المزار

- السيد مهدي القزويني المزيد...
302 /
155

نزل الشيخ وادي عن صهوة جواده بعدما أبهرته شجاعة الإمام، و تقدّم نحوه مقبّلا حدوة فرسه، قائلا له: «أنت و مذهبك على دين الحقّ».

منذ ذلك اليوم لم يجد القزويني نفسه إلّا و قبائل زبيد- في هذه المنطقة- بأكملها خاضعة له من الناحية الدينيّة، بعد اعتناق زعيمها الشيخ وادي مذهب التشيّع.

قدّر العلّامة الميرزا حسين النوري عدد المعتنقين للشيعيّة بأنّه قارب مائة ألف شخص. و ذكرت المس بيل‏Miss Gertrude Bell (ت: 1346 ه/ 1927 م) انّ تشيّع قبائل زبيد تمّ حدود سنة 1246 ه/ 1830 م على يد مجتهد كبير، ما زال أحفاده يلعبون دورا هامّا في الحياة السياسيّة لمدينة الحلّة.

أمّا التاريخ الذي ذكرته بيل‏Bell في سنة تشيّع القبائل فهو تاريخ مقارب، حيث كانت هجرة القزويني إلى الحلّة سنة 1253 ه/ 1837 م، و بطبيعة الحال فإنّ تشيّع القبائل كان قد تمّ بعد هذا التاريخ.

أمّا قصة ظهور مرقد الحمزة فهي مقترنة بالجولات التي كان يقوم بها القزويني لضواحي مدينة الحلّة لارشاد الناس و توجيهها، و خلق منظومة ثقافيّة للنخبة؛ حيث شهد ظهور المرقد في قصّة أثبتها العلّامة الأردوبادي في أوراقه التي كتبها عن الحمزة، كما أثبتها نقلا عن الإمام القزويني نفسه، رواية عن ولده أبي المعزّ السيد محمد القزويني.

مشهده الشريف‏

قال الأردوبادي: لسيدنا أبي يعلى الحمزة في أرض الجزيرة بين الفرات، و دجلة من جنوب الحلّة السيفيّة مشهد معروف في قرية تعرف باسمه، بمقربة من قرية (المزيديّة). و هو اليوم مركز ناحية (المدحتية)، من نواحي قضاء الهاشمية.

156

و تؤمّ هذا المشهد الشريف جماعات كبيرة من المسلمين للتبرك به، و الزيارة له، و تساق إليه النذور، و تعزى إليه الكرامات، تتناقلها الألسن، و يتسالم عليها المشاهدون، و تخبت بها النفوس.

و كان من ذي قبل يعرف بمشهد حمزة ابن الإمام موسى الكاظم (ع).

و بما أنّ الثابت في التاريخ و الرجال أنّ قبر (حمزة) المذكور في (الري) جنب مشهد السيد الأجل عبد العظيم الحسني (سلام اللّه عليه)، و كان سيد العلماء و الفقهاء المجاهدين سيدنا المهدي القزويني المتوفى سنة 1300 ه بعد أن هبط الحلة الفيحاء، و أقام بها عمد الدين، و شيّد دعائم المذهب كان يمرّ بالمشهد المعظّم عند وفداته إلى بني (زبيد) لبثّ الدعوة الإلهية بينهم، و هدايتهم إلى الطريقة المثلى، و لا يزوره، و لذلك قلّت رغبة الناس في زيارته.

فصادف أن مرّ به مرّة، و نزل تلك القرية للمبيت بها، فاستدعاه أهل القرية لزيارة (المشهد)، فاعتذر بما قدّمناه، و قال: «لا أزور من لا أعرف»، ثم غادرها من غد إلى (المزيدية)، و بات بها. حتى إذا قام للتهجد في أخريات الليل، و فرغ منه، و طفق يراقب طلوع الفجر، دخل عليه داخل في زي علوي شريف من سادة تلك القرية، و كان يعرفه سيدنا المهدي بشمائل الصلاح و التقوى، فسلّم و جلس.

و قال: إستضفت أهل قرية الحمزة، و ما زرته.

قال: نعم، و لم ذلك؟! فأجابه بما قدّمناه من جوابه لأهل القرية.

فقال له العلويّ المذكور: «ربّ مشهور لا أصل له»، ليس هذا قبر حمزة بن موسى الكاظم (ع) كما اشتهر، و إنّما هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة، و أهل الحديث، و قد ذكره أهل الرجال في كتبهم، و أثنوا عليه بالعلم و الورع.

157

فحسب سيدنا المهديّ أنّه أخذ ذلك عن أحد العلماء، لأنّه كان من (عوام) السادة، و أين هو من الاطلاع على الرجال و الحديث؟! فأغفل عنه، و نهض للفحص عن الفجر، و خرج العلوي من عنده، ثم أدّى فريضة الصبح، و جلس للتعقيب حتى مطلع الشمس، ثم راجع كتب الرجال فوجد الأمر كما وصفه الشريف الداخل عليه قبيل الفجر.

ثم ازدلف أهل القرية مسلّمين عليه، و فيهم العلويّ، المشار إليه، فسأله السيد المهديّ عن دخوله عليه قبيل الفجر، و إخباره إيّاه عن المشهد، و صاحبه عمّن أخذه، و من أين لك ذلك؟ فحلف العلويّ باللّه أنّه لم يأته قبل الفجر، و أنّه كان بائتا خارج القرية في مكان سمّاه، و أنه سمع بقدوم سيدنا المهدي فجاءه زائرا في وقته، و أنه لم يره قبل ساعته تلك!

فنهض السيّد من فوره، و ركب لزيارة المشهد الشريف، و قال وجبت الآن عليّ زيارته، و إني لا أشكّ أنّ الداخل عليّ هو الإمام الحجّة (صلوات اللّه عليه).

و ركب الطريق معه أهل المزيديّة. و من يومئذ اشتهر المرقد الشريف بالاعتبار و الثبوت، و ازدلفت الإمامية إلى زيارته، و التبرك به، و الاستشفاع به إلى اللّه.

أخذنا هذا النبأ العظيم من كتاب (جنة المأوى) للعلّامة المحدّث النوري (رحمه اللّه) ملخّصا.

و بعد ذلك نصّ به سيدنا المهديّ- (قدّس اللّه سرّه)- في «فلك النجاة»، و تبعه من بعده؛ كالعلّامة النوري في «تحية الزائر»، و الحاج المولى هاشم الخراساني في «منتخب التواريخ»، و العلّامة المامقاني في «تنقيح المقال»، و شيخنا المحدّث القمي في «الكنى و الألقاب»، و غير هؤلاء (قدّس اللّه أسرارهم) (1).

____________

(1) الأردوبادي، المثل الأعلى في ترجمة أبي يعلى، ص 43.

158

يقول جودت القزويني: أروي عن السيد عبد الحميد القزويني المتوفى سنة 1400 ه/ 1980 م؛ أنّ الرجل الذي زار السيد مهدي القزويني كان من أهل تلك المنطقة، و عندما استدعاه القزويني ليسأله عمّن سمع ذلك، استبطأ مجيئه. و بعد مضي ساعات طوال جي‏ء بالرجل محمولا من قبل أولاده، و قدماه تخطّان الأرض، لا تكادان تحملانه. فعندما سأله السيد عمّا حلّ به علم أنّه منذ مدّة لا يقوى على الحركة لمرض أصابه، و لم يخرج من داره إلّا تلبيّة لطلبه.

قال السيد القزويني له: أبشر بالشفاء. و فعلا فقد شفي الرجل من مرضه.

و ذكر هذه الحكاية المحدث الميرزا حسين النوري في كتابه (جنة المأوى)، و نقلها عن السيد صالح ابن السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1304 ه/ 1886 م، قال: «حدّثني جماعة من الأفاضل الكرام، و الصلحاء الفخام، منهم السيّد السند و الحبر المعتمد، زبدة العلماء الأعلام، و عمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل و الأدب، و حائز معالي الحسب و النسب الميرزا صالح (دام علاه)، ابن سيّد المحقّقين، و نور مصباح المجاهدين، وحيد عصره، و فريد دهره، سيّدنا المعظّم السيّد مهدي، (أعلى اللّه مقامه، و رفع في الخلد أعلامه)، و قد كنت سألت عنه (سلّمه اللّه) أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظّم التي سمعتها من الجماعة، فإنّ أهل البيت أدرى بما فيه، مع ما هو عليه من الإتقان و الحفظ و الضبط و الصّلاح و السّداد و الاطّلاع، و قد صاحبته في طريق مكّة المعظّمة ذهابا و إيابا فوجدته (أيّده اللّه) بحرا لا ينضب، و كنزا لا ينفد، فكتب إليّ مطابقا لما سمعته من تلك العصابة».

و ذكر الميرزا النوري أنّه سمع هذه الكرامات شفاها من السيد مهدي القزويني، و قال: «لم تكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فإنّه ورث العلم و العمل‏

159

مرقد الحمزة حفيد العباس (ع)- الهاشمية (الحلّة)

عن عمّه الأجلّ الأكمل السيد باقر القزويني. و كان عمّه قد أدّبه و ربّاه، و أطلعه على الخفايا و الأسرار، حتى بلغ مقاما لا تحوم حوله الأفكار، و حاز من الفضائل و الخصائص ما لم تجتمع في غيره من العلماء الأبرار».

و ذكر النوري أيضا أنّ السيد محمد القزويني ذيّل هذه الروايات بقوله:

«سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعا من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطّر اللّه مرقده»، ثم ساق الحكايات الثلاثة.

و قد وقفت على نسخة الأصل التي أثبتها الميرزا النوري في (جنة المأوى) في بعض أوراق أبي المعزّ السيد محمد القزويني و هي في عشر صفحات، مكتوبة بخط ردي‏ء، و قد ذيّلها أبو المعزّ بما نصّه: (بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه و صلى اللّه على محمد و آله و صحبه، يقول الأقل الفقير إلى رحمة ربه محمد الحسيني القزويني، إني قد رويت هذه الكرامات الثلاث سماعا من لفظ الوالد العلامة المرحوم (عطّر اللّه مرقده)، و رويت الحكاية الأولى عن الصالح التقي الحاج علي علوش الحلي مستقلا، و حرّر في رجب سنة 1302 ه. و قد أمضاها بختمه (محمد الحسيني).

