درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
365

الاستصحاب في مجهولي التّاريخ هكذا لو لا المعارضة، و المعارضة بين استصحابيهما في المثال لا يمنع عن معارضة استصحاب الطّهارة المعلومة التّاريخ باستصحاب النّجاسة منهما أيضاً، فإنّه يكون من باب تعارض الأصل بالأصلين، فتأمّل فيما ذكرناه في المقام، فإنّه مزلقة الأقدام للأعلام.

قوله (قده): و يندفع بأنّ نفس وجوده غير مشكوك في زمان- إلخ-.

مراده أنّ وجوده المحمولي الّذي كان مفاد كان التّامّة غير مشكوك فيه، فيصير مجرى الاستصحاب، و وجوده الرّابطي الّذي كان مفاد كان النّاقصة أي كون وجوده هذا في زمان الآخر أو في زمان آخر و إن كان مشكوكاً فيه، إلاّ أنّه لا حالة سابقة له تستصحب، لأنّه وجد إمّا في زمانه أو في زمان آخر، و قد عرفت انّه إن كان الغرض مترتّباً على وجودهما الخاصّ المحمولي، و هو تحقّق كلّ في زمان حدوث الآخر، فهو في كلّ منهما مشكوك فيه و مسبوق بالعدم الأزلي، و كما أنّ أصل الوجود في معلوم التاريخ معلوم، كذلك في مجهول التّاريخ، لكنّه لا يمنع عن استصحاب عدم هذا الخاصّ في واحد منهما كما لا يخفى؛ و إن كان مترتباً على وجودهما الرّابطي، فهو في كلّ منهما و إن كان مشكوكاً فيه إلاّ أنّه غير مسبوق بالعدم، إذ الوجود في كلّ إمّا تحقق في زمان الآخر، أو في زمان آخر من دون اختصاص بأحدهما دون الآخر، و الظّاهر انّه نظر في مجهول التّاريخ إلى أصل وجوده الخاصّ فحكم عليه بأصالة عدمه في تاريخ الآخر، إذ لم يعلم، و في معلوم التّاريخ إلى حال وجوده المحقّق و كونه في زمان الآخر، و من المعلوم أنّه ليس مسبوقاً بالعدم، كما تقدّم؛ و أنت خبير بأنّه لا وجه لذلك، فلينظر في كلّ إلى ما ينظر إليه من نحو وجوده في الآخر، و إلاّ لأمكن أن ينظر على عكس ذلك ليعكس الأمر.

ثمّ لا يخفى انّه يلحق بذلك، أي ما علم تاريخ أحدهما فيما ذكره (قده) لو تمّ ما جهل تاريخهما إذا كانت محتملات زمان أحدهما أقلّ من محتملات زمان الآخر، فانّ أصالة عدم ما كانت محتملات زمانه أكثر في زمان الآخر جارية بلا معارض؛ و توهّم معارضتها بأصالة العدم فيه، يندفع بما أفاده (قده) في دفعه فيما علم تاريخ أحدهما، لكن قد عرفت ما هو التّحقيق، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): نعم يظهر من إطلاقهم‏

(1)

التّوقّف في بعض المقامات- إلخ-.

قد عرفت في الحاشية السّابقة وجه ذلك، و هو معارضة الأصل في مجهول التّاريخ‏

____________

(1)- و في المصدر: نعم ربما يظهر ..

366

بالأصل في معلومه على تقدير إرادة نفي وجوده الخاصّ، و عدم جريانه في نفسه على تقدير إرادة إثبات أنّ وجود الخاصّ ما كان في زمان الآخر، و قد عرفت أنّ الأصل في طرف بقاء الحادثين مع اشتباه المتقدم منهما أيضاً يجري لو لا المعارضة على تقدير إرادة إثبات‏ (1) المحمولي، و لا يجري على تقدير إرادة التّطبيق و الثّبوت الرّابطي الّذي عرفت‏ (2) أنّه مفاد كان النّاقصة، إلاّ أنّه قد علمت أنّ المرجع على هذا التقدير في صورة العلم بتاريخ أحدهما هو استصحابه لعدم مانع عن جريانه مع تحقّق أركانه، و على التّقدير الأوّل هو أصل آخر لأنّ استصحابه و إن تحقّق أركانه إلاّ أنّه معارض باستصحاب الحادث الآخر، هذا.

قوله (قده): فلا وجه لإنكاره، إذ لا يعقل الفرق بين مستصحب علم بارتفاعه في زمان و ما لم يعلم- إلخ-.

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ وجه إنكاره معارضة استصحابه باستصحاب عدم الحادث الآخر في زمانه على تقدير، و عدم جريانه في نفسه على آخر، من غير فرق في ذلك بين الجهل بتاريخهما أو تاريخ أحدهما. ثمّ إنّ هذه المبالغة و الإصرار بالإعادة و التّكرار، لزيادة توضيح المطلب و إظهاره خوفاً عن خفائه و إنكاره، فافهم جيّداً.

قوله (قده): أو وجود ما يشكّ في اعتبار عدمه- إلخ-.

لا يخفى أنّ اعتبار عدم شي‏ء في المأمور به تارة يكون على نحو الجزئيّة، و أخرى على نحو الشّرطيّة، كما هو الحال في اعتبار وجوده‏ (3)، فإن كان على النّحو الأوّل، فإذا شكّ فيه فاستصحاب الصّحة و إن كان لا يجدى كما أفاده، إلاّ أنّ استصحاب العدم يجدى فانه يحرزه، كما هو الشأن في استصحاب الجزء الوجوديّ أيضا، هذا في الشّبهة الموضوعيّة. و أمّا في الحكميّة فأصالة عدم تحقّق ما اعتبر عدمه فيه أيضا مجدية في إحرازه بتمام أجزائه الوجوديّة و العدميّة حين الشّكّ فيه بسبب طروّ ما احتمل اعتبار عدمه فيه شطراً، إذ يحرز بملاحظتها الإتيان بالمأمور به ببعض أجزائه بالوجدان و ببعضها الآخر تعبّداً ببركتها و إن كان الشّكّ‏

____________

(1)- إثبات الثبوت المحمولي. ن.

(2)- لكن قد ذكرنا في الهامش أنّه لا فرق بين التّقديرين. (منه).

(3)- في (عليه السلام): اعتبار وجوده.

367

في حكم الظّاهري بعد على حاله بناء على بطلان الأصل المثبت، إلاّ أنّه لا يوجب الإخلال بما هو المهمّ في مقام الامتثال، فافهم.

و إن كان على النّحو الثّاني، فهو على أنحاء: (فتارة) اعتبار شي‏ء في الفعل ابتداء.

(و أخرى) بتوسّط اعتباره في الفاعل. (و ثالثة) بواسطة اعتباره في بعض المتعلّقات من لباس أو زمان أو مكان. فإن اعتبر فيه ابتداءً فلا أصل، لاختلال بعض أركانه إذا لم يكن يقين بسبق وجدانه، بل وجد إمّا واجداً أو فاقداً له.

نعم يمكن أن يقال في صوره طروّ المشكوك في أثنائه أنّه وجد واجدا على المسامحة كما تقدّم في الأمور التّدريجيّة، ثم شكّ في بقائه على حاله بطروّ ما طرء في أثنائه، و كذا لا أصل فيما إذا اعتبر فيه بواسطة اعتباره في بعض المتعلّقات، لكنّه إذا شكّ انّه من الحقيقة الّتي اعتبر أن يكون من تلك الحقيقة، كما إذا شكّ أنّ ما لبسه حريراً و لا مع اعتبار ان لا يكون لباسه حريراً، كما في الصّلاة إذا كان المصلّي رجلاً؛ أمّا إذا شكّ في أنّه على الصّفة الّتي اعتبر أن يكون عليها كطهارة لباسه و مسجده، فلا إشكال في صحّة استصحاب ما كان عليه من الحالة السّابقة؛ كما لا إشكال في صحّته فيما اعتبر فيه‏ (1) بواسطة اعتباره في الفاعل، كما إذا اعتبر في المصلّي أن يكون ظاهراً أو لم يكن لابساً للحرير مثلاً، فيستصحب ما كان عليه سابقاً فيحكم بطهارته و أنّه ليس بلابس للحرير، لو كان في السّابق طاهراً أو غير لابس.

إذا عرفت ذلك يمكن أن يكون مرادهم من استصحاب الصّحة، استصحاب حال كان قضيّة الصّحة، كما عرفت أنّه كذلك في غير صورة.

قوله (قده): فإذا شكّ في شي‏ء من ذلك وجوداً أو صفة جرى استصحاب الاجزاء- إلخ-.

لا يخفى أنّ استصحاب صحّة الاجزاء بهذا المعنى، أي بقائها على قابليّة الانضمام، مثبت إذ ترتّب فعليّة الهيئة الاتّصاليّة على القابليّة عند وجود سائر ما يعتبر في فعليّتها عقلي، اللّهم إلاّ أن يدّعى خفاء الواسطة أو الملازمة بين التّعبّد بالقابليّة لشي‏ء، و التّعبّد به عرفاً عند حصول سائر ما يعتبر في حصوله و لو كانت الواسطة جليّة على ما عرفت من إلحاقها في هذه الصّورة بالخفية، فيتفرّع على ذلك تماميّة العبادة المأتي بها شرعاً بجميع ما يعتبر فيها، و قضيّة ذلك، أي تماميّة العبادة و لو تعبّداً، هو الإجزاء و عدم الإعادة عقلاً، كما مرّ في‏

____________

(1)- في (عليه السلام): في صحة ما اعتبر فيه.

368

بعض الحواشي السّابقة، فافهم.

قوله (قده): أو استصحاب الاتّصال- إلخ-.

لا يذهب عليك أنّ الهيئة الاتّصاليّة و إن كانت غير متحقّقة بتمامها (1) بمجرّد تحقّق بعض ما اعتبر فيها، و لا آخذة في التّحقيق بتحقّقه كالأمور التّدريجيّة عند تحقّق بعض أجزائها، لأنّها من الكيفيّات و هي من البسائط الخارجيّة، إلاّ انّها بنظر العرف يكون تابعة لما قامت به من المركّب التّدريجي، فكان حدوثها و بقائها بحدوثه و بقائه، و من المعلوم أنّ حدوثه عند العرف بحدوث بعض أجزائه و بقائه ببقاء بعضها كما لا يخفى.

هذا كلّه لو كان القاطع، بالمعنى المذكور. و أمّا إذا كانت عبارة عمّا يرتفع به أثر الأجزاء السّابقة أو الأجزاء اللاحقة أو أثرهما، كان استصحاب صحّة الأجزاء السّابقة مطلقا، و الأجزاء اللاّحقة تعليقا جارياً بلا مسامحة أصلاً.

قوله (قده): و فيه أنّ الموضوع في هذا المستصحب- إلخ-.

هذا مضافاً إلى عدم إحراز التّمكن على الإتمام، للشّكّ في أنّ الإتيان بسائر الأجزاء إتمام، و استصحاب التّمكن عليه لا يجدى في إيجابه لأنّه إذا لم يصحّ إيجاب الإتمام بالاستصحاب لعدم إحراز التّمكّن منه، لم يصحّ استصحاب ما يترتّب عليه أيضاً لذلك، مع أنّ ترتّبه عليه ليس إلاّ لاشتراط التّكليف من الامتثال عقلاً لا شرعاً، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): لا فرق في المستصحب بين أن يكون في الموضوعات- إلخ-.

لا يخفى أنّ الاستصحاب في باب اللّغات ليس من باب التّعبّد و لو كان كذلك في سائر الأبواب، و لذا كان المثبت منه حجة بلا ارتياب، بل كان من باب بناء العقلاء و أهل المحاورات عليه، مع احتمال أن يكون الحجّية، لا من باب الاستصحاب بملاحظة الحالة السّابقة في الباب، بل قاعدة بنوا عليها لدى الشّكّ على ما قدّمناه فيما علّقناه على مباحث الظّنّ قديماً و حديثاً، فراجع.

____________

(1)- في (عليه السلام): آنية.

369

قوله (قده): و أمّا الشّرعيّة الاعتقاديّة- إلخ-.

لا يخفى أنّ سوق العبارة يقتضى أن يكون المراد بالشّرعيّة الاعتقاديّة، الأحكام الشّرعيّة الاعتقاديّة لا متعلقاتها، كما هو قضيّة ما علّل به عدم اعتبار استصحاب فيها كما لا يخفى.

و كيف كان فتفصيل المقام أنّه إذا كان الشّكّ في نفس تلك الأحكام بأن يكون الاعتقاد مثلاً ببعض تفاصيل المعاد لازماً في السّابق، فشكّ في لزومه في اللاّحق، فلا مجال للإشكال في جريان الاستصحاب فيها بلا ارتياب.

لا يقال: لا يخلو الحال إمّا أن يكون الشّكّ في وجوب الاعتقاد بشي‏ء مع اليقين به أو بدونه، فان كان معه فالاعتقاد به ضروريّ لازم، و إن كان بدونه فهو محال غير قابل لأن يتعلق به تكليف بمحال.

لأنّا نقول: مضافاً إلى أنّه يستلزم عدم تعلّق الإيجاب به في حال لاستحالة تعلّقه بالواجب كتعلّقه بالمحال، انّ الاعتقاد الواجب في الاعتقاديّات إنّما هو بمعنى الالتزام و التّحمل و عقد القلب و الانقياد، و هو ممّا يمكن‏ (1) مع اليقين و بدونه، لإمكان الاعتقاد بهذه المعاني بدون الإيقان بالثّبوت، لكن على تقديره و معلّقاً على تحقّقه و إمكان عدمه مع الإيقان به، و الظّاهر أنّه منه الكفر عن جحود، و أنّه ليس مجرّد الإنكار باللّسان، بل مع‏ (2) الجنان و لو مع الاستيقان و إن كان الشّكّ في الأمور الاعتقاديّة، فإن كان وجوب الاعتقاد بها مترتّباً عليها على تقدير القطع بها لا مطلقا، فلا مجال لاستصحابها لترتّب وجوب الاعتقاد عليها، لعدم كونه من آثارها بما هي و لا بشرط، بل بشرط القطع بها، و مع الشّكّ فيها يكون ما هو الموضوع لوجب الاعتقاد متيقناً قطعاً و لو فيما كان ثابتاً واقعاً، و إن كان وجوبه مرتّباً عليها بما هي مطلقا فاستصحابها يجدى في ترتّبه عليها.

نعم الاعتقاد بمعنى القطع و اليقين يزول بمجرّد الشّكّ، إلاّ أنّه لا يعقل أن يجب بهذا المعنى على تقدير اليقين، كما هو واضح؛ و قد عرفت إمكان تعلّق الاعتقاد بالمعاني المتقدّمة بها و لو مع الشّكّ فيها.

لا يقال: لا حاجة معه إلى الاستصحاب، بل يكفي في وجوبه دليله الدّالّ على وجوبه على كلّ حال.

____________

(1)- في (عليه السلام): يتعقل.

(2)- في (عليه السلام): يتبع.

370

لأنّا نقول: ان دليل وجوب الاعتقاد إنّما يدلّ على وجوبه في حال الشّكّ على تقدير البقاء، لا مطلقا، و الاستصحاب إنّما هو لإثباته شرعاً ليترتّب وجوب الاعتقاد عليه فعلاً.

هذا كلّه على تقدير كون الاستصحاب من باب الأخبار؛ و أمّا إذا كان من باب الظّنّ فالكلام في جريانه و ترتّب وجوب الاعتقاد على مستصحبه هو ما ذكرناه من التّفصيل و الأقسام؛ و أمّا في كفاية الظّنّ و عدم كفايته، فمحلّ النّقص و الإبرام فيه غير المقام.

ثمّ انّه ظهر بما فصّلناه أنّ مراده (قده) من هذه العبارة، إن كان نفي اعتبار الاستصحاب في الأحكام الشّرعيّة الاعتقاديّة عند الشّكّ في بقائها و ارتفاعها، فلا وجه لتشقيقه الاستصحاب، و لا لتعليل عدم اعتباره لو كان من باب الأخبار بعدم إمكان الحكم بوجوب الاعتقاد عند الشّكّ لزوال الاعتقاد، ضرورة أنّ الشّكّ في بقاء وجوب الاعتقاد لا يزيل الاعتقاد؛ و أمّا الشّكّ في الأمر الاعتقادي، فهو و إن كان مزيلاً للاعتقاد بمعنى الإيقان لا بالمعاني المتقدّمة، إلاّ أنّ الفرض و هو الشّكّ في بقاء وجوب الاعتقاد به، ينافي الشّكّ فيه كما لا يخفى، غاية الأمر لزوم عروض ما نشك معه في بقاء حكمه الاعتقادي كغيره ممّا يشكّ فيما كان له من الحكم العملي.

و منه يظهر أنّ حال الاستصحاب فيه مطلقا كان اعتباره من باب التّعبّد أو الظّنّ حال الاستصحاب في سائر الأحكام الشّرعيّة العمليّة من غير خصوصيّة في الباب مقتضية لتشقيقه إلى ما كان من باب الأخبار و ما كان من باب الظّنّ، و إن كان مراده (قده) نفي اعتباره في الأمور الاعتقاديّة، مضافاً إلى أنّه خلاف السّياق كما مرّ لا وجه له، بل يعتبر فيها الاستصحاب عند الشّكّ فيها لو كان وجوب الاعتقاد بالمعاني المتقدّمة مترتّباً عليها مطلقا و لا بشرط اليقين كما عرفت، و إلاّ فلا يعقل ترتيبه عليها بالاستصحاب أصلاً كما لا يخفى، فلا وجه أيضاً للتّشقيق.

نعم لو كان وجوب الاعتقاد بمعنى مطلق الاعتقاد الرّاجح المقابل للشّك و الوهم، كان استصحابها بناء على إفادته للظّن مجدياً و لو لم نقل باعتباره من بابه، فتفطّن.

قوله (قده): و الدّليل النّقلي لا يجدى‏

(1)

، لعدم ثبوت الشّريعة السّابقة- إلخ-.

إنّما لا يجدى لو كان الدّليل النّقلي من إحدى الشّريعتين، و أمّا إذا كان من كلتاهما فهو يجدى لا محالة، ضرورة أنّ حكم الشّاكّ في نسخ الشّريعة السّابقة في الشّريعتين هو

____________

(1)- و في المصدر: و الدليل النقليّ الدال عليه لا يجدى ...

371

استصحاب السّابقة و الجري على طبقها، بل يكفي في لزوم الجري على طبقها لو كان الدّليل في الشّريعة اللاحقة وحدها أيضا، فإنّ أحكام الشّريعة السّابقة يكون أحكاماً مثبتة له مردّدة بين أن يكون واقعيّة، و أن يكون ظاهريّة، فعلم منه وجه تمسّك بعض أهل الكتاب في إثبات شرعه بالاستصحاب.

