درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
415

قوله (قده): الأوّل الإجماع- إلخ-.

لا يخفى وضوح القدح في دعوى الإجماع الكاشف عن رضاء المعصوم و لو مع اتّفاق الكلّ، لقوّة احتمال أن يكون ذلك لأجل أنّ الظّنّ باللاّزم على خلاف الظّنّ بالملزوم فعلا محال، كما يأتي في وجه تقديم السّببي بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظّنّ كما هو المشهور عند الأصحاب أو لمساعدة ظهور اخبار الباب‏ (1) بناء على الاعتبار من باب الأخبار كما هو المختار عند متأخّري المتأخرين، فكيف يمكن تحصيل القطع برضاء الإمام (عليه السلام) من مثل هذا الاتّفاق، فتدبّر.

قوله (قده): و اللاّزم من شمول لا تنقض للشّك المسببي- إلخ-.

توضيحه أنّ شمول الخطاب للاستصحاب في مورد الشّكّ السّببي، لا يستلزم محذور خلاف أصالة العموم و تخصيصه بالنّسبة إلى الشّك المسببي، لأنّه حينئذ يخرج حقيقة من أفراد العام، فإنّ أفراده أفراد نقض اليقين، بالشّكّ لا مجرّد اليقين و الشّك حيث لا يكون في مورده نقض يقين به، بل بالدّليل الدّالّ على ارتفاع الحالة السّابقة المشكوكة في هذا المورد، بخلاف شموله للاستصحاب في مورد الشّكّ المسبّبي، فإنّه يستلزم محذور المخالفة، و التّخصيص بلا وجه إلاّ على نحو دائر بالإضافة إلى الشّك السّببي، فإنّ عدم رفع اليد عن عدم المسبّب في مورد الشّكّ في بقاء السّبب عين نقض اليقين به بهذا الشّك، مثلا الحكم بنجاسة ثوب نجس مغسول بماء شكّ في بقاء طهارته بالاستصحاب عين نقض اليقين بطهارة الماء بالشّك في نجاسته، لأنّ طهارة الثّوب المغسول به من آثار طهارته، و لا معنى لنقضه إلاّ عدم ترتيب آثار متعلّقة عليه، فيلزم تخصيص العامّ بلا وجه، و شموله للشّكّ المسبّبي لا يكاد أن يكون وجها له، كيف و هو موقوف على عدم شموله للسّببي، إذ مع شموله له لا يكون فردا له كما عرفت، فلو كان ذلك موقوفا عليه لدار، فعدم عموم الخطاب للسّببي يستلزم المحذور على كلّ حال، إمّا لتخصيص بلا وجه، أو على وجه محال، بخلاف عمومه له فإنّه عمل بأصالة العموم بلا لزوم محذور أصلا، فلا محيص عنه كما لا يخفى.

إن قلت: رفع اليد عن الاستصحاب المسبّبي أيضا محذور، فإنّه و ان لم يلزم منه نقض اليقين بالشّكّ بل بالدّليل، إلاّ أنّه ليس باليقين، و قضيّة قوله (عليه السلام): «و لكن تنقضه باليقين» (2) أن لا يكون إلاّ به.

____________

(1)- وسائل الشّيعة: 1- 174- ب 1.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1.

416

قلت: النّقض بالدّليل يكون نقضا باليقين أيضا، فانّه موجب لليقين بالحكم الظّاهري، و المراد من اليقين هو مطلق اليقين بالخلاف و لو بغير ذاك الوجه الّذي تيقن به أو لا، بداهة أنّه ينتقض اليقين بالحرمة الواقعيّة باليقين بالحلّيّة و لو كانت اضطراريّة، أو ظاهريّة كما قامت أمارة معتبرة عليها، فكذلك الحال لو كانت الحجّة على خلاف اليقين في المسبّب نفس عموم خطاب «لا تنقض» للاستصحاب في السّبب، فافهم و استقم.

قوله (قده): فيعود المحذور- إلخ-.

و هو رفع اليد عن الاستصحاب المسبّبي بسبب جريان الاستصحاب في السبب، إلاّ أن يقتصر على ترتيب خصوص الآثار الثّابتة لها سابقا كعدم جواز استصحابها في الصّلاة مثلا، دون الحادثة لها كزوال طهارة الملاقى و نجاسته، هذا.

قوله (قده): و يشكل بأنّ اليقين بطهارة الماء- إلخ-.

لا يخفى عدم مغايرة هذا الإشكال مع ما أورده بقوله «و دعوى أنّ اليقين بالنّجاسة- إلخ-» على ما أجاب به عن الإيراد على تقديم الاستصحاب السّببي، و قد عرفت جوابه بما لا مزيد عليه.

قوله (قده): و إن شئت قلت- إلخ-.

و بعبارة أخرى أنّ للسّبب عند الشّكّ فيه لازمين: أحدهما أمر شرعي و هو حكم العام، و الآخر عقلي و هو الشّكّ في المسبّب، فهذان متلازمان دون اللاّزم و الملزوم و الحكم مع موضوعه من باب اللاّزم و ملزومه، لكن لا يخفى أنّ ذلك بعد الفراغ عن إثبات انّ حكم العام يكون لازما له و هو أوّل الكلام، فلا بدّ من إقامة البرهان عليه كما عرفت في المقام.

قوله (قده): و الحاصل أنّ الاستصحاب في الملزومات- إلخ-.

يعنى كون هذا الاستصحاب محتاجا إليه على كلّ تقدير بناء على ما توهّمه الخصم من أنّ موضوع المستصحب يحرز بالاستصحاب، و أمّا بناء على التّحقيق فإنّما يكون محتاجا إليه‏

417

على تقدير أن يكون لترتيب الآثار، لا لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الآثار، مع أنّ الشّك في المسبّب كثيرا ما لا يوجب الشّك فيما هو شرط الاستصحاب فيها من بقاء الموضوع، ضرورة بقاء الموضوع، كذلك في استصحاب نجاسة الثوب المغسول بماء شكّ في بقائه على طهارته.

و بالجملة الاستصحاب السّببي لو لا تقديمه فهو و إن لم يكن بمحتاج إليه على كلّ تقدير، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب أن يكون الاستصحاب مطلقا قليل الفائدة بل خصوص الاستصحاب في الأسباب، فإنّه لا يعقل له معنى إذا لم يكن المستصحب أثرا شرعيّا و لا ممّا يترتّب عليه الأثر شرعا، إذ المفروض جريان الاستصحاب في الأثر و لو على خلاف سببه و معارضة استصحابه باستصحابه، و لا يخفى أنّ مجرّد ذلك ليس بمحذور، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): لأنّ الظّنّ بعدم اللاّزم- إلخ-.

قد توهّم أنّه يمكن أن ينعكس ذلك و يكون الظّنّ بالملزوم أيضا محالا. مع الظّنّ بعدم اللاّزم، و أنّه لا يستلزم الظّنّ به الظّنّ بالملزوم، كذلك الظّنّ بعدمه يستلزم الظّنّ بعدم الملزوم فيمتنع معه الظّنّ بتحقّقه كما لا يخفى.

قلت: لما كان لازم الشّي‏ء تبعا له و شأنا من شئونه ما كان ملاحظة وجوده أو عدمه السّابق مورثا للظّنّ ببقائه على ما هو عليه مع الالتفات إلى حاله، و أنّه ليس في البقاء عليه و عدمه إلاّ تابعا لملزومه، و معه كيف يوجب سبق ما هو عليه من الحالة الظّنّ على خلاف الظّنّ بما كان الملزوم عليه، و لهذا لا يتفاوت الظّنّ الاستصحاب قوّة و ضعفا بأن يكون للمستصحب لوازم كثيرة متحقّقة سابقا أو لم يكن، مع أنّه لو كان سبق الحالة في اللّوازم الكثيرة مورثا للظّن، فلا جرم كان الاستصحاب في الملزومات متقوّما بالاستصحاب فيها كما لا يخفى. نعم لا ريب في إمكان قيام الأمارات الخارجيّة في طرف اللاّزم على خلاف ما طرف الملزوم فيتعارضان، فإنّ الأمارة على كلّ منهما يكون أمارة على الآخر.

فإن قلت: هب انّ الأمر مع الالتفات إلى أنّه لازم من أوّل الأمر كما ذكرت، لكنّه لا ريب أنّه لو لم يلتفت إليه من الأوّل يحصل الظّنّ من سبق وجود اللاّزم أو عدمه.

قلت: نعم لكن بمجرّد الالتفات إلى حاله يزول ظنّه و يتبع في الظّنّ بالبقاء و الارتفاع الظّنّ ببقاء ملزومه على ما كان عليه، فافهم.

418

قوله (قده): و على الثّاني فامّا أن يقوم دليل من الخارج- إلخ-.

هذا إذا كان الدّليل على عدم الجمع بين الحكمين و لو كان ظاهر بين استصحابين، و إلاّ فمجرّد الدّليل على عدم الجمع بين الواقعيين لا يمنع عن إجراء الاستصحاب في الطّرفين على تقدير كون عموم الخطاب مقتضيا له، ففي مسألة الماء النّجس المتمّم كرّا بماء طاهر لو لم يقم إجماع على اتّحاد حكم الماءين بحسب الطّهارة و النّجاسة مطلقا، واقعيّين أو ظاهريّين لا يجدى قيامه على اتّحاد حكمهما واقعا في المنع، فإنّه لا ينافي اتّحاده واقعا مع الفصل و لو لزم عن العمل بالأصل، و قد تقدّم من المصنّف العلاّمة جوازه، فافهم.

قوله (قده): إذا كان اعتبارهما من باب التّعبّد- إلخ-.

لا يخفى أنّ مجرّد كون الاعتبار من هذا الباب لا يكفي ما لم يحرز كونهما في هذا الحال على ما هو عليه من المصلحة المقتضية للجعل، كما إذا كان كلّ منهما وحده و بدون الآخر كما في الواجبين المتزاحمين، و أمّا إذا احتمل عدم تلك المصلحة في هذا الحال لاحتمال اختصاص المصلحة الدّاعية إلى الجعل بغير صورة التّعارض، و عدم مساعدة دليل على المصلحة فيها أيضا، و عدم تبعيّة الجعل لما في المتعلّقات عن المصلحة كي يدّعى القطع بعدم التّفاوت فيها بين صورتي التّعارض و عدمه، بل لما في نفسه لتبعيّة الأحكام الظّاهريّة للمصلحة في أنفسها لا في المتعلّقات و إن قلنا به في الواقعيّات، فلا سبيل إلى الحكم بالتّخيير عقلا، كما لا دليل عليه تعبّدا.

و بالجملة انّما يستقلّ العقل بالتّخيير فيما إذا علم بكون كلّ واحد من المتنافيين فعلا على المصلحة كما إذا لم يكن بينهما تناف أصلا، و أمّا إذا لم يعلم به و احتمل عدم المصلحة في واحد في هذا الحال فضلا عن كليهما، فلا استقلال له به كما لا يخفى.

قوله (قده): لأنّ قوله «لا تنقض اليقين بالشّك و لكن تنقضه»

(1)

- إلخ-.

حاصله أنّ الخطاب لمّا كان مشتملا على الحكمين حرمة نقض اليقين بالشّكّ و وجوب نقضه باليقين، كان عمومه لكلّ من الطّرفين محالا للزوم المناقضة في مدلوله، ضرورة المناقضة بين لزوم الأخذ بالحالة السّابقة في كلّ منهما الأخذ كما هو قضيّة صدره، و لزوم الأخذ بخلاف تلك الحالة في أحدهما كما هو قضيّة ذيله و عمومه لأحدهما على‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1.

419

التّعيين محال، لأنّه تعيين بلا معيّن و على التّخيير مستلزم لاستعمال اللّفظ في معنيين، و لا مجال لإرادة الجامع بين الحرمة التّعيينيّة و التّخييريّة فانّه خلاف الظّاهر، مع أنّه مستلزم حينئذ لعدم دلالة الأخبار على حرمة النّقض تعيينا و لا تخييرا، فليلتمس دليل آخر على التّعيين و ليس.

لا يقال: هذا لو أريد أحدهما مصداقا، و أمّا لو أريد أحدهما مفهوما فلا يستلزم الاستعمال في المعنيين، فإنّ حرمة النّقض بالنّسبة إليه أيضا تعيينيّة و إن كانت بالنّسبة إلى ما يصدق عليه من كلّ واحد منهما بدلا عن الآخر تخييريّة عقليّة.

لأنّا نقول: نعم و لكن أحدهما مفهوما ليس من أفراد العامّ بل منتزع عن بعض أفراده.

قلت: لا يخفى أوّلا أنّه لا يكون عدم شمول صحيحة (1) زرارة الأولى لما علم إجمالا بانتقاض الحالة السّابقة في بعضها من الأطراف لأجل لزوم التّناقض في مدلوله، لمكان قوله (عليه السلام) «و لكن تنقضه بيقين- إلخ-» (2) موجبا لعدم شمول الأخبار الخالية عن مثله له بلا معارضة من الصّحيحة لها كما لا يخفى.

و ثانيا الظّاهر أنّ قوله (عليه السلام) «و لكن تنقضه‏ (3)- إلخ-» ليس بحكم تعبّديّ آخر، بل هو حكم عقلي ذكر تقريبا لما أفاده (عليه السلام) من النّهى عن نقض اليقين بالشّكّ و تأييدا و تأكيدا له فيعمّ اليقين و الشّكّ في طرفي الشّبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ من دون أن يزاحمه فيه قوله «و لكن تنقضه» لأنّه على هذا يكون تأييدا لما كان مفادا له، لا معارضا له و لو في بعض مدلوله، فافهم.

و ثالثا ظهور النّهى في العموم لليقين و الشّك في طرفي الشّبهة أقوى من ظهور قوله و لكن تنقضه في العموم لليقين بانتقاض الحالة السّابقة إجمالا في أحدهما كما لا يخفى وجهه من وقوع الجنس في سياق النّهى الواقع في مقام الكبرى فيه بخلافه، بل يمكن دعوى عدم ظهوره في العموم رأسا لعدم الوضع له و هو واضح، و عدم سوق القضيّة في مقام البيان من هذه الجهة و لو سلّم في هذا المقام، فشمول الصّدر لليقين و الشّك في الطّرفين يصلح قرينة على عدم إرادة اليقين بالانتقاض إجمالا بينهما من إطلاق اليقين فيه.

فانقدح بذلك وجود المقتضى بمعنى العموم اللّفظي للاستصحاب في طرفي الشّبهة بلا ارتياب، و ليس اليقين بارتفاع الحالة السّابقة في أحدهما مانعا بنفسه من شموله له، و إلاّ

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1.

420

نمنع منه في الصّورة الثّالثة كما يأتي تفصيله. نعم إنّما يمنع عن الشّمول له فعلا فيما إذا حدث به العلم بتكليف فعلى كان العمل بالاستصحاب في الطّرفين مستلزما لمخالفة عمليّة له، كما لو علم بنجاسة أحد الطّاهرين، أو قام دليل على عدم الجمع بين الاستصحابين كما في مسألة تتميم الماء النّجس كرّا حيث قام الإجماع على اتّحاد حكم الماءين على حسب ما عرفت، فتدبّر جيّدا.

قوله (قده): إذ بعد العلم الإجماليّ لا يكون المقتضى- إلخ-.

قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّه لا يكون المقتضى في مقام الثّبوت، أي الحكمة الدّاعية إلى الجعل بمحرز بعد المنع عقلا أو شرعا من شمول المقتضى في مقام الإثبات لحرمة نقض كلا اليقينين مع ثبوته؛ نعم مثال ما إذا كان المقتضيين موجودا في الاستصحاب و ليس المانع عنه إلاّ عدم القدرة ما إذا كان هناك استصحابان لشكّين‏ (1) من دون علم إجمالي بانتقاض أحد المستصحبين و اتّفق امتناع العمل عقلا أو شرعا كما إذا اتّفق التّزاحم بين مستصحبي الوجوب، فانّه يكون حينئذ من باب تزاحم الواجبين فيستقل العقل بالتّخيير بينهما لو لم يكن أهمّ في البين.

قوله (قده): لأنّ المعلوم إجمالا فيما نحن فيه- إلخ-.