160

و قد أفاد النقل عن بعض علماء الإمامية أنّهم حظوا بملاقاة الإمام- (عليه السلام)- بما لا يحصل القطع بمعرفته إلّا بعد غيبته لوجود القرائن.

و مما يستحسن ذكره في هذا السياق ما كتبه السيد المهدي نفسه في كتابه المخطوط (آيات المتوسمين) حيث قال: «ربّما ظهر لبعض خواص الشيعة من العلماء الأعلام، (و قد عدّ بعضهم)، كما نقل ذلك الثقات من أصحابنا ممن شاهدناهم مشافهة. و ربّما تيسّر لنا في بعض المواضع بما لا يحصل لنا الشعور بمعرفته إلّا بعد غيبته مما يحصل لنا القطع به، لإجراء ما لا يجريه سواه، و لا يقوم به إلّا إيّاه من بعض الكرامات في مسجد الكوفة، و طريق كربلاء، و الحائر الشريف، و غير ذلك مما لا يسع المقام ذكره.

الحمزة الشرقي‏

يعرف أبو يعلى الحمزة بن القاسم بالحمزة الغربي. أمّا الحمزة الشرقي فهو الشريف السيد أحمد المقدس بن هاشم بن علوي- عتيق الحسين- ابن الحسين الغريفي من آل أبي الحمراء، ثم من بني علي الضخم، المنتهي نسبه إلى محمد الحائري ابن إبراهيم المجاب ابن محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر، و هو الجدّ الأعلى للسادة الغريفيّة البحرانية. و قد أطلعني صديقنا الفاضل الأستاذ الأديب هاشم محمد الموسوي الغريفي على (مشجّرة) كتبها بخطّه الجميل عند زيارتي له بالبصرة الفيحاء صيف عام 1396 ه/ 1976 م، كتب عليها تعريف بالسيد أحمد المقدّس، و هو كما يلي:

«أحمد المقدس- دفين لملوم القديم- له قبة و مزار، و يعرف اليوم بالحمزة الشرقي، و يعرف أيضا سبع (آل شبل). و (شبل) قبيلة من العرب، و (لملوم) إسم مكان شرق (الشنّافية) على الطريق القديم، أتى زائرا، و قتله (الجبور) مع عياله و أطفاله». (اه).

161

أمّا كيفية شهادته فقد يمّم زيارة مراقد أجداده الطاهرين بالعراق، و عارضه اللصوص في هذا المكان، و هم يريدون سلبه و سلب عياله، فدافع السيد عن نفسه و عياله و رحله و شدّ فيهم، و ثبت لهم، و احتدم بينه و بينهم القتال، فقتل منهم أناسا حتى قتل هو، و حليلته، و ابنه، و دفنوا في هذا المكان، و هو من أراضي (لملوم) مساكن قبيلة (جبور) و (الأقرع) من عشائر العراق الشهيرة، و هي بشرقي (الديوانية) من مدن العراق المعروفة. و أظهر اللّه سبحانه على قبره الكرامات الباهرة، و عرّف بشرفه القريب و البعيد.

أقول: إنّما لقّب بالحمزة تشبيها له بأبي يعلى الحمزة حفيد العباس من حيث الكرامات.

أمّا (لملوم) فهي من القرى الفراتيّة التي اندرست حدود سنة 1220 ه/ 1805 م و تفرّق أهلها جرّاء إنتقال مجرى الفرات عنهم، و سكن الغالبية العظمى منهم في قرية (الشنّافية).

عقب الحمزة

أولد الحمزة- كما ذكر النسّابة العمري في كتابه المجدي (المخطوط)- أربعة ذكور، و هم: (محمد، و الحسن، و علي، و القاسم).

فأما محمد بن حمزة، فكان أحد السادات تقدما و لسانا، و براعة، قتله الرجالة في بستانه أيام المكتفي، و هو و أخوه الحسن لم يذكر لهما ولد.

و ولد علي بن الحمزة ثلاثة ذكور: محمدا، و الحسن، و الحسين.

فأما الحسن فلم يعقب.

و أما محمد بن علي بن حمزة فنزل البصرة، و روى الحديث بها، و بغيرها، عن علي بن موسى الرضا (ع)، و غيره. و كان متوجها، قوي الفضل و العلم، و هو لأمّ ولد، و يكنّى أبا عبد اللّه. و مات محمد عن ستة ذكور أولد بعضهم.

162

و أما الحسين بن علي، فأنّه أعقب محمدا و عليا. فمحمّد لم يعقب، و عليّ أعقب ثلاثة ذكور، أعقب بعضهم.

و ولد القاسم بن حمزة بن الحسن بن عبيد اللّه بن العباس سبعة عشر ذكرا، منهم: علي بن محمد بن حمزة بن القاسم بن حمزة بن الحسن ابن عبيد اللّه، و كان من أهل الفضل.

و منهم: الحسين بن علي بن الحسين بن القاسم بن حمزة، وقع إلى (سمرقند). و أحسب أنّ منهم جعفر بن علي العباسي الرقي النحوي المعروف بالإبراهيمي، رآه شيخنا أبو الحسن النسّابة، و روى عنه.

و منهم: القاضي (بطبرستان) أبو الحسن علي بن الحسين ابن محمد بن الحسين بن الحسن بن القاسم بن حمزة، مات عن ولدين ذكرين.

فقال القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل: جاءنا رجل إلى بغداد عباسي علوي، و كانت له في نفسي هيبة، و في عيني منظر، حتى ربما سبقتني الدمعة، و ذكرت به سلفه، فسألت عن الرجل فخبّرت أنه ولد للقاضي أبي الحسن علي بن الحسين العباسي.

و ذكر لي النسّابة المتفرّد السيد عبد الستار الحسني البغدادي أنّه تحدّر من هذا السيد الجليل سلسلة طاهرة، و ذيل طويل من أشراف السادات الذين لم يخل من ذكرهم كتاب في أنساب الطالبيين.

و أردف قوله: إنّ بعض من لا تحقيق عنده نسب الأسرة العلوية المعروفة بآل (الشامي) في كربلاء إلى الحمزة بن القاسم هذا، و هو غلط محض فإنّ هؤلاء السادة من أولاد أبي الحرث محمّد المنتهي نسبه إلى موسى أبي سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم (ع).

أقول: و من رهط المترجم له؛ السيد الشريف علي بن الحسين العلوي العباسي الذي ظهر قبره أخيرا قرب (المحاويل)، و نسبت إليه الكرامات.

163

عمارات مشهد الحمزة

العمارة الأولى: عمارة السيد مهدي القزويني‏

لم يكن مرقد الحمزة معروفا قبل هجرة السيد مهدي القزويني من النجف إلى الحلّة سنة 1253 ه/ 1837 م. و قد مرّ عليك أنّه كان يعرف بمرقد الحمزة ابن الإمام موسى الكاظم (ع)، و هذا خلاف الواقع لأنّه من الثابت تاريخيّا وجود مرقده في (الري) بإيران.

أمّا الجزيرة- التي يثوي فيها (الحمزة)- فقد كانت أيام هجرة السيد المهدي قريّة تحتوي على مائة دار تقريبا. و بعد النصّ على ثبوت مرقد الحمزة حدود عام 1266 ه/ 1849 م، و أنّه حفيد العباس بن علي توسّعت عمارة المشهد، و أبدلت بقبته المبنيّة من الطين حجرة مربعة الشكل بنيت من الآجر.

و عند تولّي مدحت باشا ولاية العراق سنة 1286 ه/ 1869 م مصّر القرية و وسّعها، لذا رجّح إطلاق اسمه عليها، فدعيت (المدحتيّة).

العمارة الثانية: عمارة السيد محمد القزويني‏

و قد اهتم أبو المعزّ العلّامة السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335 ه/ 1916 م ببناء و تشييد المرقد، كما قام باعادة بناء جملة من المراقد في الحلّة، و ضواحيها.

العمارة الثالثة: عمارة عدّاي آل جريان‏

و لمّا عيّن الاستاذ جابر الكريمي مديرا للمنطقة بذل لبنائها، و كان الساعي لذلك عدّاي آل جريان، رئيس قبيلة (ألبو سلطان)، و بعض الوجوه من التجّار، و أرّخ تاريخ البناء سنة 1339 ه/ 1920 م الشاعر أمين الصقر العذاري ببيتين كتبا على واجهة الباب الأمامي للمرقد، و هما:

لا تلمني على وقوفي بباب‏* * * تتمنّى الأملاك لثم ثراها

هي باب لحمزة الفضل أرّخ‏* * * (جابر الكسر بالخلود بناها)

164

و قد جدّد بناء هذا الباب سنة 1382 ه/ 1962 م، فأبدلت مادة التاريخ من قبل الأديب الشيخ طالب أمين بما يناسب السنة المذكورة، حيث قال:

لا تلمني على وقوفي بباب‏* * * تتمنّى الأملاك لثم ثراها

هي باب لحمزة الفضل أرّخ‏* * * (خير منشي لها بديع بناها)

و قد نقش هذا التاريخ على الواجهة الأمامية للباب الرئيس، و لا يزال إلى الآن، و فيه من (العلّة) ما لا يخفى.

العمارة الرابعة: عمارة أهالي المدحتية

و في سنة 1364 ه/ 1945 م قام جماعة من أهل الخير و الصلاح ببذل المساعي في تبديل القبة، فتمّ إكساؤها بالقاشاني الأزرق، كما وضعت في أعلاها رمّانة من الذهب.

العمارة الخامسة: عمارة أحمد حسن البكر

و قد اهتم- في يومنا هذا، أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية العراقية، في أول زيارة للمرقد، بتعميره و توسيعه، فأوعز سنة 1388 ه/ 1968 م ببناء الواجهة الشمالية من الصحن، و عمل الإيوانات اللازمة لمبيت الزوّار. و كثيرا ما كان يتردد إلى زيارته بين الحين و الآخر و لا يزال العمل حتى سنة 1397 ه/ 1977 م قائما بشكل موسع بما لم يسبق إليه من قبل، من بناء الصحن و واجهاته و ما يحيطه، و نقش الزخارف في الداخل و الخارج.

نقل في سبب اهتمام الرئيس العراقي بالمرقد الشريف أنّ أحمد حسن البكر كان قد أخبر، (قبيل الإنقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة عام 1968 م)- من قبل إمرأة منجّمة، أنّه سيأتي إلى الحكم رئيسا للدولة، و عليه أن يهتمّ بتشييد مرقد (الحمزة) حال تحقق ذلك، و هذا ما حصل بالفعل. و قد شاعت هذه الرواية في أوساط العراقيين. و كان‏

165

العراقيون يتندّرون بذلك عندما يبدون استياءهم من الدولة، و جورها، فيطلقون على الحمزة لقب (الحمزة البعثي)!.

