بقيع الغرقد في دراسة شاملة

- محمد أمين الأميني المزيد...
431 /
55

يتضمن لزوم اعادة بناء قبور أولياء اللَّه بالبقيع‏ (1).

وأفتى الفقهاء المعاصرين بلزوم بذل الجهد لإعادة بناء مراقد أئمة البقيع (عليهم السلام).

وبادر بعض العلماء بتأليف الكتب في ذلك، ومنهم: السيد عبد الرزاق الموسوي آل مقرم، المولود سنة 1312 ه، له: كتاب «ثامن شوال»، يبحث فيه عن الحوادث التي وقعت في ذلك اليوم من سنة 1344 ه من هدم القبور في البقيع، بأمر ابن بليهد، والرد على فتواه، وتاريخ الوهابية وفضائعهم‏ (2).

أقول: ولنعم ما قال الشاعر:

قل للذي أفتى بهدم قبورهم‏* * * أن سوف تصلى في القيامة نارا

أعلمتَ أيّ مراقد هدمتها* * * هي للملائك لا تزال مزارا (3)

ولابدّ للمسلمين أن يستمروا في استنكارهم لهذا العمل الفجيع، ويهتموا بإعادة بناء مشاهد أئمتهم بأحسن ما يكون.

كتب حول البقيع‏

لقد اهتم العلماء والباحثون، بتأليف الكتب والمقالات حول البقيع، ونذكر في ما يلي بعض ما ظفرنا به من الكتب:

1. الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المتوفى سنة 381 ه، له: «كتاب المدينة وزيارة قبر النبي والأئمة (عليهم السلام)» (4).

____________

(1) يشير إليه الامام الخميني في رسالة أرسلها إلى بعض العلماء، في تاريخ 20 رجب 1387 ه، انظر: صحيفة إمام 2/ 156.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الطهراني 17/ 271.

(3) البقيع/ 193.

(4) انظر: رجال النجاشي/ 390؛ الذريعة إلى تصانيف الشيعة 20/ 251؛ معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز، الدكتور عبد الجبار الرفاعي/ 284، رقم 2335.

56

2. أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري، المولود عام 665 ه، والمتوفى 731 ه، له: «الروضة» أو «روضة الفردوس‏ (1)» في أسماء من دفن بالبقيع‏ (2).

3. مؤلف من علماء القرن الحادي عشر، له: «الروضة المستطابة في من دفن في البقيع من الصحابة»، مخطوط (3).

4. السيد عبد الرزاق الموسوي آل مقرم، المولود سنة 1312 ه، له كتاب «ثامن شوال» (4).

5. بشير حسين المدرس الهندي له: «نوحه انهدام بقيع» باللغة الأردوية (5).

6. محمد صالح بن أحمد آل طعان، المتوفى سنة 1333 ه، له: «الدر النصيع في زيارة النبي وأئمة البقيع»، مخطوط (6).

7. أحمد بن اسماعيل بن زين العابدين المدني، شهاب الدين البرزنجي،

____________

(1) كذا في معجم المؤلفين 8/ 235.

(2) سبل الهدى والرشاد 3/ 279؛ الأعلام 5/ 325؛ معجم المؤلفين 8/ 235؛ معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 180، رقم 1549، وفيه: «الروضة الفردوسية والحضيرة القدسية في أسماء من دفن بالبقيع».

(3) معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 180، رقم 1550، وفيه أنه توجد النسخة في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، فلمية، برقم 6235/ 4، 22 ورقة (44 ص)، انظر: العرب، سنة 31: ج 5، 6 (11، 12/ 1416 ه)، ص 352.

(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 17/ 271.

(5) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 24/ 353.

(6) معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 144، رقم 1227، توجد النسخة الخطية في مكتبة السيد عبد الكريم بن محمد الشيخ بالمنطقة الشرقية في السعودية، على ما جاء في الموسم، المجلد الثالث، العدد: 9- 10، سنة 1411 ه، ص 441.

57

المتوفى سنة 1337 ه، له: «النظم البديع في مناقب أهل البقيع» (1).

8. السيد أبوتراب الخوانساري، المتوفى سنة 1346 ه، له: «رسالة في هدم المشاهد» (2).

9. أبو الحسن بن محمد الدولت آبادي المرندي النجفي، المتوفى عام 1349 أو 1352 ه في الري، له: «صواعق محرقه» باللغة الفارسية، وفيه: دور الوهابية في تخريب العتبات المقدسة، و «فجائع الدهور في انهدام القبور»، باللغة الفارسية أيضاً، عرض لوقائع الوهابيين في هتك حرمة الحرمين الشريفين بمكة والمدينة، وهدم قبور شهداء بدر وأحد وأصحاب النبي (صلى الله عليه و آله)، وبيت الأحزان لفاطمة الزهراء (عليها السلام) خلل السنين: 1218، 1221، 1344 ه (3).

10. الشيخ محمدجواد البلاغي، ولدسنة 1285 ه، وتوفي سنة 1352 ه في النجف الأشرف، ودفن فيها، له: «رسالة في رد الفتوى بهدم قبور أئمة البقيع»، مطبوعة (4).

11. السيد ميرزا هادي الخراساني الحائري، ولد سنة 1297 ه بكربلاء المقدسة، ومات ودفن بها سنة 1368 ه، له: «دعوة الحق إلى أئمة الخلق»، كتبه بمناسبة هدم قبور أئمة المسلمين في البقيع، في مجلدين، طبع المجلد الأول منه‏

____________

(1) الأعلام 1/ 99.

(2) معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 177، رقم 1524؛ انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة 25/ 201؛ معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت 9/ 502.

(3) موسوعة مؤلفي الإمامية 2/ 109؛ وانظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة 15/ 94؛ معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 214، رقم 1809.

(4) أعيان الشيعة 4/ 256؛ معجم ما كتب في الحج والزيارة/ 171، انظر: معجم المؤلفين العراقيين 3/ 124؛ معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت 9/ 493.

58

في بغداد (1).

12. الشيخ حسن الصالحي الحائري بن الشيخ علي نقي بن الشيخ حسن بن محمد صالح البرغاني الحائري، المتوفى سنة 1401، له: «فضائل البقيع»، مخطوط (2).

13. السيد ابن الحسن بن مهدي حسين النجفي، ولد سنة 1347 ه في مدينة لكنهو، له «جنة البقيع»، باللغة الأورديّة، طبع في لاهور (3).

14. السيد محمد الحسيني الشيرازي، المولود سنة 1347 ه بالنجف الأشرف، المتوفى عام 1422 ه بقم المقدسة، له: «البقيع الغرقد».

15. السيد عبد الحسين السيد حبيب الحيدري الموسوي، له: «قبور أئمة البقيع قبل تهديمها»، وصف لها من شاهد عيان كان قد زارها قبل ثلاثمائة عام.

16. الشيخ حسن رضا غديري، له: «تاريخ جنة البقيع»، باللغة الأردوية.

17. الشيخ جلال معاش، له: «فاجعة البقيع».

18. المهندس يوسف الهاجري، له: «البقيع».

19. المهندس حاتم عمر طه، والدكتور محمد أنور البكري، ألفا كتاب: «بقيع الغرقد»، ولكنه على مذاق الوهابيين!.

20. مصطفى بن محمد بن عبد اللَّه الرافعي، له: «عنوان النجابة في معرفة من مات بالمدينة المنورة من الصحابة» (4).

21. احمدمحمدفارس، له: «المقصد الرفيع من زيارة البقيع»، طبع‏بسوريا، حلب.

____________

(1) فهرس التراث 2/ 387.

(2) ذكره عبد الحسين الشهيدي في دائرة المعارف تشيع 3/ 385.

(3) موسوعة مؤلفي الإمامية 1/ 459.

(4) معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 231، رقم 1904.

59

22. الشيخ محمد صادق النجمي، له: «تاريخ حرم أئمه بقيع»، باللغة الفارسية.

23. الشيخ علي الكاظمي، له: «چرا به زيارت بقيع ميرويم؟»، باللغة الفارسية (1).

24. محمد علي مجاهدي، له: «مجموعه شعر بقيع» (2)، باللغة الفارسية.

25. جمع من الكتاب، ألفوا: «بقيع خاموش پرفرياد»، باللغة الفارسية.

البقيع وفروع فقهية

أثّر البقيع وأحداثه في الفقه، وهناك بعض الفروع الفقهية، مذكورة في الكتب الفقهية والروائية، قام بذكرها الفقهاء وعلماء المذاهب الإسلامية، وأوردوها في كتبهم، وبعضها مرتبطة بالبقيع، وبعضها غير مرتبطة به، لا بأس بالإشارة إليها، وإن كان في بعضها نظر وتأمل:

1. استحباب دفن الأقارب بعضهم إلى بعض.

قال العلامة الحلي: لو جمع الأقارب في الدفن حسن، لأنّ النبي (صلى الله عليه و آله) لما دفن عثمان بن مظعون قال: «ادفن إليه من مات من أهله»، ولأنه أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليه‏ (3).

قال الشهيد الأول: يستحب جمع الأقارب في مقبرة، لأنّ النبي (صلى الله عليه و آله) لما دفن عثمان بن مظعون قال: «ادفن إليه من مات من أهله»، ولأنه أسهل لزيارتهم‏ (4).

وبه قال النراقي‏ (5).

____________

(1) معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 97، رقم 759.

(2) معجم ما كتب في الحج والزيارة والمعالم المشرفة في الحجاز/ 274، رقم 2246.

(3) تذكرة الفقهاء 1/ 53 (من الطبع القديم)؛ وانظر: مستند الشيعة 3/ 284.

(4) الذكرى/ 65.

(5) مستند الشيعة 3/ 284.

60

2. الدفن بمقبرة المسلمين أفضل من الدفن في البيوت.

قال العلامة الحلي: الدفن في مقبرة المسلمين أفضل من الدفن في البيوت، لأنه أقلّ ضرراً على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم تزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى، واختاره النبي صلى اللَّه عليه وآله لأصحابه، وكان يدفنهم بالبقيع‏ (1).

وبه قال الشهيد الأول‏ (2)، والنراقي (مستنداً لأمر الرضا (عليه السلام) بحفر قبر يونس بن يعقوب- حين مات في المدينة- بالبقيع) (3).

3. حد حفر القبر في الدفن، مع لحاظ كون أرض البقيع رخوة وسبخة (4).

4. جواز الصلاة على الجنائز وسط القبور (5).

5. استحباب زيارة القبور في عشية الخميس.

قال صاحب الجواهر: ويتأكد استحباب الزيارة (6) تأسياً بفعل فاطمة (عليها السلام) أيضاً، وفي خصوص العشية منه تأسياً بالنبي (صلى الله عليه و آله)، فإنه كان يخرج في ملاء من أصحابه كلّ عشية خميس إلى بقيع المؤمنين، فيقول: «السلام عليكم يا أهل الديار ثلاثاً» (7).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2/ 100.

(2) الذكرى/ 65.

(3) مستند الشيعة 3/ 284.

(4) مستند الشيعة 3/ 270؛ جواهر الكلام 4/ 300؛ بدائع الصنائع 1/ 319.

(5) مصنف عبد الرزاق 1/ 407 و 3/ 525؛ مجمع الزوائد 9/ 228؛ عون المعبود 8/ 331؛ تحفة الفقهاء 1/ 257، بدائع الصنائع 1/ 320؛ المغني 2/ 375؛ الشرح الكبير 2/ 358؛ فقه السنة 1/ 535؛ شرح الأخبار 3/ 297.

(6) أي زيارة القبور.

(7) جواهر الكلام 4/ 321؛ انظر: فتح الباري 11/ 4.

61

6. استحباب زيارة القبور، والدعاء عندها قائماً، كما كان فعله (صلى الله عليه و آله) في الخروج إلى البقيع‏ (1).

7. حكم حرث البقيع، وأخذ ترابه للبناء.

جاء في مواهب الجليل: ولابن عات: سأل بعضهم: أيجوز حرث البقيع بعد أربعين سنة دون دفن فيه، وأخذ ترابه للبناء؟ قال: الحبس لا يجوز أن يتملك‏ (2).

8. النهي عن بيع شجر البقيع‏ (3).