نعم لو لم يكن عليه دليل في اللاحقة، لم يكن له وجه أصلاً، إذ حينئذ ليس هو إلاّ الظّنّ، و هو لا يغنى من الحقّ شيئاً، و لا دخل له في كون البيّنة على المسلمين في هذه المناظرة، بل يكون البيّنة عليهم و لو لم يكن مورداً للاستصحاب كما إذا ادّعى كلّ منهما القطع بدعواه و صدقه في مدّعاه. و الظّاهر أنّ سرّه أنّ البقاء أخفّ مئونة من الحدوث، حتى توهّم غناه من المؤثّر، و هذا يكفي مئونة في كون الإثبات و إقامة البرهان على مدّعى الحدوث دون مدّعيه.

و من هنا انقدح أنّه لا وجه لما استدركه بقوله (قده): «إلاّ أن يريد جعل البيّنة- إلخ-» كما لا يخفى، ضرورة أنّ الاستصحاب إذا لم يكن دليل على اعتباره، كيف يوجب أن يكون ما لولاه، لما كان؛ اللّهم إلاّ أن يكون ذلك من آثار نفسه، لا من آثار اعتباره، لكنّه قد عرفت أنّه لا دخل له أصلاً في ذلك، فافهم.

قوله (قده): و الحاصل أنّ هناك في الواقع و نفس الأمر- إلخ-.

لا يخفى أنّ كون النّبوة في الواقع على نحوين لا ثالث لهما، و كون النّبوّة المطلقة و مطلقها سيان في التّرديد بين هذين النّحوين واقعاً لا ينافي جريان الاستصحاب على المطلقة دون مطلقها، لما أفاده القمي في المقام من استقرار مطلقات الأحكام، فلا يرد عليه غير مطابقة الإطلاق للأصل، فلا تغفل.

قوله (قده): إلاّ أن يريد بقرينة ما ذكره بعد ذلك- إلخ-.

كيف يمكن أن يريد ذلك، و قد ذكر على ما يأتي حكايته في جواب ما أورده (قده) على ما ذكره من قضاء التّتبع بغلبة الاستمرار فيها ظاهره الإطلاق بأنّ النّبوة من تلك الأحكام أنّ غالب النّبوة محدودة، إلخ.

لا يقال: انّما ذكر ذلك جواباً عن مقايسة مطلق النّبوّة بمطلقات الأحكام، لا النّبوّة المطلقة الّتي نفي السّبيل إلى ثبوتها في المقام، و سلّم إمكان استصحابها بلا كلام.

لأنّا نقول: إذا كان الغالب في باب النّبوة عدم استمرارها، كما أجاب، كان حال‏

372

النّبوّة المطلقة حال مطلقها في عدم صحّة مقايستها بسائر المطلقات في إمكان الاستصحاب فيها، كما لا يخفى، ضرورة عدم التّفاوت فيما هو الغالب فيها بين أن يكون سبيل إلى ثبوت النّبوّة المطلقة، و بين أن لا يكون، فافهم.

قوله (قده): و أمّا ثالثا فلأنّ‏

(1)

ما ذكره- إلخ-.

لا يخفى أنّه إنّما يكون دليلاً بناءً على حجيّة مثل هذا الاستقراء بالخصوص، أو حجيّة مطلق الظّنّ من باب الانسداد على ما هو مختار المحقّق القمّي (ره)، و إلاّ فلا، و لو سلّم ما ذكره من حصول الظّنّ، فتفطّن.

قوله (قده): فللخصم أن يدّعى ظهور أدلّتها- إلخ-.

لا يخفى أنّ مجرّد دعواه بلا إثبات غير مفيد، و إثبات ظهورها في الاستمرار إن لم يكن بمحال عادة فهو بعيد، إذ لا سبيل إليها نفسها، و استقراء النّبوّة لو لم يفد الظّنّ بعدم الاستمرار لا يفيد الظّنّ به لغلبة عدمه فيها، و معها لا يفيده أيضاً استقراء سائر المطلقات، فتدبّر جيّداً.

قوله (قده): و أمّا ثانياً فلأنّ غلبة التّحديد- إلخ-.

إنّما يكون غلبة التّحديد في الأفراد مجدية في إلحاق الضّرر المشكوك بالغالب، و هو هنا غير مراد لا في المنع عن استصحابه لعدم إحراز استعداده للاستمرار مع استقراء عدمه في غيره من الأفراد.

و بالجملة فالغلبة و ان لم يكن مجدية هاهنا للظّنّ بلحوق المشكوك كما أفاده، إلاّ أنّه لا أقلّ من إفادتها المنع عن حصول الظّنّ فيه بالاستمرار، و المفروض عند القمّي اعتبار استعداده في جريان الاستصحاب.

قوله (قده): بل الأمر يدور بين كون هذا الفرد- إلخ-.

لا يخفى أنّ مثل هذه الغلبة لا يورث الظّنّ باللّحوق، و إلاّ لأورث الظّنّ بأنّه بقي فرد آخر يكون هو الفرد النّادر، و التّالي واضح البطلان، بل لو قيل بالأصل المثبت كان أصالة

____________

(1)- و في المصدر: و ثالثا ان ما ذكره ...

373

عدم فرد آخر مثبتا، لكون المشكوك هو النّادر المغاير مع سائر الأفراد، كما أفاد هذا.

قوله (قده): لأنّ ثبوته في شرعنا مانع- إلخ-.

لا يخفى أنّ ثبوته في شرعنا و إن كان مانعاً عن الاستصحاب، إلاّ أنّه موجب للالتزام بجميع ما في شرعيته من الأحكام، كما أشرنا في بعض الحواشي المتعلّقة بالمقام.

قوله (قده): و إن كان لهم الدّليل على البقاء- إلخ-.

يمكن أن يقال بكفاية الدّليل على البقاء على الأعمال لأنّه المشكوك في الحال، و إلاّ فالنّبوّة صفة قائمة بنفس النّبيّ غير قابلة للارتفاع، فهو مقطوع البقاء، كما أشار إليه في الوجه الرّابع، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل، فتأمّل.

قوله (قده): الثّالث انّا لم نجزم بالمستصحب- إلخ-.

لا يخفى أنّ هذا الوجه، و كذا ما بعده من الوجهين ليس بوجه آخر في قبال الوجه الأوّل بل أحد شقوقه، و هو نفي كون الاستصحاب دليلاً إسكاتيّاً لتقوّمه بالأمرين الوجدانيّين الشّكّ و اليقين، و لا يكاد يلزم الخصم بالوجدانيّات، بل له أن يدّعى القطع بالارتفاع أو اليقين بالثّبوت على نحو لا يضرّ به القطع بالبقاء فضلاً عن الشّك فيه، كما هو مفاد الوجه الخامس، كما لا يخفى.

قوله (قده): و لعلّ هذا الوجه- إلخ-.

و يمكن أن يرجع إليه الوجه الثّالث بأن كان غرضه (عليه السلام) أنّه لمّا كان إقرارنا بنبوّته بشارته لأمّته بنبيّنا عليه الصّلاة و السّلام في عرض واحد من طريق واحد، و هو اخبار نبيّنا بذلك كلّه الّذي صار سبب جزمنا بنبوّته، و إقراره و بشارته كانت نبوّته و بشارته توأمين غير مفترقين بحسب الإقرار متلازمين غير منفكّين، فصحّ أن يقال إنّا نقر بنبوّة كلّ عيسى أقرّ بنبوّته و نكفر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بها.

قوله (قده): الحقّ التّفصيل‏

(1)

في المقام بأن يقال- إلخ-.

توضيح ذلك أن يقال: انّ نحو ثبوت الحكم لموضوعه مطلقا كان في قضيّة جزئيّة أو كلّية، و إن كان لا يخلو إمّا أن يكون في خصوص قطعه من الزّمان من يوم أو ليلة أو ساعة

____________

(1)- و في المصدر: الحق هو التفصيل ...

374

أو في جميع الأيّام، إلاّ أنّه بحسب دليله يكون على أقسام، لأنّه بحسبه تارة يكون خصوص الزّمان أو جميع الأزمان مأخوذاً في موضوعه قيداً بحيث يوجب انقطاعه ارتفاع موضوعه رأساً و انقطاع زمان منها ارتفاع فرد منه. و أخرى مأخوذاً فيه ظرفاً لثبوت الحكم له فيه، فلا يوجب الانقطاع للارتفاع‏ (1) أصلاً، لا انقطاع خصوص الزّمان و لا انقطاع زمان منها و إن كان يوجب ذلك الشّكّ في ثبوت الحكم للموضوع، كما كان بعد انقطاع خصوصه في الأوّل، و في ثبوت الحكم له بعد زمان أقام الدّليل على انتفائه فيه في الثّاني؛ و هذا بخلاف ما إذا شكّ في ثبوته مع أخذ الزّمان قيداً، فإنّه شكّ في سراية مثل حكم موضوع إلى موضوع آخر.

و بالجملة أخذ خصوص زمان قيداً يوجب تعيّن الموضوع و تشخّصه و ارتفاعه بانقطاعه و تعدّده بتعدّده، لكلّ يوم من أيّام أسبوع أو شهر أو سنة أو دهر، و أخذه ظرفاً لا يوجب ذلك، بل الحكم و الموضوع في كلّ منهما واحد، و يكون انقطاعه موجباً لارتفاع الحكم من نفس موضوعه، أو قام دليل على ارتفاعه بعد انقطاعه في الأوّل، كما أنّه كان قيام الدّليل على انتفاء الحكم في قطعة موجباً لارتفاعه عن موضوعه في هذه القطعة، و انقطاع استمراره فيها في الثّاني، لا عدم اتّصاف موضوع آخر به حينئذ فيهما كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لا مجال للاستصحاب أصلاً فيما أخذ الزّمان قيداً إذا شكّ في انتفاء الحكم بانقطاعه، لما عرفت في استصحاب الزّمان و ما قيد به، و أشير إليه آنفاً من أنّه موجب لصيرورة المقيّد به موضوعاً على حدة، فلا يستصحب وجوب الإكرام لزيد يوم السّبت مثلاً إذا شكّ في وجوبه فيه في مثل «أكرم زيداً يوم الجمعة» كما لا يستصحب حرمته فيه إذا خصّص خطاب وجوب إكرامه في كلّ يوم بمثل «لا تكرمه يوماً» فإنّ إكرامه يوم السّبت غير إكرامه يوم الجمعة، فلا يكون انسحاب حكمه إليه إلاّ إسراء حكمه إلى غيره، بل يرجع إلى استصحاب عدم وجوبه في الأوّل و أصالة عموم دليل وجوبه في الثّاني، إذ قضيّة أصالة العموم لزوم الالتزام بحكم العام في سائر الأيّام، و عدم رفع اليد من وجوب الإكرام بمجرّد قيام الدّليل على حرمته في يوم في غير هذا اليوم، فلا مجال معها لاستصحاب حكم المخصّص، بل لو لم يكن أصالة العموم كما في المثال الأوّل، فالمرجع هو استصحاب عدم وجوب الإكرام لا وجوبه؛ كما لا مجال إلاّ للاستصحاب فيما إذا أخذ ظرفاً و شكّ في بقاء الحكم و ارتفاعه بانقطاعه، فيستصحب وجوب الإكرام فيما إذا قام‏

____________

(1)- خ ل: و الارتفاع‏

375

الخطاب على وجوبه يوم الجمعة في الجملة على نحو الظّرفيّة لا القيديّة، و قد شكّ يوم السّبت في ارتفاعه، و ذلك أوضح من أن يخفى، و يستصحب حرمته فيما إذا خصّ الخطاب الدّالّ على وجوبه على نحو الاستمرار و الدّوام بما دلّ على حرمته في يوم و شكّ في وجوبه و حرمته في سائر الأيّام؛ و ذلك لأنّ الخطاب و إن دلّ على ثبوت الحكم فيها على هذا أيضاً، إلاّ أنّه على نحو الدّوام و استمرار حكم موضوع واحد في الأيّام، فالخطاب به كذلك دليل على استمراره‏ (1) و اتّصاله إذا شكّ في انقطاعه و انفصاله. و أمّا إذا قام الدّليل على انقطاعه في يوم، فلا يبقى مجال بعد أبداً للدّلالة على ثبوته في غيره من سائر الأيّام، لعدم كون ثبوته فيها مشمولاً له على حاله حتّى يدلّ عليه مع انفصاله و استقلاله، و كونه مع الاتّصال مشمولاً له لا يقتضى كونه كذلك مع الانفصال، كيف و شموله له معه خلف، إذا المفروض دلالته على استمرار حكم واحد، و أين هو من حكمين و موضوعين، و أين الواحد المستمرّ من الإثنين المتماثلين المفصولين بالضّرورة بتخلّل العدم في البين.

ثمّ لا يخفى أنّه لا ينافي استمرار حكمه على وحدته تعدّد إطاعته و معصيته، بل هو قضيّة استمراره. نعم لو كان الاستمرار في طرف المحكوم به، كما أمر مثلاً بالجلوس إلى كذا من دون انحلال إلى مطلوبيّة الجلوس في كلّ آن من آنائه، بل على أن يكون بتمامها مطلوباً واحداً لم يكن هناك إلاّ إطاعة واحدة بإتيانه على استمراره، و معصيته كذلك، و هو عدم إتيانه كذلك و لو بعدم استمراره مع إتيانه، فتدبّر جيّداً.

ثمّ انّه لا يخفى أنّ الرّجوع إلى استصحاب حكم المخصّص فيما إذا كان الكلام دالاً على الاستمرار و الدّوام، إنّما هو فيما إذا لم يكن الزّمان مأخوذاً على نحو التّقييد في الدّليل المخصّص، و إلاّ فلا سبيل إلى الرّجوع إليه أيضاً، بل لا بدّ من الرّجوع إلى سائر الأصول، كما أنّه لو كان الزّمان في الدّليل المخصّص للعامّ المأخوذ فيه الزّمان على نحو التّوقيت و التّقييد مأخوذاً على نحو الظّرفيّة كان استصحاب حكمه جارياً و مرجعاً لو فرض سقوط العامّ عن الحجّية بالمعارضة أحيانا، و وجهه يظهر ممّا قدّمناه.

بقي شي‏ء ينبغي التنبيه عليه:

و هو أنّ تخصيص العامّ الدّالّ على ثبوت الحكم على الدّوام إنّما يوجب عدم الرّجوع إليه عند الشّك في ثبوته إذا كان من أثناء زمان استمراره، دون ما إذا كان من أوّله و آخره مثلا تخصيص «أوفوا بالعقود (2)» بدليل خيار الغبن و إن كان يمنع عن الرّجوع إليه في مسألة

____________

(1)- في (عليه السلام): فالخطاب ينهض دليلا على استمراره.

(2)- المائدة- 1

376

الشّكّ في أنّه على الفور أو التّراخي، إلاّ أنّ تخصيصه بخيار المجلس لا يمنع عنه في مسألة الشّكّ في كون الافتراق بشبر و نحوه من الغاية أو المغيا، و كذا تخصيصه بالقبض في المجلس مثلا في بيع الصّرف و غيره؛ و ذلك إمّا لو كان بتقييد ما يتعلّق به الحكم كالعقد في المثال، ففي غاية الوضوح، فإنّه لا إشكال في أنّ المرجع هو الحكم العامّ بضميمة أصالة الإطلاق في المتعلّق عند الشك في زيادة تقييده كما في أصل التّقييد؛ و إمّا لو كان بتقييد نفس الحكم، فلأن قضيّة إطلاق دليله أن يكون ثبوته لموضوعه على نحو الاستمرار، كما هو الغرض من الأوّل فالأوّل، و معه يجب الاقتصار على تراخيه بمقدار مساعدة الدّليل عليه، و لا سبيل إلى استصحاب حكم الخاصّ، و لا يقاس تخصيصه بتراخي أصل ثبوته كذلك في الابتداء على تخصيصه و انقطاع استمراره في الأثناء؛ و ذلك لما عرفت من أنّ الدّليل لا يعمّ ما بعد زمان حكم الخاصّ بحياله و إن كان يعمّه مع اتّصاله بما قبله و عدم انفصاله، و هذا بخلاف تخصيصه ابتداء، فإنّ دلالته على استمراره على حاله و إن تأخر زمان ابتدائه. و من هنا ظهر وجه الرّجوع إليه قبل زمان علم بتخصيصه فيه إذا شك فيه، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): الأوّل‏

(1)

ما ذكره المحقّق الثّاني- إلخ-.

الظّاهر أنّ هذا الخلاف من جهة الاختلاف في الصّغرى، لا فيما ذكره من الكبرى، كما يظهر من تعليله الفوريّة بعموم الأزمان الّذي استتبعه عموم الأفراد، و نظر الشّهيد (ره) إلى منع ذلك، و أنّه لا يستفاد من إطلاقه إلاّ الاستمرار كما أفاده (قده).

و التّحقيق أن يقال: إنّ المستفاد من خطاب «أوفوا (2)» و إن لم يكن غير ما أفاد، إلاّ أنّ المرجع في هذه المسألة هو الخطاب لا الاستصحاب بضميمة عدم القول بالفصل، و ذلك لكونه المرجع فيما إذا اتّصل خيار الغبن بخيار المجلس و غيره ممّا يوجب عدم وجوب الوفاء من الأوّل إلى زمان هذا الخيار، لما عرفت من لزوم الرّجوع إلى مثله فيما إذا شكّ في ابتداء ثبوت حكمه، و يلحق به غيره ممّا انفصل بضميمة عدم القول بالفصل، و لا يمكن العكس، ضرورة أنّه لا يعارض ظهور الخطاب بالاستصحاب، فافهم.

____________

(1)- و في المصدر: أحدهما ما ذكره المحقق الثاني.

(2)- المائدة- 1

377

قوله (قده): لما عرفت من أنّ مورد جريان العموم لا يجري الاستصحاب- إلخ-.

قد عرفت أنّ جريان الاستصحاب مطلقا في مورد جريان العموم إنّما هو لمكان جريانه فعلا، و إلاّ فربّما يكون جاريا فيما أخذ الزّمان في المخصّص ظرفا لا قيدا، مع عدم جريان العموم بوجه، كما إذا علم إجمالا بتخصيصه بين مورد الشّكّ و غيره، أو علم كذلك بالتّخصيص بينه و بين غيره، فتفطّن.

هذا مضافا إلى أنّ تخصيص الاستصحاب بكونه أخصّ بملاحظة خصوصيّات موارده و عدم العبرة بعموم دليله من بين سائر القواعد و الأصول، تخصيص بلا مخصّص، ضرورة اشتراك الكلّ في ذلك، فاللازم إمّا ملاحظة النّسبة بين أدلّتها، أو بين أنفسها، لا بين الاستصحاب و أدلّة غيره، و إلاّ فليس أولى من العكس كما لا يخفى، مع أنّه قد عرفت سابقا أنّ الاستصحاب ليس دليلا و دليله دليل الدّليل، بل هو إنّما يكون مدلول الدّليل، فلا سبيل إلاّ إلى ملاحظة النّسبة بين دليله و سائر أدلّة الأصول، بل أدلّة سائر الأحكام، فإنّه أيضا منها بناء على الاعتبار من باب التّعبّد لأجل الأخبار، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): و يمكن توجيه كلامه بأنّ مراده- إلخ-.

