تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
55

بعد ذلك مكرما مولى مشرفا، فلم يثق إلى ذلك، و لا سكنت نفسه إليه و امتنع من الإجابة إلى ما بعثه عليه.

و وافق أن المعز لدين الله اعتل العلة التي قضى فيها نحبه و صار إلى رحمة ربه في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة و كان مولده بالمهدية (1)، و عمره خمس و أربعون سنة، و مولده سنة تسع عشرة (12 ظ) و ثلاثمائة، و مدة أيامه في الخلافة ثلاث و عشرون سنة و ستة أشهر و أمه أم ولد، و نقش خاتمه «بنصر العزيز العليم ينتصر الإمام أبو تميم»، و كان عالما فاضلا شجاعا جاريا على منهاج أبيه في حسن السيرة و انصاف الرعية (2)، ثم عدل عن ذلك و تظاهر بعلم الباطن، ورد من كان باقيا من الدعاة في أيام أبيه و أذن لهم في الاعلان بمذهبهم، و لم يزل عن ذلك غير مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب‏ (3)، و قام في منصبه من بعده ولده نزار أبو منصور العزيز بالله، مولده بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة.

و لما عرف حال الحاجب ألفتكين جهز إليه عسكرا كثيرا مع القائد جوهر المعزي، و يجري الأمر بينهما على ما هو مشروح في موضعه، و اتفق خروج ابن الشمشقيق‏ (4) متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور،

____________

(1) معروفة بالجمهورية التونسية بناها المهدي سنة 300 ه/ 913 م على شاطى‏ء البحر الأبيض المتوسط، و أرضها بالأصل أشبه «بجزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصل بزند». انظر كتابي العصر العباسي منذ القرن الرابع حتى سقوط بغداد، ط. دمشق 1982، ص: 231: 231- 238.

(2) تردد بعض المصادر أن المنصور اسماعيل أوقف النشاط الدعوي و تظاهر بالتقرب إلى أهل السنة و ذلك أثناء تصديه لثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي.

(3) يريد بهذا قدوم المعز من تونس إلى مصر بعد ما تعرضت للخطر القرمطي.

(4) هو الامبراطورJohn Tzimisces و لفظه شمشقيق لفظة أرمنية معناها القصير (969- 976)، و كان ابن الزيات مقدم أهل طرسوس التي كانت أعظم مدن الثغور، و قد أفرد ابن العديم في المجلدة الأولى من كتابه بغية الطلب فصلا خاصا حول مدينة طرسوس، أهم ما فيه مواد نقلها عن أبي عثمان الطرسوسي (ت في مطلع القرن الخامس) صاحب كتاب سير الثغور، و طرسوس الآن قائمة داخل الحدود التركية و غالبية سكانها عرب يتقنون العربية، في محراب مسجدها دفن الخليفة المأمون العباسي.

56

فاستولى على أكثرها و دعت أبا بكر بن الزيات الضرورة إلى مصالحته و الدخول في طاعته و المسير في عدة وافرة من أهل طرسوس و الثغور في خدمته، و فعلت عدة من بطون العرب مثل ذلك، فلما نزل ابن الشمشقيق على حمص و افتتحها و انتقل عنها إلى بعلبك و ملكها، و أراد قصد دمشق، و كتب ابن الزيات إلى ألفتكين و أهل دمشق يعرفهم قوة متملك الروم، و أنهم لا يقدرون على مقاومته، و لا يتمكنون من محاربته، و يشير عليهم بالدخول في طاعته و النزول على حكم إشارته، و أصغى ألفتكين و أهل البلد إلى ذلك، و علموا أن فيه المصلحة، و قرروا ما يستكفون به ليصبحوا في كنف السلامة، و يأمنوا شر العساكر الواصلة إليهم، و كتب إليه بقبول الاشارة ورد الأمر إليه فيما يدبره، و العمل بما يراه و يستصوبه، فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم، و قال له: قد وردت كتب ألفتكين و أهل دمشق بالإنقياد للملك إلى ما يرومه منهم، و يرسم حمله إليه من الخراج عن بلدهم و سألوا أمانه، و حسن الرأفة و المحاماة عنهم، فقال له: قد قبلت طاعتهم، و أمرت بايمانهم على نفوسهم و أموالهم، و رضيت منهم بالخراج، و أنفذ إليهم صليبا بالأمان، و أنفذ (1) ابن الزيات إليهم مع المعروف بالدمشقي صاحبه، و كان من وجوه (13- و) الطرسوسين، فتلقوه بالمسرة و الاكرام و الشكر الزائد عن حسن السفارة و جميل الوساطة، و أشار ابن الزيات على ألفتكين بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي وعدة، و أفضل ترتيب و هيئة، و استصحب أشراف البلد و شيوخه، و لقيه فأقبل عليه و أكرمه و الدمشقيين فيما خاطبهم به من الجميل، و عاملهم به من وكيد العناية و مرضي الرعاية، و توسط ابن الزيات ما بينه و بينهم على تقرير مائة ألف درهم.

____________

(1) في الأصل: «فأنفذه» أي الصليب، و هذا يفيد تكرار العبارة، و لا يتفق سياق الخبر و بقيته، و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

57

و سار ابن الشمشقيق‏ (1) إلى دمشق لمشاهدتها فلما وصل إليها و نزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها، و تقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها، و ترك الإعتراض لشي‏ء من عملها، و دخل ألفتكين و الشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة و جمعها، و تحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها، و حملوا إليه ما جاز حمله، و حصل المال المقرر له في بدره، و خرج ألفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكبا و الطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه، فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه، و قد كانت الحال تأكدت بين ألفتكين و ابن الزيات فتلقاه و وصاه بالتذلل له و الزيادة في التعظيم له، و التقرب إليه و أعلمه أن ذلك ينفق عليه، ففعل ألفتكين ما أشار به، و ترجل له هو و أصحابه، و ابن الزيات، عند قربهم منه، و قبلوا الأرض مرارا، فسر الملك بذلك و أمرهم بالركوب، فركبوا و أسند إلى ألفتكين، و سأله عن حاله فأجابه جوابا استرجعه حجة فيه، و كان الملك فارسا يحب الفرسان، فلعب ألفتكين و ابن الزيات بين يديه لعبا استحسنه منه، و شاهد من فروسية ألفتكين ما أعجبه، فتقدم إليه بالزيادة في اللعب و التفرد به ففعل، و التفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى على ألفتكين، و قال: هذا غلام نجيب و قد أعجبني‏

____________

(1) قاد هذا الامبراطور أول جيش بيزنطي توغل في أعماق بلاد الشام منذ الفتح الاسلامي، و قد تحدث في رسالة بعث بها إلى أشوت الثالث ملك أرمينية عن أهداف حملته فبين أنها أهداف صليبية بحتة، ذلك أنه أراد احتلال القدس أو حسب تعبيره أراد تحريرها من المسلمين، لكن كما قال: «لولا وجود المسلمين المغاربة الذين يعيشون هناك و لولا اعتصامهم في القلاع الساحلية لدخلنا بيت المقدس و صلينا للرب في الأماكن المقدسة». هذا و تحدث يحيى بن سعيد الأنطاكي عن حملة الامبراطور البيزنطي و وصوله إلى دمشق فذكر أنه «قاطع أهلها على ستين ألف دينار يحملونها إليه في كل عام، و كتب عليهم بذلك كتابا و أخذ خطوط الأشراف، و أخذ جماعة منهم رهينة، و استدعى خروج ألفتكين إليه فخرج في أربعة غلمان فأكرمه الملك، و ضرب له مضربا مفردا و أفطر عنده في تلك الليلة فخلع عليه الملك و وهب له ما أخذ به خطوط أهل دمشق من المال و أطلق أيضا الرهائن، و حمله على فرس بسرج و لجام». انظر تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي ط. بيروت: 1909 ص: 145- 146.

تاريخ الامبراطورية البيزنطية (بالانكليزية) تأليف أ. أ. فازلييف- كندا 1952:

1/ 309- 310.

58

ما شاهدته منه في حسن أفعاله و جميع أحواله، فأعلم ابن الزيات ألفتكين، فترجل و قبل الأرض و شكره و دعا له، فأمره بالركوب و قال لابن الزيات: عرفه أن ملكي‏ (1) قد وهب له الخراج و ترك طلبه منه، فأعاد ألفتكين الترجل و الشكر (13 ظ) و الدعاء، و عاد الملك إلى بلاطه و ألفتكين معه أثناء مسيره يلعب و يرى بالزوبين‏ (2)، و الملك شديد التوفر عليه، حتى إذا نزل أحضره و خلع عليه، و حمله على شهري، و استهداه الملك الفرس الذي كان تحته، و السلاح الذي عليه الرمح، فعاد و أضاف إليه عشرين فرسا بتجافيفها و عدة رماح و شيئا كثيرا من أصناف الثياب و الطيب و التحف التي يتحف بها مثله، فشكره الملك على هذا الفعل، و قبل الفرس و آلته، ورد ما سوى ذلك و كافأه على الهدية بأثواب ديباج كثيرة، و صياغات و شهاريّ و بغلات.

و سار على طريق الساحل فنزل على صيدا، و خرج إليه أبو الفتح بن الشيخ، و كان رجلا جليل القدر، و معه شيوخ البلد، و لقوه و قرروا معه أمرهم على مال أعطوه إياه هدية حملوها إليه، و انصرف عنهم على سلم و موادعة، و انتقل إلى ثغر بيروت فامتنع أهله عليه، فقاتلهم و افتتح الثغر عنوة و نهبه و سبى السبي الكثير منه، و توجه إلى جبيل فاعتصم أهلها عليه، و جرى أمرها مجرى بيروت، و نزل على طرابلس فأقام تقدير أربعين يوما يقاتل أهلها و يقاتلونه، فبينما هو على ذلك إذ دس إليه خال بسيل و قسطنطين سما فاعتل منه، و رحل إلى أنطاكية فطالب أهلها بتسليمها فلم يجيبوا إلى ذلك، و قطع ما كان في بساتينها من شجر التين و هو يجري هناك مجرى النخل في البصرة، و حفزه‏

____________

(1) أي ملك ابن الزيات الامبراطور نفسه صاحب الخطاب حسب الطريقة البيزنطية في الرسوم، أو لعل الامبراطور لم يرد نفسه، ذلك أنه حكم باسم ولدي الامبراطور رومانوس الثالث و هما باسيل الثاني و قسطنطين الثامن، انظر كتاب أوربا في العصور الوسطى لسعيد عبد الفتاح عاشور. ط. القاهرة 1966 ج 2 ص: 422- 426.

(2) حربة ذات رأسين، باللغة الفارسية.

59

المرض الذي لحقه و استخلف البرجي‏ (1) البطريق على منازلتها و توجه إلى القسطنطينة، و توفي بعد أن افتتح البرجي أنطاكية في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة.

و ورد (2) الخبر بوفاة أبي تميم معد المعز لدين الله صاحب مصر في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان مولده بالمهدية على أربع ساعات و أربعة أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من شهر رمضان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة، و عمره خمس و أربعون سنة، و تقلد الأمر بعد أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و مدة أيامه بمصر ثلاث سنين، و انتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز بالله، و قد تقدم ذكر ذاك إلا أن هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية.

و قيل إن المعز كان (14 و) مغرى بعلم النجوم، و النظر فيما يقتضيه أحوال مولده و أحكام طالعه، فحكم له بقطع فيه و استشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت الأرض و يتوارى فيه إلى حين زوال الوقت و تقضيه، فعمل على ذلك، و أحضر قواده و كتابه، و قال لهم: إن بيني و بين الله تعالى عهدا في وعد وعدنيه، و قد قرب أوانه، و جعلت ولدي نزارا ولي العهد بعدي، و لقبته العزيز بالله، و استخلفته عليكم، و على تدبير أموركم مدة غيبتي، فالزموا الطاعة له و المناصحة و اسلكوا الطريق الواضحة، فقالوا له: الأمر أمرك و نحن عبيدك و خدمك، و وصى إلى العزيز بما أراد، و جعل جوهرا مدبره و المشار إليه في الأمر و تنفيذها بين يديه، و نزل إلى السرداب الذي اتخذه، و أقام فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأوا غماما سائرا ترجلوا إلى الأرض و أوموا إليه بالسلام بقدر ذاك، ثم خرج بعد ذلك و جلس للناس،

____________

(1) ميخائيل البرجي. انظر تاريخ يحيى بن سعيد: 147.

(2) في الأصل و لما، و لا وجه لها، و لعل ما أثبته هو الصواب.

60

فدخلوا إليه على طبقاتهم و خدموه بأدعيتهم و ما أقام على هذه الحال الا مديدة و اعتل علته التي قضى فيها نحبه‏ (1).

و قام العزيز بالله، و قد كان ألفتكين [بدمشق‏] (2) و القرامطة يكاتبونه بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا إلى دمشق في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان الذي وافى منهم اسحق و كسرى و جعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية، و وافى معهم كثير من العجم، و أكرمهم ألفتكين، و حمل إليهم الميرة، و خرج نحوهم، و أقاموا على دمشق أياما و رحلوا متوجهين إلى الرملة، و كان أبو محمود ابراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا، فلما نزلوا الرملة شرعوا في القتال، و لما أمن ألفتكين من ناحية مصر و الرملة عمل على أخذ ثغور الساحل، و سار فيمن اجتمع إليه، و نزل صيدا فكان بها ابن الشيخ واليا و معه رؤوس من المغاربة، و معهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم ذكره في دمشق، فقاتلوه و كانوا في كثرة و طمعوا في ألفتكين، و امتدوا خلفه و نزل على نهر و طفت الرعية من صيدا، و خرج منهم خلق كثير، و قال ألفتكين لساقة العسكر: اطلبوا طريق بانياس، و تبعوهم، فحملت عليهم الأتراك، و رمتهم المغاربة بالحرب فلقوهم بالصدور (14 ظ) و أقبلوا باللتوت‏ (3) عليهم و داسوهم بالخيل عليها التجافيف‏ (4)، فانهزموا

____________

(1) فكرة الغيبة في هذه الرواية مقبولة، بصرف النظر عما أحاط بها هنا من أخبار، و فكرة الغيبة موجودة لدى معظم فرق الشيعة، فالكيسانية اعتقدوا بغيبة محمد بن الحنفية، و بعدهم رأى الاثنا عشرية و ما زالوا يرون أن الامام الثاني عشر تغيب في غار في سامراء و أنه مهدي الزمان و سيظهر عند ما يحين الوقت، و كذلك اعتقد الدروز بغيبة الحاكم بأمر الله، و الجديد المختلف في غيبة المعز هنا ان غيبته كانت محدودة المدة محدودة الهدف، و هي هنا مرتبطة بمكانة الامام الدينية لدى الاسماعيلية و بما ورد في القرآن الكريم عن غيبة النبي موسى (عليه السلام)، هذا و مفيد أن نشير هنا أن يحيى بن سعيد الأنطاكي: 146، ذكر أن وفاة المعز كتمت مدة ثمانية أشهر.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق و يتضح المعنى، فالقرامطة كاتبوا ألفتكين «بأنهم قاصدون الشام»، و لم يقوموا لا هم و لا ألفتكين بالكتابة للعزيز الفاطمي.