9. استحباب رشّ الماء على القبر.

جاء في الخبر أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أمر أن يرش قبر يونس بن يعقوب المؤمنين أربعين شهراً أو يوماً (4). والترديد من الراوي‏ (5).

قال المجلسي: ما تضمنه من استمرار الرش على إحدى المدتين خلاف المشهور، ولم أر قائلًا به، ولا بأس بالعمل به في أقل المدتين‏ (6).

10. صلاة الغائب، أو الصلاة على الميت من بُعد (7)، في قضية الصلاة على النجاشي بالبقيع.

أقول: الظاهر ان ما روي من صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) على النجاشي كان بمعنى الدعاء له، لا الصلاة المعهودة التي تقام على الميت، وهناك احتمالات أخرى نذكرها في فصل «النبي (صلى الله عليه و آله) والبقيع»، مبحث: «الصلاة على النجاشي»، فراجع.

____________

(1) انظر: حاشية رد المحتار، ابن عابدين 2/ 263؛ البحر الرائق، ابن نجيم 2/ 343.

(2) مواهب الجليل 7/ 628.

(3) الحواشي على تحفة المحتاج 4/ 242.

(4) بحار الأنوار 79/ 26.

(5) مستدرك سفينة البحار، النمازي 8/ 368.

(6) بحار الأنوار 79/ 27.

(7) انظر: احكام الجنائز وبدعها، الألباني/ 89.

62

11. الصدقة واللقطة (1).

12. الإحتجام في حالة الصيام‏ (2).

13. النهي عن التكني بأبي القاسم لمن كان اسمه محمداً (3).

14. حكم أكل الإرنب‏ (4).

____________

(1) سنن ابن ماجة 2/ 838.

(2) سنن أبي داود 1/ 531؛ المجموع 6/ 349؛ سبل السلام، الكحلاني 2/ 158.

(3) المصنف 6/ 162؛ الطبقات الكبرى 1/ 106؛ تاريخ مدينة دمشق 3/ 36.

(4) المستدرك على الصحيحين 4/ 112.

63

النبي (صلى اللَّه عليه وآله) و البقيع‏

النبي (صلى الله عليه و آله) يستغفر لأهل البقيع ويدعو لهم‏

كان النبي (صلى الله عليه و آله) يأتي قبور البقيع والشهداء للدعاء والإستغفار لهم‏ (1)، روي أنه صلى اللَّه عليه وآله رفع اليدين في دعائه لأهل البقيع‏ (2).

روى الحاكم عن أبي مويهبة مولى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: طرقني رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ذات ليلة، فقال: «يا أبا مويهبة، انطلق استغفر، فإني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلقت معه، فلما بلغ البقيع قال: السلام عليكم يا أهل البقيع، ليهن لكم ما أصبحتم فيه، لو تعلمون ما أنجاكم اللَّه منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع أولها آخرها، ثمّ قال: يا أبا مويهبة، إنّ اللَّه خيّرني أن يؤتيني خزائن الأرض والخلد فيها ثمّ الجنة، وبين لقاء ربي عزوجل، فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن هذه الأرض والخلد فيها ثمّ الجنة، قال: كلا يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي عزوجل». ثمّ استغفر لأهل البقيع، ثمّ انصرف، فلما أصبح بداه شكواه الذي‏

____________

(1) فيض القدير 5/ 71.

(2) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر/ 177؛ التاريخ الكبير، البخاري 1/ 211.

64

قبض فيه (صلى الله عليه و آله)(1).

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم‏ (2).

وجاء في تاريخ دمشق عن أبي مويهبة عنه (صلى الله عليه و آله): «إني أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع‏ (3)»، فخرجت معه حتى أتينا البقيع، فرفع يديه، فاستغفر لهم طويلا (4).

وروى الهيثمي نحوه، وفيه أنه (صلى الله عليه و آله) قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، لو تدرون ما نجاكم اللَّه منه، أقبلت الفتن» (5).

وروى ابن كثير عن أحمد عن أبي مويهبة في ذهابه مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في الليل إلى البقيع، قال: فوقف (عليه السلام) فدعا لهم واستغفر لهم، ثمّ قال: «ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه بعض الناس، أتت الفتن كقطع الليل، يركب بعضها بعضا، الآخرة أشدّ من الأولى، فيهنكم ما أنتم فيه» (6).

وروى ابن أبي شيبة عن أبي مويهبة قال: أمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أن يخرج إلى‏

____________

(1) المستدرك على الصحيحين 3/ 55؛ وانظر: المعجم الكبير 22/ 347؛ الطبقات الكبرى 2/ 204؛ التاريخ الكبير 9/ 73؛ كنى البخاري/ 73؛ الآحاد والمثاني 1/ 343؛ سنن الدارمي 1/ 36؛ علل الدارقطني 7/ 31؛ تاريخ الأمم والملوك (الطبري) 2/ 432؛ مسند أحمد 3/ 488، 489؛ تاريخ بغداد 8/ 217؛ تاريخ مدينة دمشق 4/ 299، 300؛ السيرة النبوية (لابن هشام) 4/ 1057؛ الفائق في غريب الحديث 1/ 110؛ الجرح والتعديل، الرازي 9/ 444؛ السيرة النبوية 4/ 443 و 640؛ البداية والنهاية 5/ 243؛ مجمع الزوائد 9/ 24؛ الاصابة 7/ 324؛ شرح نهج البلاغة 13/ 27؛ الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 56؛ تركة النبي/ 51؛ كنز العمال 12/ 262.

(2) المستدرك على الصحيحين 3/ 55.

(3) انظر: المعارف لابن قتيبة/ 148.

(4) تاريخ مدينة دمشق 31/ 207؛ انظر: أسد الغابة 5/ 310.

(5) مجمع الزوائد 3/ 59.

(6) البداية والنهاية 5/ 346؛ انظر: مسند أحمد 3/ 488.

65

البقيع، فيصلي عليهم، أو يسلّم عليهم‏ (1).

وفي رواية: أمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أن يصلي على أهل البقيع، فصلى عليهم رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) ثلاث مرات، فلما كانت الثالثة قال: «يا أبا مويهبة ..» (2).

وعن عائشة: ان النبي (صلى الله عليه و آله) خرج في الليل إلى البقيع للدعاء لأهل البقيع والإستغفار لهم، قالت: أتى البقيع فقام فأطال القيام، ثمّ رفع يديه ثلاث مرات، ثمّ انحرف، قال: «إنّ جبرئيل (عليه السلام) أتاني فقال: إنّ ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم» (3).

وفي مسند اسحاق ابن راهويه عنها انه (صلى الله عليه و آله) قال: «أمرت أن آتي أهل البقيع، فأسلّم عليهم‏ (4)، وأدعو لهم» (5).

وفي خبر: «إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم» (6).

وروى أحمد عنها أنها قالت: خرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ذات ليلة، فأرسلت بريرة في أثره، لتنظر أين ذهب، قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع، ثمّ رفع يديه، ثمّ انصرف، فرجعت إليّ بريرة فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت:

يا رسول اللَّه، أين خرجت الليلة؟ قال: «بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم» (7).

____________

(1) مصنف ابن أبي شيبة 3/ 221؛ انظر: مسند أحمد 3/ 488.

(2) المعجم الكبير 22/ 347؛ مجمع الزوائد 9/ 24.

(3) المجموع 3/ 508 (عن مسلم)؛ انظر: مصنف عبد الرزاق 3/ 570؛ صحيح مسلم 3/ 64؛ سنن النسائي 7/ 74؛ كنز العمال 12/ 263، ح 34966.

(4) مسند اسحاق ابن راهويه، اسحاق بن إبراهيم المروزي 2/ 456.

(5) مسند اسحاق ابن راهويه 2/ 533؛ وانظر: مسند أحمد 6/ 252.

(6) سنن النسائي 4/ 93؛ المستدرك على الصحيحين 1/ 488؛ صحيح ابن حبان 9/ 63؛ كنز العمال 12/ 262، ح 34965، و 263.

(7) مسند أحمد 6/ 92؛ انظر: الطبقات الكبرى 2/ 203.

66

وفي نقل السيوطي عنها: فاخذتني غيرة شديدة، ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي، فخرجت أتبعه، فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء .. (1).

وجاء في خبر النسائي أنها قالت: قلت: كيف أقول يا رسول اللَّه؟ قال:

«قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم اللَّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون» (2).

وروى الطبراني باسناده عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فلحقته بالبقيع، فسمعته يقول: «السلام على أهل الديار من المؤمنين، فانقطع بهضب‏ (3)، فقال لي: يقصف قدمك‏ (4)، قلت: يا رسول اللَّه، طالت عزوبتي، ونأيت عن دار قومي، فقال: يا بشير، ألا تحمد اللَّه الذي أخذ بناصيتك للإسلام من بين ربيعة، قوم يرون أن لولاهم لائتفكت‏ (5) الأرض بمن عليها (6)».

وروي عنه قال: أتيت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فدعاني إلى الإسلام، ثمّ قال: ما اسمك؟

قلت: نذير، قال: بل أنت بشير، فأنزلني في الصفة، فكان إذا أتته هدية أشركنا فيها، وإذا أتته صدقة صرفها إلينا، قال: فخرج ذات ليلة فتبعته إلى البقيع، فقال:

«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا بكم لاحقون، وإنّا للَّه‏وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونْ، لقد

____________

(1) الدر المنثور 6/ 27.

(2) سنن النسائي 4/ 91؛ وانظر: مصنف عبد الرزاق 3/ 570؛ صحيح ابن حبان 16/ 382؛ كتاب الدعاء، الطبراني/ 374؛ مسند أحمد 6/ 221؛ السنن الكبرى 4/ 79؛ مجمع الزوائد 3/ 60؛ تهذيب الكمال 15/ 467.

(3) وانقطع شسعي، كذا في مجمع الزوائد وكنزالعمال.

(4) أنعش قدمك، كذا في مجمع الزوائد.

(5) أي انقلبت.

(6) المعجم الأوسط 3/ 177؛ وانظر: فيه 6/ 142؛ المعجم الكبير 2/ 45؛ مجمع الزوائد 3/ 60.

67

أصبتم خيراً بجيلًا (1)، وسبقتم شراً طويلًا»، ثمّ التفت إليّ فقال: من هذا؟ فقلت:

بشير، فقال: أما ترضى أن أخذاللَّه سمعك وقلبك وبصرك إلى‏الإسلام، من بين ربيعة الفرس الذين يقولون لولاهم لائتفكت الأرض بأهلها؟ قلت: بلى يا رسول‏اللَّه، قال: ما جاء بك؟ قلت: خفت أن تنكب أو تصيبك هامة من هوام الأرض‏ (2).

وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: مرّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بمقبرة قيل بالبقيع، فقال: «السلام على أهل الديار من بها من المسلمين، دار قوم ميتين، وإنا في آثارهم- أو قال في آثاركم- للاحقون‏ (3)».

النبي (صلى الله عليه و آله) يزور البقيع كلّ عشية خميس‏

روى صفوان الجمال عن الصادق (عليه السلام): «كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يخرج في ملاء من الناس من أصحابه كلّ عشية خميس إلى بقيع المدنيين» (4).

قال صاحب الجواهر: ويتأكد استحباب الزيارة (5) تأسياً بفعل فاطمة (عليها السلام) أيضاً، وفي خصوص العشية منه تأسياً بالنبي (صلى الله عليه و آله)، فإنه كان يخرج في ملاء من أصحابه كلّ عشية خميس إلى بقيع المؤمنين، فيقول: «السلام عليكم يا أهل الديار ثلاثاً» (6).

____________

(1) أي واسعاً كثيراً، من التبجيل: التعظيم، أو من البجال: الضخم، كذا في النهاية، مادة (بجل).

(2) كنز العمال 13/ 299؛ وانظر: فيه 301، و 15/ 655؛ تاريخ مدينة دمشق 10/ 305، 310.

(3) كتاب الدعاء/ 373؛ انظر: مصنف عبد الرزاق 3/ 575.

(4) كامل الزيارات/ 529؛ بحار الأنوار 99/ 296؛ الحدائق الناضرة، البحراني 4/ 171؛ مستند الشيعة 3/ 320؛ تفصيل وسائل الشيعة 3/ 224؛ جواهر الكلام 4/ 321؛ مستدرك سفينة البحار 8/ 370.