لا يخفى أنّ المعلوم فيما نحن فيه هو خصوص ارتفاع أحد المستصحبين واقعا لا بوصف زائد، سواء كان بقاء الآخر معلوما، أو لا، كما لا يخفى. و من المعلوم أنّه ليس الملاك في باب الاستصحاب بقاء المستصحب واقعا، فلا يكون بقائه شرطا و لا ارتفاعه مانعا، و إنّما الملاك في الباب هو اليقين و الشّكّ بلا ريب و شكّ.

قوله (قده): و لذا لا نفرق في حكم الشّبهة المحصورة- إلخ-.

لكن بناء على ما حقّقناه من ثبوت المقتضى بمعنى العموم اللّفظي لا محيص عن الحكم بالفرق، و جريان استصحاب النّجاسة فيما إذا كانت الحالة السّابقة فيهما هي النّجاسة لوجود المقتضى و عدم المانع، و عدم جريان استصحاب الطّهارة في واحد منهما لوجود المانع عنه مع ثبوت المقتضى في كليهما.

____________

(1)- في (عليه السلام): بشكين.

421

قوله (قده): و أمّا الصّورة الثّالثة و هي ما يعمل فيه- إلخ-.

لا يخفى أنّ ما ذكره في وجه منع عموم الخطاب في الصّورتين الأوليين من لزوم المناقضة في مدلوله من شموله يجري في هذه الصّورة أيضا، ضرورة مناقضة حرمة النّقض في كلّ واحد من اليقين بالحدث، و الطّهارة من الخبث سابقا مع وجوب في أحدهما كما لا يخفى.

و ما ذكره هاهنا في وجه جريان الاستصحابين في هذه الصّورة، إنّما يصحّ على ما حقّقناه من وجود المقتضى للإثبات في جميع الصّور، حيث انّ المقتضى في هذه الصّورة لكلا الاستصحابين موجود، و ما عرفت من المانع في الصّورتين فيها مفقود، لما أفاده من أنّ العلم الإجماليّ بارتفاع أحد المستصحبين في هذه الصّورة غير مؤثّر تكليفا، كي يلزم من إجرائهما مخالفة عمليّة أو فضلا بين المستصحبين بحسب الحكم، و قد قام الدّليل على اتّحادهما بحسبه واقعا و ظاهرا.

قوله (قده): إذ قوله «لا تنقض اليقين»

(1)

لا يشمل- إلخ-.

فإنّه لبيان قاعدة وظيفة الشّاكّ و حكمه الفعلي، فلا يعمّ ما لا ابتلاء به لعدم صلاحية الحكم عليه فعلا و إن كان مورد الخطاب مطلقا و إن كان بغير تحريم و إيجاب.

قوله (قده): و كذا لو تداعيا في كون النّكاح- إلخ-.

و التّحقيق أنّه لو كان التّداعي في ذلك مع التّوافق في العقد على صيغة مثل أنكحت أو زوّجت، فإن كان نزاعهما في تقييده بالمدّة و عدم التّقييد، فالقول قول من يدّعى الدّوام مطلقا لموافقة قوله: لأصالة الإطلاق و عدم التّقييد، و معها لا مجال لاستصحاب عدم النّكاح الدّائم لمكان الأصل الوارد عليه على ما حقّقناه، أو الحاكم على ما أفاده.

قوله (قده): و لازمه جواز إجراء المقلّد لها- إلخ-.

لا يخفى أنّه ليس لازم عدم وجوب الفحص جواز إجراء المقلّد، كي يكون لازم وجوبه عدم جواز إجرائه، بل لازمه جواز إجرائه بلا فحص، كما كان لازم وجوبه جوازه بالفحص، فإنّ الفحص في الشّبهات الموضوعيّة ليس كالشّبهات الحكميّة الّتي لا يكون‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 175- ح 1.

422

الفحص فيها إلاّ وظيفة المجتهد، بل ربّما يكون غير المجتهد فيها أبصر لكونه أهل خبرته.

و أمّا حديث سلامة الأصل عن الأصل الحاكم و عدم سلامته، فهو ممّا لا دخل له بمسألة وجوب الفحص. نعم كثيرا ما يصعب على العامي تميّز ذلك، فلا بدّ أن يرجع إلى العارف بذلك لشرائطه‏ (1) و إن لم يكن بمجتهده أو بمجتهد.

و من هنا ظهر أنّه ليس تعيين سلامة الأصل عن أصل حاكم عليه في الحقيقة في الشّبهات الموضوعيّة راجعا إلى تشخيص الحكم الشّرعي نظير تشخيص حجّية أصل الاستصحاب بل ليس إلاّ من باب التّطبيق على سائر ما استنبطه المجتهد عن الدّليل من الأحكام الشّرعيّة الأصوليّة أو الفقهيّة.

و الحمد للَّه أوّلا و آخرا، و ظاهرا و باطنا و الصّلاة و السّلام على محمد و آله.

و قد وقع الفراغ لمؤلّفه الآثم في شهر رجب المرجب سنة 1305

____________

(1)- في (عليه السلام): بشرائطه.

423

المبحث الخامس في التّعادل و التراجيح‏

424

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

425

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على نبيّنا محمد و آله الطّاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين‏

قوله (قده): في‏

(1)

التّعادل و التّراجيح- إلخ-.

عقدها و ان كان لبيان حال الدّليلين المتعارضين و معرفة أحكامها كما لا يخفى، و لذا جعل التّعارض بنفسه موضوعا فيها في غير الكتاب؛ إلاّ انّه لمّا كان الكلام في معرفة خصوص ما لهما من الأحكام بملاحظة ما يعرضهما من الحالتين، جعلتا موضوعا في الكتاب؛ و كيف كان فالتّعادل في الأصل من العدل بالكسر و هو المثل فيكون بمعنى التّماثل، و في الاصطلاح عبارة عن تساوى الأمارتين وجدانا و فقدانا للمزايا الآتية إن شاء الله تعالى، بحيث لم يكن أحدهما واجدا لإحداها و كان الآخر فاقدها.

و التّراجيح بحسب اللّغة إحداث المزيّة و الرّجحان، و هاهنا يحتمل أن يراد منه تقديم أحدهما على الآخر بمزيّة فيه من تلك المزايا، و ان يراد تقدّمه و ترجّحه عليه لذلك، فيكون من قبيل استعمال المسبّب في السّبب، لكنّه مع ذلك أنسب بالمقام حسبما لا يخفى، و ان يراد نفس المزيّة الموجبة لذلك، لكنّه بعيد في الغاية و ان كان يقرّ به وقوعه بصيغة الجمع في كلام بعضهم، حيث انّه بالمعنيين الأوّلين مصدر و هو غير قابل لأن يثنّى أو يجمع إلاّ بعد اعتبار قيد الوحدة و التّعدد فيه، و تعدّد الأسباب الموجبة لاعتبار التّعدّد فيه، كما هاهنا ممّا

____________

(1)- و في «ق»: خاتمة في التعادل و التراجيح.

426

لا يخفى.

قوله (قده): و غلب في الاصطلاح- إلخ-.

و لعلّ المناسبة بين المعنيين هي المشابهة كأنّ كلاّ منهما بمنافاته للآخر، يظهر نفسه عليه ليغلبه، فتدبّر.

ثمّ إنّ هذا حسن ممّا ذكروه في تعريفه [1]، إذ عليه يكون وصفهما به من باب الوصف بحال المتعلّق، فحينئذ التّعارض عندهم وصف لهما بحالهما قائم بأنفسهما، و لا ينافي ذلك كون المنشأ تنافي المدلولين لسراية التّنافي إليهما بما هما دليلان أيضا، فلا تغفل.

قوله (قده): أو التّضادّ- إلخ-.

حقيقة بان يمتنع واقعا اجتماعهما و لو بحسب الشّرع، أو علما بان علم إجمالا كذب أحدهما كتعارض دليلي الظّهر و الجمعة يومها، و القصر و الإتمام في بعض الموارد، و كذا لو علم إجمالا كذب أحد الخبرين و لو كان أحدهما في أبواب الطّهارات و الآخر في الدّيات، هذا.

قوله (قده): فلا يتحقّق إلاّ بعد اتّحاد الموضوع- إلخ-.

هذا إذا كان التّعارض على وجه التّناقض فواضح‏ (1). و امّا إذا كان على وجه التّضاد و إن كان لتضادّ الحكمين فكذلك واضح، و إن كان لتضادّ المتعلّقين فلأنّه و إن كان الموضوع في أحدهما غير الموضوع في الآخر إلاّ انّ كلّ واحد منهما مستلزم لنفي مدلول الآخر، حسبما هو قضيّة التّضادّ على ما لا يخفى، فموضوع كلّ موضوع لحكم يستلزمه الآخر.

ثمّ لا يذهب عليك انّ المراد من الاتّحاد ليس خصوص ما إذا كان الموضوع عين موضوع الآخر بتمامه و كماله، بل و لو كان فردا أو مرتبة من أفراده و مراتبه، ضرورة تنافيهما في هذا الموضوع حينئذ و إن لم يكن تناف بينهما في تمام موضوع الآخر كتنافي العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد في موضوع الخاصّ و المقيّد.

____________

[1]- هذا، مع انّه ربّما يكون بين المدلولين تنافي و لا يكون بين الدّليلين، كما في الحاكم و المحكوم. (منه).

____________

(1)- و في «ق»: واضح.

427

قوله (قده): و منه يعلم انّه- إلخ-.

لا يخفى اغتشاش النّسخ في المقام بحيث لا يكاد انطباقها على شي‏ء، حيث ضرب في بعضها على ما هو بين قوله «لأنّ موضوع الحكم في الأصول» و قوله «فحينئذ الدّليل المفروض» كما يظهر من مراجعتها.

و كيف كان فلو كانت العبارة ثابتة بحالها يتعيّن مرجع الضّمير في «منه» في اعتبار الاتّحاد، كما انّ سياق المقام قاض بكونه المرجع، كما لا يخفى على المتأمّل العارف بأساليب‏ (1) الكلام؛ فيشكل حينئذ بأنّ الموضوع في الأصول العمليّة و ان لم يكن عين الموضوع في الأدلّة الاجتهاديّة، إلاّ انّه مرتبة من مراتبه و محكوم بحكمه، كيف و إلاّ يلزم التّصويب فيكون حاله بالنّسبة إليه من قبيل حال المقيّد بالإضافة إلى المطلق في سراية حكمه إليه، و تنافي الحكمين فيه و ان لم يكن من ذاك الباب، إذ من المعلوم انّ الإطلاق و التّقييد امران إضافيّان لا بدّ من كون المحلّ قابلا لورود كلّ فيه بدل الآخر، و ليس المقام كذلك، بداهة عدم قابليّة الموضوع في الأدلّة للتّقييد بالجهل بالحكم و لا بعدمه، فلا تقييد فلا إطلاق، فافهم فانّه لا يخلو من دقّة. و لا يبعد كون هذا منشأ للضّرب عليه في بعض النّسخ.

و امّا لو كانت مضروبا (2) عليها يتعيّن المرجع في كون التّعارض تنافي الدّليلين.

و بيانه على هذا انّه حيث علم انّ التعارض هو التّنافي بين الدّليلين، علم انّه لا تعارض بين الأصول و الأدلة إذ لا تنافي بينهما، و ذلك لأنّ الموضوع في الأصول لمّا كان مقيّدا بالجهل، فلا تخلو الأدلة من‏ (3) ورودها عليها و رفعها لموضوعها حقيقة أو من حكومتها عليها و رفعها له حكما، حسبما أشار إليه من التّفصيل.

و من المعلوم انّه لا تنافي عرفا بين الوارد و المورود و هو واضح، و لا بين الحاكم و المحكوم فانّه بمنزلة الشّرح و التّفصيل‏ (4)، و لا يعدّ التّفاوت بين الشّارح و المشروح في العرف تنافيا.

هذا كلّه في رفع التّنافي بين الأدلة الاجتهاديّة و أدلة الأصول العمليّة.

و امّا رفع التّنافي بين نفس الحكم الواقعيّ الّذي هو مؤدّى الطّائفة الأولى و مؤدّى‏

____________

(1)- و في «ق»: بأسلوب.

(2)- و في «ق»: مضروبة.

(3)- و في «ق»: إمّا من ورودها ...

(4)- و في «ق»: التّفسير.

428

الثّانية من الحكم الظّاهري فقد استوفينا الكلام فيه عند تصوير جعل الطّرق في ردّ ابن- قبة، فمن أراد الاطّلاع فعليه المراجعة ثمّة.

قوله (قده): و ضابط الحكومة- إلخ-.

لا يخفى انّه لا يعتبر في الحكومة إلاّ سوق الدّليل، بحيث يصلح للتّعرّض لبيان كميّة موضوع الدّليل الآخر تعميما أو تخصيصا لو كان و لو بعده بزمان، من دون اعتبار ان يكون المحكوم قبله أو معه، فضلا من ان يكون الحاكم متفرّعا عليه بحيث لا يكون له وقع و محلّ بدونه، كيف و أظهر افرادها هو أدلّة الأمارات بالإضافة إلى الأصول التّعبديّة، و بالبداهة لا تكون الأدلّة متفرّعة عليها، بل لو لم تكن الأصول مجعولة بعد، بل و إلى يوم القيامة، كانت تلك الأدلّة على ما هي عليها من الفائدة التّامّة و الاستقلال التّام بلا إشكال و لا كلام.

و من هنا انقدح فساد ما أثبت من قوله «مسوقا لبيان حاله متفرّعا عليه» و من قوله «فلو فرض انّه لم يرد من الشّارع- إلخ-» فيا ليت قد ضرب عليهما كما ضرب على ما جعله ميزانا للحكومة، و لعلّ منشأ توهّم التّفرّع عليه و اللغويّة بدونه، كون الحاكم بمنزلة الشّرح و تبعيّته للمشروح لا يحتاج إلى بيان و شرح، لكنّك عرفت ان الحاكم مفيد للفائدة التّامّة المستقلّة و ان كان مسوقا بحيث يبيّن كميّة موضوع الحكم‏ (1) بالخصوص و العموم أيضا، لا انّه ليس مسوقا إلاّ لذلك، فتدبّر.

قوله (قده): ثمّ الخاصّ ان كان قطعيا- إلخ-.

يعنى دلالة و ان كان ظنيّا سندا، و كذا قوله «و ان كان ظنيّا» يعنى بحسب الدّلالة و ان كان قطعيّا سندا، على ما هو واضح لمن تدبّر.

قوله (قده): على تقدير مطابقته للواقع.

أي على‏ (2) صدوره واقعا لا حقيقة مضمونه، و إلاّ كان المحكوم على تقدير حقيقة مضمونه صالحا لما ذكره، فلا يخصّ الخصوص و العموم بل يعمّ الحاكم و المحكوم، فلا

____________

(1)- و في «ق»: المحكوم.

(2)- و في «ق»: أي على تقدير صدوره.

429

تغفل.

قوله (قده): فالثّمرة بين التّخصيص- إلخ-.

و ليعلم انّ هذه الثّمرة إنّما هي بملاحظة دلالته التّامّة المستقلّة الّتي يشاركه فيها الخاصّ، لا بملاحظة دلالته الأخرى الّتي تخصّه و بها امتاز عن الخاصّ و صار حاكما.

توضيحه انّ للحاكم حسبما أشرنا إليه جهتين‏ (1) من الدّلالة (إحداهما) هي دلالة مستقلّة على مضمونه من الحكم كالخاصّ بلا تفاوت أصلا (و الأخرى) نظره إلى الدّليل الآخر، و تعرّضه لبيان كميّة موضوعه، و هذه تخصّه و تميّزه عن الخاصّ.

إذا عرفت هذا، فالحاكم لا يلاحظ نسبة مرتبة دلالته من الجهة الأولى المشتركة مع دلالة الدّليل الاخر بعد الفراغ عن دلالته من الجهة الثّانية الخاصّة، بخلاف الخاصّ فإنّه لا بدّ من ملاحظة النّسبة و الأخذ بالأقوى لو كان في البين، و إلاّ فالمعاملة معها معاملة المتكافئين من حيث الدّلالة؛ و وجه الفرق ما أشير إليه من انّ الدّليل الحاكم في دلالته هذه بسبب دلالته الأخرى، لا ينافي الدّليل المحكوم، بل نسبته منه نسبة التّفسير و الشّرح و ما يقع عقيب مثل: أعنى، و أشباهه.