(3) في الأصل «أقلبوا» و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه، و اللتوت جمع لت و هو العمود أو ما ناظره بالفارسية.

(4) هو شي‏ء من سلاح يترك على الفرس بغية دفع الأذى، و قد يلبسه الانسان أيضا. النهاية لابن الأثير.

61

و أخذهم السيف، و كان ظالم بن موهوب معهم، فانهزم إلى صور و أحصي القتلى فكانوا أربعة آلاف، و طمع في أخذ عكا و توجه نحوها.

و قد كان العزيز بالله كاتب ألفتكين بمثل ما كاتبه به المعز لدين الله من الاستمالة، و وعده بالاصطناع إذا (1) أخذت عليه البيعة، و ظهرت منه الطاعة، فأجابه فيه جوابا فيه بعض الغلظة، و قال: هذا بلد أخذته بالسيف و ما أدين فيه لأحد بطاعة و لا أقبل منه أمرا، و غاظ العزيز هذا الجواب منه، و أحفظه و استشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس‏ (2) وزيره فيما يدبر أمر ألفتكين به، فأشار باخراج القائد جوهر إليه مع العساكر، فأمر بالشروع في ذلك و ترتيب الأمر فيه.

و عرف ألفتكين ذلك و ما وقع العزم عليه، فجمع وجوه أهل دمشق و أشرافها و شيوخها، و قال لهم: قد علمتم أنني لم أتوسطكم و أتولى تدبيركم إلا عن رأيكم و مرادكم، و قد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به، و أنا منصرف عنكم و داخل إلى بلاد الروم، و عامل على طلب موضع أكون فيه، و أستمد ما أحتاج إليه منه، لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم، و تصل به المضرة إليكم، و كان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في الاعتقاد، و لأنهم أمويون، و لقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم، فقالوا: إنّا اخترناك لرئاستنا،

____________

(1) في الأصل «و أخذت» و هو غير مستقيم المعنى و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

(2) عراقي الأصل من يهودها، قدم الرملة و عمل بها ثم توجه إلى مصر حيث التحق بكافور الاخشيدي، فنفق عليه و أعلن اسلامه فاستوزره، توجه بعد وفاة كافور إلى إفريقية فالتحق بالفاطميين و رافق جيوشهم التي استولت عليهم مصر، و في مصر وضع أسس نظام الادارة الفاطمي بشكل يكاد يكون علميا، كما كتب في الدعوة الاسماعيلية و أسهم في إعادة تنظيمها، تسلم الوزارة الفاطمية أكثر من مرة، و توفي في أيام العزيز، و المثير في أمره أن وثائق الجنيزا اليهودية المصرية المعاصرة له تشير إليه باسم الأخ يعقوب مما يدفع إلى القول بأنه تمسك باليهودية و تظاهر بالاسلام. انظر كتاب «يهود في الحياة الاقتصادية و السياسية للاسلام الوسيط» تأليف والتر فيشل (بالانكليزية) ط. لندن 1968 ص: 45- 68. مجتمع البحر الأبيض المتوسط، تأليف س. د. جويتين (بالانكليزية) ط. كاليفورنيا 1967 ص: 33- 34. الاشارة إلى من نال من الوزارة لعلي بن منجب الصيرفي ط. القاهرة 1924 ص: 19- 23.

62

و سياستنا على أن [لا] نمكنك من تركنا و مفارقتنا أو نألوك جهدا من نفوسنا و مساعدتنا و نفوسنا دونك، و بين يديك في المدافعة عنك، و جددوا له التوثقة على الطاعة و المناصحة.

و فصل جوهر في العسكر الكثيف‏ (1) من مصر بعد أن استصحب أمانا من العزيز بالله لألفتكين، و خاتما و دستا من ثيابه و كتابا إليه بالعفو عنه، و عما فرط منه، فلما حصل بالرملة كاتب ألفتكين بالرفق و الملاطفة، و أن يبلغ له ما يريد و أعلمه ما قرره له مع العزيز بالله، و أخذه أمانه المؤكد و التشريف الفاخر، و أشار عليه في أثناء ذلك بترك إثارة الفتنة و أن يطلب صلاح الحال من جهته و أقرب طرقه، فلما وصل الكتاب إليه و وقف عليه، أجابه عنه بالجميل من (15 و) الجواب، و المرضي من الخطاب، و الشكر على ما بذله له من نفسه، و غالطه في المقال و احتج عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه و تدبيره عليه، و كان كاتب ألفتكين المعروف بابن الخمار، و هو يرى غير رأي المغاربة، و يزري عنده على اعتقادهم، و يقرر في نفسه وجوب قتالهم، و وقف جوهر على كتابه فعلم أنه مصرّ على الحرب، فسار إليه حتى إذا قرب منه، و وصل إلى دمشق نزل في العسكر بالشماسية، و برز إليه ألفتكين في أصحابه و من حشده من العرب و غيرهم، و نشبت الحرب بين الفريقين، و اتصلت مدة شهرين، و قتل فيها عدد كثير من الطائفتين، و ظهر من شجاعة ألفتكين و الغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس، و تحصلت لهم الهيبة القوية في القلوب، و أشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن أحمد القرمطي‏ (2)، و استدعائه للاجتماع به على دفع المغاربة، ففعل و سار

____________

(1) ذكر المقريزي في كتابه المقفي في ترجمة جوهر الصقلبي: «و سار من القاهرة في عسكر لم يخرج إلى الشام قبله مثله، بلغت عدتهم عشرين ألفا». انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص: 242.

(2) الحسن الأعصم زعيم قرامطة الأحساء انظره في كتابي أخبار القرامطة: 68، 73، 363- 383، 393، 402- 405.

63

الحسن متوجها إليه في عسكره، و عرف جوهر خبره، فعلم أنه متى حصل بين عدوين ربما تم عليه مكروه منهما، فرجع إلى طبرية، و وصل الحسن بن أحمد إلى ألفتكين، و اجتمعا و تحالفا، و تعاقدا و سار في إثر جوهر، فاندفع منهما إلى الرملة، و أقام بها، و أنفذ رحلة و أثقاله إلى عسقلان، و كتب إلى العزيز يعرفه بصورة الحال و يستأذنه في قصد عسقلان إن دعته إلى ذلك الضرورة، و وافى ألفتكين و الحسن بن أحمد القرمطي و نزلا على الرملة، و نازلا جوهرا و قاتلاه، و اجتمع إليهما من رجال الشام و عربهما تقدير خمسين ألف فارس و راجل، و نزلوا بنهر الطواحين‏ (1) على ثلاثة فراسخ من البلد و لا ماء لأهله إلا منه، فقطعاه عنهم، و احتاج جوهر و عسكره إلى الماء المجتمع من المطر في الصهاريج و غناء له قليل، و مادته إلى نفاد، و رأى جوهر أنه لا قدرة له على المقام و مقاومة القوم، فرحل إلى عسقلان في أول الليل، و وصل إليها في آخره، و تبعه ألفتكين و القرمطي إليها، و نزلا عليها و حاصراه فيها، و ضاقت الميرة به، و غلت الأسعار عنده، و كان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات إليه في البحر، و اشتدت الحال حتى أكلت المغاربة و أهل البلد الدواب الميتة، و ابتاعوا الخبز إذا و جدوه (15 ظ) حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزي، و كان جوهر شجاعا مبارزا، و ربما خرج و تقدم و إذا وجد فرصة من ألفتكين دعاه إلى الطاعة و بذل له البذول المرغبة فيسترجعه ألفتكين و يسترجله و يهم أن يقبل منه و يجيبه، ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد و ابن الخمار الكاتب، و يمنعناه و يخوفانه و يحذرانه، و زاد الضيق و الشدة على المغاربة، و تصور جوهر العطب إن لم يعمل الحيلة في الخلاص، فراسل ألفتكين سرا و سأله القرب منه و الاجتماع معه، ففعل ذلك ألفتكين و وقفا على فرسيهما فقال له جوهر:

قد علمت ما يجمعني و إياك من حرمة الاسلام و حرمة الدين، و هذه فتنة قد طالت و أريقت فيها الدماء، و نحن المأخوذون بها عند الله تعالى،

____________

(1) نهر الرملة كانت عنده طواحين كثيرة- معجم البلدان.

64

و قد دعوتك إلى الصلح و الموادعة و الدخول في السلم و الطاعة، و بذلت لك كل اقتراح، و إرادة و احسان و ولاية فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة و ستر عنك وجه النصيحة، فراقب الله تعالى، و راجع نفسك و غلب رأيك على هوى غيرك، فقال له ألفتكين: أنا و الله واثق بك و بصحة الرأي و المشورة منك، لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه و لا يرضى القرمطي بدخوله فيه معي، فقال له: إذا كان الرأي و الأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلا على الأمانة و ما أجده من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر و امتنع الصبر و أريد أن تمن عليّ بنفسي و بهؤلاء المسلمين الذين معي و عندي، و تذم لي لأمضي و أعود إلى صاحبي شاكرا، و تكون قد جمعت بين حقن الدماء، و اصطناع المعروف، و عقدت عليّ و على صاحبي منّة تحسن الأحدوثة عنك فيها، و ربما أملت المقابلة لك عنها، فقال له ألفتكين: أفعل و أمن على أن أعلق سيفي و رمح الحسن بن أحمد على باب عسقلان و تخرج أنت و أصحابك من تحتهما، فرضي جوهر بذلك و تعاهدا و تصافحا عليه، و أخذ ختم ألفتكين رهنا على الوفاء به و افترقا، و عاد ألفتكين إلى عسكره و جوهر إلى البلد، و أنفذ جوهر إلى ألفتكين ألطافا كثيرة و مالا فقبل ذلك منه و كافأه عليه، و أنفذ ألفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه و بين جوهر، (16 و) فركب الحسن إليه و قال له: لقد أخطأت فيما فعلته و بذلته، و جوهر هذا ذو رأي و حزم و دعاء و مكر و قد استقلك بما عقده معك، و سيرجع إلى صاحبه و يحمله على قصدنا، ثم لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا، و من الصواب أن ترجع عن ذلك حتى يهلك هو و أصحابه جوعا و تأخذهم بالسيف، فقال له ألفتكين: قد عاهدته و حلفت له و ما استجيز الغدر به، و علقا السيف و الرمح و خرج جوهر و أصحابه تحتهما، و وصل إلى مصر و دخل على العزيز بالله و شرح له الحال و استفحال أمره و من معه، فقال له: ما الرأي؟ قال: إن كنت تريدهم فاخرج بنفسك إليهم و إلا فإنهم و اردون على أثري.

65

فأمر العزيز بإخراج الأموال و وضع العطاء في الرجال، و برز بروزا كليا و استصحب الخزائن و الذخائر و توابيت آبائه على عادة القوم في ذلك، و سار جوهر على مقدمته، و وردت الأخبار على ألفتكين و الحسن القرمطي بما جرى، فعادا إلى الرملة، و جمعا العرب و أنفقا و احتشدا و تأهبا و استعدا، و ورد العزيز في العساكر، و نزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة و ألفتكين و القرمطي على قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران، و بات العسكران على إعداد للحرب، و باكراها و قد اصطف كل منهما ميمنة و قلبا و ميسرة، و جال ألفتكين بين الصفين يكر و يحمل و يطعن و يضرب، فقال العزيز لجوهر: أرني ألفتكين: فأشار إليه و قيل أنه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من مرايا، و عليه كذاغند أصفر، و هو يطعن تارة بالرمح و يضرب أخرى بالسيف و الناس يتحامون و يتقونه، فأعجب العزيز ما رأى منه و من هيئته، و على رأسه المظلة و وقف و أنفذ إليه ركابيا يختص بخدمته يقال له نميرة و قال له: قل: يا ألفتكين أنا العزيز و قد أزعجتني عن سرير ملكي، و أخرجتني لمباشرة الحرب بنفسي و أنا مسامحك بجميع ذلك، و صافح لك عنه، فاترك ما أنت عليه و لذ بالعفو (16 ظ) مني فلك عهد الله و ميثاقه أني أومنك و أصطفيك و أنوه باسمك، و أجعلك إسفهسلار (1) عسكري، و أهب لك الشام بأسره و أتركه في يدك، فمضى نميرة الركابي إليه و أعاد الرسالة عليه، فخرج بحيث يراه الناس، و ترجل و قبل الأرض مرارا، و مرغ خديه عليها معفرا، و قال له:

قل لأمير المؤمنين لو تقدم هذا القول منك لسارعت إليه و أطعت أمرك، فأما الآن فليس إلا ما ترى، و عاد نميرة و قال ذلك للعزيز، فقال له:

ارجع إليه و قل له يقرب مني، و يكون بحيث أراه و يراني، فإن استحققت أن يضرب السيف في وجهي فليفعل، فمضى نميرة و قال له ذلك، فقال: ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين و أنابذه بالحرب،

____________

(1) فارسية تعني القائد العام.

66

و قد خرج الأمر عن يدي، ثم حمل على الميسرة فكسرها و قتل كثيرا ممن كان فيها، و شاهد العزيز ما جرى، و كان في القلب فراسل الميمنة بالحملة و حمل هو و المظلة على رأسه، فانهزم ألفتكين و القرمطي و وضع السيف في عسكريهما، فقتل منه نحو عشرين ألف رجل و مضى الحسن القرمطي هاربا على وجهه، و عاد العزيز إلى معسكره، و نزل في مضاربه، و جلس الأسرى بحضرته، و العرب تجيئه بمن يقع في أيديها من أصحاب ألفتكين، و الخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك، و قد بذل لمن يجيئه بألفتكين مائة ألف دينار، و كان ألفتكين يميل إلى المفرج بن غفل ابن الجراح و يتمرده لأنه كان وضي‏ء الوجه صبيحه، و شاع ذلك عنه فيه و اتفق أن انهزم، فطلب ساحل البحر و معه ثلاثة من غلمانه رفقائه و به جراح، و قد كده العطش فلقيته سرية من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه و قال له: احملني إلى أهلك، ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنى‏ (1) أنزله فيها و أحضره ماء و فاكهة، و وكل به جماعة من أصحابه، و بادر إلى العزيز فتوثق منه في المال الذي بذله في ألفتكين، ثم عرفه حصوله في يده، و أخذ جوهرا و مضى فسلمه إليه، و ورد المبشرون إلى العزيز بحصوله، فتقدم بضرب نوبة من مضاربه و فرشها، و إعداد ما يحتاج إلى إعداده من الآلات (17 و) للاستعمال فيها، و إحضار كل من حصل في الأسر منسوبا إليه فأحضر، و أومنوا و كسوا، و رتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في خدمته، و وصل ألفتكين و قد خرج العسكر لاستقباله، و هو غير شاك في أنه مقتول، فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة، و كانت قريبا من مضاربه و بين يديه مختار الصقلبي صاحب الصقر في جماعة من الخدم و الصقالبة يمنعون الناس منه، و يحولون بينه و بينهم، فلما رأى القواد و الصقالبة و المغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم و قبلوا الأرض، ففعل ألفتكين‏

____________

(1) ذكرها ياقوت في معجمه فقال: قرية بفلسطين فيها قبض على ألفتكين المعزي و حمل إلى العزيز.

