تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
455

و أما أخبار المغرب، و الحوادث فيه، فلم تسكن النفس إلى إثبات شي‏ء من طوائح أخباره، و ما يؤخذ من أفواه تجاره، و قد أفردت من أحوال الخوارج فيه، و الفتن المتصلة بين أهليه من الحروب المتصلة، و سفك الدماء ما لا تثق النفس به، لاختلاف الروايات و تباين الحكايات، و كان قد ورد من فقهاء المغاربة من وثقت النفس بما أورده، و سكنت إلى ما شرحه، و عدده، و حضرت كتب من أهل المغرب إلى أقاربهم ببعض الشرح، و وافق ورود ذلك في سنة إحدى و أربعين و خمسمائة بالتواريخ المتقدمة و الحكايات المختلفة، فرأيت ذكر ذلك و شرحه في هذا المكان:

فمن ذلك ظهور المعروف بالفقيه السوسي، الخارج بالمغرب، و ما آل إليه أمره، إلى أن هلك، و من قام بعده و استمر على مذهبه، و ما اعتمده من الفساد، و سفك الدماء، و مخالفة الشريعة الإسلامية، و مبدأ ذلك على ما حكي ظهور المعروف بالفقيه أبي [عبد الله‏] (1) محمد بن تومرت من جبل السوس، و مولده به، و أصله مصمودي، و كان غاية في التفقه و الدين، مشهورا بالورع و الزهد، و كان قد سافر إلى العراق و جال في تلك الأعمال، و مهر في المناظرة و الجدال، و اجتمع بأئمة الفقهاء، و أخذ عنهم، و سمع منهم، و عاد إلى ناحية مصر و ما والاها، و اجتمع مع علمائها، و قرأ عليهم، ثم عاد إلى المغرب و دعا إلى مذهب الفكر، و ابتداء ظهوره في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة في مدينة تعرف بدرن‏ (2) في جبل أوله في البحر المحيط و آخره في بحر الاسكندرية في رأس أوثان، و غلب على جبل السوس، و اجتمع إليه خلق كثير من قبائل المصامدة بجبل درن، و قيل إنه وصل إلى المهدية و أمر أهلها أن يبنوا قصرا على نية الفكرة، (158 ظ) و أن يعبدوا الله فيه بالفكرة، فاجتمع مشايخ أهل المهدية و فقهاؤها، و عزموا على بناء ما أمرهم به، و العبادة لله تعالى فيه،

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين تقويما. انظر الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تحقيقي. ط.

الدار البيضاء: 1979 ص: 130.

(2) كذا، فدرن اسم الجبل، و هو ما ندعوه الآن باسم الأطلس الكبير، و قد ولد وسط هرغة و هي قبيلة بالسوس الأقصى. الحلل الموشية: 103.

456

فقام رجل من كبار الفقهاء، و قال: نقيم ما أقمنا بالمهدية، و يجي‏ء إليكم رجل بربري مصمودي، يأمركم بالعبادة بالفكرة فتجيبون إلى ما أمركم به، و تسارعون إلى قبول ما ذكره لكم؟ و أنكر هذا الأمر إنكارا شديدا، حتى عادوا عنه، و أبطلوه، و اقتضت هذه الحال خروج الخارجي من المهدية، إذ لم يتم له فيها أمر، و لا بلغ غرضا، و قصد بلدا في الغرب يعرف ببجاية (1) في أيدي بني حماد من صنهاجة، و شرع في الإنكار على أهله شرب الخمور، و جعل يكسر الأواني إلى أن منع من شربها، و ساعده على ذلك ابن حماد (2) مقدم هذا البلد و حمل إليه مالا، فامتنع من أخذه، و تعفف عنه لما أظهره من الزهد في الدنيا، و التفقه و الورع، ثم خرج من هذا البلد و قصد مدينة أغمات، فأظهر فيها الزهد و تدريس الفقه، و صار معه من أتباعه تقدير أربعمائة رجل من المصامدة، ثم ارتفع أمره، و ظهر شره، و اتصل خبره إلى الأمير ابن يوسف بن تاشفين‏ (3) و ما هو عليه و ما يظهره و يطلقه من إباحة دمه و دم أصحابه، و أهل مملكته، فاستدعاه الأمير المذكور إلى حضرته، و جمع له وجوه الفقهاء و المقدمين، إلى مجلس حفل و وقع الاختيار من الجماعة على فقيه يعرف بأبي عبد الله محمد بن مالك بن وهيب الأندلسي‏ (4)، لمناظرته فناظره في هذا المحفل، فاستظهر عليه في المناظرة، و قهره و غلبه، فقال الخارجي السوسي المناظر له: انظرني، فأجابه إلى ما طلب، ثم قال لابن يوسف بن‏

____________

(1) في الأصل: بجامه، و هي عبارة مصحفة صوابها ما أثبتناه، انظر الحلل الموشية: 106 حيث جاء: «و لما وصل إلى المهدية غير بها المنكر، فرفع أمره إلى العزيز ابن الناصر [علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس‏] فهم أن يأخذه فهرب إلى بجاية، فبلغ خبره لابن حماد صاحبها، فاختفى و خرج منها».

(2) في الأصل: ابن حمدون، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا و كان يحكم بجاية من آل حماد يحيى ابن العزيز، انظر أخبار المهدي بن تومرت للبيذق صاحب المهدي ط. الرباط 1971. ص: 13 و.

أعمال الأعلام للسان الدين بن الخطيب ط. الدار البيضاء 1964: 3/ 99.

(3) علي بن يوسف بن تاشفين. الحلل الموشية: 97- 102.

(4) مالك بن وهيب الاشبيلي، كان فقيها فيلسوفا، ذكره صاحب المعجب: 184- 186. ط.

القاهرة 1949. أخبار المهدي: 27. الحلل الموشية: 100.

457

تاشفين، المقدم: ينبغي أن يأمر الأمير بحبس هذا المفتن ليكشف سره، و يحقق أمره، و يظهر لكافة المسلمين صحة خبره، فإنه لا يريد غير الدنيا و السلطنة و الفساد في الأرض، و قتل النفوس، فما حفل بكلامه، و لا أصغى إلى إشارته، و تغافل عنه للأمر المقضي، و أعان هذا الخارجي قوم من المقدمين على مرامه و حامى عنه‏ (1).

ثم عاد إلى السوس إلى جبل درن، و كان يقول للناس: كلما قربتم من المرابطين و ملتم إليهم، كانوا مطاياكم إلى الجنة، لأنهم حماة الدين و الذابون عن المسلمين، ثم حمل المرابطين و الملثمين، و قد مال معه منهم الخلق الكثير و الجم الغفير على محاربة الأمير علي بن يوسف بن تاشفين‏ (2) و جمع عليه و حشد، و قويت نفسه (159 و) و نفوس من معه على اللقاء، و معهم أصحاب القوة و البسالة، و شدة البأس و الشجاعة و نشبت الحرب بين الفريقين، و أريقت الدماء بين الجهتين، و لم تزل رحى الحرب دائرة بينهم إلى أن كان بينهم في عدة سنين متوالية أربعة مصافات هائلة منكرة، و قتل فيها من الفريقين ما قدر و حزر تقدير مائتي ألف نفس، و لم تزل الحرب على هذه القضية الشنيعة، و الصفة الفظيعة إلى أن أهلكه الله تعالى بمدينة درن في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة (3)، و خلف جماعة من تلامذته و أصحابه، سلكوا سبيله، و بنوا على بنائه، و سلكوا مذهبه في الفساد، و تولد بينهم مذهب سموه «تكفير الذنب» (4)، هذا ما أورده و حكاه و شاهده، و استقصاه الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الجبار الصقلي بإملائه من لسانه.

____________

(1) ممن دافع عنه القائدان ينتان بن عمر، و سير بن وربيل. أخبار المهدي: 28.

(2) كذا و هو و هم، فالمهدي حارب المرابطين و الملثمين و أميرهم علي بن يوسف، حاربهم بمصمودة و سواها من القبائل. انظر المصادر المذكورة أعلاه.

(3) كذا و هو و هم، فقد توفي المهدي في تينملل في جبل درن «يوم الاثنين الرابع عشر لشهر رمضان المعظم من عام أربعة و عشرين و خمسمائة». الحلل الموشية: 117.

(4) يبدو أن المقصود بهذا ما يعرف في المصادر المغربية و الأندلسية باسم «التمييز» حيث كانت تجري مذابح كبيرة جدا.

458

ثم تناصرت الأخبار بعد ذلك من ناحية المغرب، بظهور أحد تلامذة المذكور يعرف بالفقيه عبد المؤمن، فلقب بالمهدي، أمير المؤمنين و خليفة المهدي إلى سبيل الموحدين‏ (1)، و اجتمع إليه مع من كان في حزبه من طوائف السوس، و البربر، و المصامدة، و المرابطين، و الملثمين ما لا يحصى له عدد، و لا يدركه أمر، و شرع في سفك الدماء، و افتتاح البلاد المغربية بالسيف و القتل لمن بها من الرجال و الحرم و الأطفال، ما شاعت به الأخبار و انتشر ذكره في سائر الأقطار، و وردت مكاتبات السفار و التجار، و من جملتها كتاب وقفت عليه من هذا الخارجي ما نسخة عنوانه:

من أمير المؤمنين، خليفة المهدي إلى سبيل الموحدين إلى أهلية (2).

بسم الله الرحمن و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

أما بعد: يا عضد الفجار، و عناد الفساق الأشرار، فقد كاتبناكم بالبنان، و خاطبناكم بالبيان، حتى سار كالبدر، و استمر مرور الدهر، فلم تجيبوا، و لا أطعتم، بل تثاقلتم عن الحق، و عصيتم، و إن الله سينتقم منكم لأوليائه نقمة من كان قبلكم من الأمم الجاحدة، و الفرق المعاندة، فانتظروا سيف الدم ينهلكم، و حجارة المدر تدمغكم، ثم لا يكون لكم استرجاع، و لا يقبل فيكم استشفاع، و هذه خيل الله قد أظلتكم و بلها، و طمى عليكم سبيلها، فتأهبوا للموت، و السلام على من اتبع (159) الهدى هداه، و لم يغلب عليه هواه و رحمة الله و بركاته.

____________

(1) كذا و في الخبر و هم و في (1) في الأصل مكر بايكان و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و هو موقع على مرحلة من همذان، انظر راحة الصدور: 348- 350. تاريخ دولة آل سلجوق:

200- 201. الكامل: 9/ 16.

(2) هذه الرواية شاذة، ففي عدد من رسائل عبد المؤمن وصلتنا نصوصها و نشرت في كتاب رسائل موحدية. ط. الرباط: 1941 نجد مطلع كل رسالة هو: «من أمير المؤمنين، أيده الله بنصره، و أمده بمعونته إلى ....» هذا و لم أجد الرسالة التي أوردها ابن القلانسي في هذا المجموع.

459

سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة

في صفر منها عاد الحاجب محمود الكاتب من بغداد، بجواب ما صدر على يده من المكاتبات المعينة، و معه رسولا للخليفة و السلطان و على أيديهما التشريف برسم ظهير الدين و معينه، و لبساه و ظهرا فيه في يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر، و أقاما أياما و عادا بجواب ما وصل معهما.

و ورد الخبر عقيب ذلك من بغداد بأن السلطان كان قد توجه منها بعد قتل الأمير عباس، في العسكر إلى ناحية همذان، عند انتهاء الأخبار إليه بأن الأمير [ابن‏] عباس، و عسكره قد انضاف إلى الأمير بوزبه، و صارا يدا واحدة، في خلق عظيم، و قصدا ناحية أصفهان، و نزلا عليها و ضايقاها إلى أن أسلمت إلى بوزبه بأسباب اقتضت ذلك، و لما حصل السلطان بظاهر همذان تواصلت العساكر من كل جهة إليه، و صار في خلق كثير.

و وردت الأخبار إلى بغداد بأن السلطان لما كثف جمعه، و قويت نفسه، و قصد المذكورين، و قصدوه، و ترتب المصاف بينهم، و التقى المصافان، و منح الله السلطان النصر عليهم، و كسرهم، و قتل بوزبه و ابن عباس، و استولى عسكر السلطان على الفل و السواد، و حكى الحاكي المشاهد لهذه الوقعة في كتابه بشرحها، ما ذكر فيه أن مبدأ الفتح أن السلطان كان في مخيمه بباب همذان في تقدير ثلاثة آلاف فارس، و بوزبه في عسكره على باب أصفهان في خلق عظيم، و أن بوزبه لما عرف ذلك طمع فيه و نهض في عسكره إليه و قطع مسافة ثلاثين فرسخا في يوم و ليلة و وصل إلى قراتكين‏ (1) و قد كلت الخيل و نزل هناك، فلما عرف السلطان ذلك التجأ

____________

(1) في الأصل مكر بايكان و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و هو موقع على مرحلة من همذان، انظر راحة الصدور: 348- 350. تاريخ دولة آل سلجوق 200- 201.

الكامل: 9/ 16.

460

إلى بساتين همذان، و جعلها ظهره مع جبلين هناك، و وصل إليه الأمير جندار صاحب أذربيجان‏ (1) في ألف فارس، و وصله الأمير ايلدكز (2) في خمسة آلاف فارس، و وصله خاصبك بلنكري‏ (3) في إثني عشر ألفا، قويت بهم شوكته، و نهض إلى جهة بوزبه عند ذلك، و عبأ كل فريق منهما مصافه في يوم السبت من شهر (4) .... منذ غداته إلى وقت العصر منه، و كسرت الميمنة السلطانية، و فيها الأمير (5) جندار (160 و) و الميسرة فيها الأمير تبر، و بقي السلطان في القلب، و عرف أن بوزبه يقصده، فقال للأمير جندار: أنا المطلوب أقم أنت مكاني تحت الشمسة، فإن بوزبه يطلبها لقصدي، ففعل و نهض السلطان في جملة وافرة من العسكر، و جاء من وراء عسكر بوزبه، و حمل بوزبه و قصد مكان السلطان تحت الشمسة، فلما قرب بوزبه في حملته من الشمسة كبا به جواده، و سقط إلى الأرض، فانفل عسكره، و أدركته الخيل، فأخذ هو و خواصه و ابن عباس، و وزير بوزبه يقال له صدر الدين بن الخوجندي و كان قد أعان بوزبه على تسلم أصفهان، فجازاه على ذلك باستيزاره‏ (6).

و في يوم الخميس الحادي و العشرين من شهر ربيع الآخر، وصل رسول مصر إلى دمشق بما صحبه من تشريف و قود و مال برسم ظهير الدين و معينه، على جاري الرسم في مثل ذلك.

____________

(1) في الأصل: «حيدر صاحب زنكان» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا. انظر المصادر المذكورة من قبل.

(2) في الأصل: «أكز» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا. انظر المصادر السالفة.

(3) في الأصل: «بلنكي» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا. انظر المصادر السالفة.