هذا كلّه بالنّسبة إلى دلالته المشتركة؛ و امّا دلالته المختصّة، فالظّاهر، بل لا ينبغي الإشكال فيه، لزوم ملاحظة النّسبة و الأخذ بالأقوى منهما دلالة لو كان، و إلاّ فمعاملة المتكافئين بحسب الدّلالة، و ذلك لتحقّق المعارضة بينهما من هذه الجهة إذا علم إجمالا بكذب أحد الظّهورين: ظهور هذا في نظره، و ظهور الأخرى في عمومه، من دون ان يكون في البين جهة أخرى ثالثة منضمة إلى هذه الجهة، مخرجة لها عن المنافاة، كما كانت هي كذلك بالنّسبة إلى الجهة الأولى.

و لا منافاة بين ظهوره من هذه الجهة لظهور دليل الآخر، و خروجه عن المنافاة بسببه من الجهة الأولى بعد ترجيحه على معارضه، كما يظهر بمقايسته في دلالته من الجهتين على مثل لفظ أعنى و أشباهه و ما يقع عقيبه، بداهة انّ ما يقع عقيبه و عقيب نظائره و إن لم يناف ما يقع هو نظائره عقيبه، إلاّ انّه لو لم يكن هو أو أحدهما صريحا في التّفسير و الشّرح، بل كان ظاهرا فيه، ربّما يعارضه ظهور ما يكون هو أو أحدها ظاهرا في شرحه لو علم كذب أحد الظّهورين، و تقدّم عليه لو كان أقوى، كما لا يخفى، فتأمّل فإنّه دقيق.

____________

(1)- و في «ق»: ان الحاكم حسبما أشرنا إليه له جهتان ...

430

بقي أمران ينبغي التنبيه عليهما:

الأوّل‏

الظّاهر عدم سراية إجمال الحاكم إلى المحكوم فيما لا يسرى إلى العامّ إجمال الخاصّ، و يجوز الأخذ بعمومه فيما شكّ إرادته منه، كما إذا دار الخاصّ بين الأقلّ و الأكثر، و ذلك لأنّ للعامّ على أيّ حال ظهورا مستقلا لا وجه لرفع اليد عن ذيله إلاّ بمقدار علم إرادته من الدّليل المنفصل المقدّم عليه ترجيحا أو حكومة؛ لا يقال إذا كان الحاكم بمنزلة الشّرح و التّفسير فمع إجماله كيف يبقى ظهور المحكوم بحاله، لأنّ حكومة الحاكم عليه و شرحه له إنّما هو فيما هو دليل عليه، و هو الأقلّ، و امّا غيره فأصالة العموم فيه بلا مصادم من معارض أقوى أو حاكم.

الثّاني‏

إنّ الحاكم كما يخصّص موضوع الدّليل المحكوم و يقلّله، كذا ربّما يعمّمه، و هذان‏ (1) قد يجتمعان في حاكم واحد بالإضافة إلى شي‏ء واحد بالنّسبة إلى المحكومين بل المحكوم الواحد من جهتين، كما يظهر هذا كلّه من ملاحظة دليل البيّنة مع الاستصحاب و أدلة الأحكام الواقعيّة إذا قامت البيّنة على خمريّته بعد ما كان خلاّ سابقا يخرج بدليل البينة [1] عن موضوع‏

____________

[1]- هذه حاشية منه (ره):

لكن يمكن ان يقال انّ إلغاء الاحتمال بدليل الاعتبار في كلّ مقام كان له حكم ليس إلاّ لأجل عدم إمكان الاجتماع بين الحكم بثبوت المؤدّى و ترتيب آثاره عليه فعلا كما هو قضيّة حجيّة الخبر، و الحكم المترتّب على احتمال خلافه، إمّا لتضادّهما كما في صورة مخالفة الأصل له، أو للمماثلة كما في صورة الموافقة، و كذلك كانت حجّية الخبر بمعناها أيضا فيما إذا لم يكن لاحتمال الخلاف أثر شرعي مترتّب عليه لو لم يكن الخبر على خلافه، كي يكفي بدليل اعتباره، و أثره العقلي انّما ينتفي بانتفاء موضوعه.

و بالجملة يكون مفاد دليل الاعتبار هو الالتزام عملا بالمخبر به، و لازمه إلغاؤه لاحتمال خلافه من الحكم الشّرعي لو كان، فلا يكون إلغاء حكم الاحتمال الّذي هو مفاد الأصل إلاّ لأجل امتناع الاجتماع؛ و أنت خبير باشتراك المفادين في ذلك، و عدم تفاوت بينهما، ضرورة انّ حكم الاحتمال فعلا موجب لإلغاء المؤدّى أيضا كما لا يخفى، ممّا وجّه حكومة دليله على الأصل.

و التّحقيق ما حققناه في غير المقام، انّ وجه تقديم الأمارات على الأصول، إنّما هو لأجل الدّور، لا الحكومة، و عدم لزوم محذور من العمل بالأمارات، و لزوم محذور التّخصيص بلا وجه أو بوجه دائر من العمل بها، كما فصّلناه فيما علّقناه جديدا على الاستصحاب، و في بعض فوائده فلا نعيد.

____________

(1)- و في «ق»: هذا.

431

الاستصحاب و يدخل في أفراد الخمر فيشمله دليل حكمه في كلّ باب، و من ملاحظة جميع أدلّة الأمارات معه بملاحظة لفظي الشّكّ و اليقين الواقعين فيه، فمورد كلّ أمارة كان مورد الاستصحاب يخرج من حكم الشّكّ و يدخل في حكم اليقين. هذا، و لا يخفى انّ الوارد أيضا كما يوجب الإخراج الموضوعيّ حقيقة، كذا يوجب إدخاله كذلك، كما انّ أدلّة الأمارات مخرجة لما قامت الأمارات عليها من التّكاليف من تحت الأصول العقليّة و مدخلة إليها (1) في تحت حكم العقل بلزوم الإطاعة و تنجّز التّكليف بحيث يعاقب على مخالفته لو كان في المورد واقعا، فلا تغفل.

قوله (قده): حجّة بمعنى انّه لا يعبأ- إلخ-.

لا يقال: خبر «كلّ شي‏ء حلال‏ (2)» أيضا حجة بهذا المعنى، فكلّ منه و من الخبر (3) الدّال على حرمة العصير بمقتضى حجّيته، يقتضى أن لا يعبأ باحتمال مخالفة مؤدّاه للواقع، فاحتمال حرمة العصير المخالف لخبر «كل شي‏ء حلال» أيضا بمنزلة العدم لا يترتّب عليه حكم شرعيّ، كان يترتّب عليه لولاه.

لأنّا نقول: و ان كان الخبر الدّال على الحلّيّة كما ذكره حجّة بهذا المعنى بلا إشكال، إلاّ انّ مضمون الأمارة و هو حرمة العصير، ليس احتمالا مخالفا لمؤدّاه حيث لم يدلّ إلاّ على حليّة مجهول الحكم ظاهرا لا واقعا حتّى تقتضي حجّيته عدم الاعتناء باحتمال الحرمة واقعا، بل الاحتمال المخالف لمؤدّاه، إنّما هو حكم ظاهري كالاحتياط و البناء على الأقلّ في الشّك في عدد ركعات الصّلاة مثلا، فلا يعبأ به. و امّا الأمارات الدّالة على الحرمة واقعا، فانّ احتمال خلاف مؤدّاه و هو الحلّيّة واقعا هو الموضوع للحكم بالحلّيّة ظاهرا الدّالّ عليه الخبر، فقضيّة حجيّتها ان لا يعبأ به و ينزّل منزلة العدم.

فتلخّص ممّا ذكرنا انّ دليل الأمارة النّاظرة إلى الواقع المثبتة لحكم الشّي‏ء بعنوانه لا بما

____________

(1)- و في «ق»: لها

(2)- وسائل الشيعة: 12- 60- ح 4 (مع تفاوت يسير).

(3)- وسائل الشيعة: 17- 224.

432

هو مجهول موجبة لعدم الامتناء بما اقتضته الأمارة الدّالة على حكم الشي‏ء بما هو مجهول الحكم بخلاف العكس، و الغرض من التّطويل حسم مادّة الاشتباه، و انّه لا غرو في الحكومة بين الخبرين، مع انّهما من سنخ واحد و دليل حجّيتهما أيضا واحد، فلا تغفل.

قوله (قده): و ما ذكرنا من الحكومة و الورود

(1)

جار- إلخ-.

فيه انّ الحكومة لا يعقل جريانها فيها إذ دليل حجّيتها السّيرة و هي كسائر الأدلّة اللّبيّة، لا بدّ ان يكون موضوعها محرزا كميّة و كيفيّة بالجزم و اليقين، فكيف يمكن أن تنالها يد التّصرف بأيّ نحو كان، فلا يجري فيها غير الورود.

ان قلت: سيرة العقلاء ليست بنفسها حجّة و دليلا على اعتبارها ما لم يمضها الشّارع و لو بعدم الرّدع، و هو (2) ما يتطرّق إليه الاحتمال بلا إشكال، ضرورة إمكان أن يكون الممضى بعدم الرّدع مطلق أصالة العموم، أو خصوص ما إذا لم يتعبّد بالنّص، فدليل التّعبّد به يشرحه و يبيّنه.

قلت: نعم، و لكن إذا كانت السّيرة على الحجية مطلقا. و امّا إذا كانت على هذا النّهج كما هو كذلك، فالممضى هو مطلق ما استقرّت عليه بلا زيادة و نقصان. اللّهم إلاّ ان يكون المصنّف (ره) بصدد مجرّد الفرض و الإمكان، لا فعليّة الوقوع و الجريان، فافهم.

قوله (قده): و إن كان المخصص ظنيّا معتبرا- إلخ-.

يعنى بحسب السّند، مع كونه قطعيّا بحسب الدّلالة، سواء كان العامّ قطعيّا سندا، أم ظنيا. و أما إذا كان ظنيا بحسب الدّلالة فيعارضه العامّ مطلقا، كما صرّح به و يصرّح به أيضا عن قريب.

قوله (قده): ان كان ظنيّا في الجملة- إلخ-.

ربّما يوهم هذا خلاف المقصود و هو كونه حاكما و لو كان ظنيّا دلالة، فالأولى تبديل قوله «في الجملة» بقوله «سندا»، إلاّ ان يجعل التّمثيل، لا لمجرّد التّوضيح بل للتّعيين.

____________

(1)- و في المصدر- و ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار.

(2)- و في «ق»: ممّا.

433

قوله (قده): و يحتمل ان يكون الظّنّ واردا- إلخ-.

قد عرفت انه متعيّن لا محتمل، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتّأمّل.

قوله (قده): هذا كلّه على تقدير كون أصالة الظّهور- إلخ-.

لا يخفى انّ أصالة الحقيقة و عدم القرينة أصلان مستقلاّن يحتاج (تارة) إلى كليهما كما إذا شكّ في نصب القرينة، و على تقدير الأعمّ في إرادة المعنى الحقيقيّ لاحتمال عدم إرادته مع ذلك لحكمة مقتضية لذلك. (و أخرى) إلى أصالة الحقيقة دون الأخرى، كما إذا علم عدم نصبها، و مع ذلك شكّ في إرادته لما ذكر. (و ثالثة) إلى أصالة عدم القرينة، كما إذا شكّ في النصب مع القطع بعدم إرادته لو فرض عدم النّصب، و قد فصّلنا الكلام في تحقّق المقام فيما علّقناه على مبحث حجّية الظّواهر، فليراجع ثمّة من أراد الاطلاع.

إذا عرفت هذا، فقد ظهر لك انّه لا وجه للتّرديد في اعتبار أصالة الحقيقة بين ان يكون من حيث أصالة عدم القرينة، أو من حجّية الظّن النّوعي. نعم قد وقع الخلاف بينهم في حجّيتها من باب التّعبّد، أو من باب الظّنّ النّوعي، أو غير ذلك، فافهم و استقم.

قوله (قده): و الحاصل عن الغلبة- إلخ-.

ربّما يشكل بأنّ قضيّة ذلك عدم تحقّق الظّهور قبل تحقّقها، و هو كما ترى حيث لا يتفاوت الحال في الحمل على المعنى الحقيقي بين الاستعمالات الّتي قبل تحقّقها (1) أو بعدها بلا ريب و لا إشكال.

قوله (قده): أو من غيرها- إلخ-.

كظهور اتّباع الوضع في الاستعمال، فانّ المظنون انّ المستعمل من أهل كلّ لغة و محاورة يتبع واضح تلك المحاورة و اللّغة في تخصيصه الألفاظ الخاصّة و لا يتخلّف إلاّ بنصب القرينة.

ثمّ انّ تعاكس التّقديرين في الحكومة و الورود، ظهورا و خفاء ناش من انّ الشّي‏ء إذا لم يكن حجّيته من جهة إراءته و كشفه عند العقلاء، فالظّاهر انّ الحكمة الدّاعية إلى التّعبّديه كانت مغيّاة بالعلم من دون اعتناء بالظّنّ أصلا إلاّ إذا قام الدّليل على التّنزيل و قيامه‏

____________

(1)- و في «ق»: و.

434

مقامه. و امّا إذا كانت حجّيته من هذه الجهة، فالظّاهر انّهم لا يعبئون به إذا كان مثله على خلافه، فتأمّل.

قوله (قده): و يكشف عن ما ذكرنا- إلخ-.

ربّما يشكل انّ هذا ليس بكاشف عن الورود، فانّه ليس ممّا يخصّه، بل يعمّ الحكومة.

قلت: يمكن ان يذبّ من الإشكال بما حقّقناه سابقا من انّ الدّليل النّاظر إلى دليل آخر ربّما يعارض عموم هذا الدّليل ظهوره في نظره إليه و يقدّم عليه إذا كان أقوى، و يتوقّف أو تساويا كما تقدّم، فيقال: انّ ما ذكره على هذا لا يعمّ الحكومة، بل يختصّ بالورود، فإنّه يمكن ان يفرض ظهور العامّ في عمومه أقوى من ظهور دليل حجّية الخاصّ في نظره إليه أو مكافئته له، و انّه أراد من أضعفيّة مرتبة ظنّ الخاصّ، أضعفيّة ظهور دليل حجّيته في نظره إلى العامّ من ظهوره في العموم، لا أضعفيّة ظهوره في عمومه و شموله له، و يشعر بذلك انّه اكتفي فيه بمجرّد إمكان الفرض، و ذلك لأنّ الواقع في ظهور دليل الحجّية في نظره إلى العام انّه بلغ من القوّة، غايتها بخلاف ظهوره في الشّمول لجميع افراد موضوعه، حيث انّه ما بلغ هذا المبلغ، و ليس كون ظنّ العامّ أقوى مرتبة من ظنّ الخاصّ من هذه الجهة بعزيز، كي يكتفي فيه بمجرّد إمكان الفرض، فتدبّر جيّدا. و يمكن ان يكون قوله «فافهم» إشارة إلى الإشكال و الدّفع، أو خصوص الإشكال، فافهم.

قوله (قده): و مثل هذا في القطعيّات غير موجود.

توضيحه انّ الأدلّة الّتي من شأنها إفادة القطع و كانت غير مقيّدة له بالفعل و إن أمكن وقوع التّعارض بينها أيضا، إلاّ انّها ليست غير الأدلّة الغير القطعيّة، كي يجعل ما يقع فيه التّعارض قسمين، بل مندرجة تحتها لاحتياجها في الحجّية و الاعتبار إلى الجعل، و هذا ليس إلاّ شأن الغير القطعي منها، كما لا يخفى.

نعم لو كان اعتبارها بنفسها كالمفيد للقطع بالفعل، فلا محيص عن التّقسيم.

قوله (قده): و لا ريب انّ التّعبد بصدور أحدهما المعيّن- إلخ-.

هذا إنّما هو بملاحظة الأخبار (1) العلاجيّة، و إلاّ لم يتعيّن الأخذ بأحدهما أصلا، كما

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 75- ب 9.

435

يتّضح ممّا تحرّره إن شاء الله، و الأولى ان يؤسس الأصل على حسب ما هو قضيّة أدلّة حجّية الأمارات سندا أو دلالة، مع قطع النّظر عن الأخبار العلاجيّة، ثم ملاحظتها و تعيين ما هو قضيّة ظهورها.