لا يخفى أنّ محصّل مرامه (قده) على ما يظهر من كلامه على اضطرابه و اغتشاشه، أنّ مراد بعض الفحول أنّ الاستصحاب إنّما يكون أخصّ مطلقا لأجل حكومتها على سائر الأصول، فتقدّم عليها إن كان المراد من العمومات هو عمومات الأصول، و قد عبّر عنها بالأخصّيّة مسامحة أو حقيقة بناء على أنّها اصطلاح جديد منه (قده)، أو لأجل أنّه لمّا كان معمما لحكم المخصّص و موسّعا لدائرته إلى الزّمان الثّاني، صحّ أن يوصف بوصفه و يسمّى باسمه، حيث كان مبقيا لرسمه، فافهم.

قوله (قده): و حيث أنّ بناء العرف- إلخ-.

لا يخفى أنّ بناء العرف على عدم جريان الاستصحاب في فاقد معظم الأجزاء، لا يكشف عن فساد التّوجيه لعدم اتّباع بناء العرف في بقاء تطبيق المفاهيم على مصاديقها، و عدم تطبيقها مسامحة أو خطأ بعد التّطبيق، أو عدمه على التّحقيق و التّدقيق، فبعد تنقيح مفهوم خطاب «لا تنقض» بحسب الانفهام العرفي، و أنّه يعمّ الاستصحاب في الفاقد، لا مجال لاستكشاف بطلان التّوجيه من عدم بناء العرف على عدم جريان الاستصحاب في قاعدة معظم الأجزاء مسامحة أو خطأ، مع شمول الخطاب له حقيقة بلا ارتياب.

378

نعم لو كان الاستصحاب حجّة من باب بناء العقلاء يكون بناؤهم على عدم الجريان كاشفا عن فساد التّوجيه في خصوص فاقد معظم الأجزاء لا مطلق فاقد الجزء، و جريان الاستصحاب في فاقد الشّرط و إن لم يكن بهذا التّوجيه، ضرورة عدم اتّصاف فاقده بالوجوب الغيري، فانّه مباين للواجب و ضدّ له، لا ممّا يتوقّف عليه، و كذا ما في ضمنه من القدر المشترك بينه و بين الواجد، لأنّها من أجزائه التّحليليّة و هي لا يتّصف بالوجوب مقدّمة. هذا، مع أنّ ما في ضمن الفاقد يكون متّحدا معه وجودا، بل هو عينه خارجا، و قد أشرنا إلى أنّ الفاقد يكون مباينا للواجب، فكيف يكون مقدّمة لوجوده، إلاّ أنّه لم يظهر أنّ ذلك، أي جريان الاستصحاب فيه، بملاك جريانه في فاقد الجزء، بل لعلّه كان بملاك آخر، مع أنّ اشتراكهما في ملاك لا يمنع عن اختصاص أحدهما بالآخر، فتدبّر.

ثمّ انّه قد ظهر أيضا بما ذكرنا انّه لا يكشف بنائهم على استصحاب وصف الكريّة، لا الكرّ عن شي‏ء، مع انّ الظّاهر انّ بنائهم على ذلك إنّما هو لأجل أنّ استصحاب الكرّ لا يجدى في ترتيب الآثار المهمّة، إلاّ بناء على الأصل المثبت مطلقا، سواء كان الشّكّ في كريّة الموجود أو أصل وجود الكرّ، كما لا يخفى.

قوله (قده): و هذا بعينه مقتضى لوجوب الإتيان- إلخ-.

لا يخفى أنّه تقرير لاستقلال العقل بالاشتغال في ثاني الحال لا الاستصحاب، فلا مجال لما أورد عليه بقوله «و فيه ما تقدّم- إلخ-» مع أنّه قد تقدّم صحّة التّمسّك بالاستصحاب و لو مع عدم البناء على الأصل المثبت، فراجع.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه لا بدّ في جريان قاعدة الاشتغال أو استصحابه إذا تعذّر بعض الأجزاء من تحقّق الاشتغال به قبل التّعذّر بأن مضى من الوقت مقدار أدائه بأجزائه و شرائطه من دون التّعذّر، ثمّ تعذّر بعض أجزائه؛ أمّا لو كان التعذّر قبل ذلك، فلا يكون هناك اشتغال يقال به في ثاني الحال بالاستصحاب أو بقاعدة الاشتغال، و منه ما إذا تعذّر بعض أجزائه في بعض أوقاته الّتي يكون مطلوبا فيها على نحو الاستمرار بإعادته فيها و التّكرار، و إن مضى منها مقدار أدائه من دون تعذّر بعض أجزائه، و ذلك لانحلال التّكليف فيه إلى تكاليف عديدة و مطلوبات متعدّدة مع عدم سبق اشتغال بمثله فيما مضى إطاعة أو عصى؛ و بالضّرورة لا يرى العقل تفاوتا أصلا بين التّعذّر في أوّل أوقاته، و التّعذّر فيما عداه، كما لا يرى تفاوتا في الاضطرار إلى بعض أطراف الشبهة المحصورة المانع عن وجوب الاحتياط بين ما كان قبل العلم أو مقارنا له، و ما كان بعده، لأنّ الاضطرار كان‏

379

مانعاً عن تنجّز التّكليف المعلوم لاعتبار التمكّن من المكلّف به و الاقتدار عليه عقلا في التّنجّز، من غير فرق بين حدوثه و بقائه، فكما يمنع عنه حدوثا، كذلك يمنع بقاء، و قد أوضحنا ذلك في بعض فوائدنا، فمن أراد الاطلاع على حقيقة الحال فعليه بالمراجعة إليه.

فانقدح بذلك الفرق بين استصحاب الوجوب و استصحاب الاشتغال أو قاعدته، لعدم جريانها إلاّ بعد تحقّق التّكليف، بخلافه فإنّه يجري على نحو التّعليق مطلقا و لو قبل تحقّقه بأن تعذّر بعض الأجزاء قبل التّمكّن في الوقت، فتأمّل.

قوله (قده): الأوّل الإجماع القطعي- إلخ-.

لا يخفى أنّه لا منشأ لدعوى القطع بالإجماع هاهنا، إلاّ انحصار وجه اعتباره من باب التّعبّد بالأخبار مع استظهار ذلك منها، و إلاّ كان ذهاب الجلّ أو الكلّ إلى اختصاص الاعتبار بما إذا تساوى طرفا الاحتمال بمكان من الإمكان؛ و أنت خبير بأنّ ذلك لا يوجب هذه الدّعوى، و لو سلّم ظهور الأخبار بمثابة لا يقبل الإنكار، بل لا يوجب إلاّ دعوى دلالة الرّوايات عليه، فلا وجه لجعلهما وجهين. و أمّا دعوى القطع بطريق الحدس من غير هذا الطّريق فعهدتها على مدّعيها، حيث لا طريق إلى تصديقها، كما لا يخفى.

قوله (قده): الثّالث انّ الظّنّ الغير المعتبر- إلخ-.

توضيح ذلك أنّه لو سلّم عدم شمول الأخبار للظّنّ‏ (1) الغير المعتبر إذا كان على خلاف اليقين و اختصاص الشّكّ فيها بما إذا تساوى طرفاه، فإن كان عدم اعتباره لأجل الدّليل على عدم الاعتبار كالقياس، كان قضيّة هذا الدّليل حرمة نقض اليقين به أيضا، فإنّ مقتضاه لزوم المعاملة معه معاملة عدمه بترتيب آثاره عليه، و من الآثار حرمة نقض اليقين به، كما هو قضيّة الأخبار، فإنّ الشّكّ ليس إلاّ عدم الرّجحان في إحدى‏ (2) الطّرفين، و عدم الرّجحان يكون عدم الظّنّ من غير عكس، فانّ نقيض الأعمّ أخصّ؛ هذا و إن كان عدم اعتباره لأجل عدم دليل على الاعتبار، فالحكم الواقعي و إن لم يكن مشكوكا في الزّمان الثّاني، بل مظنون الارتفاع، إلاّ أنّ الحكم الفعلي المعلوم في السّابق صار مشكوكا في اللاّحق، حيث أنّ المضي على طبق الظّنّ بارتفاعه، و العمل على وفقه فعلا يكون‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 2- 111

(2)- في (عليه السلام): أحد.

380

مشكوكا، فيكون ممّا شكّ فيه بعد اليقين فيعمّه الأخبار.

قلت: لا يخفى ما في هذا الوجه بكلا شقّيه من الخلل و الفساد.

أمّا في الشّقّ الأوّل فلأنّ قضيّة الدّليل على عدم الاعتبار، ليس إلاّ عدم ترتيب آثار الواقع على المؤدّى، و المعاملة معه معاملة عدمه من هذه الحيثيّة لا من حيثيّة أخرى، كما أنّ مفاد دليل الاعتبار هو ترتيب الآثار عليه. و بالجملة المستفاد من الدّليل و إن كان هو تنزيل وجوده كعدمه، إلاّ أنّه في مجرّد طريقيّته و حجّيته‏ (1)، و قضيّته ليست إلاّ عدم الطّريقيّة و الحجّية، لا ترتيب ما ليس عدمه من الآثار عليه، مع أنّ الشّكّ ليس عدم الظّنّ و إن كان يلازمه، لأنّه أحد أقسام الالتفات أيضا.

و أمّا في الشّق الثّاني فلأنّ مراده (قده) من الحكم الفعلي إن كان هو الحكم بالمرتبة الثّالثة من مراتبه، أي مرتبة فعليّة البعث و الرّدع، فهو ليس بمشكوك، بل مظنون عدمه، و إن كان هو الحكم بالمرتبة الرّابعة، أي مرتبة استحقاق العقوبة على مخالفته، فهو متيقّن الارتفاع في اللاحق لكونه مجرى أصالة البراءة، لعدم البيان لو لا شمول حسب الفرض، سلّمنا كونه مشكوكا إلاّ أنّه موجب للتّفكيك بين متعلّق اليقين و الشّكّ، لأنّ متعلّق اليقين كان حكما واقعيّا و بتعلّقه به صار فعليّا، و مثل هذا التّفكيك إلى غير النّهاية ركيك.

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ المراد باليقين ليس اليقين بالحكم بما هو، بل اليقين بالحكم المعلوم بما هو معلوم، لكنّه كما ترى، فما علم به سابقا و ظنّ بارتفاعه لاحقا، فانّما هو الحكم الواقعي لا الظّاهري، و لعلّه (قده) أشار إلى بعض ما ذكرنا بأمره بالتّأمّل، فتأمّل.

ثمّ إنّ هاهنا وجها آخر (2)، و هو أن يقال إنّ أخبار الباب يدلّ بالفحوى على اعتبار الاستصحاب فيما كان المظنون بقاؤه و الموهوم ارتفاعه، ضرورة أنّه إذا كان نقض اليقين بالشّكّ ممّا لا ينبغي، كان نقضه بالوهم منه بطريق أولى كما لا يخفى، و بضميمة عدم القول بالفصل بين الظّنّ بالبقاء و الظّنّ بالارتفاع يتمّ المدّعى، فتأمّل.

قوله (قده): فيئول إلى اجتماع الظّنّ و الشّكّ- إلخ-.

أي يؤل إلى اجتماع الظّنّ النّوعي كما هو الظّاهر بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظّنّ مع الشّكّ و لو كان ما يساوي طرفاه، أو إلى اجتماع الظّنّ الشّخصي، مع الشّكّ‏

____________

(1)- في (عليه السلام): و مرآتيته و قضيته.

(2)- في (عليه السلام): رابعا.

381

بمعنى الاحتمال كما أفاده (قده). و على أيّ حال يكون هذا تفريعا على ما ذكره في دفع ما لعلّه يتوهّم من ظاهر القضيّة من المعنى، لا نتيجة له كما لا يخفى؛ فلا يرد عليه أنّ اجتماع الظّن و الشّكّ في الامتناع كاجتماع الشّكّ و اليقين، فلا يجدى أوّله إليه في دفع توهّم اجتماع المحال، و لا ما يرد على توجيهه بإرادة الاحتمال الموهوم من الشّكّ، كي يمكن اجتماعه من الظّنّ من إرادة الوهم لا يوجب دفع توهّم اجتماعه مع اليقين، مع أنّه غير مراد، فانّه يصير وهما بعد ملاحظة أصالة بقاء ما كان، و ذلك لأنّه بناء على التّفريع إنّما أريد بيان ما يؤل إليه الأمر بعد إجراء الاستصحاب من اجتماع الظّنّ النّوعي و الشّك كما استظهرناه، أو الظّنّ الشّخصي و الشّكّ بمعنى الوهم كما وجّهه (ره)، لا بيان معنى الشّكّ في القضيّة، كي يوجّه عليه بأنّه لا يدفع توهّم اجتماعه مع اليقين مطلقا، سواء جعل بمعنى الوهم أو مطلق الاحتمال، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): و التّحقيق رجوع الكلّ إلى شروط- إلخ-.

و مجمل‏ (1) وجهه أنّه امّا مع عدم بقاء الموضوع، فانّما هو إسراء حكم موضوع إلى آخر لا انسحاب حكم الموضوع في الزّمان الثّاني و استصحابه، و امّا مع وجود الدّليل على خلاف اليقين، فلعدم مقاومة دليله لانتفاء موضوعه به حقيقة على ما سنحقّقه إن شاء الله، و مع عدم الفحص، فلاحتمال وجود دليل لا مقاومة لدليله معه، و معه لا مجال له إلاّ إذا جرت أصالة عدم الدّليل، و لا سبيل إليها إجماعا إلاّ بعد اليأس بالفحص؛ هذا لو كان الاستصحاب من باب التّعبّد، و كذا الحال لو كان من باب الظّنّ، فإنّه على هذا ليس عبارة عن مطلق الظّنّ بالثّبوت في الزّمان الثّاني، بل خصوص الظّنّ بالبقاء فيه الناشئ عن ملاحظة الثّبوت في الزّمان الأوّل. و من المعلوم أنّه لا يكون إلاّ مع اتّحاد الموضوع في القضيّة المشكوكة و المتيقّنة، كما أنّ ملاحظة الثّبوت لا يورثه إلاّ فيما لم يكن هناك أمارة على الارتفاع، كما يظهر من عبارة العضدي أنّ الشّي‏ء الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّما كان كذلك، فهو مظنون البقاء، فتأمّل.

و منه ظهر أنّ احتمال الظّفر بالدّليل بالفحص يمنع عن إفادة ملاحظة الثّبوت للظّنّ بالبقاء، فتأمّل.

____________

(1)- في (عليه السلام): و لعلّ.

382

قوله (قده): الأوّل بقاء الموضوع- إلخ-.

و المراد ببقاء الموضوع أن يكون الموضوع في القضيّة المشكوكة، هو الموضوع في القضيّة المتيقّنة بعينه، كي يكون الشّكّ في اللاحق في عين ما كان الإنسان على يقين منه في السّابق مثلا، إذا كان على يقين من قيام زيد ثمّ شكّ في بقاء قيامه، و لو لأجل الشّكّ في بقائه، صحّ استصحاب قيامه، فإنّه ما شكّ إلاّ في ثبوت القيام لزيد في الخارج في الآن الثّاني بعد ما كان على يقين منه في الآن الأوّل، ضرورة أنّ الشّكّ في ثبوت النّسبة بين أمرين خارجيّين، كما قد يكون لأجل الشّكّ في المحمول، قد يكون لأجل الشّك في الموضوع، مع أنّ القطع بأنّ ما هو المعتبر في جريان الاستصحاب من إحراز الموضوع و انسحاب المستصحب في نفس معروضه الّذي كان معروضه في السّابق، فلا ينافي الشّكّ في وجوده الخارجي مع القطع بإحرازه المعتبر في باب الاستصحاب، لكونه بوجوده الخارجي موضوعا للمستصحب في المقام، و هو القيام لأنّ إحرازه ليس إلاّ بأن يكون الشّكّ في قيام من كان على يقين من قيامه و هو زيد، و الشّكّ هاهنا في قيامه لا قيام غيره.

هذا غاية توضيح مرامه و إن كان في كلامه ما ربّما أوقع بعض الطّلبة في الاشتباه فثبّته كيلا تقع فيه و حصل لك بذلك الانتباه، فالموضوع هو معروض المستصحب كما أفاده، لكن مع جميع القيود المعتبرة في عروضه عليه عقلا أو شرعا أو عرفا، و وجه اعتبار البقاء بهذا المعنى في جريان الاستصحاب و تحقّقه مطلقا كان من الظّنّ أو التّعبّد بالأخبار واضح.

لا يخفى ضرورة أنّه بدونه لا يكاد أن يكون الظّنّ بثبوته في ثاني الحال ظنّا بالبقاء بل بحدوثه لغير ما ثبت له في الزّمان الأوّل بلا إشكال، و لا التّوقّف عن الحكم بثبوته بالشّكّ بحسب العمل نقضا لليقين بالشّكّ بلا ريب و لا شكّ، و لعمري اعتبار بقاء الموضوع بهذا المعنى أوضح من أن يحتاج إلى مزيد بيان و مئونة برهان، بل من الأمور الّتي يكون قياساتها معها، كما لا يخفى.

و أمّا استدلاله بلزوم انتقال العرض أو كونه بلا موضوع لو لا بقاء الموضوع و هما محالان.

ففيه ما لا يخفى، فإنّ المحال إنّما هو الانتقال، و الكون في الخارج بلا موضوع بحسب وجود العرض حقيقة، لا بحسب وجوده تعبّدا كما هو قضيّة الاستصحاب، و لا حقيقة لوجوده كذلك إلاّ ترتيب آثاره الشّرعيّة و أحكامه العمليّة.

و من المعلوم أنّ مئونة هذا الوجود خفيفة ليست كمئونة وجوده الحقيقي؛ هذا، مع أنّه أخصّ من المدّعى، فإنّ المستصحب ليس دائما من مقولات الأعراض، بل ربّما يكون هو

383

الوجود، و ليس هو من إحدى المقولات العشر، فلا جوهر بالذّات و لا عرض و إن كان بالعرض.

إن قلت: نعم لكنّه ممّا يعرض على الماهيّة كالعرض.

