دروس في علم الأصول(خلاصة الحلقة الثانية) - ج1

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
178 /
103

كلّ: تدل بنفسها على الاستيعاب.

ملاحظة:

أسماء العدد مثل «عشرة» رغم استيعابها لوحداتها ليست عموماً، لأن هذا الاستيعاب صفة واقعية لأن المركب يستوعب أجزاءه، و ليس مدلولًا عليه بنفس لفظ العشرة.

أدوات العموم و نحو دلالتها:

توجد أدوات تدل على العموم بالوضع، مثل «كل» و «جميع» و نحوهما من الألفاظ الخاصة بإفادة الاستيعاب.

سؤال: هل إسراء الحكم إلى تمام أفراد مدخول الأداة: يتوقف على إجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في المدخول، أو أن دخول أداة العموم على الكلمة يغنيها عن مقدمات الحكمة، و تتولى الأداة بنفسها دور تلك القرينة؟

الجواب:

ذكر صاحب الكفاية ((رحمه الله)) أن كلا الوجهين ممكن من الناحية النظرية:

الوجه الأول:

إذا كانت أداة العموم موضوعة لاستيعاب‏ ما يراد من المدخول، فالمدخول لا يعرف حينئذ من ناحية الأداة بل بقرينة الحكمة.

104

الوجه الثاني:

إذا كانت أداة العموم موضوعة لاستيعاب‏ تمام ما يصلح المدخول للانطباق عليه، فالمدخول مفاده الطبيعة، و هي صالحة للانطباق على تمام الأفراد، فيتم تطبيقها بتوسط الأداة مباشرة.

رأي الشهيد:

الصحيح هو الوجه الثاني، و هو رأي صاحب الكفاية أيضاً.

الدليل:

أ- استظهار الوجه الثاني.

ب- لزوم اللغوية في الوجه الأول:

بعد إثبات الإطلاق بقرينة الحكمة قبل دخول الأداة يكون دور الأداة لغواً، و لا يمكن افتراض كونها تأكيداً.

دلالة الجمع المعرَّف باللام:

1- ممَّا ادُّعِيَتْ دلالته على العموم الجمع المعرَّف باللام.

2- الجمع الخالي من اللام، و المفرد المعرَّف باللام لا يدلان على العموم، و إنما يجري فيهما الإطلاق و قرينة الحكمة.

3- الكلام في الجمع المعرف باللام يقع في مرحلتين أو مقامين:

أ- مقام الثبوت:

الصحيح أن يقال: إن الجمع المعرف باللام يشتمل على‏

105

ثلاثة دوال:

الدال الأول: المادة: تدل على المعنى الذي يراد استيعاب أفراده.

الدال الثاني: هيئة الجمع: و تدل على الجمع.

الدال الثالث: اللام: و تدل على استيعاب الجمع لتمام أفراد مدلول المادة.

ب- مقام الإثبات:

يوجد هنا ادعاءان:

الادعاء الأول:

اللام الداخلة على الجمع موضوعة للعموم.

الادعاء الثاني:

اللام الداخلة على الجمع موضوعة لتعيين مدخولها، و يكون العموم من لوازم المدلول الوضعي.

و هنا تتعين المرتبة الأخيرة من الجمع لأنها المرتبة الوحيدة التي لا تَرَدُّدَ في انطباقها و حدود شمولها حيث لا يوجد معيِّن للأفراد الملحوظين في الجمع من عهد و نحوه.

إشكال على الادعاء الأول:

لازم الادعاء الأول:

أ- كون الاستعمال في موارد العهد مجازياً لأنه لا يوجد

106

عموم في العهد.

ب- أو أن دلالة اللام مشترك لفظي بين العهد و العموم، و هو بعيد.

إشكال على الادعاء الثاني:

أورده صاحب الكفاية ((رحمه الله)) فقال: إن التعيين كما هو محفوظ في المرتبة الأخيرة من الجمع، كذلك هو محفوظ في المراتب الأخرى.

رد الشهيد على الإشكال:

يريد صاحب الكفاية من التعيين المحفوظ في كل المراتب تعيّن العدد و ماهية المرتبة و عدد وحداتها.

بينما المقصود بالتعيّن الذي تتميز به المرتبة الأخيرة من الجمع تعيُّن ما هو داخل من الأفراد في نطاق الجمع المعرَّف، و هذا النحو من التعيّن لا يوجد إلّا للمرتبة الأخيرة.

107

المفاهيم‏

تعريف المفهوم:

هو انتفاء طبيعي الحكم المنطوق على أن يكون هذا الانتفاء مدلولًا التزامياً لربط الحكم في المنطوق بقيده.

توضيح التعريف:

1- الجملة لها مدلول مطابقي هو المنطوق، و أحياناً تكون للجملة مدلول التزامي.

2- المفهوم: هو مدلول التزامي، و لكن بشروط معينة هي:

أ- أن يعبر المدلول الالتزامي عن انتفاء الحكم في المنطوق إذا اختلت بعض القيود المأخوذة في المدلول المطابقي.

مثال: جملة «صلاة الجمعة واجبة».

تدل بالدلالة الالتزامية على أن: صلاة الظهر ليست واجبة، و لكن لا نسمي المدلول الالتزامي هنا مفهوماً لأنه لا يعبر عن انتفاء نفس وجوب صلاة الجمعة أي انتفاء حكم المنطوق.

108

ب- ليس كل انتفاء للحكم المنطوق يسمى مفهوماً، بل إذا تضمن انتفاء طبيعي الحكم المنطوق.

مثال: إذا قيل: إذا جاءك زيد فأكرمه.

و الإكرام له عدة أسباب، فالكلام هنا يكون له مفهوم إذا دل الربط فيه بين الشرط و الجزاء على أنه في حالات انتفاء الشرط ينتفي طبيعي وجوب الإكرام بكل أفراده و أسبابه لا أنه ينتفي فرد واحد فقط و يجب الإكرام بالأسباب الأخرى.

تطبيق قاعدة احترازية القيود:

لنفرض أن وجوب الإكرام كان لسبب من الأسباب، و هذا الفرد من الوجوب ينتفي بانتفاء الشرط تطبيقاً لقاعدة احترازية القيود، و لكن هذه القاعدة لا تنفي سائر أفراد الوجوب.

فهذا لا يسمى مفهوماً لأنه ليس انتفاءً لطبيعي الحكم بانتفاء القيد.

