تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
105

السواد، و جمع القواد و الأجناد و مشايخ البلد و أشرافه و فيهم موسى العلوي، و له التقدم و الميزة، و أذكرهم بحقوق العزيز و ما كان منه من الاحسان إلى الخاص و العام، و حسن السيرة في الرعية، و اعتقاد الخير للكافة، و خرج من ذلك إلى ذكر ما له عليه من حقوق الاصطناع و التقدم و الاصطفاء، و التعزير (1) للتنويه باسمه و ما يلزمه في خدمته حيا و ميتا، و مناصحته معدوما و مفقودا و موجودا، و قال: و إذ قبضه الله إليه و نقله إلى ما اختاره له و ارتضاه، و حكم به و أمضاه، فإن حقوقه قد انتقلت إلى نجله و سليله الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، و هو اليوم ولي النعمة و قائم مقام العزيز بالله (رحمه الله)، في استحقاق الطاعة و المناصحة (32 ظ) و الخدمة، و قد تغلب على الملك الحسن بن عمار و كتامة، و صار إخواننا المشارقة بينهم كالذمة بين المسلمين، و ما يسعنا الصبر على هذه الصورة و تسليم الدولة إلى هذه العصابة المتسلطة، و خرق ثيابه السود، و بكى البكاء الشديد، فاقتدى الناس في تخريق الثياب و البكاء، ثم قالوا: ما فينا إلا سامع لك مطيع لأمرك و مؤثر ما تؤثر و باذل مهجته في طاعة الحاكم و خدمته و خدمتك، و مهما رسمت لنا من خدمة و بذل نفس و مكنة كنا إليه مسارعين، و لأمرك فيه طائعين إلى أن تبلغ مناك و تدرك مبتغاك في نصرة مولانا، فشكرهم على هذا المقال و قوى عزائمهم و آراءهم على المتابعة له، و العمل بما يوافقه، و عاد إلى داره و وضع العطاء في الرجال، و برز إلى ظاهر دمشق، و قد اشتملت جريدة الاثبات على ستة آلاف من الأجناد السائرين معه خيلا و رجلا، و كتب إلى الحسن بن عمار على أجنحة الطيور و مع أصحاب البريد بشرح ذلك الحال.

فلما وقف على الخبر عظم عليه و قلق، و جمع وجوه كتامة، و أعاد عليهم ما ورد من خبر منجوتكين، و ما هو مجمع عليه في بابهم، و قال:

____________

(1) الاعانة و التوفير و النصر و منع الجاني أن يعاود الذنب- النهاية لابن الأثير.

106

ما الرأي عندكم؟ قالوا: نحن أهل طاعتك و المسارعون إلى العمل باشارتك، و أظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم و جرى مجرى ألفتكين المعزي البويهي، و ندب الناس لقتاله و تقدم إلى الخزان في خزائن أموال العزيز بإطلاق الأموال، و إلى العراض‏ (1) بتجريد الرجال و الإنفاق فيهم، و أحضر برجوان و شكر العضدي و قال لهما: أنا رجل شيخ، و قد كثر الكلام عليّ و القول فيّ، و مالي غرض إلا في حفظ الأمر للحاكم، و مقابلة اصطناع العزيز و إحسانه إليّ، و أريد مساعدتكما و معاضدتكما، و أن تحلفا لي على صفاء النية و خلوص العقيدة و الطوية، فدعتهما الضرورة إلى الانقياد له و الإجابة إلى ما سأله منهما، و استأنف معهما المفاوضة و المشاورة و الاطلاع لهما على مجاري الأمور و وجوه التدبير في الجمهور و استمالة المشارقة.

و ندب أبا تميم سلمان بن جعفر بن فلاح، و قدمه و جعله اسفهسلار الجيش، و أمره بالمسير إلى الشام، و أطلق له كل ما التمسه من المال و العدد و الرجال و السلاح و الكراع، و أسرف في ذلك إلى حد لم يقف عنده، و جرد (33 و) معه ستة عشر ألف رجل من الخيل و الرجال و برز إلى عين شمس و كان عيسى بن نسطورس الوزير على حاله في الوزارة، فبلغ ابن عمار عنه ما أنكره، فقبض عليه و نكبه، و قتله، و سار سلمان بن فلاح من مصر، و رحل منجوتكين إلى الرملة فملكها و أخذ أموالها، فتقوى بها، و كان معه المفرج بن دغفل بن الجراح، و سنان بن عليان‏ (2)، و نزل سلمان عسقلان، و سار منجوتكين حتى نزل بظاهرها، و تقابل الجيشان، فلما كان بعد ثلاثة أيام من تقاربهما ضرب كل واحد منهما مصاف عسكره، و عمل على مناجزة صاحبه، و استأمنت العرب من أصحاب ابن جراح و ابن عليان إلى سلمان، فاستظهر و قتل من‏

____________

(1) كانت وظيفة العارض من أهم الوظائف العسكرية.