(5) أي زيارة القبور.

(6) جواهر الكلام 4/ 321؛ انظر: فتح الباري 11/ 4.

68

دار قوم مؤمنين‏

روى ابن ماجة عن عائشة قالت: فقدته (تعني النبي (صلى الله عليه و آله)) فإذا هو بالبقيع، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهمّ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» (1).

وروى‏أحمد عنهاقالت: كان رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) يخرج‏إذاكانت‏ليلة عائشة، إذا ذهب ثلث الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، فإنا وإياكم وما توعدون‏غداًمؤجلون- قال أبوعامر: تؤجلون- و إنا إن شاءاللَّه بكم لاحقون» (2).

حضوره ليلًا في البقيع‏

روى البيهقي عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كلّما كانت ليلتها من رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد» (3).

موقف رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع‏

عن خالد بن عوسجة: كنت أدعوه ليلة إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب،

____________

(1) سنن ابن ماجة 1/ 493؛ وانظر: الطبقات الكبرى 2/ 203؛ مسند أبي داود الطيالسي/ 202؛ مسند أبي يعلى 8/ 69 و 86 و 191؛ مسند أحمد 6/ 71.

(2) مسند أحمد 6/ 180.

(3) السنن الكبرى 4/ 79 وانظر: 4/ 249؛ صحيح مسلم 3/ 63؛ سنن النسائي 4/ 93؛ مسند أبي يعلى 8/ 199 و 249؛ صحيح ابن حبان 7/ 444 و 10/ 382؛ مسند اسحاق ابن راهويه 3/ 1013؛ شرح مسلم 7/ 41؛ المجموع 5/ 309؛ رياض الصالحين/ 308؛ فيض القدير 3/ 209؛ سبل الهدى والرشاد 8/ 386، 12/ 236؛ الغدير 5/ 170.

69

فمرّ جعفر بن محمد (عليه السلام) يريد العريض، فقال: «أعن أثر وقفت ههنا؟ هذا موقف نبي اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالليل إذ جاء يستغفر لأهل البقيع» (1).

أقول: يستفاد من الخبر أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كان يقف في الموضع الذي صار مقبرة آل بيته (عليهم السلام) بالبقيع، إذ أنهم دفنوا في دار عقيل، كما يأتي.

النبي يحضر البقيع ليلة النصف من شعبان‏

روي عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أنه قال: «كنت نائما ليلة النصف من شعبان، فأتاني جبرئيل (عليه السلام)، قال: يا محمد، أتنام في هذه الليلة؟ فقلت: يا جبرئيل، وما هذه الليلة؟ قال: هي ليلة النصف من شعبان، قم يا محمد، فأقامني، ثمّ ذهب بي إلى البقيع، ثمّ قال لي: ارفع رأسك، فإنّ هذه الليلة تفتح أبواب السماء، فيفتح فيها أبواب الرحمة، وباب الرضوان، وباب المغفرة، وباب الفضل، وباب التوبة، وباب النعمة، وباب الجود، وباب الإحسان، يعتق اللَّه فيها بعدد شعور النعم» (2).

وروى ابن ماجة عن عائشة: فقدت النبي (صلى الله عليه و آله) ذات ليلة، فخرجت أطلبه، فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السماء، فقال: «يا عائشة، أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟ قالت: قد قلت: وما بي ذلك، ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: انّ اللَّه تعالى ينزل النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (3).

أقول: المراد من النزول هو نزول رحمته الخاصة في تلك الليلة المباركة، ورفع‏

____________

(1) انظر: وفاء الوفا 3/ 890؛ دائرة المعارف الاسلامية الشيعية، السيد حسن الأمين 8/ 264.

(2) بحار الأنوار 95/ 413.

(3) سنن ابن ماجة 1/ 444؛ انظر: سنن الترمذي 2/ 121؛ مصنف ابن أبي شيبة 7/ 139؛ مسند أحمد 6/ 238؛ مسند اسحاق ابن راهويه 2/ 326؛ منتخب مسند عبد بن حميد/ 437؛ الدر المنثور 6/ 26؛ فضائل الأوقات/ 131؛ معجم أحاديث الإمام المهدي، عدة من المحققين ومنهم المؤلف 2/ 269.

70

رأس النبي إلى السماء يدل على أنه كان في حالة الدعاء والمناجاة مع ربه.

وفي خبر آخر عنها أيضاً عن النبي (صلى الله عليه و آله): «.. بل أتاني جبرئيل (عليه السلام)، فقال: هذه الليلة ليلة النصف من شعبان، وللَّه فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب، لاينظر اللَّه فيها إلى مشرك، ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع رحم، ولا إلى مسبل، ولا إلى عاق لوالديه، ولا إلى مدمن خمر ..» (1).

وذكر الزمخشري في كتاب الفائق: أنّ أم سلمة تبعت النبي (صلى الله عليه و آله) فوجدته قد قصد البقيع، ثمّ رجعت، وعاد فوجدها فيها أثر السرعة في عودها (2).

سجدة النبي (صلى الله عليه و آله) بالبقيع‏

روى الذهبي عن عائشة، قالت: أتاني حبيبي رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ليلة النصف من شعبان، فأوى إلى فراشه، ثمّ قام فأفاض عليه الماء، ثمّ خرج مسرعاً، فخرجت في أثره، فإذا هو ساجد بالبقيع، وهو يقول: «سجد لك خيالي وسوادي» (3).

وروى ابن عساكر أنه خرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى بقيع الغرقد، فبينا هو ساجد قال وهو يقول في سجوده: «أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جلّ ثناؤك، لا أبلغ الثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، فنزل عليه جبريل (عليه السلام) في ربع الليل، فقال: يا محمد، ارفع رأسك إلى السماء، فرفع رأسه، فإذا أبواب الرحمة مفتوحة، على كلّ باب ملك ينادي: طوبى لمن تعبّد في هذه الليلة، وعلى الباب الآخر ملك ينادي: طوبى لمن‏

____________

(1) الدر المنثور 6/ 27.

(2) الفائق في غريب الحديث 1/ 249؛ بحار الأنوار 95/ 416.

(3) ميزان الإعتدال 4/ 65؛ لسان الميزان 5/ 426.

71

سجد في هذه الليلة، وعلى الباب الثالث ملك ينادي: طوبى لمن ركع في هذه الليلة .. (1).

صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) بالبقيع‏

روى ابن حجر عن محمد بن هيصم عن أبيه عن جده: أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أشرف على وسط البقيع، فصلى فيه‏ (2).

وروى ابن ماجة عن يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع النبي (صلى الله عليه و آله)، فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقالوا: فلانة، قال: فعرفها، وقال: «ألا آذنتموني بها؟ قالوا: كنت قائلًا صائماً، فكرهنا أن نؤذيك، قال: فلا تفعلوا، لا أعرفنّ ما مات منكم ميت، ما كنت بين أظهركم، إلا آذنتموني به، فإنّ صلاتي عليه له رحمة»، ثمّ أتى القبر، فصففنا خلفه، فكبّر عليه أربعا (3).

وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: اشتكت امرأة بالعوالي مسكينة، فكان النبي (صلى الله عليه و آله) يسألهم عنها، وقال: «إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها»، فتوفيت، فجاؤا بها إلى المدينة بعد العتمة، فوجدوا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قد نام، فكرهوا أن يوقظوه، فصلوا عليها ودفنوها ببقيع الغرقد، فلما أصبح رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) جاؤا فسألهم عنها، فقالوا: قد دفنت يا رسول اللَّه، وقد جئناك فوجدناك نائماً،

____________

(1) تاريخ مدينة دمشق 51/ 72.

(2) الإصابة 7/ 367.

(3) سنن ابن ماجة 1/ 489؛ انظر: مصنف ابن أبي شيبة 3/ 161 و 3/ 239؛ مسند أبي يعلى 2/ 236؛ المعجم الكبير 22/ 239؛ صحيح ابن حبان 7/ 356 و 360؛ مسند أحمد 4/ 388؛ تاريخ مدينة دمشق 15/ 390؛ الآحاد والمثاني 4/ 27؛ المستدرك على الصحيحين 3/ 591؛ السنن الكبرى 4/ 48؛ أسد الغابة 5/ 105؛ نصب الراية 2/ 315؛ الدر المنثور 3/ 275؛ موارد الظمآن/ 193؛ سبل الهدى والرشاد 8/ 372.

72

فكرهنا أن نوقظك، قال: فانطلقوا، فانطلق يمشي ومشوا معه حتى أروه قبرها، فقام رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وصفوا وراءه، فصلى عليها .. (1).

وروى عبد الرزاق عن القاسم بن محمد قال: مرّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع، فإذا هو بقبر رطب، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول اللَّه، هذه السويداء التي كانت في بني غنم، ماتت فدفنت ليلًا، قال: فصلى عليها (2).

وروى عبد الرزاق أيضاً عن محمد بن زهير: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) رأى بالبقيع عبداً أسود يحمل ميّتاً، فقال لمن يحمله: «ما هذا؟ قالوا: عبد لفلان، قال: فما هو؟ قالوا:

أخبث الناس وأسرقه وآبقه وأحزبه‏ (3)، في أشياء من الشرّ يذكرونها منه، فقال:

عليّ بسيده، فسأله عنه، فذكر نحواً مما ذكر، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): هل كان يصلي؟ قالوا:

نعم، قال: ويشهد أن لا إله الا اللَّه وأنّي رسول اللَّه؟ قالوا: نعم، قال: والذي نفسي بيده إن كادت الملائكة تحول بيني وبينه آنفا»، فدعا حدّاداً، فنزع حديده، ثمّ أمر به فغسّل، ثمّ كفّنه من عنده، ثمّ صلّى عليه‏ (4).

صلاة الإستسقاء بالبقيع‏

روى المتقي الهندي عن ابن عباس قال: قحط الناس على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فخرج من المدينة إلى بقيع الغرقد، معتماً بعمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين يديه، والأخرى بين منكبيه، متكئاً قوساً عربية، فاستقبل القبلة، فكبروه‏ (5) وصلّى‏

____________

(1) سنن النسائي 4/ 69؛ انظر: السنن الكبرى 1/ 639؛ موارد الظمآن/ 193؛ سبل الهدى والرشاد 7/ 154 و 8/ 371.

(2) مصنف عبد الرزاق 3/ 502.

(3) جاء في نسخة: وأخبر به.

(4) مصنف عبد الرزاق 3/ 539.

(5) كذا في المصدر، ومن المحتمل: فكبر وصلى.

73

بأصحابه ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، قرأ في الأولى «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ»، والثانية «وَ الضُّحى‏»، ثمّ قلب رداءه لتنقلب السَّنة، ثمّ حمد اللَّه عزوجل وأثنى عليه، ثمّ رفع يديه، فقال:

«اللهمّ ضاحت بلادنا، واغبرّت أرضنا، وهامت دوابنا، اللهمّ منزل البركات من أماكنها، وناشر الرحمة من معادنها بالغيث المغيث، أنت المستغفر للآثام، فنستغفرك للجامات من ذنوبنا، ونتوب إليك من عظيم خطايانا، اللهمّ أرسل السماء علينا مدراراً واكفاً مغزوراً، من تحت عرشك، من حيث ينفعنا، غيثاً مغيثاً دارعاً رايعاً ممرعاً طبقاً غدقاً وخصباً، تسرع لنا به النبات، وتكثر به البركات، وتقبل به الخيرات، اللهمّ إنك قلت في كتابك: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ» (1)، اللهمّ فلا حياة لشي‏ء خلق من الماء إلا بالماء، اللهمّ وقد قنط الناس، أو من قنط منهم، وساء ظنهم، وهامت بهائمهم، وعجت عجيج الثكلى على أولادها، إذ حبست عنا قطر السماء، فدقت لذلك عظمها، وذهب لحمها، وذاب شحمها، اللهمّ ارحم البهائم الحائمة، والأنعام السائمة، والأطفال الصائمة، اللهمّ ارحم المشايخ الركّع، والأطفال الرضّع، اللهمّ زدنا قوة إلى قوتنا، ولا تردّنا محرومين، انك سميع الدعاء، برحمتك يا أرحم الراحمين».