فأقول باللَّه أستعين فانّه خير معين:

التّحقيق حسب ما يساعد عليه النّظر الدّقيق انّ الظّاهرين المتنافيين ليسا على نهج واحد، بل على قسمين:

أحدهما: ما يتعيّن فيه الجمع، و هو كلّ مورد كان لهما بعد فرض الجمع بينهما في كلام واحد ظهوران آخران لا تنافي بينهما، بحيث يتعيّن الحمل عليهما عرفا، حيث ما تعذّر الأخذ بالظّهور البدوي لهما بأن يكون هناك لكلّ مثلا أقرب المجازات إلى معناه الحقيقيّ المتعذر و لم يكن بينهما تناف، و الضّابط ما إذا لم يكن العرف متحيّرا في تعيين المراد بعدم‏ (1) لزوم صرفهما عن ظهورهما البدوي لتعيّن ما يصرف كلّ واحد إليه ضدّهم، و ذلك فانّه لا ينبغي الرّيب في انّ الشّك في إرادة ظهور كلّ في مثله مسبّب عن الشّك في سند الآخر، لما عرفت من انّ كلاّ منهما موجب لصرف الآخر عرفا، فلا يزاحم دليل التّعبّد بسندهما بدليل التّعبّد بظهورهما، و لا يلزم منه لغو بمنع منه لذلك أيضا، لما عرفت من عدم لزوم الإجمال من الصّرف.

ثانيهما: ما يتعيّن فيه الطّرح بلا إشكال و هو كلّ مورد يوجب صرفهما لإجماله لعدم ما يعيّن ما ينصرفان إليه، و ذلك لأنّ الجمع و ان كان قرينة في مثله أيضا للصّرف، إلاّ انّه لا معنى للتّعبّد بهما في مقام الطّريقيّة بعد إجمالها، و لا دليل على التّعبّد بأحدهما لا تعيينا و لا تخييرا، مع قطع النّظر عن الأخبار (2) العلاجيّة، كما هو المفروض، و امّا الأخذ بأحدهما لا على التّعيين و بلا عنوان و ان كان هو قضيّة البرهان كما سيتّضح عن قريب إن شاء الله، إلاّ انّه أيضا طرح بالمعنى المقابل للأخذ بهما أو بأحدهما في خصوص المؤدّى.

هذا كلّه مع قطع النّظر عن الأخبار العلاجيّة؛ و امّا مجمل الكلام فيها، فالظّاهر انّ موردها هو خصوص ما إذا تحيّر العرف عند الجمع بينهما بحيث لا يساعد على نحو جمع أصلا، سواء كانا نصّين‏ (3) أو ظاهرين صارا مجملين بعد صرفهما عن ظهورهما، لا ما يعمّ ما إذا لم‏

____________

(1)- و في «ق»: بعد.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 75- ب 9.

(3)- و في «ق»: أم.

436

يوجب جمعها التحيّر.

لا يقال: انّ موردها و إن كان خصوص مورد التحيّر إلاّ انّه أعمّ من التّحيّر البدويّ الموجود في الظّاهرين؛ لأنّه مع كونه خلاف ما يظهر بالتّأمّل فيها، منقوض بالظّاهر و الأظهر كما لا يخفى، فتأمّل.

قوله (قده): و ممّا ذكرنا يظهر فساد توهّم- إلخ-.

قد انقدح مما حقّقناه صحّة القياس فيما إذا لم يوجب الجمع بينهما التّحيّر، و لزوم الأخذ بهما و حملهما على ما يساعد عليه العرف من أقرب المحامل و العمل عليه، كما انّ الأقرب في المقيس عليه كذلك، إذ من المعلوم انّه يجب تأويلهما و البناء على خلاف ظاهر هما إذا تعيّن ما يصرف إليه عرفا. و امّا إذا لم يتعيّن فلا ينبغي الإشكال في سقوطهما عن درجة الاعتبار بطرق الإجمال.

نعم لمّا كان سند المقيس عليه قطعيّا فلا محيص عنه، بخلاف المقيس، إذ التّعبّد بسنده مع إجماله لغو، فلا تغفل.

قوله (قده): بل القطع بالصّدور قرينة- إلخ-.

قد عرفت انّ القطع بالصّدور قطع بالقرينة، لا انّه بنفسه قرينة، كما يشهد بذلك صحّة تعليق لزوم الصّرف و التّأويل إلى ما يتعيّن الصّرف إليه لو كان على نفس الصدور بان يقال: لو كانا صادرين وجب تأويلهما، و لو كان القطع بنفسه قرينة لما صحّ التّعليق، كما لا يخفى.

قوله (قده): مسبّب عن ثالث- إلخ-.

و هو العلم الإجماليّ بكذب واحد من دليلي السّند و الظّهور، و قد عرفت بما لا مزيد عليه، انّ هذا من قبيل العلم الإجماليّ بين دليل السّبب و دليل المسبّب فيما إذا لم يوجب الجمع بينهما التّحيّر بعد صرفهما، فافهم.

قوله (قده): لكن لا دوران هناك- إلخ-.

هذا دفع توهّم القياس بإبداء الفرق الواضح في البين من دوران الأمر بين المحذورين في المقيس بخلاف المقيس عليه، و هو واضح لا سترة عليه.

437

قوله (قده): و لا شكّ في حكم العرف- إلخ-.

هذا قبل ملاحظة الجمع و التّأويل، بل الّذي يساعد عليه العرف في بعض موارد الجمع لا بعدها، كما عرفت مفصّلا، و لا ضير فيه، كما انّ الأمر في الظّاهر مع النّص أو الأظهر كذلك.

قوله (قده): فلو لم يفهموا- إلخ-.

لعلّ وجه سؤالهم احتمال ان يكون المقرّر عند الشّارع غير المركوز في أذهانهم، كما وقع السّؤال لذلك كثيرا، فلاحظ.

قوله (قده): مع انّه لم يقع الجواب- إلخ-.

لا يخفى انّه لا شهادة فيه أصلا، فانّه ليس تطابق المقرّر عند الشّارع، مع ما هو قضيّة القواعد بداعي و لا بغالبي، فلا تغفل.

قوله (قده): و حمل مورد السّؤال- إلخ-.

هذا التّقييد ليس بلازم على ما فصّلناه، لكثرة ما لا يساعد العرف على الجمع إمّا لعدم ما يكون أقرب المجازات لهما أو لأحدهما، أو لعدم ملائمة المقام لو كان إلى غير ذلك.

قوله (قده): هذا كلّه مضافا- إلخ-.

الإجماع لو تمّ فإنّما المسلّم منه فيما إذا لم يكن جمع مقبول يساعد عليه العرف. و امّا فيما إذا كان، فمحلّ تردد و إشكال لا يزيله إلاّ التّتبع التّام في كيفيّة معاملة الأصحاب مع الظّاهر (1) في الأبواب، و ان كان الإنصاف انّه لا يحصل منه للإنسان أيضا ما يوجب الاطمئنان لاختلاف مشاربهم، فالاعتماد على ما فصّلناه إذا لم يكن ظاهر الأخبار على خلافه.

قوله (قده): إلاّ انّ العرف يرجّحون أحد الظّهورين- إلخ-.

ان قلت: إذا كانت السّيرة العرفيّة الّتي هي دليل الحجّية على عدم الاعتناء بأصالة

____________

(1)- و في «ق»: الظاهرين.

438

الظّهور في الظّاهر، قبالا لها في الأظهر فهما يكونان من باب الوارد و المورود لا من المتعارضين.

قلت: الظّاهر انّ الاعتناء بأصالة الظّهور في الأظهر دونها في الظّاهر ليس لأجل انّ الحجّة منها ليس إلاّ ما إذا لم يكن هناك أظهر على الخلاف، بل من أجل انّ هناك معارضا أقوى، و لهذا يوجب معارضته وهنا في الأظهر، بحيث ربّما يرجّح عليه معها ما لا يرجّح لولاها، و ربّما يبقى بحاله و يتصرّف في الأظهر بقرينة من الخارج، فليست أصالة الظّهور فيه قبالا لها في الأظهر ممّا لا يعتنى به أصلا، فيكون من باب الورود.

نعم لو كانت هي في الأظهر أقوى، كان العمل عليه إذا لم تكن قرينة خارجيّة على التّصرف فيه، و إلاّ كان العمل على الظّاهر دونه، فتدبّر.

قوله (قده): فالظّاهر انّ الدّليل المتقدّم في الجمع- إلخ-.

الظّاهر انّ الدّليل جار فيما إذا تعيّن عرفا ما يصرف إليه أحدهما بحيث صار ظاهرا فيه بعد صرفه عن ظاهره، دون ما يصرف إليه الآخر ما لم يقم معين من الخارج، إذ الظاهر أن يكون الأوّل بحسب العرف متعيّنا للتّأويل ما لم يقم قرينة من الخارج على تأويل الآخر، فيكون نفس صدورهما قرينة على التّأويل، و الجمع بينهما بصرف الأوّل عن ظاهره و إبقاء الآخر على حاله، و لا يوجب الجمع للإجمال الموجب للتّحيّر الباعث لاندراجهما تحت الجواب و السّؤال في الأخبار العلاجيّة (1).

نعم الظّاهر عدم جريان الدّليل فيما إذا لم يكن كذلك، و احتيج في تأويل واحد منهما بالخصوص إلى معيّن من الخارج، سواء كان ذلك لعدم تعين ما يصرف إليه في واحد منهما أم لتعينه في كليهما فيشملهما الأخبار العلاجيّة، بناء على انّ الظّاهر شمولها لكلّ دليلين لا يساعد العرف على جمع بينهما، و يبقى متحيّرا و يلتمس عليه قرينة من الخارج.

قوله (قده): لم يترتّب على ذلك أزيد من الأخذ- إلخ-.

يعنى الأخذ بما يطابق ظاهره و لو لم يكن هو المستند، فلا منافرة بينه و بين الشّي‏ء الأوّل من تساقط أصالة الحقيقة من الجانبين و العمل بالأصل الموافق لأحدهما لو كان في البين، فلا تغفل.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 75- ب 9.

439

قوله (قده): و انّه لا محصّل للعمل بهما.

ربّما يقال ان أوّل التّعبّد بهما إلى ذلك إنّما هو في مثل «ينبغي» و «اغتسل» من المتباينين، و امّا بالنّسبة إلى العامّين من وجه، فالتّعبّد بهما ممّا لا ريب فيه، و لا إشكال بالنّسبة إلى مادّتي الافتراق و ان طرء عليهما الإجمال في مادّة الاجتماع.

و بعبارة أخرى لغويّة التّعبّد بهما و عدم ترتّب أثر شرعيّ على طريقتهما، إنّما هو في مثل «ينبغي» و «اغتسل» لا في العامّين من وجه، لترتّب الأثر على التّعبّد بهما في الجملة.

و من هنا ينقدح وجه للتّفصيل الآتي، و هو انّه يظهر من أخبار (1) العلاج بعد التّأمّل فيها انّ موردها خصوص ما إذا كان التّحيّر ناشئا من قبل السّند، لا الأعمّ ممّا إذا كان من قبل الدّلالة بعد الفراغ عن السّند كما ان هذا هو الشأن في العامّين من وجه، إذ لا إشكال في وجوب الأخذ بسندهما و لا في دلالتهما بالنّسبة إلى مادّتي الافتراق، بل الإشكال في دلالتهما بالإضافة مادة الاجتماع، فلا تحيّر فيهما إلاّ من حيث الدّلالة في الجملة، اللهم إلاّ ان يقال انّ كل خبر بالإضافة إلى مراتب مدلوله اخبار متعدّدة، فيصدق على مثل «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» بالنّسبة (2) إلى مورد الاجتماع ما سئل عنه في أخبار العلاج من مجي‏ء خبرين كان أحدهما امرا و الآخر ناهيا، و ان كانا خارجين عنه بالنّسبة إلى مادّتي الافتراق، فافهم.

قوله (قده): و لو خصّص المثال بالصّورة الثّانية لم يرد عليه- إلخ-.

و هو انّ التّنصيف ليس لأجل الجمع، بل هو قضيّة ترجيح بيّنة الدّاخل أو الخارج، حيث انّ كلاّ منهما بالإضافة إلى النّصف المشاع من الدّار داخل، و بالنّسبة إلى نصفها الآخر خارج، فلا يقبل بيّنة كلّ إلاّ في نصفها، سواء قلنا بترجيح بيّنة الدّاخل أو الخارج، هذا حسب ما هو ببالي من قبل، و إلاّ لم يحضرني الآن كتاب القوانين، فراجع.

قوله (قده): لا يخلو من مناقشة- إلخ-.

و هي انّ التّنصيف هنا أيضا ليس لأجل الجمع، بل لحكم ذلك على السّقوط، كما تكن بيّنة في البين و تحالفا، بل و لو تناكلا، هذا.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 75- ب 9.

(2)- و في «ق»: بالإضافة.

440

قوله (قده): و مثل هذا غير جار في أدلة الأحكام الشّرعيّة- إلخ-.

إذ الكلام فيها في المقام من حيث صدورها من الإمام (عليه السلام) و هو غير قابل للتّبعيض، كما يأتي الإشارة إليه في كلامه.

قوله (قده): و التّحقيق- إلخ-.

توضيحه ملخّصا انّ الدّليلين المتنافيين لا يمكن الجمع بينهما و العمل بمدلولهما على وجه لا يلزم هناك طرح من وجه و إلاّ لم يكونا متنافيين، و هذا يختلف في البيان و الأدلّة، و ذلك لأنّ كلمات الشّهود لا تتحمّل للتّصرّف فيها، لا سندا و هو واضح، و لا دلالة و لو كانت ظاهرة لعدم تأتّي التّأويل في ظاهر كلماتهم، إذ ليست لمتكلّم واحد و من هو بمنزلته ليصير بعضها قرينة لصرف بعضها الآخر، فينحصر التّصرّف فيها في تصديقها في بعض مضمونها.

و هذا بخلاف الأخبار، حيث انّ مضمونها و هو صدور هذا الكلام من الإمام (عليه السلام) غير قابل للتّبعيض، فيتعيّن التّصرف فيها إمّا بالتّأويل كما في الظّاهرين، أو تبعيض ترتيب الآثار كما فيهما و في النّصين في بعض الصّور، هذا.

قوله (قده): سواء كانا نصّين- إلخ-.

لا يقال: الجمع على القول به لا يعمّ النّصّين، بل يختصّ بالظّاهرين فلا وجه للتّعميم؛ فإنّ الغرض بيان انّ الجمع بالتّبعيض يعمّ النّصّين أيضا حسب ما قرّرناه و لو لم يقل به أحد فيهما.

قوله (قده): إلاّ انّ المخالفة- إلخ-.

غرضه انّ الجمع في الأخبار و ان كان متصوّرا بأحد الوجهين من التّأويل و التّبعيض في الآثار، إلاّ انّه لمّا كان فيه محذور المخالفة القطعيّة فلا محيص من أن يختار أحدهما و يطرح الآخر.

و فيه انّه لا محذور في المخالفة إذا لم تكن مخالفة عمليّة للحكم الشّرعي المنجّز، و لا مخالفة عمليّة كذلك إذا لم يكن الخبران ملزمين و علم بصدق أحدهما مع بقائه على حاله، و إلاّ فلم يكن إلاّ مخالفة التزاميّة محضة مطلقا، سواء لم يكونا ملزمين أم كانا، و لم يعلم صدق أحدهما لعدم تنجّز ما هو مضمون أحدهما حينئذ، إذ الكلام بعد في تعيين ما هو قضيّة الجمع بين الخبرين من الطّرح أو الجمع بالتّأويل أو التّبعيض في الآثار.

441

هذا كلّه على ما هو الحقّ من كون الأخبار حجّة على الطّريقيّة. و امّا على السّببيّة فالأمر كما ذكره (قده)، للزوم المخالفة العمليّة من الجمع بينهما و لو لم يكونا ملزمين و لم يعلم صدق أحدهما بناء على كون معنى السّببيّة ما يوجب التّنافي بينهما و لو لم يكونا ملزمين، كما سنشير إليه عن قريب؛ لكن هذا أيضا إنّما هو فيما إذا كان الجمع بينهما بالتّصرف فيهما، لا في أحدهما، كما لا يخفى.

قوله (قده): في واقعة واحدة- إلخ-.

لا في واقعتين مندرجتين و إن كانت مردّدة بين واقعتين دفعيّين. و بعبارة أخرى مخالفة قطعيّة دفعيّة، لا تدريجيّة، فلا تغفل.

قوله (قده): الكلام فيه أوّلا في انّ الأصل- إلخ-.