67

مثل ذلك، و دخل المضارب المعدة له فشاهد أصحابه و حاشيته على ما كانوا عليه من الحال، و العمل في خدمته، و حمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه، فرمى نفسه إلى الأرض و رمى ما على رأسه و عفر خديه على التراب، و بكى بكاء شديدا (1) سمع منه نشيجه، و قال: ما استحققت الإبقاء عليّ فضلا عن العفو الكريم و الاحسان الجسيم، و لكن مولانا أبى إلا ما تقتضيه أعراقه الشريفة و أخلاقه المنيفة، و امتنع عن الجلوس في الدست و قعد بين يديه، و أتاه بعد ساعة أمين الدولة الحسن بن عمار، و هو أجل كتابه و جوهر و معهما من الخدم على أيديهم الثياب، فسلما عليه و أعلماه رضى العزيز عنه و تجاوزه عن الهفوة الواقعة منه، و ألبسه جوهر دستا من ملابس العزيز كان في جملة الثياب، و قال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سوء الاستشعار، و عدت إلى حال السكون و الانبساط، فجدد الدعاء و تقبيل الأرض، و شكر جوهرا على ما ظهر منه في أمره، و عاد الحسن و جوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه، و واصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة و الملاطفة في الفواكه و المطاعم، و تقدم من غد إلى البازيارية و أصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه، و راسله بالركوب إلى الصيد تأنيسا له، و قاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب و هو يشاهد القتلى من أصحابه، و عاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع، و النفاطون بالمشاعل، و نزل في (17 ط) مضاربه، فلما كان الليل ركب العزيز إليه و دخل عليه، فبادر إلى استقباله و تقبيل الأرض و تعفير خديه بالتراب، فأخذ العزيز بيده و أمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات، ثم جلس فسأله عن خبره و خاطبه بما سكن نفسه، و قال له: ما نقمت عليك إلا أنني‏

____________

(1) أورد يحيى بن سعيد الأنطاكي في تاريخه ص: 154- 155، و المقريزي في ترجمته لجوهر، معلومات تتوافق مع معلومات ابن القلانسي و تختلف و هي جميعا متكاملة مفيد العودة إليها.

انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص: 342- 343. اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي. ط القاهرة 1967: 1/ 236- 246.

68

دعوتك إلى مشاهدتي تقديرا أن تستحي مني فأبيت، و قد عفوت الآن عن ذلك، و عدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به، و ساصطنع لك اصطناعا يسير ذكره، و أفعل معك فعلا أزيد على أملك و أمنيتك فيه، فبكى ألفتكين بين يديه، و قال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين عليّ تفضلا ما استحققته و لا قدرته، و أرجو أن يوفقني الله بخدمتك و مقابلة نعمتك، و أنس ألفتكين بعد ذلك و خاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة و التقريرات المتتابعة، و نزلوا على مقاديرهم، و رتبهم في مواضعه، و استحجبه العزيز، و جعله من أخص خاصته و أقرب صاحب من خدمة حضرته.

و كان العزيز قد أنفذ النجب بالرسل و الكتب تابعة للحسن بن أحمد القرمطي، فلحقوه بطبرية، و أعادوا عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه و الدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه، و التماس ما يريده ليبلغه له، و يرجع إلى بلاده فأقام على أمره، و ترددت المراسلات إليه و منه، و الوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له و لأصحابه، تحمل إليه في كل سنة، و يكونوا على الطاعة و الموادعة، و حمل إليه مال سنة و أضيف إليه ثياب كثيرة و خيل بمراكب، و توجه إليه جوهر و قاضي الرملة، فاستحلفاه للعزيز على الوفاء و المصالحة، و أخذا له المواثيق المشدودة المؤكدة، و أعطياه المال و الخلع و الحملان و انصرف إلى الاحساء (1)، و عاد العزيز إلى مصر و ألفتكين حاجبه، و لم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات.

و وصل العزيز إلى مصر و القاهرة، فدخلها و نزل في قصره و أنزل ألفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير، و ركب وجوه‏

____________

(1) ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا 1/ 249 «أن العزيز لما سار من الرملة بألبتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح» أمير قبائل طي‏ء، و لا شك أنه استهدف من وراء ذلك أن تقوم طي‏ء حليفة القرامطة فيما مضى بالدفاع عن فلسطين و بالتالي حماية حدود مصر من القرامطة، لكن هذه القبائل نشطت ضد الفاطميين لتحقيق مطامح خاصة بها.

69

سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه، و وافاه فيمن وافاه أبو الفرج (18 و) يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير، بعد أن لاطفه و هاداه، و زاد أمر ألفتكين بين يدي العزيز، و تكبر على ابن كلس الوزير، و امتنع من قصده، و الركوب إليه و أمره العزيز فلم يفعل، و تدرجت الوحشة بينهما حتى قويت و استحكمت و أعمل الحيلة الوزير في الراحة منه، و دس إليه سما فقتله به، و لما مضى لسبيله حزن العزيز حزنا شديدا عليه، و اتهم ابن كلس و اعتقله نيفا و أربعين يوما صح له خمسمائة ألف دينار، و وقفت الأمور باعتزاله النظر فيها، فأعاده العزيز و جدد اصطناعه و استخدامه.

ولاية قسام التراب لدمشق بعد الحاجب ألفتكين المقدم ذكره و السبب في غلبته على الأمر في سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة و ما آل أمره إليه:

السبب في غلبة قسام على ولاية دمشق أن ألفتكين المعزي المذكور كان قد استخدمه و قدمه و اعتمد عليه و سكن في كثير من أمره إليه، فصار له بذلك صيت يخشى به و يرجى له، و اتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد ألفتكين و فراغه من شجعان الرجال، و كان فيه المعروف بحميدان قد وليه‏ (1)، و أمر فيه و نهى و أخذ أعطى، ففسد الأمر بين قسام و بين حميدان، فصار حميدان من تحت حكم قسام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث و استيلائه على البلد، فطرده قسام عن الولاية و نهب أصحابه ما كان في داره، و خرج هاربا، فتمكن قسام من البلد، و استقامت حاله فيه و اجتمعت إليه الرجال، و كثر ما في يده، و قويت شوكته و تضاعفت عدته و عدته، و ولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير و هو ضميمة لقسام و اتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين‏

____________

(1) ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا: 1/ 249 أن العزيز الفاطمي أنفذ قبل عودته من الرملة إلى مصر «واليا من العرب يقال له حميدان بن جواس العقيلي في نحو مائتي رجل».

70

الديلم و العرب من بني حمدان، و هروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية و الجبال إلى أن خرج إلى حوران، فقصد دمشق و نزل عليها فمنع قسام من دخول أحد من رجاله إليها، و وصل كتاب العزيز بالمنع له من البلد، فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق، فكلم العامل قساما في ذلك فأذن له فيه، و دخل أصحابه (18 ظ) البلد و قد كان طمع أن يوليه العزيز، و كان قسام قد خاف من ذلك و سعى قوم بينهما، و كان أبو تغلب نازلا بالمزة (1)، فأقام بها شهورا فشق على قسام مقامه و ظن أنه يلي البلد، فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب أبي تغلب في باب الجابية، و كان نشوانا، فجرد سيفه و قال: إلى كم يكون هذا العيار، فعظم ذلك على قسام و تخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة فيملكه و من معه، ففسد الأمر بينهما بهذا السبب، و تقدم قسام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب، فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين رجلا و قتلوا منهم جماعة، و عاد من أفلت منهم إلى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم و دوابهم، فلم يتمكن أبو تغلب من شي‏ء يفعله، و كتب إلى مصر بذلك، فلما وقف ابن كلس الوزير على الكتاب أنهاه إلى العزيز، فعلم العزيز أن هذا من تدبير الوزير و حيله، و كتب قسام إلى مصر يذكر أن أبا تغلب قد حصر دمشق و مد يده في الغوطة، و خرج من مصر غلام لابن كلس يقال له الفضل ابن أبي الفضل في عسكر كثيف للحيلة على أبي تغلب و إهلاكه، و نزل الرملة و أوصل إلى ابن جراح سجلا بولاية الرملة و قال: إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير إليها ليأخذها بسيفه، و أنا معين لك عليه، و كان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوار (2) و نزل عليه، و سار الفضل،

____________

(1) أنظر تجارب الأمم لمسكويه: 2/ 383- 392.

(2) نبع قائم على طريق دمشق خان أرنبة، يبعد عن خان أرنبة/ 15/ كم و/ 4/ كم عن معسكر الطلائع.

71

و نزل طبرية و راسل أبا تغلب في الاجتماع معه، و كان الفضل يهوديا أولا، و كان أبوه طبيبا، فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة اليهودية فأعلم ذلك، فقال: كل منا على سرير، فاجتمعا في طبرية و جلس كل منهما على سرير، و جرت بينهما محاورات على أن الرملة ولاية لأبي تغلب و يقلع ابن الجراح منها «و أنا معين لك عليه» و قرر ذلك في نفسه، و سار الفضل إلى دمشق يجبي الخراج و يفضه في الجند، و زاد في العطاء، و زاد في جنده و عسكره، و سار عن دمشق و أخذ طريق الساحل، و شرع أبو تغلب في أمره، و توجه نحو الرملة و قد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن معروف العقيلي، فهرب ابن جراح (19 و) منها، و جعل يحشد العرب و يحشد ثقة بمعونة الفضل له، و كذلك أبو تغلب مثله أيضا، فلما توجه الفضل على الساحل و نزل على عسقلان، و قصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره، و سارت بنو عقيل و شبل بن معروف و اصطفوا لقتال الطائيين‏ (1) و أبو تغلب واقف في مصافه، و عاد الفضل و اجتمع مع ابن الجراح بعسكره، و كان معه مغاربة كثيرة، فقالوا لأبي تغلب: قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن جراح؟ فقال: على هذا جرت الموافقة بيني و بينه، فلما نظر المغاربة الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جراح حملوا يريدون الدخول معهم، فقالوا لأبي تغلب: إحمل في إثر هؤلاء من قبل أن يدهمك الأمر، فبقي متحيرا و علم أن الحيلة قد تمت عليه، فلما حمل المغاربة الذين كانوا معه ساروا مع أصحابهم، و أقبل العسكران على عسكر أبي تغلب فانهزم جميع من كان معه، ثم انهزم هو، فلم يدر في أي طريق يأخذ، و كانت عدته في الغابة جميعها، و ذكر أنه لم يتقدم إليه رجل إلا ضربه، و لم يزل على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جراح يقال له منيع فصاح إليه: يا انسان اسمع مني أنا

____________

(1) في الأصل و اصطلوا القتال للطائيين، و هي عبارة فيها تصحيف و غموض دفع ناشر الكتاب إلى قراءة عبارة الطائيين «للطاس» و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

72

أنجو بك، و ظن أن كلامه حق، فقال له: هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت عليّ لنجوت بك، و كان يتكلم معه و هو يقرب منه و بيده رمح، فطول الرمح و هو يكلمه و هو يظن ألا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شي‏ء، فطعن عرقوب فرسه، فوقف به الفرس فأخذه و سار به إلى ابن جراح، فأركب جملا و أشهر بالرملة و قتله و أحرقه، و ذلك في صفر سنة تسع و ستين و ثلاثمائة و خلت الديار لابن جراح، و أتت بنو طي‏ء على الناس‏ (1)، و شملهم البلاء منهم.

و كان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفا شديدا لأنه كان عازما على انفاذ العساكر إلى مصر، فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه و بين أخيه و اشتغاله به سنة تسع و ستين و ثلاثمائة (2).

سنة تسع و ستين و ثلاثمائة

فيها خرج العسكر المصري مع القائد سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف من المغاربة، و وصل إلى دمشق فصادف قساما قد غلب عليها فنزل في بستان الوزير (19 ظ) بزقاق الرمان‏ (3)، و عسكر حوله في دور هناك، فثقل أمره على قسام، و طال مقامه في غير شي‏ء، و قلت نفقته و رام أن يظهر صرامة فيتمكن من البلد، فقال لقسام: لا يحملن أحد سلاحا، فأبوا ذلك فبعث إلى الغوطة من يتولاها و يمنع من خفارة تؤخذ منها و حمل السلاح فيها، فأعلم قسام ذلك، فقال: لا يحفل بهذا الأمر بل كونوا على ما كنتم عليه، و ثار قسام و من معه إلى الجامع، و صاروا إلى البستان الذي فيه سلمان فأخرجوهم، و خرج سلمان و أصحابه إلى الدكة، و نزل على نهر يزيد، و قسام جالس في الجامع و لم‏

____________

(1) عند يحيى بن سعيد الأنطاكي المزيد من المعلومات ص: 159- 160. أنظر أيضا تجارب الأمم: 2/ 401- 404.

(2) أنظر ذيل أبي شجاع على تجارب الأمم: 1/ 9.

(3) قرب العقيبة. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 141.

73

يشهد الحرب مع أصحابه، و قد أحضر المشايخ، و كتب بما جرى إلى مصر، و عمل محضرا على نفسه أنه «متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب و قاتله ليكون لك معونة على ما يريده»، فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه، و أنفذ رسله و كتابه إلى سلمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق، فرحل عنها و كان مقامه بها شهورا من سنة تسع و ستين و ثلاثمائة و رجع القائد أبو محمود إلى دمشق، و لما تم للفضل ما دبره على أبي تغلب و وافق الاغراض عزموا على إعمال الحيلة على ابن جراح لأن أمره كبر و شره ظهر (1)، و توجه إلى قسام ليعمل أيضا عليه، و أظهر أنه يريد المسير إلى حمص و حلب ليأخذهما، و جمع بني عقيل و نزل بظاهر دمشق، و علم ابن الجراح بمكاتبته لبني عقيل فأخذ حذره و أمر أصحابه بالرحيل، و ركب أصحاب الفضل و أخذوا من العرب تقدير خمسمائة فارس، و سار ابن جراح عن دمشق، و انضمت بنو عقيل إلى الفضل مع شبل و ظالم في صفر سنة سبعين و ثلاثمائة و بطل كل ما أراد الفضل عمله من الحيلة على ابن جراح و قسام، و رحل عن دمشق في طلب ابن جراح، وجد في طلبه فبعد عنه، و كتب ابن جراح إلى مصر يتلطف أمره فورد الأمر على الفضل بالكف عنه، و عاد الفضل إلى مصر و عاد ابن جراح إلى فلسطين فأخربها و أهلك من فيها، و كان الرجل يدخل إلى الرملة يطلب فيها شيئا يأكله فلا يجده، و مات الناس بالجوع، و خربت الأعمال.

و أما دمشق فكان قد اشتد بها غلاء السعر، و كان بكجور قد ولي حمص من قبل سعد (20 و) الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان فواصل إليها الغلة مع العرب بحيث اتصلت مع الأيام، و عمرت‏

____________

(1) شكل نشاط أمراء طي‏ء من آل الجراح في فلسطين خطرا كبيرا على الخلافة الفاطمية، و قد نلحظ مشاعر الادارة الفاطمية تجاه هذا الخطر في وصية يعقوب بن كلس للخليفة العزيز عند ما زاره و هو على فراش الموت حيث قال له فيما قال: «سالم الروم ما سالموك، و اقنع من الحمدانية بالدعوة و السكة، و لا تبقى على مفرج بن دغفل متى اعترضت لك فيه فرصة» انظر الاشارة إلى من نال الوزارة: 23.

