلخ-.

الظّاهر انّه إلزام بعدم استيفاء الأقسام، مع أنّ الفاضل بصدده في المقام، حيث انّه بصدد بيان عدم تطرّق الشّكّ إلى الأحكام ليجري فيه الاستصحاب، فردّ عليه بعدم الاستيفاء إذ من جملتها هذه الصّورة الّتي يشكّ في بقاء الحكم و ارتفاعه كما لا يخفى، لا بجريان الاستصحاب فيها، و إلاّ فسيجي‏ء من المصنّف الجزم بعدم جريانه في الموقّت إلاّ أن يكون مبنيّا على ما سيأتي منه في ذيل الجواب بقوله «اللّهم».

قوله (قده): و أمّا الشّكّ في النّسخ- إلخ-.

هذا إذا كان النّقض بنسخ الموقّت من أصله لا بلحاظ وقته. و أمّا إذا كان بلحاظ الوقت بأن يكون وقته أوّلا ممتدّا إلى كذا، فنسخ و صار إلى حدّ آخر كذا كان الشّكّ في التّوقيت و أجزاء الوقت كما لا يخفى، فيصحّ النّقض به في مسألة الموقت و لو لم يثبت له عموم من دليله و له من الخارج، غاية الأمر يتوجّه عليه مناقشة أنّه ليس بنسخ اصطلاحي، لكنّه غير داخل فيما ذكره من أنّ «الأمر إذا لم يكن للتّكرار- إلخ-» و يمكن أن يكون قوله «فتأمّل» في ذيل الجواب إشارة إليه، فتأمّل جيّدا.

332

قوله (قده): اللّهم إلاّ أن يقال- إلخ-.

يمكن أن يقال إنّ كفاية تنجّز التّكليف سابقا في الاستصحاب، إنّما هو بالنّسبة إلى ما يعامل معه في العرف معاملة علّة الحكم و سبب حدوثه لموضوعه كالاستطاعة و إن كان بحسب الحقيقة من قيود الموضوع، لا ما يحسب من قيوده في العرف كالوقت، و لذا يظهر منه (قده) فيما يأتي الجزم بعدم جريان الاستصحاب في المقيّد بالزّمان، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل في ذيله.

قوله (قده): فإنّ شيئا من الأقسام المذكورة لا يجري- إلخ-.

و ذلك لأن اختلاف المسبّبات و تعدّدها إنّما هو لأجل اختلاف الأسباب بحسب الخصوصيّات، و اقتضاء كلّ واحد منها بما فيه من الخصوصيّة لنحو من الأثر، و هذا بخلاف الشّرط، فإنّ دخله في المشروط على نهج واحد لا يكاد أن يكون الاختلاف فيه بحسب الدّوام و غيره من ناحيته، بل من ناحية المؤثّر فيه، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): توضيح الاندفاع أنّ القيد في الحقيقة- إلخ-.

وجه رجوع القيد مطلقا إلى الموضوع و لو كان من قيود الطّلب بحسب القواعد العربيّة بناء على تبعيّة الأحكام لما في أفعال الأنام من المصالح و المفاسد، واضح، فإنّ تفاوت الأفعال بحسب المصلحة و المفسدة بمراتبهما ليس إلاّ لتفاوتهما بحسب الذّات أو العوارض اللاحقات له، فلا يكون اتّصافها بهما بسبب له من خارج، بل لا سبب له غير الموضوعات، كما هو الحال في حكم العقل بالحسن و القبح أيضا كما لا يخفى.

و لا وجه له بناء على تبعيّتها للحكم و المصالح في نفس الأحكام، فانّ عروضها على موضوعاتها و انتفاءها بحسب اقتضاء علّتها مع بقاء موضوعاتها بعينها و بشخصها، كما هو الحال في الأعراض و موضوعاتها.

و أمّا ما أفاده (قده) على ما ظفرنا به في تقرير بعض الأفاضل (ره) لبحثه (قده) في مبحث مقدّمة الواجب عند الرّد على صاحب الفصول في قوله بالفرق بين المعلول و المشروط من أن تقييد الطّلب و هو مفاد الهيئة حقيقة لا معنى له، إذ ليس مفادها إلاّ أشخاص الطّلب و جزئيّاته، و لو قلنا بكون ما وضعت له عامّا لكون ما استعملت فيه لا محالة خاصّا، و الجزئيّ غير قابل للتّقييد، (1) فلا بدّ أن يرجع القيود إلى المادّة و لو كانت بحسب القواعد العربيّة راجعة إلى الهيئة.

____________

(1)- خ ل: للتقيّد.

333

ففيه أنّ الجزئيّ الّذي استعملت فيه الهيئة لا يقيّد أبدا، بل هو على ما أنشأ بالصيغة بلا تغيّر إلاّ أنّه مقيّدا ينشأ فالطّلب يتصوّر بجميع خصوصيّاته المقصودة و ينشأ بها و يدلّ عليه بالقرينة، فيكون من قبيل تعدّد الدّال و المدلول، لا أنّه ينشأ مطلقا أولا، ثمّ يقيد كي يقال انّ مفاد الهيئة غير قابل لذلك، فالإطلاق و التّقييد فيها و أمثالها ممّا كان وضعها وضع الحروف، إنّما هو بلحاظ المعاني المتصوّرة الّتي يستعمل فيها ألفاظها، لا بلحاظها بما هي استعملت فيها فيطلق أو يقيّد المعنى، ثم يستعمل فيه لفظه و ينشأ به، لا أنّه يقيّد ما استعمل فيه اللّفظ و أطلق كما لا يخفى، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): و هو عين الكلام في اعتبار الاستصحاب- إلخ-.

و يحتمل قريبا تطبيقه على قاعدة المقتضى و الرّافع، لا على الاستصحاب و إن كان من موارده بأن يكون المناط في التّعبّد بثبوت المشكوك هو ثبوت المقتضى فعلا و عدم العلم بالرّافع لا العلم بتحقّقه سابقا و الشّكّ فيه لا حقا كما هو ملاك الاستصحاب؛ و لكنّه لم يساعد عليها عقل و لا نقل، فإنّ ظاهر الأخبار كما عرفت سابقا، إنّما هو الاعتبار باليقين من الشّي‏ء و عدم الاعتناء بالشّكّ فيه بنقضه به لا بثبوت المقتضى و الشّكّ في رافعه، كما لا يخفى.

نعم لا يبعد أن يكون بناء العقلاء على عدم الاعتناء بالشّك في الرّافع، مع ثبوت المقتضى فيما لم يكن للشّكّ بذلك مدرك يعتنى به عندهم‏ (1)، بل كان بمجرّد الاحتمال الناشئ من إمكانه، فلا يصدّهم عن ذهاب طريق مثلا مجرّد احتمال مصادفة قطّاع الطّريق فيه أو مانع آخر محتمل بمجرّد إمكانه، بخلاف ما إذا كان احتمالها لأمر حادث يوجبه و يحدثه، فإنّه يصدّهم عن الذّهاب أو الإياب بلا ارتياب، و لا يخفى انّه لا يجدى في الشّرعيّات في باب، فإنّ الشّكّ فيها ممّا يعتنى به في مثل زماننا لاختفاء كثير من الأخبار و الآثار، و من المحتمل أن يكون منها ما كان دليلا في المقام، فلا مجال لهذه القاعدة في الأحكام، مع ثبوت الرّدع عنها في موارد الاستصحاب بالنّهي عن نقض اليقين بالشّكّ في أخبار (2) الباب بلا تفاوت أصلا بين صورتي المخالفة و الموافقة، لما يأتي في حكومة

____________

(1)- خ ل: عند العقلاء.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

334

الاستصحاب أو وروده على سائر القواعد التّعبديّة الابتدائيّة أو الإمضائيّة، فتدبّر.

قوله (قده): و يرد عليه أوّلا أنّ الشّكّ و اليقين- إلخ-.

الأولى في تقرير ما وجهه عليه أن يقال: إنّ الشّكّ الّذي نهى أن ينقض به اليقين في الأخبار (1)، انّما هو الشّكّ فيما تعلّق به اليقين لما عرفت من ظهورها في اتّحاد متعلّقهما، و قد مرّ وجه صحّة انتقاض اليقين به من غير تفاوت بين الشّكّ في أنحاء الرّافع، بل بينه و بين الشّكّ في المقتضى على ما حقّقناه، و هو ملاحظة اتّحاد المتعلّق فيهما ذاتا و عدم ملاحظة تعدّدهما زمانا، لا الشّكّ في أمر آخر، كي يختلف حال لا يقال: انّ المقصود هو أصالة عدم حدوثه بحسب زمانه، لأنّه و إن كانت حادثة إلاّ انّها مساوقة لأصالة عدم الزّوال، و قد عرفت حالها؛ اللّهم إلاّ أن يكون مراده (قده) أنّ مثل أصالة عدم الزّوال لا بدّ منه في وجوب الجلوس عند الشّكّ في الزّوال و لو لأجل أن يدفع به ما يعارض المرجع من الاحتياط في التّكليف الثّاني، فتأمّل.

قوله (قده): فإن قلنا بتحريم الاشتغال- إلخ-.

لا يخفى أنّه لا مجال لهذا التّشقيق أصلا، فإنّ حرمة الاشتغال لا يتصوّر مع ملاحظة الفعل إلى زمان فعلا واحدا تعلّق به حكم واحد، مع أنّ الكلام، في بيان أقسامه و أحكامه، ضرورة أنّ حرمة الاشتغال لا يتأتّى إلاّ إذا كان الفعل في الجزء الأوّل ملحوظا على حدة، و معه لا محيص عن ملاحظة كونه أمورا متعدّدة كلّ واحد منها متّصف بذلك الحكم غير مربوط بالآخر، كما هو الفرض في الوجه الثّاني، فلا يتأتّى في محلّ الكلام، إلاّ انّه لا يتحقّق الحرام، و لا استحقاق العقاب إلاّ بالإتمام، و حكمه أنّه لو أتى به من عمد من الأوّل إلى إتيانه بالتّمام بأن يجلس في المسجد إلى مقدار يعلم بتحقّق الجلوس الحرام، فهو حرام فعلا موجب لاستحقاقه العقاب بلا ارتياب.

و أمّا إذا لم يأت به كذلك فلو عمد إليه و اشتغل أوّلا ثم بدا له، فهو متجرّي يجري عليه أحكامه؛ و إن أتى به من غير عمد إليه بأن لم يقصده إلاّ ما لم يعلم معه بتحقق الحرام، فأصالة الإباحة يكون مرجعا مطلقا في المقام، اقتصر على الجلوس إلى الزّمان المشكوك أو لا بأن بدا له بعد الجلوس؛ أمّا الجلوس إليه فللشّك في مصاديق‏ (2) الحرام؛ و أمّا الجلوس فيه‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(2)- خ ل: في كونه من مصاديق.

335

فلتردّده بين أن يكون ما به إتمام الحرام أو ما يكون بعد الإتمام و لا دليل على حرمته بمجرّد كونه موجبا للعلم بتحقّق الحرام به أو بما قبله.

و أمّا ما جعله (قده) مرجعا في الباب من أصالة عدم تحقيق المعصية و عدم استحقاق العقاب؛ ففيه مضافا إلى أنّ الإطاعة و العصيان، أو استحقاق المثوبة و العقوبة ممّا لا يشك فيه، و لو شكّ فيها لا شكّ فيها في المورد، لما عرفت من أنّه شبهة موضوعيّة و لا شبهة في استقلال العقل بالبراءة فيها، كما هو قضيّة عموم النّقل أن تحقّق المعصية الشّكّ في وجود الرّافع و الشّكّ في رافعيّة الموجود في نقض اليقين و عدمه، و أنّه لا يعقل نقض اليقين بالشّكّ إلاّ في الأوّل دون الثّاني بأنحائه، بل فيه نقض لليقين باليقين بوجود ما شكّ في كونه رافعا، لأنّه كان هناك الشّكّ و لم يكن نقض لاجتماعه مع اليقين.

و لا يخفى أنّ ملاحظة اتّحاد اليقين و الشّكّ و عدم ملاحظة تعدّد هما زمانا إنّما يوجب صحّة استعمال النّقض كما عرفت، لا عدم اجتماع اليقين في زمان تأخّر أحدهما عن الآخر، كما أفاده (قده).

ثمّ إنّه لا يرد عليه ما وجّهه عليه بقوله (قده): «و ثانيا- إلخ-» فإنّ الانتقاض الحقيقي لا يعقّل إلاّ بالشّك، و أمّا النّقض الجعلي فيتعقّل أن يكون بغير الشّكّ، فيجعل غيره في مورده ناقضا له، و كذا لا يرد عليه ما وجّهه عليه بقوله: «و ثالثا- إلخ-» لإمكان منع ظهور الأخبار في حصر النّاقض في خصوص اليقين بالخلاف، بل في مطلق اليقين، فتدبّر.