(2) أمير قبائل كلب، و سيرد المزيد من أخباره.

107

أصحاب منجوتكين أربعة قواد في وقت واحد، و انهزم منجوتكين و قتل من الديلم عدة كثيرة لأنهم لجأوا عند الهزيمة إلى شجر الجميز و اختفوا به، فكان المغاربة ينزلونهم منهم و يقتلونهم تحتها، و أحصيت القتلى، فكان من أصحاب منجوتكين ألفي رجل.

و سار سلمان إلى الرملة و قد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم و الأموال و الكراع، و بذل لمن يحضر منجوتكين عشرة آلاف دينار و مائة ثوب، فانبثت العرب في طلبه، و أدركه علي بن الجراح، فأسره و حمله إلى سلمان، فأخذه منه و أعطاه ما بذل له، و حمله مع رؤوس القتلى من أصحابه إلى مصر، فشهرت الرؤوس و أبقى على منجوتكين الحسن بن عمار و اصطنعه، و استمال المشارقة به، و نزل سلمان طبرية.

و كان أهل دمشق قد أثاروا الفتنة، و نهبوا دار منجوتكين و خزائنه و ما فيها من مال السلطان و عدده، فأنفذ أخاه عليا إليها في خمسة آلاف رجل، فلما وصلها ناوش أهلها و ناوشوه، و اعتصموا بالبلد، و منعوا الدخول إليه، و كتب إلى سلمان أخيه يعلمه مخالفتهم و عصيانهم، و يستأذنه في منازلتهم و قتالهم، فأذن له في ذلك و أعلمه مسيره إليه، و كتب إلى موسى العلوي و الأشراف و الشيوخ بالإنكار عليهم بتسلط العامة فيما ارتكبوه من النهب و الافساد، و تقاعدهم عن الأخذ على أيديهم و الردع لهم، و التوعيد بالمسير إليهم، و المقابلة لهم بما يقتضيه الرأي، فلما وقفوا على ما ذكره، خافوا و خرجوا إلى أخيه علي، و لقوه و أعلموه أنهم على الطاعة و الإنكار لما أجرى إليه (33 ظ) الجهالة، فركب علي و حارب أهل دمشق و زحف إلى باب الحديد و النفاطون معه، فانهزموا منه، و ملك البلد، و طرح النار في الموضع المعروف بحجر الذهب، و هو أجل موضع في البلد، و قتل خلقا من رجاله، و عاد بعد ذلك إلى معسكره، و وافى من غد أخاه سلمان في عسكره، فأنكر عليه إحراق ما أحرق، و بلوغه في الإفساد ما بلغ، و تلقاه الأشراف و الشيوخ‏

108

و الناس، و شكوا إليه ما لحقهم و تلف من دورهم و أملاكهم و أموالهم، فأمنهم، و كف المغاربة عنهم، و أظهر اعتقاده الجميل فيهم، و كتب المناشير بالصفح عن الجناة و إيمان الكبير و الصغير منهم، و رفع الكلف و المؤن عنهم، و إفاضة العدل و الانصاف فيهم، و قرئت في المسجد الجامع على رؤوس الأشهاد، فسكنت إلى ذلك النفوس، و اطمأنت به القلوب، و رجعوا إلى ما كانوا عليه، و اختلط المغاربة بهم و ركب القائد سلمان إلى الجامع في يوم الجمعة بالطيلسان على البغل السندي، و خرق في البلد بالسكينة و الوقار و بين يديه القراء، و قوم يفرقون قراطيس دراهم الصدقات على أهل المسكنة و الحاجة، و كان لهذا القائد سلمان نفس واسعة و صدر رحب، و قدم في الخير متقدمة، و رغبة في الفعل الجميل مشهورة، و مقاصد في الصلاح مشكورة بعد الحسن بن عمار، و لما صلى عاد إلى القصر الذي بني بظاهر البلد، و نزل فيه و قد استمال قلوب الرعية و العامة بما فعله و أظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه، و إطلاق جماعة كانت في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدمة و الجنايات السالفة، و استقام له الأمر و استقرت على الصلاح الحال، و صلحت أحوال البلد و أهله بما نشر فيه من العدل و حكم به من الإنصاف، و أحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف من صرفه من ولاتها الجائرين، و استبدل بهم من شيوخ كتامة و قوادها، ورد إلى علي أخيه ولاية طرابلس الشام، و صرف عنها جيش بن الصمصامة، فمضى جيش المذكور إلى مصر من غير أن يقصد القائد سلمان و يجتمع معه.