(4) لم أعثر في المصادر على من حدد شهر المعركة، الذي جاء فراغا بالأصل.

(5) هو جاولي بك الجندار صاحب أذربيجان.

(6) صدر الدين بن الخجندي هو محمد بن عبد اللطيف، كان من كبار علماء الشافعية، توفي سنة 552 ه، ترجم له السبكي في طبقات الشافعية الكبرى .. ط. بيروت: 4/ 80، و نقل أنه «كان إماما فاضلا مناظرا، فحلا واعظا، مليح الوعظ، سخي النفس جوادا ... و كان بالوزراء أشبه من العلماء ... و كان لرياسته يمشي و حوله السيوف».

461

و في ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الفقيه شيخ الإسلام أبو الفتح، نصر الله بن محمد بن عبد القوي المصيصي، بدمشق (رحمه الله)، و كان بقية الفقهاء المقيمين على مذهب الشافعي (رحمه الله) و لم يخلف مثله بعده‏ (1).

و في جمادى الآخرة منها، تقررت ولاية حصن صرخد للأمير مجاهد الدين بزان بن مامين، على مبلغ من المال و الغلة، و شروط و أيمان دخل فيها، و قام بها، و توجه إليه، و حصل به في النصف من الشهر المذكور، و استبشر من بتلك الناحية من حصوله فيه، لما هو عليه من حب الخبر و الصلاح و التدين و العفاف، عقيب من كان قبله، ممن لا يدين لله بدين و لا صلاة، و لا إنصاف و لا نزاهة نفس، و لا جميل فعل.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بأن رضوان بن و لخشي، المنعوت كان بالأفضل، وزير صاحب مصر، الذي كان معتقلا بالقصر، و قد تقدم ذكره فيما مضى، نقب من المكان الذي كان فيه إلى مكان ظاهر القصر، نقبا يكون تقدير طوله أربعون ذراعا، و اجتمع إليه خلق كثير من العسكرية، ممن كان يهواه، و يتولاه في العشر الأخير من ذي القعدة سنة اثنتين و أربعين و أنه راسل سلطان مصر يلتمس منه إعادته إلى منصبه و إخراج المال لينفق على العسكرية و الأجناد و المدافعة، إلى حين دبر الأمر عليه، و رتب له من الرجال الأجلاد و أبطال الأجناد و الأنجاد من هجم عليه في مكانه، و مجتمع أعوانه، فقتل و قتل معه من دنا منه و تابعه، و ورد بشرح قصته السجل‏

____________

(1) ترجم له السبكي في الطبقات الكبرى: 4/ 319 و قال عنه: «الشيخ أبو الفتح المصيصي ثم اللاذقي ثم الدمشقي، الإمام فقها و أصولا و كلاما، مولده سنة ثمان و أربعين و أربعمائة و نشأ بصور و سمع بها ... و بدمشق ... و ببغداد.

و بالأنبار ... ثم سكن دمشق و درس بالزاوية الغربية و هي الغزالية .. و به كثرت أوقافها، لأن كثيرا من الناس وقفوا بعده عليها، و منهم من وقف عليها ابتداء بواسطته، و هو أيضا وقف شيئا جيدا».

462

من سلطان مصر إلى ثغر عسقلان، و قرى‏ء على منبرها و مضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم‏ (1) ..

و في يوم الخميس الحادي و العشرين من شوال سنة اثنتين و أربعين، و هو مستهل نيسان، أظلم الجو، و نزل غيث ساكن، ثم أظلمت الأرض في وقت صلاة العصر ظلاما شديدا، بحيث كان ذلك كالغدوة بين العشائين، و بقيت السماء في عين الناظر إليها كصفورة الورس، و كذلك الجبال و أشجار الغوطة، و كل ما ينظر إليه من حيوان و جماد و نبات، ثم جاء في إثر ذلك من الرعد القاصف و البرق الخاطف، و الهدات المزعجة و الزحفات المفزعة ما ارتاع لها الشيب و الشبان، فكيف الولدان و النسوان، و قلقت لذلك الخيول في مرابطها، و أجفلت من هولها، و بقي الأمر على هذه الحال إلى حين وقت العشاء الآخرة، ثم سكن ذلك بقدرة الله تعالى، و أصبح الناس غد ذلك اليوم ينظرون في أعقاب ذلك المطر، فإذا على الأرض و الأشجار و سائر النبات غبار في رقة الهواء، بين البياض و الغبرة بحيث يكون إذا جرد عنها الشي‏ء الكثير، و يلوح فيه بريق لا يدرى ما لونه و لا جسمه من نعومته، فعجب الناس من هذه القدرة التي لا يعلم ما أصلها، و لا شبيه لها، بل نزلت في جملة المطر، ممتزجة به كامتزاج الماء بالماء، و الهواء بالهواء.

و في هذه السنة تواصلت الأخبار من ناحية القسطنطينية، و بلاد الأفرنج و الروم و ما والاها، بظهور ملوك الأفرنج من بلادهم منهم ألمان و الفنش، و جماعة من كبارهم في العدد الذي لا يحصر، و العدد التي لا تحرز، لقصد بلاد الإسلام، بعد أن نادوا في سائر بلادهم و معاقلهم بالنفير إليها، و الإسراع نحوها، و تخلية بلادهم و أعمالهم خالية، شاغرة من حماتها، و الحفظة لها، و استصبحوا من أموالهم و ذخائرهم و عددهم‏

____________

(1) لم يثبت نص السجل، و تحدث المقريزي عن مقتل رضوان بالتفصيل، و لم يذكر نص السجل المشار إليه. اتعاظ الحنفا: 3/ 182- 184.

463

الشي‏ء الكثير، الذي لا يحصى، بحيث يقال إن عدتهم ألف ألف عنان، من الرجالة و الفرسان، و قيل أكثر (161 و) من ذلك و غلبوا، على أعمال القسطنطينية، و احتاج ملكها إلى الدخول في مداراتهم، و مسالمتهم، و النزول على أحكامهم، و حين شاع خبرهم، و اشتهر أمرهم، شرعت ولاة الأعمال المصاقبة لهم، و الأطراف الإسلامية القريبة منهم، في التأهب للمدافعة لهم، و الاحتشاد على المجاهدة فيهم، و قصدوا منافذهم، و دروب معابرهم التي تمنعهم من العبور و النفوذ إلى بلاد الإسلام و واصلوا شن الغارات على أطرافهم، و اشتجر القتل فيهم، و الفتك بهم، إلى أن هلك منهم العدد الكثير، و حل بهم من عدم القوت و العلوفات و المير، و غلاء السعر إذا وجد، ما أفنى الكثير منهم بموت الجوع و المرض، و لم تزل أخبارهم تتواصل بهلاكهم، و فناء أعدادهم إلى أواخر سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة بحيث سكنت النفوس بعض السكون، و ركنت إلى فساد أحوالهم بعض الركون، و خف ما كان من الانزعاج، و الفرق مع تواصل أخبارهم‏ (1).

ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة

و أولها يوم الجمعة الحادي و عشرين من أيار، و الشمس في الجوزاء، و في أوائلها تواترت الأخبار من سائر الجهات بوصول مراكب الأفرنج، المقدم ذكرهم إلى ساحل البحر، و حصولهم على سواحل الثغور الساحلية صور و عكا و اجتماعهم مع من كان بها من الأفرنج، و يقال أنهم بعد ما فني منهم بالقتل و المرض و الجوع تقدير مائة ألف عنان، قصدوا بيت المقدس، و قضوا مفروض حجهم، و عاد بعد ذلك من عاد إلى بلادهم، في البحر، و قد هلك منهم بالموت و المرض الخلق العظيم، و هلك من‏

____________

(1) الحديث هنا عن الحملة الصليبية الثانية، و قد ترجمت المواد الوثائقية اللاتينية و نشرتها في المجلدة العاشرة من موسوعتنا هذه، و كان أبرز قادة هذه الحملة كونراد امبراطور ألمانيا و لويس ملك فرنسا، و في تاريخ وليم الصوري وصف مفصل لحصار دمشق 2/ 187- 196، و نص كتاب وليم موجود بالكامل مع ذيله في موسوعتنا.

464

ملوكهم من هلك، و بقي ألمان أكبر ملوكهم، و من هو دونه، و اختلفت الآراء بينهم فيما يقصدون منازلته من البلاد الإسلامية، و الأعمال الشامية إلى أن استقرت الحال بينهم على منازلة مدينة دمشق، و حدثتهم نفوسهم الخبيثة بملكتها، و تبايعوا ضياعها و جهاتها، و تواصلت الأخبار بذلك، و شرع متولي أمرها الأمير معين الدين أنر في التأهب و الاستعداد لحربهم، و دفع شرهم، و تحصين ما يخشى من الجهات، و ترتيب الرجال في المسالك و المنافذ، و قطع مجاري المياه (161 ظ) إلى منالهم و طم الآبار، و عفى المناهل، و صرفوا أعنتهم إلى ناحية دمشق في حشدهم و حدهم و حديدهم، في الخلق الكثير على ما يقال، تقدير الخمسين ألف من الخيل و الرجل، و معهم من السواد و الجمال و الأبقار ما كثروا به العدد الكثير، و دنوا من البلد، و قصدوا المنزل المعروف بمنازل العساكر (1) فصادفوا الماء معدوما فيه، مقطوعا عنه، فقصدوا ناحية المزة، فخيموا عليها لقربها من الماء، و زحفوا إليه بخيلهم و رجلهم، و وقف المسلمون بإزائهم في يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و أربعين، و نشبت الحرب بين الفريقين، و اجتمع عليهم من الأجناد و الأتراك الفتاك، و أحداث البلد و المطوعة بكثرة الأعداد و العدد، و غلبوا على الماء، و انتشروا في البساتين، و خيموا فيها، و قربوا من البلد، و حصلوا منه بمكان لم يتمكن أحد من العساكر قديما و لا حديثا منه، و استشهد في هذا اليوم الفقيه الإمام يوسف الفندلاوي المالكي‏ (2) (رحمه الله)، قريب الربوة على الماء، لوقوفه في وجوههم، و ترك الرجوع عنهم، اتباعا لأوامر الله تعالى في كتابه الكريم، و كذلك عبد الرحمن الحلحولي الزاهد (رحمه الله) جرى أمره هذا المجرى.

____________

(1) يقول وليم الصوري: 2/ 187 بأنهم عسكروا أولا قرب داريا.

(2) هو «يوسف» بن دوناس بن عيسى، أبو الحجاج المغربي، الفقيه المالكي .. قدم الشام، و سكن بانياس مدة، و انتقل إلى دمشق، فاستوطنها، و درس بها بمذهب مالك، و حدث بالموطأ و غيره ..

و كان شيخا حسن المفاكهة، حلو المناظرة ... كريم النفس، مطرحا للتكلف، قوي القلب، صاحب كرامات». مرآة الزمان: 1/ 200.

465

و شرعوا في قطع الأشجار و التحصين بها، و هدم الفطائر (1) و باتوا تلك الليلة على هذه الحال، و قد لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه، و الروع بما عاينوه، ما ضعفت به القلوب، و حرجت معه الصدور، و باكروا إليهم في غد ذلك اليوم، و هو يوم الأحد تاليه، و زحفوا إليهم، و وقع الطراد بينهم، و استظهر المسلمون عليهم، و أكثروا القتل و الجراح فيهم، و أبلى الأمير معين الدين في حربهم بلاء حسنا، و ظهر من شجاعته و صبره و بسالته ما لم يشاهد في غيره، بحيث لا يني في ذيادتهم و لا ينثني عن جهادهم، و لم تزل رحى الحرب دائرة بينهم، و خيل الكفار محجمة عن الحملة المعروفة لهم، إلى أن تتهيأ الفرصة لهم إلى أن مالت الشمس إلى الغروب، و أقبل الليل، و طلبت النفوس الراحة، و عاد كل منهم إلى مكانه، و بات الجند (162 و) بإزائهم، و أهل البلد على أسوارهم للحرس و الاحتياط، و هم يشاهدون أعداءهم بالقرب منهم.

و كانت المكاتبات قد نفذت إلى ولاة الأطراف، بالاستصراخ و الاستنجاد، و جعلت خيل التركمان تتواصل، و رجالة الأطراف تتابع، و باكرهم المسلمون، و قد قويت نفوسهم، و زال روعهم، و ثبتوا بإزائهم، و أطلقوا فيهم السهام، و نبل الجرخ‏ (2) بحيث تنتع في مخيمهم في راجل، أو فارس، أو فرس، أو جمل.

و وصل في هذا اليوم من ناحية البقاع و غيرها، رجالة كثيرة من الرماة، فزادت بهم العدة، و تضاعفت العدة، و انفصل كل فريق إلى مستقره هذا اليوم و باكروهم من غده يوم الثلاثاء كالبزاة إلى‏

____________

(1) في الأصل «العطاير» و هي تصحيف لعل صوابها ما أثبتنا .. و المرجح أنه قصد بالفطائر جدران «الدك» التي فصلت بين السباتين.

(2) كانت هذه السهام تطلق من قسي خاصة، قوية و بعيدة المدى، و غالبا ما كانت تحمل مواد ملتهبة من النفوط و غير ذلك. انظر مادة جرخ في معجم دوزي: 1/ 182، و نتع الدم خرج من الجرح. القاموس.

466

يعاقيب‏ (1) الجبل، و الشواهين إلى مطار الحجل، و أحاطوا بهم في مخيمهم، و حول مجثمهم، و قد تحصنوا بأشجار الزيتون، و أفسدوها رشقا بالنشاب، و حذفا بالأحجار، و قد أحجموا عن البروز، و خافوا و فسلوا، و لم يظهر منهم أحد، و ظن بهم أنهم يعملون مكيدة، و يدبرون حيلة، و لم يظهر منهم إلا النفر اليسير من الخيل و الرجل على سبيل المطاردة و المناوشة، خوفا من المهاجنة، إلى أن يجدوا لحملتهم مجالا، أو يجدون الغرة احتيالا، و ليس يدنو منهم أحد إلا صرع برشقة أو طعنة، و طمع فيهم نفر كثير من رجاله الأحداث و الضياع، و جعلوا يرصدونهم في المسالك و قد أينوا (2) فيقتلون من ظفروا به، و يحضرون رؤوسهم لطلب الجوائز عنها، و حصل من رؤوسهم العدد الكثير.

و تواترت إليهم أخبار العساكر الإسلامية، بالخفوف إلى جهادهم، و المسارعة إلى استئصالهم، فأيقنوا بالهلاك و البوار، و حلول الدمار، و أعملوا الآراء بينهم، فلم يجدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة التي حصلوا فيها، و الهوة التي ألقوا بنفوسهم إليها، غير الرحيل سحر يوم الأربعاء التالي مجفلين، و الهرب مخذولين مفلولين‏ (3)، و حين عرف‏

____________

(1) جمع يعقوب و هو الحجل. القاموس المحيط.

(2) الأين: الإعياء و التعب. النهابة لابن الأثير.