ثمّ لا يخفى عدم ارتباط لقوله «ألا ترى» بهذا الإيراد، و الظّاهر انّه من شمّة الإيراد الأوّل و وضعه هنا من النّاسخ، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): فلا بدّ من الرّجوع في وجوب الجلوس عند الشّكّ في الزّوال إلى أصل آخر- إلخ-.

لا يخفى أنّ أصالة عدم الزّوال لمّا كانت واردة على الاحتياط في التّكليف الثّاني، كان الاحتياط في التّكليف الأوّل بلا معارض، فيكون هو المرجع في وجوب الجلوس عند الشّكّ في الزّوال، لا هذا الأصل. نعم إنّما يرجع إليه على القول بالأصول المثبتة، ضرورة انّ الجلوس مع عدم الزّوال بعده ملازم عقلا للجلوس قبله، و الحكم الشّرعي إنّما هو له حسب الفرض، و أنّ أصالة عدم الخروج عن عهدة التّكليف بالجلوس معارض بأصالة عدم‏

336

الخروج عن عهدة التّكليف بالخروج، إذ من الواضح انّ حالها حال قاعدة الاحتياط، و أنّ أصالة عدم حدوث التّكليف بالخروج لا مجال لها، فانّ حدوثه معلوم و إلاّ لم يكن لمعارضة الاحتياط في التّكليف بالجلوس مع الاحتياط فيه وجه أصلا.

و استحقاق العقاب أو عدمها ليسا بحكم شرعي و لا ممّا يرتّب‏ (1) عليه الحكم الشّرعي، بل و لا يلازمه لأنّ الإباحة الواقعيّة لا يكون من أحكامهما و لا ممّا يلازمهما لإمكان وجوب الشّي‏ء أو حرمته، مع عدم استحقاق العقاب على مخالفته و لو ترتّب عليه حكم في مقام، فلا يهمّنا في المقام؛ و معه لا مجال للاستصحاب بلا ريب.

اللّهم إلاّ أن يكون مراده من أصالة عدم الاستحقاق أصالة البراءة لا الاستصحاب، لكن في التّعبير بها عنها من المسامحة ما لا يخفى.

قوله (قده): و معنى التّعارض أن يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشّكّ- إلخ-.

يحتمل أن يكون مراده معنى الخوانساري (ره) أنّ تعارض نفس اليقين و الشّكّ إنّما هو فيما إذا كان هناك موجب لليقين، و إلاّ لم يكن تعارض في البين أصلا لاجتماعهما في مورد الاستصحاب حقيقة، فالتّعارض و التّناقض في مورده بينهما إنّما هو بملاحظة ثبوت الموجب، فكأنّ اليقين كان متعلّقا بما تعلّق به الشّكّ فارتفع به، فيصدق الانتقاض و يصحّ النّهى عن النّقض تعبّدا و عملا؛ و قد ذكرنا نظير ذلك وجها لاختصاص الأخبار (2) بالشّك في الرّافع.

و لكن قد ذكرنا أنّ الأظهر أنّ الانتقاض إنّما هو بملاحظة اتّحاد متعلّق الشّكّ و اليقين ذاتا و عدم ملاحظة تعدّدهما زمانا. و قد عرفت أنّه لا حاجة إلى التّصرف في اليقين بإرادة المتيقّن منه أو بإضافة الأحكام، و لا دخل له في إصلاح صدق النّقض و النّهى عنه، كما فصّلنا الكلام فيه سابقا عند التّكلم في الأخبار؛ فظهر أنّ التّعارض إنّما لو حظ بين النّاقض و المنقوض، و اعتبار الموجب إنّما هو لأجل تحقّق التّعارض و التّناقض بين اليقين و الشّكّ في مورد الاستصحاب.

نعم يرد عليه أنّه لا موجب لليقين مع الشّك فيما جعله مجرى الاستصحاب، كما أفاده (قده)، فلا وجه للتّمسّك له بأخبار (3) الباب.

____________

(1)- خ ل: يترتّب‏

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

337

ثمّ لا يخفى أنّه لا كراهة في ملاحظة التّعارض بين الشّكّ و المشكوك و لوازمه و أحكامه المشكوكة بتبعه كما لاحظ (قده)، و أين هو من ملاحظته بين الشّكّ و موجب اليقين لو سلّم أن الخوانساري لاحظ كذلك، فانّه لا ريب في التّعارض بينه و بين موجب الشّكّ حقيقة، و أنّه بتبعهما يقع التّعارض بينهما و كذا بين كلّ منهما و موجب الآخر بالعرض، و هذا بخلاف الشّكّ و المشكوك أو أحكامه.

و الحاصل أنّ ملاحظة التّعارض و التّناقض بين الشّكّ و موجب اليقين أولى من ملاحظة بينه و بين نفس الأحكام الثّابتة للشّي‏ء المتعلّق لليقين.

لا يقال: إنّما يكون هذه الملاحظة لأجل دخل اليقين في ثبوتها للمتيقّن.

لأنّا نقول: لا دخل له في ثبوتها له، بل اليقين إنّما تعلّق بما له هذه الأحكام، لا باعتبار انّها كانت ثابتة له، كما هو ظاهر كلامه؛ فالصّواب أنّ التّعارض و التّناقض إنّما يلاحظ في مورد الاستصحاب بين نفس الصّفتين بملاحظة اتّحاد المتعلّقين و عدم ملاحظة بعدهما في البين، كما حقّقنا سابقا فيكون بين ذلك و ما ذكره المحقق الخوانساري عموما و خصوصا مطلقا، فتأمّل جيّدا في المقام.

قوله (قده): لأنّ العامّ المخصّص لا اقتضاء فيه لثبوت الحكم- إلخ-.

هذا و لو قيل بجواز التّمسّك به في الشّبهات المصداقيّة، فانّه إنّما هو في المخصّص بالمنفصل، و أمّا في المخصّص المتّصل فلا كلام في عدم جواز التّمسّك بالعامّ و أنّه يكون من قبيل ما إذا شكّ في تحقّق أصل عنوان العام، فكما لا يجوز التّمسّك في وجوب إكرام من شكّ في علمه بإكرام العلماء لا يجوز التّمسّك بإكرام العلماء العدول مثلا في وجوب إكرام عالم شكّ في عدالته.

نعم ربّما يقع الإشكال في التّمسّك بناء على جوازه من جهة أنّه من قبيل التّخصيص بالمتّصل أو المنفصل كالاستثناء، فلا تغفل.

قوله (قده): أمّا الأوّل فلا إشكال- إلخ-.

لا يخفى أنّ استصحاب الكلّي لا يفيد في ترتيب آثار الشّخص و إن كان بقاؤه ببقائه في هذه الصّورة إلاّ على القول بالأصل المثبت، بل لا بدّ من استصحابه لترتيب آثاره و هل هو يغنى من استصحابه، فيه إشكال من أنّ الطّبيعي عين الفرد في الخارج و وجوده فيه بعين وجود الفرد على التّحقيق، فالتّعبّد بوجود الفرد تعبّد بوجوده، فاستصحابه يجدى في‏

338

ترتيب آثارهما، و من أنّ الاتّحاد و العينيّة في الخارج إنّما هو بحسب الحقيقة و الدّقة بحكم العقل، و أمّا بالنّظر العرفي فهما اثنان كان بينهما بهذا النّظر توقّف، و عليه لا الاتّحاد و العينيّة و الاعتبار إنّما هو بهذا النّظر في هذا الباب.

نعم يمكن أن يقال انّ الواسطة و إن كانت بنظر العرف ثابتة، إلاّ أنّها تكون ملغى‏ (1) بمسامحتهم فيها، و عدم اعتنائهم بها بحيث يرون الأثر المرتّب مرتّبا على ذيها، و لا منافاة بين إثباتها بنظرهم و إلغائها بمسامحتهم، و الاعتبار إنّما هو بنظرهم المسامحي المبنيّ على الاعتناء بها أو عدم الاعتناء، لا على رؤيتها و عدم رؤيتها أصلا، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله، فتدبّر.

قوله (قده): و لم يعلم الحالة السّابقة- إلخ-.

لا وجه للتّقييد بذلك لأنّ الحكم ذلك و لو علم الحالة السّابقة طهارة كانت أو حدثا أصغر لو قيل بتأثير الحدث على الحدث، فإنّه لا يطمئنّ النّفس من قبل الحادث المردّد بين البول و المني إلاّ بفعل ما يرفعهما لاستصحاب القدر المشترك بدون ذلك، و الاقتصار بفعل ما يرفع أحدهما من وضوء أو غسل.

نعم لو لم نقل بالتّأثير بعد التّعاقب لم يكن مجال لاستصحاب القدر المشترك في صورة سبق الحدث، إلاّ بناء على جريانه في القسم الثّالث. اللّهم إلاّ أن يكون التّقييد لأجل أنّ غير مورده يحتاج‏ (2) إلى التّفصيل و التّقييد، فافهم.

قوله (قده): لا ما لم يكن مانع من إجراء الأصلين- إلخ-.

و ذلك كما إذا كان لكلّ من الخصوصيّتين أثر تكليفي، فإنّ العلم بثبوت التّكليف حينئذ مانع عن إجراء الأصلين؛ لكن لا يخفى أنّ الحكم بعدم كلّ منهما فيما إذا لم يكن هناك هذا المانع، إنّما هو إذا قلنا بثبوت المقتضى للأصل في أطراف الشّبهة، و انّما لم يجر فيها للمانع، و أمّا إذا قيل بعدم المقتضى له فيها و عدم شمول الأخبار لما يعلم إجمالا بنقض الحالة السّابقة للزوم التّناقض في مدلولهما، فلا استصحاب في أطراف الشّبهة مطلقا و لو لم نعلم بتكليف بينها.

____________

(1)- خ ل: ملغاة.

(2)- خ ل: محتاج.

339

قوله (قده): و توهّم عدم جريان الأصل في القدر المشترك- إلخ-.

توضيح هذا التّوهّم أنّ الطّبيعي كما أشرنا إليه إنّما يكون وجوده في الخارج بعين وجود فرده و هو مردّد بين ما يقطع‏ (1) بعدمه و ما يحكم‏ (2) به لأصالة عدم حدوثه.

و توضيح دفعه انّ نحو وجوده لمّا كان مردّدا بين أن يكون ذاك و ذاك كان الآن مشكوك البقاء و الارتفاع من دون شكّ في أصل حدوثه فكان، أركان الاستصحاب بقاؤه فيه موجودة و إن اختلف في كلّ ما احتمل أن يكون وجوده بوجوده من الفردين.

و أمّا التّوهّم الثّاني فتوضيحه أنّ الشّكّ في بقائه و ارتفاعه مسبّب عن الشّكّ في حدوث ما قطع ببقائه على تقدير وجوده و الأصل عدم حدوثه، و معه لا مجال لاستصحاب بقائه لما تقرّر من عدم جريان الأصل في طرف المسبّب مع جريانه في السّبب.

و توضيح دفعه أنّ الشّك فيه إنّما هو ناش من الشّكّ في أنّ الحادث هو هذا أو ذاك، و لا أصل في البين أصلا يوجب تعيين أحدهما كما لا يخفى، لعدم سبق إحدى الحالتين فيه، و أصالة عدم حدوث مقطوع البقاء منهما معارضة بأصالة عدم حدوث الآخر، مع أنّ هذا الأصل بالإضافة إلى الأثر المهمّ مثبت، و انّه لا يترتّب عليه إلاّ بتوسط ما يستلزمه عقلاً من كون الحادث ذاك الآخر.

قوله (قده): أقواها الأخير- إلخ-.

لا يخفى أنّ الأقوى هو الثّاني، و ذاك لأنّ الوجود الطبيعي و إن كان بوجود فرده، إلاّ أنّ وجوده في ضمن أفراد متعدّدة ليس نحو وجود واحد له، بل وجود كلّ فرد منه نحو وجود له عقلاً و عرفاً، ففيما إذا شكّ أنّه في الزّمان الأوّل كان موجوداً بوجود واحد أو اثنين و في ضمن فرد أو فردين لم يكن الشّك في نحو وجوده، بل الشّكّ في وجوده بنحو آخر غير ما علم من نحو وجوده، فما علم من وجوده فقد علم ارتفاعه و ما شكّ فيه فقد شكّ في أصل حدوثه، فاختلّ أحد ركني الاستصحاب فيه على كلّ حال؛ و منه يظهر الحال في القسم الثّاني، بل الأمر فيه أظهر.

نعم يستثنى منه ما إذا عد الفرد اللاحق مع السّابق في العرف شيئاً واحدا مستمرّاً، كما إذا شكّ في تبدّل السّواد الشّديد بالضّعيف أو بالبياض، فإنّ العرف يعد السّوادين أمراً

____________

(1)- في (عليه السلام): تقطع‏

(2)- في (عليه السلام): نحكم‏

340

واحداً مستمراً فيجري فيه الاستصحاب لعدم ابتنائه على المداقّة العقليّة، بل يجري في مثله مكع ابتنائه على المداقّة بناءً ما هو التّحقيق من أصالة الوجود، لما حقّق في محلّه من أنّ الوجود عليه في جميع المراتب المتبدّلة شدّة و ضعفا واحد شخصي ما دام متّصلاً و لم يخلل العدم في البين و إن انتزعت عنه هيئات‏ (1) مختلفة و أنواع متفاوتة.