و كان جيش هذا من شيوخ كتامة أيضا، إلا أن سلمان كان سي‏ء الرأي فيه لعداوة بينه و بينه، فلما حصل جيش بمصر (34 و) قصد برجوان سرا و طرح نفسه عليه، و أعلمه بغض أهل الشام للمغاربة و استيحاشهم منهم، فأولاه برجوان الجميل قولا و وعدا، و بذل له المعونة على أمره، و تأمل برجوان ما يلي به في الأحوال من الحسن بن‏

109

عمار و كتامة، و ما خافه على نفسه منهم، و أن مصر و القاهرة قد خلتا إلا من العدد الأقل منهم، و امكنته الفرصة فيما يريده منهم فراسل الأتراك و المشارقة، و قال لهم: قد عرفتم صورتكم و صورة الحاكم مع هؤلاء القوم، و أنهم قد غلبوا على المال، و غلبوكم، و متى لم ننتهز الفرصة في قلة عددهم، و ضعف شوكتهم، سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه و استدراك الغاية منه، و أوثقهم على الطاعة و المساعدة فبذلوها له و وثقوا له في كل ما يريده، و أحس الحسن بن عمار ما يريد برجوان، و شرع فيه و في الفتك به، و سبقه إلى ما يحاوله فيه، و رتب له جماعة في دهليزه، و وافقهم على الإيقاع به و بشكر إذا دخلا داره، و كان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار، فصاروا إليه و أعلموه ما قد عمل عليه، و اجتمع برجوان و شكر و تفاوضا الرأي بينهما في التحرز مما بلغهما و قررا أن يركبا، و يركب على إثرهما من الغلمان جماعة، «فإن أحسوا و أحسينا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا و في ظهورنا من يمنع منا» فرتبا هذا الأمر و ركبا إلى دار الحسن، و كانت في آخر القاهرة مما يلي الجبل، فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أخبرا به فحذرا و عادا مسرعين، و جرد الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم، و دخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه و يستصرخان به، و ثارت الفتنة و اجتمع الأتراك و الديلم و المشارقة و عبيد الشراء بالسلاح على باب القصر، و برجوان يبكي و يقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا العزيز في ولده، و ارعوا فيه ما تقدم من حقه، و هم يبكون لبكائه.

و ركب الحسن بن عمار في كتامة و من انضاف إليهم من القبائل، و غيرهم و خرج إلى الصحراء و تبعوه و تبعه وجوه البلد، فصار في عدد كثير، و فتح برجوان خزائن السلاح، و فرقه على الغلمان و الرجال، و أحدقوا و من معهم بالقصر من المشارقة و العامة (34 ظ) بقصر الحاكم، و على أعلاه الخدم و الجواري يصرخون، و برز منجوتكين و بارجتكين‏

110

و ينال الطويل، و خمسمائة فارس من الغلمان، و وقعت الحرب بينهم و بين الحسن إلى وقت الظهر، و حمل الغلمان عليه، فانهزم، و زحفت العامة إلى داره فنهبوها، و فتحوا خزائنه، و تفرقوا ما فيها، و التجأ الحسن إلى بعض العامة فاستتر عنده، و تفرق جميع من كان معه، و فتح برجوان باب القصر، و أجلس الحاكم و أوصل إليه الناس، و أخذ له بيعة مجددة على الجند، فما اختلف عليه أحد و كتب الأمانات لوجوه كتامة و قواد الدولة، و راسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة عذرهم فيما كان منهم، فحضرت الجماعة و أعطت أيمانها على السمع و الطاعة، فاستقام الأمر لبرجوان، و كتب الكتب إلى أشراف دمشق و وجوه أهلها، يأمرهم بتطييب نفوسهم، و يبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سلمان بن جعفر بن فلاح و الإيقاع به، و كتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور و الإعانة لهم عليه.

111

شرح أسباب ولاية القائد سلمان بن فلاح المقدم ذكره لدمشق و ما آلت إليه حاله و حال أخيه في ذلك في سنة سبع و ثمانين و ثلاثمائة

قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق، و السبب لذلك، و ما آلت الحال إليه ما في معرفته الغناء و الكفاية، و لما وردت المكاتبات من مصر عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة للحاكم بأمر الله بما يطيب قلوب أهل البلد، و يبعثهم على الوثوب على سلمان، و كان هذا القائد المذكور مشهورا بالكفاية و الغناء، و توقد اليقظة في أحواله و المضاء، لكنه كان مستهترا بشرب الراح و استماع الغناء، و التوفر على اللذة، و لما وردت الملطفات‏ (1) المصرية بما اشتملت عليه في حقه و هو منهمك في لهوه لم يشعر إلا بزحف العامة و المشارقة إلى قصره و هجومهم عليه، فخرج هاربا على ظهر فرسه، فنهبت خزائنه و أمواله و عدده، و أوقعوا بمن كان في البلد معه من كتامة، و قتلوا منهم عدة وافرة، و عادت الفتنة ثائرة، و اقتسم رؤساء الأحداث حال البلد، و كان يكتب لبرجوان فهد ابن إبراهيم النصراني، فلما صار الأمر (35 و) إليه استوزره، و كان من أبناء القبط بريف مصر، و استكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ديوان الرسائل، و لم يزل برجوان يتلطف للحسن بن عمار إلى أن أخرجه من استتاره، و أعاده إلى داره و أجراه على رسمه في راتبه و اقطاعاته بعد أن شرط عليه إغلاق بابه، و ألا يداخل نفسه فيما كان يداخلها فيه، و لا يشرع في فساد على الحاكم، و لا على برجوان، و أخذ العهد عليه بذلك و استحلفه بأوكد الأيمان و بالغ في التوثق منه.

