دروس في علم الأصول(خلاصة الحلقة الثانية) - ج1

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
178 /
53

مثال:

الربط بين سماع الزئير و تصور الأسد، و الذي حصل نتيجة التقارن الطبيعي المتكرر بين سماع الزئير و رؤية الأسد.

ب- الربط يحصل بالعناية التي يقوم بها الواضع:

حيث يربط بين اللفظ و تصور مخصوص في ذهن الناس، فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى.

ملاحظات:

أ- و على هذا فالاعتبار المذكور في النظرية الثانية: هو طريقة يستعملها الواضع في إيجاد الربط و القرن المخصوص بين اللفظ و صورة المعنى، فمسلك الاعتبار هو الصحيح لكن بهذا المعنى.

ب- الوضع سبب للدلالة التصورية فقط، و أما الدلالتان التصديقيتان فمنشؤهما الظهور الحالي و السياقي للكلام لا للوضع.

الوضع التَّعْيينِي و التَّعَيُّني:

أقسام الوضع من حيث سببه:

1- الوضع التعييني: نحصل عليه إذا نشأت العلاقة بين اللفظ

54

و المعنى من جعل خاص.

2- الوضع التعيني: نحصل عليه إذا نشأت العلاقة بين اللفظ و المعنى من كثرة الاستعمال بدرجة توجب الإلفة الكاملة بينهما.

إشكال من الشهيد:

إذا كان الوضع هو الاعتبار أو التعهد فلا يمكن أن ينشأ عن كثرة الاستعمال، بل كثرة الاستعمال تكشف عنهما لا أنها تولدهما.

إذن: الفرق بين الوضع التعييني و الوضع التعيني هو في نوعية الكاشف عن الوضع.

سؤال: هل هذا الإشكال يرد على نظرية القرن الأكيد؟

الجواب:

هذا الإشكال لا يرد على نظرية الشهيد من أن الوضع هو القرن الأكيد بين تصور اللفظ و تصور المعنى لأنه يحصل بكثرة الاستعمال حيث تؤدي إلى تكرر الاقتران بين التصورين إلى أن يبلغ القرن بينهما إلى درجة تجعل أحد التصورين صالحاً لتوليد التصور الآخر، فيتم بذلك الوضع التعيني.

توقف الوضع على تصور المعنى:

شرط الوضع:

يشترط في الوضع أن يتصور الواضع المعنى الذي يريد أن يضع اللفظ له، لأن الوضعَ حكمٌ على المعنى و اللفظ، و الحاكم يستحضر موضوع حكمه عند جعل الحكم.

55

تصور المعنى:

يكون عن طريقين:

أ- استحضار المعنى مباشرة.

ب- استحضار عنوان منطبق على المعنى و ملاحظته بما هو حاك عن ذلك المعنى.

حالات وضع اللفظ للمعنى:

الحالة الأولى: الوضع العام و الموضوع له العام:

و ذلك بأن يتصور الواضع معنى كلياً، كأسماء الأجناس مثل «الإنسان» و يضع اللفظ بإزائه، و هنا يتحقق شرط الوضع.

الحالة الثانية: الوضع الخاص و الموضوع له الخاص:

و ذلك بأن يتصور الواضع معنى جزئياً، كالأعلام الشخصية مثل «زيد» و يضع اللفظ بإزائه، و هنا يتحقق شرط الوضع.

الحالة الثالثة: الوضع العام و الموضوع له الخاص:

و ذلك بأن يتصور الواضع عنواناً مشيراً إلى الفرد و يضع اللفظ بإزاء الفرد الملحوظ من خلال العنوان، و قد وقع الخلاف في جعل الحروف مثالًا لها، و يبحث فيما بعد، و هنا يتحقق شرط الوضع.

الحالة الرابعة: الوضع الخاص و الموضوع له العام:

و ذلك بأن يتصور الواضع الفرد و يضع اللفظ لمعنى جامع.

56

و هنا لا يتحقق شرط الوضع لأن الفرد و الخاص ليس عنواناً منطبقاً على المعنى الجامع ليكون مشيراً إليه، فالمعنى الجامع ليس مستحضراً بنفسه و لا بعنوان مشير إليه و منطبق عليه.

توقف الوضع على تصور اللفظ:

أنواع الوضع:

1- الوضع الشخصي: و ذلك بأن يتصور الواضع نفس اللفظ مثال:

وضع أسماء الأجناس مثل «الإنسان».

. 2- الوضع النوعي: و ذلك بأن يتصور الواضع عنواناً مشيراً إلى اللفظ.

مثال:

وضع الهيئة المحفوظة في ضمن كل أسماء الفاعلين لمعنى هيئة اسم الفاعل.

المجاز:

1- اللفظ له صلاحية الدلالة على المعنى الحقيقي بسبب الاقتران الخاص بينهما، و على كل معنى مقترن بالمعنى الحقيقي اقتراناً خاصاً، كالمعاني المجازية المشابهة للمعنى الحقيقي.

2- في حالة عدم وجود القرينة ينسبق إلى الذهن من اللفظ

57

تصور المعنى الموضوع له و هو المعنى الحقيقي.

3- يدل اللفظ فعلًا على المعنى المجازي إذا اقترن بالقرينة.

4- سؤال: هل استعمال اللفظ في المعنى المجازي يحتاج إلى وضع خاص؟

الجواب:

إن صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي لا يحتاج إلى وضع خاص وراء وضعه للمعنى الحقيقي.

و لكن قد يُدَّعى أن وضع اللفظ المنضم إلى القرينة يكون للمعنى المجازي، و الوضع بدون القرينة يكون للمعنى الحقيقي.

رأي الشهيد:

الصحيح عدم الحاجة إلى وضع في المجاز لتصحيح الاستعمال لأن صحة الاستعمال قد تعني الأمرين التاليين:

أ- حسن الاستعمال: و واضح أن كل لفظ له صلاحية الدلالة على معنى يحسن استعماله فيه و قصد تفهيمه به.

ب- انتسابه إلى اللغة: و الاستعمال مبني على صلاحية ناشئة من أوضاع اللغة.

فائدة: ظهور الكلام في مرحلة المدلول التصوري يتعلق بالمعنى الموضوع له أي المعنى الحقيقي، فهو الذي ينسبق إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ دون المعنى المجازي.

58

علامات الحقيقة و المجاز:

ذكر المشهور عدّة علامات للمعنى الحقيقي:

العلامة الأولى: التبادر:

معنى التبادر:

انسباق المعنى إلى الذهن من اللفظ بدون قرينة.

