دروس في علم الأصول(خلاصة الحلقة الثانية) - ج1

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
178 /
153

وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (1).

الاستدلال:

الآية تدل بالإطلاق على حرمة الكتمان سواء أدى الإبداء إلى العلم أم لا، و هذا يكشف عن وجوب القبول مطلقاً لأن تحريم الكتمان دون وجوب القبول لغو، و لما كان القبول واجباً حتى مع عدم العلم فهذا يعني أن الشارع جعل الحجية لخبر الواحد.

إشكالات:

الإشكال الأول: الكتمان يصدق في حالة الإخفاء مع توفر مقتضيات العلم، فلا يشمل الإطلاق المذكور عدم الإخبار في مورد لا تتوفر فيه مقتضيات العلم.

الإشكال الثاني: تعميم حرمة الكتمان قد يكون بدافع‏

الإشكال الأول: الإنذار يختلف عن الإخبار لأن الإنذار يفترض العقاب بمرتبة سابقة و كون الحكم منجزاً بمنجز سابق كالعلم الإجمالي أو الشك قبل الفحص، أما الإخبار فهو ما يحصل التنجيز بعده لا قبله «الإشكال الأول: الإنذار يختلف عن الإخبار لأن الإنذار يفترض العقاب بمرتبة سابقة و كون الحكم منجزاً بمنجز سابق كالعلم الإجمالي أو الشك قبل الفحص، أما الإخبار فهو ما يحصل التنجيز بعده لا قبله الاحتياط في التشريع» من قبل المولى لعدم إمكان إعطاء قاعدة للتمييز بين موارد ترتب العلم على الإخبار و عدمه، فالحاكم قد يوسع موضوع حكمه الواقعي بدافع الاحتياط، و هذا غير الأمر بالاحتياط.

____________

(1) البقرة/ 159.

154

رابعا: آية السؤال من أهل الذكر:

قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1).

الاستدلال:

الأمر بالسؤال يدل بإطلاقه على وجوب قبول الجواب مطلقاً سواء أدى إلى العلم و القطع أم لا، و إذا وجب قبول الجواب حتى لو لم يفد العلم ثبتت حجيّة خبر الواحد.

إشكالات:

الإشكال الأول: كما في الإشكال الثاني من آية الكتمان، فليس هناك ملازمة بين السؤال مطلقاً و القبول مطلقاً، فقد يأمر المولى بالسؤال عن كل شي‏ء من باب «الاحتياط في التشريع»، و يقول اقبلوا ما يفيد العلم فقط. الإشكال الثاني: الأمر في الآية إرشادي لا مولوي لأنه وارد في سياق الحديث مع المعاندين و المشككين في النبوة من الكفار، و هذا السياق لا يناسب الحجية التعبدية، و إنما يناسب الإرشاد إلى الطرق التي توجب زوال التشكك و دفع الشبهة بالحجة القاطعة لأن‏

____________

(1) النحل/ 43.

155

الكافر لا يتعبد بالشريعة.

الإشكال الثالث: الأمر بالسؤال مفرَّع على قوله: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ ...*»، و التفريع يمنع عن انعقاد إطلاق في متعلق السؤال لكي يثبت الأمر بالسؤال في غير مورد المفرَّع عليه و أمثاله.

الإشكال الرابع: الآية تتحدث عن إثبات النبوات أي عن أصل من أصول الدين، و الأدلة في أصول الدين لا بد أن تكون قطعية، فمورد الآية لا حجية فيه لأخبار الآحاد لأنه يرتبط بأصول الدين.

الإشكال الخامس: صحة الاستدلال تتوقف على حمل أهل الذكر على العلماء و الرواة لا أهل النبوات السابقة، و بحمل الذكر على العلم لا على الرسالة الإلهية.

أدلة حجية خبر الواحد من السنة الشريفة:

ملاحظة هامة:

لكي يصح الاستدلال بالسنة لا بد أن تكون ثابتة بوسيلة من وسائل الإحراز الوجداني أي بوسيلة قطعية، و لا يكفي ثبوتها بخبر الواحد لئلا يلزم الدور.

وسيلتان للإحراز الوجداني:

1- التواتر في الروايات الدالة على حجية خبر الواحد.

156

2- السيرة العقلائية و المتشرعية.