نعم لا يجري الاستصحاب فيما إذا عدّ المتبادلان عرفاً شيئين موجود كلّ منهما بوجود على حدة، لاستمرار وجود واحد في الزّمانين، لما مرّ و يأتي من أنّ العبرة في جريان الاستصحاب بنظر العرف لا العقل.

تنبيه فيه تأييد

و هو أنّه يلزم على جريان الاستصحاب في القسم الثّالث استصحاب وجوب الفريضة على من علم باشتغال ذمّته بواحدة، مع احتمال الزّيادة عليها لو أتى بها فيجب عليه ترتيب جميع الآثار الشّرعيّة المترتّبة على من كانت عليه فريضة مثل عدم جواز التّطوع له على القول بعدم جوازه لمن اشتغلت ذمّته بالفريضة، و لا أظنّ أن يلتزم به أحد.

قوله (قده): لأنّ الميتة عبارة عن كلّ ما لم يذك- إلخ-.

و إن أبيت إلاّ عن كون الميتة عبارة عمّا مات حتف أنف، فلا إشكال ظاهراً في كون ما لم يذكّ شرعاً ملحقاً بالميتة حكماً، فأصالة عدم التّذكية على هذا و إن لم يكن مثبتة لها، كما أفاده الفاضل (ره) إلاّ أنّها مثبتة لما يلحق بها حكماً، فيترتّب بها على ما شكّ في تذكية حكم غير المذكّى.

لا يقال: انّ غير المذكّى مطلقا لم يكن محكوماً بحكم الميتة، إذ الحيّ من الحيوان لم يذكّ و لا يكون بحكمها، فكيف يحكم بأصالة عدم التّذكية عليه بأحكامها؛ لأنّه‏ (2) عند الأصل يثبت خصوص ما يلحق بها من غير المذكّى و هو ما أزهق روحه و لم يذكّ كما لا يخفى، إذ ما أزهق روحه و شكّ في تذكيته يحرز عدم تذكيته بأصالة عدمها و يحكم عليه بأنّه غير مذكّى، فيكون حاله حال سائر الموضوعات المركّبة أو المقيّدة المشكوكة بجزئها أو قيدها فيحرز بالأصل، جزئها أو قيدها؛ و كون عدم التّذكية في حال الحياة ممّا لا حكم‏

____________

(1)- في (عليه السلام): ماهيّات‏

(2)- في (عليه السلام): لأن الأصل.

341

له شرعاً، غير ضائر بعد كونه في حال إزهاق الرّوح ذا حكم، فإنّ العبرة إنّما هو بكون المستصحب كذلك في حال شكّ في ثبوته فيه، و قد أريد إثباته لا في حال علم بثبوته فيه، كما لا يخفى على من كان له أدنى التفات.

لكن لا يخفى انّ ذلك لو كانت الميتة عبارة عمّا لا يذكّى، أو كان ما ليس بمذكّى ملحقاً بها شرعاً كما قلنا؛ و أمّا إذا قلنا انّ الموضوع للحرمة و النّجاسة، و عدم جواز الصّلاة فيه ما يكون بمعنى وجودي يضادّ المذكّى، و هو ما إذا أزهق روحه بإزهاق خاصّ غير الإزهاق في المذكّى، فأصالة عدم كونه مذكّى معارضة بأصالة عدم كونه ميتة، فيرجع إلى غيرها من الأصول.

و الإنصاف انّ المعلوم إنّما هو مغايرة الميتة (1) و التّذكية إجمالاً من دون تعيين كونها على نحو التّضادّ أو العدم و الملكة، و معه أيضاً لا مجال لتلك المعارضة. نعم في غير واحد من الأخبار (2) المعتبرة تجويز الصّلاة في الجلود ما لم يعلم أنّها ميتة، و إن كان مقتضى البعض‏ (3) الآخر منها المنع من الصّلاة فيها ما لم يعلم بتذكيتها؛ و قد فصّلنا الكلام في بحث الفقه بالنّقض و الإبرام بما لا يسعه المقام.

قوله (قده): بل لو قلنا بعدم جريان الاستصحاب- إلخ-.

و ذلك لأنّ العدم الأزلي المضاف إلى شخص ليس بكلّي و إن كان مستمرّاً مع مقارناته الوجوديّة، و ذلك لا يوجب كليّة كما في استمرار الوجود، كي يبتنى جريان الاستصحاب فيه على جريانه فيه، بل أمر واحد غير صادق على كثيرين و إن كان مقارناً لها كما لا يخفى، فيترتّب عليه باستصحابه عند الشّكّ في بقائه كلّما يترتّب عليه من الآثار الشّرعيّة، دون ما يترتّب على أحد مقارناته الوجوديّة، أو على أحد الأمور المقيّدة به إلاّ على القول بالأصل المثبت، فلا يترتّب آثار موت حتف الأنف مثلاً باستصحاب عدم التّذكية، و لا أحكام الاستحاضة على الدّم المشكوك بأصالة عدم الحيض، و إن كان لا ينفكّ عدم الحيض عن كون الدّم الموجود استحاضة بناء على أنّها عبارة عن كلّ دم ليس بحيض، بداهة أنّ هذا الاستلزام و عدم الانفكاك ليس بشرعيّ بل عقليّ.

____________

(1)- في (عليه السلام): الموت‏

(2)- وسائل الشيعة: 3- 250

(3)- وسائل الشيعة: 3- 251

342

و بالجملة من الواضح أنّ إثبات عنوان أو نفيه بالثّبوت أو النّفي المحمولتين الّذين يكونان مفاد كان و ليس التّامّتين بالاستصحاب لا يوجب إثباته أو نفيه، لما شكّ اتّصافه به إلاّ على القول بالأصل المثبت، لأنّهما مفاد كان و ليس النّاقصتين، فلا يترتّب على استصحاب بثبوته أو نفيه بذاك الثّبوت أو النّفي ما يترتّب عليه بهذا الثّبوت أو النّفي، فافهم.

قوله (قده): قد علم من تعريف الاستصحاب و أدلّته- إلخ-.

لا يخفى أنّ عمدة أدلّة الاستصحاب هي الأخبار؛ و من المعلوم أنّ الملاك فيها إنّما هو صدق نقض اليقين بشي‏ء بالشّك فيه، و لا يتفاوت فيه الأمور القارّة و التّدريجيّة، بداهة صدق نقضه به فيما إذا توقّف بسبب الشّكّ في انقطاع حركة أو مشى أو جريان دم أو نحوها من سائر الأمور التّدريجيّة الغير القارّة بعد القطع بتحقّقها من ترتّب آثارها عليها، و السّرّ أنّها و إن كانت غير مجتمعة الأجزاء بحسب الوجود، إلاّ أنّ وحدتها أو تشخّصها لا ينثلم بذلك ما دامت متّصلة لم يتخلّل العدم فيها فيفصّلها، فكلّ واحد من هذه الأمور ما لم ينقطع واحد بالشّخص حقيقة، فإذا قطع بثبوته و تحقّقه ثمّ شكّ في ارتفاعه و انقطاعه بذلك، كان الشّكّ متعلّقاً حقيقة باستمرار ما تعلّق به اليقين.

و لا يخفى أنّ البقاء بالمعنى الّذي ذكره أيضاً يصدق في غير الزّمان من الأمور التّدريجيّة، لما عرفت أنّه ما دام متّصلاً يكون واحداً بالشّخص، و هو لا يكاد يكون موجوداً إلاّ بوجود واحد شخصيّ و البقاء إنّما يكون بهذا المعنى في الزّمانيّات، ضرورة صدقه حقيقة على غيرها من المجرّدات و نفس الزّمان، فهو بقول مطلق عبارة عن استمرار الوجود الواحد على اختلاف نحوه بالتّعدّد و التّصرّم جزءاً فجزءاً و الاستقرار و القرار، بل يظهر من ذلك عدم تفاوت الأمور القارّة و التّدريجيّة بحسب سائر الأدلة، بل بحسب التّعريف بالإبقاء كما لا يخفى.

فانقدح أنّ البقاء في الزّمان و نحوه من الأمور التّدريجيّة من الزّمانيّات كغير الزّمانيّات على نحو الحقيقة و ليس على المسامحة، نعم بعض الأمور التدريجية الّذي يكون مع تخلل العدم و الفصل بين أجزائه كأبعاض كلام واحد عرفي و ان لم يكن بواحد شخصي حقيقة، و يكون البقاء فيه على المسامحة، إلاّ أنّه كذلك عرفاً ما لم يقع بين أجزائها فصل يعتدّ به بحسب العرف، و الملاك في الباب هو الوحدة العرفيّة لصدق نقض اليقين بالشّكّ حقيقة معها، كما لا يخفى.

و من هنا ظهر أنّ الاستصحاب يجري في إثبات اللّيل و النّهار، و يجدى في إثبات ما لهما

343

من الآثار كوجوب الإمساك و جواز الإفطار، و إن كان لا يجدى في إثبات ما أخذ في موضوعه وقوعه في أحدهما إلاّ على القول بالأصل المثبت مطلقا، أو على وجه ربّما سبقت إليه الإشارة و يأتي تحقيقه إن شاء الله.

قوله (قده): فالأولى التّمسّك في هذا المقام باستصحاب الحكم- إلخ-.

لا يخفى انّ الحكم لو كان مرتّباً على الفعل الواقع في النّهار أو في اللّيل، فكما لا يجري استصحابها على نحو يجدى، لا يجري استصحاب الحكم كذلك لعدم إحراز الموضوع إلاّ بالتّوجيه الّذي ذكره سابقاً في ذيل الإيراد على النّقض الثّالث على الفاضل التّوني و لو كان الحكم مرتّباً على بقاء اللّيل أو النّهار، فاستصحابها يجدى بلا إشكال، و معه لا مجال لاستصحابه.

قوله (قده): مدفوعة بأنّ الظّاهر- إلخ-.

الظّاهر كونه من قبيل القسم الثّاني، ضرورة أنّه مردّد بين كونه كثير الأجزاء فيبقى، و قليلها فيرتفع. نعم ما أحرز كمّية أجزائه و شكّ مع ذلك في ارتفاعه يكون من قبيل القسم الأوّل، و لا يخفى جريان الأقسام الثّلاثة في استصحاب الكلّي فيه، كما يظهر بأدنى تأمّل.

قوله (قده): فينبغي القطع بعدم جريان الاستصحاب فيه- إلخ-.

لا يخفى أنّه قد ظهر ممّا ذكرناه في نفس الزّمان حال المقيّد به، و أنّه ينبغي القطع بجريان الاستصحاب فيه بالنّسبة إلى كلّ ما حكم به ما دام ثابتاً، كما إذا أوجب مثلاً إكرام زيد ما دام كان قائماً في النّهار فشكّ في بقاء النّهار أو في أصل قيامه، فإثبات قيامه الخاصّ الثّابت يقيناً بالاستصحاب يوجب ترتيب وجوب إكرامه.

نعم لو كان العمل المحكوم بحكم من الأحكام مقيّداً بالزّمان و شكّ فيه لأجل الشّكّ في القيد كالإكرام في النّهار مثلاً، فلا مجال لاستصحابه، لكنّه لا لما أفاده (قده)، لما عرفت من عدم اعتبار البقاء بهذا المعنى في الاستصحاب أصلاً، بل لأنّ العمل الّذي يؤتى به مع الشّكّ في النّهار لا يكاد أن يحرز أنّه فيه باستصحابه كما لا يخفى، إذ الشّكّ في أنّه كذلك من غير سبق حالة له أصلاً؛ اللّهم إلاّ أن يقال أنّه يصحّ و لو مسامحة أنّ الإكرام كان في السّابق في النّهار و الآن كما كان، بالاستصحاب. و يمكن أيضاً توجيه‏

344

استصحاب حكمه بما أشرنا إليه في بعض الحواشي السّابقة؛ فتلخّص أنّ الاستصحاب في المقيّد (1) بالزّمان لإثبات ثبوته المحمولي كما كان، ليحكم بلزوم فعل ما علّق وجوبه على ثبوته أو ترك ما علّق حرمته عليه جار بلا إشكال، كما عرفت من مثال وجوب الإكرام المعلّق على القيام في النّهار، و إنّما هو غير جار إذا احتيج إلى إثبات ثبوته لغيره و تطبيقه عليه، فتأمّل جيّداً.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما وقع لبعض المعاصرين- إلخ-.