أما المعنى المجازي فلا يتبادر من اللفظ إلّا بضم القرينة.

إشكال:

يلزم الدور من ذلك لأن: تبادر المعنى الحقيقي يتوقف على علم الشخص بالوضع، و علم الشخص بالوضع يتوقف على التبادر.

رد الإشكال:

الرد الأول: لا يوجد دور لأن:

التبادر يتوقف على العلم الارتكازي بالمعنى و هو العلم المترسخ في النفس الذي يلتئم مع الغفلة عنه فعلًا، و العلم الفعلي المتقوّم بالالتفات يتوقف على التبادر.

الرد الثاني: لا يوجد دور لأن:

التبادر عند العالم يتوقف على علم العالم بالوضع، و علم الجاهل بالوضع يتوقف على التبادر عند العالم.

59

بعبارة أخرى: التبادر عند العالم علامة عند الجاهل.

رأي الشهيد:

لا يوجد دور لأن:

التبادر يتوقف على الوضع (أي القرن الأكيد بين تصور اللفظ و تصور المعنى في ذهن الشخص)، و العلم بالوضع (أي العلم بالقرن الأكيد) يتوقف على التبادر.

مثال:

الطفل الرضيع تقترن عنده كلمة «ماما» برؤية أمه، و هذا الاقتران الأكيد يكفي ليتصور أمه عند ما يسمع كلمة «ماما»، و الطفل‏

ليس عالماً بالوضع لأنه لا يعرف معنى الوضع، و إشكال الدور أتى من العلم بالوضع.

العلامة الثانية: صحة الحمل:

1- إنْ صَحَّ الحمل الأولي الذاتي للفظ على معنى ثبت أنه المعنى الحقيقي.

2- إن صح الحمل الشائع ثبت كون المحمول عليه مصداقاً لعنوان، و العنوان هو المعنى الحقيقي.

إشكال الشهيد:

صحة الحمل علامة على أن المحمول عليه هو نفس المعنى‏

60

المراد

أو مصداق المعنى المراد، لكن صحة الحمل لا تبين أن هذا المعنى المراد هو المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي للفظ، و لتعيين ذلك لا بد أن يرجع الإنسان إلى مرتكزاته.

العلامة الثالثة: الاطِّراد:

هو أن يصح استعمال اللفظ في المعنى في جميع الحالات و بلحاظ أي فرد من أفراد المعنى، فيكون هو المعنى الحقيقي حيث لا اطراد في المعنى المجازي.

إشكال:

الاطراد ثابت في المعاني المجازية أيضاً لأن الاستعمال في معنى إذا صح مجازاً و لو في حال و بلحاظ فرد صح دائماً بلحاظ الأفراد مع الحفاظ على الخصوصيات التي صح الاستعمال بها.

تحويل المجاز إلى حقيقة:

و يكون في المجاز العقلي لا اللفظي.

توضيح ذلك:

أ- المجاز اللفظي: كاستعمال كلمة «الأسد» الموضوعة للحيوان المفترس في الرجل الشجاع.

ب- المجاز العقلي: كاستعمال كلمة «الأسد» في الحيوان المفترس و جعل الرجل الشجاع مصداقاً للحيوان المفترس بالاعتبار

61

و العناية، فيفترض غير المصداق مصداقاً بالاعتبار.

استعمال اللفظ و إرادة الخاص:

بطريقة تعدد الدال و المدلول.

توضيح ذلك:

إذا كان المعنى الموضوع له اللفظ ذا حصص و أريد به حصّة واحدة. فهذا له حالتان:

الحالة الأولى: أن يستعمل اللفظ في الخاص بما هو خاص، فهذا يكون مجازاً لأنه استعمال في غير ما وضع له.

مثال:

تستعمل لفظة «الماء» في «ماء الفرات» بما هو ماء خاص.

الحالة الثانية: أن يستعمل اللفظ في معناه المشترك بين الحصة الخاصّة و غيرها من الحصص، ثمّ تأتي بلفظ آخر يدل على الخصوصية، فلا يوجد تجوز لأن كلا من الكلمتين استعملت في معناها الموضوعة له، و يطلق على إرادة الخاص بهذا النحو طريقة تعدد الدال و المدلول.

معنى تعدد الدال و المدلول:

إفادة مجموعة من المعاني بمجموعة من الدوال، و بإزاء كل دال واحد من تلك المعاني.

62

مثال:

تستعمل لفظة «الماء» في معناه المشترك بين ماء الفرات و غيره، و تأتي بلفظ آخر يدل على خصوصية الفرات، فتقول: ائتني بماء الفرات‏، فالحصة الخاصة أفيدت بمجموع كلمتي «ماء» و «الفرات» لا بكلمة «ماء» فقط، و كل من الكلمتين استعملت في معناها الحقيقي، فلا يوجد مجاز هنا.

الاشتراك و الترادف:

معنى الاشتراك: هو وجود معنيين للفظ واحد.

معنى الترادف: هو وجود لفظين لمعنى واحد.

إشكال:

الاشتراك يؤدي إلى الإجمال و تردد السامع في المعنى المقصود، و هذا يعني فقد حكمة الوضع.

الجواب:

لا يوجد فقد لحكمة الوضع لأن الحكمة هي إيجاد ما يصلح للتفهيم في مقام الاستعمال و لو بضم القرينة.

ملاحظة:

يمكن الاشتراك و الترادف على غير مسلك التعهد في تفسير الوضع.

63

إشكال على مسلك التعهد:

1- امتناع الاشتراك:

إذا كان معنى التعهد هو: الالتزام بعدم الإتيان باللفظ إلّا إذا قصد تفهيم المعنى الذي يضع له اللفظ.

في هذه الحالة يمتنع الاشتراك المتضمن لتعهدين بالنسبة إلى لفظ واحد إذ يلزم أن يكون عند الإتيان باللفظ قاصداً لكلا

المعنيين وفاء بكلا التعهدين، و هو غير مقصود من المتعهد جزماً.

2- امتناع الترادف:

إذا كان معنى التعهد هو: الالتزام بالإتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى.

في هذه الحالة يمتنع الترادف المتضمن لتعهدين بالنسبة إلى معنى واحد إذ يلزم أن يأتي بكلا اللفظين عند قصد تفهيم المعنى، و هو غير مقصود من المتعهد جزماً.