74

الطرقات، و جعل فيها من يخفر سالكيها، و كانت العرب قد طمعت في عمل دمشق و أفسدت الغوطة، و كان بها القائد أبو محمود واليها في ضعف، و هو ضميمة لقسام فهلك في دمشق في سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة: قارا، و يبرود و، معلولا، و التينة، و صيدنايا، و المعرة و تلفيتا (1) و غيرها من ضياع جبل سنير (2) فحماها من العرب و الحرامية، و حسنت حال دمشق بذلك، و كاتب بكجور العزيز في ترغيبه في الأجناد حملة السلاح، فاجتمع إليه حين فعل ذاك الخلق الكثير من سائر البلاد، و كانوا حوله إذا ركب من داره، فقهر بهم المغاربة، و استظهر عليهم في سنة سبعين و ثلاثمائة (3).

و فيها وردت الأخبار بوفاة الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه في يوم الاثنين ثامن شوال، و كتم أمره، و كانت مدته بالعراق خمس سنين و نصفا، و انتهى ذلك إلى الوزير ابن كلس، فدخل على العزيز فأعلمه فسر بذلك. و خلع عليه، و أمنوا بعد وفاته و عملوا على الخروج إلى الشام‏ (4).

____________

(1) ما تزال جميعا معروفة بهذه الأسماء في محافظة ريف دمشق في سورية.

(2) هو جبل القلمون الحالي. غوطة دمشق 14.

(3) قامت دولة الفاطميين على عواتق قبيلة كتامة البربرية، ولدى سيطرة الخلافة الفاطمية على الشمال الافريقي ازداد حجم جيشها بدخول بربر من غير كتامة فيه، كما اشترى الخلفاء [أو ورثوا عن الأغالبة] عددا صغيرا من الأرقاء الصقالبة و استخدموهم في الجيش و وصل بعض هؤلاء إلى مراتب قيادية مثل جوهر، و عند ما تم الاستيلاء على مصر و بعد انتقال الخليفة المعز إليها ظل عماد الجيش الفاطمي البربر، و برهن هذا الجيش عن عجزه في حروب الشام و الصراع مع القرامطة، مما دفع الخليفة العزيز إلى التفكير بتجنيد بعض الأتراك و سواهم، و لهذا رأينا مدى حرصه على ألفتكين، و من هنا نفهم كيف حدث اغتيال ألفتكين بسرعة مدهشة، و يلاحظ نجاح العزيز في تأسيس كتائب من الترك و الديلم، و قيامه بتجنيد اعداد كبيرة من زنوج أفريقية، و منح هذا التنويع بعض الفوائد للخلافة الفاطمية إنما سبب لها العديد من الأزمات الخطيرة أيضا.

(4) كان عضد الدولة أعظم رجالات الدولة البويهية، و لقد أخذ ملك بني بويه بعد وفاته في الانحدار وقوتهم بالضعف، و المفيد الاشارة إليه هنا أن وفاة عضد الدولة كانت سنة 372 ه/ 983 م و ليس سنة 370 كما ورد هنا. انظر مسكويه: 2/ 417. ذيل تجارب الأمم: 3/ 53- 75. المنتظم لابن الجوزي: 7/ 38- 118. تاريخ ابن خلدون. ط بيروت: 4/ 947- 975.

75

سنة احدى و سبعين و ثلاثمائة

فيها وقع الاهتمام بتجهيز العساكر المصرية إلى ابن جراح، و قد اشتهر أمره بارتكاب العيث و الفساد و إخراب البلاد، فلما سارت العساكر من مصر مع القائد بلتكين التركي‏ (1) و كان فيها أعجام و مغاربة و من كل الطوائف، فنزل الرملة، و أجفل ابن جراح، و كان قد قوي أمره و صار معه جند يرمون بالنشاب، و خلق عظيم، و سار معه بشارة (2) والي طبرية و اجتمع إليه من العرب من قيس و غيرها جمع كثير و نشبت الحرب بين الفريقين، و كان بلتكين المقدم قد خرج على ابن جراح من ورائه بعد اشتداد الحرب، فانهزموا و أخذهم بالسيف و أسر ابن جراح و أفلت و نهب عسكره، و قصد أرض حمص في البرية، و قصد أنطاكية و استجار بصاحبها فأجاره و أمنه، و صادف خروج بارديس من قسطنطينة في عسكر عظيم يريد أرض الإسلام فخاف ابن جراح، و كاتب بكجور خوفا على نفسه‏ (3)، و كان القائد بلتكين (20 ظ) المقدم قد نزل على دمشق في ذي الحجة سنة [اثنتين‏] (4) و سبعين و ثلاثمائة، و كان على العسكر منشا بن الغرار اليهودي، فتلطف أمر قسام فلم يتمكن من ذلك و كان بدمشق مع قسام القائد جيش بن الصمصامة شبه وال، و قد كان ولي البلد بعد مهلك خاله القائد أبي محمود في سنة سبعين، و لما نزل القائد بلتكين مقدم العسكر المصري على المزة وجده رجلا أحمق، فلم يحفل به و دخل على منشا الكاتب، فقال: إني قضيت‏

____________

(1) هو من رجالات ألفتكين، و ورد اسمه في تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي: 163 «تلتكين» و لعل صورته هنا ولدى يحيى بن سعيد تصحيف «ألبتكين» و مفيد أن نشير هنا أن المقريزي يؤرخ لقدومه سنة 472. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 256.

(2) بشارة الخادم من الغلمان الحمدانية فر من حلب إلى مصر مع عدد من الغلمان فانتدب لولاية طبرية. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 255. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 306- 308.

(3) ذكر يحيى بن سعيد: 163- 164، أن ابن دغفل التجأ إلى أنطاكية و كتب إلى الامبراطور باسيل الثاني ملتمسا منه النجدة، و بين الأنطاكي أن الامبراطور بعث الدمستق بردس الفوقاس.

(4) في الأصل: «سبعين و ثلاثمائة» و هو خطأ صوابه ما أثبتناه و تداركناه بين حاصرتين. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 256، و لا حظ سياق الخبر.

76

حق هذا القائد و لم يجي‏ء إليّ و لم يقض حقي، و أنا الوالي، فهزأ به منشا و قال له: نعم أنت الوالي، و ظن إنما نزول العسكر على دمشق ليصلح البلد، و قالوا: تخرج أنت و من معك إلى ظاهر البلد، فخرج هو و من معه فعسكر نحو مسجد ابراهيم (عليه السلام)، و كان عسكر بشارة نازلا في ذلك المكان، و كانت المراسلة بينهم و بين قسام أن يسلم البلد و يكون هو آمنا على نفسه و من معه، فعلم قسام أنهم إن بقوا في البلد أهلكوه و من معه، فقال: لا أسلم البلد، و ضبط أصحابه.

فلما كان يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة وقع بين قوم من أصحاب قسام و قوم من أصحاب القائد بشارة الخادم عند باب الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة، و أقبل في غد أصحاب جيش بن الصمصامة، فخرج أصحابه إليهم فطردوهم، ثم نشبت الحرب و أحرق ربض باب شرقي، و أطلقت النار في عدة مواضع و ملكوا الشاغور، و دخلت الأتراك على خيلهم في البطاطين و أحرقوا سقيفة و عدة مواضع و مساجد و عمها الخراب بعد ما كانت عليه من حسن العمارة، و اشتد بالناس الخوف و المضرة، فاجتمع الناس و كلموا قساما بأن يخرجوا إلى القائد بلتكين فيصلحوا الأمر معه، فلان لهم و ذل بعد تحيره و تبلده، و قال: افعلوا ما شئتم، و كان اجتماع الناس لطفا من الله تعالى، فخرجوا إليه و خاطبوه، فصرف أصحابه عن القتال و عن الأبواب، و انصرف أصحاب قسام إليه فوجدوه خائفا، فأخذ كل لنفسه، و رجع المشايخ إلى قسام فقالوا له: قد أجاب القائد إلى ما تحب و أمنك على نفسك و أصحابك، فخاطبوه بذلك و هو ساكت حائر و قد بان ذلك في وجهه، فلما رأوا كذلك خافوا أن يعود عن تسليم البلد، [و اجتمع الناس، فصاح من كان قد احترقت داره و هم كثير بقسام: انتقم الله ممن أذلنا و أحرق دورنا و شتتنا و تركنا مطرحين على الطريق، فوجب قلبه من سماع صياحهم و قال: أسلم البلد] (1) على أمان لي و لأصحابي (12 و) فعاد

____________

(1) وقع سقط بالأصل لم يتنبه له الناسخ، و تم تدارك ما بين الحاصرتين من اتعاظ الحنفا: 1/ 257.

77

المشايخ إلى بلتكين القائد و أعلموه الخطاب و الجواب فأجابهم إلى ما طلب، و قال لهم: نريد أن ننزل على هذا البلد في هذا اليوم، فقالوا: افعل ما تحب و توثر فولى البلد حاجبا يقال له خطلج في خيل و رجل فدخل المدينة من يومه، و كان مبدأ الحرب في هذه النوبة يوم الخميس لعشر بقين من المحرم سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و الدخول إلى البلد يوم الخميس لثلاث بقين منه، و لم يعرض لقسام و لا لأحد من أصحابه، و تفرق أصحابه عنه، و أقام يومين و استتر، و قيل هرب فصاروا إلى داره و أخذوا ما فيها و حولها من دور أصحابه، و طلب، فلم يوجد، و نودي عليه و بذل لمن يظهره خمسون ألف درهم، و لمن يدل على مكان [أولاده‏] (1) عشرون ألفا، فقال لهم قائل: «هو في كنيسة اليهود بين البطاين» فجاؤوا إلى الديان و قالوا: نريد أن نخرب هذه الكنيسة أو نحرقها بالنار فإن قساما فيها، فأصعدهم، و دار بهم فيها فلم يروا أثرا و لا عرفوا له خبرا، فلما أخذت امرأته و ولده، قالت لمن سمع منها: ما تنتظر يا مشوم، و كان عندها رجل في الحائر (2) و لم يفطن به أحد، فخرج في الليل إلى العسكر، فوقف على خيمة منشا الكاتب، و قال: رجل يريد أن يدخل إلى الرئيس، فقالوا: و من هو؟ قال: قسام، فدخل عليه على غير أمان، فبعث إلى القائد بلتكين فأعلمه فأخذه إليه و أدخله عليه، و حملوه إلى خيمة، و قالوا له: مد رجلك، فقال: ما أفعل أنا جئتكم بأمان، فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به، فمد رجله فقيد و حمل إلى مصر، فعفي عنه لما جاءهم في الامان، و كان قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا (3) من قوم يقال لهم الحارثيون بطن من العرب نشأ بدمشق، و كان يعمل في التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار من مقدمي الأحداث و حملة السلاح و طالبي الشر، فصار من حزبه و تزايد أمره إلى ما انتهى إليه.

____________

(1) في الأصل مكانه و التقويم من اتعاظ الحنفاء: 1/ 258 و حسب سياق بقية الخبر.

(2) أي البستان أو ما يشبه ذلك من الأمكنة المضروب حولها جدار أو سور.

(3) ما زال قبره معروفا بها باسم سيدي قسيم.

78

ولاية بكجور لدمشق و السبب في ذلك في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة (1)

كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر أنه كان غلاما مملوكا لقرعويه أحد غلمان سيف الدولة (21 ظ) ابن حمدان صاحب حلب، و كان قرعويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة، و منع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها، و دفعه عنها، فسار أبو المعالي إلى حماة و رفنية (2) و كان ينزل مهما (3) في عسكره، و كانت الروم قد خربت حمصا و أعمالها و نزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من حصن برزويه‏ (4) فلقي مولاه أبا المعالي، و سار معه، و نزل على حمص و شرع في عمارتها و لم شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى عند خروجهم في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة على غفلة من أهلها و غرة ممن بها و اجتهد رقتاش في عمارتها و تحصينها و أبو المعالي يقوي أمره بها و يشد شوكته فيها، و كان قرعويه قد استناب بكجور في حلب، فلما قوي أمره قبض على مولاه و حبسه في قلعة حلب و ملك البلد و أقام تقدير ست سنين‏ (5)، و كوتب أبو المعالي من حلب و أطمع في تملك البلد في رجال قرعويه، و أن يكونوا عونا له على أمره، فجمع بني كلاب و من أمكنه و نهض صوب حلب و نزل على معرة النعمان فملكها و أخذ منها غلاما كان غلب عليها

____________

(1) في الأصل «اثنتين و سبعين» و هو خطأ يخالف ما سلف و يعارض روايات بقية المصادر لهذا اقتضى التقويم، انظر زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم ط دمشق 1951: 1/ 177- 178. اتعاظ الحنفا: 1/ 258- 259.

تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ط. بيروت: 3/ 287- 288.

(2) كانت عبارة عن بليدة صغيرة ذات قلعة صغيرة غربي حماه، على مرحلة منها، اندثرت و قام مقامها بارين أو بعرين- تقويم البلدان لأبي الفداء. ط. باريس 1840: 258- 259.

(3) كذا في الأصل و لعلها تصحيف «بهما».

(4) قلعة صغيرة مستطيلة لها منعة في ذيل الجبل، و هي عن أفامية في جهة الشمال و الغرب على نحو مرحلة- تقويم البلدان: 260- 261.

(5) تفاصيل هذا كله عند ابن العديم في زبدة الحلب: 1/ 157- 170.

79

يقال له زهير (1) فقتله، و سار عنها فنزل حلب سنة ست و ستين و ثلاثمائة فأقام عليها تقدير أربعة أشهر، ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها، و تحصن بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه، فقال بكجور: أريد يتوسط بيني و بينك وجوه البلد من بني كلاب، فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما، و أخذوا له العهد و الميثاق و الأمان على نفسه و ولده و ماله و أنه لا يغدر به و يوليه حمصا على أنه ينحدر من القلعة و يسلمها، و لا يأخذ منها شيئا إلا ما لا بد منه، فأجابه إلى ذلك، فولاه حمصا لما نزل من القلعة و سلمها، و وفى له بكل ما عاهده عليه، و سار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة، و صرف همه إلى عمارتها و كان أمره كل يوم فيها إلى الزيادة بعد الدخول إليها في الضعف، و اتفق له أن أعمال دمشق من حوران و البثنية قد اختلت و خربت على ما تقدم ذكره من قلة القوت بها و غلاء السعر فيها، و جلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد و كثر الناس عنده.

و كان في بكجور جور، و كان مجتهدا في العمارة (22 و) و أمن السبل و الطرق، فلما انقطعت الغلات عن دمشق، و مات بها كثير من الناس جوعا من أهل حوران و البثنية و رغب الناس الجالبون منها في حمل الغلة إلى دمشق، مكنهم من ذلك، و حمى لهم الطرق في ترددهم بادين و عائدين، فحسن حال حمص، و كثر السفر إليها و منها، و كانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق، و كان و اليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف و قسام غالب عليه، و اتفق وفاة أبي محمود إبراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره و حماها من العرب، و حسنت حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة، و كان بكجور يكاتب العزيز بالله بمصر و ورد الجواب عليه بأن «تصير إلى بابنا لنوليك دمشق»،

____________

(1) هو زهير الحمداني في زبدة الحلب: 1/ 170- 171.