أمّا السياسيون فيذكرون أنّ حزب الدولة الحاكم الذي تسلّم السلطة في ذلك العام كان ينبغي أن يمتدّ في أوساط المناطق الفراتية الوسطى، و أن زيارة المسؤولين للمنطقة، و إظهار احترامهم المشاعر الدينية هو في حدّ ذاته يولّد شعورا إيجابيا من الطبقات الشعبيّة نحو السلطة السياسية.

بقي أحمد حسن البكر (ت: 1402 ه/ 1982 م) على مدى سنوات من وجوده بالسلطة (1968- 1979 م) متردّدا على زيارة المرقد. و قد أمر بفتح طريق حديث يوصل إلى المنطقة.

و أبدى المحقّق السيد محمد رضا الجلالي عدم ارتياحه لإيراد إسم البكر ضمن الحديث عن مرقد الحمزة. و كتب بخطّه معلقا على هذا الموضع:

«لماذا يؤرّخ لهؤلاء الأجلاف في كتب الأشراف»؟!

ناحية المدحتية

(المدحتيّة) من النواحي الجميلة، العريقة في تاريخها، و أصالتها.

و مركزها قرية (الحمزة) التي تبعد عن (الهاشمية) أربعة كيلومترات شرقا.

و إنّما سمّيت باسم (الحمزة) لوجود قبر الحمزة حفيد العباس، كما ذكر ذلك المؤرّخ السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديما و حديثا)، و يردف قوله أيضا في هذا الصدد: هي قرية كبيرة فيها حوانيت كثيرة، و بيوت عديدة، و مرافق مختلفة لا تجد مثلها لا في (الهاشمية)، و لا في (القاسم)، و فيها من النفوس أكثر من ألفي نسمة جلّهم من قبيلة ألبو سلطان. و قد أطّلعنا على (فرامين) عثمانية تؤيد وجود هذه القرية في ربيع الأول سنة 1029 ه، و أول صفر سنة 1072 ه/ 25 أيلول 1661 م، و تقول هذه الفرامين أنّ سدانة المزار أي قبر الحمزة- لآل نجم الهلال، و هي العائلة التي تتولّى السدانة المذكورة حتى اليوم.

166

و يأخذ أهل (المدحتية) مياههم من نهيّر يدعى (روبيانة) في مدخل القرية.

أقول: لا تزال السدانة منحصرة بعقب نجم بن هلال، و هم من قبيلة شمّر (آل إجعفر).

و قد نقل في ورودهم إلى القبر أنّه اتفق أن مرّ ركب لعشيرة (شمّر)، و كان من بينهم أولاد نجم بن هلال الستة، و هم: (علي، و حمد، و كاظم- من أمّ واحدة-، و موسى، و عبيد، و ناعور- من أمّ واحدة-) فمرض (عليّ) مرضا شديدا، و آيس منه أخوته، لذلك رحلوا عنه، و تركوه على حاله تطبّبه إمرأة كانت مسؤولة عن خدمة زائري قبر الحمزة. و استعاد (عليّ) المذكور عافيته، و تزوج من المرأة، و بقي معها مقيما في مكانه مستفيدا من تردد الزائرين إلى القبر. و بعد مدّة رجع إخوته فرأوه على خير ما يرام، حتى أقاموا معه يتسلّمون الهدايا و النذور، و يهتمون بخدمة الزوّار و القاصدين. و من ذلك اليوم بقي نسلهم كما بقوا، و أفخاذهم لا تزال موجودة.

السيد مهدي القزويني و الكرامات الثلاثة

نقل الميرزا حسين النوري في كتابه (جنّة المأوى) ثلاث كرامات للإمام السيد مهدي القزويني. و كان النوري قد أثبتها نقلا عن نجله الثاني العلّامة السيد المرزه صالح المتوفى سنة 1304 ه/ 1886 م. و ذكر أنّ أخاه أبا المعزّ ذيّلها بخطّه.

و قد وقفت على نسخة الأصل، و هي تقع في عشر صفحات. كتب السيد أبو المعزّ في آخرها أنّه روى الحكايات الثلاثة سماعا عن لفظ أبيه، و روى الحكاية الأولى عن الحاج علي علوش الحلّي.

و كان تاريخ هذا التذييل في شهر رجب سنة 1302 ه/ أيّار 1885 م أي بعد وفاة أبيه السيد مهدي بعشرين شهرا تقريبا، و قبل وفاة أخيه السيد صالح بسنة و نصف السنة.

167

أما نصّ الحكاية الثانية المتعلقة بتعيين قبر الحمزة، فهي كالآتي:

حدّثني الوالد (قدس سرّه)، قال: لازمت الخروج إلى (الجزيرة) مدّة مديدة لأجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحقّ، و كانوا كلّهم على رأي أهل التسنن، و ببركة هدايته و إرشاده رجعوا إلى مذهب الإمامية، كما هم عليه الآن. و هم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس.

و كان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم تزوره الناس، و يذكرون له كرامات كثيرة. و حوله قرية تحتوي على مائة دار تقريبا.

قال (قدس سرّه): فكنت أستطرق الجزيرة بالقرب منه، و لا أزوره، لما صحّ عندي أنّ الحمزة بن الكاظم (ع) مقبور في (الري) مع عبد العظيم الحسني.

فخرجت مرّة على عادتي، و نزلت ضيفا عند أهل تلك القرية فتوقّعوا مني أن أزور المرقد المذكور فأبيت، و قلت لهم: لا أزور من لا أعرف.

و كان المزار المذكور قلّت رغبه الناس فيه لاعراضي عنه. ثم ركبت من عندهم، و بتّ تلك الليلة في قرية (المزيديّة) عند بعض ساداتها.

فلمّا كان وقت السحر جلست لنافلة الليل، و تهيّأت للصلاة فلمّا صلّيت النافلة بقيت أرتقب طلوع الفجر، و أنا على هيئة التعقيب إذ دخل عليّ (سيّد)، أعرفه بالصلاح و التقوى من سادات تلك القرية، فسلّم و جلس، ثم قال: يا مولانا بالأمس تضيّفت أهل قرية الحمزة، و ما زرته.

قلت: نعم. قال: و لم ذلك. قلت: لأني لا أزور من لا أعرف.

و الحمزة بن موسى الكاظم (ع) مدفون في الري. فقال: «ربّ مشهور لا أصل له»، ليس هذا قبر حمزة بن موسى الكاظم، و إن اشتهر أنّه كذلك، بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الاجازة من أهل الحديث، و قد ذكره أهل الرجال في كتبهم، و أثنوا عليه بالعلم و الورع.

168

فقلت في نفسي: هذا السيّد من عوام السادة، و ليس من أهل الاطلاع على الرجال و الحديث، فلعلّه أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء.

ثم قمت لأرتقب طلوع الفجر، فقام ذلك (السيّد)، و خرج. و أغفلت أن أسأله عمّن أخذ هذا، لأنّ الفجر قد طلع و تشاغلت بالصلاة.

فلمّا صلّيت جلست للتعقيب حتى طلعت الشمس. و كان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها، و إذا الحال كما ذكر. فأتى أهل القرية مسلّمين عليّ، و في جملتهم ذلك (السيّد).

فقلت: جئتني قبل، و أخبرتني عن قبر الحمزة أنّه أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي، فمن أين لك هذا، و عمّن أخذته؟!

فقال لي: و اللّه، ما جئتك قبل الفجر، و لا رأيتك قبل هذه الساعة، و لقد كنت ليلة أمس بائتا خارج القرية (في مكان سمّاه)، و سمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك.

فقلت لأهل القرية: الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فإني لا أشكّ في أنّ الشخص الذي رأيته هو صاحب الأمر (ع).

قال: فركبت أنا، و جميع أهل تلك القرية لزيارته. و من ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهورا تاما على وجه صار بحيث تشدّ الرحال إليه من الأماكن البعيدة.

169

(8) السيد محمد بن الامام علي الهادي (ع)

السيد محمد بن الامام علي الهادي (ع) ولد سنة 228 ه/ 842 م، و توفي بحياة أبيه سنة 252 ه/ 866 م. أقام مع أسرته بمدينة سامراء طوال سنوات حياته القصيرة التي صوّرتها المصادر بأربعة و عشرين سنة.

حاولت الروايات أن تستلب دور السيد محمد، و تحوّله إلى محض إتهامات و أراجيف لا طائل وراءها، فألصقت به أنّه كان المرشّح للإمامة بعد أبيه دون أخيه الامام العسكري (ع) إلّا أنّ اللّه أماته ليصبح أخوه الحسن العسكري الامام الفعلي مكانه.

و هذه القصة تطابق ما روي عن إسماعيل بن الامام الصادق (ع)، الذي توفي في حياة أبيه، مما يدلّ على أنّ نسج القصتين يخضع لسلطان واحد.

و قد أضيف إلى السيد محمد مطلبان؛ الأول: دخول مصطلح (البداء) في قصته، و اتصاله بعلم اللّه مما حوّل النصّ التاريخي إلى نصّ عقائدي أخرجه عن مساره.

و الثاني: نسبة الفرقة «المحمديّة» التي قالت بإمامة السيد محمد و أنّه حيّ لم يمت، و هي ذات النسبة التي طالت إسماعيل بن الامام الصادق (ع) حينما قيل إنّه حي لم يمت، و أطلق على أتباعه الاسماعيلية.

و جميع هذه الأسماء لا وجود لها على مسرح تاريخ الأحداث، و إنّما هي من المبتدعات المتأخرة التي تسرّبت في كتب التاريخ و الفرق و العقائد و الحديث بعد قرون من تأليفها.

170

مشهد السيد محمد بن الامام علي الهادي (ع)- بلد

171

و لأبي جعفر السيد محمد سلالة منبثّة في العراق و إيران تنتهي بنسبها إلى شمس الدين الشهير بمير سلطان البخاري المتوفى سنة 832 ه/ 1429 م، و قبره في بروسا ظاهر مشتهر. و هو ابن السيد علي بن محمد بن الحسين بن محمد بن علي بن أبي جعفر بن الامام علي الهادي (ع).