حل الإشكال:

يكون عن طريقين:

1- افتراض وحدة المتعهَّد:

و ذلك: بأن يكون متعهداً بعدم الإتيان باللفظ إلّا إذا قصد تفهيم أحد المعنيين بخصوصه في الاشتراك، أو بأن يكون متعهداً عند قصد تفهيم المعنى بالإتيان بأحد اللفظين في الترادف.

64

2- افتراض تعدد المتعهَّد:

و ذلك بأن يفترض تعهدان مشروطان على نحو يكون المتعهَّد به في كل منهما مقيداً بعدم الآخر.

تصنيف اللغة:

تنقسم اللغة إلى قسمين:

1- الكلمة:

و تنقسم إلى قسمين:

أ- الكلمة البسيطة: هي الكلمة الموضوعة بمادة حروفها و تركيبها الخاص بوضع واحد للمعنى.

مثال:

أسماء الأجناس، أسماء الأعلام، الحروف.

ب- الكلمة المركبة: هي الكلمة التي يكون لهيئتها وضع، و لمادتها وضع آخر.

مثال:

الفعل.

2- الهيئة التركيبية:

هي الهيئة التي تحصل بانضمام كلمة إلى أخرى و تكون موضوعة لمعنى خاص.

65

أنواع النسبة:

الهيئات و الحروف لا تستقل معانيها بنفسها لأنها من سنخ النسب و الارتباطات، و النسبة على نوعين:

1- النسبة الناقصة:

مثال:

السير إلى مكة المكرمة واجب.

«إلى»: تدل على نسبة خاصة بين السير و مكة حيث إن نهاية السير هي مكة.

هيئة «مكة المكرمة»: تدل على نسبة وصفية، فالمكرمة وصف ل-- «مكة».

2- النسبة التامة:

مثال:

هيئة الجملة «السير إلى ... واجب»: تدل على نسبة خاصة بين السير و واجب، و هي أن الوجوب ثابت للسير.

مثال آخر:

هيئة الجملة الخبرية «زيدٌ عالمٌ».

هيئة الجملة الإنشائية «صُمْ».

66

أقسام المعاني:

1- المعنى الحرفي:

هو الذي لا يمكن أن يلحظ إلّا ضمن لحاظ طرفي النسبة لأنه نسبة، و كل نسبة متقومة بطرفيها.

و يشمل المعنى الحرفي: النسبة المدلولة للحروف، و لهيئات‏

الجملة الناقصة و التامة.

2- المعنى الاسمي:

هو كل ما يلحظ بصورة مستقلة:

و يشمل: ما سوى المعاني الحرفية من المدلولات.

رأي المحقق النائيني:

في التفرقة بين المعاني الاسمية و المعاني الحرفية.

1- المعاني الاسمية:

هي معان‏ إخطارية: أي أن الاسم يدل على معنى ثابت في ذهن المتكلم في المرتبة السابقة على الكلام، و دور الاسم هو التعبير عن ذلك المعنى.

2- المعاني الحرفية:

هي معان‏ إيجادية: أي أن الحروف أداة للربط بين مفردات الكلام، فمدلوله هو نفس الربط الواقع في مرحلة الكلام بين‏

67

مفرداته، و لا يعبر عن معنى أسبق رتبة من هذه المرحلة، فيكون الحرف موجداً لمعناه لأن معناه: الربط الكلامي.

رأي الشهيد:

هذا المعنى من الإيجادية واضح البطلان.

توضيح ذلك:

لأن الحرف و إن كان يوجد الربط في مرحلة الكلام، و لكنه يوجد ذلك بسبب دلالته على معنى أي النسبة و الربط في الصورة الذهنية، و نسبته إلى الربط في الصورة الذهنية كنسبة الاسم إلى المعاني الاسمية.

حل من الشهيد:

يمكن إعطاء معنى آخر ل-- «إيجادية المعاني الحرفية»، و هذا يأتي في الحلقة الثالثة.

المقارنة بين الحروف و الأسماء الموازية لها:

1- كل حرف له تعبير اسمي مواز له:

أمثلة:

إلى: يوازيها «انتهاء».

من: يوازيها «ابتداء».

في: توازيها «ظرفية».

68

سؤال: هل الحرف و الاسم الموازي له مترادفان؟

الجواب:

لا، ليسا مترادفين.

الدليل:

لا يمكن استبدال أحدهما في موضع الآخر كما هو شأن المترادفين.

سبب ذلك: لأن الحرف يدل على نسبة، و النسبة لا تنفصل عن طرفيها، بينما الاسم يدل على مفهوم اسمي و هو يدل على معنى مستقل، لذلك لا يمكن أن يكونا مترادفين.

2- هيئات الجمل لها أسماء موازية أيضاً:

مثال:

زيدٌ عالمٌ: يوازيه «إخبار بعلم زيد»

سؤال: هل هيئة الجملة و الاسم الموازي لها مترادفان؟

الجواب:

لا، ليسا مترادفين.

سبب ذلك: لأن قولك «زيدٌ عالمٌ» جملة تامة يصح السكوت عليها، بينما التعبير الاسمي الموازي جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها.

69

تنوع المدلول التصديقي:

1- الدلالة التصورية: الألفاظ لها دلالة تصورية تنشأ من الوضع.

2- الدلالة التصديقية: تنشأ من سياق الكلام.

أ- الدلالة التصديقية الأولى: هي قصد المتكلم إخطار صورة المعنى في ذهن السامع، و تشترك فيها الكلمات و الجمل الناقصة و التامة.

ب- الدلالة التصديقية الثانية: هي المراد الجدي، و تختص بها الجملة التامة، و لكن المراد الجدي يختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى.

أمثلة:

- الجملة الخبرية: «زيد عالم»، مدلولها الجدي هو: قصد الإخبار و الحكاية عن النسبة التامة التي تدل عليها هيئتها.

- الجملة الاستفهامية: «هل زيد عالم؟»، مدلولها الجدي هو: طلب الفهم و الاطلاع على وقوع تلك النسبة التامة.

- الجملة الطلبية: «صَلِّ»، مدلولها الجدي هو: طلب إيقاع النسبة التامة التي تدل عليها الهيئة، و هنا طلب وقوع الصلاة من المخاطب.

رأي السيد الخوئي:

إنّ الوضع عبارة عن التعهُّد.

70

و يتفرع على ذلك: أن الدلالة اللفظية الناشئة من الوضع دلالة تصديقية لا تصورية بحتة.