80

و كان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب و الرامح، و جمع الجمع الكثير و أخرجهم إلى حرب ألفتكين و جرى من أمره ما ذكر في موضعه.

فلما كان في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي ابن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب، و بين بكجور، و راسله بأن يخرج من بلده‏ (1) فكتب بكجور إلى العزيز يسأله إنجاز الوعد بولاية دمشق، و دعت الحاجة إلى عود القائد بلتكين مقدم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس و قتله، و قادت الضرورة العزيز إلى أن ولى بكجور دمشق، و كتب إلى بلتكين و منشا كاتب الجيش بأن يسلم البلد إلى بكجور و يرحل عنه، و قد، كان كتب أيضا كتابا إلى العزيز «أن أنفذ إلي عسكرا لآخذ حلب»، و أطمعه في ذلك، فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم و نزل على حلب و حصرها مدة يسيرة، فظهر دمستق الروم بارديس و نزل على أنطاكية و عزم على كبس بكجور، على حلب، فكتب إليه ابن جراح يحذره فرحل عن حلب، و تبعه عسكر الروم في إثره و تم بكجور و نزل على حمص و حمل ما كان له إلى بعلبك، و نزل في جوسيه‏ (2) في جمع عظيم، و نزل الروم‏ (3) ميماس حمص، و لم يعرض للبلد و دخل المدينة و شاهد (22 ظ) الكنيسة و رحل عنها متوجها إلى البقيعة (4) يريد طرابلس، و أنفذ إلى أهل حمص رسولا يقول لهم: نريد مالا يحمل إلينا، فقالوا: هذا بلد خراب ليس فيه مال، فرجع و نزل عليها و قال لأهلها:

من خرج من البلد فهو آمن، فخرج قوم و أقام قوم فدخل عسكره فنهب و سبى و أحرق الجامع و مواضع من البلد، و تحصن قوم بالمغاير،

____________

(1) انظر زبدة الحلب: 1/ 176- 177.

(2) معروفة باسمها هذا حتى الآن عند ملتقى الحدود السورية مع شمال لبنان.

(3) معروف حتى الآن بهذا الاسم فيه أجمل حدائق و منتزهات ضواحي حمص.

(4) في لبنان على طريق طرابلس تحمل الاسم نفسه حتى الآن.

81

فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان، و لم يعرض للعرب و لا لمن هرب إليها، و كان دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأول سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و هي النوبة الثانية للروم، و قيل إن أبا المعالي ابن سيف الدولة خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة، فأنفذ إلى ملك الروم يسأله إخراب حمص.

و رجع أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين، و بقي بكجور و أصحابه منتظرا أن يرحل بلتكين عن دمشق و يسير إليها، و كان السبب في تأخر ولاية دمشق أن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلم دمشق إلى بكجور، و عرف بكجور ذاك فكتب [إلى العزيز] (1) يذكر بأمره و إنجاز وعده، فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له الوزير: الصواب أن لا يلي بكجور دمشق و يعصي فيها، قال: نحن استدعيناه لذلك و وعدناه به، فقال: قد كان ذاك و الحزم أن لا يولى، فقال له: لابد من ذلك، فكتب الوزير إلى منشا ابن الغرار كاتب الجيش: واقف بكجور على ما يأخذ من المال له و لرجاله، و سلم ولاية دمشق إليه، فسلم بلتكين البلد إليه و عاد متوجها إلى مصر في يوم الأحد مستهل رجب سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة، و كانت ولاية بلتكين دمشق خمسة شهور، و دخل بكجور البلد واليا في يوم السبت سابع رجب من السنة، و قد عرف أن الذي أخر الولاية الوزير ابن كلس، فحقد بكجور عليه، و كان لابن كلس نائب في عمله و ضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي، و كان يكتب إليه بأخبار البلد، فقال بكجور: هذا عين عليّ، و تقدم بقتله فقتل، فلما بلغ ذلك الوزير عظم عليه و اغتم له‏ (2)، و أعلم الوزير العزيز و قال: هذا مبدأ عصيان‏

____________

(1) في الأصل «و عرف العزيز ذاك و كتب يذكر بأمره و انجاز وعده» و في هذا اضطراب و تداخل و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

(2) انظر المقريزي اتعاظ الحنفاء: 1/ 259- 260.

82

بكجور، و قد تمكن من البلد و جاء معه ابن جراح، و هو عدو، فلما كان في سنة سبع و سبعين عزم الوزير على العمل على قتل بكجور (28 و) فأنفذ إلى غلام نصراني عطار يعرف بابن أخي الكويس من أهل دمشق أن «احتل على قتل بكجور»، و لم يكن النصراني من أهل ذاك، فقال:

لا يتم هذا الأمر إلا برجل من الجند من أصحابه يعين على هذا الأمر، فكتب رقعة بما يريد إلى بعض أصحاب بكجور، فلما وصلت الرقعة إليه و نظر ما فيها فظن أن بكجور دسها إليه ليبلوه بها فأوصل الرقعة إلى بكجور، فوقف عليها، و قال: أريد من جاءك بها، فقال: إنما وصلت إليك لأبرأ من أمرها و لا أكتمها عنك، فلم يقبل قوله و لج في طلبه، و قال له: إن الذي أوصل الرقعة أجير لابن أخي الكويس العطار، فوجه قبض عليه و على الأجير و وضع العقوبة على العطار، و قال: أريد الصبي، و قبض على قوم كانوا يعاشرون العطار فكحلهم‏ (1) و نفاهم، و كان فيهم ثلاثة من أهل العلم و الفضل يقال لأحدهم ابن الخطابي، و الآخر الخلادي، و الثالث المستولي، و أخرج ابن الكويس بعد ما صفي و معه رجلان من المتهمين فصلبوا أقبح صلب، و ماتوا في غد ذلك اليوم في رمضان سنة سبع و سبعين، و بلغ الخبر الوزير ابن كلس فعظم عليه، و ازداد حنقا و أعلم العزيز ذاك، و اتفق أن يخرج إليه عسكر و معه [ابن‏] جراح‏ (2) و شرع بكجور في أذية الناس من أصحاب الوزير في ضياعه، و جار في البلد جورا عظيما، و لم يخل من القتل و الصلب و الفتك فجرد إليه في سنة ثمان و سبعين القائد منير الخادم في عسكر كثيف، و أصدرت الكتب إلى ولاة الأعمال بالمسير معه، و لما عرف بكجور ذلك أنفذ إلى العرب و جمع و حشد و استقبل العسكر، فالتقيا و صدقوا القتال و كثر في‏

____________

(1) أي سمل عيونهم بواسطة اطباق الجفنين على بعضهما ثم المرور عليهما بميل مكحلة محمى بالنار.

(2) اضيف ما بين الحاصرتين تصحيحا، و يبدو أن هناك سقط في الأصل، و المقصود هنا أن العسكر الموجه هو ضد بكجور و ابن الجراح، انظر سياق بقية الخبر و اتعاظ الحنفا: 1/ 259.

83

بني كلب‏ (1) الطعن و الجراح، و بشارة و منير المقدمان قائمان في أصحابهما عليهما الحديد، فحملوا جميعا على الكلبيين فهزموهم و ألجوهم إلى حيطان داريا فرجعوا و من معهم من أصحاب بكجور خاسرين مفلولين، فخاف بكجور على نفسه أن يؤخذ فراسلهم بأنه يسلم البلد و يرحل عنه، و قد كوتب القائد نزال والي طرابلس بالمسير و النزول على دمشق، و كان عسكره ستة آلاف فسار فلما (23 ظ) عرف بكجور انفصاله قلق و خاف و ذل، و راسل منشا بن الغرار الكاتب «بأني عازم على المسير من هذا البلد و أريد أن أكون على عهد و أمان و لا أتبع بمضرة»، فأجيب إلى ما التمس، و جمع ماله و سلاحه و خاف من الرجعة و الحيلة أن تقع عليه من البلد فأخفى أمره و ستر مسيره، فلما كان في يوم الثلاثاء نصف رجب سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة سار خائفا و جلا نحو الشرق، و أخذ مع الجبل و سار معه ابن الجراح إلى حصن حوارين‏ (2) فأخذ ما كان له و أخفى أمره، فلما عرف خبره نهض في إثره القائد منير من غد و نزل على البلد، ففرح الناس به، و توجه بكجور إلى الرقة، و تخلف بدمشق من أصحابه تقدير ثلاثمائة رجل فصاحوا «عزيز يا منصور» فأمنوا.

و لما نزل منير القائد على دمشق أصبح القائد نزال نازلا معه في يوم الخميس، فلامه الناس على ما اعتمده من التثاقل، و نفذت المطالعات إلى مصر بشرح الحال، فأنكر الوزير ابن كلس فعل منشا و إهماله بكجور حتى نجا، و أشخصه إلى مصر مع المستأمنة من أصحاب بكجور، و قال‏

____________

(1) في الأصل «كلاب» و هو خطأ فكلاب كانت ديار حلب ديارها، و أما كلب فكانت ديار دمشق ديارها، و يؤكد هذا سياق بقية الخبر، و أخبار أخرى كثيرة خاصة لدى الحديث عن التحالف بين صالح بن مرداس أمير كلاب و سنان بن عليان أمير كلب، و حسان بن المفرج أمير طي‏ء.

(2) قرية من قرى حمص من جهتها الشرقية الجنوبية. تقويم البلدان: 83. و تبعد حوارين الآن عن حمص/ 75 كم، و هي تتبع اداريا ناحية القريتين.

84

له: خليت بكجور خوفا على نفسك، أما كان معك‏ (1) عسكر فيه كفاية؟ فقال: لم يكن غير ما فعلته، لأن نزالا تأخر عنا و تثاقل، و كان بكجور في قوة و كثرة من العرب و غيرهم، و هم أصحاب دروع و جواشن و خيل سبق، فلم يقبل عذره و عزله عن تدبير العسكر، و كان ابن كلس يخاف من بكجور أن تكون له عودة إلى ولاية دمشق فيتمكن من دمشق، فأنفذ رسولا إليه يقول له: ما أردنا رحيلك عن البلد، و إنما إنفاذنا العسكر لابعاد ابن الجراح لفساده و عناده، و ما كان من ضياع و غلات فلك افعل فيها ما أحببت فما لنا فيه حاجة، فحمل بكجور ما كان له بدمشق، و أقام بالرقة منقطعا ليس له سلطان يستند إليه، و كان بالرقة يراسل كرديا يقال له باذ (2) قد غلب على ميافارقين، و يراسل أبا المعالي ابن سيف الدولة بحلب أن يرده إلى العمل الذي كان في يده من حمص، فلما كان في سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة خرج عسكر صاحب بغداد إلى باذ الكردي المقدم ذكره لغلبته على الموصل و ديار ربيعة فكسر و انهزم عسكره و أصحابه، و عرف بكجور ذلك فخاف من عسكر بغداد فراسل سعد الدولة أبا المعالي يسأله تولية حمص فأجابه إلى ذلك.

و كان ابن كلس يسأل (24 و) عن أخباره بالرقة خوفا منه، فلما عرف الوزير ذلك قال: يجاورنا بكجور في حمص فيطمع في الديار، فأرسل إلى غلام يقال له ناصح الطباخ بأن يسير إلى حمص فيأخذ من بها من أصحاب بكجور، فسرى في البرية فلم يشعر به حتى أتاهم، و كان أبو المعالي صاحب حلب قد علم بالسرية، فأنفذ إليهم من حذرهم و اتفق لهم أنهم حملوا و خرجوا من حمص هاربين، فلما حصلوا بأحمالهم‏

____________

(1) في الأصل «معه» و هو خطأ يدل عليه سياق الخبر، و صوابه ما أثبتناه.

(2) ظهر بين الأكراد و قادهم في عمليات قادته إلى دخول الموصل و التفكير بالزحف على بغداد، اصطدم أثناء نشاطه ببقايا الحمدانيين و بقبيلة عقيل و قتل سنة 380 ه/ 990 م، و قد نجم عن نشاطه فيما نجم قيام الدولة المروانية في ميافارقين. انظر ذيل تجارب الأمم: 3/ 176- 178.

تاريخ الفارقي: 49- 58. الكامل لابن الأثير، 122، 142- 143.

85

بظاهر البلد أدركتهم السرية، فأخذتهم و رجعت إلى دمشق، و فسد أمر بكجور مع المغاربة و مع أبي المعالي، فراسل صاحب بغداد فلم ير له عنده ما يحب، و كان الوزير ابن كلس يضرب بينهما و يطمع كل واحد منهما في صاحبه، و كان الوزير ابن كلس يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر و حيلة و دهاء و ذكاء و فطنة، و كان في قديم أمره خرج إلى الشام، فنزل بالرملة فجلس وكيلا للتجار، فلما اجتمعت الأموال التي للتجار كسرها و هرب إلى مصر في أيام كافور الاخشيدي صاحب مصر، فتاجره و حمل إليه متاعا كثيرا و [صار] (1) يحال بماله على ضياع مصر، و كان إذا دخل ضيعة عرف غلتها و ارتفاعها و ظاهر أمرها و باطنها، و كان ماهرا في أشغاله لا يسأل عن شي‏ء من أمورها إلا أخبر به عن صحة، فكبرت حاله و خبر كافور بخبره و ما فيه من الفطنة و السياسة، فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا، فبلغه ما قال كافور فطمع في الوزارة فدخل جامع مصر في يوم الجمعة، و قال: أنا أسلم (على) يد كافور، فبلغ الوزير ابن حنزابة وزير كافور ما هو عليه و ما طمع فيه فقصده و خاف منه، فهرب إلى المغرب و قصد يهودا هناك مع أبي تميم المعز لدين الله أصحاب أمره، فصارت له عندهم حرمة فلم يزل معهم إلى أن أخذ المعز مصر، فسار معه إليها، فلما توفي المعز و أصحابه اليهود و ولي العزيز بالله استوزره في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة، قوي النفس و المنة، عظيم الهيبة فاستولى على أمر العزيز، و قام به و استصحبه، فعول عليه و فوض أمره إليه، و كانت أموره مستقيمة بتدبيره، فلما اعتل علة الوفاة ركب إليه العزيز عائدا فشاهده على حال اليأس، فغمه أمره، و قال له: وددت بأنك تباع، فأبتاعك بملكي، أو تفتدى و أفديك بولدي (24 ظ) فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق، انظر الاشارة إلى من نال الوزارة:

19- 20.