و ممن عرف من هذه السلالة: السادة آل البعّاج بالعراق، الذين يرجعون بنسبهم إلى المؤيد باللّه يحيى بن محمد البعاج الذي كان من أكابر سادات العراق و أعيانهم في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي.

نسب للنسّابة السيد ابن مهنا العبيدلي (الذي عاش في القرن السابع الهجري) القول إنّ السيد جعفر لم يعقب من الذكور أحدا، بل أعقب بنتين فقط.

و اعتمد هذا الرأي النسّابة المحقّق السيد عبد الستار الحسني، و النسابة الخبير السيد مهدي الوردي.

و قد علّق السيد موسى الموسوي الهندي (ت: 1400 ه/ 1980 م) على قوليهما بما نصّه: إنّ ابن مهنا المذكور ليس بذلك الثبت الذي لا يطال أقواله التشكيك. أليس هو القائل إنّ قبر أبي جعفر محمد بن علي الهادي في (بلد) الموصل‏ (1)؟

لكنّ الاستاذ الموسوي الهندي لم يفطن هو، أو غيره إلى أنّ مثل هذه المرويات كانت قد تسرّبت إلى كتب الأقدمين، و نسبت إليهم و هم منها براء.

و عليه فإنّ تقديم دليل التسالم على شهرة الواقع في قبالة غياب النص هو في حدّ ذاته يرقى في مثل هذه الحالات، إلى مستوى الدليل في إثبات الثابت، و إبعاد الشبهة عنه.

____________

(1) سبع الدجيل السيد محمد بن الامام الهادي، ص 49.

172

و عبارة القزويني التي يذكر فيها السيد محمد بأنّه «كان يلقّب بالبعّاج»، كافية في هذا المقام على المرام.

قبره الشريف‏

يقع مقام السيد محمد في مدينة بلد التي تبعد عن سامراء أربعين كيلومترا جنوبا. و له مقام مشهور يزدحم بالزائرين الذين يقصدونه من شتى البقاع لأداء فروض الزيارة، و الدعاء عنده. و على مقامه قبّة شاهقة شيّدت سنة 1208 ه/ 1794 م على يد الشيخ زين العابدين السلماسي. و التعميرات اليوم سنة 1396 ه/ 1976 م قائمة في صحن المقام التي أصبحت الغرف المحيطة به تربو على المائة و العشرين غرفة، و هي مخصّصة لسكنى الزوّار الذين لا مأوى لهم في البلد. كما شيّدت مأذنة سنة 1371 ه/ 1952 م ما زالت شاخصة.

173

(9) السيد محمد العابد بن الامام موسى الكاظم (ع)

السيد محمد العابد بن الامام موسى الكاظم (ع) كان من زعماء الاسلام وقادته. تولّى إدارة يزد و شيراز.

ذكره بحر العلوم في «تحفة العالم»، و قال: إنّه من أهل الفضل و الصلاح. ثم ذكر ما يدلّ على حسن عبادته.

و في رجال الشيخ أبي علي: إنّه مدفون كأخيه شاه چراغ بشيراز. و قد صرّح بذلك العلّامة الجزائري في الأنوار النعمانية، و قال: «محمد و أحمد مدفونان في شيراز، و الشيعة تتبرّك بتربتيهما، و تكثر زيارتهما».

جدّد مقام السيد محمد العابد الذي يقع في محلّة يطلق عليها إسم (باغ قتلغ)، فبنيت عليه قبّة منذ القرن السابع الهجري. كما استمرت عمليات تجديد البناء، و إدامته على مدى العصور، منها: التجديد الذي أمر به نادر شاه الأفشاري. و منها: التجديد الذي أمر به النواب أويس بن النواب الأعظم الشاه زاده فرهاد القاجاري سنة 1296 ه/ 1879 م. و له في عصرنا مزار عامر يتبرّك به، و تعقد له النذور.

نسب البحّاثة الشيخ يونس السامرائي، كما ورد في كتابه (الدور) قبرا في الدور إلى السيد محمد بن الامام الكاظم (ع)، و سمّاه بالعابد. و الصواب إنّ مرقد الدور هذا هو لأحد المتصوّفة ممن لا يمتّ إلى الأصول العربيّة بصلة، و لقبه المرادف لاسمه في كتب التاريخ و السير يدل على ذلك.

174

(10) أحمد بن الامام الكاظم (ع)

أحمد بن الامام الكاظم (ع) المعروف بشاه چراغ. قبره بشيراز مشهور، بنيت عليه عمارة في القرن السابع الهجري، كما شيّدت قبّة على ضريحه.

و قد تعرّض البناء للزلازل، و تهدّم قسم كبير منه على مرّ الأيام.

و في منتصف القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي تمّ إعادة بناء المرقد، و تشييد قبّة ذهبيّة جديدة عليه.

لم تكن المعلومات التي تخصّ السيد أحمد في كتب التاريخ كافية عنه، و لم تعط أيّة معلومات مفيدة سوى المعلومات الوصفية التي تتعلّق بعواطفه النفسية و عواطف أمّه، و ولائها للأئمة (ع). فقد انصبّت النصوص على وصفه بما يلي:

1- كان سيدا كريما جليلا، ورعا.

2- كان الامام موسى والده يحبّه، و قد وهب له ضيعته المعروفة (باليسيرة!).

3- أعتق أحمد ألف رقبة من العبيد و الاماء في سبيل اللّه.

4- بعد وفاة أخيه الامام الرضا (ع) ذهب إلى شيراز، و مات فيها أيام الخليفة المأمون العباسي.

5- كانت أمّه أم ولد. و لها من الامام موسى (ع) أيضا محمد، و حمزة.

أودع الامام موسى الكاظم (ع) عندها «سفطا» فيه بعض مواريث آبائه المعصومين (ع) قبل أن يودع بالسجن. و بعد وفاة الامام الكاظم (ع)، طالب ولده الامام الرضا (ع) بالسفط.

175

تقول الرواية: «فصاحت أم أحمد، و شقّت جيبها، و قالت له: مات أبوك»!

بايعت أم أحمد الامام الرضا (ع) بالامامة بعد فقد أبيه، و كان ولدها أحمد موجودا.

و من خلال دراستنا لسيرة أهل البيت (ع) ظهر لنا أنّ تاريخ هؤلاء القادة يختلف عمّا صوّرته النصوص التاريخيّة التي تسرّبت لمؤلفات التاريخ، و حرّفتها.

كان السيد أحمد، و أخوته في هذه المرحلة قادة يحكمون البقاع. و كان هو يتولّى ولاية شيراز، و ربّما لقب «الشاه» كان قد أطلقه عليه الأهالي نسبة لما كان يتمتع به من مزايا في الحكم و السلطة.

إلّا أنّ التاريخ الموهوم، الذي أطلقنا عليه إسم «التاريخ البديل»، كان قد حلّ على صفحات الكتب بعدما أزاح التاريخ الأصلي، و أخفاه.

من هنا يلاحظ في تراجم سيرة هؤلاء القادة الدينيين و السياسيين أنّ الحديث إنصبّ على بيان الجانب الذي هو خارج النشاط، أو الفعل التاريخي. و هذا ما دعاني أن أذكر نموذجا منه خلال ترجمة النصوص التاريخية لسيرة السيد أحمد (ع)، و التي هي قاعدة مطّردة للكتابة عن جميع الشخصيّات الفاعلة في التاريخ، و تحويلها إلى شخصيّات يكون تأريخها أقرب إلى الانطفاء منه إلى التوهّج‏ (1).

____________

(1) للسيد أحمد بن الامام الكاظم (ع) ترجمة في كتاب «الأنوار النعمانية»، للسيد نعمة اللّه الجزائري، ج 1، ص 380، و فيه تحقيق عن قبره. كما ذكره الشيخ عباس القمي في الكنى و الألقاب، ج 2، ص 315، و السيد جعفر بحر العلوم في تحفة العالم، ص 27، و كتب عنه ترجمة وافية. كما عيّن قبره، و نقل قسما من أخباره السيد جواد شبّر في الضرائح و المزارات- المخطوط، (رأيته في مكتبته بالنجف). و جميع هذه التراجم لا تخرج عن المنقولات المتعارفة نصوصها، و التي أشرنا إليها.

176

(11) السيد أحمد بن موسى الحارث‏

السيد أحمد بن موسى بن جعفر الملقّب بالحارث، له مرقد مشيّد عامر، عليه قبّة و للأعراب عقيدة خاصة به.

قال حرز الدين: هكذا اشتهر القبر، و لم أتحقّقه من هو، و ابن من؟ و هو من القبور التي هي تحت الفحص و التنقيب لدينا (1).

و يلاحظ أنّ المؤرخ حرز الدين إعتمد على ما أورده الامام القزويني حول المرقد. و قد إحتمل القزويني أنّ هذا القبر هو قبر أحمد المزيدي، من علماء الإجازة و الحديث. و سيأتي ذلك في (الفصل السابع) من هذه الرسالة.

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 126.

177

(12) الشاه عبد العظيم الحسني‏

هو أبو القاسم السلطان شاه عبد العظيم بن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع).

ذكره الأمير الداماد في كتابه «الرواشح السماوية في الفوائد الرجالية»، فقال في جملة كلام له: من الذائع و الشائع أنّ طريق الرواية من جهة أبي القاسم عبد العظيم بن عبد اللّه الحسيني المدفون بمشهد الشجرة بالريّ من الحسن، لأنه ممدوح.

و ذكره العلّامة الحلّي في الخلاصة بقوله: «كان عالما عابدا ورعا، له حكاية تدل على حسن حاله ذكرناها في كتابنا الكبير».

و قال الشهيد الثاني في تعليقته على الخلاصة: «عبد العظيم هذا، هو عبد العظيم المدفون بمسجد الشجرة، و قبره يزار. و قد نصّ على زيارته الامام علي بن موسى الرضا (ع).

كان أبو القاسم من أصحاب الامام الجواد، و الامام الهادي (ع) محترما عندهما في الغاية، و كانا يحبانه حبّا شديدا. نقل الشيخ الصدوق بالاسناد المتّصل أنّه قال: «دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) فلما أبصرني قال: مرحبا بك يا أبا القاسم، أنت وليّنا حقا».

178

و السيد عبد العظيم يروي عن الامام أبي جعفر محمد الجواد (ع)، و عن الامام الهادي (ع) (1).

و روى عنه من رجالات الشيعة، أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، و أحمد بن محمد بن خالد، و أبو تراب الروياني.