1- التواتر:

الاستدلال: حجية خبر الواحد يمكن اقتناصها من ألسنة روايات كثيرة و إن اختلفت مضامينها، و بذلك يحصل التواتر الإجمالي.

و يثبت بالتواتر حجية خبر العادل لأنه القدر المتيقن، و من خبر العادل ننطلق إلى حجية خبر الواحد في دائرة أوسع و هي حجية خبر الثقة.

إذن: نثبت أولًا حجية خبر العادل ثم تتوسع دائرة الحجية إلى حجية خبر الثقة و إن لم يكن عادلًا.

2- السيرة العقلائية و المتشرعية:

الاستدلال: يشتمل على الأمور التالية:

الأمر الأول: إثبات السيرة:

لا بد من إثبات أن المتشرعة و الرواة في عصر الأئمة ((عليهم السلام)) كانوا يعملون بأخبار الثقات و لو لم تفدهم الاطمئنان الشخصي.

و هنا يمكن استعمال الطريق الثالث لإثبات السيرة حيث توجد روايات كثيرة في أيدي المتشرعة المعاصرين للأئمة ((عليهم السلام))، و كانت مسألة الأخذ بخبر الواحد داخلة في ابتلائهم على‏

157

أوسع نطاق.

و هنا هم أمام أحد طريقين:

الطريق الأول: انعقاد سيرتهم على العمل بخبر الثقة لسببين:

أ- تلقي ذلك من الشارع: و هذا من باب سيرة المتشرعة.

ب- الجري على سجيتهم: و هذا من باب السيرة العقلائية.

الطريق الثاني: التوقف عن العمل بخبر الثقة.

ملاحظة على الطريق الأول:

هو المطلوب إذ تثبت بذلك السيرة الممتدة في تطبيقها إلى المجال الشرعي.

ملاحظة على الطريق الثاني:

ليس من المحتمل أن يؤدي توقفهم إلى طرح جميع الروايات بدون استعلام الحكم الشرعي تجاهها لأن طرح خبر الثقة مخالف للسجية العقلائية، و الاستعلام يجب أن يكون بحجم أهمية

المسألة، و مع توفر دواعي النقل لم يصل إلينا شي‏ء، بل وصل ما يعزز الحجية.

و هنا يوجد أحد سبيلين:

أ- استقرار العمل بأخبار الثقات بدون استعلام: و هو السيرة العقلائية.

ب- استقرار العمل بأخبار الثقات بسبب الاستعلام‏

158

و صدور البيانات المثبتة للحجية: و هو السيرة المتشرعية.

الأمر الثاني: حجية السيرة:

1- السيرة المتشرعية:

إذا كانت السيرة السابقة سيرة متشرعة فهي تكشف عن الدليل الشرعي بلا حاجة إلى ضم مقدمة سكوت المعصوم.

2- السيرة العقلائية:

إذا كانت السيرة السابقة سيرة لهم بما هم عقلاء ضممنا إليها مقدمة سكوت و عدم ردع المعصوم.

الأمر الثالث: دفع توهم:

1- قد يتوهم أن الآيات الناهية عن العمل بالظن تردع عن السيرة لأن خبر الواحد أمارة ظنية فيشمله إطلاق النهي عن العمل بالظن.

رد الشهيد:

الصحيح أنها لا تصلح أن تكون رادعة لأننا أثبتنا انعقاد السيرة المعاصرة للأئمة ((عليهم السلام)) على العمل بأخبار الثقات في الشرعيات.

و هنا نحن أمام احتمالات تخص أصحاب الأئمة ((عليهم السلام)):

أ- العصيان: و هذا غير ممكن.

ب- وصول دليل إليهم على الحجية: و هذا الاحتمال قريب.

159

ج--- غفلتهم عن اقتضاء تلك النواهي للردع: و هذا غير ممكن.

د- عدم كون النواهي دالة على الردع عن خبر الثقة: و هذا الاحتمال بعيد.

إذن: على كل من هذه الاحتمالات لا يكون الردع تاماً.

2- قد يتوهم أن إطلاق دليل أصالة البراءة يردع عن السيرة لأنه شامل لحالة قيام خبر الثقة على خلاف الأصل.

هنا نجري نفس الاحتمالات السابقة، و نصل إلى نفس النتيجة.