86

فبكى و قبل يده و تركها على عينه، و قال: أما ما يخصني يا أمير المؤمنين فلا لأنك أرعى بحقي من أسترعيك إياه و أرأف على من أخلفه من أن أوصيك به، لكني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك، قال: قل يا يعقوب فقولك مسموع و رأيك مقبول، قال: سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك، و اقنع من الحمدانية بالدعوة و السكة، و لا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة، و توفي في ذي الحجة سنة ثمانين و ثلاثمائة، فأمر العزيز أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه، و حضر جنازته و صلى عليه و ألحده بيده في قبره، و انصرف عنه حزينا بفقده، و أغلق الدواوين و عطل الأعمال أياما [و استوزر أبا الحسن علي بن عمر العداس سنة، ثم استوزر أبا الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات‏] (1) بعده مديدة، ثم صرفه و قلد عيسى بن نسطورس، و كان نصرانيا من أقباط مصر، و فيه جلادة و كفاية، فضبط الأمور و جمع الأموال و وفر كثيرا من الخراج، و مال إلى النصارى فقلدهم الأعمال و الدواوين و اطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين و استناب في الشام رجلا يهوديا يعرف بمنشا بن إبراهيم بن الغرار، فسلك مسلكه في التوفر على اليهود، و عيسى مع النصارى مثله، و استولى أهل هاتين الملتين على الدولة، فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعة و سلمها إلى امرأة و بذل لها بذلا على اعتراض العزيز و رفع الظلامة إليه و تسليمها إلى يده، و كان مضمون الرقعة: «يا أمير المؤمنين بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، و اليهود بمنشا بن الغرار، و أذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري»، و كان العزيز على بغلة سريعة في المشي، و إذا ركبها تدفقت كالموج و لم تلحق، فوقفت له المرأة في مضيق، فلما قاربها رمتها إليه، فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة، و غاصت المرأة في الناس‏

____________

(1) أصاب النص سقط لم ينتبه له الناسخ، و أضيف ما بين الحاصرتين من كتاب الاشارة إلى من نال الوزارة: 24- 25. الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي للدكتور محمد حمدي المناوي. ط القاهرة 1970: 305.

87

و وقف العزيز عليها، و أمر بطلب المرأة فلم توجد و عاد إلى قصره منعم الفكر في أمره، فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان، و كان متقدما عنده في خواصه و أهل أنسه، فأعطاه الرقعة و قال له: قف عليها، فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر؟ قال: مولانا أعرف بوجه الرأي و التدبير، فقال: صدقت كاتبتها نبهتنا على ما كنا على غلط فيه و غفلة (25 و) عنه، و تقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس و سائر الكتاب النصارى و إنشاء الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الغرار و المتصرفين من اليهود، و أن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين، و يعول في الاشراف عليهم على القضاة في البلاد، ثم ان عيسى طرح على ست الملك بنت العزيز، و كان يحبها حبا شديدا (1) و لا يرد لها قولا، و استشفع بها في الصفح عنه، و تجديد الاصطناع له، و حمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار، و كتب إلى العزيز رقعة يذكر فيها بخدمته، و حرمته فرضي عنه و أعاده إلى ما كان عليه، و شرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه و أعماله.

____________

(1) أي العزيز.

88

سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة

كان بكجور قد خاف من عيسى بن نسطورس الوزير المقدم ذكره أن يعمل عليه لأسباب تقدمت بينه و بينه أوجبت ذاك، فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب و كثرة ارتفاعها و أنها دهليز العراق، و إذا حصلت له كان ما بعدها في يده، و أن العسكر الذي بها قد كاتبه و بذل الطاعة له و المساعدة، و يستدعي منه الانجاز و المعونة، فأجابه لكل ما أراد، و كتب إلى نزال والي طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير استئذان و لا معاودة استئمار، و كان نزال هذا من وجوه قواده، و صنائع عيسى الوزير و خلاصه، فكتب إليه عيسى سرا بأن «تتقاعد ببكجور، و تظهر له المساعدة و المسارعة و تستعمل معه التعليل و المدافعة، فإذا تورط مع مولاه و قاربه تأخر عنه و أسلمه» فلم يشك بكجور في مسير نزال إليه و سار عن الرقة، و كتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى ظاهر حلب في وقت واحد، فأجابه نزال و وعده، و نزل بكجور على بالس‏ (1) و فيها غلمان سعد الدولة أبي المعالي صاحب حلب و عدة من الديلم، فقاتلهم و رحل بكجور، و تباطأ نزال في مسيره و واصل مكاتبة بكجور في منزل بعد منزل و قرب الأمر عليه في وصوله إليه، و أقام بكجور على بالس خمسة أيام، فلما لم يجد فيها مغمزا فارقها و طلب حلب، و كان أبو المعالي كاتب بسيل‏ (2) عظيم الروم و أعلمه عصيان بكجور (25 ظ) عليه، و سأله مكاتبة البرجي صاحبه بأنطاكية بالمسير إليه متى دعته حاجة إلى انجاده و معونته، فكاتب عظيم الروم بذاك، و أكد القول عليه، فلما وافى بكجور، كاتب سعد الدولة البرجي، فرحل و نزل مرج دابق و هو على فرسخين من حلب، و وصل بكجور إلى النقرة و نزل في ناحية تعرف بالناعورة، و امتد عسكره إلى تل أعرن و منها إلى حلب أربعة فراسخ، و برز

____________

(1) هي مسكنة الحالية في سورية على الفرات.

(2) باسيل الثاني امبراطور بيزنطة، نفذ بشكل كامل سياسة امبراطوريته تجاه حلب، فقد أراد من حلب أن تكون دولة حاجزة بينه و بين الخلافة الفاطمية و سوقا تجاريا مفتوحا، لذلك خف إلى حمايتها شخصيا أو بارسال قواته كلما تهددت من قبل الفاطميين.

89

سعد الدولة في غلمانه و أصحابه فكانوا ستة آلاف رجل من الروم و الأرمن و الديلم و الأتراك، و لم يكن معه من عسكر العرب إلا عمرو بن كلاب و عدتهم خمسمائة رجل، إلا أنهم أولو بأس و قوة، و من سواهم من بطون العرب بني كلاب مع بكجور، بعد أن حصل حرمه و أولاده في القلعة بحلب، و لما برز و سار عسكره، و كان لؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه، أعجبه ما رأى من عدته و عدته فنزل إلى الأرض و صلى و عفّر و دعا الله بنصره و ادالته من بكجور و غدره، و فعل أصحابه مثل فعله، و اجتمعوا إليه، و قالوا له: نفوسنا بين يديك و الله لنبذلنها في طاعتك و المدافعة عنك، فشكرهم و قال لهم: أنتم الأولاد و العدة، و هذه الدولة لكم و أنا فيها واحد منكم، و استدعى كاتبه المعروف بالمصيصي و أمره أن يكتب إلى بكجور يستعطفه و يذكره الله و يخوفه و يبذل له أن يقطعه من باب حمص إلى الرقة، و يدعوه إلى الكف و الموادعة، و رعاية حق الرق و العبودية، و يعلمه أنه متوقف عن حربه و لقائه إلى أن يعود إليه من جوابه ما يعول عليه، و سار فنزل بالموضع المعروف بالنيرب على ميل من حلب، و عسكر الروم بإزائه، و وافى رسول سعد الدولة إلى بكجور، فأوصل إليه الكتاب، فلما وقف عليه، قال له: قل له الجواب ما تراه عيانا لا ما أرسل إليك كتابا، فعاد الرسول و أعاد على سعد الدولة قوله و أعلمه أنه سائر على إثره، فتقدم سعد الدولة إلى الموضع المعروف بدير الزبيب، و قدم على مقدمته شجعان غلمانه و أنجادهم من عمرو بن كلاب الذين قدمنا ذكرهم، و قد جعل بكجور على مقدمته يارخ و رشيقا (26 و) غلاميه في مائة غلام، و وقع التطارد و كان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه و طعن و جرح خلع عليه و أحسن إليه، و كان بكجور بضد ذلك بخلا، و إذا عاد إليه رجل على هذه الحال يأمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا في أمره، و قد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور و أمنهم و أرغبهم و وعدهم الاقطاعات الكثيرة و العطايا الفاضلة الفائضة و ألا يؤاخذهم بالانحياز إلى بكجور و الحصول معه، فلما حصلت أماناته‏

90

و توقيعاته في أيديهم، عطفوا على سواد بكجور فنهبوه، و انصرفوا عنه و استأمنوا إلى سعد الدولة، و نزلوا عليه، و رأى بكجور ما تم عليه من:

تقاعد نزال، و غدر العرب، و تأخر غلمان سعد الدولة الذين كانوا كاتبوه و وعدوه الانحياز إليه إذا عاينوه، فاستدعى أبا الحسن كاتبه المعروف بابن المغربي‏ (1)، و قال له: غررتني و أوهمتني أن العزيز يجئني و يعاونني، و أن العرب تخلص لي و تناصحني، و أن العرب توافيني و يستأمنوا إلي، و ما كان لشي‏ء من ذلك حقيقة فما الرأي الآن، فإن بإزائنا عسكرا عظيما لا طاقة لنا به؟ قال: صدقت أيها الأمير فيما قلته و و الله ما أردت غشك و لا فارقت نصحك، و الصواب مع هذه الأسباب العارضة أن ترجع إلى الرقة و تكاتب العزيز بما عاملك به نزال و تعاود استنجاده، فإنه ينجدك و يستظهر في أمرك، و كان في عسكر بكجور قائد من قواده يجري مجراه في التقدم يعرف بابن الخفاني، فقال له و قد سمع ما جرى بينه و بين ابن المغربي، فقال: ما عندك فيما قاله و أشار به فقال له: هذا كاتبك يقول إذا جلس في دسته: الأقلام تنكس الأعلام، فإذا حقت الحقائق أشار علينا بالهرب، و إذا هربنا فأي وجه يبقى لنا عند الملوك و زوجة من يهرب اليوم طالق ليس إلا السيف فإما لنا و إما علينا، و سمع ابن المغربي ما قاله ابن الخفاني، فخاف بكجور، و قد كان واقف بدويا من شيوخ بني كلاب يعرف بسلامة بن بريك على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة، و بذل له ألف دينار على ذلك، فلما استشعر من بكجور ما استشعره، سامه (26 ظ) تسييره قبل الوقت الذي أعده له فأوصله إلى الرقة.

و عمل بكجور على ما فيه من قوة النفس و فضل الشجاعة على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من مصافه، و يهجم عليه بنفسه،

____________

(1) علي بن الحسين المغربي الكاتب، من وجوه الدولة الفاطمية أيام الحاكم بأمر الله، كان من أصحاب سيف الدولة الحمداني، ترك مدينة حلب في أيام سعد الدولة بن سيف الدولة، التحق بمصر سنة 381 ه، فولي نظر الشام و تدبير الرجال و الأموال سنة 383، و صار من جلساء الحاكم، ثم تغير عليه فقتله سنة 400 ه/ 1010 م. الاشارة إلى من نال الوزارة: 47. زبدة الحلب: 1/ 188.

91

و من يقتحمه معه من صناديد غلمانه و يوقع به، و اعتقد أنه إذا فعل ذلك كبس الموضع و انهزم الناس، ملك‏ (1).

فاختار من غلمانه من ارتضاه و وثق به بحسن البلاء منه و قال لهم:

قد تورطنا من هذه الحرب ما عرفتموه، و حصلنا على شرف الهزيمة، و ذهاب النفوس، و قد عزمت على كذا و كذا، فإن ساعدتموني رجوت أن يكون الفتح على أيديكم و الأثر لكم، فقالوا: نحن طوعك و ما نرغب بنفوسنا عن نفسك، و بادر واحد ممن سمع الكلام منه إلى لؤلؤ الجراحي، فاستأمن إليه، و أعلمه بالصورة، فأسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة، و أخذ الراية من يده، و وقف في موضعه، و قال: تهب لي يا مولاي هذا المكان اليوم، و تنتقل إلى مكاني عنه، فإن بكجور أيس من نفسه و قد حدثها بأن يقصدك و يقع عليك، و يوقع بك، و يجعل ذلك طريقا إلى فل عسكرك، و قد عرفت ذلك من جهة لا أشك فيه‏ (2) و سيفعل و لئن أفديك بنفسي و أكون وقاية لك و لدولتك أولى من التعريض بك، فانتقل سعد الدولة و العمارية (3) في ظهره و الراية في يده، و جال بكجور في أربعمائة فارس من الغلمان عليهم الكذاغندات و الخوذ و بأيديهم السيوف و على خيلهم التجافيف، و حمل في عقب جولته حملة أفرجت له بها العساكر و اللتوت، و لم يزل يضرب بالسيف حتى وافى إلى لؤلؤ فضربه على الخوذة في رأسه و وقع لؤلؤ إلى الأرض، و حمل العسكر على بكجور، و بادر سعد الدولة إلى مكانه مظهرا نفسه لغلمانه، فلما رأوه قويت نفوسهم و ثبتت أقدامهم، و اشتدوا في القتال حتى استفرغ بكجور جهده و وسعه، و لم يبق له قدرة

____________

(1) في الأصل «و ملك» و هذا يعني وجود بقية للكلام سقطت من الأصل أو أن الواو زائدة، و نظرا لعدم توفر ما يساعد على البت في هذا الأمر في المصادر المتوفرة، آثرت حذف الواو كيما يستقيم السياق. انظر تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي: 173. زبدة الحلب: 1/ 178- 179.

(2) كذا في الأصل، و الأصح «فيها».

(3) غالبا ما كانت عبارة عن دمية أو ما يشبهها تمثل سيدة- ظعينة- مزينة بالذهب و الحلي المختلفة توضع على ظهر جمل و يجلس تحت ثوبها أو خلفه أحد السادة يحركها حركات خاصة، و يلتف حولها الفرسان للدفاع عنها و القتال دونها، و ما تزال عادة حمل العمارية قائمة، شاهدتها مرارا في مدينة حماة.

92

و لا حيلة انهزم في سبعة نفر من غلمانه صوب حلب، و استولى القتل و الأسر على أصحابه و تم على الهزيمة، و قد رمى عن نفسه جوشنه و عن فرسه تجافيفه و قد فعل من كان معه مثل فعله، و كان الفرس الذي تحته من الخيول التي أعدها لمثل (27 و) ما حصل فيه و ثمنه عليه ألف دينار، و وافى إلى رحا تعرف بالقيريمي على فرسخ من حلب مقابلي‏ (1) قنسرين، و لها ساقية تحمل إليها سعتها قدر ذراعين‏ (2) في سمك ذراع، فحمل الفرس على أن يعبرها خوضا و وثبا فلم يكن فيه و أجهده، و وقف به و ناداه غلمانه: «إن الخيل قد أدركتنا» و لحقهم عشرة فوارس من العرب فأرجلوهم عن دوابهم، و سلبوهم ثيابهم، و لم يعرفوا بكجور و عادوا عنهم، و بقي بكجور و غلمانه عراة فلجأوا إلى الرحا و استجاروا بصاحبها فأدخلهم إليها، و جاءت سرية أخرى من العرب تطلب النهب فظنوا أن مع الغلمان الذين في الرحا ما يغنمونه منهم، فطالبوا صاحبها بتسلميهم فأعلمهم أنهم عراة، فقالوا: إن شاهدناهم على ما ذكرت تركناهم و إلا أحرقنا الرحا، ففتح الباب و أخرجهم إليهم فلما رأوا حالهم خلوا عنهم، و مضى بكجور و غلمان معه من غلمانه إلى براح‏ (3) فيه زرع حنطة، فطرح نفسه فيه، و مر قوم من العرب، فظنوا أن معهم ما يفوزون به، فعدلوا إليهم، و كان فيهم رجل من قطن يعرفه بكجور، فقال له: أتعرفني؟ قال:

لا، قال: أذمم لي حتى أعرفك نفسي، فأذم له، قال له، أنا بكجور فاصطنعني و احملني إلى الرقة، فإنني أوقر بعيرك ذهبا و أعطيك كل ما تقترحه، قال: أفعل، فأردفه و حمله إلى بيته و كساه قميصا و فروا و عمامة، و كان سعد الدولة قد بث الخيل في طلب بكجور و نادى: «من أحضر بكجور فله مطلبه» فلما حصل بكجور في بيت البدوي ساء ظنه به، و طمع فيما كان سعد الدولة بذله فيه، و استشار ابن عم له في أمره، فقال:

____________

(1) كذا بالأصل و قد تكون تصحيف «مما يلي».