توضيح ذلك أنّ الاستصحاب العدمي فيما ذكره من مثال الأمر بالجلوس في يوم الجمعة، إنّما هو بملاحظة أنّ الموضوع هو الجلوس الخاصّ و هو الجلوس إلى الزّوال المغاير لما بعده، و الاستصحاب الوجوديّ فيه إنّما هو بملاحظة أنّ الموضوع هو الجلوس من دون تقييده بكونه إلى الزّوال؛ و ذلك لوضوح أنّه بالملاحظة الأولى لا مجال للاستصحاب الوجوديّ لعدم بقاء الموضوع، و اختلاف القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة بحسبه، ضرورة أنّ الموضوع في إحداهما الجلوس إلى الزّوال، و في الأخرى هو الجلوس فيما بعده، مع لزوم البقاء و الاتّحاد في الاستصحاب، فبالملاحظة (2) الثّانية لا مجال للاستصحاب العدمي لانقلاب العدم الأزلي لوجوب الجلوس بالوجود فيما قبل الزّوال‏ (3) و قد شكّ في بقائه له بعد الزّوال، فلا حالة سابقة بهذا اللّحاظ إلاّ لوجوبه فلا مجال إلاّ لاستصحابه، لا لاستصحاب عدمه، لما عرفت من انقلابه، و لمّا لم يكن الجمع بين اللّحاظين في خطاب واحد لم يكن الخطاب دليلاً إلاّ على أحد الاستصحابين، و عدم اللّحاظ معه أصلاً يوجب إهماله و عدم دلالته على واحد منهما كما لا يخفى.

و كأنّ المتوهّم نظر في كلّ استصحاب إلى لحاظ و غفل عن امتناع الجمع بينهما، أو توهّم الإطلاق مع عدم اللّحاظ و غفل عن أنّه يوجب الإهمال المانع من الاستدلال به مطلقا.

فانقدح بذلك فساد ما ربّما توهّم من جريان استصحاب العدم لو لا حكومة استصحاب الوجود عليه، فهو حاكم عليه لا معارض، بل توهّم أنّه مرام المصنف قدّس‏

____________

(1)- في (عليه السلام): استصحاب المقيّد

(2)- في (عليه السلام): و بالملاحظة.

(3)- في (عليه السلام) فيما يزال.

345

سرّه، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): و على الثّاني لا معنى لاستصحاب العدم- إلخ-.

لا يخفى أنّه لو أغمض عن عدم إمكان الجمع بين اللّحاظين في دليل الاستصحاب كما عرفت في الحاشية السّابقة، أمكن أن يقال: أنّه على الثّاني و إن لم يكن شكّ‏ (1) في مقدار تأثير المؤثّر، إلاّ أنّه بحسب الاقتضاء. و أمّا فعليّة تأثيره بحيث كان أثره فعلاً محقّقاً بأن يكون المجعول في حقّ المكلّف في هذا الحال هو الطّهارة، فهو مشكوكة و منشؤه الشّكّ في رافعيّة الموجود، ضرورة انّه مع إحراز المقتضى لا شكّ في المقتضى بالفتح في الفرض إلاّ من جهة الشّكّ في رافعيّة الوجود.

و منه ظهر أنّ ما أورده عليه بقوله «و أمّا ثالثاً- إلخ-» محلّ النّظر، فتدبّر.

قوله (قده): إلاّ أنّ الاستصحاب مع هذا العلم الإجماليّ- إلخ-.

لا يخفى أنّ هذا الاستدراك لا يرتبط (2) و لا يستقيم، و الظّاهر أنّه كان مقدّماً على قوله «نعم يستقيم» و كان وضعه هنا من قلم النّاسخ، كما لا يخفى على المتأمّل.

قوله (قده): و أمّا المثال الثّالث فلا يتصوّر فيه الشّكّ- إلخ-.

الظّاهر أنّه أراد أنّ شرطيّة العلم للتّكليف ممّا لا يتطرّق إليه الشّكّ في زمان، مع إمكان أن يراد أنّه لو فرض شكّ في الشّرطيّة في حال ليس شكّا في بقاء حكم العقل بها، بل لا حكم للعقل في هذا الحال بلا إشكال، ضرورة عدم استقلال العقل بها مع الشّك فيها، كما لا يخفى.

قوله (قده): لكنّ المقصود من استصحابه- إلخ-.

لا يخفى أنّ المقصود من استصحابه إنّما يكون ترتيب الآثار فيما إذا لم يكن المستصحب بنفسه ممّا يتطرّق إليه الجعل و التّعبّد كالموضوعات الخارجيّة؛ و أمّا إذا كان ممّا يتطرّق إليه ذلك كالأحكام وجوداً كما هو واضح و عدماً إذ ما ليس تنال عدمه يد التّصرف ليس تنال‏

____________

(1)- في (عليه السلام): ان يشك.

(2)- في (عليه السلام): لا يرتبط بسابقه.

346

وجوده كما لا يخفى، فليس المقصود إلاّ ترتيبه، فالمقصود من استصحاب عدم الحكم إنّما هو الالتزام بعدمه، كما كان المقصود من استصحاب وجوده الالتزام بوجوده فيترتّب عليه تمام آثاره، عقليّة كانت أو شرعيّة، و منها البراءة و عدم الاشتغال، و معه لا مجال للقاعدة، لوروده عليها و لو كانت موافقة له، لعدم التّفاوت في ذلك بين الموافقة و المخالفة كما لا يخفى.

نعم كلّ مورد كان الحكم للشّكّ وحده، كان مجرى القاعدة وحدها.

قوله (قده): و التّعليقي أخرى باعتبار كون القضيّة المستصحبة- إلخ-.

اعلم انّ الإشكال إنّما هو فيما إذا كان الحكم في السّابق على تقدير وجود مفقود، أو فقد موجود أخذ شرعاً في ترتّبه على موضوعه كالغليان المعتبر في حرمة العصير، و لا إشكال فيما إذا لم يكن تقديرا لثبوت الحكم في السّابق إلاّ تقدير وجود موضوعه فيه، كما إذا شكّ في حرمة شي‏ء موجود في الآن محكوم بها في السّابق لو كان، ضرورة أنّ منشأ الإشكال توهّم ثبوت حكم آخر لهذا الموضوع في السّابق، فهو المستصحب في اللاّحق دون ما لم يثبت له إلاّ على تقدير غير واقع؛ و هذا بخلاف ما إذا لم يكن عدم الحكم في السّابق إلاّ لأجل عدم تحقّق موضوعه الّذي لو كان لم يكن إلاّ محكوماً به، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا بدّ في حسم مادّة الإشكال و منشأ التّوهّم من تمهيد، و هو أنّ الاستصحاب ليس إلاّ انسحاب ما أثبته‏ (1) الدّليل القاصر عن إثباته إلاّ في السّابق إلى اللاّحق المشكوك انسحابه إليه، مع بقاء الموضوع فيه و اتّحاده فيهما، فيكون بمنزلة عموم الدّليل و إطلاقه الموجب لشمول الحكم في الحالة الثّانية؛ و ما أثبته الدّليل من الحكم الشّرعي في الحالة الأولى تارة يكون حكماً مطلقاً غير معلّق على أمر، و أخرى معلّقاً، و من المعلوم أنّهما نحوان من ثبوت الحكم الشّرعي كما لا يخفى؛ فكما لا ارتياب في انسحاب ذاك‏ (2) النّحو بالاستصحاب من ثبوته المطلق، ينبغي أن لا يرتاب في انسحاب ذاك‏ (3) النّحو الآخر من ثبوته المعلّق به، فإنّه أيضاً في السّابق قد ثبت و تحقّق.

و من هنا (4) ظهر أنّه لا ينسحب بالاستصحاب إلاّ ما كان محقّقاً فعلاً، غاية الأمر قد

____________

(1)- في (عليه السلام): أثبت.

(2)- في (عليه السلام): ذلك.

(3)- في (عليه السلام): ذلك.

(4)- في (عليه السلام): هاهنا.

347

يكون ذاك المحقّق حكماً شرطيّا؛ و من الواضح أنّه لا يوجب التّفاوت في أركان الاستصحاب أصلاً. نعم إنّما يخل بأركانه لو أريد استصحاب ذات المعلّق كالحرمة للعصير بعد غليانه، مع الشّكّ في ثبوتها له في السابق بعض الحالات اللاّحقة له، لثبوتها له في الحالة السّابقة على تقدير امر مفقود و هو الغليان، كما هو المفروض، فانّ الحرمة لم يثبت له في السّابق كي يستصحب، و إنّما الثّابت له هو الحرمة على تقدير و هي غير ثبوت الحرمة له، كما هو واضح.

إن قلت: إنّ الحكم على تقدير و إن كان ثابتاً محقّقاً في السّابق إلاّ أنّه لا أثر له و الأثر إنّما هو للحكم الفعلي و هو الإباحة في مثال العصير، و لا مجال لاستصحاب ما لا أثر له؛ و بالجملة الثّابت لا أثر له، و لا ثبوت لما له الأثر، و لا استصحاب لما لا أثر له، فلا محيص إلاّ عن استصحاب ما ثبت بالفعل من الحكم.

قلت: استصحاب الأحكام لا يحتاج إلى أثر آخر مترتّب عليها، و انّما هو في استصحاب الموضوعات.

إن قلت: نعم لكنّه لو كان المستصحب حكماً عمليّاً، إذ ليس الاستصحاب إلاّ قاعدة علميّة مضروبة (1) للشّاك و الحكم التّعليقي في صورة عدم تحقّق ما علّق عليه ليس بحكم فعلى عملي.

قلت: المستصحب و إن لم يكن في القضيّة المتيقّنة حكم العمل فعلاً، إلاّ أنّه في القضيّة المشكوكة يكون حكم العمل كذلك في صورة تحقّق المعلّق عليه، و الاستصحاب انّما هو بلحاظ هذه الصّورة. نعم لو لم يتحقّق فيها أصلاً لم يكن مجال لاستصحابه.

إن قلت: كيف يكون فيها حكم العمل بالفعل، و المستصحب لم يكن إلاّ حكماً تعليقيّاً.

قلت: ذلك لصيرورة التّعليقي فعليّاً مع تحقّق المعلّق عليه كما هو واضح، غاية الأمر دليله في القضيّة المشكوكة خطاب «لا تنقض»، و في القضيّة المتيقّنة مثل خطاب «العصير إذا غلى»، و التّفاوت بين الخطابين لا يوجب تغييراً فيما هو قضيّة التّعليق كما لا يخفى.

هذا كلّه لو كان الحكم حقيقة مشروطاً، كما هو ظاهر القضيّة التّعليقيّة. و أمّا لو كان القيد في الحقيقة راجعاً إلى الموضوع بأن يكون العصير المغليّ حراماً، فالأمر في صحّة الاستصحاب أوضح، لأنّه يكون استصحاباً لما ثبت محقّقاً و بالفعل من الحكم للمغليّ من‏

____________

(1)- في (عليه السلام): ضربت.

348

العصير سابقاً و شكّ فيه لاحقاً لوجوده في اللاحق، مع بعض الخصوصيّات اللاّحقة الّتي يوجب الشّكّ في بقائه حكمه و اتّصافه به، كما كان متّصفاً به ممّا لا يوجب تعدّده و لا ينثلم به وحدته عرفاً، غاية الأمر لم يوجد سابقاً، لكنّه كان بحيث لو وجد كان متّصفاً به بالفعل، و قد عرفت اختصاص الإشكال في التّعليق بغير التّعليق بوجوده‏ (1) الموضوع، فتدبّر جيّداً.

ثمّ لا يخفى أنّه يمكن أن يصطلح بما ذكرنا بين الفريقين و يرتفع النّزاع من البين كما يشهد به أدلّة الطّرفين، حسبما يظهر من الغالب عنها كما لا يخفى، بأن يكون مراد المثبتين استصحاب ما هو المحقّق بالفعل سابقاً من الحكم التّعليقي بما هو كذلك، و مراد النّافين نفس الحكم لا بما هو كذلك، بل بدون التّعليق، غاية الأمر أنّ النّافي غفل عن أنّ استصحاب الحكم المعلّق، و لو كان لا يصحّ لما أفاده، إلاّ أنّه لا حاجة إليه في إثباته في الحال على تقدير تحقّق المعلّق عليه، لصيرورة المعلّق الثّابت بالاستصحاب مطلقاً و بالفعل على هذا التّقدير، و على تقدير عدمه لا مهمّ إلاّ ثبوته على نحو التّعليق، كما كان هو عليه في السّابق.

و بالجملة العصير في القضيّة المشكوكة قبل حصول الغليان يحكم عليه بالحلّية الفعليّة و الحرمة التقديريّة، كما كان كذلك في القضيّة المتيقّنة و قضيّة الحرمة، كذلك الحرمة فعلاً بعد الغليان، كما عرفت هذا غاية توضيح الكلام في المقام.

قوله (قده): أمّا الملازمة، و بعبارة أخرى- إلخ-.

لا يخفى أنّ الملازمة و إن كانت محقّقة إلاّ أنّ استصحابها مثبت، لأنّ الحكم شرعاً مترتّب على وجود سببه لا على سببيّته له و إنّما يترتّب عليها مع وجود السّبب عقلاً، فافهم.