الأمر الرابع: السكوت و عدم الردع كاشف عن الإمضاء:

إن هذا الكشف واضح بعد إثبات امتداد السيرة إلى الشرعيات و جريانها على إثبات الحكم الشرعي بخبر الثقة، و هذا الأمر يعرض‏

الأغراض الشرعية للتفويت لو لم تكن مرضية، و هذا هو الأساس العقلي‏، لأن نقض الغرض من المعصوم مستحيل.

مضافاً إلى أن ظاهر حال المعصوم في المقام هو الإمضاء، و هذا هو الأساس الاستظهاري.

أدلة نفي حجية خبر الواحد:

أدلة نفي حجية خبر الواحد من القرآن الكريم:

الآيات الناهية عن اتباع الظن، كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما

160

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1).

إشكال:

النهي المذكور يقيد بدليل حجية الخبر سواء كان لفظياً أم سيرة لأن إطلاق الآيات لا يصلح أن يكون رادعاً عن السيرة كما تقدم.

أدلة نفي حجية خبر الواحد من السنة الشريفة:

الفريق الأول: يدل على عدم جواز العمل بالخبر غير العلمي.

رد الشهيد:

أ- هذا الفريق من أخبار الآحاد الضعيفة سنداً، و لا دليل على‏

حجيته.

ب- يشمل نفسه لأنه خبر غير علمي، فحجيته تؤدي إلى نفي حجيته و التعبد بعدمها.

الفريق الثاني: يدل على عدم جواز العمل بخبر لا يكون عليه شاهد من القرآن.

رد الشهيد:

لو تم لكان مطلقاً شاملًا للأخبار الواردة في أصول الدين و في الأحكام، فيعتبر ما دل على الحجية في الأحكام بالخصوص صالحاً

____________

(1) الإسراء/ 36.

161

لتقييد إطلاق تلك الروايات.

تحديد دائرة حجية خبر الواحد:

يكون بلحاظين:

1- لحاظ صفات الراوي.

2- لحاظ المروي.

اللحاظ الأول: لحاظ صفات الراوي:

1- إذا كان مدرك الحجية هو مفهوم آية النبأ فهو يقتضي حجية خبر العادل و لا يشمل خبر الثقة.

2- إذا كان مدرك الحجية هو السنة على أساس الروايات و السيرة فموضوعها هو خبر الثقة.

3- وثاقة الراوي ينظر إليها بلحاظين:

أ- الموضوعية: حيث تؤخذ وثاقته مناطاً للحجية على وجه الموضوعية.

هنا يلزم القول بحجية خبر الثقة و لو قامت أمارة عكسية مكافئة لوثاقة الراوي في كشفها.

ب- الطريقية: حيث تؤخذ وثاقته مناطاً للحجية على وجه الطريقية أي بما هي سبب للوثوق غالباً بصدق الراوي و صحة نقله.

162

هنا يلزم سقوط خبر الثقة عن الحجية في حالة قيام أمارة عكسية مكافئة لوثاقة الراوي في كشفها.

النتيجة المترتبة على لحاظ الطريقية:

يترتب عليه أن إعراض العلماء القدماء عن العمل بخبر ثقة يوجب سقوطه عن الحجية بشرط عدم احتمال كون الإعراض قائماً على أساس اجتهادي لأنه يكون أمارة على وجود خلل في النقل‏ سؤال: هل عمل الأصحاب يجبر السند في خبر غير الثقة؟

الجواب:

. 1- إن لم تكن هناك أمارات ظنية على صدق خبر غير الثقة فلا إشكال في عدم حجيته.

2- إن كانت هناك أمارات ظنية على صدقه:

أ- إن أفادت الاطمئنان الشخصي كان حجة لحجية الاطمئنان.

ب- إن لم تفد الاطمئنان و أفادت الظن:

ففي حجية الخبر وجهان:

الوجه الأول: الموضوعية: حيث تؤخذ وثاقة الراوي مناطاً للحجية على وجه الموضوعية.

هنا خبر غير الثقة لا يكون حجة و لا يُجْبَرُ كسر السند الوجه الثاني: الطريقية: و يوجد نوعان للطريقية:

163

النوع الأول: الطريقية غير المحضة:

. حيث تكون وثاقة الراوي سبباً للوثوق الغالب بالمضمون على نحو يكون السبب (أي خبر الثقة) و المسبَّب (أي الظن بالصدور) كلاهما دخيلين في الحجية.

و هنا أيضاً لا يكون خبر غير الثقة حجة و لا يُجْبَر كسر السند.