(2) في زبدة الحلب: 1/ 179 «على نهر قويق».

(3) الأرض الظاهرة- النهاية لابن الأثير.

93

له: هو رجل بخيل، فربما غدر بك و لم يف بوعده، و الصواب أن تقصد سعد الدولة و تأخذ منه عاجلا ما يعطيك، فركب البدوي إلى عسكر سعد الدولة و صاح «نصيحة» فأحضر إلى حضرته، فقال له: ما نصيحتك؟ قال: ما جزاء من يسلم بكجور؟ قال: حكمه، قال: فهو عندي أريد عنه مائتي فدان زراعة و مائة ألف درهم و مائة راحلة تحمل حنطة، و خمسين قطعة ثيابا، قال سعد الدولة: و كل ذلك لك، قال: وثق لي منه، و عرف لؤلؤ الجراحي خبر البدوي، فتحامل و هو مثخن بالضربة التي أصابته، و مشى متوكيا على غلمانه حتى حضر بين يدي (27 ظ) سعد الدولة، فقال: يا مولاي ما يقول هذا؟ قال: يقول إن بكجور عنده، و قد طلب ما أجبناه إليه، و هو ماض لإحضاره، فقبض لؤلؤ على يد البدوي، و قال له: أين أهلك؟ قال: في المرج على فرسخ، فاستدعى جماعة من الغلمان و قدم عليهم إقبالا الشفيعي و أمرهم أن يرتقوا رؤوس الجبال حتى يوافوا الحلة، و يقبضوا على بكجور و يحملوه و هو قابض على يده، و البدوي يستغيث بسعد الدولة، ثم تقدم إلى سعد الدولة و قال: يا مولانا لا تنكر علي فعلي، فإنه كان مني عن استظهار في خدمتك، و لو عاد هذا البدوي إلى أهله و أحس بكجور بما فيه لأعطاه الرغائب على تخليصه و لا نأمن أن يقبل ذاك منه، و الذي طلبه البدوي مبذول له، و ما ضرنا الإحتياط في التمسك به إلى أن يوافينا فنعطيه حينئذ، و نفي له بما وعدناه، فقال: أحسنت يا أبا محمد لله درك، و لم يمض ساعات حتى عادت النجب مبشرة بحصول بكجور، و وافى بعدها إقبال الشفيعي و هو معه، فوقف به من وراء السرادق، و استأذنه في إدخاله إليه و أنفذ سعد الدولة إلى لؤلؤ و ما قال له: ما رأيك في بكجور؟ قال: ضرب عنقه لوقته لو جاءت سناء الزينة ست الناس- يعني أخت سعد الدولة- و استوهبته منك فوهبته لها لكان لنا شغل مجدد، فأمر سعد الدولة فرجا العدلي و كان سيافه فضرب عنقه و عنق ابن الخفاني، و كان قد حصل في الأسر و حملها إلى الموضع المعروف بحصن الناعورة فصلبهما بأرجلهما،

94

و سار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها و فيها سلامة الرشيقي و أبو الحسن ابن المغربي، و أولاد بكجور و حرمه و أمواله، و أرسل سلامة بتسليم البلد فأجابه «فإني عبدك و عبد عبدك إلا أن لبكجور عليّ عهودا و مواثيق لا مخلص لي عند الله منها إلا بأحد أمرين إما أن تذم لأولاده على نفوسهم و أموالهم و تقتصر فيما تأخذه على آلات الحرب و العدد، و تحلف لي و لهم على ذلك، و إما أن أبلي عذرا عند الله عز و جل فيما عقدته لبكجور» فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه، و حلف له يمينا عملها أبو الحسن ابن المغربي، و كان سعد الدولة قد أباح دمه، فهرب إلى الكوفة، و أقام بمشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

و لما توثق سلامة (28 و) سلم حصن الرافقة، و خرج القوم و معهم من المال و الرحل الشي‏ء الكثير، و سعد الدولة يشاهدهم من وراء سرادقه و بين (يديه) (1) ابن أبي حصين القاضي، فقال له: ما ظننت أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأموال و الأثقال، فقال له: أي شي‏ء اعتقد الأمير في ذاك؟ قال له: و هل بقي في هذا الأمر موضع اعتقاد؟ قال له ابن أبي حصين: إن بكجور و أولاده مماليكك، و كل ما ملكوه فهو لك، و لا حرج عليك فيما تأخذه منه و لا حنث في الأيمان التي حلفت بها، و مهما كان فيها من وزر و إثم فعلي دونك، فلما سمع هذا القول منه، غدر بهم و تقدم بردهم و القبض عليهم و جميع ما معهم، و كتب أولاد بكجور إلى العزيز بما تم عليهم و على والدهم، و سألوه مكاتبة سعد الدولة بالكف عنهم و الإبقاء عليهم، فكتب إليه كتابا يتوعده فيه و يأمره بإزالة الاعتراض عن المذكورين و تسييرهم إلى مصر موفورين، و يقول له في آخره: «إنك متى خالفتنا في ذلك و احتججت فيه، كنا الخصوم له، و جهزنا العسكر إليك» و أنفذه مع فائق الصقلبي أحد خواصه، و سيره على نجيب، فوصل فائق إليه و قد عاد من الرقة و هو بظاهر حلب،

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم الخبر، و في زبدة الحلب: 1/ 180- 181 «وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين ... و كان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن اسحق».

95

و أوصل إليه الكتاب، فلما وقف عليه جمع وجوه قواده و غلمانه و قرأه عليهم، ثم قال لهم: ما الرأي عندكم فيه؟ قالوا: نحن عبيدك و غلمانك و مهما أمرتنا به و ندبتنا له، كانت عندنا الطاعة و المناصحة فيه، و تقدم عند ذاك باحضار الرسول، فلما مثل بين يديه أمر بإعطائه الكتاب، و لطمه حتى يأكله، فقال له: أنا رسول و ما عرف من الملوك معاملة الرسل بمثل ذلك و هذا الفعل ما لا يجوز، فقال له: لابد أن تأكله، فلما مضغه قال له:

عد إلى صاحبك و قل له: لست ممن تخفى أخبارك عنه، و تمويهاتك عليه، و ما بك حاجة إلى تجهيز العساكر إليّ فإنني سائر إليك ليكون اللقاء قريبا منك، و خبري يأتيك من الرملة.

و قدم سعد الدولة قطعة من عساكره أمامه إلى حمص، و عاد فائق إلى العزيز فعرفه ما سمعه و شاهده فأزعجه ذلك، و بلغ منه، و أقام سعد الدولة بظاهر حلب أياما على أن يرتب أموره و يتلو من تقدمه من عسكره، فاتفق أن عرض له قولنج شفي منه، و كان له طبيبان (28 ظ) عارفان أحدهما يعرف بالتفليسي و الآخر يوانيس، فأشارا عليه بدخول البلد و ملازمة الحمام فامتنع عليهما، و قال لهما: أنا بإزاء وجه أريد قصده و إذا عدت وقع الإرجاف بي و كان في العود طيرة عليّ، ثم زاد ما يجده، فدخل فعالجاه فأبل و استقل و كتب إلى أصحابه يذكر عافيته، فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله و هنوه بالسلامة، و كان المستولي على أمره و المقدم عنده في رأيه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره، فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج‏ (1)، زين له البلد ليركب فيه من غد و يعود إلى‏

____________

(1) لم يذكر المؤلف من قبل أكلة الفروج هذه، فلعل الأصل ألم به سقط، و لدى العودة إلى المصادر الأخرى لم أجد لها ذكرا، و رأيت في مخطوط مرآة الزمان، وفيات سنة 381 «و كان مستولي على أمره لؤلؤ الكبير و قد ذكرناه، و زين البلد، و لم يبق إلا أن يصبح فيركب، و كان له أربعمائة سرية ...» و يستفاد من جملة الخبر أن سعد الدولة بعد اصابته بالقولنج أدخل البلد لمعالجته داخل الحمام و أنه أطعم بعد شفائه فروج، و أستبعد أن يكون قد ألم بالعبارة أي تصحيف كالقول: «اليوم الثالث من ابلائه عزم على الخروج، فزين له ...» انظر تاريخ يحيى بن سعيد:

174. ذيل تجارب الأمم: 216.

زبدة الحلب: 1/ 180- 181.

96

العسكر، فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه جارية تسمى إنفراد و كان يتحظاها و يقدمها على سواها من سرياته و هن أربعمائة جارية، فتتبعتها نفسه، و واقعها فلما فرغ سقط عنها و قد جف نصفه، و بادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته، فدخلت إليه و هو يجود بنفسه، و استدعت طبيبيه فحضرا و شاهداه، و تعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه‏ (1)، و أشارا بسجر (2) الند و العنبر حوله إلى أن يفيق قليلا و تثوب قوته، فلما كان ذلك عادا إليه، و قال التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لآخذ مجستك، فأعطاه اليسرى، فقال: يا مولانا اليمين، فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينا، و مضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلد عهده أبا الفضائل ولده، و وصى إلى لؤلؤ الكبير به و بأبي الهيجاء ولده الآخر، و ست الناس أخته، و حمل تابوته إلى الرقة و دفن في المشهد ظاهرها.

و نصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر، و أخذ له البيعة على الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة، و تراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب و استأمن منها إلى العزيز بالله: و فيّ‏ (3) الصقلبي في ثلاثمائة غلام، و بشارة الإخشيدي في أربعمائة غلام [و رباح السيفي‏] (4) و قوم آخرون فقبلهم و أحسن إليهم، و ولى بشارة طبرية و وفيّا عكا، و رباحا قيسارية، و قد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز و صار بعد المكاتبة إلى حضرته، فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده، و كبر في نفسه أحوالها، و هون عليه حصولها (5) [29 و].

____________

(1) أي سألا عن السبب فأوضح لهما.

(2) في الأصل «بشجر الند» و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه، أي أشارا باحراق الند.

(3) في الأصل: رقي، و هو تصحيف صوابه من مرآة الزمان- حوادث سنة 381-.

(4) زيد ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان- حوادث سنة 381.

(5) في مرآة الزمان- حوادث سنة 381- «و هون عليه حصونها» و هو وجه مرجح على ما جاء في المتن.

97

ولاية القائد منير الخادم و منجوتكين دمشق و السبب في ذلك و ما آلت إليه أحوالها في سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة و ما بعدها:

قد تقدم من شرح السبب في ولاية القائد منير دمشق ما فيه كفاية عن إعادة القول فيه، و من دخوله في يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة، و لما توفي الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس كان قد بقي له من أصحابه على ماله و مال السلطان رجل يعرف بابن أبي العود الصغير، و كان شديد المعاندة للقائد منير الوالي يرفع عليه إلى مصر بأنه عاص يكاتب سلطان بغداد و صاحب حلب، فلما كثرت سعايته إلى العزيز اصطنع بعض غلمانه الأتراك رجلا يقال له منجوتكين، فقدمه و أعطاه مالا و آنية و سلاحا و رجالا و ولاه الشام، فلما صح عند منير الخادم ذاك من أبي العود أنفذ إليه من قتله و كاشف بالعصيان و الخلاف للضرورة القائدة له إلى ذلك، و كان لابن أبي العود عند العزيز رتبة متمكنة و منزلة متمهدة، فلما خرج العسكر مع منجوتكين من مصر و وصل إلى الرملة، و وصل إليه بشارة والي طبرية في عسكره، و وصل إلى دمشق و كان منير قد جمع رجالة من أحداث البلد من حمال السلاح و طلاب الشر و الفساد و استعد للحرب و تأهب للقاء.

و بلغ منجوتكين و هو بالرملة أن أهل دمشق يريدون القتال مع منير الوالي، فجمع النفاطين بالرملة على أن يسيروا معه إلى دمشق لحرقها، فلما وصل نزال‏ (1) إلى دمشق من طرابلس أخذ في الجبال عرضا، فخرج من مرج عذراء و أرسل إلى منير «إني لم أصل إلا لإصلاح أمرك» فعلم منير أنه يريد الحيلة عليه و المكر به ليصل العسكر من الرملة و يحيط به، و قد كان نفذ كتاب ابن أبي هشام‏ (2) من دمشق إلى منشا بن‏

____________

(1) يفيد هذا أن القاهرة كتبت إلى واليها في طرابلس لمساندة حملتها ضد دمشق.

(2) ليس بالمتيسر من المصادر ما يبين هويته و يعرفنا به.

98

الغرار كاتب الجيش، يقول: «جدوا في السير لأخذ البلد»، و كان مراده بذاك المداراة من خوف الشر، فلما وصل الكتاب إلى منشا، أنفذه إلى العزيز منجوتكين‏ (1)، و وقف عليه فوجد فيه خلاف ما ذكره عن أهل دمشق فنهاهم عن احراقها، و سار منجوتكين من الرملة و قرب طبرية، و جمع منير (29 ظ) عسكره، و خرج يريد نزالا فالتقوا بمرج عذراء، فانهزم منير، و أتت المغاربة على الرجالة الذين كانوا معه، و ذلك في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان سنة احدى و ثمانين، فلما انهزم منير أخذ في الجبال حتى أخرج إلى أرض جوسيه يريد قصد حلب، فخرج عليه عرب من الأحلاف فأخذوه و وصلوا به إلى دمشق، فوجدوا منجوتكين قد نزل عليها فسلموه إليه لطلب الجائزة، فشهره على جمل و قرن به قردا و معه من أصحابه نحو من مائة رجل على الجمال و عليهم الطراطير لأنهم انقطعوا فأخذهم والي بعلبك يقال له جلنار، فأرسلهم إلى منجوتكين.

و أقام منجوتكين بدمشق بقية سنة احدى و ثمانين فقوي بها، و صار عسكره ثلاثة عشر ألفا، فعم الناس البلاء في جميع الأحوال، و صارت أفعالهم و سيرتهم إباحة الأموال و الأنفس و سوء الأعمال، ثم إنهم طمعوا في ملكة حلب بحكم موت أبي المعالي بن سيف الدولة صاحبها، و قد كان العزيز لما انتدب منجوتكين أكرمه و عظمه و أمر القواد و طبقات الناس بالترجل له و توفيته من الحق ما يوفى عظماء الأمراء و الاسفهلارية، و استكتب له أحمد بن محمد القشوري، و ولي الشام، و ضم إليه أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي ليقوم بالأمر و التدبير و لما وصل إلى حلب و كان نزوله عليها في ثلاثين ألفا من أصناف الرجال، و تحصن أبو الفضائل بن سعد الدولة و لؤلؤ بالبلد، و أغلقا أبوابه و استظهرا بكل ما أمكنهما الاستظهار به، و قد كان لؤلؤ عند

____________

(1) كذا و فيها لبس و المقصود أن منجوتكين أنفذ الكتاب إلى الخليفة العزيز.