يعنى به الأعمّ ممّا يستفاد من أخبار (1) العلاج و ما هو قضيّة القاعدة مع قطع النّظر عنها حسب ما لا يخفى، إذ من المعلوم انّ دعوى التّساقط، و التّوقّف، و التّخيير على وجه، انّما يكون على حسب القاعدة مع قطع النّظر عن ملاحظة الأخبار، بخلاف الاحتياط و التّخير على وجه آخر، حيث انّ دعواهما لا يكون إلاّ بملاحظتها.

قوله (قده): و امّا إذا كان لفظا، فلعدم الإمكان.

توضيح الحال يستدعى تمهيد مقال في بيان ما يمكن ان يكون الدّليل اللّفظي مستعملا فيه من الوجوه، و تعيين ما هو الظّاهر منها، فنقول و به نستعين:

فاعلم انّ الوجوه أربعة:

الأوّل- أن يكون المستعمل فيه الخطاب الدّال على حجّيّة الخبر، هو الوجوب العيني‏ (2) من غير تقييد بصورة عدم التّعارض، لكن لا بملاحظتها أيضا، بل لو كان بالنّظر إلى ذات الخبر من دون ملاحظة الطّواري أصلا، فيدلّ على حجّية كلّ خبر في نفسه و بملاحظته، و انّه بحيث لا ينافي ان يمنع عن حجيته فعلا طروّ بعض الحالات كالتّعارض مثلا عليه، فكلّ من المتعارضين و ان لم يكن حجيّته‏ (3) بالفعل، إلاّ انّه حجّة ذاتا، كما هو الحال في المباحات‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 75- ب 9.

(2)- التعييني. ن.

(3)- و في «ق»: حجّة.

442

الذّاتيّة الّتي طرأت عليها العناوين المحرّمة.

الثّاني- ان يكون المستعمل فيه هو الوجوب العيني أيضا، لكن بملاحظة التّقييد بغير صورة التّعارض، بحيث لا يكون فيها مقتض للحجية، فيكون عدم الحجية في حال التّعارض على هذا، مستندا إلى عدم المقتضى و إن كان جامعا مع وجود المانع، بخلافه على الوجه الأوّل، فانّه ليس إلاّ لوجود المانع.

الثّالث- ان يكون المستعمل فيه أيضا خصوص الوجوب العيني حتّى بملاحظة صورة التّعارض، بمعنى إرادة حجيّة كلّ خبر فعلا حتّى المتعارضين من الخطاب لكن لا حقيقة، ضرورة امتناع حجّيتهما كذلك، بل توطئة لإفادة ما هو الغرض و المقصود من حجيّة كلّ خبر عينا في غير صورة التّعارض، و فيها حجّية كلّ من المتعارضين تخييرا، أو حجّية أحدهما بلا عنوان، حسب ما نوضحه بمعونة العقل بلا معونة زائدة من تعدّد الخطاب.

توضيح ذلك انّه أمّا إفادته لحكم صورة السّلامة من التّعارض فواضح. و أمّا إفادة حكم غير هذه الصّورة، فانّ العقل إذا لاحظ امتناع وجوب الأخذ بالمتعارضين عينا (1) و كون المتكلّم حكيما لا يكلّف بما ليس بمقدور، و لا بالتّطرق إلى الواقع ممّا علم كذبه، يستكشف عن الخطاب الظّاهر الشّامل لصورة التّعارض انّ الحكم فيهما هو الوجوب التّخييري، و انّ النّكتة في تعميم الخطاب إلى تلك الصّورة التّنبيه على انّ كلّ واحد من المتعارضين لو خلّى و نفسه على المصلحة المقتضية للوجوب العيني، و لا ينافي ذلك عدم بقاء المصلحة في كلّ منهما على الطّريقيّة، حسب ما نفصله إن شاء الله، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ استكشاف الوجوب التخييري مطلقا و لو على الطّريقيّة يحتاج إلى ضمّ مقدّمة أخرى، و هي انّ الشّارع انّما يكون بصدد جعل الحجّة التّامّة، بحيث يكون هو المرجع و المتّبع في تمام مدلوله، و إلاّ فبالمقدّمات السّابقة على ما لا يخفى على المتأمّل لا يستكشف أزيد من كون أحدهما بلا عنوان، من دون تعيين لا ظاهرا و لا واقعا حجة و واجب العمل، و هو لا ينفع إلاّ في نفي الثّالث حسب ما نوضحه إن شاء اللّه.

الرّابع- ان يكون المستعمل فيه الخطاب، هو مطلق الإيجاب المشترك بين التّخيير و التّعيين‏ (2) و إيكال تعيينهما في صورة التّعارض و عدمه إلى العقل، من دون حاجة إلى مئونة

____________

(1)- تعيينا. ن.

(2)- و في «ق»: التخييري و التعييني.

443

زائدة، حيث انّه يستكشف من إطلاقه و عدم جعل بدل له في مقام الامتثال، كما في الصورة الأولى كونه تعيينيّا فيها، و من تعلّقه بالمتزاحمين، كما في الصّورة الأخرى كونه تخييريا فيها، إذ لا يعقل تعلّق الطّلب بهما إلاّ كذلك، و هو واضح؛ و هذا من غير تفاوت بين الطّريقيّة و السببيّة.

نعم المصلحة على الأولى ليست إلاّ في أحدهما، بحيث لا يطلب الجمع بينهما و لو أمكن على فرض المحال، بخلاف الثّانية، لقيام المصلحة بكلّ، بحيث لا مانع من وجوب الجمع إلاّ امتناعه.

ثمّ لا يخفى انّ أظهر الوجوه بل ظاهرها، هو الوجه الأوّل، إمّا بالإضافة إلى الوجه الثاني و الثّالث فظاهر، حيث انّه لا شاهد في البين لا عقلا و لا نقلا على التّقييد، و لا على الحمل على التّوطئة و التّمهيد، مع إطلاق الخطابات الظّاهر في بيان الحكم واقعا و حقيقة، كما لا يخفى. و إمّا بالإضافة إلى الوجه الرّابع، فلأنّ الأمر و ان كان حقيقة عرفا في مجرّد الوجوب و التّعيين و التّخيير و غيرهما خارجة عن مدلوله تلحقه بحسب الموارد حسب مساعدة القرائن، إلاّ انّه عند الإطلاق، منصرف إلى الطّلب الحتمي العينيّ، (1) على ما حقّق في محلّه.

و يشهد بذلك انّه لو لم يكن كذلك لم يكن وقع للسّؤال عن حكم المتعارضين، إذ على هذا لم يكن ما يوجب التّحيّر الموجب للسّؤال في البين، حسب ما عرفت من انّ قضيّة الطّلب الحتمي المطلق هو التخيير في صورة التّعارض.

إذا تمهّد هذا و تعيّن ما ينبغي ان يحمل عليه الخطاب الدّال على حجيّة الأخبار، فلا بدّ من تأسيس الأصل على هذا.

فاعلم انّه إن قلنا بحجّية الأخبار من باب السّببية، فيكون حال المتعارضين من قبيل الواجبين المتزاحمين من انّ الأصل فيهما هو التّخيير، حيث انّ كلّ واحد منهما حال التّزاحم أيضا على ما كان عليه من المصلحة التّامّة المقتضية للطّلب الحتميّ، و لا يصلح التّزاحم إلاّ للمنع عن تنجّز هما جميعا، لامتناع الجمع، لا عن أحدهما لإمكانه، و حيث كان تعينه بلا معيّن ترجيحا بلا مرجّح، كان التّخيير متعيّنا.

نعم لو كان أهمّ أو محتمل الأهميّة يتعيّن على ما سنفصّله هذا؛ لكن لا يخفى انّ ذلك كذلك لو التزم على السببيّة بلزوم الأخذ بمؤدّى الخبر و إن علم إجمالا كذبه ما لم يعلم‏

____________

(1)- و في «ق»: التعييني.

444

تفصيلا، و إلاّ فالأصل على الوجهين على نهج واحد، كما يظهر من التّأمّل فيما نفصله إن شاء الله، و ان قلنا بحجيته على الطّريقيّة فربّما يقال انّ قضيّة الأصل هو سقوط كلّ عن الحجيّة بالنّسبة إلى مؤدّاه بالخصوص، و ذلك العلم بكذب أحدهما، و معه يمتنع التّوصّل به إلى الواقع، فلا يطلب الجمع بينهما و لو فرض محالا إمكانه و التّعبد بأحدهما دون الآخر تعيينا، أو التّعبّد بهما تخييرا و إن كان جائزا لإمكان التّوصّل به إليه، إلاّ انّه لمّا كان كلّ واحد مشتملا على شرائط الحجيّة على نحو اشتمال الآخر، و المفروض انّ مؤدّى دليل الاعتبار حجيّة كلّ على التّعيين، لم يكن مقتض لحجّيتهما تخييرا، و لا لحجّيّة أحدهما تعيينا، و امّا الدّليل الآخر لو كان، فالكلام الآن مع الإغماض عنه في المقام، هذا كلّه بالنّسبة إلى مدلولهما المطابقي.

و أمّا بالنّسبة إلى مدلولهما الالتزامي و هو نفي الثّالث المخالف لكلّ واحد منهما، فلمّا لم يكن بينهما تناف و لم يعلم كذب أحدهما و لو إجمالا، فلا مانع من جمعهما مع وجود المقتضى على ما هو المفروض من اشتمال كلّ على جميع ما يعتبر في الحجّية.

و بالجملة لا بدّ أن يقتصر في رفع اليد عن الحجّية مع وجود المقتضى، على قدر المانع، و لا مانع منهما إلاّ بالنّسبة إلى مدلولهما المطابقي دون الالتزامي، فيكون نفي الثّالث مستندا إلى كلّ واحد؛ و هذا بخلاف ما إذا اشتبه الخبر الصّحيح بالضّعيف، إذ فيه إنّما يكون نفيه مستندا إلى خصوص الخبر الصّحيح، هذا.

و لكن التّحقيق على ما يقتضيه النّظر الدّقيق أن يقال انّ الأصل سقوط أحدهما بلا عنوان، من دون تعيين لا واقعا و لا ظاهرا عن الحجيّة، و بقاء الآخر كذلك على الحجيّة؛ و امّا (1) نفي الثّالث مستند إلى أحدهما الحجيّة، لا إلى كلّ واحد، و ذلك لأنّ المفروض لمّا كان وجود المقتضى و ليس المانع إلاّ العلم بالكذب و ليس ما علم كذبه إلاّ أحدهما كذلك، فلا وجه لسقوط غيره عن الحجيّة بالنّسبة إلى كلا مدلوليه المطابقي و الالتزاميّ، كما لا وجه لبقائه على الحجيّة بالإضافة إلى مدلوله الالتزامي، و هذه على ما قرّر أوّلا، إذ ليس للّفظ دلالة عليه بالاستقلال، بل يتبع دلالته على مدلوله المطابقي، كما حقّق في محلّه، فكيف يبقى حجّة بالنّسبة إليه بعد ما لم يكن حجة إلى ما كان دلالته بتبعه.

نعم لمّا كانت الحجّة أحدهما بلا عنوان كانت حجّيته بالإضافة إلى مؤدّاه المطابقي‏

____________

(1)- و في «ق»: انّ.

445

غير مفيدة إلاّ نفي الثّالث بتبعه، لا التزام به بخصوصه لعدم تعيّنه، و كان الأمر بالنّسبة إليه كما إذا لم يكن واحد منهما بحجّة أصلا، كما لا يخفى.

فنفي الثالث على هذا و إن كان بأحدهما في مسألة اشتباه الحجّة بغيرها، إلاّ انّ الاستناد في تلك المسألة إلى واحد معيّن واقعا و هو الخبر الصّحيح، بخلاف هاهنا، إذ لا تعيين فيه أصلا، لا ظاهرا و لا واقعا، و ذلك لأنّه لا مميّز في البين يتميز به الحجّة عن غيرها، لاستوائهما في جميع ما يعتبر في الحجّية على ما هو المفروض، و في نسبة العلم بالكذب، و نفس الكذب ليس بمميّز، بداهة عدم اعتبار الصّدق في الحجّية، مع إمكان أن يكون كلّ واحد كاذبا.

فقد تلخّص من جميع ما ذكرنا انّه لمّا كان المقتضى لحجّية كلّ من المتعارضين موجودا، و المانع لا يصلح للمنع إلاّ عن أحدهما مردّدا بلا عنوان، كان سقوط كلّ عن الحجّية بالنّسبة إلى تمام مدلوله ممّا لا وجه له أصلا، غاية الأمر انّ حجيّة أحدهما كذلك لا يفيد الأخذ بخصوص أحدهما، لمكان التّردّد و عدم التّعيين، كما انّ الجهل في مسألة اشتباه الحجّة بغيرها مانع عن الأخذ به كذلك، إلاّ أنّه يفيد في نفي الثّالث في المسألتين.

تتمّة

اعلم انّ منشأ التّنافي بين الخبرين بناء على حجيّة الأخبار من باب الطّريقيّة المحضة إنّما هو أعم من عدم إمكان الجمع بينهما عملا أو علما بأن علم بكذب أحدهما و لو أمكن الجمع بينهما بحسب العمل، و هذا بخلاف المنشأ على حجيتهما من باب السببيّة، فانّه خصوص عدم إمكان الجمع بينهما عملا لا علما، و لا ريب انّ ذا لا يتحقّق إلاّ إذا كان مؤدّى أحدهما الوجوب العيني و مؤدّى الآخر الحرمة كذلك، و إلاّ فيستحيل الجمع بينهما عملا، كما لا يخفى لكن بنا، على أن يكون المراد بالسّببيّة كون مجرّد صيرورة الخبر سببا لوجوب تطبيق العمل على مؤدّاه مطلقا، و امّا بناء على ان يكون المراد هو كونه سببا له على وجه التّديّن به و الاستناد إليه في العمل مطلقا، فلا يتحقّق في جميع صور مخالفة أحدهما الآخر بحسب المؤدّى.

ثمّ لا يخفى انّ النّسبة بين التّعارض بين الخبرين على الطّريقيّة و التّعارض بينهما على السببيّة بكلا وجهيه، عموم و خصوص مطلق، لاجتماع التّعارض على الوجه الأوّل‏

446

و الثّاني مطلقا في خصوص صورة مخالفة الخبرين في الوجوب و الحرمة التعيينيّين، و في مطلق صورة المخالفة لكن في خصوص الوجه الثّاني منه لا مطلقا، و افتراق التّعارض على الأوّل فيما إذا لم يكن بينهما إلاّ التّنافي علما من دون ان يكون المكلّف عاجزا من الجمع عملا، هذا.

و لكن لا يخفى انّ ما ذكرنا من كيفيّة النّسبة على الوجهين مبنىّ على أن يكون التّعبّد بمؤدّى الخبرين واجبا لو أمكن و لو علم بكذب أحدهما إجمالا، و هو بعيد و إلاّ كانا متوافقين بحسب الموارد، كما لا يخفى، فليعذروني إخواني من الخروج عن طور هذه التّعليقة، فانّ المسألة من المهمّات و العويصات المشكلة.

قوله (قده): لأنّ ذلك غير ممكن- إلخ-.

قد عرفت إمكان ذلك على بعض الوجوه المتقدّمة، فلا تغفل.

قوله (قده): لكن على تقدير

(1)

أن يكون العمل بالخبرين- إلخ-.

هذا بناء على أن يكون التّعبّد بمؤدّى الخبر محبوبا و إن علم كذبه إجمالا ما لم يعلم تفصيلا، و إلاّ كما أشرنا إليه.

قوله (قده): بل وجود تلك المصلحة في كلّ منهما بخصوصه مقيد- إلخ-.

لا يخفى انّ مقتضى ما حققناه أنّ يكون وجود تلك المصلحة في كلّ مقيّد بعدم كونها في الآخر، لا بعدم المعارضة، فلا تغفل.

قوله (قده): إنّ شيئا منهما ليس طريقا- إلخ-.

لكن لا لعدم حجيّة واحد منهما، بل لتردّد الحجّة بينها حسب ما عرفت.

قوله (قده): أو العمل بما طابق منهما الاحتياط، أو الاحتياط و لو كان مخالفا لهما- إلخ-.

لا يخفى انّ ظاهر المقابلة يقتضى جريانهما في جميع موارد الأصل الأوّلي كالتّخيير، إلاّ انّه لا يستقيم، ضرورة انّه من موارد ما لا يمكن فيه الاحتياط أصلا، كما إذا دلّ أحد الخبرين على الوجوب و الآخر على الحرمة، فكان عليه ان يقول أو العمل بما طابق منهما

____________

(1)- و في المصدر: لكن هذا كله على تقدير أن يكون العمل ...