النوع الثاني: الطريقية المحضة:

حيث تكون وثاقة الراوي مُعَرِّفاً صرفاً للوثوق الغالب بالمضمون دون أن يكون لوثاقة الراوي دخل بعنوانها.

و هنا يكون خبر غير الثقة حجة و يُجْبَر الكسر في سند

الرواية.

ملاحظة:

على هذه التقادير تبتني إثباتاً و نفياً مسألة انجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور من العلماء القدماء، فإن عمل المشهور به يعتبر أمارة على صحة النقل.

اللحاظ الثاني: لحاظ المروي:

يعتبر في الحجية أمران:

1- أن يكون الخبر حسياً لا حدسياً: و ذلك لعدم شمول أدلة الحجية للأخبار الحدسية.

2- أن لا يكون الخبر مخالفاً لدليل قطعي الصدور من‏

164

الشارع كالكتاب الكريم: و ذلك لما دلّ من الروايات على عدم حجية الخبر المخالف للكتاب الكريم، فإنه يقيِّد أدلة حجية الخبر بغير صورة المخالفة للأدلة الشرعية و القطعية صدوراً و سنداً.

قاعدة التسامح في أدلة السنن:

قاعدة:

خبر غير الثقة إذا لم توجد أمارات على صدقه فهو ليس بحجة.

مستثنيات القاعدة:

خبر غير الثقة حجة في إثبات الاستحباب و الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفاده.

الاستدلال على الاستثناء:

يستند في ذلك إلى روايات صحيحة و غير صحيحة دلت على أن: «من بلغه عن النبي ثواب على عمل فعمله كان له مثل ذلك الثواب و إن كان النبي لم يقله».

بدعوى أن هذه الروايات تجعل الحجية لمطلق البلوغ (أي سواء كان الراوي ثقة أم غير ثقة) في موارد المستحبات: لذلك عُبِّر عنه ب-- «التسامح في أدلة السنن».

احتمالات في معنى هذه الروايات:

الاحتمال الأول: أن تكون في مقام جعل الحجية لمطلق البلوغ‏

165

رأي الشهيد:

. الاستدلال السابق مبني على هذا الاحتمال، و هو غير متعين، فظاهر لسان الروايات ينفيه لأنها تجعل للعامل الثواب و لو مع مخالفة الخبر للواقع، فلو كان وضع نفس الثواب تعبيراً عن التعبد بثبوت المؤدَّى و حجية البلوغ لما كان هناك معنى للتصريح بأن نفس الثواب محفوظ حتى مع مخالفة الخبر للواقع.

الاحتمال الثاني: أن تكون في مقام إنشاء استحباب واقعي‏

نفسي على طبق البلوغ، فيكون بلوغ استحباب الفعل عنواناً ثانوياً له يستدعي استحباباً واقعياً بهذا العنوان.

رأي الشهيد:

هذا الاحتمال غير صحيح لأن وجود الثواب على عمل لا يعني أن العمل مطلوب.

الاحتمال الثالث: أن تكون إرشاداً إلى حكم العقل بحسن الاحتياط و استحقاق المحتاط للثواب.

166

رأي الشهيد:

هذا الاحتمال بمفرده غير صحيح لأنه لا يفسر إعطاء العامل نفس الثواب الذي بلغه لأن العقل يحكم باستحقاق العامل للثواب لا لشخص ذلك الثواب.

فلا بد من الالتزام بأن هذه الخصوصية مردها إلى وعد مولوي، لذلك يكون هذا الاحتمال صحيحاً و لا بد من تطعيمه بالاحتمال الرابع.

الاحتمال الرابع: أن تكون وعداً مولوياً لمصلحة في نفس الوعد، و لو كانت هذه المصلحة هي الترغيب في الاحتياط باعتبار حسنه عقلًا.

167

إثبات حجية الدلالة في الدليل الشرعي‏

تمهيد

أنواع الدليل الشرعي:

أولًا: الدليل القطعي و الدليل الاطمئناني:

1- يدل على حكم دلالة واضحة توجب اليقين أو الاطمئنان.

2- يعتبر حجة في دلالته على الحكم لأن اليقين و الاطمئنان حجة.

3- أساس الدلالة: قد يكون الوضوح و اليقين قائماً على أساس:

أ- كون الدلالة دلالة عقلية إِنِّيَّة:

مثال: دلالة فعل المعصوم (و هو المعلول) على عدم الحرمة (و هو العلة).