قلت: نعم إلاّ أنّ تشخّصه ليس بعروضه، فيستحيل بقاؤه مع تبدّله، بل يكون القضيّة بالعكس و يكون تشخّص معروضه به، كما حقّق في محلّه، بحيث لا ينثلم وحدته و تشخّصه بتعدّد الموجود و تبدّله من نوع إلى نوع آخر، فينتزع من وجود واحد شخصيّ ماهيّات مختلفة حسب اختلافه نقصا و كمالا، ضعفا و شدّة، فصحّ استصحاب هذا الوجود عند الشّكّ في بقائه و ارتفاعه و لو مع القطع بتبدّل ما انتزع عنه سابقا من الماهيّة إلى غير ما ينتزع عنه الآن لو كان هذا.

ثمّ إنّ المستصحب في موارد الاستصحابات تارة يكون وجود الشّي‏ء الّذي هو مفاد كان التّامّة، و أخرى وجوده بغيره الّذي هو مفاد كان النّاقصة، و الموضوع على الأوّل هو الماهيّة أو الحصّة منها، و على الثّاني الموجود على النّحو الّذي كان معروضا له سابقا، ففي الشّكّ في قيام زيد بعد اليقين به صحّ استصحاب ثبوته في نفسه و ثبوته بغيره، لإحراز بقاء الموضوع المعتبر في الاستصحاب في كلّ منهما، ضرورة عدم انسحاب المشكوك فيهما إلاّ في مورد كان مورده في حال اليقين به، و هذا هو المراد ببقاء الموضوع كما عرفت، لكن لا يخفى أنّ صحّة استصحاب ثبوته و وجوده أو ثبوته بغيره، لا يكون في كلّ مقام، بل يختلف باختلاف ما يهمّ من الآثار و الأحكام، فإن كان المهمّ منها مرتّبا بحسب دليله على ثبوت خصوص ذاك القيام، فلا بدّ من استصحاب وجوده النّفسي، و لا يكفي استصحاب وجوده الرّبطي إلاّ بناء على الأصل المثبت و إن كان مرتّبا بحسبه على ثبوت القيام لزيد، فلا بدّ من استصحاب وجوده الرّبطي لا النّفسي، إلاّ بذاك البناء، فاتّضح بذلك كلّه أنّ وجود أمر خارجيّ كان موضوعا في باب الاستصحاب أو قيدا لا يستلزم إحرازه المعتبر في هذا الباب القطع بتحقّقه، بل يجتمع مع الشّكّ في حصوله في الخارج، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

قوله (قده): لكن استصحاب الحكم كالعدالة مثلا يحتاج إلى إبقاء حياة زيد- إلخ-.

و ذلك لأنّ الحياة و إن كان ما لا بدّ من الإحراز في استصحاب العدالة حيث كانت من قيود موضوعها، إلاّ أنّ إحراز بقائها المعتبر في قوام الاستصحاب لا ينافي عدم إحراز بقائها في نفسها، حيث لا يراد إلاّ إثبات تلك العدالة الخاصّة القائمة بذاك الحيّ‏

384

بالاستصحاب، كان الإثبات على نحو الثّبوت النّفسي أو الرّبطي، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

و لا يخفى أنّ عرضه من جعل موضوع العدالة زيدا على تقدير الحياة ذلك، أي ليس زيد مطلقا، حيّا كان أو ميّتا بموضوع، بل على تقدير حياته و لم يستصحب العدالة له مطلقا، بل له بوصف كونه حيّا، و معه قد أحرز الموضوع المعتبر في الاستصحاب، و حينئذ يعامل معه معاملة اليقين بعدالته من جواز تقليده إن قلنا بجواز تقليد العادل مطلقا، حيّا كان أو ميّتا، من دون حاجة إلى استصحاب حياته، و معه لو قلنا بعدم جواز إلاّ من الحيّ.

فاندفع بذلك توهّم الإشكال في جواز تقليد من شكّ في حياته و عدالته، لأجل أنّ استصحاب العدالة لا يثبت إلاّ العدالة على تقدير الحياة لا فعلا، و استصحاب الحياة لا يجدى في تحقيق هذا التّقدير إلاّ على القول بالأصول المثبتة، و إن كان يجدى في إثباتها لو قلنا باعتبارها في جواز التّقليد أيضا، و ذلك لأنّ الشّكّ ليس إلاّ في عدالة زيد الحيّ الّذي كان عادلا، و لا يستصحب إلاّ هذه العدالة و إن كان حياته خارجا غير محرزة، من دون حاجة إلى إحرازها أيضا، فيجوز تقليده باستصحابهما أو استصحابها، فافهم و استقم.

قوله (قده): مع أنّ قضيّة ما ذكرنا من الدّليل- إلخ-.

لا يخفى أنّ اعتبار بقاء الموضوع إنّما هو بحكم العقل، لاستقلاله بتوقّف كون رفع اليد عن المشكوك في الآن الثّاني نقضا لليقين بالشّكّ على بقاء الموضوع فيه، و إلاّ لم يكن نقضا به فلا يوجب استصحابه مع الشّكّ، صحّة استصحاب آثاره إلاّ بناء على الأصل المثبت، بل و لو بناء عليه لأنّ صحّة استصحابها ليست من آثار بقائه أصلا، بل البقاء ممّا يتوقّف عليه صحّة استصحابها عقلا، و الظّاهر أنّه على القول بالأصول المثبتة أيضا لا يكفي مجرّد ذلك، بل لا بدّ من استلزام المستصحب للمترتّب عليه، فافهم.

قوله (قده): و أمّا أصالة بقاء الموضوع بوصف كونه موضوعا- إلخ-.

و هي و إن كانت في معنى استصحاب الحكم كما أفاده، فلا يجدى فيما هو المراد من استصحابه إلاّ أنّها ليست مثله في عدم الجريان لأجل عدم إحراز بقاء الموضوع لإحرازه فيها، ضرورة تعلّق الشّكّ في موردها بعين ما تعلّق به اليقين. حيث كان الموضوع بوصف الموضوعيّة معلوما في السّابق، و مشكوكا فيه في اللاّحق. نعم لا يكاد يثبت بها كون الأمر

385

الثّاني هو الموضوع بهذا الوصف إلاّ على القول بالأصل المثبت، فلا يحكم عليه بحكمه و إن حكم ببقاء حكمه، فيترتّب عليه أثره الشّرعيّ و العقليّ لو كان، فافهم.

قوله (قده): لأنّ الاستصحاب مبنىّ على إلغاء خصوصيّة الزّمان- إلخ-.

لا يخفى أنّ مبنى الاستصحاب ليس إلاّ على أن يكون هناك زمانان، كان الشّي‏ء في أوّلهما معلوما، و في ثانيهما مشكوكا، و هذا المقدار لا يوجب إلغاء خصوصيّة الزّمان الأوّل إذا كان ممّا له دخل، بل يكون حاله سائر القيود، و إنّما يوجبه لو قلنا بجريان الاستصحاب مطلقا و لو فيما أخذ فيه الزّمان الأوّل قيدا، و هو أوّل الكلام، بل عدم جريانه فيه بلا كلام إلاّ على المسامحة، حسبما تقدّمت الإشارة إليها الّتي لا مجال لها بناء على حكومة العقل في الباب، و عليه يكون احتمال أخذه أيضا مانعا عن جريان الاستصحاب، كما هو الحال في غيره من الخصوصيّات و الأحوال، فتفطّن.

قوله (قده): من جهة الرّافع ذاتا أو وصفا- إلخ-.

أي في وجود الرّافع أو رافعيّة الموجود، و وجه جريان الاستصحاب في الشّك من جهتيهما (1) عدم إمكان أخذ عدم الرّافع في الموضوع لاستلزامه الدّور كما لا يخفى.

لكنّه قد يقال: إنّ أخذه فيه حدوثا إنّما يكون مستلزما للحال لا بقاء، فكلّ واحد من المانع و الرّافع يعتبر عدمه فيه عقلا، غاية الأمر أحدهما حدوثا و الآخر بقاء، فيكون الشّكّ من جهة الرّافع شكّا في الموضوع أيضا، فلا يخلو الاستصحاب فيه من إشكال، إلاّ أن يقال إنّه إذا كان الموضوع في القضيّة المشكوكة غير ما كان موضوعا في المتيقّنة بالدّقة، فلا عبرة باحتمال اعتبار شي‏ء آخر في بقاء الموضوع على ما كان عليه من الحكم، لصدق النّقض بالشّكّ و لو مع المداقّة لو لا الحكم عليه بما كان عليه في الحال، فلا وجه للإشكال أصلا، كما لا يخفى.

قوله (قده): الثّالث أن يرجع إلى العرف- إلخ-.

إن قلت: ما الفرق بين هذا الوجه و الوجه السّابق، و كان المتّبع في تعيين مدلول الدّليل هو فهم العرف أيضا.

____________

(1)- في (عليه السلام): جهتهما.

386

قلت: الفرق أنّ المرجع في الوجه السّابق هو ما يفهمونه من الدّليل، بخلاف هذا الوجه، فإنّ المتّبع فيه هو نظرهم بحسب ما ارتكز في أذهانهم من الملازمة و المناسبة بين الأحكام و الموضوعات بلا توسيط مساعدة الدّليل، بل و لو مع دلالته على خلافه مثلا يكون الموضوع في خطاب «الكلب نجس‏ (1)» حسبما يساعده ظاهر الخطاب حسب فهم العرف منه هو الكلب في حال حياته، لأنّه اسم لحيوان خاصّ، و بحسب نظرهم هو جسمه و لو في حال مماته.

ثمّ لا يخفى أنّ المعيار في تعيين ما هو الميزان من بينها، ليس إلاّ ما ساعده ظاهر خطاب «لا تنقض اليقين‏ (2)» و تعيين أنّ النّهى فيه إنّما هو بلحاظ أي موضوع عقلي أو نقلي أو عرفي، فلا بدّ من تعيين ظاهر الخطاب، فيقال إنّ الاعتبار و إن كان مقتضيا لأن يكون النّهى بلحاظ الموضوع العقلي، لأنّه الموضوع الحقيقي الّذي علم بثبوت الحكم له دون غيره أو الموضوع النقليّ، لأنه الموضوع الّذي دلّ الدليل على ثبوته له في خطاب «لا تنقض» الّذي عمّ الحكم فيما لا يعمّه الدّليل، إلاّ أنّه حيث لم يكن شاهد على أحد هذين اللّحاظين، و لا عبرة بالاعتبار ما لم يكن شاهد في البين، و كان المتعارف عند أهل العرف إطلاق النّقض بلحاظ الموضوع العرفي، و قد أطلق هذا الخطاب بلا قرينة على لحاظ تعيين أنّه بهذا اللّحاظ، و إلاّ كان اللازم نصب قرينة حيث كان في مقام البيان.

و بالجملة انّ الإطلاق في مقام البيان يصلح لبيان أنّه بهذا اللّحاظ بعد ما كان من المتعارف إطلاقه كذلك، بخلاف اللّحاظين الآخرين، فإنّه لا يتعيّن أحدهما بدون قرينة عليه، و لا يذهب عليك أنّ تفاوت اللّحاظات و تعدّدها في طرف الموضوعات لا يوجب تفاوتا في معنى النّقض و تعدّدا في مفهومه، فيوجب تفاوتا فيه حقيقة و مجازا، ظهورا و خفاء، بل على معنى واحد و مفهوم فارد لا يسرى إليه التّفاوت من طرفها، و يكون هو بالمعنى الّذي يكون مع أحدها بعينه مع الآخر منها، كما لا يخفى.

ثمّ أنّه ظهر بما ذكرنا فساد ما ربّما يتوهّم من أنّه لا اعتبار بالأنظار العرفيّة المبنيّة على المسامحة أو الغلط و الغفلة، و انّما العرف يكون مرجعا في تشخيص المفاهيم و تعيين الظّواهر، و ذلك لما ظهر من أنّ الرّجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع في باب الاستصحاب إنّما هو لأجل الاستظهار من الأخبار (3) أنّ النّهى عن النّقض فيها إنّما هو بلحاظ الموضوع العرفي،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 2- 1015

(2)- وسائل الشيعة: 2- 594

(3)- وسائل الشيعة: 2- 594

387

فليس في الرّجوع إليهم في الباب اتباع مسامحاتهم أو غفلاتهم في مقام التّطبيق، بل اتّباع ظاهر الخطاب على التّدقيق و التّحقيق.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا ظهر معنى قولهم الأحكام- إلخ-.

لمّا كان الأسماء حاكية عن المسمّيات الّتي يكون هي الموضوعات للأحكام، و الموضوعات يدور عليها الأحكام لانتفائها بانتفائها بلا كلام، كان الأحكام تدور مدار الأسماء.

لا يقال: انّما تدور مدار الواقعيّات عن موضوعاتها، لا المحكيّات بأسمائها، فيمكن بقاؤها مع عدم بقاء صدق الأسماء.

لأنّا نقول: إنّما تدور مدار موضوعاتها الواقعيّة ثبوتا. و أمّا إثباتا فلا تدور إلاّ مدار المحكي منها بأسمائها، و الظّاهر أن يكون مقصودهم إثبات الدّوران في مقام إثباتها، فإنّ الظّاهر أنّه لا مأخذ لقولهم هذا إلاّ نفس أدلّة الأحكام، و هي غير دالّة إلاّ على ثبوتها ما- دام صدق الأسماء، لا على الانتفاء فيما لا صدق لها، و لا أظنّ مساعدة دليل من خارج، فإنّه لو كان لظهر و بان، و كون هذا إجماعا منهم بعيد و احتماله غير مفيد، و تحصيله عادة مستحيل، فإنّه لا سبيل إليه إلاّ من باب الاتّفاق، و هو غير كاشف، لاحتمال أن يكون استنادهم إلى ما هو قضيّة الأدلّة، كما استظهرناه.

و من هنا ظهر أنّه لا مجال لتوهّم المنافاة بينه و بين كون المدار في باب الاستصحاب على بقاء العرفي، صدق عليه الاسم أو لم يصدق عليه، فإنّ عدم مساعدة دليل الحكم على ثبوته لهذا الموضوع لا ينافي مساعدة دليل آخر عليه، على أن يكون حكما ظاهريّا له كما في باب الاستصحاب، أو واقعيّا كما في غير الباب.

و بالجملة إن كان مرادهم ما قلنا، فهو غير مناف لشي‏ء ممّا نحن فيه و إن كان مرادهم ما ينافيه، فلا دليل عليه، و لو سلّم فهو أصل وجب عنه العدول بظاهر دليل الاستصحاب على ما بيّناه من كونه بلحاظ الموضوع العرفي و لو لم يصدق عليه الموضوع المأخوذ في الدّليل، فإنّ دليل الاستصحاب فيما لم يثبت المستصحب بدليل نقلي غير معارض به و لا مزاحم، و بعدم الفصل قطعا بينه و بين ما إذا ثبت به، تمّ المقصود و عمّ و لم يعلم بعدم الفصل في موارد هذا الأصل من موارد الاستصحاب و غيرها إن لم يعلم الفصل، فيجب العمل بدليل الاستصحاب في تمام موارده، فتأمّل.

388

قوله (قده): قد يعدل عنه لقرينة فهم العرف- إلخ-.

قد عرفت وجه العدول فيه، و لعلّه أريد بذلك أي بقرينة فهم العرف، أنّ النّهى في دليل الاستصحاب كان بلحاظ الموضوع العرفي، يعدل عن الأصل في موارده، على ما عرفت، أو بقرينة أخرى كاستكشاف ذلك من الإجماع على استصحاب الكريّة مثلا، ضرورة عدم اختصاص استصحابها بذلك كما لا يخفى، فتأمّل.

قوله (قده): فإنّ مناط الاستصحاب هو اتّحاد- إلخ-.

فإنّه لو لا لحاظ اتّحادهما لما كان العمل على خلاف اليقين نقضا له بالشّكّ و لا العمل على طبقه مضيّا على اليقين، فلا بدّ من عدم ملاحظة الزّمان و أن متعلّقهما مع ملاحظته اثنين، و متعلّق الشّكّ و اليقين في القاعدة و إن كان أيضا متّحدا، إلاّ أنّه مع ملاحظة الزّمان، فكان إلغاء الشّكّ و المضي على اليقين في الاستصحاب عبارة عن التّعبّد بثبوت المشكوك في اللاحق كما كان في السّابق، و في القاعدة عبارة عن التّعبّد بثبوته فيه سابقا و إن شكّ في ثبوته كذلك لا حقا، و اختلاف مؤدّاهما و إن لم يمنع عن الجمع بينهما في كلام واحد مشتمل على ما يعممهما بمفهومه و يحويهما بمعناه حاك عن حرمة النّقض، و وجوب المضي في الواقع باللحاظين اللّذين كانا موجبين لاختلاف مؤدّى القاعدتين، كما إذا قيل مثلا (لا تنقض اليقين بالشّكّ) الّذي كان له تعلّق بالشّكّ الّذي كان له تعلّق بما تعلّق به اليقين، فإنّ التّعلّق بإطلاقه يعمّ ما إذا كان تعلّقه به بأصل ثبوته الّذي لا بدّ فيه من اتحاد المتعلقين و لو مع ملاحظة الزمان أو بقائه الّذي لا بد من اتحادهما مع عدم ملاحظته، إلاّ أنّه لا يكاد يمكن الجمع بينهما فيما إذا لم يكن هناك ما يحكى عنهما بمفهومه، و يظهر في تحققهما بإطلاقه أو عمومه، بل كان إرادتهما بالجمع بين اللّحاظين في خطاب واحد قصد به ضرب كلتا القاعدتين، ضرورة امتناع الإنشاء الواحد بلحاظين متنافيين و نظرين متضادّين، لحاظ المتيقّن مع زمانه و لحاظه بدونه، و النّظر إلى ثبوته في زمان قطع بثبوته فيه من دون نظر إلى بقائه، و النّظر إلى خصوص بقائه.

لا يقال: نعم، لكن اللحاظ على أحد الوجهين ليس بلازم، كي يلزم من إرادتهما الجمع بين المتنافيين، بل الخطاب يكون من دون لحاظ في البين، فيكون دليلا على القاعدتين.

لأنّا نقول: لا يكاد يكون الخطاب بلا لحاظ مفيدا لفائدة و ضربا لقاعدة، حيث أنّ المفروض أنّه ليس فيه لفظ يعمّهما بمفهومه بإطلاقه أو عمومه، فلا مناص عن اللحاظ لو

389

أريد به ضرب قاعدة، و إلاّ كان مهملا، لا دليلا على القاعدة و لا على الاستصحاب بلا ارتياب، و لا يعقل أن يكون اللّحاظان من حالات اليقين بشي‏ء كي يعمّهما إطلاقه الحالي، فإنّ الموضوع بجميع حالاته الّتي يراد سراية الحكم إليه معها لا بدّ أن يكون ملحوظا و لو إجمالا، فكيف يكون لحاظه على نحو واحد.

هذا، مضافا إلى ما عرفت من المنافاة بينهما، فافهم.