فما فرغ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) حتى جادت السماء، حتى أهم كلّ رجل منهم كيف ينصرف إلى منزله، فعاشت البهائم، وأخصبت الأرض، وعاش الناس، كلّ ذلك ببركة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(2).

وروى الزمخشري ان الناس قحطوا على عهده (صلى الله عليه و آله)، فخرج إلى بقيع الغرقد،

____________

(1) سورة الأنبياء: 30.

(2) كنز العمال 8/ 436.

74

فصلى بأصحابه ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، ثمّ قلّب رداءه، ثمّ رفع يديه، فقال:

«اللهمّ ضاحت بلادنا، واغبرّت أرضنا، وهامت دوابنا، اللهمّ ارحم بهائمنا الحائمة، والأنعام السائمة، والأطفال المحثلة» .. (1).

الدعاء في البقيع‏

روى البخاري عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه خرج من جوف الليل يدعو بالبقيع، ومعه أبو رافع‏ (2).

وقال الصالحي في ذكر الأماكن التي يستجاب بها الدعاء، في الأماكن التي دعا بها رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): ويقال: إنه يستجاب بها عند الإسطوانة المخلّقة، وعند المنبر، وفي زاوية دار عقيل بالبقيع، وبمسجد الفتح‏ (3).

فيظهر من ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) كان يدعو قرب مقبرة آل البيت (عليهم السلام)، إذ أنهم- (صلوات اللَّه عليهم)- دفنوا في دار عقيل، كما يأتي.

قم بإذن اللَّه‏

روى القمي عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، قال: «إذا أراد اللَّه أن يبعث الخلق، أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً، فاجتمعت الأوصال، ونبتت اللحوم، وقال: أتى جبرئيل رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فأخذه فأخرجه إلى البقيع:

فانتهى به إلى قبر، فصوّت بصاحبه، فقال: قم بإذن اللَّه، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول: الحمد للَّه‏واللَّه أكبر، فقال‏

____________

(1) الفائق في غريب الحديث 2/ 277.

(2) التاريخ الكبير 3/ 315 و 5/ 139.

(3) سبل الهدى والرشاد 3/ 322.

75

جبرئيل: عد بإذن اللَّه، ثمّ انتهى به إلى قبر آخر فقال: قم بإذن اللَّه، فخرج منه رجل مسودّ الوجه وهو يقول: يا حسرتاه، يا ثبوراه! ثمّ قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت بإذن اللَّه، فقال: يا محمد! هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، وهؤلاء يقولون ماترى» (1).

تشييع المجاهدين إلى البقيع ومنه المنطلق‏

روى أحمد وأبو يعلى عن ابن عباس: ان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مشى مع الذين وجههم لقتل كعب بن الأشرف إلى بقيع الغرقد، ثمّ وجههم وقال: «انطلقوا على اسم اللَّه، اللهمّ أعنهم» (2).

قال الشوكاني: وفي هذا الحديث الترغيب في تشييع الغازي وإعانته على بعض ما يحتاج إلى القيام بمؤنته‏ (3)، لأنّ الجهاد من أفضل العبادات، والمشاركة في مقدماته من أفضل المشاركات‏ (4).

وروى المجلسي: فأتى أصحابه وأخبرهم، فأخذوا السلاح وساروا إليه،

____________

(1) تفسير القمي 2/ 253؛ تفسير الصافي، الفيض الكاشاني 4/ 330؛ تفسير نور الثقلين، الحويزي 4/ 8 و 503؛ ميزان الحكمة 3/ 2161.

(2) انظر: المعجم الكبير 11/ 177؛ مسند أحمد 1/ 266؛ كتاب الدعاء/ 330؛ تاريخ الأمم والملوك (الطبري) 2/ 180؛ المستدرك على الصحيحين 2/ 98؛ عيون الأثر 1/ 394؛ تاريخ مدينة دمشق 55/ 272؛ السيرة النبوية (لابن هشام) 2/ 578؛ مجمع الزوائد 6/ 196؛ البداية والنهاية 4/ 9؛ السيرة النبوية (لابن كثير) 3/ 13؛ تاريخ ابن خلدون ق 2، 2/ 22؛ فتح الباري 7/ 260؛ سبل الهدى والرشاد 6/ 5 و 27؛ نيل الأوطار 8/ 61؛ ارواء الغليل 5/ 14؛ الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله) 6/ 39.

(3) لقد بسطنا الكلام حول فضل الجهاد والمجاهدين والشهادة والشهداء في كتاب «الجهاد والشهادةعلى ضوء القرآن والعترة»، فراجع.

(4) نيل الأوطار 8/ 62.

76

وتبعهم النبي (صلى الله عليه و آله) إلى بقيع الغرقد، ودعا لهم .. (1).

وروى الشيباني: .. ثمّ أتوا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عشاء فأخبروه، فمشى معهم حتى أتى البقيع، ثمّ وجههم وقال: «امضوا على ذكر اللَّه وعونه»، ثمّ دعا لهم، وذلك في ليلة مقمرة مثل النهار، فمضوا .. (2).

ختم النبوة

روى الطبراني وأبو نعيم الإصفهاني في قضية فحص سلمان الفارسي عن علامات خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه و آله)، إلى أن قال: ثمّ جئت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ببقيع الغرقد، قد اتبع جنازة رجل من الأنصار وهو جالس، فسلمت عليه، ثمّ استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) استدرت عرف أني أستثبت من شي‏ء وصف لي، فألقى ردائه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبّله‏ (3).

ظهور المعجزة بالبقيع‏

روي عن أنس بن مالك أنه قال: خرجت مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نتماشى حتى‏

____________

(1) بحار الأنوار 20/ 11.

(2) شرح كتاب السير الكبير 1/ 273؛ انظر: الطبقات الكبرى 2/ 37.

(3) المعجم الكبير 6/ 225؛ انظر: الطبقات الكبرى 4/ 79؛ السيرة النبوية (لابن هشام) 1/ 144؛ دلائل النبوة/ 42؛ مسند أحمد 5/ 443؛ كتاب الثقات 1/ 255؛ عيون الأثر 1/ 90؛ مجمع الزوائد 9/ 335؛ البداية والنهاية 2/ 383؛ السيرة النبوية (لابن كثير) 1/ 301؛ الدرجات الرفيعة، السيد علي خان المدني/ 200؛ سبل الهدى والرشاد 10/ 249؛ الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله) 4/ 162.

77

انتهينا إلى بقيع الغرقد، فإذا نحن بسدرة عارية لا نبات عليها، فجلس رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) تحتها، فأورقت الشجرة وأثمرت واستظلت على رسول اللَّه، فتبسم وقال لي: يا أنس، أدع لي علياً، فعدوت حتى انتهيت إلى منزل فاطمة (عليها السلام)، فإذا بعليّ يتناول شيئاً من الطعام، فقلت له: أجب رسول اللَّه، فقال: لخير أدعى؟

فقلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: فجعل عليّ يمشي ويهرول على أطراف أنامله، حتى تمثل بين يديّ رسول اللَّه، فجذبه رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) وأجلسه إلى جنبه، فرأيتهما يتحدثان ويضحكان، ورأيت وجه علي قد استنار، فإذا أنا بجام من ذهب مرصع باليواقيت والجواهر واللجام أربعة أركان: على الركن الأول مكتوب: لا إله إلااللَّه، محمد رسول اللَّه، وعلى الركن الثاني: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، علي بن أبي طالب ولي اللَّه، وسيفه على الناكثين والقاسطين والمارقين، وعلى الركن الثالث: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، أيّدته بعلي بن أبي طالب، وعلى الركن الرابع: نجا المعتقدون لدين اللَّه الموالون لأهل بيت رسول اللَّه، وإذا في الجام رطب وعنب، ولم يكن أوان الرطب ولا أوان العنب، فجعل رسول اللَّه يأكل ويطعم علياً حتى إذا شبعا ارتفع الجام‏ (1).

وفي الخبر: .. يا أبا الحسن، إنّ قوماً من منافقي أمتي ما قنعوا بآية النجم حتى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس أن تنادي باسم علي وتقول: هذا ربكم فاعبدوه، فانك يا علي في غد بعد صلاة الفجر تخرج معي إلى بقيع الغرقد عند طلوع الشمس .. (2).

____________

(1) بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، الطبري الإمامي/ 138؛ الجواهر السنية، الحرّ العاملي/ 274؛ مدينة المعاجز 1/ 393؛ بحار الأنوار 39/ 128.

(2) بحار الأنوار 35/ 277؛ مدينة المعاجز 3/ 164.

78

حضور رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عند دفن سعد بن معاذ بالبقيع‏

روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: لما انتهوا إلى قبر سعد، نزل فيه أربعة نفر: الحارث بن أوس بن معاذ، وأسيد بن الحضير، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) واقف على قدميه، فلما وضع في قبره تغيّر وجه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وسبّح ثلاثاً فسبّح المسلمون ثلاثاً، حتّى ارتجّ البقيع، ثمّ كبّر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ثلاثاً وكبّر أصحابه ثلاثاً، حتّى حتى ارتج البقيع بتكبيره، فسئل رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عن ذلك، فقيل: يا رسول اللَّه، رأينا بوجهك تغيراً، وسبحت ثلاثاً؟ قال: تضايق على صاحبكم قبره، وضمّ ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد منها، ثمّ فرّج اللَّه عنه‏ (1).

روي: أنّ سبب ذلك كان سوء خلقه مع أهله في بيته، جاء في الخبر: «ان سعداً أصابته ضمة (في قبره)، لأنه كان في خلقه مع أهله سوء» (2)، رحمنا اللَّه من ضغطة القبر.

البقيع و المسجد النبوي‏

روى الصالحي‏أنه بنى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مسجده سبعين في ستين ذراعاً أو ما يزيد، ولبن لبنة من بقيع الخبخبة، وجعله جداراً، وجعل سواريه خشباً شقة شقة، وجعل وسطه رحبة .. (3).

____________

(1) الطبقات الكبرى 3/ 432؛ سير أعلام النبلاء 1/ 290.

(2) علل الشرائع 1/ 310؛ أمالي الصدوق 469؛ أمالي الطوسي 428؛ بحار الأنوار 6/ 220؛ مستدرك‏الوسائل 12/ 74.

(3) سبل الهدى والرشاد 3/ 338.

79

إن قلنا: انّ بقيع الخبخبة هو بقيع الغرقد- كما يظهر ذلك من الطبقات‏ (1) و المستدرك‏ (2)، وذكرناه في أول الكتاب-، فيدخل في البحث.

مع جبرئيل في البقيع‏

روي عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لجبريل: «إني أحبّ أن أراك في صورتك، فقال: أو تحبّ ذاك؟ فقلت: نعم، فواعده جبريل في بقيع الغرقد لمكان كذا وكذا من الليل .. (3).

أمرهم أن يتقدموا

روى المتقي الهندي عن الديلمي عن أبي أمامة: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) خرج إلى البقيع، فتبعه أصحابه، فوقف وأمرهم أن يتقدموا، ثمّ مشى خلفهم، فسئل عن ذلك، فقال: «إني سمعت خفق نعالكم، فأشفقت أن يقع في نفسي شي‏ء من الكبر»، قال:

سنده ضعيف‏ (4).

أقول: النبي (صلى الله عليه و آله) أعلى وأعظم من أن يقع في نفسة ذرة من الكبر، فما روي ضعيف السند والمضمون، وعلى فرض الصحة يحمل على التعليم.

____________

(1) الطبقات الكبرى 3/ 397.

(2) المستدرك على الصحيحين 3/ 189.

(3) مسند اسحاق ابن راهويه 2/ 491؛ منتخب مسند عبد بن حميد/ 439؛ الدر المنثور 1/ 92.

(4) كنز العمال 3/ 830 و 15/ 741؛ انظر: المعجم الكبير 8/ 216؛ مسندأحمد 5/ 266؛ سنن ابن ماجة 1/ 90؛ مجمع الزوائد 1/ 208.

80

الصلاة على النجاشي‏ (1)

روى ابن ماجة عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «إنّ النجاشي قد مات»، فخرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وأصحابه إلى البقيع، فصفنا خلفه، وتقدم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، النجاشي قد مات، 2 فكبّر أربع تكبيرات‏ (2).