447

الاحتياط لو كان، و إلاّ فالتّخيير أو الاحتياط و لو كان مخالفا لهما لو أمكن، و إلاّ فالتّخيير حتّى يشمل جميع موارد التّعارض، و كأنّه (قده) تركه تعويلا على وضوحه.

ثمّ انّه لا بدّ ان يكون المراد من مرجعيّة الاحتياط و لو كان مخالفا لهما خصوص ما إذا كان مخالفا لخصوص كلّ منهما، لا ما إذا كان مخالفا لكليهما، ضرورة انّه لا وجه حينئذ لجعله من وجوده المسألة بعد ابتنائها على حجية أحد الخبرين لا محالة، و معه تبقى الاحتمال الثّالث؛ فكيف يكون الاحتياط المخالف لهما ممّا وجب المصير إليه، كيف و كون الاحتياط مرجعا لو كان موافقا لأحدهما ينافي المبنى، فضلا عمّا إذا كان مخالفا لهما.

اللّهم إلاّ أن يقال: انّ المراد من المبنى هو مجرّد عدم سقوطهما من الجانبين، كما إذا (1) لم يكن في البين خبر، و الرّجوع إلى الثّالث من دون تعيين أن تثبت حجّيته على وجه التّخيير أو التّعيين، و هذا المقدار لا ينفع إلاّ في نفي الثّالث، لا في جواز الأخذ بأحدهما في خصوص مؤدّاه، و أنت خبير بأنّه على هذا لا وجه لجعل هذا في قبال الأصل الأوّلي حيث انّ قضيته أيضا ذلك؛ إلاّ أن يقال انّ الحجيّة على ما حقّقناه هو أحدهما بلا عنوان بالنّسبة إلى نفى الثّالث و عدم حجيّة واحد منهما بالنّسبة إلى خصوص المؤدّى، بخلاف الحجّة على هذا حيث انّه أحدهما بالخصوص و إن كان مردّدا بين ان يكون على التّعيين أو التخيير، فافهم.

قوله (قده): و أمّا أخبار الدّالة

(2)

على نفي الوجه الثّالث.

وجه الاستلزام انّ الاحتياط في العمل لا يحتاج إلى فتوى بشي‏ء أصلا، بخلاف العمل على البراءة، فانّه لا بدّ من الفتوى بها، كما لا يخفى.

قلت: يمكن منه الاستلزام، إذ يكفي في العمل على البراءة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بلا إفتاء بالإباحة شرعا، لا ظاهرا و لا واقعا، فالأولى التّمسّك على الاحتياط بإطلاق أخبار التّوقّف‏ (3)، إذ بإطلاقها يدلّ على وجوب التّوقّف عن ارتكاب الشّبهة مطلقا و عدم جواز الاقتحام فيها أصلا، عملا كانت أو فتوى، بل دلالتها على وجوب التّوقّف في الفتوى ليس إلاّ لأنّها عمل أيضا، لا بما هي فتوى كما لا يخفى.

____________

(1)- و في «ق»: كان لم يكن خبر في البين.

(2)- و في المصدر: و اما اخبار التّوقف الدّالة على الوجه الثالث.

(3)- وسائل الشّيعة: 18- 111- ب 12.

448

قوله (قده): و يحتمل أن يكون التّخيير للمفتي، فيفتي بما اختاره- إلخ-.

فيه أنّ المقلّد أيضا متخيّر إن كان المراد به من ورد في حكم مسألته خبران متعارضان، حيث انّه كذلك و إن كان هو لا يدرى بذلك و المفتي يدرى، إلاّ انّ مجرّد ذلك لا يوجب الاختصاص، كما لا يوجبه ذلك في باقي الجهات من الشّرائط و المؤدّيات، و إن كان المراد به غيره ممّا لا يشمله فلا نسلّم كونه بهذا المعنى موضوعا، و السّند يظهر من أخبار الباب بلا ارتياب.

قوله (قده): فلا عبرة بنظر المقلّد- إلخ-.

جواز التّقليد في مسألة يعتقد المقلّد بخطاء المجتهد فيها، و عدم العبرة بنظره في غاية الإشكال، و المسلّم من أدلّة جوازه أو وجوبه إنّما هو فيما إذا لم يكن الأمر كذلك، فتدبّر.

قوله (قده): فالظّاهر انّها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر.

الأولى أن يقال: انّها مسوقة لبيان حكم المتحيّر، و هو الّذي ليس له الوصول إلى مقصده طريق بالفعل بسبب تعارض ما عنده من الخبرين، إذ حكمهما بحسب الأصل، كما عرفت بما لا مزيد عليه سقوطهما من الجانبين كأنّه لم يكن بالنّسبة إلى مؤدّى كلّ منهما بالخصوص خبر أصلا في البين، و لا ريب انّه بعد ما أخذ بما عيّن له من الحجّة، و هو ما اختاره من الخبرين يخرج من عنوان من لم يكن عنده الحجّة و كان متحيّرا في امره في الوصول إلى مقصده.

قوله (قده): و بعض المعاصرين استجود كلام العلاّمة- إلخ-.

لعلّ وجهه انّ الاستناد في الحكم بالتّخيير في الخبرين إلى بعض الأخبار الظّاهر في أن جواز ذلك إنّما هو من باب التّسليم. و من المعلوم انّ مصلحة التّسليم لا يختصّ بحال الابتداء بل يعمّ الحالين، و هذا بخلاف الفتوى و الأمارات حيث لم يرد فيه ذلك، و الحكم فيهما بالتّخيير انّما هو على القاعدة، و لعلّه أشار إليه بامره بالتّدبّر، فتأمّل.

قوله (قده): هذا ما يجب التّنبيه عليه- إلخ-.

لا يخفى انّ الأولى بل الصواب ذكر هذا التّنبيه بعد المسألتين خاتمة لهما، بداهة انّه متفرّع عليهما لا يتمّ إلاّ بهما، فلا وقع لجعله خاتمة لخصوص التّخيير، فضلا عن جعله مقدّمة

449

للتّرجيح، فلا تغفل.

قوله (قده): مع انّ أصالة العدم لا يجدى في استقلال- إلخ-.

لا يخفى انّ موضوع حكم العقل و إن كان هو عدم المزيّة واقعا، فلا يجدى النّصّ المعتبر في استقلال العقل بالتّخيير أيضا و إن كان الموضوع عدم المزيّة شرعا و لو ظاهرا بالتّعبّد من الشّارع، كما هو كذلك حسب ما لا يخفى فكلاهما يجديان، فلا وجه للتّفصيل.

فإن قلت: الوجه انّ الأصل بالنّسبة إلى حكم العقل بالتّخيير مثبت، و لذلك لا يجدى و لا يثبت.

قلت: ليس الأصل بالنسبة إلى كلّ أثر و حكم عقلي بمثبت، و انّما يكون لو كان الأثر للموضوع الواقعيّ و أريد إثباته للموضوع المحرز بالأصل بخلاف ما إذا كان الموضوع الحقيقي له أعم من الواقعي و المحرز بالأصل كالحكم الشرعي لحكم العقل بوجوب الإطاعة، بداهة انّ ترتيب وجوبها بالاستصحاب على الوجوب الشّرعي الثّابت لا يوجب كون الاستصحاب مثبتا، و المفروض انّ الموضوع هاهنا هو عدم المزيّة شرعا مطلقا و لو ظاهرا، فتدبّر فانّ أمثال المقام من مزالّ الأقدام.

قوله (قده): المتمّمة فيما لم يذكر فيه من المرجحات المعتبرة- إلخ-.

المتمّمة مبنيّة للمفعول صفة للدّلالة في قوله قبل ذلك: «و دلالة بعضها الآخر- إلخ-». و حاصله انّ الأخبار (1) المطلقة للتّخيير تقيّد بصورة فقد جميع المرجّحات المعتبرة بالأخبار (2) المقيّدة له بصورة فقد بعضها، بضميمة عدم القول بالفصل بين المرجّحات‏ (3).

قوله (قده): و مرجع التوقف إلى التّخيير- إلخ-.

لا يخفى انّ ظاهر العبارة و إن كان لا يخلو عن الإيراد، حيث انّ إرجاع التّوقّف إلى التّخيير واضح الفساد لكمال البينونة بينهما مفهوما و عملا، إلاّ انّه ليس بالمراد، و إنّما الإرجاع إنّما يكون بحسب المورد، يعنى ما كان بحسب الأصل الأوّلي موردا للتّوقّف، يكون‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 87- ح 39- 44.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 80- ح 19.

(3)- و في «ق»: بينها.

450

من صورة التكافؤ الّتي هي مورد للتّخيير لو لم يكن الأصل عن المرجّحات، أو لم يكن موافقا لأحدهما، هذا.

قوله (قده): قلنا بما اخترناه من انّ الأصل التّوقّف- إلخ-.

لعلّك تتخيّل المنافاة بين جعل المختار فيه بحسب الأصل التّوقّف، و إنّ ما استفيد من نفس أدلّة العمل بالأخبار، هو العمل بأحد المتعارضين، فكأنّك نسيت ما نبّهناك من انّ العمل بأحدهما إنّما يراد به العمل بما يوافق مضمونه قبالا لسقوطهما من الجانبين و الرّجوع إلى الأصل في البين و لو كان مخالفا للطّرفين، لا للتّوقّف عن العمل بخصوص أحدهما لتردّد الحجّة فيهما، لعدم تعيّنه على ما عرفت، بل بالأصل الموافق لو كان، و إلاّ فبأحدهما على التّخيير أو التّعيين، حسب ما نبيّنه.

قوله (قده): فلا دليل على وجوب التّرجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين.

بل الدّليل على عدم جوازه بالنّسبة إلى ما إذا كان ما فيه القوّة على خلاف الأصل، و هو عدم جواز التّجاوز عن الأصل إلاّ بالحجّة المعتبرة، و لم يثبت بعد حجيّة الخبر المخالف بالخصوص و لو كان فيه القوّة.

و امّا بالنّسبة إلى ما إذا خالف كلاهما الأصل، فالدّليل على التّرجيح بعد ما كان المفروض عدم جواز الرّجوع إلى الأصل المخالف، هو تيقّن جواز العمل بالرّاجح دون المرجوح، و لا ريب انّ قضيّة المنع عمّا لا يعلم جواز العمل به.

قوله (قده): و مجرّد مزيّة أحدهما على الآخر بما يرجع إلى أقربيّته إلى الواقع- إلخ-.

هذا إذا لم يكن من سنخ ما هو المقتضى لوجوب العمل بالخبر كالأعدليّة، بناء على أنّ العمل بالمقتضى إنّما هو عدالة المخبر، فتدبّر.

قوله (قده): و كذا لو احتمل الأهمّيّة في أحدهما- إلخ-.

اعلم انّ منشأ الأهمّيّة تارة أشدّيّة المناط و آكديّته، كما في الصّلاة بالإضافة إلى ساير الواجبات؛ و أخرى اتّحاده مع عنوان واجب آخر، فإن كان احتمالها ناشئا من الجهة الثّانية، فلا وجه للحكم باستقلال العقل بوجوب ما كان منهما محتملا لها، بل العقل يستقلّ بالتّخيير بعد الجزم بعدم العقاب على الواجب الآخر لو كان، فانّه عقاب بلا بيان و مؤاخذة

451

بلا برهان. و لو كان احتمالها ناشئا من الجهة الأولى، فالظّاهر استقلال العقل بالاشتغال و عدم الفراغ عن العهدة على سبيل الجزم إلاّ بإتيان ما فيه الاحتمال، حيث انّ التّكليف به في الجملة ثابت قطعا، و إنّما الشّكّ في تعيينه هل هو على سبيل التّخيير أو التّعيين، و ليست الجهة لو كانت تكليفا آخر حتّى يمكن نفيه بأصالة البراءة، بل هي على تقديره من كيفيّات ذلك التّكليف المعلوم تعلّقه به، بداهة انّ أقوائيّة جهة وجوب الأهمّ ليست جهة أخرى منضمّة إليها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و مرجع الأخير إلى انّه لو لا الإجماع- إلخ-.

لا يخفى انّ مرجعه ليس إلى ذلك، بل إلى انّ الالتزام بالتّرجيح هنا إنّما هو لكونه مذهب الجميع، و كونه مجمعا عليه بخلافه في البيّنات لاختلافهم فيه و إن كان الأكثر على عدمه، فلا تغفل.

قوله (قده): ثمّ يظهر من السيّد الصّدر الشّارح- إلخ-.

لا يخفى انّ ما استظهره منه من الرّجوع إلى التّخيير أو التّوقّف أو الاحتياط ظاهره، و هو كون كل واحد من التّخيير و التّوقّف في مقام الفتوى على ما لا يخفى، مخالف‏ (1) صريح ما يحكيه عنه من قوله «انّ الجواب عن الكلّ ما أشرنا إليه من انّ الأصل التّوقّف في الفتوى و التّخيير في العمل، فلا تغفل.

قوله (قده): فلو حمل غيره عليه لزم التّفكيك فتأمّل.

يمكن ان يقال انّه لو حمل على مطلق الطّلب و استفيد كلّ من الوجوب و الاستحباب من الخارج، لا يلزم التّفكيك، و لعلّ أمره بالتّأمّل إشارة إليه، فتأمّل.

قوله (قده): فلو لم يكن الأوّل أقوى، وجب التّوقّف- إلخ-.

وجه كونه الأقوى هو رجحان التّقييد على ساير أنحاء التّصرّفات. و أمّا وجه التّنزّل و المماشاة فلأنّ استعمال الأمر في الاستحباب بلغ من الكثرة بحيث بنى بعض الأصحاب على التّوقّف عن الحمل على الإيجاب بلا قرينة، مع انّ حمله عليه يكون من قبيل‏

____________

(1)- و في «ق»: يخالف.

452

التّقييد أيضا بناء على كون الأمر لمطلق الطّلب، فلا تغفل.

قوله (قده): من حيث ظهور صدورها في التّحكيم- إلخ-.

و في ظهوره فيه تأمّل، بل بنظري القاصر ظهوره في قاضي المنصوب، و ذلك لأنّ قوله (عليه السلام) «فإنّي قد جعلته- إلخ- (1)» في غاية الظّهور في إعطائه المنصب و نصبه قاضيا و حاكما في قبال قضاة الجور و حكّامهم المنصوبة من قبل الجائر، و لهذا ترى الأصحاب خلفا بعد سلف لا يزالون يتمسّكون بهذه الرّواية على نصب الفقيه في زمن الغيبة عموما، هذا مع ما في تفريعه (قده) من الإشكالات، عليه ما لا يخفى، بداهة أنّها لو كان المراد، القاضي المنصوب، تكون أشدّ و أقوى، حسب ما لا يخفى.

ثمّ إنّ هاهنا إشكالا آخر لم يذكره المصنّف، و هو انّ الأمر في تعيين الحاكم و اختياره إنّما هو بيد المدّعى، فينفذ حكم من اختاره في الواقعة، لا حكم من اختاره المنكر و إن كان أفضل، و قد فوض الأمر فيها إلى نظرهما تحريهما بعد اختلافهما (2) في الحكم، إلاّ أن ينزّل فرض السّؤال على خصوص صورة التّداعي، و ليس بالبعيد؛ و عليه تندفع الإشكالات الآخر أيضا:

أمّا التّعدد فلعدم تراضيهما على واحد، بل المفروض رفع كلّ أمره إلى واحد.

و أمّا غفلة الحكمين مع انّ لزومهما ممنوع، لإمكان اطّلاع كلّ على قدح في سند (3)، فمثلها غير عزيز.

و أمّا تحرّيهما في سند الحكمين، فلا يبعد كلّ البعد بعد عدم نفوذ أحد الحكمين من الحكمين على واحد منهما لعدم تمكين واحد منهما الآخر في تعيين من اختاره من الحكمين.

و أمّا حكم أحدهما بعد الآخر، فلا ضير فيه أصلا حيث لم يكن حكم الأوّل نافذ على من عليه حيث لم يرض به، مع انّه يمكن هذا لعدم الاطّلاع على صدور الحكم من الآخر.

و أمّا تساقطهما، فهو مطلقا ممنوع، و المسلّم منه إنّما هو في صورة تساوى الحكمين.