(3) وصف سبط ابن الجوزي أحوال دمشق في أواخر أيام الحصار بقوله: «و لما ضاق بأهل دمشق الحال أخرجوا الصدقات بالأموال على قدر أحوالهم، و اجتمع الناس في الجامع مع الرجال و النساء و الصبيان، و نشروا مصحف عثمان، و حثوا الرماد على رؤوسهم، و بكوا و تضرعوا، فاستجاب الله لهم، فكان للفرنج قسيس كبير، طويل اللحية، يقتدون به، فأصبح في اليوم العاشر من نزولهم على دمشق، فركب حماره، و علق في عنقه صليبا، و جعل في يديه صليبين، و علق في عنق حماره صليبا، و جمع بين يديه الأناجيل و الصلبان، و الكتب، و الخيالة و الرجالة، و لم يتخلف من الفرنجية أحد إلا من يحفظ الخيام، و قال لهم القسيس: قد وعدني المسيح أنني أفتح اليوم.

و فتح المسلمون الأبواب، و استسلموا للموت، و غاروا للإسلام، و حملوا حملة رجل واحد، و كان يوما لم ير في الجاهلية و الإسلام مثله، و قصد واحد من أحداث دمشق القسيس، و هو في أول القوم، فضربه فأبان رأسه، و قتل حماره، و حمل الباقون، فانهزم الفرنج، و قتلوا منهم عشرة آلاف، و أحرقوا الصلبان و الخيالة بالنفط، و تبعوهم إلى الخيام، و حال بينهم الليل، فأصبحوا قد رحلوا، و لم يبق لهم أثر». مرآة الزمان/ 2/ 198- 199.

467

المسلمون ذلك، و بانت لهم آثارهم في الرحيل، برزوا لهم في بكرة هذا اليوم، و سارعوا نحوهم في آثارهم بالسهام، بحيث قتلوا في أعقابهم من الرجال و الخيول و الدواب العدد الكثير، و وجد في آثار منازلهم و طرقاتهم من دفائن قتلاهم، و فاخر خيولهم ما لا (162 ظ) عدد له و لا حصر يلحقه، بحيث لها أرائح من جيفهم، تكاد تصرع الطيور في الجو، و كانوا قد أحرقوا الربوة و القبة الممدودة في تلك الليلة، و استبشر الناس بهذه النعمة التي أسبغها الله عليهم، و أكثروا من الشكر له تعالى ما أولاهم من إجابة دعائهم، الذي واصلوه في أيام هذه الشدة، فلله على ذلك الحمد و الشكر.

و اتفق عقيب هذه الرحمة، اجتماع معين الدين مع نور الدين صاحب حلب، عند قربه من دمشق للإنجاد لها في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة، و أنهما قصدا الحصن المجاور لطرابلس المعروف [بالعريمة] (1) و فيه ولد الملك ألفنش أحد ملوك الأفرنج المقدم ذكرهم، كان هلك بناحية عكا، و معه والدته، و جماعة وافرة من خواصه و أبطاله، و وجوه رجاله، فأحاطوا به، و هجموا عليه، و قد كان وصل إلى العسكرين النوري و المعيني فرقة تناهز الألف فارس، من عسكر سيف الدين غازي بن أتابك، و نشبت الحرب بينهم فقتل أكثر من كان فيه، و أسر، و أخذ ولد الملك المذكور و أمه، و نهب ما فيه من العدد و الخيول و الأثاث، و عاد عسكر سيف الدين‏ (2) إلى مخيمه بحمص، و نور الدين‏

____________

(1) فراغ بالأصل، استدرك من الكامل لابن الأثير: 9/ 21. و العريمة كانت إحدى قلاع الساحل السوري تربض فوق جرف يتاخم السهل العريض الذي يجتازه النهر الكبير، و تتحكم بمدخل وادي الأبرش. القلاع أيام الحروب الصليبية: 65. و تمت الحملة ضد العريمة بناء على اقتراح من ريموند الثاني صاحب طرابلس نظرا لاحتلال العريمة من قبل أرملة ألفونسو صاحب تولوز و ابنه، و كان هذا الابن حفيدا لريموند صاحب تولوز و لهذا ادعى الحق ليس في ملك العريمة فحسب بل في كونتيه طرابلس. انظر وليم الصوري: 2/ 197. و كتاب «الصليبيون في المشرق» تأليف ستيفنسون. ط. بيروت 1968 (بالانكليزية) ص: 164- 165.

(2) ذكر سبط ابن الجوزي أثناء حديثه عن حصار دمشق: 2/ 197- 198: «و كان معين-

468

عائدا إلى حلب و معه ولد الملك و أمه و من أسر معهما و انكفأ معين الدين إلى دمشق.

و قد كان ورد إلى دمشق الشريف الأمير شمس الدين، ناصح الإسلام، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبيد الله الحسيني النقيب، من ناحية سيف الدين غازي بن أتابك، لأنه كان قد ندب رسولا من الخلافة إلى سائر الولاة، و طوائف التركمان لبعثهم على نصرة المسلمين، و مجاهدة المشركين، و كان ذلك السبب في خوف الأفرنج من تواصل الإمداد إليهم، و الاجتماع عليهم و رحيلهم على القضية المشروحة، و هذا الشريف المذكور من بيت كبير في الشرف و الفضل و الأدب، و أخوه ضياء الدين نقيب الأشراف في الموصل، مشهور بالعلم و الأدب و الفهم، و كذا ابن عمه الشريف نقيب العلويين ببغداد، و ابن عمه نقيب خراسان، و أقام بدمشق ما أقام، و ظهر من حسن تأتيه في مقاصده، و سداده في مصادره و موارده، ما أحرز به جميل الذكر، و وافر الشكر، و عاد منكفئا إلى بغداد بجواب ما وصل (163 و) فيه يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة ثلاث و أربعين.

و في رجب في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أتابك، أمر بإبطال «حي على خير العمل» في أواخر تأذين الغداة، و التظاهر بسب الصحابة رضي الله عنهم، و أنكر ذلك إنكارا شديدا، و حظر المعاودة إلى شي‏ء من هذا المنكر، و ساعده على ذلك الفقيه الإمام برهان أبو الحسن علي الحنفي و جماعة من السنة بحلب، و عظم هذا الأمر على الإسماعيلية، و أهل الشيع، و ضاقت له صدورهم، و هاجوا له و ماجوا، ثم سكنوا، و أحجموا بالخوف من السطوة النورية المشهورة، و الهيبة المحذورة (1).

____________

- أنر كاتب سيف الدين غازي صاحب الموصل قبل نزول الفرنج على دمشق، يستصرخ به و يخبره بشدة بأس الفرنج، و يقول: أدركنا، فسار سيف الدين في عشرين ألف فارس، فنزل بجوار بحيرة حمص».

(1) انظر تفاصيل أوسع في زبدة الحلب: 32/ 29- 296.

469

و في رجب من هذه السنة أذن لمن يتعاطى الوعظ بالتكلم في الجامع المعمور بدمشق، على جاري العادة و الرسم، فبدا من اختلافهم في أحوالهم و أغراضهم، و الخوض فيما لا حاجة إليه من المذاهب، ما أوجب صرفهم عن هذه الحال، و إبطال الوعظ لما يتوجه معه من الفساد، و طمع سفهاء الأوغاد، و ذلك في أواخر شعبان منها.

و في جمادى الآخرة منها، وردت الأخبار من بغداد باضطراب الأحوال فيها، و ظهور العيث و الفساد في نواحيها و ضواحيها، و أن الأمير بوزبه، و الأمير قيس، و الأمير علي بن دبيس بن صدقة اجتمعوا، و توافقوا في تقدير خمسة آلاف فارس، و وصلوا إلى بغداد على حين غفلة من أهلها، و هجموها و حصلوا بدار السلطان، و تناهوا في الفساد و العناد، بحيث وقعت الحرب بينهم، و قتل من النظار و غيرهم نحو خمسمائة إنسان في الطرقات، و أن أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، رتب الأجناد و العسكرية بإزائهم، بحيث هزموهم و أخرجوهم من بغداد، و طلبوا ناحية النهروان، و تناهوا في العيث و الإفساد في الأعمال و الاستيلاء على الغلال، و خرج أمر الخلافة بالشروع في عمارة سور بغداد، و حفر الخنادق، و تحصينها، و إلزام الأماثل و التناء و التجار و أعيان الرعايا القيام بما ينفق على العمارات من أموالهم، على سبيل القرض و المعونة، و لحق الناس من ذلك المشقة و الكلفة المؤلمة (1).

و ذكر أن السلطان ركن الدين مسعود مقيم بهمذان، و أن أمره قد ضعف عما كان، و الأقوات قد قلت، و السعر قد غلا، و الفتن (163 ظ) قد ثارت، و الفساد في الأعمال قد انتشر، و أن العدوان في أعمال خراسان قد زاد، و ظهر، و الفناء قد كثر.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ديار مصر، بظهور بعض أولاد نزار، و اجتمع إليه خلق كثير من المغاربة و كتامة و غيرهم، و قربوا من‏

____________

(1) لمزيد من التفاصيل انظر المنتظم: 10/ 137- 138.

470

الاسكندرية في عالم عظيم، و أن إمام مصر الحافظ أنهض إليهم العساكر المصرية، و نشبت الحرب بينهم، و قتل من الفريقين العدد الكثير من الفرسان و الرجالة، و كان الظهور لعساكر الحافظية على النزارية، بحيث هزموهم، و أثخنوا القتل فيهم، و أجلت الوقعة عن قتل ولد نزار المقدم، و معه جماعة من خواصه و أسبابه، و انهزم من ثبطه الأجل، و أطار قلبه الوجل، و خمدت عقيب هذه النوبة النائرة، و زالت تلك الفتنة الثائرة، و سكنت النفوس، و زال عن مصر الخوف و البؤس‏ (1).

و وردت الأخبار في رجب منها من ناحية حلب، بأن نور الدين صاحبها، كان قد توجه في عسكره إلى ناحية الأعمال الأفرنجية، و ظفر بعدة وافرة من الأفرنج، و أن صاحب أنطاكية جمع الأفرنج، و قصده على حين غفلة منه، فنال من عسكره و أثقاله و كراعه ما أوجبته الأقدار النازلة، و انهزم بنفسه و عسكره، و عاد إلى حلب سالما في عسكره لم يفقد منه إلا النفر اليسير بعد قتل جماعة وافرة من الأفرنج، و أقام بحلب أياما (2)، بحيث جدد ما ذهب له من اليزك‏ (3)، و ما يحتاج إليه من آلات العسكر، و عاد إلى منزله، و قيل لم يعد.

و كان الغيث أمسك عن الأعمال الحورانية و الغوطية و البقاعية، بحيث امتنع الناس من الفلاحة الزراعية و قنطوا و يئسوا من نزول الغيث، فلما كان في أيام من شعبان في نوء الهنعة (4) أرسل الله تعالى، و له الحمد و الشكر، على الأعمال من الأمطار المتداركة ما

____________

(1) في اتعاظ الحنفا: 3/ 186 «و عقدوا لرجل قدم من المغرب، و ادعى أنه ولد نزار ابن المستنصر، إنما لا تبيان لاسمه».

(2) انظر الخبر مفصلا في الكواكب الدرية في السيرة النوية لابن قاضي شبهه. ط. بيروت 1971: 130. الروضتين. ط. مصورة بيروت: 1/ 55.

(3) في الأصل «البرك» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و اليزك نوع من الحرس الطليعي للجيش. انظر المادة في معجم دوزي.

(4) النوء: النجم مال للغروب، و الهنعة منكب الجوزاء الأيسر و هي خمسة أنجم مصطفة ينزلها القمر. القاموس المحيط.

471

رويت به الأراضي و الآكام و الوهاد، و انشرحت الصدور، و لحقوا معه أوان الزراعة، فاستكثروا منها، و زادوا في الفلاحة، و العمارة و ذلك من شعبان.

و قد كان تقدم من شرح نوبة قتل برق بن جندل التيمي بيد الاسماعيلية و جمع أخيه ضحاك بن جندل لبني عمه و أسرته و قومه و رجاله، و كبسه لجماعة خصومه و قتلهم مع رأس طغيانهم، (164 و) بهرام الداعي، ما قد شرح في موضعه من هذا التاريخ، و عرف، و ورد الخبر في شعبان من هذه السنة بأن المذكورين ندبوا لقتل ضحاك المذكور، رجلين أحدهما قواسا، و الآخر نشابيا، فوصلا إليه و تقربا بصنعتهما إليه، و أقاما عنده برهة من الزمان طويلة إلى أن وجدوا فيه الفرصة مستهلة، و ذاك أن ضحاك بن جندل كان راكبا مسيرا حول ضيعه له، تعرف ببيت لهيا من وادي التيم، فلما عاد منها، وافق اجتيازه بمنزل هذين المفسدين، فلقياه و سألاه النزول عندهما للراحة، و ألحا عليه في السؤال، فنزل و القدر منازله، و البلاء معادله، فلما جلس أتياه بمأكول حضرهما، فحين شرع في الأكل مع الخلوة، و ثبا عليه فقتلاه، و أجفلا فأدركهما رجاله، فأخذوهما و أتوا بهما إلى ضحاك و قد بقي فيه رمق، فلما رآهما أمر بقتلهما، بحيث شاهدهما ثم فاظت نفسه في الحال، و قام مقامه ولده في إمارة وادي التيم، و بهذا الشرح وصل كتابه، و على هيئته أوردته.

و في ذي الحجة ورد الخبر من ناحية بغداد بوفاة القاضي، قاضي القضاة الأكمل فخر الدين عز الإسلام أبي القاسم علي بن الحسين بن محمد الزينبي (رحمه الله)، بيوم النحر من سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و صلى عليه الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، و صلى الله عليه بعده نقيب النقباء، و دفن على والده نور الهدى في تربة الإمام أبي حنيفة، (رحمه الله)، و ولي أمر القضاء بعده القاضي أبو الحسن علي بن الدامغاني.

472

و دخلت سنة أربع و أربعين و خمسمائة

و أولها يوم الأربعاء الحادي عشر من أيار، قد كان كثر فساد الأفرنج المقيمين بصور و عكا و الثغور الساحلية، بعد رحيلهم عن دمشق، و فساد شرائط الهدنة المستقرة بين معين الدين و بينهم، بحيث شرعوا في الفساد في الأعمال الدمشقية، فاقتضت الحال نهوض الأمير معين الدين في العسكر الدمشقي إلى أعمالها، مغيرا عليها و عائثا فيها، و خيم في ناحية حوران بالعسكر، و كاتب العرب في أواخر سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و لم يزل مواصلا للغارات و شنها على (164 ظ) بلادهم و أطرافهم مع الأيام و تقضيها، و الساعات و تصرمها، و استدعى جماعة وافرة من التركمان، و أطلق أيديهم في نهب أعمالهم، و الفتك بمن يظفر به في أطرافهم: الحرامية، و أهل الفساد، و الإخراب، و لم يزل على هذه القضية لهم محاصرا، و على النكاية فيهم و المضايقة لهم مصابرا، إلى أن ألجأهم إلى طلب المصالحة، و تجديد عقد المهادنة، و المسامحة ببعض المقاطعة، و ترددت المراسلات في تقرير هذا الأمر، و إحكام مشروطه و أخذ الأيمان بالوفاء بشروطه في المحرم سنة أربع و أربعين و خمسمائة، و تقررت حال الموادعة مدة سنتين و وقعت الأيمان على ذلك، و زال الخلف، و اطمأنت النفوس من أهل العملين بذلك، و سكنت إلى تمامه، و سرت بأحكامه.