كان الشاه عبد العظيم الحسني من رجال الحكم و السلطة. و قد نقلت النصوص ما يخالف سيرة حياته، بل شوّهت صورته البطولية، بمنقولات تسرّبت إلى الكتب الشيعيّة دون أن يفطن إليها أحد. و من ذلك القصة التي نسبت للنجاشي، و التي تظهر الشاه عبد العظيم بالشخص المتخفي الذي لا يعرفه أحد في حياته. تقول الرواية:

كان عبد العظيم ورد الري هاربا من السلطان، و سكن سربا في دار رجل من الشيعة في سكة الموالي فكان يعبد اللّه في ذلك السرب، و يصوم نهاره، و يقوم ليله فكان يخرج مستترا فيزور القبر المقابل قبره، و بينهما الطريق، و يقول: هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر (ع)، لم يزل يأوي إلى ذلك السرب، و يقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمد (ع) حتى عرفه أكثرهم. فرأى رجل من الشيعة في المنام رسول اللّه (ص) قال له أنّ رجلا من ولدي يحمل من سكة الموالي، و يدفن عند شجرة التفاح في (باغ) عبد الجبار عبد الوهاب، و أشار إلى المكان الذي دفن فيه. فذهب الرجل ليشتري الشجرة و مكانها من صاحبها، فقال له لأي شي‏ء تطلب الشجرة و مكانها فأخبره بالرؤيا، فذكر صاحب الشجرة أنه كان رأى مثل هذه الرؤيا، و أنه قد جعل موضع الشجرة مع جميع (الباغ) وقفا على الشريف، و الشيعة يدفنون فيه.

فمرض عبد العظيم و مات (رحمة اللّه عليه)، فلمّا جرّد ليغسّل، وجدت‏

____________

(1) يراجع: النوري، خاتمة مستدرك الوسائل.

179

في جيبه رقعة فيها ذكر نسبه، فإذا فيها: أنا أبو القاسم عبد العظيم بن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) (1).

و إمعانا بالسخرية فقد استعمل ناسج الرواية كلمة (باغ) الفارسية، بدلا من كلمة (بستان) العربيّة. كما حشر إسم (عبد الجبار عبد الوهاب)، و صوّره بأنه هو مالك البستان.

قال صاحب «عمدة الطالب» في طيّ ذكر عقب زيد بن الامام الحسن المجتبى ما نصّه: عبد العظيم السيد الزاهد المدفون في مسجد الشجرة بالريّ و قبره يزار. و أولد عبد العظيم محمد بن عبد العظيم، و كان زاهدا كبيرا، و انقرض محمد بن عبد العظيم، و لا عقب له.

و قد ألّف الحاج مولى محمد باقر بن المولى محمد إسماعيل المازندراني الكجوري المتوفى سنة 1313 ه/ 1895 م كتابا كبيرا سمّاه (جنّة النعيم في أحوال السيد عبد العظيم)، طبع بطهران سنة 1296 ه في (548) صفحة، استظهر في كتابه هذا أنّ وفاة عبد العظيم كانت أوائل سنة 250 ه.

قال النجاشي: إنّ لأبي جعفر ابن بابويه كتاب أخبار عبد العظيم ابن عبد اللّه الحسني‏ (2).

يعدّ مرقد الشاه عبد العظيم الحسني من المراقد الشهيرة في إيران، و قد أجريت عليه الانشاءات العمرانية على طول عقود السنين. و منطقة (الري) التي يقع فيها المقام أصبحت من المدن المهمة القريبة من العاصمة طهران.

يقول المؤرخ حرز الدين: مرقده غنيّ عن التعريف، و له مشهد مشيّد بأنواع العمارات و الزخارف، و صحن عامر فيه الغرف و الأيوانات‏ (3).

____________

(1) رجال النجاشي، ص 174.

(2) النجاشي، الفهرست، ص 112.

(3) مراقد المعارف، ج 2، ص 52.

180

و قال العلّامة السيد محمد صادق بحر العلوم فيما كتبه عن السيد عبد العظيم الحسني: أمّا مشهده في زماننا هذا الموافق سنة 1359 ه/ 1940 م فهو بلدة عظيمة ذات بساتين جميلة و حدائق ذات بهجة زاهية تبعد عن طهران (عاصمة إيران) ثلاثة أميال تقريبا بينهما سكة حديدية، و حول قبره شبّاك فضيّ، و عليه قبّة كبيرة ذهبية بين منارتين من القاشاني الثمين، و حول ضريحه صحن واسع يقصده الزائرون من كلّ فجّ لاسيّما في ليالي الجمعة، و يتبركون به، و ينذرون له النذور، و يعظمونه غاية التعظيم، و يقابله قبر حمزة بن الامام موسى بن جعفر (ع)، و هو أيضا مزار معروف.

و قد دفن حول مرقد عبد العظيم جماعة من العلماء و الوزراء و السلاطين، منهم: ناصر الدين شاه القاجاري (المقتول في المشهد المذكور يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة سنة 1313 ه).

181

(13) الحمزة بن الكاظم‏

الحمزة بن الكاظم مرقده بمنطقة الري معروف، متصل برواق الشاه عبد العظيم الحسني.

و يؤثر له مرقد بمدينة قم، و آخر بمدينة شيراز و آخر في كرمان. و الأول أقواها (1).

قال السيد ضامن بن شدقم الحسيني المدني في (الأنساب): كان عالما فاضلا كاملا جليلا رفيع المنزلة عالي الرتبة، عظيم الحظ و الجاه، و العزّ و الابتهال، محبوبا عند الخاص و العام، سافر مع أخيه الرضا (ع) إلى خراسان، واقفا في خدمته ساعيا في مآربه، طالبا رضاه، ممتثلا لأمره. فلما وصلا إلى (سوسمر) إحدى قرى (سنر)- كذا- خرج عليهما قوم من رؤساء المأمون- كذا- فقتلوه، و قبره أخوه الامام الرضا (ع) في بستان بها.

و قال السيد جعفر بحر العلوم في كتابه «تحفة العالم»: أمّا حمزة بن موسى فهو المدفون في الري في القرية المعروفة ب (شاه زاده عبد العظيم)، و له قبة و صحن و خدّام، و كان الشاه زاده عبد العظيم على جلالة شأنه، و عظم قدره يزوره أيام إقامته في الري، و كان يخفي ذلك على عامة الناس، و قد أسرّ إلى بعض خواصه أنّه قبر رجل من أبناء موسى بن جعفر.

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 262.

182

و في «تحفة الأزهار»: إنّه أعقب ولدين أحدهما علي، و الآخر القاسم أبا محمد، و إليه تنتمي السادة الصفوية.

قال السيد حسن الصدر في «نزهة الحرمين»: قبره بالري قرب قبر الشاه عبد العظيم قرب طهران.

و في «ناسخ التواريخ»: إنّ الحمزة مدفون في قم.

و من نسل الحمزة السادة الصفويون، و السادة الجبّاريون في كركوك، و أسرة السيد عبد الحسين اللاري، و آل الواعظ (أسرة السيد جعفر الأدهمي)، و هم غير آل الواعظ (أسرة الشيخ نجم الدين)، فهؤلاء من المعاضيد، و ليسوا من العلويين. كما تتصل بالحمزة جمهرة كبيرة من السادة في بلخ، و بلاد فارس، و الهند، حدّثني بذلك النسّابة السيد عبد الستار الحسني.

183

(14) الامام زيد بن علي (ع)

الامام زيد هو ابن الامام علي بن الحسين زين العابدين، و الأخ الأصغر للإمام الباقر (ع).

استقرّ رأي الباحثين جميعا على أنّ ولادته منحصرة في عام 78 ه أو 80 ه.

إلّا أنّ المحقّق السيد عبد الرزاق المقرّم استظهر أنّ ولادته كانت سنة 66 ه/ 685 م، أو 67 ه/ 686 م، إعتمادا على الرواية القائلة أنّ أمّ الامام زيد (و إسمها حوراء) هي أم ولد أهداها المختار بن يوسف الثقفي إلى الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع).

و طبقا للرواية نفسها فإنّ أم زيد كانت قد علقت به في السنة التي بعثها المختار إلى الامام.

يقول جودت القزويني: يقرّر الواقع غير ذلك، فإنّ الامام زيدا لم يكن الولد الأكبر لحوراء، فقد ولد أخوه أبو حفص عمر الأشرف المتوفى سنة 132 ه/ 749 م قبله‏ (1). و على ذلك تكون ولادة الامام زيد سنة 68 ه/ 687 م. (هذا إذا كانت هذه الرواية صحيحة).

____________

(1) المجدي في أنساب الطالبيين، ص 148.

184

إلّا أنّ الخوارزمي ذكر أنّ ولادته كانت سنة 57 ه/ 677 م كما نقل عنه ذلك السيد كمونة في «مشاهد العترة». و هو الرأي الذي نذهب إليه.

درس زيد على يد أخيه الباقر (ع)، فنشأ عالما متينا مفسّرا، متكلّما، بليغا، بصيرا بعلم الجدل و المناظرات. و قد عرف بالعلم و الفهم، و عدّ من علماء آل محمد، و من سادات بني هاشم، و عين أخوته بعد الباقر (ع)، و أفضلهم‏ (1).

و للإمام زيد العديد من المؤلفات الثابتة النسبة إليه، إلّا أنّ الشكوك تطال نسخها المطبوعة، فمن الصعب إثبات نسبتها إليه، ككتاب الصفوة، و مسند الامام زيد بن علي، و تفسير غريب القرآن، و تأويل مشكل القرآن. فهي مؤلفات فيها شي‏ء من تراثه، إلّا أنّ يد العبث كانت قد طالتها، فمسختها.

أسهبت في الحديث عن قصة مقتل الامام زيد (ع)، و تفاصيل ثورته، و محاولة تفكيك الرواية التي وردت منسوبة للطبري، و غيره في المجلّد الأول من كتاب (تاريخ المؤسسة الدينية الشيعيّة)، و خلص البحث أنّ الامام زيدا كان حاكما على العراق، و لم تكن هناك ثورة كما صوّرتها المرويات، كما لم تتمّ عملية قتله بهذه الطريقة الملفّقة التي دسّت في كتب المؤرّخين و المحدّثين.