ب- كون الدليل يفيد لفظاً بحسب اللغة و أساليب التعبير ذلك المدلول: و هو المسمَّى ب-- «النص».

168

ج- احتفاف الدليل اللفظي بقرائن حالية أو عقلية تنفي احتمال مدلول آخر و إن كان ممكناً من وجهة نظر لغوية و عرفية عامة.

ثانياً: الدليل المجمل:

1- يدل على أمور على نحو تكون صلاحيته لإفادة أي واحد منها متكافئة بحسب نظام اللغة و أساليب التعبير العرفي.

2- يكون حجة في إثبات الجامع إذا كان له أثر قابل للتنجيز.

3- كل واحد من المحتملات بخصوصه لا يثبت بالدليل المذكور إلّا مع الاستعانة بدليل خارجي.

ثالثاً: الدليل الظني (الظاهر):

1- يدل على أحد أمرين بنحو ينسبق إلى الذهن تصوراً و تصديقاً و إن كانت إفادة المعنى الآخر محتملة بحسب اللغة و أساليب التعبير.

2- يحمل على المعنى الظاهر لأن الظهور حجة في تعيين مراد المتكلم، و هذه الحجية لا تقوم على أساس العلم، بل على أساس حكم الشارع بذلك.

3- مصاديق لكبرى حجية (أصالة) الظهور:

أ- أصالة العموم.

ب- أصالة الإطلاق.

169

ج--- أصالة الجد.

الاستدلال على حجية الظهور:

يمكن الاستدلال بأحد النحوين التاليين:

النحو الأول: السيرة العقلائية:

1- استقر بناء العقلاء على اتخاذ الظهور وسيلة لمعرفة مراد المتكلم و ترتيب الآثار على ذلك.

2- لو ترك المتشرعة و ميولهم العقلائية لعملوا بالظهور في الشرعيات، و في هذه الحالة يكون السكوت و عدم الردع كاشفاً عن الإمضاء.

3- تقدم سابقاً في «الدليل الشرعي غير اللفظي» ذكر أساسين لدلالة السكوت على الإمضاء، و هنا لا يمكن التمسك بالأساس الاستظهاري لأنه يلزم الدور حيث إن الكلام هنا في حجية الظهور، لذلك نتمسك بالأساس العقلي.

النحو الثاني: سيرة المتشرعة:

1- عمل أصحاب الأئمة ((عليهم السلام)) و الفقهاء في مقام الاستنباط كان يقوم على العمل بظواهر الكتاب و السنة، و يمكن إثبات ذلك بالطريق الرابع من طرق إثبات السيرة العقلائية.

2- سيرة المتشرعة كاشفة كشفاً إنياً مباشراً عن الإمضاء،

170

و لا حاجة إلى إثبات سكوت المعصوم للكشف عن الإمضاء كما تقدم من الفرق بين السيرتين.

إشكال:

سيرة المتشرعة مردوع عنها بالمطلقات الناهية عن العمل بالظن، أو بإطلاق أدلة الأصول العملية.

الجواب:

1- الآيات تمنع من العمل بالظن مطلقاً، و لكن الاعتماد على حجية الظهور خارجة عن القاعدة لأن الشارع نزله منزلة العلم، و كذلك الأصول العملية مخصَّصة.

2- ما دل على النهي عن العمل بالظن يشمل نفسه لأنه دلالة ظنية أيضاً، فيلزم من حجيته التعبد بعدم حجية نفسه.

موضوع حجية الظهور:

يوجد ظهوران:

1- ظهور على مستوى الدلالة التصورية:

و ذلك بأن يكون أحد المعنيين أسرع انسباقاً إلى تصور الإنسان و ذهنه من الآخر عند سماع اللفظ.

2- ظهور على مستوى الدلالة التصديقية:

و ذلك بأن يكون كشف الكلام تصديقاً عما في نفس‏

171

المتكلم يبرز هذا المعنى دون ذاك.

قاعدة:

الظاهر من كل كلام أن يتطابق مدلوله التصديقي مع مدلوله التصوري.

سؤال: عند ما يقال: «الظاهر حجة» فهل المراد هو الظهور على مستوى الدلالة التصورية أو التصديقية؟

الجواب:

إن موضوع الحجية هو الظهور على مستوى الدلالة التصديقية لأن الحجية معناها إثبات مراد المتكلم و حكمه بظهور الكلام، و الكاشف عن المراد هو الظهور التصديقي.