و وافق ذلك تواصل كتب نور الدين صاحب حلب إلى معين الدين، يعلمه أن صاحب أنطاكية جمع أفرنج بلاده، و ظهر يطلب بهم الإفساد في الأعمال الحلبية، و أنه قد برز في عسكره إلى ظاهر حلب للقائه، و كف شره عن الأعمال، و أن الحاجة ماسة إلى معاضدته بمسيره بنفسه و عسكره إليه، ليتفقا بالعسكرين عليه، فاقتضت الحال أن ندب الأمير معين الدين، الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين، في فريق وافر من العسكر الدمشقي، للمصير إلى جهته، و بذل المجهود في طاعته‏

473

و مناصحته، و توجه في يوم [السبت‏] (1) من العشر الأول من صفر من السنة، و بقي معين الدين في باقي العسكر بناحية حوران، لإيناس حلل العرب، و حفظ أطرافهم، و تطييب نفوسهم لنقل الغلال على جمالهم إلى دمشق، على جاري العادة، و حفظها و الاحتياط عليها.

و في صفر من السنة وردت البشائر من جهة نور الدين، صاحب حلب، بما أولاه الله- و له الحمد- من الظهور على حشد الأفرنج المخذول، و جمعهم المفلول، بحيث لم يفلت منهم إلا من خبر ببوارهم، و تعجيل دمارهم، و ذلك أن نور الدين لما اجتمع إليه ما استدعاه من خيل التركمان و الأطراف، و من وصل إليه من عسكر دمشق مع الأمير مجاهد الدين (165 و) بزان قويت بذلك نفسه، و اشتدت شوكته، و كثف جمعه، و رحل إلى ناحية الأفرنج بعمل أنطاكية، بحيث صار عسكره يناهز الستة آلاف فارس مقاتلة، سوى الأتباع و السواد و الأفرنج في زهاء أربعمائة فارس طعانة، و ألف راجل مقاتلة، سوى الأتباع، فلما حصلوا بالموضع المعروف بإنب‏ (2) نهض نور الدين في العسكر المنصور نحوهم، و لما وقعت العين على العين حمل الكفرة على المسلمين حملتهم المشهورة، و تفرق المسلمون عليهم من عدة جهات، ثم أطبقوا عليهم و اختلط الفريقان، و انعقد العجاج عليهم، و تحكمت سيوف الإسلام فيهم، ثم انقشع القتام، و قد منح الله، و له الحمد و الشكر المسلمين النصر على المشركين، و قد صاروا على الصعيد مصرعين و به معفرين و بحربهم مخذولين، بحيث لم ينج منهم إلا النفر اليسير ممن ثبطه الأجل، و أطار قلبه الوجل، بحيث يخبرون بهلاكهم و احتناكهم، و شرع المسلمون في إسلابهم، و الاشتمال على سوادهم، و امتلأت الأيدي من غنائمهم و كراعهم، و وجد اللعين البلنس‏

____________

(1) فراغ في الأصل، و السبت يقابل العاشر من صفر، ذلك أن ابن القلانسي نفسه و ابن العديم في كتاب زبدة الحلب: 2/ 298 أوردا أن نور الدين اشتبك مع الفرنجة «يوم الأربعاء حادي و عشرين من صفر». انظر أيضا الكواكب الدرية: 130.

(2) حصن من أعمال عزاز في جهات حلب. ياقوت.

474

مقدمهم‏ (1) صريعا بين حماته و أبطاله، فعرف، و قطع رأسه، و حمل إلى نور الدين، فوصل حامله بأحسن صلة، و كان هذا اللعين من أبطال الأفرنج المشهورين بالفروسية، و شدة البأس، و قوة الحيل، و عظم الخلقة، مع اشتهار الهيبة، و كبر السطوة، و التناهي في الشر، و ذلك في يوم الأربعاء الحادي و العشرين من صفر سنة أربع و أربعين، ثم نزل نور الدين في العسكر على باب أنطاكية، و قد خلت من حماتها و الذابين عنها، و لم يبق فيها غير أهلها مع كثرة أعدادهم، و حصانة بلدهم، و ترددت المراسلات بين نور الدين و بينهم في طلب التسليم إلى نور الدين، و إيمانهم و صيانة أحوالهم، فوقع الاحتجاج منهم بأن هذا الأمر لا يمكنهم الدخول فيه إلا بعد انقطاع آمالهم من الناصر لهم و المعين على من يقصدهم، فحملوا ما أمكنهم من التحف و المال، و استمهلوا فأمهلوا و أجيبوا إلى ما فيه سألوا، ثم رتب بعض العسكر للإقامة عليها، و المنع لمن يصل إليها.

و نهض نور الدين في بقية (165 ظ) العسكر إلى ناحية أفامية، و قد كان رتب الأمير صلاح الدين في فريق وافر من العسكر لمنازلتها و مضايقتها و محاربتها، فحين علم من فيها من المستحفظين هلاك الأفرنج، و انقطع أملهم من مواد الإنجاد و أسباب الإسعاد، التمسوا الأمان، فأمنوا على نفوسهم، و سلموا البلد، و وفى لهم بالشرط، فرتب فيها من رآه كافيا في حفظها و الذب عنها، و ذلك في الثامن عشر من شهر ربيع الأول من السنة.

و انكفأ نور الدين في عسكره إلى ناحية [أنطاكية، و قد انتهى الخبر بنهوض الفرنج من ناحية] (2) الساحل إلى صوب أنطاكية، لإنجاد من‏

____________

(1) هو ريموند أمير أنطاكية، استمر في حكمه ثلاث عشرة سنة، و قد خلف وراءه زوجته كونستانس مع أربعة أولاد: ذكرين و ابنتين. تاريخ وليم الصوري: 2/ 198- 200. الباهر:

98- 100.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين من الروضتين: 1/ 58، حيث نقل عن ابن القلانسي، و هو خبر أورده وليم الصوري في تاريخه: 2/ 199- 200.

475

بها و طلب نور الدين تسهل الفرصة في قصدهم للإيقاع بهم، فأحجموا عن الإقدام على التقرب منه، و تشاغلوا عنه، و اقتضت الحال مهادنة من في أنطاكية و موادعتهم، و تقرير أن يكون ما قرب من الأعمال الحلبية له، و ما قرب من أنطاكية لهم، و رحل عنها إلى جهة غيرهم، بحيث قد كان في هذه النوبة قد ملك ما حول أنطاكية من الحصون و القلاع و المعاقل، و غنم منها الغنائم الجمة، و فصل عنه الأمير مجاهد الدين بزان في العسكر الدمشقي، و قد كان له في هذه الوقعة و لمن في جملته البلاء المشهور، و الذكر المشكور، لما هو موصوف به من الشهامة و البسالة و أصالة الرأي، و المعرفة بمواقف الحروب، و وصل إلى دمشق سالما في نفسه و جملته في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر من السنة، و من لفظه و صفته، هذا الشرح معتمدا فيه على الاختصار دون الإكثار، و فيه من تقوية أركان الدين و إذلال ما بقي من الكفرة الملحدين ما هو مشهور بين العباد، و سائر البلاد، مشكور مذكور، و الله تعالى اسمه، عليه المحمود المشكور.

و قد مضى من ذكر معين الدين أنر فيما كان أنهضه من عسكره إلى ناحية حلب، لإعانة نور الدين صاحبها، على ملاقاة الأفرنج المجتمعين من أنطاكية و أعمالها للإفساد في الأعمال الشامية، و ما منح الله تعالى، و له الحمد، من الظفر بهم و النصر عليهم، ما أغنى عن ذكر شي‏ء منه، و اتفق أن معين الدين فصل عن عسكره بحوران، و وصل إلى دمشق في أيام من آخر شهر ربيع الأول سنة أربع و أربعين و خمسمائة، لأمر أوجب ذاك، و دعا إليه، و أمعن في الأمل لعادة جرت (166 و) له فلحقه عقيب ذلك انطلاق تمادى به، و حمله اجتهاده فيما يدبره على العود إلى العسكر بناحية حوران، و هو على هذه الصفة من الانطلاق، و قد زاد به، و ضعفت قوته، و تولد معه المرض المعروف بدوسنطريا (1) و عمله في‏

____________

(1) في الأصل: بجوسنطريا و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا و هو الزحار الشديد.

476

الكبد، و هو مخوف لا يكاد يسلم صاحبه منه، و أرجف به و ضعفت قوته، فأوجبت الحال عوده إلى دمشق في محفة لمداواته، فوصل في يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر من السنة، فزاد به المرض و الإرجاف بموته، و سقطت قوته، و قضى نحبه في الليلة التي صبيحتها يوم الاثنين الثالث و العشرين من ربيع الآخر من السنة، و دفن في إيوان الدار الأتابكية التي كان يسكنها، ثم نقل بعد ذلك إلى المدرسة التي عمرها، و لما دفن في قبره و فرغ من أمره، اجتمع حسام الدين بلاق، و مؤيد الدين الرئيس، و مجاهد الدين بزان، و أعيان الأجناد في مجلس مجير الدين بالقلعة، و إليه الأمر و التقدم، و تقررت الحال بينهم على ما اتفق من صلاح الحال.

و في مستهل جمادى الأولى من السنة توفي أبو عبد الله البسطامي المقرى‏ء المصلي في مشهد زين العابدين (رحمه الله).

و ورد الخبر من ناحية الموصل بوفاة الأمير سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك (رحمه الله)، بعلة قولنجية دامت به، في أوائل جمادى الأولى من السنة و أنه قرر الأمر لأخيه مودود بن عماد الدين، و النظر في أمره للأمير علي كوجك، و الوزارة لجمال الدين.

و في يوم الجمعة التاسع من رجب سنة أربع و أربعين و خمسمائة قرى‏ء المنشور المنشأ عن مجير الدين بعد الصلاة على المنبر بإبطال الفيئة المستخرجة من الرعية و إزالة حكمها، و تعفية رسمها، و إبطال دار الضرب، فكثر دعاء الناس له و شكرهم.

و حدث عقيب هذه الحال استيحاش مؤيد الدين الرئيس، من مجير الدين استيحاشا أوجب جمع من أمكنه من سفهاء الأحداث و الغوغاء و حملة السلاح من الجهلة العوام، و ترتيبهم حول داره و دار أخيه زين الدولة حيدرة للاحتماء بهم من مكروه يتم عليهما، و ذلك في يوم‏

477

الأربعاء الثالث و عشرين من رجب، و وقعت المراسلات من مجير الدين بما يسكنهما، و يطيب قلوبهما، فما وثقا بذلك، و جدا في الجمع و الاحتشاد من العوام، و بعض الأجناد (166 ظ) و أثارا الفتنة في ليلة الخميس تالي اليوم المذكور، و قصدوا (1) باب السجن، و كسروا أغلاقه، و أطلقوا من فيه، و استنفروا جماعة من أهل الشاغور و غيرهم، و قصدوا الباب الشرقي‏ (2)، و فعلوا مثل ذلك، و حصلوا في جمع كثير، و امتلأت بهم الأزقة و الدروب فحين عرف مجير الدين و أصحابه هذه الصورة، اجتمعوا في القلعة بالسلاح الشاك، فأخرج ما في خزائنه من السلاح و العدد، و فرقت على العسكرية، و عزموا على الزحف إلى جمع الأوباش، و الإيقاع بهم، و النكاية فيهم، فسأل جماعة من المقدمين التمهل في هذا الأمر، و ترك العجلة بحيث تحقن الدماء، و تسلم البلد من النهب و الحريق، و ألحوا عليه إلى أن أجاب سؤالهم، و وقعت المراسلة و التلطف في إصلاح ذات البين، فاشترط الرئيس و أخوه شروطا أجيبا إلى بعضها، و أعرض عن بعض، بحيث يكون ملازما لداره، و يكون ولده و ولد أخيه في الخدمة في الديوان و لا يركب إلى القلعة إلا مستدعيا إليها، و تقررت الحال على ذلك، و سكنت الدهماء، ثم حدث بعد هذا التقرير عود الحال إلى ما كانت عليه من العناد، و إثارة الفساد، و جمع الجمع الكثير من الأجناد و المقدمين و الرعاع و الفلاحين، و اتفقوا على الزحف إلى القلعة و حصر من بها و طلب من عين عليه من الأعداء و الأعيان، في أواخر رجب، و نشبت الحرب بين الفريقين، و جرح و قتل بينهم نفر يسير، و عاد كل فريق منهم إلى مكانه.

و وافق ذلك هروب السلار زين الدين اسماعيل الشحنة، و أخيه إلى ناحية بعلبك، و لم تزل الفتنة ثائرة، و المحاربة متصلة، إلى أن اقتضت‏

____________

(1) كان في الأصل، بالجمع بدلا من التثنية.

(2) ما تزالان تحملان الاسمين نفسيهما.

478

الصورة إبعاد من التمس إبعاده من خواص مجير الدين، و سكنت الفتنة، و أطلقت أيدي النهابة في دور السلار زين الدين و أخيه و أصحابهما، و عمهما النهب و الإخراب، و دعت الصورة إلى تطييب نفس الرئيس و أخيه، و الخلع عليهما بعد أيمان حلف بها، و إعادة الرئيس إلى الوزارة و الرئاسة، بحيث لا يكون له في ذلك معترض و لا مشارك.

و ورد الخبر بظهور الأفرنج إلى الأعمال للعيث فيها و الإفساد، و شرعوا في التأهب لدفع شرهم.

و ورد الخبر من ناحية مصر بوفاة صاحبها الإمام الحافظ بأمر الله أمير المؤمنين عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله، في الخامس (167 و) من جمادى الآخرة سنة أربع و أربعين، و ولي الأمر من بعده ولده الأصغر أبو منصور اسماعيل بن عبد المجيد الحافظ، و لقب بالظافر بالله، و ولي الوزارة أمير الجيوش أبو الفتح بن مصال المغربي، فأحسن السيرة، و أجمل السياسة، و استقامت بتدبيره الأعمال، و صلحت الأحوال، ثم حدث من بعد ذلك من اضطراب الأمور، و الخلف المكروه بين السودان و الريحانية، بحيث قتل بين الفريقين الخلق الكثير، و سكنت الفتنة بعد ذلك، و انتشر الأمن بعد الخوف، و قد كان الحافظ (رحمه الله) ولي الأمر أولا في المحرم سنة ست و عشرين و خمسمائة، بحيث كانت مدة إقامته فيه ثماني عشرة سنة و خمسة أشهر و خمسة و عشرين يوما، و كان أول زمانه حسن الأفعال و السيرة، و بث الإحسان في العسكرية و الرعية (1).