و على هذا الأساس اختار: أن كل جملة تامة موضوعة بالتعهد

لنفس مدلولها التصديقي الجدّي مباشرة.

رأي الشهيد:

و قد رد الشهيد (رحمه الله) على مسلك التعهد سابقاً.

المقارنة بين الجمل التامة و الناقصة:

المعنى الموضوع له للجملة التامة يختلف عن المعنى الموضوع له للجملة الناقصة لأن التامة يصح السكوت عليها دون الناقصة.

تفسير هذا الاختلاف:

1- على مسلك السيد الخوئي:

المعنى الموضوع له هو المدلول التصديقي مباشرة بناء على أن الوضع هو التعهد.

أ- الجملة التامة: موضوعة لقصد الحكاية و الإخبار عن ثبوت المحمول للموضوع.

مثال:

المفيدُ عالمٌ‏

ب- الجملة الناقصة الوصفية: موضوعة

71

الاول اى لقصد إخطار صورة الحصة الخاصة.

مثال:

المفيدُ العالمُ‏

2- على مسلك الشهيد: المعنى الموضوع له هو المدلول التصوري لا التصديقي، و المدلول التصوري للحروف و الهيئات هو النسبة.

أ- هيئة الجملة الناقصة: موضوعة لنسبة اندماجية لأن المفهومين يتحولان إلى مفهوم واحد، و الجملة تصير في قوة كلمة واحدة.

ب- هيئة الجملة التامة: موضوعة لنسبة غير اندماجية.

ملاحظة: راجع الحلقة الأولى.

الدلالات الخاصّة و المشتركة:

أقسام دلالات الدليل الشرعي اللفظي:

1- دلالات خاصة: و هي ترتبط ببعض المسائل الفقهية.

مثال:

دلالة كلمة الصعيد أو الكعب.

2- دلالات عامة: و هي تصلح أن تكون عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط في مختلف أبواب الفقه، و هذا القسم يدخل في‏

72

البحث الأصولي.

مثال:

دلالة الأمر على الوجوب.

73

الدلالات العامة للدليل الشرعي اللفظي‏

الأمر و النهي‏

أولا: الأمر:

طرق استعمال الأمر:

1- بمادة الأمر.

2- بصيغة الأمر.

مادة الأمر:

مثال: آمُرُكَ بالصلاة.

ملاحظة:

تدل مادة الأمر بالوضع على الطلب، لكنها ليست مرادفة للفظ الطلب لأن لفظ الطلب ينطبق بمفهومه على نوعين:

أ- الطلب التكويني:

مثال: طلب العطشان للماء.

ب- الطلب التشريعي: سواء صدر من العالي أم من غيره.

74

النتيجة:

الأمر لا يصدق إلّا على الطلب التشريعي من العالي سواء كان متظاهراً بعلوه أم لا.

مادة الأمر في اللغة:

الأمر في اللغة له عدة معاني، منها:

أ- الطلب.

ب- الشي‏ء.

ج-- الحادثة.

د- الغرض.

إذن:

مادة الأمر مشترك لفظي، و تعيين الطلب بحاجة إلى قرينة.

سؤال: هل مادة الأمر تدل على الطلب بنحو الوجوب أو الاستحباب الجواب:

الاستدلال على أنها تدل على الوجوب:

؟ الدليل الأول: قوله تعالى‏: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (1).

تقريب الاستدلال: لو كان الأمر يشمل الطلب الاستحبابي لما

____________

(1) النور/ 63.

75

وقع على إطلاقه موضوعاً للحذر من العقاب.

الدليل الثاني: قوله ((صلى الله عليه و آله)): «لو لا أن أشقَّ على أُمَّتى لأمرتهم بالسواك».

تقريب الاستدلال: لو كان الأمر يشمل الاستحباب لما كان الأمر مستلزماً للمشقة.

الدليل الثالث: التبادر: المفهوم عرفاً من كلام المولى حين استعمال كلمة الأمر أنه في مقام الإيجاب و الإلزام، و التبادر علامة الحقيقة.

صيغة الأمر:

مثال: صَلِّ.

معاني صيغة الأمر:

1- الطلب.

2- التمني.

3- الترجي.

4- التهديد.

5- التعجيز. و غير ذلك.

رأي الشهيد:

يوجد هنا خلط بين المدلول التصوري لصيغة الأمر و المدلول التصديقي الجدي باعتبارها جملة تامة.

76

توضيح ذلك:

1- المدلول التصوري لصيغة الأمر:

أ- الصيغة لها مدلول تصوري من سنخ المعنى الحرفي لأنها هيئة.

ب- الصيغة نسبة طلبية أو إرسالية توازي‏ مفهوم الطلب أو الإرسال، كما توازي النسبة التي تدل عليها «إلى» مفهوم «الانتهاء».

إذن: العلاقة علاقة موازاة لا ترادف.

المقصود من النسبة الطلبية أو الإرسالية:

هي الربط المخصوص الذي يحصل بالطلب أو بالإرسال بين المطلوب و المطلوب منه، أو بين المُرْسَل و المُرْسَل إليه، و هذا هو المدلول التصوري للصيغة الثابت بالوضع.

2- المدلول التصديقي الجدي لصيغة الأمر:

أ- على مسلك الشهيد:

للصيغة- باعتبارها جملة تامة- مدلول تصديقي جدّي‏

بحكم السياق لا الوضع، لذلك تتعدد الدواعي من الطلب أو الترجي أو التعجيز مع انحفاظ المدلول التصوري الوضعي للجميع.

ب- على مسلك التعهد:

الدلالة الوضعية هي الدلالة التصديقية في الجملة التامة،

77

لذلك تتعدد المعاني بسبب اختلاف المدلول الجدي.

سؤال: ما هو المدلول التصديقي الجدي من صيغة الأمر؟

الجواب:

الحالة الأولى: المدلول التصوري هو النسبة الطلبية:

المدلول التصديقي الجدي هو الطلب دون سائر الدواعي لأن الطلب مصداق حقيقي للمدلول التصوري، و ظاهر كل كلام أن مدلوله التصديقي يتطابق مع المدلول التصوري.

الحالة الثانية: المدلول التصوري هو النسبة الإرسالية:

المدلول التصديقي الجدي هو الطلب أيضاً لأن المصداق الحقيقي لهذه النسبة ينشأ من الطلب فقط.