وفي رواية أبي داود الطيالسي عنه: كنا عند رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فقال: «إنّ أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه»، فنهض ونهضنا، حتى انتهى إلى البقيع، فتقدم وصففنا خلفه .. (3).

وفي الحديث: ان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نعى للناس (وهو بالمدينة) النجاشي (صاحب الحبشة) في اليوم الذي مات فيه، (قال: «انّ أخاً قد مات») وفي رواية: «مات اليوم عبد للَّه‏صالح بغير أرضكم، فقوموا فصلوا عليه، قال: من هو؟ قال: النجاشي، وقال: استغفروا لأخيكم»، قال: فخرج بهم إلى المصلّى، وفي رواية: البقيع .. (4).

وعن مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» (5) اختلفوا في نزولها، فقيل: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية، وذلك أنه لما مات نعاه جبرائيل لرسول اللَّه في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول اللَّه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، قالوا: ومن؟ قال:

النجاشي. فخرج رسول اللَّه إلى البقيع، وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة،

____________

(1) اسمه أصحمة، ملك الحبشة، أسلم في عهد النبي (صلى الله عليه و آله)، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه، وأخباره معهم ومع كفار قريش مشهورة، توفي ببلاده قبل فتح مكة، والنجاشي لقب له ولملوك الحبشة، مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم. انظر: أسد الغابة 1/ 119، رقم 187.

(2) سنن ابن ماجة 1/ 490؛ انظر: مصنف ابن أبي شيبة 3/ 184.

(3) مسند أبي داود الطيالسي/ 303؛ انظر: مصنف ابن أبي شيبة 3/ 241.

(4) أحكام الجنائز/ 89.

(5) آل عمران/ 199.

81

فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني حبشي لم يره قطّ وليس على دينه، فأنزل .. (1).

أقول: المقصود من الصلاة هنا إحدى هذه الاحتمالات:

الاول: المراد من الصلاة هو معناها اللغوي، أي الدعاء، قال الشيخ الطوسي في الخلاف: لا تجوز الصلاة على الغائب بالنية، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي:

يجوز ذلك، دليلنا: ان ثبوت ذلك يحتاج إلى دليل شرعي وليس في الشرع ما يدلّ عليه، وأما صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) على النجاشي فإنّما دعاء له، والدعاء يسمى صلاة (2).

الثاني: أن يقال: إن الأرض طويت له حتى صار كأنه بين يديه‏ (3).

الثالث: أن يقال: كشف له من المدينة، كما مرّ عن الطبرسي، وروى القطب الراوندي عن جابر وغيره: أن النبي (صلى الله عليه و آله) أتاه جبرئيل وأخبره بوفاة النجاشي، ثمّ خرج من المدينة إلى الصحراء (4)، ورفع اللَّه الحجاب بينه وبين جنازته، فصلى عليه، ودعا له، واستغفر له، وقال للمؤمنين: «صلوا عليه»، فقال منافقون:

نصلي على علج بنجران؟ فنزلت الآية (5)، والصفات التي في الآية هي‏

____________

(1) ميزان الحكمة 4/ 3424؛ انظر: مجمع البيان 2/ 916؛ تفسير جوامع الجامع 1/ 365.

(2) الخلاف 1/ 731، مسألة 563؛ وانظر: السرائر 1/ 360؛ المعتبر 2/ 352؛ جامع الخلاف والوفاق/ 114؛ تذكرة الفقهاء 2/ 28؛ تحرير الأحكام، العلامة الحلي 1/ 124؛ و 2/ 252؛ البيان، الشهيد الأول/ 28؛ الذكرى/ 54.

(3) انظر: المعتبر 2/ 352؛ منتهى المطلب 1/ 449؛ تذكرة الفقهاء 2/ 28؛ البيان/ 28؛ الذكرى/ 54.

(4) البقيع، كما في مناقب ابن شهراشوب 1/ 93.

(5) قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ»، سورة آل‏عمران: 199.

82

صفات النجاشي‏ (1).

وروى نحوه الواحدي‏ (2) وابن شهراشوب‏ (3).

ولكن ما ذكرناه أولًا هو الأولى، وذلك لورود خبر محمد بن مسلم أوزرارة أنه قال: «الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنّما هو الدعاء، قال: قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي (صلى الله عليه و آله)؟ فقال: لا، إنّما دعا له» (4)، وهذا الحديث حسن‏ (5) أو صحيح‏ (6) عند معظم الفقهاء، إلا أن السيد الخوئي يرى ضعفه‏ (7).

السلام على أصحاب الكهف‏

روى المجلسي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «صلى النبي (صلى الله عليه و آله) ذات ليلة، ثمّ توجه إلى البقيع، فدعا أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، فقال: امضوا حتى تأتوا أصحاب الكهف، وتقرؤهم منى السلام، وتقدّم أنت يا أبا بكر، فإنك أسنّ القوم، ثمّ أنت يا عمر، ثمّ أنت يا عثمان، فإن أجابوا واحداً منكم وإلا تقدّم أنت يا علي، كن آخرهم، ثمّ أمر الريح فحملتهم حتى وضعتهم على باب الكهف، فتقدم أبو بكر فسلّم، فلم يردوا عليه فتنحّى، فتقدم عمر فسلّم، فلم يردوا عليه، وتقدم عثمان وسلّم، فلم يردوا عليه، وتقدم عليّ وقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، أهل‏

____________

(1) مستدرك الوسائل 2/ 275، ح 1954، عن فقه القرآن للراوندي.

(2) اسباب النزول، الواحدي النيسابوري/ 93.

(3) المناقب 1/ 93؛ بحار الانوار 18/ 130.

(4) تفصيل وسائل الشيعة 3/ 105، ح 3145.

(5) منتهى المطلب 1/ 45؛ مجمع الفائدة والبرهان 2/ 452؛ غنائم الأيام 3/ 484.

(6) مستند الشيعة 6/ 343؛ جواهر الكلام 12/ 114؛ الحدائق الناضرة 10/ 460؛ مصباح الفقيه 2/ ق 2/ 512؛ جامع المدارك 1/ 572.

(7) التنقيح في شرح العروة الوثقى، ميرزا علي الغروي 9/ 265.

83

الكهف الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، وربط على قلوبهم، أنا رسول رسول اللَّه ورحمة اللَّه إليكم، فقالوا: مرحباً برسول اللَّه وبرسوله، وعليك السلام يا وصي رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، قال: فكيف علمتم أني وصي النبي؟ فقالوا: إنه ضرب على آذاننا ألا نكلّم إلا نبيّاً أو وصي نبي، فكيف ترك رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)؟ وكيف حشمه؟ وكيف حاله؟ .. وبالغوا في السؤال، وقالوا: خبّر أصحابك هؤلاء أنّا لا نكلّم إلا نبيّاً أو وصيّ نبي، فقال لهم: أسمعتم ما يقولون؟ قالوا: نعم، قال:

فاشهدوا» (1).

من البقيع إلى مقابر مكة

روى في الدرجات الرفيعة عن أنس بن مالك، قال: أتى أبو ذر يوماً إلى مسجد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فقال: ما رأيت كما رأيت البارحة، قالوا: وما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) ببابه، فخرج‏ليلًا وأخذبيدعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وخرجنا إلى البقيع، فما زلت أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكة، فعدل إلى قبر أبيه، فصلى عنده ركعتين، فإذا بالقبر قد انشقّ، وإذا بعبد اللَّه جالس وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنّ محمداً عبده ورسوله، فقال له: من وليّك يا أبة؟ فقال:

وما الولي يا بني؟ فقال: هو هذا علي، فقال: إنّ علياً وليي، قال: فارجع إلى روضتك، ثمّ عدل إلى قبر أمه آمنة، فصنع كما صنع عند قبر أبيه، فإذا بالقبر قد انشقّ، فإذا هي تقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه، فقال لها: من وليك يا أماه؟ فقالت: وما الولاية يا بني؟ قال: هو هذا علي بن أبي طالب، فقالت: إنّ علياً وليي، فقال: ارجعي إلى حضرتك وروضتك. فكذبوه ولببوه، وقالوا: يا

____________

(1) بحار الأنوار 31/ 624؛ انظر: قصص الأنبياء، الراوندي/ 254.

84

رسول اللَّه، كذب عليك اليوم! فقال: وما كان من ذلك؟ قالوا: إنّ جندب حكى عنك كيت وكيت، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر». قال عبد السلام بن محمد: فعرضت هذا الخبر على الجهني محمد بن عبد الأعلى، فقال: علمت أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «أتاني جبرئيل، فقال: إنّ اللَّه عزوجل حرّم النار على ظهر أنزلك، وبطن حملك، وثدي أرضعك، وحجر كفّلك» (1).

العناية بحفظ الصحة

روي عن أبي سعيد الخدري: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) مرّ بالبقيع، فأتى بإناء غير مخمر، فقال: «ألا خمرته ولو بعود تقعده عليه» (2).

وعن جابر بن عبد اللَّه، قال: جاء أبو حميد الأنصاري بإناء من لبن نهاراً إلى النبي (صلى الله عليه و آله) وهو بالبقيع، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «ألا خمرته، ولو أن تعرض عليه عوداً» (3).

اعلان تحريم الخمر

روى الطبراني باسناده عن ثابت بن زيد الخولاني: أنه قدم المدينة، فلقي ابن عباس، فسأله عن الخمر، فقال: سأخبرك عن الخمر، إني كنت عند رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في المسجد، فبينما هو محتب حل حبوته، ثمّ قال: «من كان عنده من الخمر شي‏ء فليؤذني به»، فجعل الناس يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية خمر، ويقول الآخر: عندي راوية، ويقول الآخر: عندي زقاق، وما شاء اللَّه أن يكون عنده،

____________

(1) الدرجات الرفيعة/ 236.

(2) الكامل 6/ 320.

(3) مصنف ابن أبي شيبة 5/ 527؛ مسند أحمد 3/ 294.

85

فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) «اجمعوه ببقيع كذا وكذا»، ثمّ آذنوني، ففعلوا، ثمّ آذنوه .. (1).

رجم ماعز بن مالك‏

أمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) برجم ماعز بن مالك الذي أتى بالفاحشة وأقرّ بذلك عنده مراراً.

روي عن أبي سعيد الخدري في قصة ماعز أنه قال: أمرنا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) برجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له، ورميناه بالعظام والمدر والخزف، ثمّ اشتدّ واشتددنا له حتى أتى الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة، حتى سكت‏ (2).

الإحتجام بالبقيع‏

روى أبو داود والنسائي وابن ماجة بأسانيدهم عن شداد بن أوس: أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم) على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (3).

____________

(1) المعجم الكبير 12/ 180؛ المستدرك على الصحيحين 4/ 144؛ السنن الكبرى 8/ 287؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 98.

(2) مسالك الافهام، الشهيد الثاني 14/ 384؛ كشف اللثام، الفاضل الهندي 2/ 403؛ جواهر الكلام 41/ 349؛ وانظر: صحيح مسلم 5/ 118؛ سنن أبي داود 2/ 346؛ صحيح ابن حبان 10/ 286؛ سنن الدارمي 2/ 178؛ مسند أحمد 3/ 61؛ مسند أبي يعلى 2/ 420؛ المستدرك على الصحيحين 4/ 362؛ السنن الكبرى 8/ 221 و 227؛ البحر الرائق 5/ 13؛ تاريخ بغداد 3/ 139؛ تاريخ مدينة دمشق 54/ 174؛ المغني 10/ 122؛ الشرح الكبير 10/ 137؛ شرح مسلم 11/ 193؛ المحلى 11/ 123؛ فتح الباري 12/ 115؛ عون المعبود 12/ 66- 74؛ كنز العمال 13/ 593؛ شرح مسند أبي حنيفة، ملا علي القاري/ 351؛ نصب الراية 4/ 119؛ نيل الأوطار 7/ 269 و 277؛ ارواء الغليل 7/ 356.