لكن لا يخفى إناطة ذلك باتّحاد متعلّق الشّكّ و اليقين، كما نفي عنه الرّيب تارة، و استظهره أخرى و قد ذكرنا وجهه، ضرورة أنّه لو لا ذلك كان إرادة القاعدتين من هذه الأخبار (1)، بل استظهارهما منها بمكان من الإمكان لا يحتاج إلى زيادة مئونة، بل يكفى إطلاق الشّكّ بحسب أفراده، و هو سهل مع إطلاقه في مقام البيان، فيقال: إنّ اليقين في السّابق و إن كان واحدا و هو لحاظه مع زمانه إلاّ أنّه يراد من الشّكّ حيث أطلق في المقام أعمّ ممّا كان متعلّقا به أو متعلّقا ببقائه، فيستفاد كلّ من القاعدة و الاستصحاب بلا لزوم محذور في البين من الجمع بين اللّحاظين، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): أمّا لو أريد منها إثبات- إلخ-.

قد عرفت بما علّقنا هناك أنّ الجمع بين القاعدة و الاستصحاب ثمّة لا يوجب استعمال الكلام في المعنيين، و لا يبعد أن يكون الأمر هاهنا أوضح، فإنّ الشّكّ المتعلّق بما كان اليقين متعلّقا به على قسمين: (أحدهما) ما يتعلّق بعدالة زيد يوم الجمعة مثلا و كان اليقين متعلّقا بها، مع القطع بعدالته بعد اليوم أو فسقه. (ثانيهما) ما يتعلّق بعدالته فيه و فيما بعده، فالنّهي عن نقض اليقين بالشّكّ يعمّ بإطلاقه النّقض لكلّ من الشّكّين و قضيّة عدم نقضه بالثّاني المعاملة مع مشكوكه معاملة اليقين بترتّب آثار العدالة عليه، و ربّما أيّد ذلك بالاستدراك بقوله (عليه السلام) «و لكن تنقضه بيقين آخر (2)»، فتدبّر فانّه دقيق.

قوله (قده): لزم حصول التّعارض في مدلول الرّواية

(3)

- إلخ-.

لا يخفى عدم لزومه، و إنّما يلزم لو كان كلّ واحد من نقض اليقين بعدم العدالة قبل يوم‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 2- 594

(2)- وسائل الشيعة: 2- 954

(3)- وسائل الشيعة: 1- 174

390

الجمعة بشكّ، و نقض اليقين بالعدالة المقيّدة ثبوتها بذلك‏ (1) في مثل المثال في عرض الآخر، و لم يكن بينهما السّببيّة و المسببيّة، و إلاّ لا يعمّ العامّ إلاّ ما هو السّبب منهما، كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى؛ و ليس كذلك، فإنّ كون نقض اليقين بعدم العدالة مع هذا الشّكّ نقضا بالشّكّ يتوقّف على عدم شمول النّهى لنقض اليقين بالعدالة المقيّدة و إلاّ كان نقضا بغير الشك بل بالقطع بالعدالة المقيّدة و ما بحكمه بحكم هذا العام، و هذا بخلاف نقض اليقين بالعدالة المقيّدة مع هذا الشّكّ، فانّه نقض بالشّكّ على كلّ حال من غير توقف على عدم شمول النّهى لنقض اليقين بعدم العدالة المطلقة، بل و لو شمله غاية الأمر معه لا يمكن أن يشمله أيضا، و كان نقض اليقين بهذا الشّكّ جائزا، فإنّ النّهى عن نقض اليقين بعدم العدالة بهذا الشّكّ يلازم تجويز نقض اليقين بالعدالة المقيّدة بالشّكّ، لا أنّه موجب لكونه نقضا بغير الشّكّ، فافهم، و قد فصّلنا الكلام في بيان ما هو الظّاهر من أخبار (2) الباب من القاعدة أو الاستصحاب في السّابق، فلا نعيد.

قوله (قده): و لا تخصّصا بمعنى خروج المورد- إلخ-.

لا يخفى أنّ مجرّد الدّليل على الخلاف و إن لم يوجب خروج المورد عن مورد الاستصحاب، إلاّ أنّه يخرجه حقيقة عمّا تعلّق به النّهى في أخبار (3) الباب من النّقض بالشّكّ، فانّه لا يكون معه نقضا بالشّكّ، بل بالدّليل، فلا يعمّه النّهى فيها كما لا يخفى، و ليس أفراد العام هاهنا هو افراد الشّكّ و اليقين، كي يقال: إنّ الدّليل العلمي إنّما يكون مزيلا للشّكّ بوجوده، بل افراده أفراد نقض اليقين، بالشّكّ، و الدّليل المعتبر و لو لم يكن علميّا، يكون موجبا لأن لا يكون النّقض بالشّكّ و لو مع الشّك، بل بالدّليل.

إن قلت: نعم لو قلنا باعتباره مطلقا و لو في مورد الاستصحاب، لكنّه بعد محلّ الإشكال.

قلت: لا مجال للإشكال في اعتباره، لعموم أدلّة اعتباره بلا مخصّص إلاّ على وجه دائر، فانّه لا وجه لتخصيصها بذلك إلاّ شمول عموم الخطاب للمورد معه، و لا يكاد يشمل إلاّ إذا كان العمل على خلاف اليقين في المورد نقضا له بالشّكّ، و هو يتوقّف على أن لا يكون ذلك الدّليل معتبرا، و إلاّ كان نقضا بالدّليل كما عرفت، و هو يتوقّف على تخصيص‏

____________

(1)- في (عليه السلام): المقيدة بيومها بالشك مثل المثال.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

391

دليل الاعتبار، و المفروض أنّه لا وجه له أصلا إلاّ شمول العموم للمورد فدار كما لا يخفى.

و بالجملة العمل بالدّليل على خلاف اليقين عمل بعموم دليل اعتباره من دون لزوم محذور مخالفة دليل، بخلاف العمل بالاستصحاب، فانّه يستلزم إمّا تخصيص العموم بلا وجه أو بوجه دائر، فظهر أنّ العمل به انّما هو من باب تخصيص دليل الاستصحاب، و إلاّ فمن الواضح أنّه لا تعرض للدّليل، و لا لدليل اعتباره بمدلولهما اللّفظي لبيان حال الاستصحاب، كما هو معنى الحكومة على ما أفاده في التّعادل و التّرجيح كي يكون العمل بالدليل دونه من باب حكومته أو حكومة دليله على دليله، و ليس إلغاء الاحتمال المخالف لما قامت به البيّنة و رفع اليد من آثاره الّتي منها الاستصحاب إلاّ ملازما لمعنى دليل اعتبارها عن تصديقها و وجوب العمل على طبقها، ضرورة أنّ ذلك يلازم رفع اليد عن العمل على خلافها، كما أنّ وجوب العمل على وفق الحالة السّابقة يلازم أيضا عدم وجوب العمل على خلافها و هو مؤدّى البيّنة كما لا يخفى، فيكون كلّ منهما ينفي الآخر بملاك ينفيه به الآخر و هو المضادة و المنافاة بين إيجاب العمل على وفق احتمال شي‏ء، و بين إيجابه على طبق احتمال نقيضه من غير تفاوت في ذلك بين تفاوتهما بحسب لسان دليلهما و عدم تفاوتهما، لا أن يكون أحدهما نافيا بمدلوله اللّفظي، فيكون حاكما دون الآخر، فلو لا ما ذكرنا من وجه التّقديم، لا يندفع مغالطة المعارضة بينهما أصلا كما لا يخفى.

لا يقال: قضيّة قوله في بعض أخبار الباب «و لكنّه تنقضه بيقين آخر (1)» هو النّهى عن النّقض بغير اليقين و الدّليل المعتبر غير موجب لليقين مطلقا، فكيف يقدّم كذلك.

لأنّا نقول: لا محالة يكون الدّليل موجبا لليقين، غاية الأمر لا بالعناوين الأوّلية للأشياء، بل بعناوينها الطّارية الثّانويّة مثل كونه قام على وجوبه أو حرمته خبر العدل، أو قامت البيّنة على ملكيته أو نجاسته بالملاقاة، إلى غير ذلك من العناوين المنتزعة من سائر الأمارات، و بأدلّة اعتبارها علم أحكام هذه العناوين بلا كلام، فلا يكون نقض اليقين إلاّ باليقين بالخلاف، و لا منافاة بين الشّكّ فيه من وجه و القطع من وجه آخر.

و بذلك انقدح وجه تقديم الأمارات على سائر الأصول، و ذلك لأنّها أحكام لما شكّ في حكمه و لم يعلم بوجوبه أو حرمته بوجه، ضرورة أنّ ما علم حكمه و لو من وجه ليس محكوما بالحلّيّة بكلّ شي‏ء لك حلا (2) مثلا، و قد علم بوجه، و ببعض العناوين حكم‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 16- 403

392

المشكوك عند قيام الأمارة، فما قامت الأمارة المعتبرة على حرمته أو خمريته قد عرفت حرمته، فدخل في الغاية فلا يعمّه حكم المعنى في «كلّ شي‏ء لك حلال‏ (1)» كما لا يخفى.

إن قلت: الأمارات في قبال الأصول إنّما يكون موجبة للقطع لو كانت معتبرة في هذا الحال، و هو بعد محلّ الإشكال.

قلت: إنّ عموم دليل اعتبارها يقتضى الاعتبار في قبالها كما في سائر الأحوال، و لا وجه لتخصيصه في هذا الحال إلاّ على وجه محال.

و بذلك تندفع أيضا مغالطة معارضة ما ذكرنا بأنّه لا مجال للأمارة أيضا، مع القطع بالحكم، و قد قطع بأنّ مشكوك الحرمة حلال لعموم «كلّ شي‏ء (2)» فإنّ عمومه لا يعمّه مع الأمارة المعتبرة إلاّ على وجه محال.

ثمّ إنّ وجه تقديم الاستصحاب على سائر الأصول هو بعينه وجه تقديم الأمارات عليه، فإنّ المشكوك معه يكون من وجه و بعنوان ممّا علم حكمه و إن شكّ فيه بعنوان آخر، و موضوع الأصول هو المشكوك من جميع الجهات.

و قد انقدح اندفاع مغالطة المعارضة هاهنا أيضا بما ذكرناه في اندفاعها في تقديم الأمارات على الاستصحاب و سائر الأصول، فإنّ العمل على وفق أصالة الإباحة في مورد استصحاب الحرمة تخصيص لخطاب «لا تنقض اليقين‏ (3)»، ضرورة أنّ الحكم على خلافه مع الشّكّ يكون نقضا له بالشّكّ، بخلاف العمل على الاستصحاب، فإنّه يوجب خروجه عمّا هو موضوع للأحكام الأصوليّة، و هو ما شكّ في حكمه من جميع الوجوه حقيقة، فلا يكون تخصيصا لأدلّتها كما لا يخفى.

فتلخّص أنّ وجه تقديم الأدلّة (4) على الأصول و تقديم الاستصحاب على ما عداه، هو عدم لزوم محذور يلزم من العكس و هو التّخصيص بلا وجه، أو بوجه دائر؛ و لعمري لا أرى لأحد بدّا ممّا حقّقناه إلاّ القبول و الاتباع و إن كان يقرع الأسماع و يثقل على الطباع‏ (5)، فما هي عليها، و عليك بالتّأمّل التّام فيما ذكرناه في المقام.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 16- 403

(2)- وسائل الشيعة: 2- 594

(3)- وسائل الشيعة: 2- 594

(4)- في (عليه السلام): الدليل.

(5)- في (عليه السلام): الأطباع.

393

قوله (قده): و فيه أنّه لا يرفع‏

(1)

التّحيّر- إلخ-.

قد عرفت في الحاشية السّابقة ورود الدّليل الاجتهادي على الاستصحاب مطلقا و لو كان المراد بالشّكّ في دليل اعتباره هو نفس الاحتمال، فإنّه لا يكاد يكون معه نقض اليقين بالشّكّ، بل بالدّليل في مورده، لكنّه لو أريد منه ذلك يبقى الشّكّ على حاله، و لو أريد منه التّحيّر يرتفع وجدانا إذ لا تحيّر حقيقة مع الدّليل.

و لا مجال لأن يقال: إنّ الدّليل غير معلوم الاعتبار في مورد الاستصحاب؛ لأنّه كما عرفت حسب إطلاق دليل الاعتبار أو عمومه، من دون موجب لتخصيصه إلاّ على وجه دائر معلوم، كما مرّ تفصيله.

و من هنا ظهر أنّه لا مجال للمعارضة، و مغالطتها مندفعة لورود الدّليل الاجتهادي مطلقا على الاستصحاب، و أنّه لا يلزم من العمل بالدّليل تخصيص أو تصرّف آخر في دليل، بخلاف العمل بالاستصحاب، فإنّه لا سبيل إليه بلا تخصيص من غير وجه، كما أنّه ظهر أيضا أنّ عدم الدّليل الاجتهادي على خلاف الحالة السّابقة ليس من شرائط العمل بالاستصحاب، بل من شرائط أصل تحقّقه و جريانه، و إنّما يكون من شرائط العمل به فقد ما يصلح أن يعارض عموم خطاب «لا تنقض» أو إطلاقه مثل ما دلّ على وجوب البناء على الأكثر في الشّكّ في عدد ركعات الصّلاة، لكنّه لم يكن بدليل اجتهادي، بل كان أصلا عمليّا مثل الاستصحاب، و هو ليس مراد المشترط لتوصيف الدّليل بالاجتهادي، فتفطّن.

قوله (قده): بيان ذلك أنّ اليد إن قلنا- إلخ-.

و التّحقيق أنّ وجه تقديم اليد إن قلنا باعتبارها من باب الطّريقيّة، هو ورود دليل اعتبارها على الاستصحاب كما عرفت بما لا مزيد عليه، و إن قلنا باعتبارها من باب التّعبّد، هو تخصيص دليله بدليلها، لأنّ النّسبة بينهما و إن كانت عموما من وجه، إلاّ انّ دليلها أظهر في شمول موارد التّعارض من دليله، للزوم تخصيص الأكثر من تخصيصه بدليله، بخلاف تخصيصه به، فافهم.

هذا، مضافا إلى لزوم المحذور المنصوص و هو اختلال السّوق و بطلان الحقوق، و معه يكون تقديمها على الاستصحاب بلا شبهة و لا ارتياب، و لو لم يكن العكس مستلزما لتخصيص الكثير أو الأكثر، فتأمّل.

____________

(1)- و في المصدر: ففيه انه لا يرتفع التحيّر.

394

قوله (قده): و أمّا حكم المشهور بأنّه لو اعترف- إلخ-.

و التّحقيق في ذلك أنّ اليد إنّما كانت أمارة على أصل الملكيّة، لا على خصوصيّتها، فإن كانت الدّعوى في نفس الملكيّة بأن يدّعى كلّ من ذي اليد و خصمه ملكيّة ما في تحت اليد، من دون تعرّض لبيان سبب حصولها، كانت موجبة لتقديم قول ذي اليد، و إن كانت دعواهما مع التّعرض لبيان سبب ناقل منه إليه كهبة أو بيع أو غيرهما ممّا ينكره الخصم، كانت غير مجدية في مقام الحكومة و رفع الخصومة، بل يعامل حينئذ كما لم يكن له يد، فينتزع عنه العين، و أعطب الخصم ما لم يقم بيّنة على طبق دعواه و صدق مدّعاه حسب اعترافه؛ لكنّ الظّاهر انّها مع ذلك لا يخرج عن الأماريّة، لأصل الملكيّة لذي اليد فيترتّب على العين جميع آثار ملكيته له، فلا يجوز التّصرف فيها بدون إذنه، و يجوز شرائها منه و التّصرف فيها برضاه.

و بالجملة اليد يكون أمارة على الملكيّة مطلقا و لو في مقام الدّعوى بالنّسبة إلى آثارها من عدم جواز التّصرّف بدون إذن ذي اليد و جوازه معه. و أمّا بالنّسبة إلى غير المدّعى عن المنكر بتبع أنّه كيف يحرر الدّعوى، كما لا يخفى.

قوله (قده): و حال اليد مع البيّنة- إلخ-.

فكما أنّ أصالة الحقيقة يكون أمارة عند السّيّد (ره) حيث لم يكن هناك أمارة على المجاز، كانت اليد حجّة إذا لم يكن في البين بيّنة.

ثمّ لا يخفى أنّه لا وجه للتّرقي من ذلك بقوله «بل» حال مطلق الظّاهر و النّصّ، فإنّ خصوصيّة القطع بخلاف الظّاهر مع النّصّ منتفية فيها قطعا، و مع الغض عنها لا خصوصيّة فيهما لم يكن في أصالة الحقيقة مع أمارات المجاز، إلاّ أن يكون أصالة الحقيقة عند السّيد حجّة من باب التّعبّد، فلا يكون وجه للمقايسة بينهما، لكون اليد حجّة من باب الأمارة، و لعلّه أشار إليه بقوله «فافهم».

قوله (قده): روى زرارة في الصّحيح‏

(1)

- إلخ-.

في ذيل رواية صدرها: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام) رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة، قال: يمضى. قلت: رجل شكّ في الأذان و الإقامة و قد كرّ، قال: يمضى. قلت:

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 1

395

رجل شكّ في التّكبيرة و قد قرأ، قال: يمضى. قلت: شكّ في القراءة و قد ركع، قال: يمضى.

قلت: شكّ في الرّكوع و قد سجد، قال: يمضى على صلاته؛ قال: يا زرارة إذا خرجت‏ (1)- إلخ-.

اعلم أنّ المستفاد بالتّأمّل في الأخبار أنّ هاهنا قاعدتين: (إحداهما) قاعدة مضروبة للشّكّ في صحّة الشّي‏ء لأجل الشّكّ في الإخلال ببعض ما اعتبر فيه شطرا أو شرطا بعد الفراغ عنه. (ثانيهما) قاعدة مضروبة للشّكّ في وجود الشّي‏ء بعد التّجاوز عن محلّه مطلقا، أو في خصوص أجزاء الصّلاة و ما بحكمها كالأذان و الإقامة كما ليس ببعيد و سنشير إلى وجهه، و ذلك لأن الظّاهر من هذه الصحيحة (2) و رواية إسماعيل‏ (3) بن جابر هو القاعدة الثانية، كما أنّ ظاهر الموثّقة (4) «كلّما شككت فيه- إلخ-» هو القاعدة الأولى، مضافا إلى ما ورد بهذا المضمون في خصوص الوضوء و الصّلاة في غير واحد من الأخبار كما في رواية محمد (5) بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «كلّما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض» و في رواية زرارة (6) عنه: «فإذا قمت من الوضوء و فرغت عنه و قد صرت في حال أخرى في الصّلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللَّه ممّا أوجب اللَّه عليك فيه وضوئه، لا شي‏ء عليك فيه- الخبر-». إلى غير ذلك من الأخبار.