استعمال صيغة الأمر في الإخبار (الأمر الإرشادي):

قد يكون المدلول الجدي لصيغة الأمر هو قصد الإخبار عن‏

حكم شرعي آخر غير طلب المادة أو إنشاء ذلك الحكم و جعله، و تسمى الصيغة «الأمر الإرشادي» لأنها إرشاد إلى الحكم.

مثال: اغْسِلْ ثوبَك من البول.

المراد الجدي من «اغْسِلْ» ليس طلب الغسل، و إنّما بيان حكمين وضعيين هما:

أ- أن الثوب يتنجس بالبول.

78

ب- و أنه يطهر بالغسل.

سؤال: هل صيغة الأمر تدل على الوجوب أو الاستحباب الجواب:

؟ كما تدل مادة الأمر على الطلب الوجوبي، كذلك صيغة الأمر تدل على النسبة الإرسالية الحاصلة من إرادة لزومية، و هذا هو الصحيح بحسب الفهم العرفي العام.

استعمال غير فعل الأمر في إفادة الطلب:

هذه الأفعال على نوعين:

أ- تستعمل بلا عناية:

بإدخال لام الأمر عليه، و يدل على الوجوب بنحو دلالة صيغة الأمر عليه.

مثال: لِيُعِدْ وَ لِيَغْتَسِلْ.

ب- تستعمل بعناية:

بدون إدخال لام الأمر عليه، فهي جملة خبرية بطبيعتها، و في دلالتها على الطلب تحتاج إلى عناية و قرينة، و يوجد خلاف في الدلالة على الوجوب.

مثال: يُعيدُ و يَغْتَسِلُ.

دلالات أخرى للأمر:

وقع البحث عن ثبوتها و عدمه، و هي:

79

1- دلالته على نفي الحرمة:

و ذلك إذا ورد عقيب التحريم.

رأي الشهيد:

أ- على مستوى المدلول التصوري:

لا تتغير دلالتها، فصيغة الأمر تدل على النسبة الطلبية.

ب- على مستوى المدلول التصديقي:

يصبح مجملًا و مردداً بين الطلب الجدي و نفي التحريم.

2- دلالته على الأداء و القضاء:

الأمر بالفعل الموقت بوقت محدد على وجهين:

الوجه الأول: أن يكون أمراً واحداً بهذا الفعل المقيد، فإذا انتهى وقته فإن إيجاب القضاء يحتاج إلى أمر جديد.

الوجه الثاني: أن يكون أمرين مجتمعين في بيان واحد، هما:

أ- أمر بذات الفعل على الإطلاق.

ب- أمر بإيقاعه في الوقت الخاص.

فإن فات المكلف امتثال الأمر الثاني بقي عليه الأمر الأول، فلا يحتاج إيجاب القضاء إلى أمر جديد.

رأي الشهيد:

ظاهر دليل الأمر بالموقت هو وحدة الأمر، فيحتاج إثبات‏

80

تعدده على الوجه الثاني إلى قرينة خاصة.

3- دلالة الأمر بالأمر بشي‏ء على الأمر بذلك الشي‏ء مباشرة:

إذا أمر الآمر زيداً بأن يأمر خالداً بشي‏ء، يوجد هنا وجهان:

الوجه الأول: إذا استفيد الأمر المباشر لخالد من ذلك:

فلو اطلع خالد على ذلك قبل أن يأمره زيد لوجب عليه ذلك الشي‏ء.

الوجه الثاني: إذا لم يستفد الأمر المباشر لخالد من ذلك:

فلو اطلع خالد على ذلك قبل أن يأمره زيد فهو لا يكون ملزماً بشي‏ء.

مثال: أمر الشارع لولي الصبي بأن يأمر الصبي بالصلاة:

على الوجه الأول:

يكون أمر الشارع أمراً للصبي و لو على نحو الاستحباب.

على الوجه الثاني:

لا يكون أمر الشارع أمراً للصبي، فلا يكون الصبي ملزماً بشي‏ء.

ثانيا: النهي:

1- مادة النهي:

نفس كلمة النهي، و تدل على الزجر بمفهومه الاسمي‏

81

مثال: أنهاكم عن الكذب.

. 2- صيغة النهي:

تدل على الزجر و الإمساك بنحو المعنى الحرفي، أي النسبة الزجرية و الإمساكية.

مثال: لا تكذب.

سؤال: ما هو مفاد النهي؟

الجواب:

اختلف الأصوليون في مفاد النهي على وجهين:

الوجه الأول: النهي هو طلب الترك: و الترك أمر عدمي.

الوجه الثاني: النهي هو طلب الكف عن الفعل: و الكف أمر وجودي.

إشكال على الوجه الأول:

الترك استمرار للعدم الأزلي الخارج عن القدرة، فلا يمكن تعلق الطلب به.

رد الإشكال:

بقاء الترك مقدور، فيعقل التكليف به.

إشكال على الوجه الثاني:

من حصل منه الترك بدون كف لا يعتبر عاصياً للنهي عرفاً

82

رأي الشهيد:

. كلا الوجهين باطل لأن النهي ليس طلباً لا للترك و لا للكف، بل هو «زجر» بنحو المعنى الاسمي- كما في مادة النهي- أو بنحو المعنى الحرفي- كما في صيغة النهي- فيكون متعلقه الفعل لا الترك.

سؤال: هل النهي- مادة و صيغة- يدل على الحرمة أو الكراهة؟

الجواب: النهي يدل على الحرمة.

الدليل: التبادر و الفهم العرفي العام.

83

الاحتراز في القيود

أنواع القيد:

إذا ورد خطاب فيه حكم و قيد، فيكون القيد واحدا من خمسة أمور:

1- متعلق الحكم:

مثال: الإكرام في «أَكْرِمِ الفقيرَ».

2- موضوع الحكم:

مثال: الفقير في «أَكْرِمِ الفقير».

3- شرط الحكم:

مثال: زوال الشمس في الجملة الشرطية: «إذا زالت الشمس فصَلِّ».

4- غاية الحكم:

مثال: الليل في «صُمْ إلى الليلِ».

84

5- وصف موضوع الحكم:

مثال: العادل في «أَكْرِمِ الفقير العادل».

المدلول التصوري:

هو الذي يراد إخطاره في ذهن السامع.

المدلول التصديقي الثاني:

هو المراد الجدي و هو الحكم الشرعي الذي أُبْرِزَ و كُشِفَ عنه بالخطاب.