(3) المجموع 6/ 349؛ انظر: سنن ابن ماجة 1/ 537؛ سنن أبي داود 1/ 531؛ سنن الدارمي 2/ 15؛ مصنف ابن أبي شيبة 2/ 466؛ المعجم الكبير 7/ 277؛ المعجم الأوسط 8/ 200؛ مسند الشاميين 2/ 48، 150، 371 و 4/ 346؛ صحيح ابن خزيمة 3/ 226؛ صحيح ابن حبان 8/ 304؛ مسند أحمد 4/ 122، 125، و 5/ 280، 282، 283؛ المستدرك على الصحيحين 1/ 427، 428؛ السنن الكبرى 4/ 265 و 266؛ تاريخ مدينة دمشق 54/ 412؛ أحكام القرآن 1/ 236؛ ذيل تاريخ بغداد، ابن النجار البغدادي 2/ 155؛ المنتقى من السنن المسندة/ 105؛ سبل السلام 2/ 158؛ نصب الراية 3/ 43؛ موارد الظمآن/ 226؛ اللمع في أسباب ورود الحديث/ 51؛ كنز العمال 8/ 602 و 603.

86

مع الذئب في البقيع‏

روي عن حمزة بن أسيد قال: خرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في جنازة رجل من الأنصار بالبقيع، فإذا الذئب مفترشاً ذراعيه على الطريق، فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«هذا جاء يستفرض، فافرضوا له، قالوا: ترى رأيك يا رسول اللَّه، قال: من كلّ سائمة شاة في كلّ عام»، قالوا: كثير، قال: فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب، رواه البيهقي‏ (1).

بل أنا وا رأساه!

قالت عائشة: رجع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وا رأساه! فقال: «بل أنا وا رأساه»، قالت: ثمّ قال: «وما ضرّك لو متّ قبل فقمت عليك وكفّنتك وصليت عليك ودفنتك» .. (2).

الزيارة الأخيرة

قال ابن أبى الحديد: وقد روي من قصة وفاة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): أنه عرضت له الشكاة التي عرضت، في أواخر صفر من سنة إحدى عشرة للهجرة، فجهز جيش‏

____________

(1) البداية والنهاية 6/ 161؛ انظر: الإصابة 2/ 105.

(2) البداية والنهاية 5/ 244؛ انظر: سنن الدارقطني 2/ 61؛ السيرة النبوية 4/ 445.

87

أسامة بن زيد، فأمرهم بالمسير إلى البلقاء، حيث أصيب زيد وجعفر (عليهما السلام) من الروم، وخرج في تلك الليلة إلى البقيع، وقال: «إني قد أمرت بالإستغفار عليهم، فقال (عليه السلام): السلام عليكم يا أهل القبور، ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع أولها آخرها، ثمّ استغفر لأهل البقيع طويلًا، ثمّ قال لأصحابه: انّ جبريل كان يعارضني القرآن في كلّ عام مرّة، وقد عارضني به العام مرّتين، فلا أراه إلا لحضور أجلي‏ (1).

وروى الطبرسي: أنه يوم الأحد لليال بقين من صفر أخذ بيد علي (عليه السلام)، وتبعه جماعة من أصحابه، وتوجه إلى البقيع، ثمّ نقل نحو ما ذكره ابن أبي الحديد، ثمّ قال: «يا علي، إنّي خيّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة فاخترت لقاء ربي والجنة، فإذا أنا متّ فغسّلني، واستر عورتي، فانه لا يراها أحد إلا أكمه، ثمّ عاد إلى منزله، فمكث ثلاثة أيام موعوكاً ..» (2).

ما قاله الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله) بالبقيع‏

1. إنّ فيكم رجلًا يقاتل الناس على تأويل القرآن‏

روى الفرات الكوفي عن أبي ذرالغفاري قال: كنت مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وهو بالبقيع الغرقد، فقال: «والذي نفسي بيده، انّ فيكم رجلًا يقاتل الناس على تأويل القرآن، كما قاتلت المشركين على تنزيله، وهم في ذلك يشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وما يؤمن أكثرهم باللَّه إلا وهم مشركون، فيكبر قتلهم على الناس، حتى يطعنوا على ولي اللَّه، ويسخطوا عمله كما سخط موسى من أمر السفينة وقتل الغلام وإقامة

____________

(1) شرح نهج البلاغة 10/ 183؛ وانظر: السيرة النبوية (لابن هشام) 4/ 1056؛ عيون الأثر 2/ 429؛ البداية والنهاية 5/ 243.

(2) إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي 1/ 264.

88

الجدار، وكان خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار للَّه‏رضا، وسخط ذلك موسى» (1).

ورواه الخوارزمي‏ (2) والمتقي الهندي عن الديلمي‏ (3).

2. المهدي من ذرية علي ومن ولد الحسين‏

روي عن أبان بن عثمان قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): «بيننا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ذات يوم بالبقيع، فأتاه عليّ فسلّم عليه، فقال له رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): اجلس، فأجلسه عن يمينه، ثمّ جاء جعفر بن أبي طالب، فسأل عن رسول اللَّه، فقيل: هو بالبقيع، فأتاه فسلّم عليه، فأجلسه عن يساره، ثمّ جاء العباس، فسأل عنه، فقيل: هو بالبقيع، فأتاه فسلّم عليه، وأجلسه أمامه، ثمّ التفت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى علي (عليه السلام)، فقال: ألا أبشرك، ألا أخبرك يا علي؟ قال: بلى يا رسول اللَّه، فقال: كان جبرئيل عندي آنفاً، وخبّرني أنّ القائم الذي يخرج في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلًا، كما ملئت ظلماً وجوراً من ذريتك، من ولد الحسين (عليه السلام)، فقال علي (عليه السلام): يا رسول اللَّه، ما أصابنا خير قطّ من اللَّه إلا على يديك ..» (4).

3. مع علي وأخيه جعفر الطيار

روى الشيخ منتجب الدين بإسناده عن الحسن بن الحسن عن أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: «كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في بقيع الغرقد، إذ مرّ به 1 فر بن أبى طالب، 2 جعفر بن‏

____________

(1) تفسير فرات الكوفي/ 200؛؛ انظر: كشف الغمة، الاربلي 1/ 112؛ بحار الأنوار 32/ 296.

(2) المناقب/ 88.

(3) كنز العمال 13/ 106 عن الديلمي.

(4) بحار الأنوار 51/ 76؛ معجم أحاديث الإمام المهدي 1/ 195.

89

أبي‏طالب ذو الجناحين، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): صلّ جناح أخيك، ثم تقدم النبيّ فصليا خلفه، فلما انفتل النبي (صلى الله عليه و آله) من صلاته أقبل بوجهه عليهما، ثمّ قال: يا جعفر، هذا جبرئيل يخبرني عن الديان عزّوجل أنه قد جعل لك جناحين منسوجين في الجنان، ويسيرك ربك يوم خميس، قال: فقال علي: فداك أبي وأمي يا رسول اللَّه، هذا لجعفر أخي، فما لي عند ربي عزّوجل؟ فقال النبي (صلى الله عليه و آله): بخ بخ يا علي، انّ اللَّه خلق خلقاً يستغفرون لك إلى أن تقوم الساعة، قال: فقال علي (عليه السلام): بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، وما ذلك الخلق؟ قال: المؤمنون الذين يقولون: «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ» (1)، فهل سبقك أحد بالإيمان؟ يا علي، إذا كان يوم القيامة ابتدرت إليك اثنا عشر ألف ملك من الملائكة، فيختطفونك اختطافاً حتى تقوم بين يدي ربي عزوجل، فيقول الربّ جل جلاله: سل يا علي، (فقد) آليت على نفسي أن أقضي لك اليوم ألف حاجة، قال: فأبدأ بذريتي وأهل بيتي يا رسول اللَّه؟ قال النبي (صلى الله عليه و آله): إنهم لا يحتاجون اليك يومئذ، ولكن ابدأ بمحبيك- أو أحبائك- وأشياعك. وساق الكلام إلى أن قال: واللَّه، لو أنّ الرجل صام النهار وقام الليل وحمل على الجياد في سبيل اللَّه، ثمّ لقي اللَّه مبغضاً لك ولأهل بيتك، لكبّه اللَّه على منخريه في النار» (2).

وروى الحاكم الحسكاني عن سلمة بن الأكوع قال: بينما النبي ببقيع الغرقد وعلي معه، فحضرت الصلاة، فمرّ به جعفر، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «يا جعفر، صلّ جناح أخيك، فصلى النبيّ بعليّ وجعفر، فلما انفتل من صلاته قال: يا جعفر، هذا جبرئيل يخبرني عن رب العالمين أنه صيّر لك جناحين أخضرين مفصصين بالزبرجد والياقوت، تغدو وتروح حيث تشاء، قال علي: فقلت: يا رسول اللَّه، هذا لجعفر،

____________

(1) سورة الحشر: 10.

(2) الأربعون حديثاً، الشيخ منتجب الدين الرازي/ 30.

90

فما لي؟ قال النبي (صلى الله عليه و آله): يا علي، أو ما علمت أنّ اللَّه عزوجل خلق خلقاً من أمتي، يستغفرون لك إلى يوم القيامة؟ قال علي: ومن هم يا رسول اللَّه؟ قال: قول اللَّه عزّوجل في كتابه المنزل عليّ: «وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1)، فهل سبقك إلى الإيمان أحد يا علي؟ (2).

4. اللهم هب لي رقية من ضمة القبر

روى الكليني باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وقف على قبر رقية، فرفع رأسه إلى السماء، فدمعت عيناه، وقال للناس: «إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها، واستوهبها من ضمة القبر، قال:

فقال: اللهم هب لي رقية من ضمة القبر، فوهبها اللَّه له» (3).

5. يا أم سعد، لا تحتمي على اللَّه‏

روى الكليني باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه الصادق (عليه السلام) أنه قال:

«خرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في جنازة سعد (4)، وقد شيّعه سبعون ألف ملك، فرفع رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) رأسه إلى السماء، ثمّ قال: مثل سعد يضمّ؟ قال: قلت: جعلت فداك، إنا نحدّث أنه كان يستخف بالبول، فقال: معاذ اللَّه، إنّما كان من زعارة في خلقه على أهله؛ قال: فقالت أمّ سعد: هنيئاً لك يا سعد، قال: فقال لها رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): يا أم‏

____________

(1) سورة الحشر: 10.

(2) شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني 2/ 333.

(3) الكافي 3/ 136، ح 6.

(4) أي سعد بن معاذ، كما يأتي ذكره في المدفونين في البقيع.

91

سعد، لا تحتمي على اللَّه» (1).

6. حول الفتنة

روى ابن عساكر: أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ذكر فتنة فقربها، قال: فأتيته بالبقيع، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فقلت يا رسول اللَّه، بلغني أنك ذكرت فتنة، قال: «نعم، كيف أنتم إذا اقتتلت فئتان، دينهما واحد، وصلاتهما واحدة، وحجهما واحد! قال: قال أبو بكر: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: لا، قال: اللَّه أكبر، قال عمر: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: لا، قال: الحمد للَّه، قال عثمان: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: نعم، وبك يبتلون! قال عليّ: أدركها يا رسول اللَّه؟ قال: نعم، تقود الخيل بأزمته» (2).

7. هؤلاء خير منكم‏

روى صفوان الجمال عن الصادق (عليه السلام): «كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يخرج في ملاء من الناس من أصحابه كلّ عشية خميس إلى بقيع المدنيين، فيقول ثلاثاً: السلام عليكم أهل الديار، وثلاثاً: رحمكم اللَّه، ثمّ يلتفت إلى أصحابه ويقول: هؤلاء خير منكم، فيقولون: يا رسول اللَّه، ولم؟ آمنوا وآمنّا، وجاهدوا وجاهدنا! فيقول: إنّ هؤلاء آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ومضوا على ذلك، وأنا لهم على ذلك شهيد، وأنتم تبقون بعدي، ولا أدري ما تحدثون بعدي» (3).

____________

(1) الكافي 3/ 136.

(2) تاريخ مدينة دمشق 42/ 450.

(3) كامل الزيارات/ 529؛ انظر: بحار الأنوار 99/ 296؛ الحدائق الناضرة 4/ 171؛ مستند الشيعة 3/ 320؛ تفصيل وسائل الشيعة 3/ 224؛ جواهر الكلام 4/ 321؛ مستدرك سفينة البحار 8/ 370.