و لا يخفى أنّ إرجاع الطّائفتين إلى الأخرى بحسب المفاد أو إرجاعهما إلى ما يعمّهما أو ما يعمّ القاعدتين من كلّ منهما، لا يخلو من تكلّف و تعسّف بلا وجه موجب له أصلا، مع ما يرد عليه من الإشكال الآتي في خروج أفعال الطّهارات من القاعدة مع التّحمل في اندفاعه و عدم وروده على ما استفدناه من القاعدتين على ما ستطلع عليه.

ثم الظّاهر من دليل القاعدة الأولى عدم اختصاصها بباب دون باب بل يعم العبادات و المعاملات و الظّاهر من دليل القاعدة الثّانية هو اختصاصها بأجزاء الصّلاة و ما يحسب منها كالأذان و الإقامة، أو تخصيصها بغير أجزاء الوضوء أو مطلق أفعال الطّهارات بناء على‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح- 1

(2)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 1

(3)- وسائل الشيعة: 4- 937- ح 1

(4)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 3

(5)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 3 مع تفاوت‏

(6)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 1

396

عدم الفصل بينها، و أنّه من المسلّمات بالإجماع على ما نقله غير واحد، و بعض الأخبار الدّال على الالتفات إلى الشّكّ ما دام في حال الوضوء مفهوما و منطوقا مثل صحيحة زرارة (1) المتقدّمة، أو مفهوما مثل موثقة ابن أبي يعفور (2) بناء على عود ضمير «في غيره» إلى الوضوء لئلا يخالف الإجماع و الصّحيحة، مع أنّه أقرب، و على كون المراد من «الشّكّ في شي‏ء» الشّكّ في مركّب شكّ بعد الفراغ عنه و في بعض ما يتألّف عنه، فإنّها يدلّ بمفهوم القيد تارة على هذا، و بمفهوم الحصر أخرى على الاعتناء و الالتفات في الأثناء.

أمّا اختصاصها بذلك فإنّ قوله «إذا خرجت من شي‏ء» في صحيحة زرارة (3)، و قوله في رواية ابن جابر (4) «كل شي‏ء شكّ فيه» لو لم يكن ظاهرا في خصوص شي‏ء من افعال الصّلاة بقرينة السّؤال عن الشّكّ في غير واحد منها في صدر كلّ واحد منها، فلا أقلّ من عدم الظّهور في العموم لغيرها كما لا يخفى؛ فإنّ تكرار السّؤال من خصوص الأفعال يمنع عن مفهوم إطلاق شي‏ء بغيرها.

إن قلت: لو سلّم ذلك فإنّما هو في الصّحيحة (5)، لكون العموم فيها بالإطلاق دون الرّواية (6) فإنّ العموم فيها بالوضع.

قلت: الكلام انّما هو في المراد من لفظ «الشّي‏ء» هل هو مطلق الشّي‏ء ليدلّ بلفظ كلّ على استيعاب جميع أفراده، أو خصوص شي‏ء من افعال الصّلاة ليدلّ على استيعاب جميع أفراد خصوص هذا الشّي‏ء، و دلالته على المطلق ليس إلاّ بالإطلاق بمقدّمات الحكمة على ما هو التّحقيق، فالكلّ إنّما هو للدّلالة على الاستيعاب و استغراق تمام أفراد ما يراد من مدخوله؛ أمّا أنّ المراد منه هو المطلق أو المقيّد، فإنّما هو بالإطلاق مع مقدّمات الحكمة أو مع عدمها كما إذا لم يكن من هذه الجهة في مقام البيان، أو كان مع وجود القدر المتيقّن في البين كما في المقام، فإنّ سبق السّؤال عن غير واحد من أفعال الصّلاة يوجب كون إرادة شي‏ء من الأفعال منه متيقّنا، و لذا لو قيد الشّي‏ء بقرينة متّصلة أو منفصلة لا يلزم خلاف أصل في لفظ «كلّ».

نعم لو أريد من مدخوله الشّي‏ء، لا شي‏ء خاصّ، و أريد منه بعض أفراده بمخصّص‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 1

(2)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 2

(3)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 1

(4)- وسائل الشيعة: 4- 937- ح 4

(5)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 1

(6)- وسائل الشيعة: 4- 937- ح 4

397

متّصل كالاستثناء أو منفصل، كان ذلك على خلاف ما هو الأصل من وضعه للعموم و استيعاب أفراد مدخوله، فافهم ذلك، فإنّه مفيد.

و أمّا تخصيصها بغير الطّهارات بناء على تسليم العموم لغير الأفعال، فإنّما هو لصحيحة زرارة (1) الدّالّة بمنطوقها و مفهومها على الالتفات إلى الشّكّ في أثناء الوضوء بضميمة عدم الفصل بينه و بين الغسل و التّيمّم، فأفعال الطّهارات لا يكون موردا لقاعدة التّجاوز تخصيصا أو تخصّصا، و إنّما يكون في مورد القاعدة الفراغ إذا شكّ فيها بعد الفراغ، لاحتمال الإخلال ببعض ما اعتبر فيها شطرا أو شرطا، فلا تغفل.

قوله (قده): الأوّل أنّ الشّكّ- إلخ-.

قد ظهر بما ذكرنا في الحاشية السّابقة أنّ المراد من الشّكّ في الشّي‏ء في أدلّة قاعدة التّجاوز، الشّكّ في أصل وجوده، و في أدلّة قاعدة الفراغ، الشّكّ فيه باعتبار الشّكّ في بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، فيكون المراد من التّجاوز و من الخروج في الأولى هو التّجاوز و الخروج عن محلّ الشّي‏ء، و المراد من المضي في أدلّة الثّانية مضيّ نفس الشّي‏ء، فلا داعي، إلى حمل الشّكّ في الشّي‏ء في جميع الأخبار على إرادة الشّكّ في وجود الشّي‏ء، كي يبعد في ظاهر بعض الأخبار، و لا يصحّ في الآخر إلاّ بتوجيه بعيد على ما تعرف عن قريب، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): لأنّ إرادة الأعمّ من الشّكّ- إلخ-.

و إن صحّ إرادة خصوص الشّك في الوجود مطلقا على نحو يجدى في مورد الشّك في صحّة الموجود أيضا باعتبار أنّ الشّكّ في صحّته مستلزم للشّكّ في وجود الشّي‏ء الصحيح.

لا يقال: نعم لكنّه خلاف ظاهر لفظ الشّي‏ء، فانّ المتعارف أن يكنى به من العناوين الأوّلية للأشياء، لا الثّانويّة كعنوان الصحيح و نحوه.

لأنّا نقول: لا يستلزم ذلك أن يجعل الشّي‏ء كناية عن عنوان الصّحيح، بل عن عنوان أولى يصدق عليه الصّحيح بالحمل الشائع. هذا، لكن لا يخفى أنّه لا يجدى في إحراز صحّة الموجود لو كان هو الهمّ و إن أحرز وجود الصّحيح إلاّ بناء على الأصل المثبت، بخلاف قاعدة الفراغ فانّها مثبتة لها فيترتّب بها آثار صحّة الموجود و منها آثار الوجود، فلا تغفل.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 330

398

قوله (قده): الموضع الثّاني أنّ المراد بمحلّ- إلخ-.

لا يخفى أنّ الملاك في قاعدة التّجاوز إنّما هو صدق الخروج و التّجاوز عن المشكوك فيه، و الظّاهر عدم الصّدق فيما إذا كان الإتيان به الآن في محلّه بحسب دليله لو علم عدم الإتيان به بعد، و ان كان يجوز أن يؤتى به قبل، و الصّدق فيما إذا لم يكن له موقع بحسب دليله، و ان قام دليل من خارج على جواز الإتيان به الآن لو كان ذلك عن سهو أو نسيان‏ (1)، فلا يصدق الخروج و التّجاوز عن الشّي‏ء بمجرّد تجاوز محلّ يعتاد أن يؤتى به فيه بقول مطلق، و ان كان يصدق مقيّدا بالعادة، ففتح هذا الباب بالنّسبة إلى العادة لا يساعده أخبار الباب. و أمّا لو أغمض عنه فلا يوجب مخالفة إطلاق فضلا عن الإطلاقات، و انّما يوجب مخالفة قاعدة الاشتغال الّتي لا يكون لها معه مجال و ظهور بعض الأخبار في كون هذه القاعدة من باب تقديم الظّاهر على الأصل لو سلّم لا يقتضى أن يكون التّقديم فيها دائرا مدار الظّهور النّوعي و لو كان من العادة، و إلاّ يلزم ذلك لو كان هناك ما يوجبه غير العادة أيضا، و السّرّ أنّ تقديم ظهور نوعيّ على الأصل في مورد لا يقتضى تقديم كلّ ظهور نوعي، و لا ذاك في كلّ مورد، بل لا بدّ من الاقتصار على ما اقتضاه الدّليل من خصوص الظّهور و المورد، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): و يحتمل ورود المطلق على الغالب، فلا يحكم بالإطلاق- إلخ-.

هذا هو المتيقّن إذا دار الأمر بينه و بين حمل المقيّد على الغالب، لأقوائيّة ظهور القيد في التّقييد من ظهور المطلق في الإطلاق، بل صريح رواية عبد الرحمن‏ (2) بن أبي عبد اللَّه قال:

قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام) «رجل رفع رأسه من السّجود فشكّ قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أ سجد أم لا. قال: يسجد. قلت: الرّجل ينهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما فلم يدر أ سجد أم لم يسجد، قال: يسجد». و ظهور لفظ الغير في صحيحة زرارة (3) «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيرها- الخبر-» بعد تكرار السّؤال من الشّكّ في فعل بعد الدّخول في فعل آخر، و في صحيحة إسماعيل‏ (4) بن جابر «كلّ شي‏ء شكّ فيه و قد جاوزه‏

____________

(1)- في (عليه السلام) و ان قام دليل من خارج على الاجتزاء به لو كان ذلك عن سهو أو نسيان.

(2)- وسائل الشيعة: 5- 972- ح 6.

(3)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: 4- 937- ح 4.

399

و دخل في غيره فليمض عليه» بعد التّوطئة و التّمهيد بقوله «إذا شكّ في الرّكوع بعد ما سجد- إلخ-». أن الغير الّذي يدخل فيه انّما هو الجزء الآخر المترتّب على المشكوك فيه، لا مقدّمات الأفعال، كالهوي إلى السّجود أو النّهوض إلى القيام، و لذا جزم المشهور على وجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائما. هذا في قاعدة التّجاوز.

و أمّا قاعدة الفراغ، فالظّاهر منها أيضا اعتبار الدّخول في الغير لظهور قوله في صحيحة (1) زرارة في الوضوء المتقدمة، و قد صرت إلى حال آخر، و صدر موثقة ابن أبي‏ (2) يعفور؛ و لا ينافي ذلك الإطلاق في الذّيل و في الموثقة:

«كلّما شككت فيه ممّا قد مضى- الخبر-» لملازمة المضي و التّجاوز عادة للدّخول في الغير، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): إلاّ أنّه يظهر من رواية

(3)

ابن أبي يعفور- إلخ-.

لكنّه من باب قاعدة الفراغ، و إنّما كان خارجا من قاعدة التّجاوز تخصّصا أو تخصيصا كما عرفت، فلو نزلت الموثّقة على هذه القاعدة بأن يكون المراد منها على ما أفاده هاهنا و مرّت الإشارة إليه، هو ضرب القاعدة للشّكّ المتعلّق بجزء العمل بعد الفراغ عن العمل لتوافق غيرها ممّا ورد في بيان حكم الشّكّ في الوضوء، لم يتوجّه الإشكال بمنافاة ما هو ظاهر الموثّقة (4) من كون حكم الوضوء من باب القاعدة مع وجوب الالتفات إلى الشّكّ في جزء منه ما دام الاشتغال إجماعا.

و أمّا لزوم التّهافت على هذا التّنزيل في الموثّقة (5) و كذا الموثقة (6) الأخرى المتقدّمة «كلّما شككت- إلخ-» فيما إذا شكّ في صحّة بعض الأجزاء بعد الفراغ عنه و الانتقال إلى جزء آخر، كما إذا شكّ في غسل جزء من الوجه بعد الشّروع بغسل اليد مثلا، فإنّه كما يصحّ اعتبار أنّه شكّ في الشّي‏ء قبل المضي لأنّه شكّ في شي‏ء من الوضوء قبل الانتقال عنه إلى حال‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 3.

(5)- وسائل الشيعة: 5- 336.

(6)- وسائل الشيعة: 5- 336- ح 3.

400

أخرى فيجب الالتفات إليه، صحّ اعتبار أنّه شكّ فيه بعد المضي، لأنّه شك في شي‏ء من غسل الوجه مع التّجاوز عنه، فيجب عدم الالتفات إليه.

و لا يخفى عدم اختصاص هذا الإشكال بالطّهارات، بل يعمّ سائر المركبات ممّا كان له أجزاء مركّبة أو مقيّدة من العبادات و المعاملات، مثل ما إذا شكّ في جزء من الفاتحة بعد الفراغ عنها و قبل الفراغ عن الصّلاة، فلا يجدى ما أفاده (قده) في التّفصيّ عنه في الطّهارات، مع ما فيه كما ستعرف.

فالتّحقيق في التّفصيّ عنه أن يقال: انّه أريد من الشّي‏ء في ذيل موثّقة (1) ابن أبي يعفور، و من الموصول في الموثقة (2) الأخرى مثل الوضوء و الغسل و الصّلاة ممّا له عنوان شرعا و عرفا بالاستقلال يقينا و بلا إشكال، كما يشهد به صحيحة زرارة (3) في الوضوء و مثل خبر «كلّ ما مضى صلاتك و طهورك- إلخ-» (4) و غيرهما من الأخبار، و معه لا يمكن أن يراد من العموم و الإطلاق في الموثقتين الأجزاء المركبة أو المقيّدة، كي يلزم التّهافت في مدلوليهما الموجب للإجمال.

نعم يعمّ مثل مناسك الحجّ، لأنّ كلاّ منها عمل باستقلاله و فعل على حياله و إن عمّها خطاب واحد، فانّ العبرة في استقلال‏ (5) الأفعال في الآثار و العناوين، لا بتعدد الخطاب و وحدته، فلا يعمّ أدلّة قاعدة الفراغ في مثل غسل جزء من الوجه، أو قراءة جزء من الفاتحة بعد الفراغ عن غسله و عن قراءتها، كما يشهد بذلك في الجملة الإجماع على وجوب الالتفات إلى الشّكّ في شي‏ء من الوضوء ما دام الاشتغال، بل و كذا الحال في الغسل و التّيمم.

نعم قاعدة التّجاوز المختصّة بأفعال الصّلاة أو المخصّصة بغير الوضوء أو جميع الطّهارات يوجب عدم الالتفات إلى الشّكّ في وجود ما اعتبر جزء العمل و لو لأجل الشّكّ في صحّة الموجود، و أنّه واجد لما أخذ فيه شطرا و شرطا، أو فاقد ليستلزم للشّكّ في وجود الصحيح كما مرّ؛ غاية الأمر لو كان الشّكّ فيه بعد الفراغ عن ذاك العمل، كان العمل محكوما بالصّحة

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 2.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 331.

(3)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: 1- 331- ح 6.

(5)- في (عليه السلام): باستقلال.

401

لقاعدة الفراغ أيضا، كما كان محكوما بها بقاعدة التّجاوز الحاكمة بوجود ما شكّ في وجوده من جزئه بلا تهافت و تناف بينهما أصلا كما لا يخفى.

و أمّا ما أفاده (قده) في دفع ما في الخبر (1) من الإشكال، ففيه مضافا إلى عدم اختصاص إشكال التّهافت في مدلوله الّذي أشار إليه بقوله «و لكن الاعتماد- إلخ-» بما إذا شكّ في غسل اليد باعتبار جزء من اجزائه، بل يعمّ ما إذا شكّ في الفاتحة باعتبار جزء من أجزائها مثلا، كما أشرنا إليه، فلا يجدى في دفعه ما أفاد و لو لم يكن فيه خلل و لا فساد، إذ حال الطّهارات بالنّسبة إلى مالها من الآثار ليس إلاّ حال سائر العبادات بالنّسبة إلى آثارها المترتّبة عليها كالانتهاء عن الفحشاء المترتّب على الصّلاة [1].

و بالجملة وحدة الأثر و بساطته لا دخل لها بمنشئه و سببه، و إلاّ يلزم أن يكون الشّكّ في جزء كلّ عمل قبل الفراغ عن العمل شكّا فيه قبل التّجاوز عن ذاك الجزء باعتبار وحدة سببه و بساطة أثره؛ أمّا الملازمة فلأنّ سائر الأعمال يشارك الطّهارات في وحدة الأثر و المسبب، فلو كان وحدته فيها يوجب كونه فعلا واحدا في نظر الشّارع، فلم لا يوجب وحدته في غيرها كونه فعلا واحدا؛ و أمّا بطلان التّالي فأوضح من أن يخفى، و لو سلّم فلا بدّ من بيان اعتباره كذلك، أي فعلا واحدا ينصب «دلالة عليه، و إلاّ فلا سبيل إلى معرفته، مع وضوح احتمال اعتباره على ما هو عليه حقيقة من التّركيب، بل لزوم حمله إلاّ إذا انحصر رفع الإشكال بذاك الاعتبار، و قد عرفت عدم الانحصار به، كما ظهر ممّا بيّنّاه من قضيّة الأخبار، فتأمّل جيّدا.

قوله (قده): لعموم لغويّة الشّكّ في الشّي‏ء بعد التّجاوز عنه- إلخ-.

الأقوى عدم الاعتناء به لأجل أنّه يوجب الشّكّ في المشروط بعد الفراغ عنه، و قاعدته يقتضى المضي عليه، كما إذا مضى مع الشّرط، و أمّا بالنّسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه، أو دخل فيه و لم يفرغ عنه، فلا مجال للحكم بصحّته بالقاعدة بعد (2) الفراغ عنه. نعم لو حكم بوجود الشّرط بقاعدة التّجاوز لأجل صدق التّجاوز عنه بعد الدّخول في مشروطه، صحّ الحكم بصحّته، بل صحّة كلّما يترتّب عليه ممّا كان مشروطا به أيضا إذا كان‏

____________

[1]- المستفاد من قوله تعالى «ان الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و البغي- الآية-» العنكبوت- 45.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 330- ح 2.

(2)- في (عليه السلام): لعدم.

402

المجموع أجزاء عمل واحد، لا إذا كان كلّ واحد من المرتّب و المرتّب عليه عملا مستقلا كالظّهرين، فإنّ الظّاهر عدم صدق التّجاوز عن الشّرط بالنّسبة إلى الجميع بمجرّد الدّخول في المرتّب عليه على إشكال، و ذلك كأفعال الصّلاة، فإنّ صحّة كلّ لاحق يتوقّف على صحّة السّابق المتوقّفة على الطّهارة، فلو حكم بقاعدة التّجاوز بوجود الطّهارة، حكم بصحّة ما أتى منها و ما يؤتى بعد، بخلاف ما لو لم يكن ترتّب بين المشروطات، أو كان و لكن كان كلّ منها عملا مستقلاّ كالظّهرين، فإنّ الظّاهر عدم صدق التّجاوز عن الشّرط إلاّ بالنّسبة إلى مشروط دخل فيه دون ما لم يدخل فيه، و صدق التّجاوز من جهة لا ينافي عدم صدقه عليه من أخرى كما لا يخفى.