و قد كان الخبر اتصل بنور الدين بإفساد الأفرنج في الأعمال الحورانية بالنهب و السبي، فعزم على التأهب لقصدهم، و كتب إلى من في دمشق يعلمهم ما عزم عليه من الجهاد، و يستدعي منهم المعونة على ذلك بألف‏

____________

(1) انظر اتعاظ الحنفا: 3/ 189- 192 حيث المزيد من التفاصيل.

479

فارس، تصل إليه مع مقدم يعول عليه، و قد كانوا عاهدوا الأفرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين، فاحتج عليه، و غولط، فلما عرف ذلك رحل و نزل بمرج يبوس و بعض العسكرية (1) بيعفور، فلما قرب من دمشق، و عرف ما بها خبره، و لم يعلموا أين مقصده، و قد راسلوا الأفرنج بخبره و قرروا معهم‏ (2) الإنجاد عليه، و كانوا قد نهضوا إلى ناحية عسقلان لعمارة غزة، و وصلت أوائلهم إلى بانياس، و عرف نور الدين خبرهم، فلم يحفل بهم، و قال: لا أنحرف عن جهادهم، و هو مع ذلك كاف أيدي أصحابه عن العيث و الإفساد في الضياع، و إحسان الرأي في الفلاحين و التخفيف، و الدعاء له مع ذلك متواصل من أهل دمشق و أعمالها، و سائر البلاد و أطرافها، و كان الغيث قد انحبس عن حوران و الغوطة و المرج حتى نزح أكثر أهل حوران عنها للمحل و اشتداد الأمر، و ترويع سربهم، و عدم شربهم، فلما وصل إلى بعلبك اتفق للقضاء المقدر، و الرحمة النازلة أن السماء أرسلت عزاليها، بل وابل وطل و انسكاب و هطل، بحيث أقام ذلك منذ الثلاثاء الثالث من ذي الحجة سنة أربع و أربعين إلى مثله (167 ظ) و زادت الأنهار، و امتلأت، برك حوران، و دارت أرحيتها، و عاد ما صوح‏ (3) من الزرع و النبات غضا طريا، و ضج الناس بالدعاء لنور الدين، و قالوا:

هذا ببركته و حسن معدلته و سيرته.

ثم رحل من منزله بالأعوج و نزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العساكر (4) في يوم الثلاثاء السادس و العشرين من ذي الحجة سنة أربع و أربعين، و راسل مجير الدين و الرئيس، بما قال فيه: إنني ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالبا لمحاربتكم، و لا منازلتكم، و إنما دعاني إلى هذا

____________

(1) خارج دمشق تعرفان بهذين الاسمين.

(2) في الأصل «معه».

(3) صوت النبات إذا يبس و تشقق. النهاية لابن الأثير.

(4) في الأصل «العاسر» و هو تصحيف قوم من الكواكب الدرية: 134.

480

الأمر كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران و العربان، بأن الفلاحين الذين أخذت أموالهم و شتتت نساؤهم و أطفالهم، بيد الأفرنج، و عدم الناصر لهم، و لا يسعني مع ما أعطاني الله- و له الحمد- من الاقتدار على نصرة المسلمين، و جهاد المشركين، و كثرة المال و الرجال، و لا يحل لي، القعود عنهم، و الانتصار لهم، مع معرفتي بعجزكم عن حفظ أعمالكم، و الذب عنها، و التقصير الذي دعاكم إلى الاستصراخ بالأفرنج على محاربتي، و بذلكم لهم أموال الضعفاء و المساكين من الرعية، ظلما لهم و تعديا عليهم، و هذا ما لا يرضي الله تعالى، و لا أحد من المسلمين، و لابد من المعونة بألف فارس مزاحي العلة، تجرد مع من يوثق بشجاعته من المقدمين لتخليص ثغر عسقلان و غيره.

فكان الجواب عن هذه الرسالة: ليس بيننا و بينك إلا السيف، و سيوافينا من الأفرنج ما يعيننا على دفعك إن قصدتنا، و نزلت علينا، فلما عاد الرسول بهذا الجواب، و وقف عليه، أكثر التعجب منه، و الإنكار له، و عزم على الزحف إلى البلد، و محاربته في غد ذلك اليوم، و هو يوم الأربعاء الخامس و العشرون من نيسان، فأرسل الله تعالى من الأمطار و تداركها و دوامها، ما منعه من ذلك، و صرفه عنه.

و دخلت سنة خمس و أربعين و خمسمائة

أولها يوم الاثنين مستهل المحرم، و فيه تقرر الصلح بين نور الدين و أرباب دمشق، و السبب في ذلك أن نور الدين أشفق من سفك دماء المسلمين إن أقام على حربها و المضايقة لها، مع ما اتصل به من أخبار دعته إلى ذلك، و اتفق أنهم (168 و) بذلوا له الطاعة، و إقامة الخطبة له على منبر دمشق، بعد الخليفة و السلطان و السكة، و وقعت الأيمان على ذلك، و خلع نور الدين على مجير الدين خلعة كاملة بالطوق، و أعاده مكرما محترما، و خطب له على منبر دمشق يوم الجمعة رابع عشر المحرم، ثم استدعى الرئيس إلى المخيم، و خلع عليه خلعة مكملة أيضا، و أعاده‏

481

إلى البلد، و خرج إليه جماعة من الأجناد و الخواص إلى المخيم، و اختلطوا به، فوصل من استماحه من الطلاب و الفقراء و الضعفاء، بحيث ما خاب قاصده، و لا أكدى من سأله، و رحل عن مخيمه ليلة الأحد عائدا إلى حلب، بعد إحكام ما قرر، و تكميل ما دبر.

و ورد الخبر في الخامس من المحرم من ناحية حلب بأن عسكرها من التركمان ظفر بابن جوسلين صاحب أعزاز و أصحابه، و حصوله في قبضة الأسر في قلعة حلب، فسر بهذا الفتح كافة الناس.

و ورد الخبر بأن الملك‏ (1) مسعود وصل في عسكره طالبا أنطاكية، و نزل على تل باشر، و ضايقها في أيام من المحرم.

و في أيام من المحرم وصل إلى دمشق جماعة من حجاج العراق و خراسان المأخوذين في طريق الحج عند عودهم، لجماعة من كفار العربان و زطهم و أوباشهم، تجمعوا في عدد دثر، و حكوا مصيبة ما نزل مثلها بأحد في السنين الخالية، و لا يكون أشنع منها، و ذكر أنه كان في هذا الحج من وجوه خراسان و تنائها و فقهائها و علمائها و قضاتها، و خواتين أمراء العسكر السلطانية و الحرم العدد الكثير، و الأموال الجمة، و الأمتعة الوافرة، فأخذ جميع ذلك و قتل الأكثر، و سلم الأقل إلا نزر، و هتكت النساء، و سلبوا، و هلك من هلك بالجوع و العطش، فضاقت الصدور لهذه النازلة الفادحة، و الرزيئة الحادثة، فكسا العاري منهم، و أطلق لهم ما استعانوا بقدره على عودهم إلى أوطانهم، من أصحاب المروءة و المقدمين بدمشق، و ذلك بتقدير الحكيم القدير (2).

و قد كان نور الدين عقيب رحيله عن دمشق، و حصول ابن جوسلين‏

____________

(1) هو «الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية» و كان نور الدين زوجا لابنته. انظر زبدة الحلب: 2/ 301.

(2) لمزيد من التفاصيل انظر الكواكب الدرية: 136. و نقل صاحب الروضتين هذا النص: 1/ 77.

482

في قلعة حلب أسيرا، توجه في عسكره إلى اعزاز بلد ابن جوسلين، و نزل عليها، و ضايقها و واظب قتالها، إلى أن سهل الله تعالى ملكتها بالأمان، و هي على غاية من الحصانة و المنعة و الرفعة، فلما تسلمها رتب فيها من ثقاته من وثق به، و رحل (168 ظ) عنها ظافرا مسرورا، عائدا إلى حلب، في أيام من شهر ربيع الأول من السنة.

و ورد الخبر بعد المضايقة و المحاربة عن تل باشر، في يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر برحيل الملك مسعود، و وصل أكثر حماتها، لأسباب أوجبت ذاك و دعت إليه، و كان مجاهد الدين بزان قد توجه إلى حصنه صرخد، لتفقد أمواله، و ترتيب أحواله و أحوال ولده النائب عنه في حفظه، و تقرير أموره، و عرضت بعده نفرة بين مجير الدين و الرئيس بسعايات أصحاب الأغراض و الفساد، و اقتضت الحال استدعاء مجاهد الدين لإصلاح الحال، فوصل و تم ذلك بوساطته على شرط إبعاد الحاجب يوسف، حاجب مجير الدين، عن البلد مع أصحابه، و توجهوا، و لم يعرض لشي‏ء من أموالهم، و قصد بعلبك فأكرمه عطاء و اليها.

و قد كانت الأخبار متناصرة من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها ابن مصال، و بين الأمير المظفر بن سلار، و جميع العسكرية، و وقوع الحرب منهم، و سفك الدماء إلى أن أسفرت عن قتل ابن مصال الوزير، و ظفر ابن سلار به، و غلبته على الأمر، و انتصابه في الوزارة، و سعى في الصلاح و ترتيب الأجناد، و إطلاق واجباتهم، و هدأت النائرة (1) و سكنت الفتنة الثائرة (2).

و ورد الخبر بوصول منكوبرس‏ (3) في جماعة من الأتراك و التركمان إلى ناحية حوران، و اجتماعه مع الأمير سرخاك والي بصرى على العيث‏

____________

(1) أي الفتنة و الشغب.

(2) انظر اتعاظ الحنفا: 3/ 196- 198 حيث أوفى التفاصيل.

(3) لم يذكره غير ابن القلانسي حتى يمكن التعريف به.

483

و الفساد في ضياع حوران، و قيل إن ذاك بإذن نور الدين، و قصدوا عمل صرخد بالإفساد و الإخراب و المضايقة لها، و رحلوا بعد ذلك إلى غيرها للإفساد، و منع الفلاحين من الزرع.

و في يوم الاثنين السابع عشر من رجب من السنة توفي القاضي بهاء الدين عبد الملك بن الفقيه عبد الوهاب الحنبلي (رحمه الله)، و كان إماما فاضلا مناظرا مستقلا مفتيا على مذهب الإمامين أحمد و أبي حنيفة، رحمهما الله، بحكم ما كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم و التقدم و كان (يعرف) (1) اللسان بالعربية و الفارسية، حسن الحديث في الجد و الهزل، و كان له يوم دفنه في جوار أبيه و جده في مقابر الشهداء (2) رحمهما الله، مشهود بكثرة العالم و الباكين حول سريره، و المؤمنين له و المتأسفين عليه (169 و).

و توفي أيضا عقيب وفاته الشريف القاضي النقيب أبو الحسين، فخر الدولة ابن القاضي ابن أبي الجن (رحمه الله)، في يوم الخميس العشرين من رجب، من السنة، و دفن في مقابر فخر الدولة جده (رحمه الله)، و تفجع الناس له، لخيريته و شرف بيته.

و في رجب من السنة وردت الأخبار من ناحية نور الدين بظفره بعسكر الأفرنج النازلين بإزائه قريبا من تل باشر، و عظم النكاية فيهم، و الفتك بهم، و امتلأت الأيدي من غنائمهم و سبيهم، و استيلائه على حصن‏ (3) [تل‏] خالد، الذي كان مضايقه و منازله.

و في العشر الأخير من رجب ورد الخبر من حوران، بأن الأمير

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من ذيل طبقات الحنابلة: 1/ 219 حيث نقل ابن رجب مادته عن ابن قلانسي.

(2) أضاف ابن رجب إلى هذا قوله: «يعني بالباب الصغير». المصدر السالف.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين من زبدة الحلب: 2/ 302 حيث تحدث عن سقوط عدد من الحصون لنور الدين، و في معجم البلدان: «تل خالد، قلعة من نواحي حلب».

484

منكوبرس إلتقى في المعروف بالنويسه‏ (1) الحاجي و رجاله من عسكر دمشق، فهزمه و جرحه جرحا تمكن منه، و حمل إلى البلد، فمات في الطريق، و وصل و قبر في مقابر الفراديس في يوم الاثنين السادس من شعبان من السنة.

و في يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان أرسلت السماء عزاليها بثلج لم ير في السنين الخالية مثله، و تمادت به الأيام، بحيث عم كثيرا من أقطار الأرض: حوران و البقاع و البرية، و قيل إن أقصاه من بلاد الشمال إلى قلعة جعبر، و جرت أودية حوران، و دارت أرحيتها، و امتلأت بركها، و فاضت آبارها، و استبشر الناس بهذه النعمة العامة، و شكروا موليها، و المنعم بها، و زادت أنهار بردى و العيون عقيب ذلك زيادة وافرة، و سرت النفوس و تتابع بعد ذلك غيث كانون الثاني، و روى الزراعات، و منابت العشب.

و في يوم السبت الثالث من ذي الحجة من السنة، توفي القاضي المكين أبو البركات محفوظ ابن القاضي أبي محمد الحسن بن صصرى (رحمه الله)، بعلة طالت به، و هو في أواخر الثمانين، و كان مشهورا بالخير، و العفاف و سلامة الطبع.

و ورد الخبر من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها العادل بن سلار، و أجنادها بحيث الدماء بينهم مسفوحة، و أبواب الشر و العناد مفتوحة (2).

و دخلت سنة ست و أربعين و خمسمائة

و أولها يوم الجمعة مستهل المحرم، و في يوم الأربعاء العاشر من المحرم من هذه السنة المباركة نزل أوائل عسكر نور الدين على أرض‏

____________

(1) كذا بالأصل، و لم أجد الخبر في مصدر آخر فاضبطه.

(2) لمزيد من التفاصيل انظر اتعاظ الحنفا: 3/ 195- 200.