ضابط المفهوم:

سؤال: ما هو نوع الربط الذي يستلزم انتفاء الحكم عند انتفاء القيد في المفهوم؟

الجواب:

الربط الذي يحقق المفهوم يتوقف على ركنين أساسيين‏

109

الركن الأول: أن يكون الربط مُعَبِّراً عن حالة لزوم عِلِّىٍّ انحصاري:

: أي يكون من ارتباط المعلول بعلّته المنحصرة إذ لو كان الربط مجرد اتفاق أو بدون علية أو بدون انحصار بسبب توفر علة أخرى لما انتفى مدلول الجزاء بانتفاء الشرط لإمكان وجوده بعلة أخرى.

الركن الثاني: أن يكون المرتبط بتلك العلة طبيعي الحكم لا شخصه:

و ذلك لكي ينتفي طبيعي الحكم بانتفاء العلة، و المفهوم لا يتحقق إلّا إذا كان الربط مستلزماً لانتفاء طبيعي الحكم المنطوق بانتفاء القيد.

إشكال الشهيد على الركن الأول:

1- لإثبات المفهوم ليس ضرورياً أن يكون المرتبط به الحكم علة تامة، بل يكفي أن يكون جزء لعلة منحصرة، فالمهم من ناحية المفهوم الانحصار لا العلية.

2- ليس ضرورياً أن يكون الشرط علة أو جزء علة، بل يكفي الالتصاق و التوقف حتى لو لم يوجد ما يدل على اللزوم.

النتيجة:

دلالة الجملة على اللزوم العِلِّي الانحصاري ليست هي الأسلوب الوحيد لدلالتها على المفهوم، بل يكفي دلالتها على‏

الالتصاق و التوقف و لو صدفة.

110

مثال: إذا قلت: إذا جاء عمرو جاء زيدٌ.

فإن مجي‏ء زيد متوقف صدفة على مجي‏ء عمرو، و هو يدل على عدم مجي‏ء زيد عند عدم مجي‏ء عمرو.

مفهوم الشرط:

الجملة الشرطية تدل على ربط الجزاء بالشرط.

سؤال: ما هو الدال على هذا الربط؟

الجواب:

يوجد رأيان:

1- الرأي المعروف:

أداة الشرط هي الدالة على الربط وضعاً.

2- رأي المحقق الأصفهاني:

الأداة موضوعة لإفادة أن الشرط قد افترض و قُدِّر على نهج الموضوع في القضية الحقيقية، و الربط مستفاد من هيئة الجملة و ما فيها من ترتيب للجزاء على الشرط.

سؤال: هل يوجد مفهوم للجملة الشرطية؟

الجواب:

نأتي إلى الضابط و نسأل سؤالين:

1- هل المعلَّق طبيعي الحكم أو شخصه؟

إنّ المعلَّق هو طبيعي الحكم، و نثبت ذلك بإجراء

111

الإطلاق و قرينة الحكمة في مفاد هيئة جملة الجزاء.

مثال: إذا جاء زيد فأَكْرِمْهُ‏

نثبت بالإطلاق أن مفاد «أَكْرِمْ» طبيعي الوجوب المفاد بنحو المعنى الحرفي و النسبة الإرسالية.

2- هل يستفاد من الجملة الشرطية أن الشرط علة منحصرة للمعلَّق؟

يوجد رأيان:

الرأي الأول:

قد يقال إن أداة الشرط موضوعة لغةً للربط العِلِّىِّ الانحصاري بين الشرط و الجزاء.

إشكال على الرأي الأول:

لو كانت موضوعة على هذا النحو لزم أن يكون استعمالها في مورد كون الشرط علة غير منحصرة مجازاً، و هو خلاف الوجدان.

الرأي الثاني:

اتجه القائلون بالمفهوم إلى دعوى أخرى هي:

أ- اللزوم مدلول وضعي للأداة.

ب- العلية مستفادة من تفريع الجزاء على الشرط بالفاء

الثابتة حقيقة أو تقديراً.

112

ج-- الانحصار يثبت بالإطلاق: فلو كان للشرط بديل لأتينا بحرف العطف «أو».

مثال: إن جاء زيد أو مرض فأكرمه.

فحيث لم يذكر ذلك و ألقي الشرط مطلقاً ثبت بذلك عدم وجود البديل، و هو معنى الانحصار.

الشرط المسوق لتحقيق الموضوع:

1- في الجملة الشرطية: إن جاء زيدٌ فأَكْرِمْهُ.

يوجد:

حكم: هو وجوب الإكرام.

و شرط: هو المجي‏ء.

و موضوع: هو زيد.

و الموضوع ثابت في حالتي وجود الشرط و عدمه، و في هذه الحالة يوجد مفهوم للجملة الشرطية.

2- إذا كان الشرط يساوق وجود الموضوع و يساق لتحقيق الموضوع فلا يكون الموضوع محفوظاً في حالتي وجود الشرط و عدمه.

في هذه الحالة لا يوجد مفهوم لأنه مع عدم الشرط لا يوجد

موضوع لكي ينفى الحكم عنه، فيقال إن الشرط هو: الشرط

113

المسوق لتحقق الموضوع.

مثال: إذا رُزِقْتَ ولداً فاخْتِنْهُ.

مفهوم الوصف:

إذا قيد متعلق الحكم بوصف مثل: «أكرم العادل»، أو موضوعه بوصف مثل: «أكرم الفقير العادل» فيسأل:

هل يدل التقييد بوصف العادل على المفهوم؟

الجواب:

قد يقال بثبوت المفهوم لأحد الوجهين التاليين:

الوجه الأول:

لو كان يجب إكرام العادل و غير العادل معاً فيلزم منه أن العدالة ليس لها دخل في موضوع الحكم بالوجوب مع أن أخذ قيد في الخطاب ظاهر عرفاً في أنه دخيل في الحكم على أساس قاعدة احترازية القيود.

رد الشهيد:

ما نريده من المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم، و هنا ينتفي شخص الحكم إذا انتفى الوصف.

الوجه الثاني:

لو كان يجب إكرام العادل و غير العادل و لو بفردين من‏

114

الوجوب و بجعلين لكان ذكر قيد العدالة لغواً، و لصيانة كلام المولى عن اللغوية لا بدّ أن يفترض لذكر القيد فائدة و هي التنبيه على عدم شمول الحكم للفقير غير العادل، فيثبت المفهوم.

رد الشهيد:

الوصف له مفهوم محدود، و يدل على انتفاء الحكم بانتفاء الوصف على نحو السالبة الجزئية لا الكلية.