لا يقال: قضيّة ذلك عدم الاعتناء بالشّك في فعل من أفعال الصّلاة مثلا بعد الدّخول في لاحقه من جهة خصوص اعتباره في صحّة ما يترتّب عليه أمّا من جهة اعتباره في الصّلاة على كلّ حال و لزوم الإتيان به في هذا الحال على تقدير الإخلال به، فلا وجه لعدم الاعتناء به، لعدم تجاوز محلّه من هذه الجهة، كما لا يخفى.

لأنّا نقول: نعم ذلك لو لم يكن المشكوك فيه بما هو جزء للصّلاة، قد تجاوز عنه بأن لا يكون له بما هو جزء محلّ، و إنّما كان المحلّ له بلحاظ الاعتبار في سائر الأجزاء المترتّبة عليه. و أمّا لو كان اعتبار المحلّ له بما هو جزء من الأجزاء، فقد تجاوز عنه بما هو جزء، فلا بدّ أن لا يعتنى بشكّه كذلك، و قضيّته هو البناء على إتيانه و عدم الحاجة إلى إتيانه ثانيا كما لا يخفى، فافهم فانّه لا يخلو عن دقّة.

قوله (قده): حكمه حكم الشّك في الإتيان، بل هو هو- إلخ-.

لا يخفى انه ليس قضيّة قاعدة التّجاوز الحاكمة بوجود المشكوك فيه و تحقّقه الحكم بصحّة الموجود إلاّ على القول بالأصل المثبت حيث يستلزم الشّكّ في صحّة الموجود، الشّكّ في وجود الصّحيح كما مرّت إليه الإشارة، فلا يترتّب على الموجود آثار الصحّة إلاّ على هذا القول إن كان لها آثار غير ما كان للصّحيح.

و من هنا انقدح ان ليس الشّكّ في الصّحة حكمه حكم الشّكّ في الإتيان، و لا هو هو، و لا مرجعه إلى الشّكّ في وجود الشي‏ء الصّحيح، بل حكمه لازما لحكمه بناء على الأصل المثبت كما انه يكون ملزوما للشك في وجود الصحيح، هذا مع قطع النّظر عن قاعدة الفراغ، و أمّا بملاحظتها فلا إشكال.

403

قوله (قده): و محلّ الكلام ما يرجع- إلخ-.

أي إلى الشّكّ في ترك ما اعتبر في الصحّة ممّا لا يستقلّ بحسب الوجود، بل من الكيفيّات كالترتيب أو الموالاة المعتبرة بين الكلمات، فإنّه لا مجال في مثله لإجراء قاعدة التّجاوز في نفس المعتبر في الصّحة، فلا جرم أن يجري في وجود الصحيح، هذا.

قوله (قده): الظّاهر أنّ المراد بالشّكّ في موضوع- إلخ-.

لا يخفى أنّ مقتضى الإطلاق أن يكون المراد من الشّكّ هو الشّكّ مطلقا، لا خصوص ما كان بسبب الغفلة عن صورة العمل، و الظّاهر أنّ المراد بقوله «حين يتوضّأ- إلخ-» هو أنّه حين الاشتغال غالبا يكون اذكر فالعلة لعدم الالتفات بالشّكّ دائما هو الأذكريّة غالبا لا أنّه حينه يكون اذكر فعلا و إلاّ فالتّحقيق أن يقال «إذا كان حين يتوضأ- إلخ-» كما لا يخفى على المتأمّل.

ثمّ لا يخفى عدم المناسبة بين استظهاره خصوص الشّكّ الطّاري، و ترديده بين الالتفات إلى الشّكّ و عدم الالتفات إذا لم يكن الطّاري، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): نعم لا فرق بين أن يكون المحتمل- إلخ-.

قد يقال: إنّ قضيّة التّعليل هو الفرق بينهما و انّ المعلّل هو خصوص ما إذا كان المحتمل هو ترك الجزء نسيانا، ضرورة أنّ المترتّب على الأذكرية حين الاشتغال إنّما هو عدم التّرك نسيانا لا عمدا، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ التّعليل إنّما هو بأخذ جزئيّ العلّة و جزئها الآخر، (1) و هو أنّ التّرك عمدا خلاف ما هو بصدده من الإبراء إنّما لم يذكر لكونه واضحا فتأمّل.

بقي شي‏ء و هو أنّ الظّاهر و لو بقرينة قوله في بعض الأخبار ذكرته تذكرا أن المراد بالشّكّ هو خلاف اليقين، لا خصوص ما تساوى طرفاه، كما أنّه كان كذلك في اخبار (2) الاستصحاب، بل المتداول ظاهرا في لسان الأخبار في كلّ باب، و لا ينافي حجّيته الظّنّ في خصوص أفعال الصّلاة على ما هو المشهور، كما لا يخفى.

____________

(1)- في (عليه السلام): انما هو بالجزء الأخير من العلة و جزئها.

(2)- وسائل الشيعة: 5- 321.

404

قوله (قده): ففي شمول الأخبار له الوجهان- إلخ-.

لا ريب في أنّ الأخبار بإطلاقها يعمّ ما إذا كان الشّكّ من جهة احتمال وجود حائل غفل عنه حين العمل، و لا يكون التّعليل المذكور ينافيه بل يقتضيه. نعم لو كان الشّكّ من جهته مع عدم الغفلة عن صورة العمل لدخل فيما ذكر فيه الوجهان من دون خصوصيّة فيه موجبة لانفراده بالذكر بالاستقلال، فلا دفع لهذا المقال علي أيّ حال.

قوله (قده): منها قوله تعالى «و قولوا للنّاس حسنا»

(1)

- إلخ-.

تقريب الاستدلال به على تقدير إرادة الظّنّ و الاعتقاد من القول انّه حيث كان الاعتقاد من الأمور الّتي لم يكن بنفسها قابلة للخطاب بتحريم أو إيجاب، فانّه غير مقدور، فلم يكن بدّ من صرف الأمر المتعلّق به إلى ترتيب آثار مترتّبة على حسن أفعال النّاس حين الاعتقاد به، و لا احتمال لصرف الأمر إلى ما كان بالاختيار من مقدّماته، فإنّه غالبا يحصل قهرا ممّا بأيديهم من دون سبق عهد و عمد إلى ترتيب المقدّمات.

لكن لا يخفى ظهور الآية (2) في التّوجيه بحسن المعاشرة و المكالمة مع النّاس بكلام لين حسن، كما قال في توجيه موسى و هارون «و قولا له قولا ليّنا لعلة يتذكّر أو يخشى‏ (3)» و لا ينافي ذلك ما روى‏ (4) في الكافي، كما لا يخفى.

قوله (قده): و منها قوله تعالى «فاجتنبوا كثيرا من الظّنّ‏

(5)

»- إلخ-.

تقريب الاستدلال به أنّ الأمر بالاجتناب عن سوء الظّن في الحقيقة، أمر بالاجتناب عن ترتيب آثار السّوء حين الظّن به، لما عرفت من عدم قابليّة نفس الظّن للخطاب، فيجب ترتيب آثار الحسن و الصّحة حيث لا واسطة بين السّوء و الحسن، و الصحّة و الفساد.

و فيه انّ نفي الواسطة بينهما لا يقتضى نفي الواسطة بين حرمة ترتيب آثار السّوء و وجوب ترتيب آثار الحسن و الصّحة، كما أوضحه (قده).

____________

(1)- البقرة- 83.

(2)- البقرة- 83.

(3)- طه- 44.

(4)- أصول الكافي: 2- 362.

(5)- الحجرات- 12.

405

قوله (قده): لكن لا يخفى ما فيه من الضّعف- إلخ-.

فانّه من باب التّمسّك بالعامّ في الشّبهات المصداقيّة، و التّحقيق عدم جوازه إلاّ فيما إذا كان المخصّص لبيا كما هو المشهور المنصور، فالاستدلال بمثلها في الجملة ممّا لا بأس به، فلا تغفل.

قوله (قده): الثّالث: الإجماع القولي و العملي- إلخ-.

لا يخفى أنّ تحصيل الإجماع من اتّفاق الفتاوى في مثل هذه المسألة لو فرض بعيد، لاحتمال أن يكون مبنى فتوى الكلّ أو الجلّ على ما هو السّيرة بين عامّة النّاس في الأعصار و الأمصار من حمل الأفعال على الصّحيح من دون اختصاص له بالمسلمين. و منه يظهر ما في دعوى الإجماع العملي أيضا.

هذا مضافا إلى احتمال أن يكون المبنى هو لزوم اختلال النّظام لو لا الحمل عليه، كما أفاده في الدّليل الرّابع. نعم سيرة عامّة النّاس بدليل عدم ردعهم (عليهم السلام) عنها يكشف عن إمضائها و الرّضا بها، و إلاّ كان عليهم الرّدع عنها، فالأولى كان التّمسّك بسيرة العقلاء كما لا يخفى، و إن كان الإنصاف استقلال العقل به لأجل اختلال نظام المعاش و المعاد، كما أفاد بعد ملاحظة عدم أصل آخر يعوّل عليه؛ فلا يقال ان يقال ان الاختلال يرتفع به أيضا، و معه لا استقلال للعقل به بخصوصه كما هو المهمّ، فافهم.

قوله (قده): أو الصّحة الواقعيّة- إلخ-.

لا إشكال في أنّ قضيّة ما هو العمدة من الأدلّة من السّيرة، و الاختلال انّ المحمول عليه الأفعال هو الصّحة الواقعيّة دون الفاعليّة، انّما الإشكال في أنّه هل يعتبر في الحمل عليها علم الفاعل بها و لو ظاهرا بطريق معتبر شرعا، أو جهل الجاهل بحاله أم لا، فعلى الاعتبار لو سلّم جهله بها، فلا حمل على الصّحة أصلا لانتفاء الصّحة الفاعليّة بنفسها و عدم شرط الحمل في الصّحة الواقعيّة، و على عدم الاعتبار فلا محيص عن الحمل على الصّحة الواقعيّة كما لا يخفى، و الظّاهر عدم الاعتبار في الكل على الصّحة الواقعيّة مطلقا و لو كان مع جهل الفاعل بها (1)، إلاّ فيما إذا اعتقد صحّة ما هو فاسد واقعا و فساد ما هو صحيح كذلك، و ذلك لنهوض ما هو العمدة من الأدلّة من السّيرة و الاختلال عليه و ارتفاع الاختلال بالحمل عليها

____________

(1)- في (عليه السلام): و لو كان الحامل عالما بجهل الفاعل.

406

في بعض الصّور و إن كان حاصلا، إلاّ أنّ تعيين ذلك بلا معين، ترجيح بلا مرجّح.

ثمّ الظّاهر أنّ صاحب المدارك‏ (1)، إنّما خالف في ذلك و اعتبر علم الفاعل بالصحّة و الفساد، لا في أنّ المحمول عليه ما هو من الصّحة الواقعيّة أو الفاعليّة، كما هو ظاهر ما أفاده (قده) و لم يحضرني المدارك، و العبارة المحكي عنها في الكتاب غير صحيحة فيما حضرني من النّسخة، فراجع و تأمّل.

قوله (قده): فلا ثمرة في الحمل- إلخ-.

فإنّه يجب ترتيب الآثار على كلّ حال و لو مع العلم بالفساد؛ و لكن قد عرفت قيام السّيرة على الحمل في هذه الصّورة مع الجهل و لزوم الاختلال من عدمه، لكثرة اختلاف النّاس في شروط المعاملات، مع عدم تفتيش أحد عن أنّ المعاملة كانت جامعة لما يعتبر فيها واقعا، بل يرتّبون عليها الآثار من دون تفتيش عن ذلك، كان ذلك من باب الحمل على الصّحة مع الجهل، أو من باب لزوم ترتيب الأثر على كلّ أحد و لو من كان معتقدا بفساده، فلا وجه لإشكاله (قده) في الحمل سيّما مع اعترافه بتعميم الفتاوى و قد عرفت عدم اختصاص ما هو العمدة من الأدلّة من الاختلال و السّيرة بما إذا كان عالما بجهله بالحال و عدم علمه بالصّحيح و الفاسد للسّيرة و لزوم الاختلال، لوضوح عدم معرفة غالب السّواد لأحكام المعاملات، فلو بنى على التّفتيش عن حال معاملاتهم لاختل أمور المعاش و المعاد على العباد، و انجرّ إلى الفساد في البلاد، و أمّا بيع أحد المشتبهين فالظّاهر عدم جواز ترتيب الأثر عليه لأحد إذا علم أنّه كذلك عند المالك، و مع ذلك أقدم على بيعه بناء على تنجّز التّكليف المعلوم بينهما، لأنّ ترتيب الأثر عليه ارتكاب لأحد طرفي الشّبهة، و أمّا لو علم أو احتمل أنّ المالك البائع يعرف الطّاهر منهما و هو ما أقدم على بيعه، فلا مانع عن الحمل أيضا أصلا كما لا يخفى.

قوله (قده): و إن اختلفا بين من عارضها- إلخ-.

لا يخفى أنّ المعارضة بينهما لا يكاد يقع أصلا، فإنّ الشّكّ في الصّحة ناش من الشّكّ في البلوغ، فلا بدّ إمّا من جريان أصالة عدم البلوغ، فيحكم بعدم الصّحة من دون أن يعارض بأصالتها، و إمّا من جريان أصالتها بملاحظة السّيرة عليها في موارد مثلها من الأصول‏

____________

(1)- مدارك الأحكام- 453.

407

الموضوعيّة، و كذا لزوم الاختلال من البناء على الفساد عملا بمقتضى الأصول، و معه كيف تعارض بواحد منها.

هذا، مضافا إلى ما يأتي منه في بيان تقديم هذه القاعدة على الأصول الموضوعيّة من عدم المعارضة، فافهم.

قوله (قده): فصحّة كلّ شي‏ء بحسبه مثلا صحّة الإيجاب- إلخ-.

لا خفاء في اختلاف الصّحة حسب الآثار المترتّبة من الأشياء، إذ ليست هي إلاّ كون الشّي‏ء بحيث يترتّب عليه ما يترقّب منه من الآثار الشّرعيّة، مع بداهة اختلاف الأشياء في ذلك. و من المعلوم أنّه لا يترقّب من جزء الشّي‏ء ما يترقّب منه فلا يترقب من الجزء إلاّ كونه بحيث يلتئم منه المركّب، فليس مفاد التعبّد بصحّته عند الشّكّ فيها بسبب الشّكّ في الإخلال ببعض ما يعتبر فيه، إلاّ ترتيب ما يترقّب من الجزء الصّحيح كما إذا علم بعدم الإخلال، لا ترتيب ما يترقّب من المركّب من دون إحراز سائر ما يعتبر في التئامه من أجزائه و شرائطه إلاّ بإجراء أصالة الصّحة في نفس المركّب، و هذا أوضح من أن يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

قوله (قده): كما أنّ صحّة الرّجوع تقتضي بفساد ما يفرض وقوعه- إلخ-.

يمكن أن يقال إنّه يعتبر في الصّحة التأهّلية الّتي يكون في قبال اللغويّة رأسا أن لا يقع بعد العقد و إن لم يقع بعده عقد، أو وقع مع الفصل بإذن آخر، بداهة لغويته رأسا، و عدم تأهّله لأن يستند إليه ما يترقّب منه من بطلان العقد أصلا لو وقع بعده و إن صدق أنّه لو وقع قبله، لكان على هذه القابليّة و الأهليّة، لكنّه ما وقع فلم يتّصف بهذه الصّحة.

و بالجملة لا بدّ من الاتّصاف بالصّحة التّأهليّة من الوقوع على نحو صالح لأن يستند إليه البطلان، و إن عرض ما يوجب الامتناع، و يرتفع به الصّلاحيّة و الإمكان، و لا يكفي في ذلك مجرّد إمكان وقوعه كذلك، فإنّه إمكان الاتّصاف بذلك، لا الاتّصاف، فالأولى منع كون مثل المقام من مجاري أصالة الصّحة، فإنّها إنّما يجري فيما إذا شكّ في الصّحة شرعا بسبب احتمال اختلال بعض ما يعتبر في التّأثير بعد الفراغ عن قابليّة التّأثير عقلا.

و من المعلوم أنّ الشّكّ في قابليّة الرّجوع له عقلا، بداهة لغويّته لو وقع بعد بيع الرّاهن لعدم مصادفته محلا يؤثر فيه.

لكنّه لا يخلو من تأمّل، فإنّه لا يبعد أن يكون مجراه أعمّ من ذلك، فإنّ الظّاهر انّهم‏

408

يقدّمون قول مدّعى الصّحة فيما إذا تنازعا في الصّحة و الفساد من جهة التّنازع في القصد و عدمه، مع أنّ العقد بدون القصد فاسد عقلا، و لعلّه أيضا قضيّة السّيرة و الاختلال.

هذا و لكن التّحقيق أن يقال: انّ أصالة الصحة في الرّجوع في قبال لغويته المحضة، لا يجدى في إحراز وقوعه قبل بيع الرّاهن، كي يحكم ببطلانه و إن كانت صحّته متوقّفة عليه، لما يأتي في الأمر الخامس من عدم ترتيب آثار ما يتوقّف عليه الصّحة بأصالتها و إنّما يجدى فيما لو كانت هناك أثر يترتّب على صحّته التأهّليّة، و بدونه لا مجال لها أصلا، إذ لا معنى لها إلاّ ترتيب أثرها كما لا يخفى.

قوله (قده): و لذا لو شوهد من يأتي بصورة عمل- إلخ-.

لا يبعد ان يقال إنّ السّيرة و الاختلال يقتضيان الحمل فيما إذا كان مؤثرا عند العقلاء و شكّ في تأثيره الأثر المقصود عند الشّارع كالغسل المزيل للخبث عندهم إذا شكّ في إزالته له شرعا، لاحتمال الاختلال بشرطه من شروطه كالتّعدد أو العصر المعتبرين في الإزالة، أو إذا كان له ظهور اختصاص بالعنوان المأمور به و إن لم يحرز كونه بصدد الإتيان به إذ الظّاهر أنّ النّاس لا يفرقون في البناء على الصّحة بين الشّكّ في الإخلال ببعض ما يعتبر في الصحة مع إحراز أنّه بصددها، و الشّك في كونه بهذا الصّدد لاحتمال أن يكون قاصدا لصورتها و لو لداع عقلاني، و قد مرّ انّهم يقدّمون قول مدّعى الصّحة فيما إذا تنازعا في صحة العقد و فساده، لأجل التّنازع في القصد و عدمه، فتأمّل.