قاعدة احترازية القيود:

كل قيد يؤخذ في المدلول التصوري للكلام، فالأصل بحكم الظهور العرفي السياقي أن يكون قيداً في المراد الجدي أيضاً، أي في الحكم الشرعي الخاص الذي كشف عنه الكلام.

بعبارة أخرى: كل ما يقوله يريده حقيقة.

انتفاء الحكم الشخصي بانتفاء القيد:

قاعدة احترازية القيود تثبت أن شخص الحكم لا يشمل من انتفى عنه القيد، و لكن لا تنفي وجود حكم آخر يشمله.

مثال: أكرم الإنسان الفقير.

الفقير قيد في موضوع وجوب الإكرام، فإذا انتفى الفقر في‏

85

الإنسان فلا يشمله الحكم.

و لكن هذا لا يعني أن إكرامه ليس واجباً باعتبار آخر، فقد يكون هناك وجوب ثان مثل: أكرم الإنسان العالِم.

86

الإطلاق‏

التقييد:

هو لحاظ خصوصية زائدة في الطبيعة، و هو أمر وجودي.

الإطلاق:

هو عدم لحاظ الخصوصية الزائدة في الطبيعة، و هو أمر عدمي.

سؤال: على ما ذا تدل كلمة إنسان مثلًا بالوضع؟

الجواب:

وقع الخلاف على وجهين:

الوجه الأول: هي موضوعة للطبيعة المحفوظة في الإطلاق و التقييد معاً، بمعنى أنهما ليسا دخيلين في المعنى الموضوع له.

الوجه الثاني: هي موضوعة للطبيعة المطلقة، فتدل الكلمة بالوضع على الإطلاق دون التقييد.

87

نتائج الخلاف:

يترتب على هذا الخلاف أمران:

1- تعدد الدال و المدلول:

إن استعمال اللفظ و إرادة المقيَّد على طريقة الدال و المدلول:

على الوجه الأول: يكون استعمالًا حقيقياً.

على الوجه الثاني: يكون استعمالًا مجازياً.

2- عند الشك في أن الحكم ثابت لمدلول الكلمة على الإطلاق أو لحصة مقيدة منه:

على الوجه الأول: المتكلم لم يذكر في كلامه الإطلاق و لا التقييد فلا يمكن أن نثبت الإطلاق بقاعدة احترازية القيود، بل لا بد من طريقة أخرى.

على الوجه الثاني: يمكن أن نستدل بالدلالة الوضعية للفظ على الإطلاق، فنطبق قاعدة احترازية القيود، فيثبت أن المراد الجدي مطلق.

رأي الشهيد:

الصحيح هو الوجه الأول.

الدليل: الوجدان العرفي شاهد بأن استعمال الكلمة في المقيد على طريقة تعدد الدال و المدلول استعمال حقيقي لا مجازي.

88

قرينة الحكمة:

ذُكِرَ أنه على الوجه الأول لا بد من طريقة أخرى لإثبات الإطلاق الذي ليس مأخوذاً في مدلول اللفظ وضعاً، فلا يمكن تطبيق قاعدة احترازية القيود، و هذه الطريقة الأخرى هي قرينة الحكمة.

الظهور العرفي لقرينة الحكمة:

تعتمد قرينة الحكمة على ظهور عرفي سياقي غير الظهور الحالي السياقي الذي تعتمد عليه قاعدة احترازية القيود.

فقرينة الحكمة تبتني على ظهور حال المتكلم في أن كل ما يكون قيداً في مراده الجدي يقوله في الكلام لأنه في مقام بيان تمام مراده الجدي بخطابه.

إشكال:

اللفظ يدل بالوضع على الطبيعة المحفوظة ضمن المقيد و المطلق معاً فلا دال على أحدهما، و هذا يعني أنه لم يبين تمام مراده بخطابه فلا مُعَيّنَ لافتراض الإطلاق في مقابل التقييد مع أن أحدهما ثابت في المراد الجدي جزماً لأن موضوع الحكم في المراد الجدي إما مطلق أو مقيد.

جواب الإشكال:

الظهور الحالي السياقي يعني أن كلامه واف بالدلالة على تمام ما وقع تحت لحاظه من المعاني، لا أن كل ما لم يلحظه لا بد أن يأتي‏

89

بما يدل على عدم لحاظه.

فلو أراد المقيَّد لبيّنه لأن المقيد يتميز بلحاظ زائد، و إذا أراد المطلق فلا يحتاج إلى بيانه لأنه لا يقع تحت اللحاظ حتّى يبينه.

الفارق العملي بين إثبات الإطلاق بقرينة الحكمة و إثباته بقاعدة احترازية القيود:

نستطيع أن نثبت الإطلاق بقرينة الحكمة و نستغني بذلك عن إثباته بالدلالة الوضعية عن طريق أخذه قيداً في المعنى الموضوع له اللفظ ثم تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه.

الفارق العملي هو:

إذا اكتنف الكلام ملابسات معينة بحيث تفقده الظهور السياقي الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة فلا يمكن إثبات الإطلاق بقرينة الحكمة لبطلان ظهور حال المتكلم أنه في مقام بيان تمام مراده الجدي.

و لكن يمكن إثبات الإطلاق بالدلالة الوضعية و تطبيق قاعدة احترازية القيود لأن الظهور ثابت بالوضع.

أنواع الإطلاق الثابت بقرينة الحكمة:

1- الإطلاق الشمولي و البدلي:

أ- الإطلاق الشمولي:

عند ما يستوعب الحكم تمام أفراد الطبيعة.

90

مثال: إطلاق الكذب في «لا تكذب».

ب- الإطلاق البدلي:

عند ما يُكتَفَى في امتثال الحكم إيجاد أحد الأفراد مثال: إطلاق الصلاة في «صَلِّ».

. 2- الإطلاق الأفرادي و الأحوالي:

أ- الإطلاق الأفرادي:

أن يكون للمعنى أفراد، فيثبت بقرينة الحكمة أنه لم يُرَدْ بعض الأفراد دون بعض.

ب- الإطلاق الأحوالي:

أن يكون للمعنى أحوال، فيثبت بقرينة الحكمة أنه لم يُرَدْ حال دون حال.

مثال: في أسماء الأعلام مثل «زيد» الذي له أحوال متعددة من قيام و جلوس و غيرهما.

الإطلاق في المعاني الحرفية:

أنواع المعاني في المصطلح الأصولي:

1- معان اسمية:

مثال: العالم في «أَكْرِمِ العالِم».