قوله (قده): لحكومة استصحاب الحرمة على تقدير الغليان- إلخ-.

ربّما يقال: إنّ الإباحة بعد الغليان و عدمها ليسا من آثار الحرمة على تقديره و عدمها بدونه، كي يكون الشّكّ فيهما ناشئاً من الشّكّ فيهما، و بدونه لا يكاد أن يكون بينهما حكومة أصلاً، بل يكونان على تقديره متضادّين و إن لم يكن بينهما تضادّ بدونه كما لا يخفى.

قلت: لا يذهب عليك أنّ الإباحة و إن لم يكن من آثار عدم حرمة العصير بعد غليانه،

____________

(1)- في (عليه السلام): لوجوده.

349

إلاّ أنّها من آثار عدم حرمته قبله المعلّقة عليه، ضرورة توقّف إباحته على عدم حرمته كذلك قبله، فيكون الشّكّ في الإباحة بعده ناشئاً من الشّكّ في حرمته كذلك قبله المحكومة بالبقاء بالاستصحاب المستلزمة للحكم بعدم الإباحة بعده.

إن قلت: نعم لكن هذا الاستلزام، و التّوقّف يكون عقليّاً لا شرعيّا و لا حكومة ما لم يكن التّرتب الشّرعي في البين.

قلت: نعم لو لم يكن الطّرف الحقيقي للتّوقّف العقلي أعمّ من الواقعي المستصحب و الظّاهري الناشئ من الاستصحاب كما في المقام، ضرورة أنّ قضيّة الحرمة التّعليقيّة مطلقا كان دليلها خطاباً على حدة أو استصحاباً هي الحرمة الفعليّة و نفي الإباحة على تقدير تحقّق المعلّق عليه. و بالجملة يكون من آثار الحرمة التّعليقيّة مطلقا قبل الغليان الحرمة الفعليّة بعده، فيكون الشّكّ في الإباحة بعده ناشئاً من الشّك في ثبوت هذه الحرمة قبله، فلا مجال لاستصحابها مع استصحابها، و هل هو إلاّ كاستصحاب وجوب المقدّمة مع استصحاب وجوب ذيها و استصحاب حرمة ضدّ الشّي‏ء، مع استصحاب وجوبه بناء على القول بوجوبها و حرمته، و انّما لا يكون بمجرّد التّرتّب العقلي حكومة ما لم يكن في البين ترتّب شرعي لو كان المرتّب عليه عقلاً خصوص الواقع الحقيقيّ المستصحب، لا الأعمّ منه و من الواقع الجعلي الناشئ من الاستصحاب، فالتفت كي لا تخلط باباً بباب.

قوله (قده): و حلّه أنّ المستصحب هو الحكم الكليّ- إلخ-.

و بعبارة أخرى أنّ المستصحب هو الحكم الكليّ الثّابت للعناوين الباقية و لو بالأشخاص المتبادلة دون نفس الأشخاص، كي يلزم تعدّد (1) الموضوع بمجرّد ذلك، فالموضوع‏ (2) هاهنا كالموضوع في الأوقاف كالفقير و الطّلبة و غيرهما.

قوله (قده): و يتمّ الحكم في المعدومين بقيام الضّرورة- إلخ-.

لا يخفى أنّه لا يكاد أن يتمّ أبداً، ضرورة أنّ قضيّة الاشتراك ليس إلاّ أنّ الاستصحاب حكم كلّ «من كان على يقين فشكّ»، لا أنّ الحكم الثّابت بالاستصحاب في حق «من كان على يقين منه فشكّ» يكون حكم الكلّ و لو من لم يكن على يقين منه؛

____________

(1)- في (عليه السلام): تغير.

(2)- في (عليه السلام): و الموضوع‏

350

و لعمري هذا أوضح من أن يخفى على من له أدنى تأمّل، و لعلّ ذلك سهو من قلمه أو قلم النّاسخ.

قوله (قده): قلت: لو سلّم ذلك لم يقدح- إلخ-.

إنّما لا يقدح لو لم يكن بين المشكوكات علم إجماليّ بالنّسخ أصلاً بأن يكون هي بعض الأطراف له، و يكون سائر الأطراف بين ما لا التفات إليه، أو لا ابتلاء به و لو مع الالتفات إليه و ما علم حكمه في شرعنا، كي لا يجري فيها أصالة عدم النّسخ، فيبقى في المشكوكات بلا معارض، لكن هذا لو قلنا بأنّ حال أصالة عدم النّسخ أو التّخصيص أو التّقييد، إلى غير ذلك في أطراف العلم به حال أصالة البراءة، أو أصالة عدم التّكليف في أطراف العلم به في جريانه في بعض الأطراف إذا كان بعضها الآخر ممّا لا يبتلى به، أو علم تكليفه في مورده بدليل من خارج؛ و فيه تأمّل أشرنا إلى وجهه فيما علّقناه على بحث حجيّة ظاهر الكتاب، فراجع.

قوله (قده): و إنّما يدلّ على وجوب عبادة خالصة- إلخ-.

لظهور كون اللام في «ليعبدوا (1)» زائدة كاللاّم في أمرنا «لنسلم بقرينة عطف «و يقيموا الصّلاة» عليه، مع أنّها لو كانت للغاية و التّعليل، كان الظّاهر أن يكون مدخولها. غاية للأمر و داعياً له تعالى، كما أنّه جعل غاية لخلق الجنّ و الإنس في قوله تعالى‏ «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (2)»، فيدلّ على أنّ تشريع الواجبات عليهم إنّما هو لأجل هذه الغاية كما كان خلقهم لأجلها، لا على وجوب الإخلاص عليهم في كلّ ما أمروا به كما هو المقصود.

نعم إنّما تدلّ عليه لو كان غاية للمأمور به و داعياً للمأمور نحوه، بأن يكون المعنى: و ما أمروا بشي‏ء يؤتى به لأجل غاية إلاّ هذه الغاية، لكنّه بعيد في الغاية كما لا يخفى.

قوله (قده): و قد عرفت أنّ معنى عدم نقض اليقين- إلخ-.

قد عرفت ممّا بيّناه سابقاً بما لا مزيد عليه أنّ حرمة نقض اليقين كناية عن لزوم‏

____________

(1)- البيّنة- 5

(2)- الذاريات- 56.

351

الالتزام بالمتيقّن عملاً، و قضيّته التّعبّد به لو كان من مقولة الأحكام الشّرعيّة و الأمور المجعولة بنفسها، من دون اعتبار تجشم أمر آخر أصلاً لعدم الحاجة كما لا يخفى؛ و التّعبّد بآثاره الشّرعيّة لو كان من الأمور الخارجيّة الغير المجعولة لعدم معقوليّة التّعبّد بها، إلاّ بمعنى التّعبّد بآثارها القابلة له و هي آثارها الشّرعيّة دون العقليّة و العادية، فلا وجه لجعله (قده) معناه مطلقا هو ترتيب الآثار الشّرعيّة، كيف و قد لا يكون للحكم المتيقّن أثر شرعي أصلاً، و آثاره العقليّة من قبيل وجوب المقدّمة و حرمة الضّدّ كما قلنا لا يكون قابلة للجعل، و قد صرّح به هاهنا.

نعم يترتّب عليه بعد الفراغ عن جعله جميع آثاره الشّرعيّة و خصوص ما كان من آثاره العقليّة أو العاديّة، موضوعه مطلق الحكم و لو كان ظاهريّاً؛ و كيف كان فلا سبيل إلى التّنزيل ما لم يكن مورده بنفسه حكماً شرعيّا أو ذا أثر شرعيّ، فلا مجال للاستصحاب بلا شبهة و لا ارتياب فيما كان من الموضوعات غير ذي أثر شرعيّ أصلاً و لو بواسطة حكم شرعي‏ (1)، كما هو أوضح من أن يخفى، كما لا كلام فيما له أثر شرعي بلا واسطة؛ إنّما الإشكال بل الخلاف بين الأعلام فيما كان له الأثر الشّرعيّ بواسطة غير شرعيّة.

فاعلم أنّه ربّما يقال: انّه لا مجال للإشكال في كفاية الانتهاء إلى أثر شرعيّ و لو بوسائط في صحّة التّنزيل، فكما يصحّ تنزيل الموضوع بملاحظة أثره المترتّب عليه بلا واسطة صحّ تنزيله بملاحظة الأثر مع الواسطة، و يدلّ عليه جعل الأمارات على الموضوعات و لو فيما لم يكن له أثر إلاّ بالواسطة، فانّه أيضاً ليس إلاّ تنزيل الموضوعات بلحاظ آثاره الشّرعيّة، و لو لم يصحّ التّنزيل إلاّ بالأثر بلا واسطة لما كان سبيل إلى ترتيب الأثر بالواسطة بواسطة قيام الأمارة عليها كان هناك أثر بلا واسطة أو لا كما لا يخفى، و هو كما ترى.

و بالجملة إنّما لا يعقل تنزيل الموضوع بلا ملاحظة الأثر الشّرعيّ، و امّا معها فهو بمكان من الإمكان و لو كان الأثر مع الواسطة، و سرّه أنّ الأثر كما كان أثراً لها، كان أثراً لذيها، غاية الأمر يكون تنزيله بلحاظه تنزيلاً لها.

إن قلت: فرق بين التّنزيل في مورد الأمارات و مورد الأصول التّعبديّة، و هو أنّ الأمارة تكون حاكية من الواسطة، كما تكون حاكية عن ذيها، فشمول دليل الحجّية لها أيضاً في مورد لا أثر فيه إلاّ بالواسطة، إنّما هو بملاحظتها بنفسها، فإنّها أيضاً من الموضوعات الّتي كانت لها آثار شرعيّة دون ذيها، و هذا بخلاف الأصل فانّه ليس في البين في مورده إلاّ

____________

(1)- في (عليه السلام): و لو بواسطة ما ليس بشرعي.

352

نفس الجعل و التّنزيل شرعاً.

قلت: نعم، و لكنّه ليس بفارق، فإنّ شمول دليل الأمارة القائمة على موضوع ملزوم عقلاً لأمر محكوم بأثر شرعاً لتنزيل هذا الأمر ليس إلاّ بتبع وجوب تصديقها فيما يحكى فيه ابتداء و بلا واسطة، لأنّه‏ (1) لا يكاد أن ينتقل الذّهن إلى تنزيل الواسطة إلاّ بواسطة تنزيل ذيها كما لا يخفى، فلا يترتّب الأثر الشّرعي على نبات اللّحية مثلاً بعد قيام البيّنة على حياة زيد، إلاّ بتبع وجب تصديقها في نفس حياته المستتبع لنباتها المرتّب عليه الأثر.

إذا عرفت صحّة تنزيل الموضوع بلحاظ الأثر بالواسطة أيضاً، فعموم دليل التّنزيل أو إطلاقه كخطاب «لا تنقض اليقين» يقتضى شمول التّنزيل لكلّ موضوع متيقّن، كان له أثر شرعيّ و لو بواسطة أو وسائط. نعم لا يعمّ ما لا أثر له أصلاً و لو كان لملزومه أو لملازمة أثر، إذ ليس أثر ما يلزم الشّي‏ء أو يلازمه بأثره، بل أثر غيره، و لا يصحّ تنزيل شي‏ء بلحاظ أثر غيره.

هذا، و لكن التّحقيق حسبما يساعد عليه النّظر الدّقيق أن يقال: انّ التّنزيل و إن كان يصحّ بلحاظ الأثر مطلقا و لو كان بالواسطة، و يمكن أن ينهض عليه الدّليل، و ليس ممّا لا يكون إليه السّبيل مثل ما إذا لم يكن له أثر أصلا إلاّ أنّه لا يكاد أن ينهض عليه مثل خطاب لا تنقض من دون دلالة، و ذلك لأنّ التفكيكات في مقام التنزيل بين الشي‏ء و لازمه ليس بمستحيل و لا ببعيد عن ظاهر دليل تنزيله، ضرورة انّ خطاب لا تنقض اليقين بحياة زيد مثلاً، فإنّه ليس بظاهر في تنزيل نبات لحيته أيضاً عند الشّكّ في حياته، كي يكون التّفكيك بين تنزيل حياته و تنزيل نبات لحيته تعبّداً لو لم نقل بظهوره في تنزيل خصوص حياته، فلا أقلّ من الاحتمال المانع من الاستدلال به على التّنزيلين، فلا سبيل إلاّ إلى إثبات تنزيل نفس متعلّق اليقين بمثل هذا الخطاب.

إن قلت: نعم لو لم يعمّ متعلّق اليقين لما كان لا أثر له إلاّ بواسطة لازمه و في مثله لا محيص من عدم التّفكيكات، لأنّه ركيك بل مستحيل، لأنّ ترتيب أثر الواسطة عند الشّكّ عين تنزيله فإنّه لا معنى محصّل له إلاّ ترتيب الأثر؛ و أمّا تخصيصه بعدم إرادة مثل هذا المتعلّق، فلا وجه له و أنّه بلا مخصّص.