ملاحظات:

1- قد يذكر الوصف مع موصوفه: فيجري هنا الوجه الأول و الثاني لإثبات المفهوم.

مثال:

احترم العالِم الفقيه.

2- قد يذكر الوصف مستقلًا: فيجري هنا الوجه الأول دون الثاني لأن ذكر الوصف لا يكون لغواً ما دام الموصوف غير مذكور.

مثال:

احترم الفقيه.

جمل الغاية و الاستثناء:

1- مثال الغاية:

صم إلى الليل.

115

مثال الاستثناء:

أكرم العلماء إلّا الفساق.

2- الغاية و الاستثناء يدلان على أن شخص الحكم منفي بعد وقوع الغاية و منفي عن المستثنى تطبيقاً لقاعدة احترازية القيود.

3- سؤال: هل لجمل الغاية و الاستثناء مفهوم؟

الجواب:

ليس لهما مفهوم لأن طبيعي الحكم لا ينتفي عن جميع الحالات التي تشملها الغاية أو المستثنى.

نعم، يثبت لهما مفهوم محدود بقدر ما ثبت للوصف بقرينة اللغوية إذ لو كان طبيعي الحكم ثابتاً بعد الغاية أو للمستثنى و لو بجعل آخر كان ذكر الغاية أو الاستثناء بلا مبرر عرفي، فلا بد من افتراض انتفاء الطبيعي في بعض حالات وقوع الغاية و بعض حالات المستثنى و لو بنحو السالبة الجزئية صيانة للكلام عن اللغوية.

116

التطابق بين الدلالات‏

دلالات الكلام:

1- الدلالة التصورية: تنشأ من الوضع.

2- الدلالة التصديقية الأولى: تنشأ من ظاهر حال المتكلم.

3- الدلالة التصديقية الثانية: تنشأ من ظاهر حال المتكلم أيضاً.

1- الدلالة التصورية:

الظاهر من كل لفظ في هذه المرحلة هو المعنى الموضوع له اللفظ، أي المعنى الحقيقي.

2- الدلالة التصديقية الأولى:

المتكلم يقصد باللفظ تفهيم نفس المعنى الظاهر من الدلالة التصورية لا معنى آخر.

مثال: إذا قال شخص: أسد.

كان ظاهر حاله أنه يقصد إخطار المعنى الحقيقي و هو

117

الحيوان المفترس، لا المجازي و هو الرجل الشجاع.

سبب ذلك: ظهور حال المتكلم في التطابق بين الدلالة التصديقية الأولى و الدلالة التصورية.

ملاحظة: هذا الظهور حجة، و يطلق على حجيته اسم: «أصالة الحقيقة».

3- الدلالة التصديقية الثانية:

الظاهر من الكلام في هذه المرحلة أن المراد الجدي متطابق مع ما قصد إخطاره في الذهن في مرحلة الدلالة التصديقية الأولى.

مثال: لو قال المتكلم: أكرم كل جيراني‏

فظاهر حاله أن مراده الجدي هو العموم.

ملاحظة: هذا الظهور حجة، و يطلق على حجيته اسم: «أصالة العموم».

مثال: لو قال المتكلم: أكرم فلاناً.

فإن ظهور التطابق بين الدلالتين التصديقيتين يقتضي دلالة الكلام على أن ما أخطره في ذهننا يريده جدّاً، و أن الجهة التي دعته إلى الكلام هي كون مدلوله مراداً جدياً له لا التقية.

ملاحظة: هذا الظهور حجة، و يطلق على حجيته اسم: «أصالة الجهة».

118

ملاحظات:

1- في حالة القرينة المتصلة:

أ- الدلالة التصورية:

ظهور اللفظ تصوراً في المعنى الحقيقي لا يتزعزع حتى مع قيام القرينة المتصلة.

ب- الدلالة التصديقية الأولى و الثانية:

ظهور الكلام تصديقاً في إرادة المتكلم للمعنى الحقيقي استعمالًا و جدّاً يزول بقيام القرينة المتصلة، و يتحول من المعنى الحقيقي إلى المجازي.

2- في حالة القرينة المنفصلة:

القرينة المنفصلة لا تزعزع شيئاً من هذه الظواهر، و إنما تشكل تعارضاً بين ظهور الكلام الأول و بينها، فتقدم القرينة المنفصلة عليه وفقاً لقواعد الجمع العرفي.

119

مناسبات الحكم و الموضوع‏

يوجد لها قسمان:

القسم الأول: التخصيص:

قد يذكر الحكم في الدليل مرتبطاً بلفظ له مدلول عام، و لكن العرف يفهم ثبوت الحكم لحصة خاصة.

مثال:

إذا قيل: اغسل ثوبك إذا أصابه البول.

إن الغسل لغة يطلق على استعمال أي مائع، و لكن العرف يفهم أن المطهِّر هو حصة خاصة و هو الغسل بالماء.

القسم الثاني: التعميم:

قد يذكر الحكم في الدليل مرتبطاً بحالة خاصة، و لكن العرف يفهم أن هذه الحالة مجرد مثال لعنوان عام، و أن الحكم مرتبط بذلك العنوان العام.

120

مثال:

إذا قيل: إذا وقع في قربة نجس فلا تتوضأْ منه و لا تشربْ.

فإن العرف يرى أن الحكم ثابت لماء الكوز أيضاً، و أن القربة مجرد مثال.

ملاحظة:

هذه التخصيصات و التعميمات تقوم في الغالب على أساس ما يسمى: «مناسبات الحكم و الموضوع» حيث إن الحكم له مناسبات و مناطات مرتكزة في الذهن العرفي، فينسبق الذهن إلى التخصيص أو التعميم عند سماع الدليل.

و هذه الانسباقات ظهور، و كل ظهور حجة وفقاً لقاعدة حجية الظهور.

121

إثبات الملاك بالدليل‏

توجد هنا حالتان:

الحالة الأولى: دليل على حكم يدل بالمدلول الالتزامي على وجود ملاك للحكم:

إن كل حكم له ملاك.

مثال: الوجوب ملاكه المصلحة الأكيدة في الفعل.

مداليل الدليل:

إن الدليل على أي حكم له مدلولان:

1- المدلول المطابقي: و هو الحكم.

2- المدلول الالتزامي: و هو وجود الملاك.