أمّا حادثة صلبه، و ما اتصل بها من اتخاذ الفاختة جوفه عشّا لها، أو ببقاء جسده مصلوبا منكسا مقطوع الرأس، أربع سنوات كاملة، و غير ذلك فلا واقع لها في سيرة هذا الامام العظيم.

أمّا شهادته فهي قطعا قائمة إلّا أنّ فاعليها مجهولون عندنا، فلا بدّ أنّ مقتله كان قد تمّ بطريقة ما، إلّا أنّها بلا شك ليست تلك التي رويت في كتب التاريخ بهذه الطريقة المريبة المفككة.

____________

(1) الارشاد للشيخ المفيد، ص 268.

185

أمّا موضع قبره فهو الموضع الذي أثبته الامام القزويني، و حدّده في كناسة الكوفة، إلّا أنّ جسد الامام زيد لم يحرق، كما شاع ذلك.

المرقد المطهر و موقع الكناسة

لم يذكر أحد من المؤرخين قبرا لزيد سوى ما نقله السيد القزويني من تعيين قبره. و قد كتب المحقق السيد عبد الرزاق المقرّم بحثا مفصّلا عن الامام زيد (ع)، و عيّن قبره بكناسة الكوفة معتمدا على ما نقله السيد مهدي القزويني في تعيين قبره.

قال السيد المقرّم: ليس بالهين معرفة هذين الموضعين على سبيل القطع، خصوصا موقع الكناسة، مع ما لها من الشهرة، و تكرار الذكر في صفحات التاريخ بمناسبة الحوادث الواقعة فيها، حيث لم تكن خارطة تخطط أرجاءها، و لا بقيت من آثارها ما يتعرف بها الأحوال إلّا أعلام دارسة، و صور مجهولة، كما هو الشأن في آثار الأمم البائدة، و الديار الخاوية، فليس في وسع المنقّب الحزم بشي‏ء منها إلّا بالتقريب بالوقوف على الرسوم و التلال، أو الحفريات، أو الركون إلى كلمات مستطردة خلال السير.

و حتى الآن لم يتسنّ لنا شي‏ء من تلك القرائن سوى ما وجدناه في «فلك النجاة» للعلّامة الحجّة السيد مهدي القزويني (قدس سرّه): «إنّ المشهد المعروف لزيد بن علي الذي يزار و يتبرك به، محل صلبه و حرقه».

و هذه الكلمة من سيدنا البحّاثة يجب الاحتفاظ بها، لما هو المعهود من غزارة علمه، وسعة إحاطته. و قد وثق بها و أرسلها إرسال المسلّمات أخذا عن أوثق المصادر المتوفرة لديه. لذلك لم تترك لنا منتدحا عن الاذعان بأنّ هذا المشهد القائم في شرقي قرية ذي الكفل واقع في محل الكناسة.

و يشهد له أنّ الصلب و أشباهه مما يقصد فيه الارهاب و تمثيل قوة البأس، و شدّة السلطان لا يكون إلّا في المحتشدات العامة، و مختلف زرافات الناس.

186

و هذا الموضع قريب من النخيلة، و هي العباسية في كلام إبن نما، و العباسيات اليوم. و لا شك أنّ النخيلة كانت باب الكوفة للخارج إلى الشام و المدائن و كربلاء.

فناسب أن يكون الصلب في الموضع العام، أو بالقرب منه على ألّا يفوت الغرض المقصود من الارهاب، و إراءة الغلبة و قوة السلطان.

و هذا الاعتبار يؤيد ما أرسله السيد المتتبّع. و بقي تحديد الموضع الذي دفن فيه قبل النبش و الاخراج على ذمة التاريخ، وسعة المنقّب‏ (1).

يقول جودت القزويني: لقد أبطلنا الروايات التي تنبي‏ء بوقوع نبش قبر زيد، و صلبه في كتابنا «تهشيم التاريخ»، و أثبتنا وقوع عملية القتل فقط دون الدخول بالتفاصيل.

و يؤثر أنّ للإمام زيد مشهدا بمصر يقال له مشهد رأس زيد الشهيد، أورد ذكره ابن عثمان في كتابه «مرشد الزوّار» قال: قدم برأس زيد بن علي يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 122 ه، و بنوا عليه هذا المشهد المعروف بمشهد التبن (أو التبر)، (بحري القاهرة). و الدعاء فيه مستجاب، و الأنوار ترى عليه بالليل نازلة (2).

يلاحظ:

1- إنّ سياق تسلسل الأحداث يكذّب وجود مشهد لرأس الامام زيد بمصر.

2- ثبت أنّ جسد الامام زيد لم يتعرّض للتشويه، أو الصلب و الإحراق.

و إنّما كان ذلك فقط في طي المرويات المحرّفة.

3- مما يبيّن تهافت الرواية أنّ تاريخ وصول رأس زيد بن علي إلى مصر الذي حدّده المؤلف بيوم الأحد 10 جمادى الآخرة 122 ه، كان مزوّرا

____________

(1) المقرّم، زيد الشهيد، ص 146.

(2) الدر المنظّم في زيارة الجبل المقطّم، ج 1، ص 199.

187

أيضا، شأنه شأن أصل الروايات التي شوّهت الأحداث. فلم يكن يوم العاشر من جمادى الثانية لتلك السنة قد صادف يوم الأحد، كما يزعم النص، و إنّما كان ذلك اليوم يوم الأربعاء.

(15) الحسين قتيل فخ‏

فخّ: وادي بمكة، دفن فيه الحسين الأثرم ابن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع).

و لهذا الوادي أيضا تنسب واقعة فخّ التي قيل إنّ الحسين بن علي بن الحسن (المثلث) بن الحسن (المثنى) بن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) كان قد خرج على الخليفة العباسي موسى الهادي سنة 169 ه/ 785 م، و قتل هو و أصحابه في تلك الواقعة.

188

(16) إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى‏

لقّب الغمر لجوده و كرمه. كان من أئمة الحديث و رواته، عالما من علماء آل محمد، و زعيما من زعماء الهاشميين.

يقع مرقده بالكوفة بالقرب من مرقد ميثم التمّار، و هو قبر مشهور و معروف.

قال الشيخ محمد حرز الدين: ظهر قبر إبراهيم الغمر متأخرا نهاية القرن الثاني عشر الهجري. عثر عليه بعض المنقّبين عن حجارة آثار الكوفة الدفينة لبيعها، حيث وجد صخرة دفينة تحكي بوضوح أنّه قبر إبراهيم الغمر. و بنى عليه قبّة السيد الجليل، علّامة عصره، و فريد دهره السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي النجفي. و الظاهر أنّها القبّة الموجودة في زماننا، أوائل القرن الرابع عشر، حيث أنّه الجد الأعلى للسادة الطباطبائية جميعا (1).

و قد استظهر العلّامة السيد عبد الرزاق كمّونة أنّ هذا القبر هو قبر إبراهيم طباطبا إبن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن بن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع).

قال السيد كمونة: و ما نسبه السيد مهدي القزويني في «فلك النجاة» إنه لابراهيم بن الحسن المثنى إشتباه، لأنّ قبره بالهاشمية (2).

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 35.

(2) مشاهد العترة الظاهرة، ص 288.

189

(17) قبور الطالبيين بالهاشمية

يقصد السيد المصنّف بهؤلاء الطالبيين: عبد اللّه المحض بن الحسن المثنى بن الامام الحسن (ع)، و علي بن الحسن بن الحسن المثنى بن الامام الحسن (ع)، و الحسن بن الحسن بن الامام الحسن (ع)، و عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن الامام الحسن (ع)، و العباس بن الحسن المثلث بن الحسن بن الامام الحسن (ع).

و قد سبقت الإشارة إليهم.

(18) إسماعيل ابن طباطبا

إسماعيل بن إبراهيم (طباطبا) بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (ع).

قبره بالهاشمية معروف. وصفه الشيخ محمد حسين حرز الدين محقّق كتاب جدّه الشيخ محمد حرز الدين عندما زاره سنة 1387 ه/ 1967 م بقوله:

يقع قبره بمقاطعة «السلط» عند الرجيبات، إحدى عشائر الجبور، ضمن ناحية القاسم، و كان عامرا مشيدا، جديد البناء، و يتعهّد آل يسار على رعاية المرقد، و العناية به‏ (1).

ذكرت النصوص أنّ عبد اللّه المحض بن الحسن المثنى بن الامام الحسن‏

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 158.

190

بن علي بن أبي طالب (ع) تمّ اعتقاله مع عدد من أخوته، و بني عمومته من آل الحسن، و كان إسماعيل بن إبراهيم الطباطبا واحدا منهم. و نقل أنّ هؤلاء دفنوا أحياءا بعدما سجنوا بقصر ابن هبيرة (شرقي الكوفة) في سرداب تحت الأرض، حيث ردم عليهم، و ماتوا فيه.

و قد ذكرنا التشكيك بهذه الروايات بشكل قاطع، لأنّ هؤلاء النخبة من آل الحسن (ع) كانوا حكّاما للعراق، و لم يكونوا أسراء بيد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، أو غيره. و لا مجال لبسط الحديث في هذه العجالة.

(19) إبراهيم المضر

يقع قبر إبراهيم بن عبد اللّه المضرّ في الهاشمية على فرع نهر الجربوعية من فروع نهر الفرات. و الهاشمية من أعمال مدينة الحلّة التابعة لها.

قال المؤرّخ الشيخ محمد حرز الدين: لم يتّضح لنا إبراهيم هذا من هو، و من هم آل المضر سوى ما ذكره الداودي صاحب «عمدة الطالب» في آل فخار الموسويين‏ (1)؟

(20) الحمزة و الشاه عبد العظيم‏

سبق الحديث عن قبري الحمزة بن الامام موسى الكاظم (ع) و الشاه عبد العظيم الحسني في أرض الري بإيران.

(21) فاطمة (معصومة قم)

السيدة الجليلة فاطمة، الشهيرة بمعصومة قم بنت الامام موسى الكاظم (ع)، و أخت الامام الرضا (ع)، توفيت سنة 201 ه/ 817 م.

كانت مع أخيها الامام الرضا (ع) الذي تولّى السلطة بعد أبيه الامام‏

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 47.

191

الكاظم (ع)، و سكن أرض خراسان تبعا لمتطلبات تلك المرحلة، و لتوجيه الامبراطورية الاسلامية و ترشيدها.

و قبر السيدة المعصومة أشهر الآثار الموجودة بمدينة قم، و أشخصها.