سؤال: إذن: ما هو دور الدلالة التصورية؟

الجواب:

إن الظهور على مستوى الدلالة التصورية هو الذي يعين عادة الظهور التصديقي لأن ظاهر الكلام هو التطابق بين المدلولين التصديقي و التصوري.

إذن: الظهور التصوري أداة لتعيين الظهور التصديقي.

سؤال: هل المدلول التصديقي يتطابق دائماً مع المدلول التصوري الجواب:

؟ لا، قد يكون الظهور التصديقي مختلفاً عن الظهور التصوري‏

172

و ذلك عند ما يوضح المتكلم في كلامه أن مراده الجدي يختلف عن الظهور التصوري.

و هذا الاختلاف يظهر في حالتين:

الحالة الأولى: القرينة المتصلة المؤكَّدة:

مثال: إذا قال: جئني بأسد و أعني الرجل الشجاع.

في هذه الحالة لا يمكن الأخذ بالظهور التصديقي للكلام في إرادة الحيوان المفترس لأنه لا ظهور كذلك جزماً لأن الظهور التصديقي يختلف جزماً عن الظهور التصوري.

الحالة الثانية: القرينة المتصلة المحتملة:

مثال: كما لو كنا نستمع إلى المتكلم ثم ذهلنا عن الاستماع و احتملنا أنه قال شيئاً من ذلك القبيل.

في هذه الحالة أيضاً لا يمكن الأخذ بالظهور التصديقي للكلام في إرادة الحيوان المفترس لأن احتمال القرينة يوجب احتمال التخالف بين الظهورين التصديقي و التصوري، و مع الشك في وجوده لا يمكن البناء على حجيته.

ظواهر الكتاب الكريم:

ذهب جماعة من العلماء إلى استثناء ظواهر القرآن الكريم من‏

الحجية، فقالوا: لا يجوز العمل بآيات القرآن إلّا في أمرين:

173

1- ما كان نصاً في المعنى.

2- ما كان مفسَّراً تفسيراً محدَّداً من المعصوم ((عليه السلام)).

الأدلة:

الدليل الأول: الكتاب الكريم:

قوله تعالى‏: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ (1).

و قد استندوا على المقدمات التالية:

المقدمة الأولى: تدل الآية على النهي عن اتباع المتشابه.

المقدمة الثانية: كل ما لا يكون نصاً فهو متشابه لتشابه محتملاته في علاقتها باللفظ.

رد الشهيد على الدليل الأول:

الرد الأول: اللفظ الظاهر ليس من المتشابه لأنه لا تشابه و لا تكافؤ بين معانيه في درجة علاقتها باللفظ، لذلك فالمتشابه يختص بالمُجْمَل فقط. الرد الثاني: لو سلمنا بأن الظاهر من المتشابه، فإن الآية تنهى‏

____________

(1) آل عمران/ 7.

174

عن العمل بالمتشابه دون الرجوع إلى المحكم.

الرد الثالث: يلزم من حجية ظاهر الآية في إثبات الردع عن العمل بظواهر الكتاب الكريم نفي هذه الحجية.

الدليل الثاني: الروايات الناهية عن الرجوع إلى ظواهر القرآن الكريم:

يمكن تصنيفها إلى ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: ما دل من الروايات على أن القرآن الكريم لا يفهمه إلّا من خوطب به.

رد الشهيد:

الرد الأول: هذه الروايات جميعها ضعيفة السند.

الرد الثاني: هذه الروايات معارضة للقرآن الدال على أنه نزل تبياناً لكل شي‏ء و هدى و بلاغاً.

الطائفة الثانية: ما دل من الروايات على عدم جواز الاستقلال عن الحجة في فهم القرآن.

رد الشهيد:

هذه الروايات لا تدل على عدم جواز العمل بالقرآن بعد الفحص في كلمات الأئمة ((عليهم السلام)) و عدم الظفر بقرينة على خلاف‏

175

الظاهر، و هذا العمل ليس استقلالًا عن الحجة في فهم القرآن.

الطائفة الثالثة: ما دل من الروايات على النهي عن تفسير القرآن بالرأي.

رد الشهيد:

الرد الأول: حمل اللفظ على معناه الظاهر ليس تفسيراً لأن التفسير كشف القناع، و لا قناع على المعنى الظاهر.