سؤال: لو فرضنا أن الحكم تعذر إثباته بذلك الدليل كما في صورة العجز، فالحكم بوجوب الفعل على العاجز غير صحيح، و هذا يعني أن المدلول المطابقي للدليل ساقط، فهل يمكن إثبات وجود الملاك بالدليل لكي نثبت الأثر المترتب على الملاك كوجوب‏

122

القضاء مثلًا؟

الجواب:

يعتمد الجواب على المبنى الذي يتخذ في ترابط الدلالة الالتزامية مع الدلالة المطابقية في الحجية:

المبنى الأول: استقلال كل من الدلالتين في الحجية:

يمكن إثبات الملاك بالدلالة الالتزامية للدليل لأن سقوط الدلالة المطابقية لا يؤثر على حجية الدلالة الالتزامية.

المبنى الثاني: تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية:

لا يمكن إثبات الملاك بالدلالة الالتزامية للدليل لأنه إذا تعذر إثبات نفس الحكم بالدليل فلا يبقى في الدليل ما يثبت وجود الملاك.

رأي الشهيد:

الصحيح هو المبنى الثاني.

الحالة الثانية: دليل على حكم يدل بالمدلول الالتزامي على حكم آخر:

سؤال: إذا سقط المدلول المطابقي فهل يبقى المدلول الالتزامي؟

الجواب:

على حسب المبنيين السابقين، فالمسألة مبنائية كما تقدم في الحالة الأولى.

123

مثال:

دليل الوجوب يدل بالالتزام على الحكم بالجواز و عدم الحرمة، فإذا نسخ الوجوب جرى البحث في مدى إمكان بقاء الجواز و عدم الحرمة بنفس دليل الوجوب المنسوخ.

124

2- الدليل الشرعي غير اللفظي‏

التعريف:

هو الموقف الذي يتخذه المعصوم و تكون له دلالة على الحكم الشرعي.

و يتمثل الموقف في:

1- الفعل.

2- التقرير و السكوت عن تصرف معين.

دلالة الفعل:

1- الفعل قد يقترن بمقال أو بظهور حال يقتضي كونه تعليمياً:

فيكتسب مدلوله من ذلك.

2- الفعل قد يتجرد من قرينة كالسابق:

أ- إذا احتملنا أنه من مختصات المعصوم:

فلا نستكشف منه حكماً شرعياً.

ب- إذا لم نحتمل اختصاص المعصوم بالحكم:

125

الفعل: يدل على عدم الحرمة بحكم عصمته.

الترك: يدل على عدم الوجوب بحكم عصمته‏ سؤال: هل يدل الفعل على الاستحباب؟

الجواب:

الفعل يدل على الاستحباب في حالتين:

. الحالة الأولى:

إذا كان عبادة لأن عدم حرمتها يساوق استحبابها.

الحالة الثانية:

إذا أحرزنا عدم وجود حافز غير شرعي، فيتعين كون الحافز شرعياً، فيتعين الاستحباب، و يساعد على هذا الإحراز:

أ- تكرار صدور العمل من المعصوم.

ب- مواظبة المعصوم على العمل مع كونه من الأعمال التي لا يقتضي الطبع تكرارها.

سؤال: هل يدل الفعل على عدم الكراهية؟

الجواب:

للإجابة على هذا السؤال يسأل سؤال آخر: هل يجوز للمعصوم ترك المستحب و فعل المكروه؟

على تقدير عدم جواز ترك المستحب على المعصوم:

أ- الترك: يستفاد منه عدم استحباب المتروك.

126

ب- الفعل: يستفاد منه عدم الكراهية، و عدم كون المتروك مستحباً.

قاعدة هامة: وحدة الظروف:

هذه الدلالات إنما تحقق إثبات الحكم عند افتراض وحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي.

إن الفعل دال صامت و ليس له إطلاق، و الفعل لا يعين الظروف التي لها دخل في إثبات الحكم للمعصوم.

توجد قاعدة: ما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبت الحكم.

اعتراض عام:

إن نفس النبوة و الإمامة ظرف يميز المعصوم دائماً عن غيره، فلا يمكن أن نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم.

رد الاعتراض:

إن احتمال دخل ظرف العصمة في الحكم المكتشف ملغًى بقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).

فالنبي ((صلى الله عليه و آله و سلم)) و الإمام ((عليه السلام)) قدوة، و فرض ذلك يقتضي إلغاء

دخل النبوة و الإمامة في سلوكهما لكي يكونا قدوة لغيرهما.

____________

(1) الأحزاب: 21.

127

فالقاعدة هي: ما لم يثبت بدليل أن الفعل المعين من مختصات النبي و الإمام فيبنى على عدم الاختصاص.

دلالة السكوت و التقرير:

إذا واجه المعصوم سلوكاً معيناً يكون أمامه أحد طريقين:

1- يبدي موقف الشرع منه: فيوجد دليل شرعي لفظي.

2- أو يسكت: و السكوت دليل على الإمضاء.

و دلالته على الإمضاء تكون على أحد أساسين:

أ- الأساس العقلي.

ب- الأساس الاستظهاري.

أولًا: الأساس العقلي:

و يكون بلحاظين:

اللحاظ الأول: المعصوم مكلف:

فإذا لم يكن السلوك مرضياً عنده لكان أمامه طريقان:

1- وجوب النهي عن المنكر.

2- وجوب تعليم الجاهل.

إن عدمَ نهيه و سُكُوتَهُ مع عصمته يكشف عقلًا عن كون السلوك مرضياً.

شرط اللحاظ الأول:

لا بد من توفر شروط وجوب النهي عن المنكر.

128

اللحاظ الثاني: المعصوم شارع و هادف:

السلوك الذي يواجهه المعصوم لو كان يفوِّت عليه غرضه بما هو شارع لتعين الوقوف في وجهه و لما صح السكوت لأنه نقض للغرض، و نقض الغرض من العاقل الملتفت مستحيل.

شرط اللحاظ الثاني:

أن يكون السلوك المسكوت عنه مما يهدِّد بتفويت غرض شرعي فعلي، و ذلك:

1- بأن يكون مرتبطاً بالمجال الشرعي مباشرة:

كالسلوك القائم على العمل بأخبار الآحاد الثقات في الشرعيات.

2- أو يكون ناشئاً من نكتة تقتضي بطبعها الامتداد إلى المجال الشرعي على نحو يتعرض الغرض الشرعي للخطر و التفويت:

كما لو كان العمل بأخبار الآحاد قائماً في المجالات العرفية، و لكن بنكتة تقتضي بطبعها تطبيق ذلك على الشرعيات.