و قد أصبح من المراكز التدريسية و العلمية و الاجتماعية و السياسية، يتوافد يوميا عليه الزائرون، و تقام بباحته الصلوات جماعة.

و قد أجريت على قبر السيدة فاطمة عمارات مختلفة، قبل عهد الصفويين، و بعده لا يمكن الالمام بها في هذه العجالة.

(22) محمد بن جعفر الطيّار

محمد بن جعفر الطيّار بن أبي طالب. قيل إنّه استشهد بحرب (تستر) لمّا فتحها المسلمون. و يقع مرقده بمدينة «دزفول». و قد أوردت له بعض التفصيلات في الجزء الأول من كتاب «تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية»، في الحديث عن «الزينبات الثلاثة».

192

الفصل السابع في زيارة قبور العلماء

يستحب زيارة قبور العلماء خصوصا المشاهير منهم كالنوابين الأربعة في بغداد، و هم: عثمان بن سعيد العمري (1) في الجانب الغربي من بغداد مما يلي سوق الميدان، و محمد بن عثمان العمري المعروف بالخلاني (2) في الجانب الشرقي منها، و الحسين بن روح (3) في دار في سوق العطارين في الجانب الشرقي، و علي بن محمد السمّري (4) مما يقرب سوق الهرج و السراجين.

و في أرض نهر الشاه من أعمال الحلة السيفية قبر يقال له السامريّ، يقال إنّه قبر علي بن محمد السمري (5).

و الكليني (6) في الجامع مما يلي جسر بغداد، و معه قبر آخر يقال إنّه الكراجكي (7)، أو الكيدري (8).

و ابن قولويه (9)، و الشيخ المفيد (10) في مشهد الإمام موسى بن جعفر في الرواق مما يلي رجلي الإمام الجواد (ع).

و الشيخ الطوسي (11)، شيخ الطائفة في النجف الأشرف في مسجده المعروف مما يقرب من الصحن الشريف.

193

و علماء الحلة، منهم: آل الطاووس؛ السيّد أحمد أبو الفضائل (12)، و السيّد علي رضي الدين أبو المكارم (13).

و المحقّق بن سعيد (14)، و يحيى بن سعيد منتجب الدّين (15)، و الشيخ ورّام (16)، و ابن ادريس العجلي (17)، و الشيخ محمد بن نما (18)، و ابنه جعفر بن نما (19) و الشيخ أحمد بن فهد الأسدي (20).

و باقي القبور مجهولة، و يعرف منها: قبر ابن حمّاد (21)، و الخليعي الشاعر المعروف (22)، و الشافيني (23)، و ابن عرندس (24)، و محمّد بن مكي (25).

و أمّا العلّامة الحلّي (26) فهو في النجف الأشرف في حجرة مما يلي منارة أمير المؤمنين (ع) الغربيّة من طرف الشرق.

و عليّ بن حمزة الطوسي (27) في كربلاء، خارج البلد.

و الخواجه نصير الملّة و الدّين (28) في مشهد الإمام موسى بن جعفر غير معروف. و الشهيد الأول في الشام (29)، و الثاني (30) في قرية على بحر القسطنطنية.

و الشيخ أحمد الأردبيلي (31) في النجف الأشرف في حجرة قرب المنارة الشرقية في غربيّها. و السيّد صدر الدين الكاظمي (32) في النجف الأشرف في باب الرحمة.

و الشيخ أحمد الجزائري (33) صاحب الشافية في آيات الأحكام، و الشيخ محمد باقر المعروف بالأغا المازندراني (34)، و جملة من العلماء في الايوان الكبير الملاصق لرواق الإمام المعروف بمقبرة العلماء (35).

194

و الشيخ قاسم محيي الدين، و آل أبي جامع في الحجرة الغربية في الزاوية من الصحن (36).

و عمي السيّد علي القزويني (37) في الحجرة في باب مسجد الخضرة، و البهائي (38) في مشهد الرضا (ع)، و المجلسيان (39) في اصفهان.

و في المزيدية قبر يعرف أنه قبر السيد أحمد بن الكاظم، يحتمل أنّه قبر الشيخ أحمد المزيدي من علماء الإجازة (40).

و الشيخ أحمد بن فهد الأحسائي (41) في كربلاء، و المرتضى (42) و الرضي (43)، نقلا إليها.

و في رواق سيّد الشهّداء من العلماء جملة: كالعلّامة البهبهاني (44)، و جدّي السيد المرتضى الطباطبائي (45)، و السيّد علي الطباطبائي (46)، و المحدّث البحراني (47) (صاحب الحدائق).

و خالي العلّامة الطباطبائي (48)، و الشيخ جعفر النجفي (49)، و أولاده: الشيخ موسى (50) (شارح بغية الطالب)، و الشيخ علي (51) (شارح اللمعتين)، و الشيخ حسن (52) (صاحب أنوار الفقاهة)، و تلامذته: الشيخ أسد اللّه الشوشتري (53) صاحب المقابيس، و عمّي السيّد باقر القزويني (54)، (صاحب الوسيط و الوجيز و جامع الرسائل)، و الشيخ محمّد حسن (55) (صاحب جواهر الكلام) قرب قبره و تربته الزكيّة، و غيرهم من علماء النجف في النجف الأشرف.

منها: قبر السيّد جواد العاملي (56) صاحب مفتاح الكرامة بشرح‏

195

قواعد العلّامة، و الشيخ حسين نجف (57) (صاحب رسالة الحسن و القبح)، و الشيخ مرتضى (58) (صاحب الرسائل في حجية النظر، و أصالة البراءة و الاستصحاب).

و منها: قبور منفردة عن الصحن الشريف.

و منها: في الصحن الشريف.

و هكذا بقية العلماء في كربلاء.

و ثواب زيارتهم يعرف ممّا سبق عموما و خصوصا. و عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (ع): «من زار قبر أخيه المؤمن، و قرأ الفاتحة و القدر سبع مرّات غفر له، و لصاحب القبر». و في آخر عنه:

«من أتى قبر أخيه المؤمن من أيّ ناحية فوضع يده عليه، و قرأ «إنّا أنزلناه» سبع مرات، أمن من الفزع الأكبر».

و يستحب زيارة المؤمنين، و الصلحاء و الأتقياء، و أهل الدين و المذهب أحياءا و أمواتا. قال الكاظم (ع): «من لم يقدر على زيارتنا فليزر صالح أخوانه يكتب له ثواب زيارتنا، و من لم يقدر أن يصلنا فليصل صالحي اخوانه يكتب له ثواب صلتنا».

و يستحب لزائر القبر أن يضع يده على القبر و يقرأ الفاتحة و كلّا من التوحيد و القدر سبعا، و أن يقول، كما قال أبو جعفر على قبر رجل من الشيعة: «اللهم إرحم غربته، و صل وحدته، و آنس وحشته، و آمن روعته، و أسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة سواك، و ألحقه بمن كان يتولاه».

196

تعليقات الفصل السابع في تراجم العلماء

النوّاب الأربعة

(1) عثمان بن سعيد

عثمان بن سعيد الأسدي العسكري السمّان. أول سفراء الامام المهدي (ع).

كان وكيلا للإمام الهادي (ع) المتوفى سنة 254 ه/ 868 م، ثم أصبح وكيلا للإمام العسكري (ع) المتوفى سنة 260 ه/ 874 م. و قيل إنّه تولّى تغسيله و دفنه‏ (1). كان عثمان بن سعيد يتّجر بالسمن فلحقه لقب السمّان، كما لقّب بالعسكري نسبة إلى أرض العسكر (سامراء).

توفي و دفن بالجانب الغربي من بغداد (شارع الميدان)، و لم يتعدّ خلافة المعتمد.

أدركنا مسجده، و كان يقيم الصلاة فيه جماعة أحد السادة الأجلاء من آل الحيدري، و هو السيد محمد طاهر.

____________

(1) يراجع كتاب الغيبة للشيخ الطوسي.

197

(2) محمد بن عثمان‏

محمد بن عثمان العمري الشهير بالخلّاني، السفير الثاني للامام (ع) اضطلع بمهام السفارة خمسين عاما، أو أربعين. توفي في جمادى الأولى سنة 305 ه/ 917 م.

له كتب في الفقه، مما سمعه من الامام الحسن العسكري، و من الامام المهدي (عليهما السلام). و عن أبيه أيضا.

قيل: إنّ كتبه وصلت إلى السفير الثالث، الحسين بن روح عند الوصية إليه، كما وصلت إلى أبي الحسن السمّري، السفير الرابع.

و قبر الخلّاني عامر مشيّد يقع وسط مدينة بغداد (صوب الرصافة)، و له مسجد فخم يأمّ الصلاة فيه السيد محمد الحيدري الذي غلب اسم الخلّاني عليه نسبة إلى المقام، فعرف بالسيد محمد الخلاني تمييزا له عن بعض أعلام اسرته ممن تزدهي بهم دار السلام في هذا العصر.

ذكر لي النسّابة الخبير السيد عبد الستار الحسني أنّ الموضع الذي ينسب إلى السفير الثاني محمد بن عثمان بن سعيد العمري كان يعرف بمقبرة دار الفيل. و في سنة 363 ه توفي عبد العزيز بن جعفر الفقيه الحنبلي المعروف بغلام الخلّال فدفن في هذا الموضع. و كان قبره يعرف بقبر الخلّال، ثم صحّف إلى الخلّالي. و قد ورد ذكره في أخبار دخول المغول إلى بغداد سنة 656 ه حيث ذكر ابن الجوزي و غيره أنّ الغازين أخذوا الخليفة المستعصم‏

198

و أخرجوه إلى موضع عند قبر الخلّال، و قتلوه هناك.

و قد ذكر ابن رجب الحنبلي في (ذيل طبقات الحنابلة) جملة كرامات وقعت لقبر الخلّال.

و أمّا الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 ه فقد ذكر في كتاب الغيبة أنّه زار قبور السفراء الأربعة، و ذكر مواضع تلك القبور بما يفيد كونها في الجانب الغربي، لا الجانب الشرقي. و أنّ هذه القبور المنسوبة إليهم ليست لهم. و قد ذهب إلى هذا الرأي من المتأخرين البحّاثة السيد عبد الحسين آل طعمة في (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء). (أيّد أنّها في الجانب الغربي).

يقول جودت القزويني: إنّ ما نسب إلى الشيخ الطوسي و غيره هو دخيل عليه، و على مؤلفاته، فلا وجه لاعتبار هذه النصوص، و وثاقتها.