رد الرد: الرد الأول لا ينطبق على بعض الحالات حيث يكون تحديد الظاهر القرآني فيها فيه كشف قناع، لذلك نرى اختلاف الفقهاء في فهم الدليل.

الرد الثاني: إن كلمة «الرأي» منصرفة إلى الحدس و الاستحسان بسبب ملابسات عصر النص، فلا تشمل الرأي المبني على قريحة عرفية عامة.

الرد الثالث: إطلاق الروايات للظاهر لا يصلح أن يكون رادعاً عن السيرتين العقلائية و المتشرعية على العمل بالظواهر.

1- السيرة العقلائية:

الردع عن السيرة العقلائية يجب أن يتناسب حجماً و وضوحاً مع درجة استحكامها.

176

2- السيرة المتشرعية:

كان أصحاب الأئمة ((عليهم السلام)) يعملون بظواهر القرآن و إلّا لعرف الخلاف عنهم، فنفس هذه السيرة تثبت عدم صلاحية الإطلاق المذكور للردع، بل تكون مقيِّدة له.

جواب عام من الروايات على الطوائف الثلاث:

1- توجد روايات تأمر بالتمسك بالقرآن الكريم الصادق عرفاً على العمل بظواهره.

2- هذه الروايات تأمر أيضاً بإبطال ما كان مخالفاً للقرآن.

3- معنى المخالفة:

أ- إن كان المراد بها مخالفة لفظ القرآن فتصدق على مخالفة الظاهر.

ب- إن كان المراد مخالفة واقع مضمون القرآن فإن الإطلاق المقامي يقتضي إمضاء ما عليه العرف من موازين في استخراج المضمون، و العرف يعتمد على الظهور، فيدل على حجية الظهور.

4- القرآن هو ضابط قبول الروايات:

طلب المعصومون ((عليهم السلام)) أن يعرض على القرآن الكريم و يطرح ما كان مخالفاً له مما ورد عنهم، و أمامنا احتمالان للمخالفة:

177

الاحتمال الأول: أن يراد المخالفة للمضمون القرآني المكتشف بالخبر.

رأي الشهيد:

هذا الاحتمال غير صحيح لأنهم ((عليهم السلام)) بصدد بيان جعل الضابط لما يقبل و ما لا يقبل من الخبر.

الاحتمال الثاني: اختصاص المخالفة بالمخالفة للنص القرآني.

رأي الشهيد:

هذا الاحتمال غير صحيح، و ذلك لندرة الخبر المخالف للنص و كون الروايات ناظرة إلى الشائع من المخالفة.

5- النتيجة:

أ- إذا قدمت الروايات الدالة على حجية ظواهر الكتاب على الروايات التي استدل بها على نفي الحجية فهو المطلوب.

ب- إذا تكافأ الفريقان فيلتزم بالتساقط، و يقال حينئذ بالحجية لأن الردع غير ثابت، فتثبت الحجية عن طريق السيرة العقلائية بصورة مستقلة، أو بضم استصحاب مفادها الثابت في صدر

الشريعة.

الدليل الثالث:

مرده إلى إنكار الظهور بدعوى أن القرآن الكريم مجمل،

178

و ذلك لسببين:

1- تأكيد حاجة الناس إلى الإمام، لذلك تعمد الله تعالى جعل القرآن مجملًا.

2- اقتضاء طبع المطلب ذلك لأن علو المعاني و شموخها يقتضي عدم تيسرها للفهم.

رد الشهيد على السبب الأول:

أ- التعمد المذكور على خلاف الحكمة من نزول القرآن.

ب- لزوم الدور: لأن ربط الناس بالإمام فرع إقامة الحجة على أصل الدين المتوقفة على فهم القرآن و إدراك معانيه.

رد الشهيد على السبب الثاني:

شموخ المعاني و علوها ينبغي أن لا يكون على حساب الهدف الذي هو هداية الناس، فلا بد أن يكون فهمه متيسراً ليتحقق الهدف.

النتيجة النهائية من جميع الأدلة:

الصحيح أن ظواهر القرآن حجة كظواهر السنة.

تمت خلاصة هذا المقدار من الحلقة الثانية بتوفيق من‏

الله عز و جل في يوم الأربعاء الموافق 16/ ربيع الثاني/ 1418 ه--

و صلى الله على محمد و آله و الطاهرين‏