91

2- معان حرفية:

مثال: مدلول صيغة الأمر في «أَكْرِم العالِم».

سؤال: هل تجري قرينة الحكمة على المعاني الاسمية؟

الجواب:

نعم، قرينة الحكمة تجري على المعاني الاسمية لإثبات اطلاقها.

سؤال: هل تجري قرينة الحكمة على المعاني الحرفية؟

الجواب:

وقع النزاع في ذلك.

مثال:

إذا شككنا في أن الحكم بالوجوب هل هو مطلق و ثابت في كل الأحوال أو في بعض الأحوال، فهل يمكن أن نطبق قرينة الحكمة على مفاد «أَكْرِمْ»، و هو الوجوب على نحو النسبة الطلبية و الإرسالية لإثبات أنه مطلق أو لا؟ سيأتي البحث في الحلقة الثالثة.

رأي الشهيد:

الصحيح أنه يمكن تطبيق مقدمات الحكمة لإثبات الإطلاق‏

في المعاني الحرفية.

92

التقابل بين الإطلاق و التقييد:

مقاما التقابل بين الإطلاق و التقييد:

1- مقام الثبوت (عالم اللحاظ):

التقييد: هو لحاظ القيد.

الإطلاق: هو عدم لحاظ القيد.

2- مقام الإثبات (عالم الدلالة):

التقييد: هو الإتيان في الدليل بما يدل على القيد.

الإطلاق: هو عدم الإتيان في الدليل بما يدل على القيد مع ظهور حال المتكلم أنه في مقام بيان تمام مراده بخطابه.

ملاحظات:

أ- التقييد الإثباتي يدل على التقييد الثبوتي، و الإطلاق الإثباتي يدل على الإطلاق الثبوتي.

ب- التقييد و الإطلاق متقابلان ثبوتاً و إثباتاً.

أقسام التقابل:

1- التناقض: هو التقابل بين وجود و عدم.

مثال: وجود البصر و عدم البصر.

2- التضاد: هو التقابل بين أمرين وجوديين.

مثال: الاستقامة و الانحناء.

93

3- الملكة و عدمها: هو التقابل بين وجود صفة في موضع معيّن و عدمها في ذلك الموضع مع كون الموضع قابلًا لوجودها فيه.

مثال: البصر و العمى في الإنسان.

سؤال: من أي الأقسام يكون التقابل بين الإطلاق و التقييد الجواب:

1- في مقام الثبوت:

؟ من الواضح أنه ليس تضاداً لأن الإطلاق الثبوتي ليس أمراً وجودياً لأنه عدم لحاظ القيد.

أقوال الأعلام:

القول الأول: تقابل النقيضين:

التقييد بمثابة البصر، و الإطلاق بمثابة عدم البصر.

القول الثاني: تقابل الملكة و عدمها:

التقييد بمثابة البصر.

الإطلاق بمثابة العمى.

2- في مقام الإثبات:

تقابلهما تقابل الملكة و عدمها بمعنى: أن الإطلاق‏

الإثباتي الكاشف عن الإطلاق الثبوتي هو عدم ذكر القيد في حالة يتيسر فيها ذكر القيد و إلّا لم يكن سكوته عن التقييد كاشفاً عن الإطلاق الثبوتي.

94

الحالات المختلفة لاسم الجنس:

ذُكِرَ سابقاً أن اسم الجنس لا يدل على الإطلاق بالوضع، بل بالظهور الحالي و قرينة الحكمة.

حالات اسم الجنس:

1- أن يكون مُعَرَّفاً باللام.

2- أن يكون مُنَكَّراً.

3- أن يكون خالياً من التعريف و التنكير.

الحالة الأولى: أن يكون مُعَرَّفاً باللام:

مثال: البيع في «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏».

1- اسم الجنس هنا يُطَعَّم بشي‏ء من التعريف.

2- الحيثية التي طُعِّم بها مدلول اسم الجنس فأصبح معرفة هي‏ حيثية التعيين، فاللام تُعَيِّن مدلول مدخولها و تطبقه على صورة مألوفة، و هذه الصورة المألوفة على أربع حالات:

أ- العهد الحضوري: حيث تكون الصورة المألوفة حاضرة فعلًا.

ب- العهد الذِّكْري: حيث تكون الصورة المألوفة مذكورة سابقاً.

ج-- العهد الذهني: حيث يوجد استئناس ذهني خاص بالصورة المألوفة.

95

د- لام الجنس: حيث يوجد استئناس ذهني عام بالصورة المألوفة، فإنه يوجد في الذهن لكل جنس انطباعات معينة تشكل لوناً من الاستئناس الذهني العام بمفهوم ذلك الجنس.

مثال:

إذا قيل: «نار»: دلت الكلمة على ذات المفهوم.

و إذا قيل‏ «النار»: و أريد باللام لام الجنس أفاد ذلك تطبيق هذا المفهوم على حصيلة تلك الانطباعات، و بذلك يصبح معرفة، فهو محدّد على مستوى الذهن و إن كان خارجاً غير محدّد.

3- اسم الجنس في حالة كونه معرفة يصلح للإطلاق الشمولي بقرينة الحكمة.

مثال:

إذا قلت: «أَكْرِمِ العالم»: جرت قرينة الحكمة لإثبات الإطلاق الشمولي في كلمة «العالِم».

الحالة الثانية: أن يكون اسم الجنس مُنَكَّراً:

مثال:

كلمة «رجل» في: «جاء رجلٌ» أو «جئني برجل».

1- معنى ذلك أنه يكون مُنَوَّناً بتنوين التنكير.

2- اسم الجنس هنا يُطَعَّم بشي‏ء من التنكير.

96

3- الحيثية التي طُعِّم بها مدلول اسم الجنس فأصبح نكرة هي‏ حيثية الوحدة، فالنكرة موضوعة للطبيعة المأخوذة بقيد الوحدة.

4- اسم الجنس في حالة كونه نكرة يصلح للإطلاق البدلي لأنه مقيد بقيد الوحدة.

الحالة الثالثة: أن يكون اسم الجنس خالياً من التعريف و التنكير:

1- و ذلك في حالتين:

أ- حينما يكون منوناً ب-- «تنوين التمكين».

ب- حينما يكون‏ «مضافاً».

2- اسم الجنس يكون بوضعه الطبيعي و بدون تطعيم لمعناه في هذه الحالة.

3- اسم الجنس في حالة كونه خالياً من التعريف و التنكير يصلح للإطلاق الشمولي.