قوله (قده): و الصّحّة من الحيثيّة الأولى- إلخ-.

لا يخفى أنّ الحيثيتين هاهنا ليستا في عرض واحد، بل تكون إحداهما في طول الأخرى و موضوعا لها، بداهة أنّ النّائب لما قصد بفعله وقوعه من المنوب عنه كان فعله منسوبا إليه بنحو من النّسبة أيضا، فلا يكون الشّكّ في صحّته من حيثيّة أنّه فعل من المنوب إلاّ من جهة الشّكّ في الصّحة من حيث أنّه فعل النّائب، فإذا حكم بصحّته من هذه الحيثيّة، فلا محالة يكون محكوما بالصّحة من تلك الحيثيّة. نعم لو كانت هناك حيثيّتان في عرض واحد، فكما لا ملازمة بين الشّك في الصّحة من حيثيّته، و الشّك فيها من حيثيّة أخرى، كذلك لا ملازمة أصلا بين الحكم بها من إحداهما و الحكم بها من الأخرى.

و الحاصل انّه كما أنّ فعل البنّاء بما هو فعله فعل الباني، و فعل الجوارح بما هو فعلها فعل الإنسان، و فتح العساكر بما هو فعلهم فعل السلطان، فكذلك الحال في فعل النّائب‏

409

بالإضافة إلى المنوب، فاحتمال الخلل فيه يوجب احتماله في فعل المنوب، و عدم الاعتناء به شرعاً يوجب عدم الاعتناء بالاحتمال في فعله أيضا؛ فالظّاهر اشتراط العدالة لإحراز إتيان النّائب للعمل، لا لإحراز الصّحة بها عند الشّكّ فيها، بل إنّما يكون إحرازها عند الشّكّ فيها بعهدة أصالة الصّحة لا غير، فلو أحرز بطريق معتبر إتيان النّائب للعمل، فلا يعتبر فيه العدالة، فتأمّل فيما ذكرناه فإنّه دقيق.

قوله (قده): الحكم بوقوع الفعل بحيث يترتّب عليه الآثار الشّرعيّة- إلخ-.

أمّا ما يتوقّف عليه الصّحة، أو يلازمها مطلقا، أو ما يلزمها من الأمور الغير الشّرعيّة، فلا دلالة لأدلّة هذه القاعدة على ترتيبها على ما حكم بصحّته و تنزيلها و ترتيب آثارها الشّرعيّة عليها.

و بالجملة الثّابت بأدلّتها انّما هو ترتيب آثار نفس الصحيح عند الشّكّ في صحّة العمل، لاحتمال وقوع الخلل فيه بفقد جزء أو شرط أو وجود مانع، لا الآثار الشّرعيّة المترتّبة على نفس هذه الأمور، و لا الآثار الشّرعيّة المترتّبة على ما يلازم الصّحّة و لو كانت من الأحكام الشّرعيّة، و لا الآثار الشّرعيّة المترتّبة على لوازمها، إلاّ إذا كانت من الأحكام الشّرعيّة، فلا يترتّب مثلا إذا شكّ في الصّلاة لاحتمال الإخلال بالطّهارة أو الرّكوع أو غيرهما، إلاّ آثار صلاة صحيحة واجدة لجميع ما اعتبر فيها، فأمّا آثار الطّهارة فلا يترتّب عليها، فلا بدّ من إحرازها بطريق معتبر لمشروط آخر.

و من هنا ظهر أنّ أصالة الصّحة في بيع مال الغير فيما إذا ادّعى البائع وكالته في بيعه و أنكره المالك غير مجدية في صيرورة مدّعيها منكرا و منكرها مدّعيا، مع أنّها ممّا يتوقّف عليه صحته و إن كانت مجدية فيما إذا وقع التّنازع في نفس صحّة البيع في جعل مدّعيها منكرا و منكرها مدّعيا.

فانقدح بذلك أنّه لا وجه لتخصيص نفي التّرتيب بما يلازم الصّحة من الأمور الخارجة عن حقيقة الصّحيح.

ثمّ لا يخفى أنّه لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون القاعدة من باب الأصل، و أن يكون من باب الأمارة، كما هو ظاهر من استند إلى ظاهر حال الفاعل، و ذلك لأنّ السّيرة و الاختلال لا يقتضيان أزيد من ترتيب الأثر على الفعل الصّحيح، و لا محذور في التّفكيك بين اللوازم و الملزومات في الأمارات أيضا في الشّرعيّات، بل لا بدّ منه إذا لم يساعد الدّليل على اعتبارها بالإضافة إليهما كما لا يخفى.

410

قوله (قده): لأنّ الشّكّ في بقاء الحالة السّابقة- إلخ-.

هذا، مضافا إلى أنّه لولاه لكان مقدّما على استصحاب الفساد لأخصيّة دليله عن دليله، إذ ما من مورد من موارده إلاّ أنّه مجرى لاستصحابه.

قوله (قده): و أمّا تقديمه على الاستصحابات الموضوعيّة- إلخ-.

لا يقال: لا وجه لافراد الاستصحابات الموضوعيّة المترتّبة عليها الفساد من استصحابه، و لم يكن مورد من موارد استصحابه خاليا من تلك الاستصحابات، إذ لا يكون الشّكّ في صحّة عقد إلاّ لاحتمال الإخلال بشرطه أو بشطره، فلا مجال للإشكال في تقديم أصالة الصّحة عليها أيضا و إلاّ يلزم إلغاؤها رأسا.

لأنّا نقول: ليس كلّما شكّ في الإخلال به مجرى للاستصحاب، كما إذا شكّ في الصّحّة، لأجل الشّك في وقوعه في حال الإحلال أو الإحرام، و لا استصحاب في المقام.

قوله (قده): و أصالة عدم لبلوغ- إلخ-.

و ذلك لأنّ العقد الصّادر من غير البالغ يكون ضدّا لما هو سبب شرعا من عقد البالغ، لا عدمه و إن استلزمه، و عدم المسبب إنّما هو من آثار عدم السبب لا من آثار عدم ضدّه و ترتيب عدم تحقّق عقد من البالغ باستصحاب عدم بلوغه مبنى على الأصل المثبت، و استصحاب عدم هذا السبب حاله حال استصحاب الفساد في تقديم أصالة الصّحّة عليه كما عرفت. نعم على القول بالأصل المثبت كان استصحاب عدم البلوغ مقدّما، إذ الشّكّ في وجود العقد الصّحيح بما هو صحيح ناش عن الشّكّ فيه، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): مع إمكان إجراء ما سلف- إلخ-.

حيث يمكن أن يكون المراد من وجوب تصديق المؤمن و عدم اتّهامه و حمل أمر المؤمن على أحسنه، تصديقه و عدم اتّهامه بحسب اعتقاده؛ و من المعلوم أنّ البناء على الصّدق في خبره باعتقاده، إنّما هو حمل الخبر على أحسنه كما هو مقتضى أخوته، و هذا غير مستلزم لترتيب الآثار على المخبر به و هو الّذي منع من إجراء ما سلف فيه لما سلفه (قده).

نعم لو كان لنفس اعتقاد المخبر بالمخبر به حكم و أثر كان يترتّب عليه و لا شاهد على خلافه، و لا يخفى أنّ تصديقه بهذا المعنى ليس فيه محذور تخصيص الأكثر لو فرض مساعدة عموم عليه، فإنّ جميع الموارد الّتي لا يكون الخبر حجّة فيه إنّما لا يكون حجّة بمعنى ترتيب الأثر

411

على المخبر به كما يأتي، لا بهذا المعنى كما لا يخفى.

قوله (قده): و يترتّب على ما ذكرنا- إلخ-.

فيتفرّع قبولها على مساعدة الدّليل على أنّ التّعويل في باب جرح الرّواة، و التّعديل يكون على رأي أهل الرّجال و اعتقادهم، و لو كان ناشئا من اجتهادهم كرأي الفقيه في الأحكام للعوام، و عدم قبولها على عدم مساعدة الدّليل إلاّ على أنّ التّعويل في الباب إنّما يكون على البيّنة، ضرورة عدم انطباق الجرح و التّعديل منهم على قانون الشّهادة، فإنّهما غالبا على نحو الحكاية بوسائط عديدة ممّن لا يطّلع على حال المقدوح أو الممدوح، إلاّ بما يوجب الحدس الظّن بالقدح أو المدح، و الظّاهر عدم الاكتفاء بهذا المقدار في باب اعتبار البيّنة و حجّيتها كما لا يخفى.

و كذلك يتفرّع صحّة التّعويل في العدالة على اقتداء العدلين فيما إذا لم يحتمل جوازه منهما مع العلم بفسقه أو مع عدم العلم بعدالته، على أنّ العبرة إنّما يكون على اعتقادهما بالعدالة المستكشف باقتدائهما من دون مدخليّة لإخبارهما، و عدم صحته على أن يكون له دخل في ذلك.

قوله (قده): و مجمل القول فيها- إلخ-.

تنقيح الكلام في بيان تعارض القرعة مع كلّ واحد من الأصول التّعبديّة، أنّ أخبارها العامّة مثل ما عن الفقيه و التّهذيب عن الكاظم (عليه السلام) «كلّ مجهول ففيه القرعة قلت: انّ القرعة تخطئ و تصيب، فقال: كلّما حكم اللَّه به فليس بمخطئ‏ (1)» و حكى العامة «أنّ القرعة لكلّ أمر مشكل» كما في رواية (2)، أو «لكلّ امر مشتبه» كما في أخرى‏ (3) إلى غير ذلك، يكون أعمّ من اخبار كلّ واحد منها، فيجب تخصيصها بها من غير اختصاص له باخبار الاستصحاب، فلا وجه لما أفاده (قده) من حكومة أدلّة القرعة على أصالتي الإباحة و الاحتياط إذا كان مدركهما التّعبّد بهما في مواردهما، بل يكون حالهما معها حال الاستصحاب معها بلا ارتياب، فيخصّص دليلها بدليلهما، كما يخصّص بدليله، للاشتراك فيما هو العلَّة من دون ما يوجب الاختصاص.

إن قلت: نعم و لكن يلزم من ذلك استيعاب أكثر أفراد دليلها لو لم يلزم استيعاب تمامها، فلا بدّ أن يعامل بين دليلها و مجموع أدلّة الأصول، معاملة التّباين‏ (4)، لا العامّ‏

____________

(1)- الفقيه: 3- 252- ح 2 و التهذيب: 6- 240- ح 593.

(2)- الجوامع الفقهيّة- 338 (باب سماع البينات و كيفية الحكم بها و أحكام القرعة)

(3)- الجوامع الفقهيّة- 338 (باب سماع البينات و كيفية الحكم بها و أحكام القرعة)

(4)- في (عليه السلام): المتباينين.

412

و الخاصّ المطلقتين.

قلت: نعم و لكن مع ذلك يقدّم المجموع لنصوصيّته على دليله لظهوره، و لو سلّم أنّه في غاية القوّة بالنّسبة إلى بعض ما يخرج عن تحته إجمالا من موارد الأصول. نعم لو لزم استيعاب التّمام وجب المعاملة بين مجموع الخصوصيّات و العام معاملة التّباين بلا كلام.

هذا مع أنّه يمكن أن يكون المجهول و المشتبه في بعض اخبارها بمعنى المشكل كما في بعضها الآخر، و معه لا يكون العمل بأدلّة الأصول في مواردها تخصيصا لدليلها أصلا، إذ لا مشكل معها فيها، فيرتفع موضوعه لا حكمه.

لا يقال: هذا إنّما يكون لو عمل بها قباله و هو أوّل الكلام.

لأنّا نقول: لا محيص عن ذلك لأن رفع اليد عنه معها لا يوجب خلاف أصل أصلا، بخلاف رفع اليد عنها فإنّه طرح دليل بلا وجه إلاّ على نحو دائر كما لا يخفى.

إن قلت: وجه تقديم القرعة عليها أنّه يظهر من غير واحد من أخبارها أنّها إنّما اعتبرت لكونها مصيبة إلى الواقع كاشفة عنه، فيكون حالها حال سائر الأمارات الّتي تقدّم على الأصول حكومة أو ورودا، كما تقدّم تحقيقه.

قلت: انّ التّعارض إنّما يكون بين أخبار القرعة (1) و أخبارها (2)، و مفاد أخبارها ليس إلاّ حكما تعبّديّا مجعولا للمشتبه كما هو بعينه مفاد أخبار الأصول، فيكون قضيّة تصديق كلّ إلغاء حكم الآخر، و الخبر إذا كان مفاده جعل أمارة لا يكون هو بنفسه أمارة على حكم واقعيّ. نعم هو أمارة على حكم ظاهريّ كما هو شأن دليل كلّ أصل أيضا، فلا تغفل.

هذا كلّه، مع ما أشار إليه بقوله (قده): لكن ذكر في محلّه أنَّ أدلّة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم، و ذلك لكثرة ما ورد عليها من التّخصيص.

إن قلت: كثرة التّخصيص إن لم يكن بمثابة تخصيص الأكثر المستهجن، فهو إن لم يوجب قوّة الظّهور، فلا يوجب وهنا فيه و إن كان بهذه المثابة، فكيف يجبر بالعمل، بل لا بدّ من الحمل و التنزيل على معنى لا يلزم منه ذلك كما لا يخفى.

قلت: نعم كثرة التّخصيص ما لم يكن بتلك المثابة و إن لم يكن بنفسها موجبا للوهن،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 187- ب 13.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175.

413

إلاّ أنّه إذا تفصيلا بما خصّص بها بمقدار علم التّخصيص به إجمالا، و أمّا إذا لم يعلم ذلك المقدار، فلا يجوز العمل بالعامّ بلا كلام إلاّ إذا أحرز أنّ مورد العمل ليس من أطراف العلم الإجماليّ بالتّخصيص و عمل الأصحاب أو معظمهم في مورد يوجب ذلك بلا ارتياب، فلا يكون احتمال المخصّص بالنّسبة إليه إلاّ احتمالا بدويّا، فيكون أصالة العموم لا مانع عنها.

قوله (قده): وجه الضّعف أنّ الظّاهر من الرّواية

(1)

- إلخ-.

نعم الظّاهر من الرّواية و إن كان ذلك إلاّ النّهى في أخبار الاستصحاب‏ (2) أيضا يكون بعنوان خاصّ و بوجه مخصوص و هو نقض اليقين بالشّكّ، فكلّ واحد من الالتزام بالمشكوك و عدمه في مورد الاستصحاب، و عدم الالتزام به يكون معنونا بعنوان خاصّ و وجه مخصوص يكون أحدهما بذلك العنوان و الوجه و إجبار الآخر بذاك العنوان و الوجه حراما، فإنّ الالتزام به يكون له عنوان إمضاء اليقين و يكون لعدم الالتزام به عنوان نقض اليقين، و كما لو كان المشكوك الحرمة من وجه عنوان آخر يكون بذاك العنوان معلوم الحرمة لم يكن مجال فيه لأصالة الإباحة، بداهة كفاية معرفة حرمته من وجه في الغاية الّتي يكون في دليلها، فكذلك إذا كان معلوم الحرمة مثل‏ (3) هذا العنوان. نعم لا يكفي في الغاية مجرّد النّهى عنه بلا عنوان آخر كما في الأدلّة (4) الدّالّة على وجوب التّوقّف و الاحتياط، فيعارضها- دليلها.

و الحاصل أنّه كما لا يصلح أن يعارض أدلّة حرمة الغصب بأدلّة الإباحة المشتبهة بالشّبهة الحكميّة كشرب التتن، أو بالشّبهة الموضوعيّة كشرب المائع المردّد بين الخلّ و الخمر فيما إذا كان المشتبه مغصوبا، كذلك أدلّة حرمة نقض اليقين و وجوب إمضائه في كلّ مورد انطبق عليه عنوان النّقض بوجه و عنوان الإمضاء بوجه آخر.

و في هذا، مضافا إلى ما قدّمناه في بيان تعارض الاستصحاب و الأمارة، كفاية لمن كان له تدبّر و دراية؛ و قد عرفت هناك الإشكال فيما أفاد من وجه التّقديم من الحكومة في‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 4- 917.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 174- ب 1.

(3)- في (عليه السلام): بمثل.

(4)- وسائل الشيعة: 18- 111- ب 12.

414

المقامين لوضوح عدم تعرّض في دليل أحد الجانبين بمدلوله اللّفظي بحال دليل الآخر، و هو الملاك في باب الحكومة، و اشتراك كلّ واحد منهما في نفي مدلول الآخر بالالتزام لأجل المضادّة بين الأحكام، و مفاد دليل الاعتبار مطابقة في كلّ ليس إلاّ الالتزام بمؤدّاه، و أمّا لزوم إلغاء احتمال خلافه فهو من باب لزوم الأخذ به لامتناع الأخذ بهما.

و من المعلوم أنّ لزوم الأخذ بمؤدّى دليل الإباحة في المشتبه فعلا يستلزم عدم الحكم عليه بالحرمة بدليل الاستصحاب أو الأمارة كما فصّلناه هناك، فغائلة المعارضة بين أدلة الأمارات و الأصول بين الاستصحاب منها و غيرها لا يرتفع إلاّ بما حققناه هناك و أشرنا إليه هاهنا، فراجع هناك.

قوله (قده): في موضوع واحد- إلخ-.

أراد من موضوع واحد واقعة واحدة يكون مجرى الاستصحابين‏ (1) باعتبارين، كما في استصحابي الطّهارة و عدم التّذكية فيما شكّ في تذكيته، و إلاّ فلا يعقل اجتماع الاستصحابين في واقعة واحدة من جهة واحدة، إلاّ على مذهب النّراقي من معارضة استصحاب الوجود باستصحاب العدم، فافهم.

قوله (قده): و كون تعارضهما بأنفسهما أو بواسطة أمر خارج- إلخ-.

المراد بكون تعارضهما بأنفسهما أن يكون التّنافي بين نفس المستصحبين بحيث لا يمكن أن يكون إلاّ أحدهما، و بكون تعارضهما، بواسطة أمر خارج أن يكون التّنافي بينهما بسبب الاختلاط و الاشتباه في الخارج بين ما انتقضت فيه حالته السّابقة و ما لم تنقض، أو لم يعلم انتقاضه مع احتماله.

قوله (قده): القسم الأول إذا كان الشّكّ- إلخ-.

و ذلك فيما إذا كان المشكوك فيه من آثار الاخر شرعا لا عقلا و عادة أيضا، و إلاّ فالاستصحاب في كلّ منهما يجري بلا ارتياب، إذ حينئذ لا تعارض في البين و إطلاقه تقديم الاستصحاب السّببي إنّما هو في محلّ الكلام و هو مقام التّعارض بين الاستصحابين.

____________

(1)- في (عليه السلام): للاستصحابين.