485

عذراء من عمل دمشق و ما والاها، (169 ظ) و في يوم الخميس تاليه قصد فريق وافر منهم ناحية السهم‏ (1) و النيرب، و كمنوا عند الجبل لعسكر دمشق، فلما خرج منها إليها أسرع النذير إليهم، فحذرهم، و قد ظهر الكمين فانهزموا إلى البلد، و خرج من أعقابهم، و سلموا من الإيقاع بهم، و في يوم الجمعة تاليه وصل نور الدين في عسكره، و نزل على عيون فاسريا (2) ما بين عذراء و دومة، و امتدوا إلى تلك الجهات، و في يوم السبت التالي له رحلوا من ذلك المكان و نزلوا في أراضي حجيرا و راوية (3)، و تلك الجهات في الخلق الكثير، و الجم الغفير، و انبثت أيدي المفسدين في العسكر الدمشقي و الأوباش من أهل العيث و الإفساد في زروع الناس، فحصدوها و استأصلوها و في الثمار فأفنوها بلا مانع و لا دافع، و ضر ذلك بأصحابها الضر الزائد، و تحرك السعر و انقطعت السابلة، و ضاقت الصدور، و وقع التأهب و الاستعداد لحفظ البلد و السور، و وافت رسل نور الدين إلى ولاة أمر البلد، تقول: أنا ما أوثر إلا صلاح المسلمين، و جهاد المشركين، و خلاص من في أيديهم من الأسارى فإن ظهرتم معي في عسكر دمشق، و تعاضدنا على الجهاد، و جرى الأمر على الوفاق و السداد، فذلك غاية الإيثار و المراد، فلم يعد الجواب إليه بما يرضاه و يوافق مبتغاه.

و في يوم السبت الثالث و العشرين منه رحل نور الدين في عساكره عن ذلك المنزل، بحيث نزل في أرض مسجد القدم و ما والاه من الشرق و الغرب، و مبلغ منتهى الخيم إلى المسجد الجديد قبلي البلد، و هذا منزل ما نزله أحد من مقدمي العساكر فيما سلف من السنين، و جرى بين أوائل العسكر، و بين من ظهر إليه من البلد مناوشات، ثم عاد كل‏

____________

(1) السهم و النيرب من منتزهات دمشق في أرض الصالحية. غوطة دمشق: 10، 76.

(2) معروفة في سفح جبل دوما. غوطة دمشق: 75.

(3) راوية هي بلدة الست «السيدة زينب» الحالية، و حجيرا «و اسمها الآن حجرا» على مقربة منها. غوطة دمشق: 229- 232.

486

إلى مكانه، و لم تزل الحال مستمرة من العسكر النوري على إهمال الزحف إلى البلد، و محاربة من فيه إشفاقا من قتل النفوس، و إثخان الجراح في مقاتلة الجهتين، بحيث انطلقت أيدي المفسدين من الفريقين في الفساد، و حصد زراعات المرج و الغوطة، و ضواحي البلد، و خراب مساكن القرى، و نقل أنقاضها إلى البلد و العسكر، و زاد الأضرار بأربابها من التناء و الفلاحين و تزايد طمع الرعاع و الأوباش في التناهي في الفساد بلا رادع لهم و لا مانع و عدم التبن لعلف الكراع في جميع الجهات و ارتفع السعر و عظم (170 و) الخطب و صعب الأمر، و الأخبار تتناصر باحتشاد الأفرنج و اجتماعهم للإنجاد لأهل دمشق و الإسعاد، و قد ضاقت صدور أهل الدين و الصلاح، و زاد إنكارهم لمثل هذه الأحوال المنكرة و الأسباب المستبشعة، و لم تزل الحال على هذه القضية المكروهة، و المناوشات في كل يوم متصلة من غير مزاحفة و لا محاربة إلى يوم الخميس الثالث عشر من صفر من السنة.

ثم رحل العسكر النوري من هذه المنازل و نزل في أراضي فذايا و حلقبلتين و الخامسين‏ (1) المصاقبة للبلد، و ما عرف في قديم الزمان من أقدم من الجيوش على الدنو منها، و نشبت المطاردة في اليوم المذكور، و كثر الجراح في خيالة البلد و رجالته، و ملك مواشي الفلاحين و الضعفاء و دواب المتعلقة من البلد، و ما يخص فلاحي الغوطة و المرج و الضواحي، ثم رحل في يوم الخميس لعشر بقين من صفر عائدا إلى ناحية داريا، لتواصل الأرجاف بقرب عسكر الأفرنج من البلد للإنجاد، ليكون قريبا من معابرهم لقوة العزائم على لقائهم، و الاستعداد لحربهم، لأن العسكر النوري قد صار في عدد لا يحصى كثرة، و قوة، و في كل يوم زيادة بما يتواصل من الجهات و طوائف التركمان، و نور الدين مع هذه الحال لا

____________

(1) مناطق مصاقبة لدمشق حول طريق مطار دمشق الدولي الآن، فموقع فذايا جنوب مقبرة اليهود الحالية، و ضبط كرد علي «حلقبلتين» «حلفبلتا» و هي مجاورة لفذايا و ضبط «الخامسين» «الخامس» انظر غوطة دمشق: 239- 241.

487

يأذن لأحد من عسكره في التسرع إلى قتال أحد من المسلمين من رجال البلد و عوامه، تحرجا من إراقة الدم فيما لا يجدي نفعا، إذ كانوا يحملهم الجهل و الغرور على التسرع و الظهور، و لا يعودون إلا خاسرين مفلولين، و أقام على هذه الصورة، ثم رحل إلى ناحية الأعوج لقرب عسكر الأفرنج، و عزمهم على قصده، و اقتضى رأيه الرحيل إلى ناحية الزبداني استجرارا لهم، ليكونوا في أعمال حوران مع العرب، لقصد الأفرنج و لقائهم و ترقبا لوصولهم، و خروج العسكر الدمشقي إليهم، و اجتماعهم [بهم‏] ثم يقاطع عليهم‏ (1).

و اتفق أن عسكر الأفرنج وصل عقيب رحيله إلى الأعوج و نزل به في اليوم الثالث من شهر ربيع الأول سنة ست و أربعين و وصل منهم خلق كثير إلى البلد، لقضاء حوائجهم، و خرج مجير الدين و مؤيده في خواصهما، و جماعة وافرة من الرعية، و اجتمعا بملكهم و خواصه و ما (170 ظ) صادفوا عندهم شيئا مما هجس في النفوس من كثرة، و لا قوة، و تقرر بينهم النزول بالعسكرين على حصن بصرى، لتملكه، و استغلال أعماله.

ثم رحل عسكر الأفرنج إلى رأس الماء، و لم يتهيأ خروج العسكر الدمشقي إليهم لعجزهم و اختلافهم، و قصد من كان بحوران من العسكر النوري، و من انضاف إليهم من العرب في خلق كثير، ناحية الأفرنج، للإيقاع بهم و النكاية فيهم، و التجأ عسكر الأفرنج إلى لجاة حوران للاعتصام بها، و انتهى الخبر إلى نور الدين، فرحل و نزل على عين الجر، من البقاع، عائدا إلى دمشق، و طالبا قصد الأفرنج، و العسكر الدمشقي، و كان الأفرنج حين اجتمعوا مع العسكر الدمشقي، قد قصدوا بصرى لمنازلتها و مضايقتها و محاربتها فلم يتهيأ

____________

(1) في الأصل: «و اجتماعهم ثم تقاطع عليهم» و قد زيد ما بين الحاصرتين و قومت العبارة من الروضتين: 1/ 90.

488

ذلك لهم، و ظهر إليهم سرخاك و اليها في رجاله، و عادوا عنه خاسرين، و انكفأ عسكر الأفرنج إلى أعماله في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول من السنة، و راسلوا مجير الدين و مؤيده، يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم على ترحيل نور الدين عن دمشق، و قالوا: لو لا نحن ندفعه ما رحل عنكم.

و في هذه الأيام ورد الخبر بوصول الأسطول المصري إلى ثغور الساحل في غاية من القوة، و كثرة العدة و العدة، و ذكر أن عدة مراكبه سبعون مركبا حربية مشحنة بالرجال، و لم يخرج مثله في السنين الخالية، و قد أنفق عليه ما حكي و قرب ثلاثمائة ألف دينار، و قرب من يافا من ثغور الأفرنج فقتلوا و أسروا و أحرقوا ما ظفروا به، و استولوا على عدة وافرة من مراكب الروم و الأفرنج، ثم قصدوا ثغر عكا، و فعلوا فيه مثل ذلك، و حصل في أيديهم عدة وافرة من المراكب الحربية الأفرنجية، و قتلوا من حجاج [الأفرنج‏] و غيرهم خلقا عظيما، و أنفذوا ما أمكن إلى ناحية مصر، و قصدوا ثغر صيدا و بيروت و طرابلس، و فعلوا فيها مثل ذلك.

و وعد نور الدين بمسيره إلى ناحية الأسطول المذكور لإعانته على تدويخ الأفرنجية، و اتفق اشتغاله بأمر دمشق، و عوده إليها لمضايقتها، و حدث نفسه بملكتها لعلمه بضعفها، و ميل الأجناد و الرعية إليه، و إشارتهم لولايته و عدله، و ذكر أن نور الدين أمر بعرض عسكره و حصره، فذكر أنه بلغ كمال ثلاثين ألف مقاتلة، ثم رحل و نزل بالدلهمية من عمل البقاع، ثم رحل منها طالبا نحو دمشق، و نزل في (171 و) أرض كوكبا من غربي داريا في يوم السبت الحادي و العشرين من ربيع الأول، و غارت الخيل على طريق حوران إلى دمشق، فاشتملت على الشي‏ء الكثير من الجمال و الغلة و المواشي، و غاروا على ناحية الغوطة و المرج، و استاقوا ما صادفوا من المواشي، ثم رحل عن هذا المنزل في يوم الاثنين، و نزل من أرض داريا إلى جسر الخشب،

489

و نودي في البلد بخروج الأجناد و الأحداث إليه، فلم يظهر منهم إلا اليسير ممن كان يخرج أولا (1).

و في يوم الأربعاء الرابع و العشرين من الشهر، رحل من هذا المنزل، و نزل في أرض القطيعة (2) و ما والاها، و دنا منها بحيث قرب من البلد، و وقعت المناوشة بين الفريقين من غير زحف، و لا شد في محاربة.

و ورد الخبر إلى نور الدين بتسليم نائبه الأمير حسان‏ (3) المنبجي مدينة تل باشر بالأمان في يوم الخميس الخامس و عشرين من شهر ربيع الأول سنة ست و أربعين، و ضربت في عسكره الطبول و الكوسات و البوقات بالبشارة، و ورد مع البشير جماعة من أعيان تل باشر، لتقرير الأحوال.

و استمر رأي نور الدين على [وقف‏] (4) الزحف إلى البلد، و محاربة أهله و عسكريته تحرجا من قتل المسلمين، و قال: لا حاجة إلى قتل المسلمين بأيدي بعضهم بعضا، و أنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين، و حدثت مع هذه النية تردد المراسلات في عقد الصلح في أيام من شهر ربيع الآخر على شروط أشير إليها، و اقتراحات عين عليها، و تردد فيها الفقيه برهان الدين البلخي، و الأمير أسد الدين شيركوه، و أخوه نجم الدين أيوب، و تقارب الأمر في ذلك، و ترددت المراسلات إلى أن استقرت الحال على قبول الشروط المقترحة، و وقعت الأيمان من الجهتين على ذلك، و الرضا به في يوم الخميس العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة.

____________

(1) زاد سبط ابن الجوزي في روايته معللا عدم استجابة الأجناد و الأحداث بقوله: «لما وقر في نفوسهم من استنجاد مجير الدين و ابن الصوفي بالفرنج». مرآة الزمان: 1/ 210.

(2) قرية ظاهر دمشق قرب ميدان الحصا. غوطة دمشق: 235، 242.

(3) في الأصل «الأمير نائبه الأمير حسن» و حذفت عبارة الأمير الأولى و استبدلت عبارة حسن بحسان لأنها مصحفة صوابها ما أثبتنا، و قد ورد اسم حسان فيما مضى. انظر زبدة الحلب: 2/ 310. الروضتين: 1/ 81.

(4) زيد ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

490

و رحل نور الدين في عسكره في يوم الجمعة غد اليوم المذكور، طالبا ناحية بصرى، للنزول عليها، و المضايقة لها، و التمس من دمشق ما تدعو إليه الحاجة من آلات الحرب و المناجيق، لأن سرخاك الوالي المذكور، كان بها، كان شاع عصيانه و خلافه، و مال إلى الأفرنج، و اعتضدهم، فأنكر نور الدين ذلك عليه، و أنهض فريقا وافرا من عسكره إليه.

و ورد الخبر من ناحية قلعة جعبر في يوم السبت الثالث عشر من (171 ظ) شهر ربيع الآخر بأن صاحبها الأمير عز الدين علي بن مالك ابن سالم بن مالك، خرج في أصحابه إلى عسكر الرقة، و قد غار على أطراف أعماله لتخليص ما استاقوا منه، فالتقى الفريقان، و سبق إليه سهم من كمين ظهر عليهم قضى عليه، و عاد به أصحابه إلى قلعة جعبر، و جلس ولده مالك بن علي في منصبه، و اجتمع عليه جماعة أسرته، و استقام له الأمر من بعده.

و وردت الأخبار في سنة ست و أربعين من ناحية مصر بأن أهل دمياط، حدث فيهم فناء عظيم ما عهد مثله في قديم و لا حديث، بحيث أحصي المفقود منهم في سنة خمس و أربعين و خمسمائة، سبعة آلاف شخص، و في سنة ست و أربعين مثلهم سبعة آلاف بحيث يكون الجميع أربعة عشر ألفا، و خلت دور كثيرة من أهلها، و بقيت مغلقة، و لا ساكن فيها، و لا طالب لها.

و في يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة ست و أربعين توفي القاضي السديد الخطيب أبو الحسين بن أبي الحديد خطيب‏ (1) دمشق (رحمه الله) و كان خطيبا سديدا مبلغا متصونا عفيفا، و لم يكن له من يقوم مقامه‏

____________

(1) هو «عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، ولد سنة اثنتان و ستون و أربعمائة، و سمع الحديث الكثير ... و كان بيت أبي الحديد يتوارثون نعل النبي (صلى الله عليه و سلم)» مرآة الزمان: 1/ 211- 212.

491

في منصبه، سوى أبي الحسن الفضل ولد ولده [و هو] (1) حدث السن، فنصب مكانه، و خطب و صلى بالناس، و استمر الأمر له و مضى فيه.

و وردت الحكايات بحدوث زلزلة، وافت في الليلة الثالثة عشر من جمادى الآخرة سنة ست و أربعين اهتزت الأرض لها ثلاث رجفات، في أعمال بصرى و حوران، و سكنت، و ما والاها من سائر الجهات، و هدمت عدة وافرة من حيطان المنازل ببصرى و غيرها، ثم سكنت بقدرة من حركها و سكنها، سبحانه و تعالى، إنه على كل شي‏ء قدير.

و في يوم الخميس الثاني عشر من رجب سنة ست و أربعين توجه مجير الدين صاحب دمشق إلى حلب في خواصه، و وصل إليها، و دخل على نور الدين صاحبها، و أكرمه و بالغ في الفعل الجميل في حقه، و قرر معه تقريرات اقترحها عليه، بعد أن بذل له الطاعة، و حسن النيابة عنه في دمشق، و انكفأ عنه مسرورا بما قصده في حقه من الإكرام، و حسن الاحترام، و وصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء السادس من شعبان من السنة.