ثانياً: الأساس الاستظهاري:

إن المعصوم مسئول عن تبليغ الشريعة و تقويم الزيغ، لذلك فظاهر حال المعصوم عند سكوته عن سلوك يواجهه يدل على‏

129

رضاه عن ذلك السلوك، و تكون الدلالة استظهارية أي من ظاهر حاله.

السيرة:

إن السكوت يدل على الإمضاء في حالة مواجهة المعصوم لسلوك معين.

أنواع المواجهة:

1- مواجهة سلوك فرد خاص:

مثال:

شخص يمسح في وضوئه منكوساً، فيسكت المعصوم.

2- مواجهة سلوك اجتماعي (السيرة العقلائية):

العقلاء- بما هم عقلاء- يسلكون سلوكاً معيناً في عصر المعصوم، فبحكم تواجده بينهم يكون سكوته دليلًا على الإمضاء.

النتيجة:

يمكن الاستدلال بالسيرة العقلائية عن طريق استكشاف الإمضاء من سكوت المعصوم.

سؤال: هل الإمضاء المستكشف بالسكوت ينصب على نفس السلوك أو على النكتة المركوزة عقلائياً؟

130

رأي الشهيد:

الإمضاء ينصب على النكتة، و هذا يعني:

أ- المُمْضَى ليس هو العمل الصامت لكي لا يدل على أكثر من الجواز، بل هو النكتة أي المفهوم العقلائي المرتكز عنه، فقد يثبت به حكم تكليفي أو حكم وضعي.

ب- الإمضاء لا يختص بالعمل المباشر في عصر المعصوم إذا كانت النكتة أوسع من حدود السلوك الفعلي، بل الظاهر من حال المعصوم إمضاؤها كبروياً و على امتدادها.

النتيجة:

ما يمكن الاستدلال به على إثبات حكم شرعي هو السيرة المعاصرة للمعصومين دون السيرة المتأخرة.

إشكال:

قد يقال إن السيرة المتأخرة معاصرة أيضاً للمعصوم و إن كان غائباً، فيدل سكوته عنها على إمضائه.

الجواب:

سكوت المعصوم في غيبته لا يدل على إمضائه سواء على الأساس العقلي أم الاستظهاري.

1- الأساس العقلي:

لا يدل لأنه في حال الغيبة غير مكلف بالنهي عن المنكر

131

و تعليم الجاهل، و ليس الغرض بدرجة تستوجب الحفاظ عليه بغير الطريق الطبيعي الذي سَبَّبَ الناسُ إلى سدِّه بالتسبيب إلى غيبته.

2- الأساس الاستظهاري:

لا يدل لأن الاستظهار مناطه حال المعصوم، و الغيبة لا تساعد على استظهار الإمضاء من السكوت.

إذن:

كشف السيرة العقلائية عن إمضاء الشارع بملاك دلالة السكوت عنها على الإمضاء.

رأي المحقق الأصفهاني:

إن الكشف عن الإمضاء يكون بملاك أن الشارع سيد العقلاء، فما يصدق عليهم يصدق عليه.

رد الشهيد:

لا يكون بهذا الملاك لأن كونه سيد العقلاء يوجب احتمال‏

تميزه عنهم في بعض المواقف و تخطئته لهم في غير ما يرجع إلى المدركات الفطرية السليمة.

132

إثبات صغرى الدليل الشرعي‏

1- وسائل الإثبات الوجداني.

2- وسائل الإثبات التعبدي.

تمهيد

تعريف الدليل الشرعي:

هو شي‏ء يصدر من الشارع و له دلالة على حكم شرعي.

إثبات صغرى الدليل الشرعي:

أي إثبات كون الدليل صادراً من الشارع، و يكون على نحوين:

1- الإثبات الوجداني: و ذلك بإحراز الصدور وجداناً.

2- الإثبات التعبدي: و ذلك بأن يتعبدنا الشارع بالصدور.

مثال: يقول الشارع: اعملوا بما يرويه الثقات.

و هذا هو معنى جعل الحجية.

133

ظ

1- وسائل الإثبات الوجداني‏

التعريف:

هي الطرق التي توجب العلم بصدور الدليل من الشارع.

طرق الإثبات الوجداني:

1- الخبر المتواتر:

هو الإخبار الحسي المتعدد بدرجة توجب اليقين.

2- الإجماع:

هو الإخبار الحدسي المتعدد بدرجة توجب اليقين.

3- سيرة المتشرعة:

هي آثار محسوسة تكشف على سبيل الإنّ عن الدليل الشرعي.

الخبر المتواتر:

1- كل خبر حسي يحتمل الموافقة و المخالفة للواقع.

2- احتمال المخالفة يقوم على أحد أساسين:

أ- احتمال الخطأ في المُخْبِر.

ب- احتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة تدعوه إلى إخفاء الحقيقة.

134

3- إذا تعددت الأخبار عن محور واحد تضاءل احتمال المخالفة للواقع: لأن احتمال الخطأ أو تعمد الكذب في مُخْبِريْن عن واقعة واحدة أقل درجة من احتماله في كل مخبِر بصورة مستقلة.

قاعدة: درجة الاحتمال/ قيمة احتمال الكذب في الأول* قيمة احتمال الكذب في الثاني.

ملاحظة: كلما ضربنا قيمة احتمال بقيمة احتمال آخر إذا كانتا كسرين تضاءل الاحتمال.

4- تزداد ضآلة الاحتمال كلما ازداد عدد المخبرين حتى يزول عملياً بل واقعياً لضآلته و عدم إمكان احتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدّاً.

5- معنى التواتر: هو العدد من الإخبارات التي يزول معها الاحتمال عملياً أو واقعياً.

6- سؤال: بما ذا يتأثر التواتر؟

الجواب:

توجد عدة عوامل دخيلة في تكوين الاحتمال منها:

أ- كمية المخبرين.

ب- نوعية المخبرين: أي مدى وثاقتهم و نباهتهم و ....

135

ملاحظات:

أ- لا توجد درجة معينة للعدد الذي يحصل به التواتر.

ب- الإحراز في الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات.

7- أنواع التواتر:

أ- التواتر اللفظي: هو ما يكون المحور المشترك لكل الإخبارات فيه لفظاً محدّداً.

ب- التواتر المعنوي: هو ما يكون المحور المشترك لكل الإخبارات فيه قضية معنوية محددة.