الانصراف:

قد يتكون- نتيجة لملابسات- أنس ذهني خاص بحصة معينة

من حصص المعنى الموضوع له اللفظ، و هذا الأنس يكون على نحوين:

النحو الأول: كثرة الوجود:

1- و ذلك بأن يكون الأنس نتيجة لغلبة وجود تلك الحصة

97

في حياة الناس على سائر الحصص.

2- لا يتأثر إطلاق اللفظ لأنه أنس ذهني بالحصة مباشرة دون أن يؤثر في مناسبة اللفظ لها أو يزيد في علاقته بتلك الحصة الخاصة.

النحو الثاني: كثرة الاستعمال:

1- و ذلك بأن يكون الأنس نتيجة لكثرة استعمال اللفظ و إرادة الحصة الخاصة على طريقة تعدد الدال و المدلول.

2- حالات كثرة الاستعمال:

أ- كثرة الاستعمال قد تبلغ إلى درجة توجب نقل اللفظ من وضعه الأول إلى الوضع للحصة الخاصة.

ب- كثرة الاستعمال قد تحقق وضعاً تعينياً للفظ لتلك الحصة الخاصة بدون نقل.

ج-- كثرة الاستعمال قد تشكل درجة من العلاقة و القرن بين اللفظ و الحصة الخاصة بحيث تصلح أن تكون قرينة خاصة على‏

إرادتها.

3- لا يمكن إثبات الإطلاق بقرينة الحكمة لأنها تتوقف على أن لا يكون في الكلام ما يدل على القيد، و تلك العلاقة و الأنس الخاص يصلح للدلالة على القيد.

98

الإطلاق المقامي:

أنواع الإطلاق:

1- الإطلاق اللفظي:

أ- هو الذي اسْتُعْرِض سابقاً، و يثبت بقرينة الحكمة و الظهور الحالي السياقي.

ب- معنى الإطلاق اللفظي: هو حالة وجود صورة ذهنية للمتكلم، و صدور الكلام منه في مقام التعبير عن تلك الصورة، فإذا شككنا أن هذه الصورة تشتمل على قيد غير مذكور في الكلام كان مقتضى الظهور الحالي السياقي أن المتكلم يبين تمام مراده بالخطاب مع عدم ذكره للقيد.

ج-- سبب تسميته باللفظي: لأنه يرتبط بمدلول اللفظ.

د- بعبارة أخرى: يراد بالإطلاق اللفظي نفي شي‏ء لو كان ثابتاً لكان قيداً في الصورة الذهنية التي يتحدث عنها اللفظ.

2- الإطلاق المقامي:

أ- يراد بالإطلاق المقامي: نفي شي‏ء لو كان ثابتاً لكان صورة ذهنية مستقلة و عنصراً آخر.

مثال:

إذا قال المتكلم: الفاتحة جزء في الصلاة، و الركوع جزء،

99

و السجود جزء، .... و أردنا أن نثبت بعدم ذكره لجزئية السورة أنها ليست جزءاً كان هذا إطلاقاً مقامياً.

ب- شرط الإطلاق المقامي: أن يُحْرَز أن المتكلم في مقام بيان تمام أجزاء المركب.

المثال السابق:

مجرد استعراضه لعدد من أجزاء الصلاة لا يكفي لإحراز ذلك، بل لا بد من وجود قرينة خاصة على أنه في هذا المقام.

الفرق بين الإطلاق اللفظي و الإطلاق المقامي:

1- في الإطلاق اللفظي:

يوجد ظهور سياقي عام يتكفل إثبات أن كل متكلم يسوق لفظاً للتعبير عن صورة ذهنية، فلا تزيد الصورة الذهنية عن مدلول اللفظ.

2- في الإطلاق المقامي:

لا يوجد ظهور مماثل في أن كل من يستعرض عدداً من‏

أجزاء المركب فهو يريد الاستيعاب.

بعض تطبيقات قرينة الحكمة:

1- يدل الأمر على الطلب على نحو الوجوب عن طريق الوضع.

2- قال البعض: بل عن طريق الإطلاق و قرينة الحكمة لا الوضع.

100

الدليل:

لأن الطلب غير الوجوبي طلب ناقص محدود، و هذا التحديد تقييد في هوية الطلب، و مع عدم نصب قرينة على التقييد يثبت بالإطلاق إرادة الطلب المطلق الذي لا حد له و هو الوجوب.

3- أقسام الطلب:

أ- الطلب النفسي و الغيري:

الطلب النفسي: طلب الشي‏ء لنفسه.

الطلب الغيري: طلب الشي‏ء لأجل غيره.

ب- الطلب التعييني و التخييري:

الطلب التعييني: طلب شي‏ء معين.

الطلب التخييري: طلب أحد الأشياء على سبيل التخيير.

ج-- الطلب العيني و الكفائي:

الطلب العيني: طلب الشي‏ء من المكلف بعينه‏

الطلب الكفائي: طلب الشي‏ء من أحد المكلفين على سبيل البدل.

4- يمكن أن نثبت بالإطلاق و قرينة الحكمة كون الطلب:

نفسيّاً تعيينيّاً عينيّاً.

توضيح ذلك:

أ- الغيرية: تقتضي تقييد وجوب الشي‏ء بما إذا وجب ذلك‏

101

الغير.

ب- التخييرية: تقتضي تقييد وجوب الشي‏ء بما إذا لم يؤت بالآخر.

ج-- الكفائية: تقتضي تقييد وجوب الشي‏ء بما إذا لم يأت الآخر بالفعل.

و كل هذه التقييدات تنتفي مع عدم القرينة عليها بقرينة الحكمة، فيثبت المعنى المقابل لها.

102

العموم‏

تعريف العموم:

هو استيعاب الحكم لأفراده بالوضع.

طرق الاستيعاب:

أ- بالإطلاق و قرينة الحكمة:

يثبت الاستيعاب دون أن يكون مدلولًا للفظ، حيث يستوعب الحكم الوارد على المطلق أفراده.

مثال: إذا قيل: «أَكْرِم العالِم».

اقتضى اسم الجنس استيعاب وجوب الإكرام لأفراد العالم لا عن طريق اللفظ بل لأن الكلام يدل على نفي القيد، و من لوازم ذلك انحلال الحكم في مرحلة التطبيق على جميع أفراد العالِم.

ب- بالوضع:

يثبت الاستيعاب بأن يكون مدلولًا للفظ، و هو العموم.

مثال: كلُّ رجل.