99

معرفته بتجهيز العساكر المصرية إلى حلب كاتب بسيل عظيم الروم، و مت إليه بما كان بينه و بين سعد الدولة من المساعدة و المعاقدة، و بذل له عن ولده السمع و الطاعة و الجري على تلك العادة، و حمل إليه هدايا و ألطافا كثيرة، و سأله المعونة و النصرة، و أنفذ بالكتاب و الهدايا ملكونا (1) السرياني و وصل إليه و هو بإزاء ملك البلغر و على قتاله، فقبل ما ورد فيه، و كتب إلى البرجي‏ (2) صاحب أنطاكية من قبله بأن يجمع عساكر الروم و يقصد حلب، و يدفع المغاربة عنها، فسار البرجي إليه في خمسة آلاف‏ (3) رجل و نزل بالموضع المعروف بجسر الحديد بين أنطاكية و حلب، فعرف منجوتكين (30 و) و ابن المغربي ذلك، فجمعا القواد و المعرفين خبر الروم و استشارهم فيما يكون العمل به و الاعتماد عليه، فأشار ذوو الرأي و الحصافة منهم بالانصراف عن حلب و قصد الروم و الابتداء بهم و مناجزتهم لئلا يحصلوا بين عدوين، و وقع العمل على ذلك و ساروا مع عدة أخرى كثيرة انضافت إليهم من أهل الشام و بني كلاب، و نزلوا تحت حصن أعزاز، و قاربوا الروم، و بينهم النهر المعروف بالمقلوب‏ (4) و هو نهر يجري مجرى الفرات في قرب من عرضه، فلما بصر المسلمون بالروم رموهم بالنشاب و ناوشوهم القتال، و حصل الناس و الروم على أرض واحدة و منجوتكين يردهم فلا يرتدون، و أنزل الله النصر و ولت الروم و أعطوا ظهورهم، و ركبهم المسلمون، و نكوا فيهم النكاية الوافية قتلا و أسرا و فلا و قهرا، و أفلت البرجي في نفر قليل‏ (5)، و ملك عسكرهم و سوادهم، و غنمت منهم الغنائم الوافرة من‏

____________

(1) في الأصل «ملكوا السيرافي» و هو تصحيف صوابه ما أثبتا اعتمادا على مرآة الزمان- حوادث سنة 381.

(2) اسمه عند يحيى بن سعيد: 174 «ميخائيل البرجي».

(3) في مرآة الزمان «في خمسين ألفا» و يتوافق هذا مع سياق الخبر.

(4) هو نهر العاصي.

(5) في مرآة الزمان المزيد من التفاصيل الهامة عن المعركة فيها توضيح لكيفية عبور نهر العاصي (حوادث سنة 381).

100

أموالهم و كراعهم و سوادهم، و قد كان معهم ألفا راجل من رجالة حلب جردهم لؤلؤ مع عدة وافرة من الغلمان، فقتل منهم تقدير الثلاثمائة غلام، و عاد فلهم إلى حلب، و جمع رؤوس قتلى الروم نحو عشرة آلاف رأس أنفذت إلى مصر، و شهرت بها، و تبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية، و أحرق ضياعها، و نهب رستاقاتها، و انكفأ راجعا إلى حلب، و كان وقت استغلال الغلات، فأنفذ لؤلؤ من أحرق ما قرب من البلد منها لمضرة العسكر المصري، و قطع مادة الميرة عنهم و التضييق في الأقوات عليهم، و رأى لؤلؤ أن قد بطل عليه ما كان يرجوه من معونة الروم و قد أظله من عسكر مصر ما لا طاقة له به، فكاتب أبا الحسن بن المغربي و القشوري و أرغبهما بالمال، و بذل لهما منه ما وسع لهما فيه، و سألهما المشورة على منجوتكين بالإنصراف إلى دمشق و المعاودة إلى حلب في العام المقبل و تصيّرا السبب في هذا الرأي ما عليه الأمر من عدم الميرة، و تعذر الأقوات و العلوفات، فطاوعاه و وعداه، و خاطبا منجوتكين في ذلك، فصادف قولهما منه تشوفا إلى دمشق إلى خفض العيش فيها، ضجرا من طول السفر، و مباشرة الحرب فكتب و كتب الجماعة إلى العزيز بالله إليه الحال في تعذر الأقوات و أنه لا قدرة للعسكر (30 ظ) على المقام مع هذه الصورة و يستأذنوه في الإنكفاء إلى دمشق، فقبل أن يصل الكتاب و يعود الجواب رحل منجوتكين عائدا.

و عرف العزيز ما كان منه فغاظه و وجد أعداء ابن المغربي طريقا إلى الطعن عليه و الوقيعة فيه، فصرفه و قلد صالح بن علي الروذباري موضعه، و أنفذه، و أقسم العزيز أنه يمد العسكر بالميرة من غلات مصر، فحمل مائة ألف تليس، و التليس قفيزان بالمبدل، في البحر إلى طرابلس، و منها على الظهر إلى أفامية، و عاد منجوتكين في العسكر في السنة الثانية إلى حلب و نزل عليها، و صالح بن علي المقدم معهم، و كان يوقع للغلمان بجراياتهم و قضيم دوابهم إلى أفامية و يمضون خمسة و عشرون فرسخا

101

و يعودون بها، و أقاموا ثلاثة عشر شهرا، و بنوا الحمامات و الأسواق و الخانات، و أبو الفضائل و لؤلؤ قد تحصنا بالبلد و قد اشتد الأمر بهما و فقدت الأقوات عندهما، و كان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة بثلاثة دنانير و يبيعة على الناس بدينار واحد رفقا لهم، و يفتح الباب و يخرج من الناس من أراد من الفقراء من الجوع و طول المقام، و قد كان أشير على منجوتكين بتتبع من يخرج و قتله ليمتنع الناس من الخروج و يزيد ضيق الأمر عليهم فلم يفعل.

و عند ذلك أعاد لؤلؤ ملكونا الذي أرسله أولا إلى بسيل ملك الروم إليه مجددا له السؤال بالإنجاد على ما دهمه من عسكر مصر و الاسعاد، و أعلمه أنه لم يبق فيه رمق إن لم يبادر بمعونته و نصرته، و أنه متى أخذت حلب و ملكت، فأنطاكية لا حقة بها (1)، و كان بسيل متوسطا بلد البلغر، فقصد ملكونا إليه و أوصل الكتاب و أعاد عليه ما يحمله من الرسائل إليه، و قال له: متى قصدت أيها الملك هذا الخطب بنفسك لم يقف أحد من عساكر المغاربة بين يديك و استخلصت حلب و حفظت أنطاكية و سائر أعمالها، و إن تأخرت ملك جميع ذلك.

فلما سمع ملك الروم ما قاله الرسول المذكور سار من وقته طالبا حلب، و بينه و بينها مسيرة ثلاثمائة فرسخ فقطعها في ستة عشر يوما في ثلاثة آلاف فارس و راجل من الروم و الروسية و البلغر و الخزر، و كان الزمان ربيعا و قد سرح العسكر المصري كراعه في المروج لترتبع فيها، فهجمت الروم على العسكر على غفلة و غرة، فأرسل (31 و) لؤلؤ إلى منجوتكين يقول له: إن عصمة الاسلام الجامعة بيني و بينك و بين عساكرك تبعثني على إنذارك، و هذا عسكر الروم قد أظلكم في الجمع الكثير، فخذوا لأنفسكم و تيقنوا لأمركم و لا تهملوا حذركم، و وردت‏

____________

(1) يضيف صاحب مرآة الزمان «و متى أخذت أنطاكية أخذت قسطنطينية» (حوادث سنة 381 ه).

102

جواسيس منجوتكين و عيونه من الجهات و الطلائع عليه بمثل ذلك، فأحرق الخزائن و الأسواق و رحل في الحال منهزما، و أشار العرب عليه بأن ينزل أرض قنسرين و يملك الماء و يستدعي كراعه من مروج أفامية، و يثبت للقاء العدو و يحرضه على بذل الجهد و استفراغ الوسع في الجهاد، فلم يفعل، و امتدت به الهزيمة إلى دمشق.

و وافى ملك الروم فنزل على باب حلب و شاهد من موضع منزل المغاربة ما هاله و عظم في عينه، و خرج إليه أبو الفضائل و لؤلؤ و خدماه، و رحل في اليوم الثالث إلى الشام، و نزل على شيزر و فيه منصور بن كراديس أحد قواد المغاربة، فقاتله في الحصن يوما واحدا و لم يستطع الثبات له لخلو الحصن من العدد و آلات الحرب و أقوات المقام على الحصار، فراسله بسيل و بذل له الأمان على نفسه و من معه في الحصن، و أن يعطيه مالا و ثيابا على تسليمه، فسكن إلى ذلك و سلمه، و وفى له بسيل بجميع ما بذله من المال و الأمان و العطاء، فرتب في الحصن نوابه و ثقاته، و سار قاصدا إلى طرابلس الشام، و افتتح في طريقه حمصا، و سبى منها و من رفنية و أعمالها ما يزيد على [عشرة آلاف ثم نزل على‏] (1) ثغر طرابلس، و هو بري بحري متين القوة و الحصانة شديد الامتناع على منازله، و أقام عليه نيفا و أربعين يوما يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه، فلم يتم له فيه أمر و لا مراد فرحل عنه قافلا إلى بلاد الروم.

و انتهت الأخبار بذلك إلى العزيز بالله فعظم ذلك عليه، و أمر بالاستنفار إلى الجهاد و النداء في الغزاة و سائر الأجناد فنفر الناس، و خرج مستصحبا لجميع عساكره و ما يحتاج إليه من عدده و أمواله و ذخائره، و معه توابيت آبائه و أجداده على العادة في مثل هذه الحال، و قيل إن كراعه كان يزيد على عشرين ألف رأس خيلا و بغالا و جمالا و حميرا، و سار مسافة

____________

(1) زيد ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان (حوادث سنة 381) لمزيد من التفاصيل حول حصار طرابلس انظر تاريخ يحيى بن سعيد: 176.

103

عشرة فراسخ في مدة سنة حتى نزل بلبيس‏ (1) و أقام بظاهرها، و عارضته علل مختلفة من نقرس و قولنج و حصى في المثانة، و اشتد به الأمر و كان (31 ظ) الأطباء إذا عالجوا مرضا من هذه الأمراض بدوائها زاد في قوة الأخرى و استحكامها و كان محتاجا إلى الحمام لأجل القولنج و لم يكن في منزله إلا حمام لرجل من أهلها، فاشتد به فيه و بات للضرورة فيه و أصبح و القوة تضعف و الألم يشتد و يتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام، يوم الاثنين الثامن و العشرين من شهر رمضان سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة، و عمره إثنتان و أربعون سنة، و نقش خاتمه «بنصر العليم الغفور ينتصر الامام أبو منصور» و مولده في القيروان سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و مدة أيامه إحدى و عشرين سنة و ستة أشهر و أربعة و عشرين يوما، و كان حسن السيرة مشتغلا بلذاته محبا للصيد متغافلا عن النظر في كثير مما كان أسلافه ينظرون فيه من إظهار علم الباطن و حمل الناس عليه، و توفي (رحمه الله) و هو مستمر على ذلك.

ثم ولي الأمر بعده ولده أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله، و كان معه، فعهد إليه في الأمر، ورد تدبير أمره إلى برجوان الخادم مربيه و حاضنه، و كان عهد إليه أمر الحرم و القصور لثقة العزيز به، و سكونه إليه، و وصى إليه بما اعتمد فيه عليه، و حدثت ست الملك ابنة العزيز نفسها بالوثوب على الأمر و اجلاس ابن عمها عبد الله، و كانت مسماة عليه، فأحس برجوان بذلك فقبض عليها و حملها مع ألف فارس إلى قصرها بالقاهرة، و دعا الناس إلى بيعة الحاكم و أحلفهم على الطاعة، و أطلق الأرزاق و ذلك في شهر رمضان سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة و انكفأ الحاكم من المخيم إلى قصره بالقاهرة و عمره عشر سنين و ستة أشهر.

و تقدم أبو محمد الحسن بن عمار، و كان شيخ كتامة و سيدها و لقب بأمين الدولة و هو أول من لقب في دولة مصر، و استولى على الأمر و بسط

____________

(1) قصبة الحوف في مصر و لها أشجار و نخيل كثير. تقويم البلدان: 118- 119.

104

يده في الإطلاق و العطاء و الصلات بالأموال و الثياب و الحباء و تفرقة الكراع، و كان في القصر عشرة آلاف جارية و خادم، فبيع منهم من اختار البيع، و أعتق من سأل العتق، و وهب من الجواري لمن أحب و آثر، و انبسطت كتامة و تسلطوا على العامة و مدوا أيديهم إلى حرمهم و أولادهم، و غلب الحسن بن عمار على الملك، و كتامة على الأمور، و هم الحسن بقتل الحاكم (32 و) و حمله على ذلك شيوخ أصحابه، و قالوا: لا حاجة لنا إلى إمام نقيمه و نتعبد له، فحمله صغر سنه و الاستهانة بأمره على إقلال الفكر فيه، و أن قال لمن أشار عليه بقتله: و ما قدر هذه الوزعة (1) حتى يكون منها ما نخاف، و برجوان في أثناء ذلك يحرس الحاكم و يلازمه و يمنعه من الركوب، و لا يفسح له في مفارقة الدور و القصور، و قد كان شكر العضدي اتفق مع برجوان و عاضده في الرأي و الفعل، و صارا على كلمة سواء في كل ما ساء و سر، و نفع و ضر، و تظاهرا على حفظ الحاكم في وصاة والده العزيز به إلى أن تمت السلامة لهما فيه.

و أما منجوتكين و ما كان منه بعد نوبة الروم فإنه أقام بدمشق على حاله في ولايتها، و زاد أمر الحسن بن عمار و كتامة، و قلت مبالاتهم بالسلطان، فكتب برجوان إلى منجوتكين يعرفه استيلاء المذكورين على الأمور و غلبتهم على الأموال و تعديهم على الحرم و الفروج و قبيح الأعمال و رفعهم المراقبة للخالق و الحشمة من المخلوقين، و إبطالهم رسوم السياسة و إضاعة حقوق الخدمة، و أنهم قد حصروا الحاكم في قصره و حالوا بينه و بين تدبير أمره، و يدعوه إلى مقابلة نعمة مولاه العزيز عنده بحفظه ولده، و الوصول إلى مصر و قمع هذه الطائفة الباغية، و قال: إن الديلم و الأتراك و العبيد الذين على الباب يساعدونه على ما يحاول فيهم، و يكونون معه أعوانا عليهم، فامتثل منجوتكين ما في الكتاب عند وقوفه عليه، و سارع إليه، و ركب إلى المسجد الجامع في‏

____________

(1) دويبة صغيرة من الزواحف سامة برصاء. لسان العرب‏