و بالجملة يكون عموم متعلّق اليقين لما لا أثر له إلاّ بالواسطة قرينة على دلالة الدّليل على التّنزيل بلحاظ أثرها أيضاً كان لذيها أثر بلا واسطة أولا.

____________

(1)- في (عليه السلام): فانه:

353

قلت: نعم لو كان المتعلّق أعمّ ممّا لا أثر له بالواسطة، و مقدار عمومه وسعة دائرته لا يتعيّن إلاّ بتعيّن أنّ التّنزيل بلحاظ كلا الأثرين أو خصوص الأثر بلا وساطة أمر، و لا معيّن إلاّ بمقدّمات الحكمة و هي غير مقتضية للحاظ كلا الأثرين مع وجود القدر المتيقّن، و هو لحاظ الأثر بلا وساطة أمر في البين، فإنّه ممّا لا شبهة فيه و لا شكّ يعتريه، و معه لا دلالة أصلاً على لحاظ أثر آخر، و أمّا ترتيب الأثر مطلقا و لو كان بالواسطة في الطّرق و الأمارات فإنّما هو لأجل أنّ مفاد دليل اعتبارها لزوم الأخذ بتمام ما هي حاكية و كاشفة عنه من المؤدّى بأطرافه من ملزومه و ملازمه و لازمه، و ترتيب الأثر الشّرعي على كلّ واحد منه، و منها كان ذا أثر (1)، غايته أنّه لا يكون قضيّة الدّليل إلاّ التّنزيل له، لكنّه يكفي في شمول دليل الاعتبار لهذه الآثار (2)، مثلاً كون نبات اللّحية ذا أثر كاف في عموم دليل البيّنة لها فيما قامت على حياة زيد و إن لم يترتّب على حياته أثر آخر، فيكون تنزيلاً لنبات لحيته بلسان تصديق البيّنة على حياته.

و هذا بخلاف مثل خطاب «لا تنقض اليقين» ممّا لا يكون دليلاً على الاستصحاب أو غيره من الأصول في الأبواب، فانّه ليس فيه ما كان له دلالة على التّعبّد بالشّي‏ء بلازمه، فضلاً عن ملزومه، كما كان في الأمارات من حكايتها عنه بأطرافه و ظهور دليل اعتبارها في تصديقها فيما يحكى عنه بأطرافه، فلا بدّ في موارد الأصول من دلالة من خارج على أنّ حرمة نقض اليقين بالشّي‏ء مثلاً، إنّما هو بلحاظ الشّي‏ء بلازمه أو به و بملزومه و ملازمه، لما عرفت من جواز التّفكيك بين الشّي‏ء و لازمه في مقام التّنزيل و الخطاب ليس إلاّ قالباً لتنزيله و تنزيله بلحاظ أثر لازمه أيضاً و إن كان ممكناً، إلاّ أنّه لا بدّ من دلالة عليه و مقدّمات الحكمة مع وجود القدر المتيقّن و هو لحاظ أثره غير مقتضية له، فليس الخطاب دليلاً إلاّ على تنزيله بلحاظ أثره الشّرعيّ بلا واسطة، بخلاف دليل الأمارة، فإنّه يدلّ بلسان تصديقها فيما يحكى عنه على ترتيب أثر ذي الأثر من المؤدّى و أطرافه عليه و إن كان ذا ملزومه أو ملازمه، لا هو و لا لازمه.

و لا يخفى أنّ ترتيب أثر كلّ طرف في مورد الأمارة و لو لم يكن للمؤدّى أثر أصلاً أصدق شاهد على أنّه ليس مفاد دليل اعتبارها تنزيل‏ (3) خصوص المؤدّى كما هو مفاد الأصل،

____________

(1)- في (عليه السلام): و كان منها ذو أثر.

(2)- في (عليه السلام): الأمارة.

(3)- في (عليه السلام): لتنزيل.

354

إذ غاية الأمر صحّة تنزيل الشّي‏ء بلحاظ أثر لازمه، لما عرفت سرّه. و أمّا تنزيله بلحاظ أثر ملزومه أو ملازمه فكلا كما لا يخفى، ضرورة أنّ أثرهما لا يكون بأثر له، و امتناع تنزيل الشّي‏ء بلحاظ أثر غيره واضح، من دون حاجة إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

هذا غاية تنزيل المرام في المقام، و عليك بالتّأمّل في أطراف الكلام.

قوله (قده): لأنّه مفاد وجوب ترتيب آثار المتيقّن- إلخ-.

بل لا بدّ مفاد الالتزام بالمتيقّن من دون اعتبار تجشّم شي‏ء كما أشرنا إليه، و إلاّ فلو كان مفاد الخطاب هو وجوب ترتيب الآثار لما كان يعمّ الاستصحاب في الأحكام إلاّ في خصوص ما إذا كان للحكم أثر شرعيّ، لما عرفت ممّا ذكرنا من أنّه لا يعقل التّعبّد بشي‏ء بلحاظ الأثر إلاّ الأثر الشّرعيّ، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): الواجب على الشّاكّ عمل المتيقّن- إلخ-.

لا يقال: ترتيب أثر لازم المتيقّن من عمل المتيقّن لو لم يكن ترتيب أثر ملزومه أو ملازمه من عمله.

لأنّا نقول: لو سلّم ذلك لما أشرنا إلى سرّه، فدلالة الخطاب على إيجاب ما يعمّ هذا العمل ليس إلاّ بمقدّمات الحكمة، و هي غير مقتضية له لما عرفت، و الملازمة بين القطع بهما حقيقة لا يقتضى الملازمة فيما هو بمنزلتهما شرعاً، كما هو واضح.

قوله (قده): إلاّ أن يقال انّ الظّنّ الحاصل من الحالة السّابقة- إلخ-.

أو يقال: إنّ الظّنّ الّذي قام الدّليل على اعتباره هو خصوص الظّنّ بالبقاء، لا بالحدوث و لو نشأ من الظّنّ به؛ و أمّا ترتيب اللّوازم الشّرعيّة على المستصحب فليس لأجل اعتبار الظّنّ بها، بل لاعتبار نفس الظّنّ به كما لا يخفى، ضرورة أنّه لا يكاد أن يتعقّل لاعتبار الظّنّ به إلاّ ذلك، و لعلّه منشأ عدم اعتنائهم بالأصل المثبت في كثير من المقامات، مع كون الاستصحاب عند جلّ قدمائهم لو لا الكلّ من باب الظّنّ؛ و أمّا الاعتناء به في بعض المقامات فلعلّه لأجل مساعدة الدّليل على الظّنّ بخصوص لازم من بين لوازم المستصحب، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى في الحاشية الآتية.

355

قوله (قده): نعم هنا شي‏ء و هو أنّ بعض الموضوعات الخارجيّة المتوسّطة- إلخ-.

وجه ذلك أنّ المتفاهم عرفا من الخطاب هو إيجاب ترتيب ما يعدّ بحسب نظر العرف من الآثار الشّرعيّة لنفس المستصحب بالاستصحاب و لو لم يكن حقيقة كذلك، بل كان كذلك للواسطة، و ذلك لما عرفت من أنّ الدّلالة على الأثر الّذي بلحاظه يكون التّنزيل في مورد الاستصحاب إنّما هو بمقدّمات الحكمة، و لا يتفاوت بحسبها فيما يعدّ عرفاً أثراً بين ما كان أثراً بلا واسطة، و معها كما لا يخفى.

و لا يذهب عليك أنّ ذلك من باب تعيين مفهوم الخطاب بمتفاهم العرف، لا من تطبيق المفاهيم على مصاديقها العرفيّة خطأ أو مسامحة، كما توهّمه بعض السّادة من الأجلّة (قده)، فأشكل عليه بأنّه لا اعتبار بمسامحات العرف في التّطبيقات، و كأنّه قد توهّم من مطاوي كلماته (قده) أنّه استظهر من الخطاب وجوب ترتيب الأثر بلا واسطة بالاستصحاب، و مع ذلك الحق به ما بالواسطة الخفيّة لتطبيقه عليه بالمسامحة العرفيّة و إن لم يكن منطبقاً عليه حقيقة، و غفل عن أنّه بصدد ادّعاء أنّ الظّاهر منه هو وجوب ترتيب الأثر بلا واسطة عرفاً، فيكون تطبيقه على ما يكون بلا واسطة كذلك تطبيقاً حقيقيّاً دقيقيّاً بلا مسامحة؛ و سرّه أنّه قد مرّ أنّ تعيينه بمقدّمات الحكمة، و ليس ما لا واسطة له أصلاً بالإضافة إلى ما لا واسطة له عرفاً بالقدر المتيقّن في مقام التّخاطب كما لا يخفى، و لا اعتبار بالقطع بإرادة مقدار من الخارج، فإنّ المدار فيها إنّما هو على القطع به في مقام التّخاطب، كما حققناه في البحث غير مرّة، فتأمّل تعرف سرّه.

ثمّ لا يخفى عدم اختصاص ذلك التّعميم بما إذا قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار، بل يكون ذلك و لو قيل باعتباره من باب الظّنّ مع الذّهاب إلى عدم حجّية المثبت منه، لما مرّ من وجهه، قلت و يلحق بذلك أي خفاء الواسطة، جلائها و وضوحها فيما كان وضوحه بمثابة يورث الملازمة بينهما في مقام التّنزيل عرفاً، بحيث كان دليل تنزيل أحدهما دليلاً على تنزيل الآخر، كما هو كذلك في المتضايفين لأنّ الظّاهر أنّ تنزيل أبوّة زيد لعمرو مثلاً يلازم تنزيل بنوّة عمرو له، فيدلّ تنزيل أحدهما على تنزيل الآخر و لزوم ترتيب ما له من الأثر.

إن قلت: هذا إنّما يتمشّى في خصوص ما إذا كان للمستصحب أيضاً بلا واسطة أثر، كي يعمّه الخطاب، فيدلّ التزاماً على ترتيب أثرها عليها، بخلاف ما إذا لم يكن له أثر إلاّ بوسائطها لعدم شمول الخطاب له، فيدلّ بالملازمة على ترتيب أثرها، كما لا يخفى.

قلت: انّه مضافاً إلى عدم القول بالفصل في الآثار مع الواسطة بين ما كان‏

356

للمستصحب أثر بلا واسطة و ما إذا لم يكن، ضرورة وجوب ترتيبها عليه بالاستصحاب على القول بالأصل المثبت، و عدم جواز ترتيبها على القول بعدمه يجدى ذلك فيما هو المهمّ من إلحاق الواسطة الجليّة في الجملة، و عدم اختصاص الاستثناء من عدم القول بالأصل المثبت بها كما لا يخفى، مع إمكان دعوى أنّ التّلازم بين الشّيئين إذا كان بمثابة يوجب التّلازم بينهما في مقام التّنزيل يورث أن يلاحظ شيئاً واحداً ذا وجهين كان له الأثر بأحد الوجهين أو اثنين موضوعين لأثر واحد (1).

و بالجملة يرى أثر أحدهما أثر الإثنين عرفاً، و معه لا وجه لعدم شمول الخطاب للاستصحاب في مثل هذا المورد لصحّة تنزيل كليهما بلحاظ هذا الأثر، أ لا ترى صحّة تنزيل الأبوّة بلحاظ أثر البنوّة و لو لم يكن لها أثر آخر و بالعكس، و ليس هذا من قبيل الخطاء أو المسامحة في التّطبيق، بل من باب دعوى أنّ المفهوم من الخطاب ما ينطبق عليه بالتّدقيق، كما نبّهنا عليه.

ثمّ أنّه لا يبعد أن يكون ذلك منشأ عمل جماعة من القدماء و المتأخّرين بالأصول المثبتة في مقام، و عدم العمل بها في مقام آخر، و حمل ذلك على تفاوت المقامين في خفاء الواسطة و عدمه كما ترى، يكذبه ملاحظة أنّ الواسطة في موارد عملهم في غاية الوضوح.

ثمّ إنّه ليس ببعيد أن يكون الأمر كذلك و لو على القول بحجيّة الاستصحاب من باب الظّنّ بناء على المنع من حجيّة المثبت عليه أيضا على ما أشرنا إليه من منع الملازمة بينه و بين القول بحجيّة المثبت منه، فانّه من البعيد جدّاً التّفكيك بحسب السّيرة العقلائيّة فيما يعدّه العرف من أثر الشّي‏ء بين ما كان أثره حقيقة و ما لم يكن كذلك، و لكن يعدّ من آثاره لخفاء الواسطة، أو لوضوح الملازمة بينهما، كما عرفت بترتيب الأوّل باستصحابه و عدم ترتيب الآخر، فتدبّر جيّداً.