92

وروى عبد الرزاق عن ابن جريح قال: حدثت أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) كان ينطلق بطوائف من أصحابه إلى دفنى‏ بقيع الفرقد، فيقول: «السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون مما نجاكم اللَّه مما هو كائن بعدكم، ثمّ يلتفت إلى أصحابه، وفيهم يومئذ الأفاضل، فيقول: أنتم خير أم هؤلاء؟ فيقولون: نرجو أن لا يكونوا خيراً منّا، هاجرنا كما هاجروا، ولم يأكلوا من أجورهم شيئاً، وإنكم تأكلون من أجوركم، فإنّ هؤلاء قد مضوا، وقد شهدت لهم، وإني لا أدري ما تحدثون بعدي» (1).

8. أترين هذه المقبرة؟

روى الحاكم عن أم قيس: أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) خرج بها في سكك المدينة حتى انتهى إلى البقيع الغرقد، فقال: «يا أم قيس! قلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه، قال: أترين هذه المقبرة؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: يبعث منها سبعون ألفاً يوم القيامة بصورة القمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب» (2).

9. حول الصدقة

روي أحمد عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع، فقال:

حدثني أبي أو عمي: أنه رأى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع وهو يقول: «من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة»، قال: فحللت من عمامتي لوثاً أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم، فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلًا أشدّ منه سواداً ولا أصغر منه ولا أذمّ ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة

____________

(1) مصنف عبد الرزاق 3/ 575؛ وانظر: تفسير الثعالبي 5/ 221.

(2) المستدرك على الصحيحين 4/ 68؛ انظر: المعجم الكبير 8/ 216؛ مسند أبي داود الطيالسي/ 227؛ كتاب الثقات 5/ 470؛ الإصابة 4/ 440؛ فتح الباري 11/ 359؛ كنز العمال 12/ 262؛ الفائق في غريب الحديث 1/ 225؛ النهاية في غريب الحديث 1/ 325 و 2/ 50؛ لسان العرب 2/ 22 و 12/ 186.

93

أحسن منها، فقال: يا رسول اللَّه، أصدقة؟ قال: نعم، قال: دونك هذه الناقة، قال:

فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه، فواللَّه لهي خير منه، قال: فسمعها رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فقال: كذبت، بل هو خير منك‏ (1).

10. بل اعملوا

روى الترمذي عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي (عليه السلام) قال: «كنا في جنازة في البقيع فأتى النبي (صلى الله عليه و آله) فجلس وجلسنا معه، ومعه (عود) ينكت به في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مدخلها، فقال القوم:

يا رسول اللَّه، أفلا نتّكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة، فهو يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل للشقاء؟ قال: بل اعملوا، فكلّ ميسّر، أما من كان من أهل السعادة فإنه ميسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ميسر لعمل الشقاء، ثمّ قرأ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏* وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏، وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏* وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏»» (2)، ثمّ قال: هذا حديث حسن صحيح‏ (3).

____________

(1) تفسير القرآن العظيم 2/ 389؛ مسند أحمد 5/ 34؛ الدر المنثور 3/ 264؛ جامع البيان 10/ 250؛ مجمع الزوائد 3/ 120.

(2) سورة الليل: 5- 10.

(3) سنن الترمذي 5/ 111؛ انظر: صحيح البخاري 2/ 99 و 6/ 84 و 85؛ صحيح مسلم 8/ 46؛ سنن أبي داود 2/ 411؛ مصنف عبد الرزاق 11/ 115؛ مسند أبي يعلى 1/ 437؛ مسندأحمد 1/ 129 و 132؛ تفسير الثعالبي 5/ 559؛ جامع البيان 30/ 281؛ تفسير القرآن العظيم 4/ 554؛ الجامع لأحكام القرآن 20/ 83؛ علل الدارقطني 4/ 160؛ غريب الحديث 1/ 307؛ فتح الباري 8/ 544؛ كتاب السنة/ 75؛ حديث خيثمة/ 187؛ حز الغلاصم في افحام المخاصم، شيث بن إبراهيم/ 105؛ الديباج على صحيح مسلم، السيوطي 6/ 9؛ تحفة الأحوذي 6/ 284؛ رياض الصالحين/ 429؛ كنز العمال 1/ 342.

94

وروى الزمخشري: جاء رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع، ومعه مخصرة (1) له، فجلس ونكت بها في الأرض، ثمّ رفع رأسه وقال: «ما من منفوسة إلا وقد كتب مكانها في الجنة والنار» (2).

11. يا بلال، هل تسمع ما أسمع؟

روى الحاكم عن أنس بن مالك، قال: بينا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وبلال يمشيان بالبقيع، فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «يا بلال، هل تسمع ما أسمع؟ قال: لا واللَّه يا رسول‏اللَّه، ما أسمعه، قال: ألا تسمع أهل القبور يعذبون» (3).

ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ (4).

وفي خبر أبي رافع قال: خرجت مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وانتهيت إلى بقيع الغرقد، فالتفت إليّ فقال: «هل تسمع الذي أسمع؟ فقلت: بأبي وأمي، لا يا رسول اللَّه، قال: هذا فلان بن فلان يعذب في قبره، في شملة اغتلها يوم خيبر» (5).

12. عذاب القبر

روى الطبراني في ضمن خبر: فلما مرّ- رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)- ببقيع الغرقد إذا بقبرين‏

____________

(1) ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه، من عصا، أو عكازة، أو مقرعة، أو قضيب، وقد يتكأ عليه. كذافي النهاية 2/ 36؛ لسان العرب 4/ 242؛ تاج العروس 3/ 178.

(2) الفائق في غريب الحديث 1/ 323؛ انظر: مسند أبي يعلى 1/ 306؛ أمالي المحاملي/ 169؛ فيض القدير 2/ 17؛ سبل الهدى والرشاد 7/ 366.

(3) المستدرك على الصحيحين 1/ 40؛ مسند أحمد 3/ 259؛ اثبات عذاب القبر، البيهقي/ 75؛ كنز العمال 15/ 485، 741.

(4) المستدرك على الصحيحين 1/ 40.

(5) مجمع الزوائد 5/ 338.

95

قد دفنوا فيهما رجلين، فوقف النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: «من دفنتم ههنا اليوم؟ قالوا: يا نبي اللَّه، فلان. قال: إنهما ليعذبان الآن، ويفتنان في قبريهما، قالوا: يا رسول اللَّه، وما ذاك؟ قال: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يتنزه من البول» (1).

وروى الطبري عن أبي أمامة، قال: أتى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بقيع الغرقد، فوقف على قبرين ثريين، فقال: «أدفنتم هنا فلاناً وفلانة، أو قال: فلاناً وفلاناً، فقالوا:

نعم يا رسول اللَّه، فقال: قد أقعد فلان الآن يضرب، ثمّ قال: والذي نفسي بيده، لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد تطاير قبره ناراً، ولقد صرخ صرخة سمعتها مع الخلائق إلا الثقلين من الجنّ والإنس، ولولا تمريج قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، ثمّ قال: الآن يضرب هذا، الآن يضرب هذا، ثمّ قال: والذي نفسي بيده، لقد ضرب ضربة ما بقى منه عظم إلا انقطع، ولقد تطايرها سعيد قبره ناراً، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين من الجن والإنس، ولولا تمريج في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، قالوا: يا رسول اللَّه، ما ذنبهما؟ قال: أما فلان فإنه كان لايستبرى‏ء من البول، وأما فلان أو فلانة فإنه كان يأكل لحوم الناس» (2).

وروى البيهقي عن عبد اللَّه بن حنطب: أنه بلغه أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مرّ يسير على بغلة له بيضاء في المقابر ببقيع الغرقد، فحادت به بغلته حيدة، فوثب إليها الرجال من المسلمين ليأخذوا بلجامها، فقال لهم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «دعوها، فإنها سمعت عذاب سعد بن زرارة يعذب في قبره، وكان رجلًا منافقاً» (3).

____________

(1) المعجم الكبير 25/ 181؛ مجمع الزوائد 3/ 56.

(2) صريح السنة/ 29؛ انظر: سبل الهدى والرشاد 10/ 12.

(3) اثبات عذاب القبر/ 57.

96

13. تسموا باسمي ولاتكنوا بكنيتي‏

روى ابن أبي شيبة وغيره: أنه كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع، فنادى رجل آخر:

يا أبا القاسم! فالتفت إليه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فقال: إني لم أعنك يا رسول اللَّه! فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (1).

14. لا دريت ولا أفلحت‏

روي عن أبي رافع قال: دخلت مع النبي (صلى الله عليه و آله) البقيع، فسمعته يقول: «لا دريت ولا أفلحت، فقلت: بأبي وأمي، ما لي لا أدري ولا أفلح؟! قال: ليس لك، قلت:

بأبي وأمي، ليس معك غيري، قال: سمعت صاحب هذا القبر يسأل (عني)، فقال:

لا أدري، فقلت: لا دريت ولا أفلحت» (2).

وعن الطبراني عن أبي رافع: انّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) خرج بالليل يدعو بالبقيع، ومعه أبو رافع، فدعا بما شاء اللَّه أن يدعو، ثمّ انصرف مقبلًا، فمرّ على قبر، فقال:

«أف أف أف! فقال له أبو رافع: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي، ما معك غيري، فمنّي أففت؟! فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): لا، ولكنّي أففت من صاحب هذا القبر الذي سئل عنّي فشكّ فيّ» (3).

____________

(1) المصنف 6/ 162؛ وانظر: صحيح البخاري 3/ 20؛ صحيح مسلم 6/ 169؛ سنن ابن ماجة 2/ 1230؛ مسند أبي يعلى 6/ 420 و 434؛ الطبقات الكبرى 1/ 106؛ صحيح ابن حبان 13/ 131؛ مسند أحمد 3/ 114، 121؛ السنن الكبرى 9/ 308؛ أسد الغابة 5/ 274؛ منتخب مسند عبد بن حميد/ 413؛ الإصابة 7/ 270؛ ناسخ الحديث ومنسوخه/ 376؛ اللمع في أسباب ورود الحديث/ 83؛ شرح مسلم 14/ 112؛ فيض القدير 3/ 323؛ سبل الهدى والرشاد 1/ 536 و 10/ 454.

(2) دلائل النبوة، اسماعيل بن محمد الاصفهاني/ 99؛ وانظر: المعجم الكبير 1/ 325، 327 (روى نحوه بتفاوت يسير، وفيه: لا هديت)؛ اثبات عذاب القبر/ 78؛ مجمع الزوائد 3/ 53؛ كنز العمال 15/ 742.

(3) مجمع الزوائد 3/ 53.

97

15. اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي‏

روى الهيثمي عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كنت قاعداً عند النبي (صلى الله عليه و آله) عند البقيع، يعني بقيع الغرقد، في يوم مطر، فمرّت امرأة على حمار ومعها مكار، فمرّت في وهدة من الأرض فسقطت، فأعرض عنها بوجهه، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنّها متسرولة، فقال: «اللهمّ اغفر للمتسرولات من أمتي‏ (1)، يا أيها الناس! اتخذوا السراويلات، فإنها من أستر ثيابكم، وحصّنوا به نساءكم إذا خرجن» (2).

16. إنّ المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا ..

روى البخاري عن أبي ذر، قال: انطلق النبي (صلى الله عليه و آله) نحو البقيع، وانطلقت أتلوه، فالتفت فرآني، فقال: «يا أبا ذر، فقلت: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك وأنا فداؤك، فقال: إنّ المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا في حقّ، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، فقال هكذا ثلاثاً، ثمّ عرض لنا أحد، فقال: يا أبا ذر، فقلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك، وأنا فداؤك، قال: ما يسرّني أنّ أحداً لآل محمد ذهباً فيمسي عندهم دينار أو قال مثقال، ثمّ عرض لنا واد، فاستنتل‏ (3)، فظننت أنّ له حاجة، فجلست على شفير، وأبطأ عليّ، قال: فخشيت عليه، ثمّ سمعته كأنه يناجي رجلًا، ثمّ خرج وحده، فقلت يا رسول اللَّه، من الرجل الذي تناجي، فقال: أو سمعته؟ قلت: نعم، قال: فإنه جبريل، أتاني فبشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك باللَّه شيئاً دخل الجنة ..» (4).