ج--- التواتر الإجمالي: هو ما يكون المحور المشترك لكل الإخبارات فيه لازِماً منتزعاً.

8- خصائص المُخْبَر عنه:

كما تدخل خصائص المخبرين من حيث الكم و الكيف في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبَر عنه- أي مفاد الخبر- و هي على نحوين:

أ- الخصائص العامة: هي كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملًا مساعداً على كذب الخبر أو صدقه دون النظر إلى نوعية المُخْبِر.

136

مثال الكذب:

غرابة القضية المخبَر عنها، فإنها عامل مساعد على الكذب في نفسه، فيكون موجباً لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر مثال الصدق:

. كون القضية اعتيادية، فهذا عامل مساعد على الصدق، و يكون حصول اليقين أسرع.

ب- الخصائص النسبية: هي كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملًا مساعداً على صدق الخبر أو كذبه بلحاظ نوعية المخبِر.

مثال:

غير الشيعي إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت ((عليهم السلام)).

مثال اجتماع الخصوصيتين:

المثال السابق إذا صدر في حكم بني أمية.

الإجماع:

التعريف:

هو اتفاق عدد كبير من أهل النظر و الفتوى في الحكم بدرجة توجب إحراز الحكم الشرعي.

الإخبار الحدسي:

هو الخبر المبني على النظر و الاجتهاد، لذلك ففتوى‏

137

الفقيه في مسألة شرعية تعتبر إخباراً حدسياً عن الدليل الشرعي.

الإخبار الحسي:

هو الخبر القائم على أساس المدارك الحسية.

ملاحظات:

1- فتوى الفقيه- بوصفها خبراً حدسياً يحتمل فيه الإصابة و الخطأ- لها قيمة احتمالية في إثبات مدلوله كما هو الحال في الخبر الحسي.

2- تعدد الإخبارات الحدسية يؤدي بحساب الاحتمالات إلى نمو احتمال المطابقة و ضآلة احتمال المخالفة حتى تصل إلى درجة توجب زوال هذا الاحتمال عملياً أو واقعياً، و هذا ما يسمى ب- «الإجماع».

مقارنة بين حصول القطع بوجود الدليل من التواتر و من الإجماع:

1- الإجماع و الخبر المتواتر يشتركان في طريقة الإثبات بحساب الاحتمالات.

2- يعتمد الكشف فيهما على هذا الحساب، و لكنهما يتفاوتان في درجة الكشف، فإن نمو احتمال الموافقة و تضاؤل احتمال المخالفة أسرع في التواتر منه في الإجماع، و ذلك لعدة أسباب أهمها ما يلي:

138

أ- نسبة وقوع الخطأ في الحدسيات أكبر من نسبته في الحسيات.

ب- الخطأ في الأخبار الحسية يكون منصباً على مركز واحد عادة، أما في الأخبار الحدسية فلا يتعين أن يكون ذا مركز واحد.

مثال:

قد يفتي فقهاء عديدون بفتوى واحدة و يكونون على خطأ، و لكن مناشئ خطئهم يكون متعدداً:

فأحدهم اعتمد على رواية غير تامة السند.

و الثاني اعتمد على رواية غير تامة الدلالة.

و الثالث اعتمد على أصالة الاحتياط.

ج--- احتمال تأثير الخبر الأول في الخبر الثاني موجود في الأخبار الحدسية دون الحسية.

د- احتمال الخطأ في الحسيات يقترن عادة بإحراز وجود المقتضي للإصابة، و هو سلامة الحواس و الفطرة، و ينشأ من احتمال وجود المانع عن تأثير المقتضي.

أما احتمال الخطأ في الحدسيات فيتضمن أحياناً عدم وجود المقتضي للإصابة مثل القصور لا الذهول و لا ارتباك البال.

ه--- الأخطاء المحتملة في الأخبار الحدسية يحتمل‏

139

نشوؤها من نكتة مشتركة بخلاف الحسية التي ترتبط في كل مخبر بظروفه الخاصة.

عوامل تأثير حساب الاحتمال في الإجماع:

1- نوعية العلماء المتفقين من الناحية العلمية، و من ناحية قربهم من عصر النص.

2- طبيعة المسألة المتفق على حكمها و كونها من المسائل المترقب ورود النص بشأنها أو من التفريعات.

3- درجة ابتلاء الناس بالمسألة و ظروفها الاجتماعية.

4- لحن كلام المجمعين في مقام الاستدلال و مدى احتمال ارتباط موقفهم بمدارك نظرية موهونة.

ملاحظات هامة:

1- لما كان استكشاف الدليل الشرعي من الإجماع مرتبطاً بحساب الاحتمال لم يكن للإجماع بعنوانه موضوعية في حصوله، فقد يتم الاستكشاف حتى مع وجود المخالف إذا كان لا يؤثر على حساب الاحتمال، و هذا يرتبط بتشخيص نوعية المخالف و عصره و موقعه في الخط العلمي.

2- و قد لا يكفي الإجماع بحساب الاحتمال للاستكشاف‏

فنضم إليه قرائن احتمالية أخرى ليتم الكشف.

140

سيرة المتشرعة:

التعريف:

هي السيرة المعاصرة و القريبة من عصر المعصومين ((عليهم السلام)) للمتشرعة بما هم متشرعة لا بما هم عقلاء.

الفرق بين السيرة العقلائية و سيرة المتشرعة:

1- السيرة العقلائية: هي سلوك عام ناتج من طبع العقلاء و سجيتهم.

مثال: التملك بالحيازة.

سيرة المتشرعة: هي سلوك عام ناتج من الشرع و نابع من دليل تلقوه من الشارع.

مثال: المسح على القدم ببعض الكف في الوضوء.

2- السيرة العقلائية: لا تكون بنفسها كاشفة عن موقف الشارع، بل لا بد من ضم سكوت المعصوم الدال على الإمضاء.

سيرة المتشرعة: تعتبر بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعي.

احتمال المخالفة في سيرة المتشرعة:

يوجد احتمال أن يكون السلوك المتشرعي مبنيّاً على:

1- الغفلة عن الاستعلام.

2- الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام.

141

غير أن هذا الاحتمال يضعف كلما لوحظ شمول السيرة و تطابق عدد كبير من المتشرعة عليها.

التشابه بين سيرة المتشرعة و الإجماع:

سيرة المتشرعة: تمثل سلوكاً عملياً دينياً للمتشرعة الإجماع: يمثل موقفاً فتوائياً نظرياً للفقهاء.