وهم و إزاحة

اعلم أنّه ربّما يتوهّم أنّه كيف يكون ترتيب الآثار العقليّة وحدها أو مع الآثار الشّرعيّة بوساطتها على المستصحب من الأصل المثبت الّذي لا اعتبار به، مع أنّه لا يكاد أن يوجد استصحاب حكم أو موضوع لا يترتّب عليه أثر عقلي بواسطة أثر شرعيّ مثل نفي غيره من‏

____________

(1)- في (عليه السلام): أو اثنين توأمين يرتضعان بلبن واحد.

357

أضداده في استصحاب الحكم مطلقا و حرمة الضّدّ و وجود المقدّمة في استصحاب وجوب شي‏ء على القول باقتضاء إيجاب شي‏ء لحرمته و وجوبها، و كذا الحال في استصحاب الموضوع الموجب لترتّب آثاره الشّرعيّة بلا واسطة و ترتيب الآثار العقليّة بواسطتها.

لكن لا يخفى أنّ ذلك التّوهّم لأجلها فزع السّمع من القيل و القال، من دون تدبّر في حقيقة الحال؛ توضيح المقال انّ الأثر العقلي لا يترتّب بالاستصحاب و لا يصير واسطة لترتّب الأثر الشّرعي في باب إذا كان أثراً لما يستصحب من الواقع بما هو واقع، و قد أريد ترتيبه أو ترتيب أثره الشّرعي عليه باستصحابه، لا إذا كان أثراً له مطلقا و لو لوجوده‏ (1) الاستصحابي.

و بعبارة أخرى إذا كان أثراً للأمور التّعبديّة المجعولة واقعاً أو ظاهراً و لو بخطاب «لا تنقض اليقين» كوجوب الإطاعة و حرمة المعصية، و حرمة الضّدّ و وجوب المقدّمة، إلى غير ذلك من الآثار العقليّة المترتّبة على تحريم شي‏ء أو إيجابه شرعاً مطلقا و لو بالاستصحاب، ضرورة أنّ الاستصحاب حينئذ يكون محقّقاً لما هو موضوعه حقيقة لا جعلاً، كي لا يتصور جعله‏ (2) و تنزيله بالإضافة إلى الأثر العقلي، و لا إلى ما بواسطته من الأثر الشّرعيّ كما لا يخفى.

و بالجملة الممنوع من ترتيبه هو الأثر العقلي للمستصحب بوجوده الواقعي، و كذا أثره الشّرعي بواسطته و هذه الآثار انّما هي يكون من آثار تحقّقه الأعمّ من وجوده الواقعي و الاستصحابي، فيجب ترتيبها بالاستصحاب و إلاّ لزم التّفكيك بين الملزوم و لازمه أو الخلف، و كذا ترتيب آثاره الشّرعيّة لذلك، فتفطّن كي لا يختلط عليك الأمر.

ثمّ لا بأس بالإشارة إلى بعض المقامات الّتي توهّم كونها من موارد الأصول المثبتة و ليس منها:

[بعض المقامات التى توهم كونها من موارد الاصول المثبة]

أحدها ما لو نذر التّصدّق بدرهم ما دام ولده حيّاً،

حيث توهّم أنّ استصحاب- حياته في يوم شكّ فيها لإثبات وجوب التصدّق مثبت، فانّه يكون أثر الالتزام به في يوم كان ولده حيّاً فيه، فانّ نذره كذلك مع حياته في يوم يلازم الالتزام بوجوبه فيه عقلاً، فلا يحكم‏

____________

(1)- في (عليه السلام): لوجوده.

(2)- في (عليه السلام): لجعله.

358

بوجوب التّصدّق باستصحابها إلاّ بواسطة ما لازمها عقلاً، و هو نذره، و الالتزام به من باب وجوب الوفاء بالنّذر، و إلاّ فوجوب التّصدّق ما كان مترتّبا على حياة الولد في خطاب فيترتّب عليها مع الشّكّ بالاستصحاب.

و لا يخفى عدم اختصاص منشأ التّوهم بالباب، بل يعمّ سائر أبواب العقود و الإيقاعات، ضرورة أنّ زيداً بما هو زوج يجب الإنفاق من ماله على زوجته، و بما هو موقوف عليه يستحقّ من الوقف، فاستصحاب حياته لا يجدى في إثبات وجوب الإنفاق و لا الاستحقاق، لأنّهما لا يترتّبان عليه إلاّ بتوسط ما يلازمه من العنوان عقلاً على تقدير الحياة، فيلزم سدّ باب الاستصحاب في غير باب عند من لا يقول بالأصل المثبت و الالتزام بخفاء الواسطة فيها كما ترى، كيف و إلاّ صار الاستصحاب في هذه الأبواب محلا للنّزاع و الخلاف لاختلاف أنظار أرباب هذا القول في خفائها فيها، لبعد الاتّفاق منهم في ذلك من باب الاتّفاق جدّاً كما لا يخفى.

و التّحقيق في دفع هذه الغائلة أن يقال: انّ مثل الولد في المثال و إن لم يترتّب على حياته أثر في خصوص خطاب إلاّ أنّ وجوب التّصديق قد رتّب عليه لعموم الخطاب الدّالّ على وجوب الوفاء بالنّذر، فإنّه يدلّ على وجوب ما التزم به النّاذر بعنوانه الخاصّ على ما التزم به من قيوده و خصوصيّاته، فإنّه لا يكون وفاء لنذره‏ (1) إلاّ ذلك.

و بالجملة إنّما يجب بهذا الخطاب ما يصدق عليه الوفاء بالحمل الشّائع، و ما يصدق عليه الوفاء بهذا الحمل ليس إلاّ ما التزم به بعنوانه بخصوصيّاته، فيكون وجوب التّصدّق بالدّرهم ما دام الولد حيّاً في المثال مدلولاً عليه بالخطاب، لأجل كون التّصدّق به كذلك وفاء لنذره، فاستصحاب الحياة لإثبات وجوب التّصدّق به غير مثبت، و وجه ذلك أي سراية الحكم من عنوان الوفاء بالوعد أو العقد أو النّذر و شبهه من الحلف و العهد، إلى تلك العناوين الخاصّة المتعلّقة بها أحد هذه الأمور حقيقة، هو أنّ الوفاء ليس إلاّ منتزعاً عنها و تحققه يكون بتحقّقها، و إنّما أخذ في موضع الخطاب مع ذلك دونها لأنّه جامع لها مع شتاتها و عدم انضباطها، بحيث لا يكاد أن يندرج تحت ميزان، أو يحكى عنها بعنوان غيره كان جامعاً و مانعاً كما لا يخفى.

و هذا حال كلّ عنوان منتزع عن العناوين المختلفة المتّفقة في الملاك للحكم عليها المصحّح لانتزاعه عنها كالمقدميّة و الضدّيّة و نحوهما، و لأجل ذلك يكون النّهى المتعلّق بالضّد

____________

(1)- في (عليه السلام): نذره.

359

بناء على اقتضاء الأمر بالشّي‏ء له من باب النّهى في المعاملة أو العبادة، لا من باب اجتماع الأمر و النّهى.

لا يقال: انّ الغصب مثلاً له عنوان منتزع، فكيف إذا اجتمع مع الصّلاة يكون من باب الاجتماع، لا النّهى في العبادات و المعاملات.

لأنّا نقول: إنّ الغصب و إن كان منتزعاً إلاّ أنّه ليس بمنتزع عن الأفعال بما هي صلاة، بل بما هي حركات و سكنات، كما ينتزع عنها عنوان الصّلاة أيضاً، و هذا بخلاف عنوان الضّدّ فانّه منتزع عن الصّلاة بما هي صلاة فيما إذا زاحمت هي كذلك واجباً مضيّقاً، فإذا اقتضى الأمر به النّهى عن ضدّه يكون النّهى متعلّقا بالصّلاة، فاحفظ ذلك فإنّه ينفعك في غير مقام.

ثانيها استصحاب وجود شرط شي‏ء أو عدم مانعه أو بالعكس،

إذ يتخيّل أنّه لا أثر شرعاً يترتّب على وجود أحدهما أو عدمه و الشّرطيّة و المانعيّة من الأحكام الوضعيّة، و هي على التّحقيق غير مجعولة، و جواز الدّخول في المشروط و الممنوع عند وجود الشرط و فقد المانع و عدم جوازه عند العكس ليسا أيضا بشرعيّ، بل عقليّ، لاستقلال العقل بهما كما لا يخفى.

لكنّه تخيّل فاسد كما أشرنا في بعض الحواشي السّابقة، فإنّ الشّرطيّة و المانعيّة و إن كانتا من الوضع و هو الغير القابل للجعل على ما فصّلناه تحقيق القول فيه إلاّ أنّ يد التّصرّف من الشّارع تناله و لو بتبع منشأ انتزاعه و لحاظ مثله ممّا إليه للجعل و التّصرف سبيل يكفى في صحّة التّنزيل و لزوم قبوله له بالاستقلال بلا دليل، و إن أبيت إلاّ عن عدم كفاية ذلك، فالأثر الشّرعيّ المترتّب بالاستصحاب هو نفس التّكليف المنتزع عنه الشّرطيّة و المانعيّة و عدمه، لأنّ للشّرط و المانع دخلاً وجوداً و عدماً فيه كذلك، و لا يعتبر في مثل باب الاستصحاب أزيد من كون الشّي‏ء ذا دخل في موضوع الأثر الّذي أريد ترتيبه عليه باستصحابه و إن لم يكن تمامه، بل كان قيده و به قوامه، فيوسع بدليل الاستصحاب دائرته عند الشّكّ في بقاء شرطه و حدوث مانعه و يضيق أخرى عند الشّكّ فيهما على عكس ذلك كما لا يخفى، و ذلك ضرورة صحّة تصرّف الشّارع ظاهراً مع الشّكّ في كل ما صحّ التّصرّف فيه واقعاً، و هذا لمن كان له أدنى التفات واضح.

نعم لا يصحّ استصحاب شرط نفس التّكليف وجوداً و عدماً، و كذا مانعه إن لم يترتّب عليه في خطاب، ضرورة أنّ ترتّبه على مقتضية مع وجود شرطه و فقد مانعه بالعقل، لأجل‏

360

استحالة انفكاك المعلول عن علّته، فلا مجال لإثبات حكم شرعيّ باستصحاب شرطه و عدم مانعه إذا ظفر بمقتضيه و شكّ فيهما، و ذلك لأنّه و إن كان لهما دخل فيما يترتّب عليه الحكم الشّرعي، إلاّ أنّه عقلاً لا شرعاً و التّرتّب ما لم يكن شرعياً لا يصحّ التّوسعة و التّضيق‏ (1) ظاهراً فيما يترتّب عليه، لما عرفت من أنّه إنما يكون له ذلك فيما كان واقعه بيده و بجعله، فتدبّر جيّداً.

اللّهم إلاّ أن يتشبّث بذيل ما استثناه من الأصل المثبت بدعوى‏ (2) الملازمة بين تنزيل العلّة أو الجزء الأخير منها، و بين تنزيل معلولها، فيكون بين حرمة نقض اليقين بالشّرط بالشّكّ فيه مع إحراز سائر أجزاء العلّة، هو الالتزام ظاهراً بما هو معلولها من الحكم، و قد عرفت أنّه مع هذه الملازمة لا يلزم أن يكون مورد الاستصحاب حكماً أو ذا حكم، بل يكفى أن يكون أحد المتلازمين كذلك، فإنّهما بهذه الملازمة يكونان كالواحد الّذي كان له وجهان، فيوجّه الخطاب لأجل كونه بلحاظهما مورد الاستصحاب، حيث يكون بحسب أحدهما متيقّناً في السّابق و مشكوكاً في اللاّحق، و بالآخر قابلاً للجعل و التّعبّد ظاهراً.

ثالثها الاستصحاب في الموضوعات الخارجيّة،

يتوهّم أنّه لا أثر لها شرعاً إلاّ بواسطة انطباق العناوين الكليّة عليها، ضرورة أنّ الأحكام الشّرعيّة يكون لها، لا للموضوعات الخارجيّة الشّخصيّة، فيكون استصحابها بملاحظة تلك الأحكام مثبتاً، و أنت خبير بوضوح فساده، لاتّحاد تلك العناوين خارجاً مع ما انطبقت عليها من الموضوعات الخارجيّة، ضرورة أنّها لا بشرط أخذت في موضوعات الأحكام، و ما لا بشرط يجتمع مع ألف شرط، فأين هذا من الحاجة في ترتيب الأثر إلى الواسطة التي هي مباينة مع ذيها وجوداً، و مخالفة له حكماً، فإذا منع عن صحّة التّنزيل في ذي الواسطة بلحاظ أثرها، لأجل عدم مساعدة الدّليل عليه، فكيف يتوهّم أنّه من هذا القبيل كان تنزيل الموضوعات الخارجيّة بلحاظ آثار ما ينطبق عليها و يتّحد معها في الخارج من العناوين الكليّة، مع ما في البين من بعد المشرقين، هذا لو قلنا بتعلّق الأحكام الشّرعيّة بالطّبائع؛ و أمّا لو قلنا بتعلّقها بالأشخاص، فالأمر أوضح و أجلى لا يكاد أن يخفى على جاهل، فضلا من فاضل، و إن حكى عن بعض الأعاظم من‏

____________

(1)- في (عليه السلام): من الشارع.