و في آخر شعبان ورد الخبر من ناحية بانياس بأن فريقا وافرا (172 و) من التركمان غاروا على ظاهرها، و خرج إليهم و اليها من الأفرنج في أصحابه، و وافقهم، فظهر التركمان عليهم، و قتلوا منهم و أسروا، و لم يفلت منهم غير الوالي، و نفر يسير، و اتصل الخبر بمن في دمشق، فأنكر مثل هذا الفعل بحكم انعقاد الهدنة و الموادعة، و أنهض إليهم من العسكر الدمشقي من صادف بعض التركمان متخلفا عن رفقتهم، فحصلوا منهم ما كان في أيديهم و عادوا بثلاثة نفر منهم.

و في أيام من أوائل رمضان من السنة، ورد الخبر بأن أكثر عسكر الأفرنج قصدوا ناحية البقاع، على غرة من أهلها، و غاروا على عدة وافرة من الضياع، فاستباحوا ما بها من رجال و نسوان و شيوخ و أطفال،

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من الروضتين: 1/ 83. حيث الرواية عن ابن القلانسي.

492

و استاقوا عواملها و مواشيها و دوابها، و اتصل الخبر بوالي بعلبك، فأنهض إليهم رجاله، و اجتمع إليهم خلق كثير من رجال البقاع، و أسرعوا نحوهم القصد، و لحقوهم و قد أرسل الله تعالى عليهم من الثلوج المتداركة ما ثبطهم و حيرهم فقتلوا من رجالتهم الأكثر، و استخلصوا من الأسرى و المواشي ما سلم من الهلاك بالثلج، و هو الأقل، و عادوا على أقبح صفة من الخذلان و سوء الحال، بحمد الله، و نصره المسلمين‏ (1).

و في يوم السبت الثاني و العشرين من شوال من السنة، و هو اليوم الثالث من شباط وافت قبيل الظهر زلزلة اهتزت لها الأرض ثلاث هزات هائلة، و تحركت الدور و الجدران، ثم سكنت بقدرة الله تعالى ذكره.

و دخلت سنة سبع و أربعين و خمسمائة

و أولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم، و في المحرم منها ورد الخبر من ناحية نور الدين بنزوله على حصن انطرطوس في عسكره، و افتتاحه له، و قتل من كان فيه من الأفرنج، و طلب الباقون الأمان على النفوس، فأجيبوا إلى ذلك و رتب فيه الحفظة و عاد (2) عنه، و ملك عدة من الحصون، بالسيف و السبي و الإخراب، و الحرق و الأمان.

و وردت الأخبار من ناحية عسقلان، في يوم الخميس العاشر من المحرم بظفر رجال عسقلان بالأفرنج المجاورين لهم، بغزة بحيث هلك منهم العدد الكثير، و انهزم الباقون.

و في ليلة الثلاثاء الثاني و العشرين من المحرم من أواخر نيسان أرسل الله تعالى غيثا (172 ظ) هطالا مجللا بالرعود و البروق المتتابعة ما زادت‏

____________

(1) كان والي بعلبك آنذاك أيوب بن شادي، والد صلاح الدين، و مفيد أن نشير أنه في هذه السنة التحق صلاح الدين بعمه أسد الدين بحلب فقدمه إلى نور الدين. الروضتين: 1/ 83- 84.

(2) في الأصل «و عادوا» و التقويم من الروضتين: 1/ 86 حيث الرواية عن ابن القلانسي.

493

معه مياه بردى زيادة وافرة، و تصندل لون مائها بمسايل الأودية و الجبال، و انتفعت به زراعات السقي و البعول نفعا ظاهرا.

و في النصف من شهر أيار من صفر سنة سبع و أربعين كان من زمجرة الرعود و تتابع البروق و الأمطار في عدة جهات ما زادت به الأنهار، و سالت معه شعاب الجبال و الأودية، و في وقت العصر من يوم الأحد الثاني و العشرين من أيار و العشرين من صفر من السنة، نشأت غمامة برعود مجلجلة هائلة متتابعة لا تفتر مزعجة، ثم انهلت بوابل هطال جود بالمطر إلى آخر النهار، ثم أقبلت بردى بالليل بالسيل الزائد المتغير اللون، بماء الجبال المختلف، بحيث أفعمت الأنهار و السواقي و المجاري، و احمرت أماكنها، و صادفت طرحات الزرع و أكداسة، فغيرت الشعير و صفرته، و سكنت بقدرة الله، و نفع من نشأتها، ثم حضر من شاهد هذا العارض، و حكى أنه كان من البرد الكبار ما لا حد له بحيث أفسد من المواشي الكثير، و هدم بعض دور الغوطة، و صار الماء في الحقول راكدا و سائحا بالأنهار المغدقة، و حكى الحاكي أن هذا لم ير مثله في الأزمان.

و في أواخر صفر سنة سبع و أربعين توجه مجير الدين في العسكر، و معه مؤيد الدين الوزير إلى ناحية حصن بصرى، و نزل عليه محاصرا لسرخاك و اليه، و مضايقا لأهليه لمخالفته لأوامره و نواهيه، و جوره على أهل الضياع الحورانية، و اعتدائه عليهم و إلزامهم ما لا طاقة لهم به، و استدعى المنجنيقات و آلة الحرب لمنازلتها، و اتفق لمجير الدين المصير إلى صرخد لمشاهدته، و استأذن مجاهد الدين و اليه في ذلك، فقال له: هذا المكان بحكمك و أنا فيه من قبلك، و أنفذ إلى ولده سيف الدين محمد، النائب فيه باعتداد ما يحتاج إليه، و تلقى مجير الدين بما يجب له، فخرج إليه في بعض أصحابه، و معه المفاتيح، فوفاه ما يجب له من الإعظام، و أخلى الحصن من الرجال، و دخل إليه في خواصه، فسر بذلك، و تعجب من فعل مجاهد الدين، و شكره على ذلك، و قدم إليه ما أعده‏

494

من القود و التحف، و عاد عنه شاكرا إلى مخيمه على بصرى و حاربها عدة أيام إلى أن استقر (173 و) الصلح، و الدخول فيما أراد و عاد إلى البلد.

و في أوائل شعبان من السنة، وردت الأخبار بوفاة السلطان غياث الدنيا و الدين مسعود بن السلطان محمد.

و في العشر الأول من شوال من السنة، الموافق للعشر الأول من تشرين الثاني، تغير الماء و الهواء في دمشق، و عرض لأهلها الحمى و السعال، بحيث عم الخاص و العام، و الشيوخ و الشباب و الأطفال، بحيث وقع الزحام على حوانيت العطارين لتحصيل المغلي، و حكى الحاكي أن بعض العطارين أحصى ما باعه في يوم، فكان ثلاثمائة و ثمانين صفة، و السالم منه و المعافى الأكثر، و ما يقيم هذا المرض بالإنسان أكثر من الأسبوع و دونه، و يمضي من قضى أجله، و صعب أمر المغسلين و الحفارين، و احتيج إليهم لكثرة الموتى.

و في يوم السبت الرابع و عشرين من شوال من السنة، توفي الأمير سعد الدولة أبو عبد الله محمد بن المحسن بن الملحي (رحمه الله)، و دفن في مقابر الكهف‏ (1) و كان فيه أدب وافر، و كتابة حسنة، و نظم جيد، و تقدم والده في حلب في التدبير و السياسة، و عرض الأجناد.

و دخلت سنة ثمان و أربعين و خمسمائة

أولها يوم الأحد، و الشمس في برج الحمل، و الطالع الجدي، و في سادس و عشرين من المحرم منها ورد الخبر من ناحية مصر بأن العادل المعروف بابن سلار، الذي كانت رتبته قد علت، و منزلته في الوزارة قد تمكنت، و نفذ أمره في البسط و القبض، و حكمه في الإبرام و النقض، و أنه كان قد جلس للإنفاق في رجال الأسطول، ليجهزه في البحر إلى ناحية عسقلان بالميرة، لتقوية من بها على النازلين عليها من الأفرنج،

____________

(1) خارج دمشق في جبلها معروف حتى الآن. لم يتغير اسمه.

495

و المضايقين لها، و هم في الجمع الكثير و الجم الغفير، بالمال و الرجال و الغلال، و إشراف أهلها على الخطر، و أنه نهض من المجلس على العادة للراحة من النصب، و الهجعة عقيب التعب، و كان لزوجته ولد يعرف بالأمير عباس، و قد قدمه و اعتمد عليه في الأعمال، و لعباس هذا ولد قدمه الوزير و أنعم عليه، و أذن له في الدخول بغير إذن إليه، فدخل عليه و هو نائم في فرشته على (173 ظ) العادة، فأخذ سيفه و ضربه به فقطع رأسه و خرج به بين أثوابه، و لم يشعر أحد، و أتى به إلى باب القصر في يوم الأحد الثاني عشر من المحرم، و قال لخدم الإمام الظافر بالله: هذا رأس المنافق، فقيل له: ما كان منافقا، و كان جماعة من الأتراك قد اصطنعهم الوزير المقتول لنفسه، فتجمعوا في زهاء ثلاثمائة فارس، و أنهم طلبوا ليقتلوا، فحموا نفوسهم بالسهام، و حصلوا بظاهر القاهرة، و صادفهم عباس عائدا من بلبيس حين وافاه الخبر، فوعدهم الجميل، و إقرارهم على واجباتهم، فلم يثقوا به، و تفرقوا على أقبح حال، و وصلوا إلى دمشق في أواخر المحرم، و قيل إن عباسا المذكور حصل في منصب العادل المذكور، و استقام له الأمر، و تمكن في الأعمال، و قيل إن العادل كان قد قتل [كثيرا] من الحجرية و الريحانية و أصناف الأجناد حتى استقام له الأمر، و تمكن في الأعمال.

و تواصلت الأخبار من ناحية نور الدين سلطان حلب و الشام، بقوة عزمه على جمع العساكر و التركمان من سائر الأعمال و البلدان، للغزو في أحزاب الشرك و الطغيان، و بنصرة أهل عسقلان على النازلين عليها من الأفرنج، و قد ضايقوها بالزحف إليها بالبرج المخذول، و هو في الجمع الكثير، و الله يحرسها من شرهم، و اقتضت الحال توجه مجير الدين صاحب دمشق إلى نور الدين، في جمهور عسكره، للتعاضد على الجهاد، في يوم السبت الثالث عشر من المحرم، و اجتمع معه في ناحية الشمال، و اتفق بينهما و جماعة المقدمين من أمراء الأعمال و التركمان، و هم في العدد

496

الدثر، و قد ملك نور الدين الحصن المعروف بأفلس‏ (1) بالسيف بأمر قضاه الله و سهله و يسره و عجله، و هو في غاية المنعة و الحصانة، و قتل من كان فيه من الأفرنج و الأرمن، و حصل للعسكر من المال و السبي الشي‏ء الكثير.

و نهضوا طالبين ثغر بانياس، و نزلوا عليه في يوم السبت تاسع و عشرين صفر، و قد خلا من حماته و تسهلت أسباب ملكته، و قد تواصلت استغاثة أهل عسقلان و استنصارهم بنور الدين، فقضى الله تعالى بالخلف بينهم، و القتل، و هم في تقدير عشرة آلاف فارس و راجل، فأجفلوا عنها من غير طارق من الأفرنج طرقهم و لا عسكر (174 و) منهم أرهقهم، و نزلوا على المنزل المعروف بالأعوج، و عزموا على معاودة النزول على بانياس و أخذها، ثم أحجموا عن ذلك من غير سبب و لا موجب و تفرقوا، و عاد مجير الدين إلى دمشق و دخلها سالما في نفسه و جملته، في يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول من السنة، و عاد نور الدين إلى حمص، و نزل بها في عسكره.

و وردت الأخبار بوصول أسطول مصر إلى عسقلان، و قويت نفوس من بها بالمال و الرجال و الغلال، و ظفروا بعدة وافرة من مراكب الأفرنج في البحر، و هم على حالها في محاصرتها و مضايقتها، و الزحف بالبرج إليها.

و قد تقدم من شرح الحال للرئيس في تمكنه من منصب الوزارة، بنفيه من نفاه من المعاندين له، بحيث طابت نفسه، و توكد أنسه، فعرض بينه و بين أخويه عز الدولة و زينها مشاحنات و مشاجرات، اقتضت المساعدة إلى مجير الدين، في جمادى الأولى من السنة، و أنفذ مجير الدين إلى الرئيس يستدعيه للإصلاح بينهم في القلعة، فامتنع من ذلك، و جلس في داره، و هم بالتحصن عنه بأحداث البلد و الغوغاء، و آلت الحال إلى تمكن زين‏

____________

(1) لم أجده في المصادر الجغرافية و سواها.

497

الدين منه بمعاونة مجير الدين عليه لأسباب تقدمت، و تقرر بينهما إخراج الرئيس من البلد و جماعته إلى حصن صرخد مع مجاهد الدين بزان و اليه في يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى، بعد أن قرر بقاء داره و بستانه و ما يخصه و يخص أصحابه، و تقلد أخوه زين الدين له مكانه، و خلع عليه، و أمر و نهى، و نفذ الأشغال على عادته في العجز و التقصير و سوء الأفعال و التماس الرشاء على أقل الأعمال، و رأى مجير الدين عقيب ذلك التوجه إلى بعلبك لتطييب نفس و اليها عطاء الخادم، و استصحابه معه إلى دمشق لينوب عنه في تدبير الأمور، و المعونة على مصالح الأحوال، و عاد و هو معه، و استشعر مجاهد الدين أن نية مجير الدين قد تغيرت فيه، فاستوحش من عوده إلى البلد عن غير يمين يحلف له بها على إيمانه على نفسه، فوعد بالإجابة إلى ما رغب فيه، و بقي الأمر موقوفا لأسباب اقتضت التوقف.

و وردت الأخبار في أثناء ذلك بأن الأفرنج النازلين على عسقلان قد (174 ظ) ضايقوها بمغاداة القتال و مراوحته، إلى أن تسهلت لهم أسباب الهجوم عليها من بعض جوانب سورها، فهدموه و هجموا البلد، و قتل بين الفريقين الخلق الكثير، و ألجأت الضرورة و الغلبة إلى طلب الأمان، فأجيبوا إليه، و خرج منها من أمكنه الخروج في البر و البحر إلى ناحية مصر و غيرها، و قيل إن في هذا الثغر المفتتح من العدد الحربية و الأموال، و الميرة و الغلال ما لا يحصر فيذكر، و لما شاع هذا الخبر في الأقطار ساء سماعه، و ضاقت الصدور، و تضاعفت الأفكار بحدوث مثله، فسبحان من لا يرد نافذ قضائه، و لا يدفع محتوم أمره عند نفوذه و مضائه.

و ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الأديب أبي الحسين أحمد بن منير الشاعر، في أيام من جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، بعلة هجمت عليه، ربا فيها لسانه، بحيث قضى نحبه و كان أديبا شاعرا عارفا بفنون اللغة، و أوزان العروض، لكنه مرهوب اللسان، خبيث‏

498

الهجاء مجيد فيه، لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه: منعم عليه، و لا مسي‏ء إليه، و كان طبعه في الذم أخف منه في المدح و كان يصل بهجائه، لا بمدحه و ثنائه.