. سيرة المتشرعة حلقة وسيطة بين الإجماع و الدليل الشرعي:

إن تطابق الفقهاء على حكم- مع عدم النص- يكشف بظن غالب اطمئناني عن تطابق سلوكي و ارتكازي من المتشرعة المعاصرين لعصر النص، و هذا السلوك المتشرعي يكشف عن الدليل الشرعي، فالإجماع يكشف عن رواية غير مكتوبة، و لكنها معاشة سلوكاً و ارتكازاً بين المتشرعة.

الإحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي:

أركان دليل السيرة العقلائية:

الركن الأول: قيام السيرة المعاصرة للمعصومين من العقلاء على شي‏ء.

الركن الثاني: سكوت المعصوم الذي يدل على الإمضاء.

سؤال: كيف يمكن أن نحرز كلا الركنين؟

142

الجواب:

بحكم عدم معاصرتنا لهما يجب أن نستدل بقضايا معاصرة ثابتة وجداناً لكي نحرزهما.

أولًا: إثبات السيرة العقلائية:

الطريق الأول: الاستدلال على الماضي بالحاضر:

يقوم هذا الاستدلال على افتراضين:

1- صعوبة تحول السيرة من سلوك إلى سلوك مقابل.

2- كون السيرة العقلائية معبِّرة عن نكات فطرية و سليقة نوعية مشتركة بين العقلاء في كل زمان.

رأي الشهيد:

عدم صحة هذا الاستدلال لسببين:

1- ما هو صعب الافتراض هو التحول الفجائي العفوي، و لكن قد تتحول السيرة إلى السلوك المقابل بصورة تدريجية و بطيئة بعد فترة طويلة من الزمن.

2- السلوك العقلائي ليس منبثقاً دائماً عن نكات فطرية مشتركة، بل يتأثر بالبيئة و الظروف و المرتكزات الثقافية و غيرها من العوامل المتغيرة.

النتيجة: لا يمكن أن يعتبر الواقع المعاصر للسيرة دليلًا على ماضيها البعيد

143

. الطريق الثاني: النقل التاريخي:

و يشمل:

1- التاريخ العام.

2- الروايات و الأحاديث الفقهية.

ملاحظات:

1- يتوقف اعتبار هذا النقل على أحد أمرين:

أ- كونه موجباً للوثوق و العلم.

ب- تجمع شرائط الحجية التعبدية فيه.

2- يمكن الاستفادة من الروايات لأنها تعكس ضمناً جوانب من حياة الرواة و الناس.

3- يمكن الاستفادة من فتاوى المخالفين المعاصرين لزمن المعصوم في نطاق المعاملات باعتبارها منتزعة أحياناً من الوضع العام المرتكز عقلائياً.

الطريق الثالث: إثبات السيرة عن طريق انتفاء السيرة المخالفة بانتفاء لازمها:

مثال: الاجتزاء بالمسح ببعض الكف في الوضوء.

إن عدم وصول روايات تدل على المسح بكل الكف دليل على عدم صدور روايات من المعصوم، و عدم الصدور دليل على عدم السؤال، و عدم السؤال دليل على أن المسألة لم‏

144

تكن خلاف الطبع.إذن: لم يكن المسح بكل الكف، بل كان ببعضه.

شروط هذا الاستدلال:

1- المسألة لا بد أن تكون محل ابتلاء لعموم المؤمنين.

2- كون الحكم المقابل- المسح بتمام الكف- سلوك لا يقتضيه الطبع.

3- توفر الدواعي على نقل ما يرد في حكم المسألة.

4- عدم وجود مبررات للإخفاء.

5- عدم وصول شي‏ء يثبت الحكم المقابل من الروايات و فتاوى المتقدمين.

الطريق الرابع: إثبات السلوك عن طريق انتفاء السلوك البديل الذي يمثل ظاهرة اجتماعية غريبة:

لو كانت هذه الظاهرة الغريبة واقعة لنقلت إلينا، و طالما أنها لم تنقل إلينا نعرف أنها كانت غير موجودة، و أن السلوك الذي نريد إثباته هو الواقع.

مثال: السلوك العام المعاصر للمعصومين كان منعقداً على‏

اعتبار الظواهر و العمل بها.

فلو لم يكن هذا السلوك موجوداً لَوُجِدَ سلوك بديل يمثل طريقة أخرى في التفهيم، و هذه الطريقة الأخرى تمثل ظاهرة

145

غريبة، فكان لا بد أن يصل إلينا شي‏ء عنها، و طالما أنه لم يصل يثبت استقرار السيرة على العمل بالظواهر.

الطريق الخامس: الملاحظة التحليلية الوجدانية:

و تتم عن طريق عرض المسألة على وجداننا و مرتكزاتنا العقلية و استقراء حالة العقلاء في مجتمعات مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامة بحيث نتأكد من عدم ارتباط الموقف المتخذ من المسألة بالخصوصيات المتغيرة من حال إلى حال و من عاقل إلى عاقل.

رأي الشهيد:

قد يحصل عن هذا الطريق للإنسان الوثوق بسببه، و لكنه ليس طريقاً استدلالياً موضوعياً إلّا بقدر ما يتاح للملاحظ من استقراء للمجتمعات العقلائية المختلفة.

ثانياً: إثبات سكوت المعصوم الدال على الإمضاء:

توجد صعوبة في إثبات ذلك لأن النصوص التي بأيدينا ليس فيها ردع، فمن المحتمل أن يكون قد صدر ردع من المعصوم و لكن لم يصلنا.

التغلب على هذه الصعوبة: يتم عن طريق القضية الشرطية التالية:

لو ردع المعصوم عن السيرة لوصل إلينا.

146

و التالي باطل فالمقدم مثله.

وجه الشرطية:

إن الردع لا بد أن يتناسب مع قوة السيرة و ترسخها، و الدواعي متوفرة لوصول هذا الردع إلينا، و لكن لم يصل شي‏ء، لذلك نستكشف عدم صدور الردع.

درجة الوثوق في وسائل الإحراز الوجداني:

وسائل الإحراز الوجداني تؤدي إلى واحد من ثلاثة أمور:

1- القطع بالدليل الشرعي.

2- الظن بالدليل الشرعي: هو قيمة احتمالية كبيرة، و تناظرها في الطرف المقابل قيمة احتمالية معتد بها.