و أمّا غير هذه الصّورة فيمكن الاستناد إلى الرواية في جواز التّحري و الاجتهاد في تعيّن حكم المسألة المتنازع في حكمها بالرّجوع إلى ملاحظة صفات الحكمين، أو صفات ما استند

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 4- ح 5.

(2)- و في «ق»: إصلاحهما.

(3)- و في «ق»: سند الاخر.

453

إليه من الرّوايتين، لعدم قيام دليل على المنع منه، مع كفايته في رفع الخصومة، إذ منشأها الاختلاف في الحكم حسب الفرض على ما يقتضيه ظاهر الرّواية (1).

ثمّ انّ هذا كلّه على تقدير تسليم ظهورها في رجوع المتخاصمين إلى الحكمين، لأجل فصل الخصومة بينهما بالحكومة، لا الرّواية أو الفتوى بنقل رواية مفيدة لحكم المسألة على ما هو المتعارف في الصّدر الأوّل من نقل المفتي في مقام الفتوى، الرّواية الّتي اعتمد عليها في حكم المسألة المسئول عن حكمها، لكن يمكن مع ذلك‏ (2) دعوى ظهورها في رجوعهما إليهما من حيث الرّواية أو الفتوى.

و الإنصاف انّه ليس ببعيد، و عليه لا يرد شي‏ء من الإشكالات. نعم يقع على هذا التّعارض بينها و بين المرفوعة (3)، و لا يمكن التّوفيق بينهما بما ينافى‏ (4) كلامه، هذا.

قوله (قده): اللّهم إلاّ ان يمنع ذلك، فانّ الراوي- إلخ-.

المشار إليه لزوم العمل على العكس، لا عمل العلماء عليه، و إلاّ لا يلائمه التّعليل إلاّ بأن يجعل العلّة كاشفة عن عدم عملهم عليه، كما يظهر بالتّأمّل.

قوله (قده): إلاّ أن ينزّل الرّواية

(5)

على غير هاتين الصورتين- إلخ-.

لا يخفى انّ خروجهما منها إنّما هو على نحو التّخصص لا التّخصيص، حيث انّ الفرض إنّما هو تقديم الأفقهيّة على الشّهرة كذلك في مقام التّرجيح و التّنزيل، و عدم تقديمها عليها في الصّورتين لا يقدح بذلك فانّه حقيقة إنّما هو لأجل اشتراك الرّوايتين فيها و مساواتهما من جهتها و كان ترجيح الرواية المشهورة على الشّاذة لاختصاصها بمزيّة أخرى غيرها، كما لا يخفى.

قوله (قده): و لذا لم يسأل الرّاوي- إلخ-.

لعلّه لما فهم انّ العبرة في مقام التّرجيح إنّما يكون باجتماع الصّفات، بحيث لا اعتبار

____________

(1)- وسائل الشيعة: 18- 4- ح 5.

(2)- و في «ق»: لكن يمكن منع ذلك و دعوى ...

(3)- مستدرك الوسائل: 3- 185.

(4)- و في «ق»: بما يأتي في كلامه (قده).

(5)- وسائل الشيعة: 18- 4- ح 5.

454

بها أصلا عند افتراقها لم يسأل عن صورتي انفراد من الآخر و تعارض بعضها مع بعض، و لا دلالة لقوله «لا يفضل أحدهما على صاحبه» على ما فهمه انّ التّرجيح بمطلق التّفاضل، إذ لعلّ مراده أن لا يفضل أحدهما على الآخر فيما ذكر من الفضيلة بأن يكون أحدهما مجمع الصّفات، بخلاف الآخر، فافهم و استقم.

قوله (قده): الثّاني ما رواه ابن أبي جمهور

(1)

- إلخ-.

لا يخفى انّ مراد السّائل في هذه الرّواية من قوله «انّهما موافقان للاحتياط» كون كلّ واحد إذا لوحظ في نفسه موافقا له، و إلاّ لا يمكن أن يكون المتعارضان كلاهما موافقين له، و هذا كما إذا كان مضمونهما إلزامين. و منه يظهر انّ المراد بكونهما مخالفين له ما ذا، فلا تغفل.

قوله (قده): التّاسع ما عن الكافي‏

(2)

- إلخ-.

الظّاهر إرادة الأخذ بالأخير من الخبرين من قوله (عليه السلام) «خذوا به» لأقربيّته لفظا، و هو مانع عن رجوع الضّمير إلى الأبعد، مع موافقته للاعتبار و التّصريح به في العاشر (3) و الحادي عشر (4) من الأخبار.

قوله (قده): الرّابع عشر

(5)

- إلخ-.

ينبغي بيان ما لعلّه يحتاج إلى البيان في الحديث:

فاعلم انّ قوله (عليه السلام) «انّ الكلمة (6)- إلخ-» في مقام التّعليل لقوله (عليه السلام) «أنتم أفقه النّاس» و الظّاهر منه انّ الكلمة يمكن أن يكون منصرفة إلى وجوه بعضها هي ظاهرة فيه، و بعضها لا يكون كذلك، فالمتكلّم بها له أن يريد منها ما شاء من الوجوه‏

____________

(1)- مستدرك الوسائل: 3- 185.

(2)- وسائل الشيعة: 18- 78.

(3)- وسائل الشيعة: 18- 77.

(4)- وسائل الشيعة: 18- 79.

(5)- وسائل الشيعة: 18- 84.

(6)- أي قوله «ان الكلمة لتنصرف على وجوه ...»

455

و لو كان خلاف ظاهرها، و مع ذلك لا يكون بكذب‏ (1)، و الظّاهر انّ الغرض من الحديث التّنبيه بذلك على عدم جواز المبادرة إلى تكذيب أحد الخبرين بمجرّد تعارضه بظهوره مع ما هو منه أظهر، بل لا بدّ من صرفه إلى ما لا يلائم ظهور الأظهر.

قوله (قده): و هي و إن كانت ضعيفة

(2)

السّند إلاّ أنّها موافقة لسيرة العلماء- إلخ-.

لا يخفى انّ ضعف السّند لا يختصّ بها، بل المقبولة (3) كذلك، لكون عمر بن حنظلة مجهول عند الأكثر، و الجبر بالعمل لو قلنا به أيضا يعمّها. اللّهم إلاّ ان يقال انّ المقبولة ليس ضعفها لو كان منجبرا بمجرّد العمل به في الجملة كي تشاركها فيه، بل بما يختصّ بها الّذي صار لأجله مقبولة و سمّيت بها، بداهة انّ مجرّد العمل على طبقه في الجملة لا يوجب ذلك، كما لا يخفى، كيف و الجبر بالعمل محلّ الإشكال و المنع، هذا.

قوله (قده): و يمكن ان يقال انّ السّؤال- إلخ-.

قد أشرنا سابقا إلى انّ هذا التّوجيه إنّما يتأتّى لو كان المفروض السّؤال عن الرّجوع إليهما لأجل رفع الخصومة بالحكومة، و إنفاذ الحكم الشّرعيّ في الواقعة الشّخصيّة، لا إذا كان لأجل استعلام الحكم و الفتوى.

ثمّ لا يخفى انّ الاحتياج إلى العلاج بينهما مبنىّ على انّ المزايا المذكورة في أخبار الباب‏ (4) يكون بما هي هي مرجّحات، لا بما هي من جملة الأسباب لما هو المرجّح من مطلق الظّنّ، و إلاّ فالإشكال مرتفع عن أصله بلا ارتياب، غاية الأمر تقديم الصّفات في المقبولة (5) على الشّهرة، مع كون الظّنّ الحاصل منها أقوى، لا يخلو عن نكتة و هي كون التّفاوت بالصّفات في أغلب المقامات، بخلاف التّفاوت بالشّهرة و الشّذوذ في المتعارضات من الرّوايات، فانّه في غاية الشّذوذ.

____________

(1)- و في «ق»: و مع ذلك لا يكذب.

(2)- مستدرك الوسائل: 3- 185.

(3)- وسائل الشيعة: 18- 75- ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: 18- 75- ب 9.

(5)- وسائل الشيعة: 18- 75- ح 1.

456

قوله (قده): نعم يورد على هذا لو أنّ اللاّزم- إلخ-.

يدفعه انّه لا يبعد أن يكون فرض السّؤال صورة التّداعي، حسبما أشرنا إليه.

قوله (قده): و لا معنى للنّهي عن اتّباع المجمل- إلخ-.

لا يخفى انّ الظّاهر مساوقة المتشابه مع المجمل، و معنى النّهى عن اتّباعه، النّهى عن تعيين معناه الإنسان برأيه من عند نفسه، و متابعته من دون شاهد و برهان، كما هو ديدن بعض أهالي المذاهب الفاسدة في زماننا، بل في كلّ زمان.

قوله (قده): و لأجل ما ذكرنا لم يذكر ثقة الإسلام- إلخ-.

يعنى لأجل ما ذكر من انّ المستفاد من مجموع الأخبار هو التّرجيح بالمزايا المخصوصة.

قوله (قده): كون أخبار كتابه كلّها صحيحة- إلخ-.

لا يخفى سخافة الوجه، بداهة انّه لو سلّم ذلك لا ينافي التّرجيح بالأعدليّة و الأوثقيّة، و هذا أوضح من أن يخفى على ذي مسكة.

قوله (قده): فلا بدّ للمتعدّي من المرجحات- إلخ-.

هذا على سبيل منع الخلوّ لا الجمع، بداهة عدم التّنافي بين الأمرين.

قوله (قده): منها التّرجيح بالأصدقيّة- إلخ-.

هذا، مع انّه لا اعتبار به في نفسه، حيث انّه على نحو الإشعار لا الدّلالة معارض بما هو أقوى، و ذلك لأنّ التّرجيح بهما يصلح لأن يكون من حيث الخصوصيّة تعبّدا و إن كان الأظهر انّ منشأ التّرجيح بهما كونهما موجبتين لأقربيّة الرّواية إلى الواقع، لكنّ التّرجيح بالأورعيّة و الأعدليّة، بل الأفقهيّة أيضا لا يصلح لأن يكون من أجل كونها موجبة للأقربيّة، و لو سلّم فلا ريب انّ احتمال ذلك فيها أضعف بمراتب من احتمال الخصوصيّة فيهما، حسب ما لا يخفى على من له أدنى تأمّل و إنصاف.

قوله (قده): و يؤيّد ما ذكرنا انّ الرّاوي بعد سماع التّرجيح- إلخ-.

و قد ذكرنا انّ عدم سؤاله عن هذه الصّورة لعلّه لأجل انّه فهم انّ المجموع مرجّح واحد،

457

و عليه معنى قوله «لا يفضل- إلخ-» لا يفضل أحدهما على الآخر بهذه المزيّة لا بمزيّة أخرى أيضا، فحينئذ يكون السّؤال عن صورة عدم هذه المزية فيها في موقعه، و لم يكن وقع للسّؤال عن حكم عدم اجتماع الصّفات، إذ عدم اجتماعها يكون مندرجا (1) تحت صورة عدم المزيّة المسئول عن حكمها، و لعلّه أشار إلى هذا بقوله «فافهم».

قوله (قده): و لا ريب انّ المشهور بهذا المعنى ليس قطعيّ المتن و الدّلالة- إلخ-.

لا يخفى انّ حيثيّة الدّلالة أجنبيّة عمّا هو مفروض المقام، إذ الكلام إنّما هو من حيث خصوص التّرجيح بين الخبرين بالسّند، لا الدّلالة، و لا الأعمّ منهما، و لا ريب انّ كون الرّواية مشهورة و معروفة عند جميع الأصحاب سيّما في الصّدر الأوّل إذا كانت كذلك على ما هو مورد الخبر يوجب حصول الاطمئنان للإنسان بسنده بحيث يصحّ ان يقال في حقّه عرفا مطلقا انّه ممّا لا ريب فيه، من دون ملاحظة إضافة و نسبة إلى ما لا يكون بهذه المثابة، فنفي الرّيب عنها بملاحظتها بنفسها لا بالإضافة، و مقتضى ذلك الاقتصار في التّعدّي عن مورد النّص في العلّة على التّرجيح بكلّ ما يوجب حصول الاطمئنان بالسّند، بحيث يمكن نفى الرّيب عنه بملاحظة نفسه على ما عرفت، و لا أظنّ أن يكون التّرجيح بمثله محلّ الإشكال و الارتياب من أحد الأصحاب.

قوله (قده): و منها تعليلهم (عليهم السلام) لتقديم الخبر- إلخ-.

وجه‏ (2) التّرجيح بالمخالفة ان كان هو احتمال التّقيّة، كما هو أقرب المحتملات على ما سيجي‏ء في كلامه (قده)، فالتّرجيح بهما ربّما يخرج عمّا هو مورد الكلام من التّرجيح السّندي و يدخل في الترجيح الدّلالي بناء على ما سيجي‏ء منه (قده) من ترجيح وجوب التّورية على الإمام (عليه السلام) في مقام التّقية بإرادة خلاف الظّاهر، و عدم جواز الكذب مع إمكانها، و ذلك لأنّ الخبرين مع مساواتهما من جميع الجهات سندا و دلالة، إلاّ موافقة أحدهما للعامّة و مخالفة الآخر لهم، يتطرّق حينئذ احتمال إرادة خلاف الظّاهر في الموافق تورية من باب التّقيّة، و لا يحتمل إرادة خلاف الظّاهر في الآخر من هذه الجهة، فيكون لأجل ذلك أظهر و إن كان الوجه هو كون الرّشد في خلافهم، كما هو أيضا من أقرب‏

____________

(1)- و في «ق»: إذ عدم اجتماعها مندرجة ...

(2)- و في «ق»: و الترجيح ...

458

المحتملات، فمع عدم تعيين‏ (1) كون الوجه ذلك لمساواة احتمال كونه الوجه مع احتمال كونه هو احتمال التّقيّة في الموافق، لا يقاوم ظهوره في التّعدّي ظهور سوق الأخبار في الاقتصار و عدم الاعتبار بكلّ مزيّة من جهات:

منها عدم بيان الإمام (عليه السلام) هذه الكلّيّة من أوّل الأمر، مع انّه مقامه كي لا يحتاج إلى ان يسأل بعد ذلك أصلا.

و منها عدم ضربه‏ (2) قاعدة في آخر الأمر بعد فرض مساواة الخبرين في المزايا المنصوصة، بل أرجعه إلى التّخيير أو الإرجاع إلى ملاقاة الإمام (عليه السلام).

و منها عدم فهمها السّائل، و إلاّ لم يسأل عن العلاج عند المساواة، و قد قرّره الإمام (عليه السلام) على ذلك، و إلاّ لنبّهه على غفلته عمّا أجاب به من الكلّيّة الّتي لا يحتاج معها إلى السّؤال ثانيا عن كيفيّة العلاج عند المساواة.

و لعمري انّ كلّ واحد منها أقوى شاهد على دلالة الأخبار على عدم الاعتبار بغير المزايا المنصوصة فيها، فاعتبرها بعين الإنصاف، فافهم و استقم.

قوله (قده): و منها قوله (عليه السلام) «دع ما يريبك»

(3)

- إلخ-.

لا يخفى انّه لم تمّ لدلّ على وجوب الاحتياط، و قد مرّ منه (قده) مرارا أنّه كأمثاله‏ (4) من الأخبار (5) الدّالّة على الاحتياط محمول على الإرشاد المطلق، فيتبع ما يرشد إليه فيما هو عليه من الوجوب و الاستحباب.

فتلخص من جميع ما ذكرنا انّه لا وجه للتّعدّي من المزايا المنصوصة في أخبار الباب، بل لا بدّ من الاقتصار عليها اقتصارا في تقييد المطلقات على ما ثبت‏ (6) لها من التّقديم. اللّهم إلاّ أن يقال انّ مصبّ أخبار العلاج بأسئلتها و أجوبتها، إنّما هو خصوص ما يتحيّر فيه العرف و هو ما إذا لم يكن لأحد الخبرين مزيّة موجبة لأقوائيّته من الآخر، إذ ما كان كذلك لا

____________

(1)- و في «ق»: تعيّن.

(2)- و في «ق»: ضربها.

(3)- وسائل الشيعة: 18- 124- ح 47.

(4)- و في «ق»: و أمثاله ...

(5)- وسائل الشيعة: 18- 111- ب 12.

(6)- و في «ق»: يثبت ...