و وصل إلى دمشق الأديب أبو عبد الله محمد بن [نصر بن‏] (1) صغير القيسراني الشاعر من حلب يوم الأحد الثاني عشر من شعبان سنة ثمان و أربعين باستدعاء مجير الدين له، و حضر مجلسه و أنشده قصيدة حبرها يائية، مقيدة حسنة المعاني و المقاصد، فاستحسنها السامعون و استجادها، و شفعها بغيرها و وصله أحسن صلة و اتفق عوده إلى منزله، فعرضت له حمى حادة، و جاء معها إسهال مفرط قضى نحبه في يوم الأربعاء الثاني و العشرين من شعبان من السنة، و كان أديبا شاعرا مترسلا فاضلا، بليغ النظر، مليح المعاني، كثير التطبيق و التجنيس، و له يد قوية في علم النجوم و الأحكام و الهيئة، و حفظ الأخبار و التواريخ، و كان بينه و بين أبي الحسين أحمد بن منير على قديم الزمان مشاحنات، حرص معها على الإصلاح بينهما فما تهيأ ذلك لمن رامه، و كان بينهما هذه المدة اليسيرة.

و كان قد ورد من بغداد إلى دمشق في أوائل سنة ثمان و أربعين و خمسمائة الشيخ الإمام الفيلسوف أبو الفتح ابن الصلاح، و كان غاية في الذكاء، و صفاء الحس، و النفاذ في العلوم الرياضية: (175 و) الطب و الهندسة و المنطق و الحساب، و فنون النجوم و الأحكام و المواليد، و الفقه و ما يتصل به، و تواريخ الأخبار و السير و الآداب، بحيث وقع الإجماع عليه، بأنه لم ير مثله في جميع العلوم، و حسن الخلق، و نزاهة النفس، بحيث لا يقبل من أحد من الولاة صلة قلت أو كثرت، و اتفق للحين المقضي أنه عرض له مرض حاد، و معه إسهال مفرط أضعف قوته، أقام‏

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من خريدة القصر و جريدة العصر للعماد الأصفهاني الكاتب- قسم شعراء الشام- ط. دمشق 1955: 1/ 96، و في هذا الجزء حديث مطول عن كل من ابن منير و القيسراني: 76- 160.

499

به أياما و توفي (رحمه الله) في دمشق يوم الأحد السادس و العشرين من شعبان من السنة، و قيل إنه من بيت كبير في العلم و الأصل، و نظم فيه هذه الأبيات بصفة حاله في هذا الموضع، ليعرف محله:

سررت أبا الفتوح نفوس قوم‏* * * رأوك وحيد فضلك في الزمان‏

حويت علوم أهل الأرض طرا* * * و بينت الجلي من البيان‏

دعيت الفيلسوف و ذاك حق‏* * * بما أوضحت من غرر المعاني‏

و وافاك القضاء بعيد دار* * * غريبا ما له في الفضل ثان‏

فأودعت القلوب عليك حزنا* * * يعض عليه أطراف البنان‏

لئن بخل الزمان علي ظلما* * * بأني لا أراك و لن تراني‏

فقد قامت صفاتك عند مثلي‏* * * مقام السمع مني و العيان‏

سقى جدثا به أصبحت فردا* * * ملث الغيث بهمي غير وان‏

و في أيام من تشرين الثاني الموافق لأيام من شعبان سنة ثمان و أربعين أرسل الله تعالى، و له الحمد و الشكر، من الغيث المتدارك الهطال ما أحيا به الأرض بعد القحط و الجدب، و أجرى أودية حوران و أفعم بركها بعد جفافها، و قيل إن هذا الغيث لم ير مثله في هذا الوقت في السنين الماضية، و أنه أفرط في أعمال طبرية، بحيث حدث منه سيل جارف هدم عدة من مساكنها، و رماها إلى البحيرة، فسبحان محيي عباده، و مغيث بلاده.

و في يوم الخميس انسلاخ شعبان من السنة توفي الإمام الفقيه برهان الدين أبو الحسن علي البلخي، رئيس الحنفية (رحمه الله)، و دفن في مقابر باب الصغير المجاور لقبور الشهداء، رضي الله عنهم، و كان من التفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة (175 ظ) (رحمه الله)، ما هو مشهور شائع، مع الورع و الدين و العفاف و التصون، و حفظ ناموس الدين، و العلم و التواضع و التردد إلى الناس على طريقة مرضية، و سجية محمودة، لم يشاركه فيها غيره، و وقع الأسف عليه من جميع الخاص و العام، و التأبين له، و الحزن عليه.

500

قد مضى من ذكر الرئيس المسيب في حصوله بصرخد، و تقرر بعد ذلك تطييب نفس مجاهد الدين، و الحلف له على إزالة ما خامره من الاستيحاش و النفار ما سكن إليه، و اعتمد عليه، و عاد إلى داره بدمشق أواخر شعبان و صام رمضان فيها، ثم هجس في خاطره من مجير الدين و خواصه ما أوحشه منهم، و دعاه ذلك إلى الخروج من البلد سرا في يوم الثلاثاء الثاني عشر من شوال طالبا صرخد، فحين عرف خبره، نهض في طلبه و قص أثره جماعة من الخيل، فأدركوه و قد قرب من صرخد، فقبض عليه، و أعيد إلى القلعة بدمشق و اعتقل بها اعتقالا جميلا.

و حدث في هذه الأيام من تتابع الأمطار في الأماكن و الثلوج في الجبال و الأعمال البقاعية، ما لم ير مثله، ثم ذاب الثلج، و سالت بمائه الأودية و الشعاب، و ساح على الأرض كالسيل الجارف، و امتلأت به الأنهار، و التقت الشطط، و أفسد ما مر به من الأراضي المنخفضة، و وصل المد إلى بردى، و ما قرب منها، و رؤي من كثرته و عظمه و تغير لونه ما كثر التعجب منه، و الاستعظام له، فسبحان مالك الملك، منزل الغيث من بعد القنوط، إنه على كل شي‏ء قدير.

ثم تجدد عقيب ذلك من الرئيس الوزير حيدرة المقدم ذكره أشياء ظهرت عنه، مع ما في نفس الملك مجير الدين منه، و من أخيه المسيب، و المعرفة بالسعي و الفساد ما اقتضت الحال استدعاءه إلى القلعة، على حين غفلة منه، و عن القضاء النازل به، لسوء أفعاله، و قبح ظلمه و خبثه، ثم عدلت به الجندراية إلى الحمام بالقلعة، في يوم الأحد مستهل ذي القعدة من السنة، و ضربت عنقه صبرا، و أخرج رأسه و نصب على حافة الخندق، ثم طيف به و الناس يلعنونه و يصفون أنواع ظلمه و تفننه في الأدعية و الفساد، و مقاسمة اللصوص، و قطاع الطريق على أموال الناس المستباحة بتقريره، و حمايته، و كثر السرور بمصرعه، و ابتهج بالراحة منه، ثم رجعت العامة و الغوغاء، و من كان من أعوانه على الفساد من أهل العيث‏

501

و الإفساد إلى منازله و خزائنه، و مخازن غلته و أثاثه و ذخائره، فانتهبوا منها ما لا يحصى، و غلبوا أعوان السلطان و جنده عليها بالكثرة، و لم يحصل للسلطان من ذلك إلا النزر (176 و) اليسير، ورد أمر الرئاسة و النظر في البلد في اليوم المقدم ذكره إلى الرئيس رضي الدين أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي، و طاف في البلد مع أقاربه، و سكن أهله، و سكنت الدهماء، و لم يغلق في البلد حانوت و لا اضطرب أحد، و استبشر الناس قاطبة من الخاص و العام و العسكرية، و عامة الرعية، و بولغ في إخراب منازل الظالم، و نقل أخشابها، و هذه عادة الباري تعالى في الظالمين، و الفسقة المفسدين، وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (1).

و في ذي القعدة سنة ثمان و أربعين وردت الأخبار من ناحية بغداد، بورود الأخبار إليها من ناحية الشرق باضطراب الأحوال في الأعمال الخراسانية، و انفلال عسكر السلطان سنجر، و الاستيلاء عليه و القهر، و الاستظهار، و حصره في دار مملكته بلخ، و التضييق عليه، و استدعاء ما في خزائنه من الأموال، و الآلات و الذخائر و الأمتعة، و الجواهر بخلق عظيم من الغز و التركمان، تجمعوا من أماكنهم و معاقلهم، و حللهم في الأعداد الدثرة، و التناهي في الاحتشاد و الكثرة، و لم يكن للسلطان سنجر مع كثرة عساكره و أجناده [بهم‏] طاقة، و لا لدفعهم‏ (2) قوة، فقهروه و غلبوه و حصروه، و قيل إن نيسابور (3) و تلك الأعمال حدث فيها من الفساد و الخلف، و القتل و النهب، و السلب ما ترتاع النفوس باستماع مثله، و تفرق من قبح فعله، و نهبت بلخ بالمذكورين المقدم ذكرهم أشنع نهب، و أبشع سلب، فسبحان مدبر بلاده و عباده، كما يشاء، إنه على كل شي‏ء قدير.

____________

(1) القرآن الكريم- هود: 102.

(2) في الأصل: «و أجناده كافة و لا لدفعه عنه» و قد أضيف ما بين الحاصرتين و قوم النص كيما يستقيم السياق.

(3) في الأصل: نيشاوور، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

502

و في الشهر المذكور حدث بمدينة دمشق ارتفاع السعر، لعدم الواصلين إليها بالغلات في بلاد الشمال، على جاري العادة، بتقدم نور الدين صاحب حلب، بالمنع من ذلك، و حظره، فأضر ذلك بأهلها من المستورين و الضعفاء و المساكين، و بلغ سعر الغرارة الحنطة خمسة و عشرين دينارا، و زاد على ذلك، و خلا من البلد الخلق الكثير، و لقوا من البؤس و الشدة و الضعف ما أوجب موت جماعة وافرة في الطرقات، و انقطعت الميرة من كل الجهات، و ذكر أن نور الدين عازم على قصد دمشق بمنازلتها، و الطمع لهذه الحال في مملكتها، و ذلك مستصعب عليه لقوة سلطانها، و كثرة أجنادها (176 ظ) و أعوانها، و الله تعالى المرجو لقرب الفرج، و حسن النظر بخلقه بالرأفة و الرحمة، كما جرت عوائد إحسانه و فضله فيما تقدم.

و في أواخر ذي القعدة استدعي الرئيس رضي الدين إلى القلعة المحروسة، و شرف بالخلع المكملة، و المركوب بالسخت و السيف المحلى، و الترس، و ركب معه الخواص و أصحاب الركاب إلى داره، و كتب له المنشور بالتقليد و الإقطاع، و لقب بالرئيس الأجل رضي الدين وجيه الدولة، سديد الملك، فخر الكفاة، عز المعالي شرف الرؤساء، و كان عطاء الخادم، المقدم ذكره، قد استبد بتدبير الأمور، و مد يده في الظلم، و أطلق لسانه بالهجر، و أفرط في الاحتجاب عن الشاكي و المشتكي، بالغلمان و الحجاب، و قصر في قضاء الحوائج تقصيرا منكرا، و اتفق للأقضية المقدرة و المكافأة المقررة، أن تقدم مجير الدين باعتقاله و تقييده، و الاستيلاء على ما في داره، و مطالبته بتسليم بعلبك، و ما فيها من مال، و غلال، و سرت بمصرعه النفوس، و نهب العوام و الغوغاء بيوت أصحابه و أسبابه، و أرسل اله تعالى الغيث المتدارك، بحيث افترت الأرض عن نضارتها، و أبانت عن اخضرارها و غضارتها.

و لما كان في يوم الاثنين الخامس و العشرين من ذي الحجة من السنة،

503

أمر مجير الدين بضرب عنق عطاء الخادم المذكور، لأسباب أوجبت ذاك و دعت إليه.

و في يوم الأربعاء السابع و عشرين من ذي الحجة، استدعى مجير الدين أبا الفضل، ولد نفيس الملك، المستوفي لجده تاج الملوك (رحمه الله)، ورد إليه استيفاء ديوانه على عادة أبيه، و لقبه لقب أبيه وجيه الدين نفيس الملك، و تقرر إشراف الديوان للعميد سعد الدولة أبي الحسن علي ابن طاهر الوزير المزدقاني.

504

و دخلت سنة تسع و أربعين و خمسمائة

أولها يوم الأربعاء، مستهل المحرم، و الطالع للعالم الجوزاء، و في العشر الثاني من المحرم منها وصل الأمير الأسفهلار أسد الدين شيركوه، رسولا من نور الدين صاحب حلب، إلى ظاهر دمشق، و خيم بناحية القصب من المرج، في عسكر يناهز الألف، فأنكر ذاك، و وقع الاستيحاش منه، و إهمال الخروج إليه، لتلقيه و الاختلاط به، و تكررت المراسلات فيما اقتضته الحال، و لم تسفر عن سداد و لا نيل مراد.

و غلا سعر الأقوات (177 و) لانقطاع الواصلين بالغلات، و وصل نور الدين في عسكره إلى شيركوه في يوم الأحد الثالث من صفر، و خيم بعيون الفاسريا عند دومة، و رحل في الغد، و نزل بأرض الضيعة المعروفة ببيت الآبار (1) من الغوطة، و زحف إلى البلد من شرقيه، و خرج إليه من عسكريته و أحداثه الخلق الكثير، و وقع الطراد بينهم، ثم عاد كل من الفريقين إلى مكانه، ثم زحف يوما بعد يوم، فلما كان يوم الأحد العاشر من صفر، للأمر المقدر المقضي، و الأمر الماضي، و سعادة نور الدين الملك، و أهل دمشق، و كافة الناس أجمعين، باكر الزحف، و قد احتشد، و تهيأ لصدق الحرب، و ظهر إليه العسكر الدمشقي على العادة، و وقع الطراد بينهم، و حملوا من الجهة الشرقية من عدة أماكن، فاندفعوا بين أيديهم حتى قربوا من سور باب كيسان و الدباغة من قبلي البلد، و ليس على السور نافخ ضرمة من العسكرية و البلدية، لسوء تدبير صاحب الأمر، و الأقدار المقدرة، غير نفر يسير من الأتراك المستحفظين، لا يؤبه لهم، و لا يعول عليهم في أحد الأبراج، و تسرع بعض الرجالة إلى السور، و عليه امرأة يهودية، فأرسلت إليه حبلا، فصعد فيه، و حصل على السور، و لم يشعر به أحد،

____________

(1) بليدة خربت، كان من عملها المنيحة و جرمانا و دير هند و بيت سابر، و الغالب أنها التل الكبير الماثل للعيان شرقي جرمانا، غوطة دمشق: 223.