3- الاطمئنان بالدليل الشرعي: هو قيمة احتمالية كبيرة، و تناظرها في الطرف المقابل قيمة احتمالية ضئيلة جدّاً.

حجية هذه الأمور الثلاثة:

1- حجية القطع: لا شك في حجية الإحراز الواصل إلى درجة القطع تطبيقاً لمبدأ حجية القطع.

2- حجية الظن: الإحراز الظني غير كاف ما لم يقم دليل شرعي على التعبد به، فيدخل في نطاق الإحراز التعبدي.

147

3- حجية الاطمئنان:

أ- الاطمئنان كالقطع: يقال هنا بحجية الاطمئنان الذاتية عقلًا تنجيزاً و تعذيراً كالقطع، فحق الطاعة كما يشمل القطع بالتكليف كذلك يشمل الاطمئنان به، و هنا لا نحتاج إلى تعبد شرعي للعمل بالاطمئنان، و لكن يوجد فارق‏ هو: إمكان الردع عن العمل بالاطمئنان مع عدم إمكانه في القطع.

ب- الاطمئنان كالظن: هنا يجب طلب الدليل على التعبد الشرعي، و الدليل هو: السيرة العقلائية الممضاة بدلالة السكوت.

ملاحظة:

لا بد من افتراض القطع بهذين الركنين، و لا يكفي الاطمئنان للاستدلال على حجية الاطمئنان.

148

2- وسائل الإحراز التعبدي‏

خبر الواحد:

هو الخبر الذي لم يحصل منه القطع بثبوت مؤدّاه.

مراحل البحث:

1- أدلة حجية خبر الواحد.

2- أدلة نفي حجية خبر الواحد.

3- تحديد دائرة حجية خبر الواحد و شروطها بعد فرض ثبوتها.

أدلة حجية خبر الواحد:

أدلة حجية خبر الواحد من القرآن الكريم:

أولًا: آية النبأ:

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1)

____________

(1) الحجرات/ 6.

149

الاستدلال:

الجملة الشرطية: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا.

الحكم: الأمر بالتَّبَيُّن.

موضوع الحكم: النبأ.

شرط الحكم: مجي‏ء الفاسق بالنبإ.

المفهوم يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط: إن جاءكم عادل بنبإ فلا تتبيّنوا.

و هذا دليل على حجية خبر العادل.

الإشكال الأول:

إذا كان الشرط مسوقاً لتحقق الموضوع فليس للجملة الشرطية مفهوم لأن مجي‏ء الفاسق بالنبإ يحقق النبأ.

رد صاحب الكفاية:

نغير الموضوع إلى: الجائي بالنبإ.

و الشرط إلى: الفسق.

فيكون معنى الآية: إذا كان الجائي بالنبإ فاسقاً فتبينوا.

و بذلك لا يكون الشرط محققاً للموضوع، فيتم المفهوم‏

و هو: إذا كان الجائي بالنبإ عادلًا فلا تتبينوا.

رد الشهيد على صاحب الكفاية:

هذا الفهم خلاف الظهور العرفي للجملة الشرطية.

150

الإشكال الثاني:

الحكم بوجوب التبين معلّل في الآية، و العلة هي التحرز من الإصابة بجهالة، و هذه العلة مشتركة بين أخبار الآحاد سواء كان من الفاسق أم العادل لأن عدم العلم ثابت فيهما، فتكون بمثابة القرينة المتصلة على إلغاء المفهوم.

الردود على الإشكال الثاني:

الرد الأول: الجهالة ليست مجرد عدم العلم، بل تستبطن السفاهة، و ليس في العمل بخبر العادل سفاهة لأن سيرة العقلاء عليه.

الرد الثاني: المفهوم مُخَصِّص لعموم التعليل لأن التعليل يدل على عدم حجية كل ما هو غير علمي، و يشمل بإطلاقه خبر العادل، أما المفهوم فهو أخص من عموم التعليل لأنه يقتضي حجية خبر العادل.

الرد الثالث: المفهوم مفاده أن خبر العادل لا حاجة إلى تبينه لأنه بيّن واضح، و هذا يعني افتراضه بمثابة الدليل القطعي، و بهذا يخرج عن موضوع عموم التعليل لأن الموضوع هو عدم العلم،

و خبر العادل واضح بيّن بحكم الشارع، فهو علم و لا يشمله التعليل.

ثانياً: آية النَّفْر:

قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ

151

مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (1).

الاستدلال: يستند إلى مقدمتين:

المقدمة الأولى:

الآية تدل على مطلوبية التحذر عند الإنذار بقرينة وقوع الحذر موقع الترجي لدخول «لعلّ» عليه، و جعل الحذر غاية للإنذار الواجب.

المقدمة الثانية:

مقتضى إطلاق «ينذروا» كون الحذر واجباً عند الإنذار سواء حصل علم و قطع عند الإنذار أم لم يحصل.

النتيجة: حجية إخبار المنذر.

إشكالات على الاستدلال: الإشكال الأول: الإنذار يختلف عن الإخبار لأن الإنذار يفترض العقاب بمرتبة سابقة و كون الحكم منجزاً بمنجز سابق كالعلم الإجمالي أو الشك قبل الفحص، أما الإخبار فهو ما يحصل التنجيز بعده لا قبله‏

____________

(1) التوبة/ 122.

152

. ففي الإنذار يكون الحذر واقعاً قبله، و في الإخبار يكون الحذر واقعاً بعده.

الإشكال الثاني: و هو إشكال مبنائي على المسلكين:

1- على مسلك حق الطاعة:

إن أي دليل احتمالي ينجز التكليف بحكم العقل، فلو سلمنا أن خبر المنذر بنفسه كان منجزاً، فهذا لا يعني الحجية بالمعنى الكامل لأن الآية إرشاد إلى حكم العقل و لا تجعل الحجية بجعل الشارع.

فغاية ما تفيده الآية هي نفي جعل أصالة البراءة في موارد قيام الخبر على التكليف، و لا تثبت جعل الشارع الحجية للخبر.

2- على مسلك قبح العقاب بلا بيان:

نكتشف الجعل الشرعي لحجية الخبر إذ لو لا الجعل الشرعي لجرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

الإشكال الثالث: لو دلت الآية على حجية قول المنذر شرعاً،

فإنما تدل على حجيته بما هو رأي و نظر لا إخبار و شهادة لأن الإنذار يعني مزج الأخبار بتشخيص المعنى و استخراج النتيجة.

ثالثاً: آية الكتمان:

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ‏