____________

(1) مجمع الزوائده 5/ 122؛ كنزالعمال 15/ 463؛ فيض القدير 1/ 144؛ ميزان الحكمة 1/ 530.

(2) مجمع الزوائده 5/ 122؛ كنزالعمال 15/ 463؛ فيض القدير 1/ 144؛ ميزان الحكمة 1/ 530.

(3) قال الجواهرى فى الصحاح مادة (نتل): استنتل من الصف، إذا تقدم أصحابه. واستنتل للأمر: استعدله.

(4) الأدب المفرد، البخاري/ 173؛ انظر: صحيح ابن حبان 1/ 432.

98

17. حول العطسة

روى المتقي الهندي عن أبي رافع قال: خرجت مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) من بيته، وبيته يومئذ المسجد، حتى أتينا البقيع، فعطس رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فمكث طويلًا، فقلت له: بأبي وأمي، قلتَ شيئاً لم أفهمه، فقال: «نعم، أتاني من ربي أو أخبرني جبريل، قال: إذا عطست فقل: الحمد للَّه‏ككرمه، والحمد للَّه‏كعزّ جلاله، قال: فإنّ الرب تبارك وتعالى يقول: صدق عبدي، صدق عبدي، مغفوراً له» (1).

18. اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك‏

روى الزيلعي قضية راجعة إلى ابن مسعود، وجاء فيها: يا ابن مسعود، إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لم يجدك عشاءاً، فارجع إلى مضجعك، فرجعت إلى المسجد، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلًا، حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فاتبعتها حتى بلغت مقامي، فخرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وفي يده عسيب نخل، فعرض به على صدري، فقال: «انطلق أنت معي حيث انطلقت»، قال: فانطلقنا حتى أتينا بقيع الغرقد، فخطّ بعصاه خطة، ثمّ قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك»، ثمّ انطلق يمشي وأنا أنظر إليه، حتى إذا كان من حيث لا أراه، ثارت مثل العجاجة السوداء، ففزعت وقلت في نفسي: هذه هوازن مكروا برسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) ليقتلوه، فهممت أن أسعى إلى البيوت فاستغيث الناس، فذكرت أنّ رسول اللَّه أوصاني أن لا أبرح، وسمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يفزعهم بعصاه، ويقول: اجلسوا، فجلسوا، حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثمّ ثاروا وذهبوا .. (2).

____________

(1) كنز العمال 9/ 229.

(2) نصب الراية 1/ 215؛ انظر: تفسير القرآن العظيم 4/ 182؛ سبل الهدى والرشاد 6/ 433.

99

19. يا أمة اللَّه اتقي اللَّه واصبري‏

روى أبو يعلى والهيثمي عن أبي هريرة، قال: مرّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع على امرأة جاثمة على قبر تبكي، فقال لها: «يا أمة اللَّه، اتقي اللَّه واصبري، فقالت: يا عبد اللَّه، إني أنا الحرى الثكلى، فقال: يا أمة اللَّه اتقي اللَّه واصبري، فقالت: يا عبد اللَّه، لو كنت مصاباً عذرتني، فقال: يا أمة اللَّه، اتقي اللَّه واصبري، فقالت: يا عبد اللَّه، قد أسمعت فانصرف عنّي، قال: فمضى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فاتبعه رجل من أصحابه، فوقف على المرأة، فقال لها: ما قال لك الرجل الذاهب؟ قالت: قال لي كذا وكذا، قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا، قال: ذاك رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، قال: فوثبت مسرعة وهي تقول: أنا أصبر، أنا أصبر يا رسول اللَّه، قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): الصبر عند الصدمة الأولى، الصبر عند الصدمة الأولى» (1).

20. أف لك أف لك‏

روى الحاكم عن أبي رافع قال: كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، قال أبو رافع: فبينما النبي (صلى الله عليه و آله) يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع، فقال: «أف لك أف لك، قال: فكبر ذلك في ذرعي، فاستأجرت‏ (2) وظننت أنه يريدني، فقال: مالك، امش، فقلت:

أحدثت حدثا؟ قال: ما ذاك؟ قلت: أففت بي، قال: لا، ولكن هذا فلان بعثته ساعياً على بني فلان، فغل نمرة، فدُرِّع الآن مثلها من نار» (3).

____________

(1) مسند أبي يعلى 10/ 453؛ مجمع الزوائد 3/ 2؛ وانظر: فيض القدير 4/ 308؛ الكامل 3/ 368.

(2) فاستأخرت.

(3) سنن النسائي 2/ 115؛ انظر: المعجم الكبير 1/ 323؛ مسند أحمد 6/ 392؛ السنن الكبرى 1/ 300؛ صحيح ابن خزيمة 4/ 52؛ تفسير القرآن العظيم 1/ 431؛ تهذيب الكمال 23/ 235.

100

وفي خبر آخر: صاحب هذه الحفرة استعملته على بني فلان، فخان بردة، فأريتها عليه تلتهب‏ (1).

21. الطاعم الشاكر

روى الحاكم باسناده عن حنظلة بن علي السدوسي يقول: سمعت أبا هريرة يقول بهذا البقيع: سمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول: «الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر» (2).

22. لا تغالوا في الحديد .. لا تغالوا فى اللبن‏

روي عن ابن عباس قال: مرّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ببقيع الغرقد ورجل يسوم سيفاً، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «لا تغالوا في الحديد، فإنها مأمورة»، ومرّ برجل يسوم بشاة، فقال: «لا تغالوا في اللبن، فإنه رزق» (3).

23. اتخذ حماماً

جاء في طبقات المحدثين عن أبي هريرة: مرّ النبي (صلى الله عليه و آله) ببقعة من المناصع والبقيع، فقال: «نعم، هذا موضع الحمام، فاتخذ حماماً» (4).

24. مقبرة عسقلان‏

روي عن عطا، قال: سألتني عائشة عن عسقلان، قلت: ما تسأليني عن‏

____________

(1) المعجم الكبير 1/ 330؛ كنز العمال 4/ 544.

(2) المستدرك على الصحيحين 1/ 422.

(3) الكامل 6/ 117.

(4) طبقات المحدثين بأصبهان 2/ 319؛ انظر: ميزان الاعتدال 1/ 164؛ تهذيب التهذيب 1/ 79.

101

عسقلان؟ قالت: كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عندي في ليلتي، فلما كان بعض الليل قام فخرج إلى البقيع، فأدركتني الغيرة، فخرجت في أثره، فقال: «يا عائشة، أما إنه ليس بين المشرق والمغرب أكرم على اللَّه من الذي رأيت إلا أن تكون مقبرة عسقلان، قلت: وما مقبرة عسقلان، قال: رباط للمسلمين قديم، يبعث اللَّه منها يوم القيامة سبعين ألف شهيد، لكلّ شهيد شفاعة لأهل بيته» (1).

أقول: ذكره ابن حبان في المجروحين، وابن الجوزي في الموضوعات، وقال الأخير: هذا حديث لا يصحّ عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(2).

____________

(1) كتاب المجروحين 3/ 58؛ الموضوعات 2/ 54.

(2) الموضوعات 2/ 54.

102

العترة (ع) و البقيع‏

الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) و البقيع‏

1. تفسير باء البسملة بالبقيع‏

روي عن ابن عباس أنه قال: أخذ بيدي الإمام علي ليلة مقمرة، فخرج بي إلى البقيع بعد العشاء، وقال: اقرأ يا عبد اللَّه، فقرأت: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، فتكلم لي في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر (1).

وقال: يشرح لنا علي (عليه السلام) نقطة الباء من‏ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ليلة، فانفلق عمود الصبح وهو بعد لم يفرغ‏ (2).

2. أماترى ما يلقى عثمان؟

روى ابن شبة عن عبد اللَّه بن الزبير قال: بينا أنا وأبي نهوي نحو البقيع، إذا

____________

(1) ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي 1/ 214 و 3/ 211؛ مستدرك سفينة البحار 1/ 269؛ تفسير القرآن الكريم، السيد مصطفى الخميني 1/ 154.

(2) مستدرك سفينة البحار 1/ 269.

103

منادٍ ينادي أبي من ورائه: يا أبا عبد اللَّه، فنظرت فإذا عليّ، فتشربت له- يعنى تحرفت له- فقال أبي: إنه أبو الحسن، لا أمّ لك! فجاء عليّ فقال: «ألاترى ما يلقى عثمان؟» (1).

3. خبر الشمس‏

روى شاذان بن جبرئيل القمي عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «إذا كان غد وقت طلوع الشمس سر إلى جبانة البقيع، وقف على نشز من الأرض، فإذا بزغت الشمس سلّم عليها، فإنّ اللَّه تعالى أمرها أن تجيبك بما فيك، فلمّا كان من الغد خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين والأنصار، حتى أتى البقيع، ووقف على نشز من الأرض، فلما طلعت الشمس قال (عليه السلام): السلام عليك يا خلق اللَّه الجديد المطيع له، فسمع دويّ من السماء وجواب قائل يقول: السلام عليك يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن، يا من هو بكلّ شي‏ء عليم، فسمع الإثنان الأول والثاني والمهاجرين والأنصار كلام الشمس فصعقوا، ثمّ أفاقوا بعد ساعة، وقد انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك المكان، فقاموا وأتوا إلى رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) مع الجماعة، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نقول: إنّ علياً بشر مثلنا، والشمس تخاطبه بما يخاطب به الباري نفسه، فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله: فما سمعتموه؟ قالوا سمعنا الشمس تقول: السلام عليك يا أول. قال: قالت الصدق، هو أول من آمن بي، فقالوا: سمعناها تقول: يا آخر، فقال: قالت الصدق، هو آخر الناس عهداً بي، يغسلني ويكفنني ويدخلني قبري، فقالوا: سمعناها تقول: يا ظاهر، فقال: قالت الصدق، هو الذي أظهر علمي، فقالوا: سمعناها تقول: يا باطن، فقال: قالت الصدق، هو الذي بطن سري كله، فقالوا: سمعناها تقول: يا

____________

(1) تاريخ المدينة المنورة 3/ 1127.

104

من هو بكلّ شي‏ء عليم، فقال: قالت الصدق، هو أعلم بالحلال والحرام والسنن والفرائض، وما يشاكل على ذلك»، فقاموا وقالوا: أوقعنا محمد في طخياء، وخرجوا من باب المسجد. فقال في ذلك أبو محمد العوني (رض):

إمامي كليم الشمس راجع نورها* * * فهل لكليم الشمس في القوم من مثل‏ (1)

4. غضب علي (عليه السلام)

عمل أمير المؤمنين بوصية فاطمة الزهراء (من دفنها سرّاً وليلًا من دون إعلامه أحداً)، وروي أنه (عليه السلام) عمّى‏ على قبرها ورشّ أربعين قبراً في البقيع .. (2).

وفي الخبر: فعمل أمير المؤمنين بوصيتها، ولم يعلم أحداً بها، فأصنع في البقيع ليلة دفنت فاطمة (عليها السلام) أربعون قبراً جدداً (3).

وفي خبر الطبري: وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبراً جدداً، وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع، فوجدوا فيه أربعين قبراً، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور، فضج الناس ولام بعضهم بعضاً، وقالوا: لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتاً واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها. ثمّ قال ولاة الأمر منهم: هاتم من نساء المسلمين من تنبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها، ونزور قبرها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه)، فخرج مغضباً قد احمرّت عيناه، ودرت أوداجه، وعليه قباه الأصفر الذي كان يلبسه في كلّ كريهة، وهو متوك على سيفه ذي الفقار، حتى ورد

____________

(1) الفضائل/ 69؛ انظر: عيون المعجزات 5/؛ الهداية الكبرى/ 188؛ مدينة المعاجز 1/ 219؛ بحار الأنوار 35/ 277، 278 و 41/ 180.

(2) بحار الأنوار 29/ 390.

(3) بحار الأنوار 30/ 349 و 3/ 4171؛ بيت الأحزان، الشيخ عباس القمي/ 185.