و ذكر الشيخ يونس السامرائي أنّ عشيرة المواشط المسمّاة بهذا الاسم نسبة إلى أحد أجدادهم، و هو السيد علي المخل المشهور بابن الماشطة، يظنّ بعض أفرادها أنّ الشيخ الخلّاني (دفين بغداد بجانب الرصافة) هو أحد أجدادهم؛ حيث أنّ أبا العشيرة إسمه على المخل. و في الحقيقة أنّ هذا الظنّ عار عن الصحّة، فقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه الشيخ الخلّاني، فقال: هو الشيخ عبد العزيز بن جعفر غلام الخلّال المتوفى سنة 363 ه.

و هذا ينفي الظنّ الذي ذهب إليه بعض أفراد هذه الأسرة لأنّ جدّهم الذي عرفوا به هو على المخل المشهور بابن الماشطة بن محمد. و من هنا يظهر الفرق بين هذا و ذاك‏ (1).

____________

(1) السامرائي، تاريخ الدور قديما و حديثا، ص 113.

199

(3) الحسين بن روح‏

الحسين بن روح النوبختي، أصله من مدينة قم، من أسرة اشتهرت بالعلم و السياسة. هاجر إلى بغداد خلال زمن السفارة الأولى، و أصبح وكيلا للسفير الثاني لعدّة سنوات، و كان مدعوما من بني فرات الأسرة الشيعيّة الحاكمة.

كان الحسين بن روح حلقة وصل بين السفير الثاني، و بين زعماء الشيعة قبل توليه منصب (السفارة). و ذكر شيخ الطائفة الطوسي أنّه كان واسطة بين السفير الثاني، و وكلائه بالكوفة.

و قد مكّن عمله بالوكالة الاتصال بالمراتب الشيعيّة الرسميّة المستخدمة في الإدارة العباسية، خصوصا أرحامه من آل بني نوبخت، و بني فرات.

و كان الحسين واحدا من عشر وكلاء للخلّاني، بعدها تولّى الوكالة المطلقة سنة 305 ه/ 917 م، و استمرت مدّة سفارته إحدى و عشرين سنة حتى وفاته سنة 326 ه/ 938 م.

قال حرز الدين: مرقده ببغداد جانب الرصافة، و إلى جنبه مسجد صغير تقام فيه الصلوات جماعة، و يعرف موضع قبره في عصرنا في سوق الشورجة التجاري ببغداد في زقاق غير نافذ. و يعدّ من المراكز الشيعة ببغداد (1).

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 249.

200

أقول: و في عصرنا كان السيد جعفر شبّر يقيم الصلاة جماعة وقت الظهر في هذا المرقد الشريف. كما تقام فيه الدروس التوجيهية و الثقافية. و قد ذكرت بعض النوادر الأدبية التي حصلت في هذا المرقد بين شمس الدين الخطيب و الشيخ محمد آل حيدر في كتاب «الروض الخميل».

تختلف الأخبار الواردة عن حسين بن روح عن بقية السفراء، ففيها شي‏ء من الغزارة، بخلاف المعلومات المبهمة و المقتضبة التي وردت في أخبار بقية السفراء، و ان كان الاضطراب قد طالها بشكل فعّال.

201

(4) علي بن محمد السمري‏

علي بن محمد السمري (السفير الرابع): تولّى السفارة سنة 326 ه/ 938 م، و توفي سنة 329 ه/ 941 م.

بقي في منصبه ثلاثة أعوام فقط، و لم يظهر له نشاط ملحوظ، كما كان لسلفه ابن روح. و قد إنقطع الامام المهدي (ع) عن الناس بموته. و قبل وفاته أعلن السمري إنتهاء عصر الغيبة الصغرى، و لم يوص بعده لأحد. و قد أورد الشيخ الطوسي نصّ الكتاب الذي بعثه له الامام المهدي (ع) يخبره فيه بعدم الوصيّة.

ذكر حرز الدين أنّ قبره بجانب الرصافة في سوق الهرج القديم قرب المستنصرية في الضفة اليسرى من نهر دجلة، و يقع في حجرة بين السوق، و بين المسجد المعروف بمسجد القبلانية (1).

(5) علي بن محمد السمري (السامري)

يقع هذا المرقد في قبائل خفاجة المجرية (المكرية)، شرقي مرقد النبي ذي الكفل بثلاث فراسخ، في مقاطعة البترة المجاورة لمقاطعة العليّة في الأرض التي يمرّ بها نهر (الشاه)، من أعمال الحلّة المزيدية (2).

قال حرز الدين: صاحب هذا القبر مجهول لدينا. و قد احتمل فيه أنّه قبر أحد علماء بلاد واسط المنسوبين إلى قرية (سمّر).

كما نقل أنّ بعضهم اعتقد أنّه السامري الذي كان مع النبيّ موسى، أو هو السامري. الذي أضلّ قوم موسى. و هي محكيّات لا صلة لها بالموضوع.

____________

(1) مراقد المعارف، ج 1، ص 376.

(2) مراقد المعارف، ج 1، ص 337.

202

(6) الشيخ الكليني‏

محمد بن يعقوب الكليني الرازي الملقّب بثقة الاسلام، و من المجدّدين على رأس القرن الثالث الهجري. من فقهاء الشيعة و محدّثيهم. كتب كتاب (الكافي) في علوم الدين الذي يعدّ من الموسوعات الحديثيّة الأولى في تاريخ الاسلام، و رتّبه على أصول، و فروع، و روضة. و هو مطبوع مشهور متداول في ثمانية أجزاء، و هو واحد من أربعة كتب في علم الحديث عند الشيعة، ألّفها إثنان آخران من الفقهاء المحدّثين هما: الشيخ الصدوق، و شيخ الطائفة الطوسي.

استغرق الكليني عشرين عاما في جمع مادة كتابه، و تصنيفه، و قد نال احترام جميع طبقات العلماء منذ عهد تأليفه.

وصفه الشيخ علي بن عبد العالي الشهير بالمحقّق الكركي المتوفى سنة 940 ه/ 1534 م بقوله: «الكتاب الكبير في الحديث الذي لم يعلم مثله».

و يلاحظ أنّ كتاب الكافي، و غيره من كتب الحديث الشيعيّة و السنيّة على السواء تضمّنت الكثير من الأحاديث غير الموثّقة، الضعيفة و المدسوسة، المصمّمة للإساءة إلى الأئمة و أصحابهم بما هو بعيد عن واقع حالهم.

قال العلّامة السيد محمد مهدي بحر العلوم: كتاب الكافي الذي صنّفه هذا الامام (طاب ثراه)، كتاب جليل عظيم النفع، عديم النظير، فائق على جميع كتب الحديث بحسن الترتيب، و زيادة الضبط و التهذيب، و جمعه للأصول‏

203

و الفروع، و اشتماله على أكثر الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار (ع) (1).

أقول: توفي الكليني ببغداد سنة 329 ه/ 941 م، و دفن بمرقده المعروف الآن سنة 1394 ه/ 1974 م في جامع الصفوية في الجانب الشرقي (الرصافة) بباب الجسر العتيق، المسمى في الوقت الحاضر بجسر الشهداء.

قال أبو علي الحائري في «منتهى المقال في الرجال»: و قبره (قدس سرّه) معروف في بغداد الشرقية مشهور، تزوره الخاصة و العامة في تكية (المولوية)، و عليه شباك من الخارج إلى يسار العابر من الجسر.

و ذكر حرز الدين أنّ مرقده ببغداد جهة باب الكوفة (الرصافة)، في جامع الصفوية الذي اشتهر فيما بعد بجامع الآصفية، تحريفا مقصودا من جهة معينة في العهد العثماني بالعراق، ثم عرف أيضا بتكية المولوية. و مرقده مطلّ على دجلة عامر مشيّد جنب مدرسة المستنصرية (2).

و قد اتفق المؤرخون جميعا على أنّ هذا القبر هو قبر الكليني، و قد زاره الولاة و الأعيان من المسلمين في جميع الأزمان الماضية.

يقول جودت القزويني: كنت أتردد على زيارة قبره دائما، و لم يكن ما يدلّ عليه سوى فتحة شباك صغيرة تطلّ على الشارع الفرعي الذي يمرّ إلى الشارع المسمّى بشارع النهر، و كان الناس يوقدون الشموع، و يضعونها على دكّة الشباك لينوّروا قبره بهذه الصلة.

إلّا أنّ هذا المكان أزيل بالكامل ضمن التعديلات التي أجريت على المنطقة، و انمحى أثره بداية القرن الخامس عشر الهجري، أوائل الثمانينات الميلادية.

____________

(1) الفوائد الرجالية ج 3، ص 330.

(2) مراقد المعارف، ج 2، ص 214.

204

(7) أبو الفتح الكراجكي‏

الكراجكي (نسبة إلى كراجك قرية على باب واسط): هو القاضي أبو الفتح الشيخ محمد بن علي بن عثمان الواسطي، عالم محدّث و فقيه متكلّم، من تلامذة الشيخ المفيد، و السيد المرتضى، و ابن شاذان، و غيرهم. أسند إليه أرباب الاجازات من علماء الامامية، و اشتهر بكتابه «كنز الفوائد». توفي سنة 449 ه/ 1057 م). و دفن قريبا من الشيخ الكليني.

قال حرز الدين: مرقده ببغداد في الجهة المؤدّية لباب الكوفة، جانب الرصافة الشرقية لنهر دجلة، رأس الجسر القديم في جامع الصفوية المعروف بجامع الآصفية تحريفا، ثم بتكية المولوية.

كان رسم قبره دكّة عالية بارتفاع ثلثي قامة إنسان، خلف دكّة قبر الشيخ الكليني (قدس سرّه). و لم نشاهد على الدكّة الصخرة القديمة، و رأينا رسم موضعها بعد قلعها. و كان إلى جنب هذه الدكة رسم قبرين مردومين يظهر ذلك من الحجارة و الأنقاض الباقية كالأكمتين.

يقول حرز الدين: المشهور أنّ بهذه الجهة الشرقية من الرصافة دور سكن متقاربة لوجوه علماء الشيعة، و منها: دار ثقة الاسلام الشيخ الكليني التي صارت مسجدا و مقبرة له، و لبعض وجوه العلماء.

ففي صدر هذا السوق المستطيل مع مجرى نهر دجلة، (المعروف بسوق‏