459

تحيّر لهم فيه أصلا، بل يتعيّن عندهم الأخذ بما فيه المزيّة، فلا إطلاق فيها و قد كان الأصل الاقتصار على العمل بالأرجح، و هذا ليس بالبعيد لو لا الإرجاع فيها أيضا بما هو مرجّح عند العرف أيضا كالأصدقيّة و الأوثقيّة، لكشفه عن انّ مفروض السّؤال و الجواب مطلق صورة التّعارض و لو لم يتحيّر فيه العرف، كما لا يخفى.

لكنّ الإنصاف انّ الإرجاع إليهما لا يكشف عنه، لإمكان ان يكون ذلك في خصوص ما إذا تحيّر فيه العرف أيضا لو لا الإجماع إليها تعبّدا، كما إذا كان في أحد الرّوايتين من المزايا ما يوازي الأصدقيّة و الأوثقيّة في الأخرى، بحيث لو لم يكن التّعبّد بالإرجاع إلى شي‏ء لما كان لأحد الخبرين على الآخر عند العرف رجحان. هذا، مع ذهاب جمهور المجتهدين إلى الاقتصار، و دعوى بعضهم على ما حكى ظهور الإجماع و عدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالرّاجح من الدّليلين بعد حكاية الإجماع عليه من جماعة، و لعلّ هذا كاف في المسألة إن شاء الله.

هذا ما تيسّر في المقام، و عليك بالتّأمّل التّام في أطراف ما أوردناه من النّقض و الإبرام.

قوله (قده): و هي كلّ مزيّة غير مستقلّة في نفسه- إلخ-.

لا يخفى انّ جميع المرجّحات كذلك غير مستقلّة بنفسها متقوّمة بما فيها، و لا يكون منها ما لم يكن كذلك، إذ الأصل و الكتاب و غيرهما ممّا جعله مستقلا و إن كان كذلك، إلاّ انّه ليس بمرجّح، بل المرجّح هو موافقة الخبر لكلّ منهما و هي غير مستقلّة بل متقوّمة بما هي قائمة به.

نعم منشأ الانتزاع فيما جعله من المرجّحات الغير المستقلّة إنّما هو نفس ما هي قائمة به، بخلافه في المستقلّ فانّه مركّب منه و من الخارج، و هذا كما لا يخفى غير موجب لذلك، فالأولى أن يعرّف المرجّح الدّاخلي بما كان منشأ انتزاعه نفس الأمور المتعلّقة بالرّواية من صفات الرّاوي أو متنها أو وجه صدورها، و الخارجي بخلافه، هذا.

قوله (قده): و كالتّرجيح بشهرة الرّواية- إلخ-.

لا يخفى انّ عدّ الشّهرة من المرجّحات المضمونيّة لا ينافي كونها من المرجّحات الصّدوريّة بل هي أقواها، إذ الشّهرة الرّوائيّة لو خلّيت و نفسها يقوّى الرّواية صدورا و مضمونا فلا غرو في التمثيل للمرجّح المضموني كالتّمثيل للمرجّح الصّدوري.

460

قوله (قده): نعم يظهر من عبارة الشّيخ في الإستبصار

(1)

- إلخ-.

يمكن منع الظّهور سيّما بملاحظة ما صرّح به في العدّة (2) في باب بناء العامّ على الخاصّ على ما يأتي حكايته عن المصنّف بأن يكون المراد من قوله (ره): «ينظر فان كان متى عمل بأحد الخبرين» هو خصوص الظّاهرين المتكافئين في الظّهور، و المراد من قوله «أمكن العمل بالآخر» الإشارة إلى التّفصيل الّذي حقّقناه و اخترناه في السّابق، في تأسيس الأصل في تعارض الظّاهرين؛ و ملخصه انّ قضيّة الأصل الأولى لزوم الجمع بينهما بتأويلهما إذ احتيج إليه، أو تأويل أحدهما على التّعيين إذا لم يحتج إلاّ إليه فيما كان لهما أو لأحدهما ما يتعيّن أن يصرف إليه كما إذا كان له مثلا أقرب المجازات و كان مناسبا للمقام، و الطّرح فيما إذا لم يكن كذلك بأن لا يكون في البين ما يعيّن ما إليه يؤل أحدهما أو كلاهما، أو كان و لم يكن مناسبا للمقام، و من أراد الاطّلاع على التّفصيل، فعليه المراجعة. فمراده (ره) من أحد الخبرين، الظّاهر الّذي ليس له ما يعيّن ما يؤل إليه، لا النّص و الأظهر، كما ان مراده من الآخر، ما كان له ذلك‏ (3).

و كيف يمكن ان يحمل كلامه على الأعمّ مع تصريحه بأنّ الرّجوع إلى التّخيير و التّرجيح إنّما هو في تعارض العامّين دون العام و الخاصّ؛ و مع الاعتراف بأنّه لم يجعلها من المتعارضين أصلا على ما يحكى عنه المصنّف، فيكون كلام الشّيخ (ره) مؤيّدا لما اخترناه في تأسيس الأصل، فافهم و استقم.

قوله (قده): نعم كلاهما دليل واحد على نفي الثّالث- إلخ-.

قد عرفت سابقا ممّا حققناه انّ الدّليل على نفيه ليس إلاّ أحدهما بلا عنوان، و الآخر كذلك ساقط عن درجة الدّليليّة و الاعتبار رأسا.

قوله (قده): فهو إنّما يحسن إذا كان ذلك الخبر بنفسه قرينة- إلخ-.

كما إذا كان نصّا أو أظهر، لكنّك عرفت سابقا أو أشرنا إليه آنفا، يحسن أيضا بحسب‏

____________

(1)- الاستبصار: 1- 4.

(2)- عدّة الأصول: 2- 4.

(3)- و في «ق»: ما كان له ما يعيّن المؤول إليه.

461

ما هو قضيّة الأصل الأوّلي إذا تعيّن ما يصرف إليه أحدهما و كان غير مناف لظهور الآخر، و لم يكن ما يصرف إليه الآخر كذلك، سواء لم يتعيّن أو كانت منافيا كظاهره لظاهر الآخر؛ هذا مع قطع النّظر عن أخبار (1) العلاج، و إلاّ فالظّاهر شمولها لهما مطلقا.

قوله (قده): حكم الظّاهرين المحتاجين- إلخ-.

أي إلى تأويل في كلّ منهما، فعبّر عن الاحتياج إلى تأويل كليهما بالاحتياج إلى شاهدين تنبيها على توقّف التّأويل فيما إذا لم يكن أحدهما بنفسه قرينة عليه على وجود شاهد عليه، فلا يجوز المبادرة إليه بدونه، لكنّك عرفت انّ التّعبّد بهما دليل على أصل التّأويل لو كان هناك دليل على تعيين ما يؤل إليه أحدهما أو كلاهما، و معه يجوز المبادرة إليه لو لا شمول أخبار العلاج لكلتا الصّورتين.

قوله (قده): و بالجملة انّ الخبر الظّنّي السّند إذا دار الأمر- إلخ-.

تقييده وجوب العمل على طبق التّأويل بالدّوران بين الأمرين يرفع التّدافع الّذي ربّما يتوهّم بينه و بين منعه عن الجمع بين الظّاهرين، فانّه لا يتحقّق الدّوران بين الأمرين إلاّ إذا كان كلّ منهما مثل الآخر في الإمكان، و المصنّف (ره) قد ادّعى امتناع الجمع عرفا بين الظّاهرين، فكيف يقع الدّوران بينه و بين التّأويل.

قوله (قده): في بعض أفراد العامّ و الخاصّ- إلخ-.

و هو ما إذا كان الخاصّ مقدّما على العامّ حيث يدور الأمر بين أن يكون العامّ ناسخا للخاصّ أو مخصّصا به. و ما إذا كان الخاصّ مؤخّرا على بعض الوجوه، و هو ما إذا ورد بعد زمان الحاجة إلى العامّ‏ (2)، إلاّ انّه يحتمل أن يكون مع العامّ قرينة يكشف عنها الخاصّ، إذ المخاطبون بالعامّ تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا، فيدور الأمر حينئذ بين أن يكون الخاصّ ناسخا أو مخصصا له و يأتي في كلامه الإشارة إلى وجه ما بيّناه، فلا تغفل.

____________

(1)- وسائل الشّيعة: 18- 75- ب 9.

(2)- و في «ق»: إلى العمل بالعامّ، ظ.

462

قوله (قده): من غير فرق بين أن يكون احتمال المنسوخيّة في العامّ أو في الخاصّ- إلخ-.

فان قلت ان مقتضى قوله «و كيف كان- إلخ-» ان لا يقع الدوران بين احتمال التخصيص و احتمال المنسوخيّة في العامّ، و ذلك لأنّه إن كان مؤخّرا عن الخاصّ، فلا يحتمل منسوخيّته، و هو معلوم و ان كان مقدّما عليه، فإن كان الخاصّ قبل حضور وقت العمل بالعامّ فكذلك لا يحتمل منسوخيته و إن كان بعده، فلا يحتمل غيرها.

قلت: الدّوران إنّما هو بملاحظة ما ذكره (قده) من قوله «و أمّا ارتكاب- إلخ-» و قوله «كيف كان- إلخ-» مع قطع النّظر منه فلا تدافع بينهما، فلا تغفل.

قوله «قدّه»: لأنّ الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان، و العام بيان- إلخ-.

لا يخفى انّ هذا إنّما يصحّ فيما إذا كان العامّ مقدّما على المطلق أو مقارنا، لا العامّ المتأخّر، إذ عدم البيان الّذي هو جزء المقتضى لظهور المطلق في الإطلاق إنّما هو عدم البيان في مقام البيان بعد ما كان المتكلّم بصدده، لا عدم البيان إلى الأبد، فالمطلق الوارد في مقام البيان من دون أن يكون هناك بيان، و ما يصلح له كالعامّ المقدّم أو المقارن تنجّز ظهوره في الإطلاق كالعام في العموم، بحيث لو ورد بعده ما يصلح للبيان لم يعتدّ به أصلا، بل يحكم بعدم كونه البيان بأصالة الإطلاق، فتدبّر.

قوله (قده): و امّا على القول بكونه مجازا، فالمعروف في وجه تقديم التّقييد- إلخ-.

قال في الحاشية: «وجه التّأمّل انّ الكلام في التّقييد بالمنفصل، و لا نسلّم كونه أغلب.

نعم دلالة ألفاظ العموم أقوى من دلالة المطلق و لو قلنا انّها بالوضع- انتهى-».

و فيه تأمّل فإنّ أقوائيّة الدّلالة لا بدّ لها من موجب غير الوضع، إمّا من ضعف دلالة الآخر بسبب غلبة استعماله في المعنى المجازي، أو ازدياد قوّتها المستندة إلى الوضع بكثرة استعماله فيما وضع له، بحيث حصل له من أجله مزيد اختصاص، فيوجب أقوائيّة دلالته بالنّسبة إلى لفظ لم يكثر استعماله بعد فيما له وضع هذه الكثرة، فلعلّ وجه الأقوائيّة أكثريّة استعمال العامّ في العموم من استعمال المطلق في الإطلاق و ان لم يكن التّقييد أكثر من التّخصيص، و فيه أيضا تأمّل.

463

قوله (قده): و لم نقل ذلك في العامّ المخصّص، فتأمّل- إلخ-.

لعلّه إشارة إلى انّه قد قيل فيه أيضا «ما من عامّ إلاّ و قد خصّ» و يحتمل أن يكون إشارة إلى دفعة بأنّ التّخصيص و إن بلغ من الكثرة ما بلغ، إلاّ انّه بالنّسبة إلى نوعه لا بالنّسبة إلى مرتبة خاصّة منه، كي يوجب كون العامّ فيه مجازا مشهورا مثل الصّيغة في الاستحباب.

و فيه انّ بلوغ كثرة التّخصيص هذا المبلغ و ان لم يوجب كون العامّ مجازا مشهورا في مرتبة من مراتبه، إلاّ انّه يوجب توهين دلالته على العموم أكثر من توهينه بكثرة استعمال الصّيغة في الاستحباب، و هو كاف في ترجيح التّخصيص، إلاّ أن يقال انّ استعمال الصّيغة في خصوص الاستحباب ليس بأقلّ من استعمال العامّ في الخصوص، و الإنصاف انّه جزاف.

قوله (قده): و منها تعارض ظهور الكلام في استمرار الحكم- إلخ-.

الأنسب إيراد ذلك عقيب الكلام في تعارض التّخصيص و النّسخ، كما لا يخفى.

قوله (قده): و فيه انّ الظّاهر- إلخ-.

يعنى: الخبر الشّريف مسوق لبيان «انّ دين محمّد (صلى اللَّه عليه و آله) لا ينسخ من قبل اللَّه تعالى إلى يوم القيامة كما نسخ دين ساير الأنبياء (عليهم السلام)» (1)

قوله (قده): لا بيان استمرار أحكامه الشّخصيّة- إلخ-.

ظاهره انّه لو كان مسوقا لهذا البيان اتّجه الاستدلال، و هو كذلك لأنّه يفيد عموم الاستمرار في كلّ حكم، بداهة انّ الحلال و الحرام كناية عن جميع الأحكام، فيقوى به ظهور الكلام في الاستمرار و لو فرض مساواته في نفسه مع غيره من الظّهورات.

قوله (قده): مع انّا لو فرضنا عامّا متقدّما- إلخ-.

قد عرفت انّ التّعارض و الدّوران بين النّسخ و التّخصيص في هذه الصّورة على بعض‏

____________

(1)- لم أعثر عليه بهذه العبارة، نعم هناك روايات تدل على ذلك مثل قوله: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ...» راجع أصول الكافي: 2- 18.

464

الوجوه، حسب ما تقدّمت إليه الإشارة، فلا تغفل.

قوله (قده): ثمّ إنّ التّعارض إنّما هو مع عدم ظهور الخاصّ- إلخ-.

يعنى انّ هذا النّحو من التّعارض و هو تعارض الظّهور في الاستمرار و الظّهور في العموم في كلام واحد الّذي مورده العام مع الخاصّ المتأخر، يختصّ بصورة عدم ظهور الخاصّ في ثبوت حكمه من ابتداء الشّريعة، و ذلك لأنّ احتمال النّسخ حينئذ غير معتنى به أصلا، لأنّه موقوف على احتمال عموم حكم العامّ لمورد الخاصّ و إلاّ لا يحتمل، بداهة أنّه عبارة عن الإعلام بانتهاء أمد الحكم، لا بيان عدم الحكم أصلا، فمعه يدور بين أن يكون العامّ شاملا لمورد الخاصّ إلى زمان صدوره، فينسخ به، أو لم يكن شاملا له أصلا فيخصّص به لا بدونه، و هو محكوم الارتفاع بظهور الخاصّ في عدم كون مورده محكوما بحكم العامّ من الابتداء، فلا يعتنى معه باحتمال عموم حكم العامّ له إلى زمان صدور الخاصّ، فيكون رفع اليد عن العموم به نسخا، فتدبّر.

قوله (قده): نعم لا يجري في مثل العامّ المتأخر عن الخاصّ- إلخ-.

أقول: يعنى هذا النّحو من التّعارض و هو تعارض الظّهور في الاستمرار، و الظّهور في العموم في كلام واحد لا يجري في العامّ المتأخر عن الخاصّ، بداهة انّ احتمال النّسخ حينئذ في الخاصّ لا العامّ، فيقع الدّوران بين الظّهورين في كلامين، لا في كلام واحد.

قوله (قده): فنقول توضيحا لذلك- إلخ-.

غرضه من التّعرض للكلام في بيان حال المتعارضات في المقام ليس لأجل اختلافها مع المتعارضين فيما ذكر لهما من الأحكام أو اختصاصها فيما ذكر بنقض أو إبرام، بل انّما هو لأجل أنّه قد يصعب فيها تشخيص كلّ من النّصّ و الظّاهر و الأظهر، فيتوهّم كلّ بالآخر كما وقع بعض الأعلام، فليس النّزاع في موارد الإشكال الآتية في الكبرى بل الصّغرى، فلا تغفل.

قوله (قده): وجب الرّجوع إلى المرجّحات- إلخ-.

لما مرّ من انّ العامّين من وجه بأنفسهما من الظّاهرين، و لا مساس للجمع بينهما من حيث الدّلالة ما لم يصر أحدهما أظهر من الآخر من الجهات الأخرى الّتي قد مرّت الإشارة