(2)- في (عليه السلام): و يدعى.

361

المعاصرين، و لعلّه لعدم الوصول إلى حقيقة مرامه من كلام، و العذر في الإطناب بأنّ هذه المسألة من مهمّات مسائل الاستصحاب و هو الموفق للصّواب.

قوله (قده): مثل أصالة

(1)

عدم الحاجب- إلخ-.

اعلم أنّ المسلّم ممّا قاما عليه هو ما إذا كان الشّكّ فيه لا لمنشإ (2) يوجبه عند العقلاء، لما ترى من الفحص و التّفتيش فيما كان له منشأ كذلك، و معه لا سبيل إلى تعيين أنّ قيامهما عليه يكون من باب التّعبّد لو لم يدع أنّه من باب الظّنّ، هذا إذا كان الشّكّ في وجود الحاجب؛ و أمّا إذا كان في حاجبيّة الموجود، فالظّاهر أنّ سيرة العقلاء على الاعتناء به و الفحص عن حاله. نعم لو كان بعد الفراغ، فربّما لا يعتنى به لأجل قاعدة أخرى كقاعدة الفراغ، و لعلّ ما ذكرناه وجه تنظره.

قوله (قده): إلاّ أن يقال انّ الحدوث هو الوجود المسبوق بالعدم- إلخ-.

لا يخفى أنّ الحدوث إن كان عبارة عن نفس ذاك الوجود الخاصّ أي المسبوق بالعدم، فأصالة عدم وجود الشّي‏ء قبل زمان علم بوجود فيه لا يثبت حدوثه فيه إلاّ على القول بالأصل المثبت مطلقا أو في مثله بدعوى ثبوت الملازمة بين تنزيليهما كما عرفت؛ و إن كان عبارة عن الوجود فيه مع عدمه قبله بأن يكون التّعبير به عبارة أخرى عن أن يقال: إذا وجد فيه و كان معدوماً قبله مثلاً، فأصالة العدم يجدى في ثبوته بالمعنى الّذي أخذ بذاك المعنى موضوعاً كما لا يخفى، و يكون حاله حال سائر الموضوعات المركبة أو المقيّدة الّتي يكون جزئها أو قيدها على طبق الأصل، و قد عرفت في السّابق أنّ الأصل فيما أخذ في موضوع الحكم شطراً أو شرطاً ليس بمثبت، و إنّما يكون مثبتاً على التّقدير الأوّل إذ لم يؤخذ في الموضوع شرعا و إن توقّف تحقّقه عليه عقلاً، فافهم فانّه لا يخلو عن دقّة.

قوله (قده): و أمّا أصالة عدم أحدهما في زمان حدوث الآخر- إلخ-.

لا يخفى أنّه لا مجال لأصالة عدم أحدهما في زمان حدوث الآخر في نفسها مع قطع النّظر عن المعارضة بها في الآخر، للقطع بوجود كلّ منهما في زمان، و أمّا أنّه كان في زمان الآخر

____________

(1)- و في المصدر: مثل إجراء أصالة ...

(2)- في (عليه السلام): بمنشإ.

362

و إن كان مشكوكاً، إلاّ أنّه غير مسبوق بالعدم، فانّه حدث امّا فيه أو في غيره من زمان سبقه أو لحقه.

و بالجملة ما ذكره في دفع توهم جريان الأصل في طرف المعلوم، و معارضته في طرف المجهول به من قوله (قده): «و يندفع- إلى آخره-» جار هاهنا في الطّرفين.

و التّحقيق حسبما يساعد عليه التّدقيق، أنّ الغرض إن كان متعلّقا بمجرّد عدم أحدهما في زمان الآخر، فالأصل في نفسه يجري في الطّرفين مطلقا و لو كان أحدهما معلوم التّاريخ، ضرورة أنّ وجودهما الخاصّ و هو الوجود في زمان الآخر مشكوك الحدوث، لاحتمال أن لا يوجدا به و إن علم تحقّقهما بوجود ما، فيكون مسبوقاً بالعدم، فيستصحب لمكان أركان الاستصحاب بلا ارتياب حتّى فيما علم زمان حدوث أحدهما و كون وجود كلّ منهما معلوماً لا ينافي الشّكّ في تحقّقه‏ (1) بوجود خاصّ و هو الوجود في زمان الآخر المسبوق بنقيضه و هو سلب هذا الوجود الخاصّ و نفيه في الأزل، فليتعبّد به باستصحابه ما لم يعلم بانقلابه و إن علم بانقلاب عدمه في الجملة.

لا يقال: إذا علم ذلك علم انقلاب عدمه المطلق بنحو خاصّ من الوجود على الإجمال، و معه لا مجال لاستصحاب عدم هذا الوجود لمعارضته باستصحاب عدم نحو آخر من أنحائه المحتملة.

لأنّا نقول: نعم لو كان الأثر المهمّ مترتّباً وجوداً على بعض أنحاء وجوده، و عدماً على البعض الآخر، لا إذا كان مترتّباً وجوداً و عدماً على هذا الوجود و عدمه، كما هو المفروض؛ فظهر أنّ استصحاب عدم وجود كلّ في زمان الآخر في نفسه لو لا معارضته به في الآخر جار مطلقا و لو في معلوم التّاريخ، إذ العلم به غير ضائر بالشّكّ في وجوده بوجود خاصّ، و هو وجوده في زمان الآخر أصلاً كما لا يخفى، و إن كان الغرض متعلّقا بأنّه لم يكن وجوده الثّابت في زمان معلوم أو مجهول في زمان الآخر أو كان، فلا مجال للأصل أصلاً، فانّ الوجود المحقّق في كلّ واحد منهما المشكوك كونه في زمان الآخر غير مسبوق بعدم كونه فيه، بل إمّا حدث مسبوقاً أو ملحوقاً أو فيه، و إمّا سبق وجود مجهول التّاريخ في زمان معلومه بالعدم، فهو أيضاً بالنّسبة إلى أصل تحقّقه لا بالنّسبة إلى وجوده المعلوم، فإنّه إمّا كان في زمان معلوم التّاريخ، أو في زمان آخر، فلم يكد يكون مسبوقاً بعدم كونه في زمانه ثم شكّ في أنّه على ما كان يستصحب العدم، و إنّما يصحّ استصحاب عدم وجوده الخاصّ و هو وجوده‏

____________

(1)- في (عليه السلام): التحقيق.

363

فيه، كما مرّ.

و بالجملة لا حالة سابقة في البين لو شكّ في أنّه متى كان وجود أحد الحادثين اللّذين كان كلّ منهما مجهول التّاريخ، أو كان أحدهما و تعلّق الغرض بتعيين ذلك، و أنّه كان في زمان الآخر أو في زمان آخر، فلا استصحاب، و الاستصحاب السّابقة إنّما يكون لو شكّ في أنّه هل تحقّق بوجود خاصّ و هو وجوده في زمان الآخر الّذي هو مفاد كان التّامّة، من دون نظر إلى وجوده المحقّق، و أنّه متى كان الّذي هو مفاد كان النّاقصة، لما عرفت من احتمال عدم تحقّقه به و إن تحقّق بوجود آخر، فلا مانع من استصحابها في أحدهما إلاّ استصحابها في الآخر، فيجري لو لا هذه المعارضة، كما إذا لم يكن لها فيه أثر شرعاً.

و من هنا ظهر أنّ الثّمرة بين ما حقّقناه، و ما ذكره يظهر فيما إذا لم يكن أثر إلاّ لوجود أحدهما في زمان الآخر فيجري على ما ذكره لعدم المعارضة، و لا يجري على ما ذكرناه لعدم سبق الحالة إلاّ فيما إذا كان الشّكّ في أصل تحقّقه الخاصّ، فيعارض الأصل في كلّ واحد بمثله في الآخر لو كان الكلّ ذا أثر، و إلاّ يجري في ذلك الأثر بلا معارض من غير تفاوت في ذلك كلّه بين الجهل بتاريخ كليهما أو تاريخ أحدهما، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

ثمّ انّى أظنّك أن تحدس من ذلك أنّ الأمر في الاستصحاب فيما إذا شكّ في بقاء مجهولي التّاريخ كذلك، أي أصالة البقاء جارية في نفسها لو لا المعارضة في كلّ منهما لو كان الأثر المقصود مترتّباً على مجرّد بقائه في الحال، من دون حاجة إلى إحراز ترتّبه عن محلّ أصلاً (1). و بعبارة أخرى كان الأثر لثبوته، لا لثبوته لغيره في هذا الحال و غير جارية فيما كان الأثر لثبوته لغيره مثلاً لو علم بحدوث طهارة و حدث في ساعتين من غير علم بكون أيّهما في الأولى و الآخر في الثّلاثة فشكّ لذاك في طهارته و حدثه في ثالثة بعدهما، فيتعارض الأصلان فيما كان الأثر لمجرّد ثبوتهما، و لا يجري فيما كان لثبوتهما للإنسان كي نحتاج إلى إثبات أنّه الآن متطهّر أو محدث، و ذلك للشّك في بقاء الطّهارة من زمان حدوثها على حالها إلى الحال، و كذا الحدث على التقدير الأوّل، فيكون كلّ واحد مورد الاستصحاب [1]

____________

[1]- هذه حاشية منه (ره):

لا يخفى أنّه مع العلم بارتفاع ما هو الواقع في السّاعة الأولى منهما و عدم إحراز ما هو الواقع في الثانية المتّصلة بالثالثة المشكوك فيها وجود كلّ منهما، كيف يصحّ استصحاب واحد منهما فيها و هي يكون استصحاب ثبوتهما إلاّ كاستصحاب بثبوتهما للغير كما على التّقدير الثّاني، حسبما لا يخفى، فتأمّل جيّداً.

____________

(1)- تطبيقه على محلّه أصلاً. ن‏

364

بلا ارتياب.

و أمّا على التّقدير الثّاني فلأنّه لم يكن على يقين منهما في غير السّاعة الثّانية، و أمّا فيها فلأنّه و إن كان على يقين منهما إلاّ أنّه لم يعلم أنّه على أيّ حال كان في السّاعة السّابقة، و أنّه كان على الطّهارة أو الحدث، فلا مجال لاستصحاب واحد منهما لاختلال ما يعتبر فيه من إحراز اتّصال زمان الشّك في تحقّقه فيه بزمان تحقّقه على اليقين، لعدم صدق نقض اليقين بالشّكّ بدون ذلك، أي الاتّصال، و إلاّ لصدق على ما إذا شكّ فيه، و قد علم به في زمان سابق و لو مع العلم بارتفاعه، و هو ضروريّ البطلان، و مع عدم إحرازه فليس التّمسّك بالخطاب إلاّ من باب التّمسّك بالدّليل فيما لم يعلم أنّه من مصاديق مدلوله، و كيف يكون للاستصحاب هاهنا مجال مع كون المكلّف على حال واحد بالنّسبة إلى زمان المستصحب و زمان المشكوك، فانّه فيهما على يقين من كلّ منهما بعد السّاعة الأولى، و أمّا فيها فلم يعلم إلاّ بتحقّق أحدهما مردّداً بينهما؛ فظهر أنّه لا مجال لاستصحاب الطّهارة، و لاستصحاب الحدث في الحال كي يسقط بالتّعارض بناء على عدم شمول الخطاب للاستصحاب في أطراف العلم بانتقاض اليقين، أو لا يسقطا بناء على شموله إلاّ في صورة مخالفة الاستصحابين لتكليف معلوم في البين على ما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام فيه.

فظهر أنّه لا بدّ من الرّجوع إلى أصل آخر من قاعدة أو استصحاب مثلاً إذا غسل ثوباً (1) بماءين مشتبهين، فالمرجع هو استصحاب نجاسته المعلومة بمجرّد ملاقاته للماء الثّاني قبل حصول شرائط التّطهير النّاشئة منها، أو من ملاقاة الأوّل مع العلم بطهارتها بعد استعمال الطّاهر من الطّرفين بشرائط التّطهير و نجاستها باستعمال النّجس منهما، حيث عرفت أنّه لا مجال للاستصحاب في مجهولي التّاريخ أصلاً، فيبقى استصحاب نجاستها المعلومة تاريخها بلا معارض، فيقال إنّها كانت نجسة حين أوّل ملاقاتها للثّاني فالآن كما كانت بالاستصحاب.

نعم استصحاب وجودها الّذي كان مفاد كان التّامّة معارض باستصحاب طهارتها المجهولة تاريخها هكذا، أي بوجودها الّذي كان مفاد كان التّامّة، لما عرفت من صحّة

____________

(1)- في (عليه السلام): يده.