و كان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة سبع و ثمانين قد عصوا

____________

(1) في الأصل: «المطلقات» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و الملطفات الرسائل السرية.

112

و أمروا عليهم رجلا ملاحا من البحرية يعرف بالعلاقة، و قتلوا أصحاب السلطان. و اتفق أن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة و نهب ما كان في السواد، و أطلق يد العيث في البلاد، و انضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم الروم في عسكر كثير إلى الشام، و نزوله على حصن أفامية، فاصطنع برجوان القائد جيش بن الصمصامة، و قدمه و جهز معه ألف رجل، و سيره إلى دمشق و أعمالها و بسط يده في الأموال، ورد إليه تدبير الأعمال، فسار جيش و نزل على الرملة و الوالي عليها وحيد الهلالي و معه خمسة آلاف رجل، و وافاه ولاة البلد و خدموه و صادف القائد أبا تميم سلمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضا جميلا، و ندب أبا عبد الله الحسن بن ناصر الدولة ياقوت الخادم و من معه من عبيد الشراء لقصد صور و منازلتها و فتحها، و كان قد ولي جماعة من الخدم السواحل، و أنفذوا إليها، و أنفذ في البحر تقدير عشرين مركبا من الحربية المشحونة بالرجال إلى ثغر صور، و كتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير إليه في أصطوله، و إلى ابن الشيخ والي صيدا بمثل ذلك، و إلى جماعة من الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور، و وقعت الحرب بينهما و بين أهلها، و استجار العلاقة بملك الروم، و كاتب يستنصره و يستنجده، و أنفذ إليه عدة مراكب في البحر مشحونة بالرجال المقاتلة، و التقت هذه المراكب مراكب المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالروم، و ملكوا مركبا من مراكبهم و قتلوا من فيه، و كانت عدتهم (35 ظ) مائة و خمسين رجلا، و انهزمت بقية المراكب، فضعفت نفوس أهل صور، و لم يكن لهم طاقة بمن اجتمع عليهم من العساكر برا و بحرا، و نادى المغاربة: «من أراد الأمان من أهل الستر و السلامة فليلزم منزله»، فلزموا ذلك، و فتح البلد، و أسر العلاقة و جماعة من أصحابه، و وقع النهب و أخذ من الأموال و الرجال الشي‏ء الكثير، و كان هذا الفتح أول فتح على يد برجوان‏

113

الحاكمي و حمل العلاقة و أصحابه إلى مصر، فسلخ حيا و صلب بظاهر المنظر (1)، بعد أن حشي جلده تبنا و قتل أصحابه.

و ولي أبو عبد الله الحسن بن ناصر الدولة بن حمدان صور، و أقام بها و سار جيش بن الصمصامة على مقدمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح و طلبه، فهرب بين يديه حتى لحق بجبلي طي‏ء (2) و تبعه حتى كاد يأخذه، ثم رماه ابن جراح بنفسه و عجائز نسائه، و عاذ منه بالصفح و طلب الأمان فأمنه، و شرط عليه ما التزمه، و عفا عنه جيش، و كف عنه و استحلفه على ما قرره معه، و عاد إلى الرملة و رتب فيها واليا من قبله، و انكفأ إلى دمشق طالبا لعسكر الروم النازل على أفامية، فلما وصل إلى دمشق استقبله أشرافها و رؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة، فأقبل على رؤساء الأحداث و أظهر لهم الجميل، و نادى في البلد برفع الكلف و اعتماد العدل و الإنصاف، و إباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد، فاجتمع إليه الرعية يشكرونه و يدعون له، و سألوه دخول البلد و النزول فيه بينهم، فأعلمهم أنه قاصد الجهاد في الروم، و أقام ثلاثة أيام و خلع على رؤساء الأحداث و حملهم و وصلهم و نزل حمص، و وصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس و المتطوعة من عامتها، و توجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصادف أهله قد اشتد بهم الحصار و بلغ منهم عدم الأقوات، و انتهى أمرهم إلى أكل الجيف و الكلاب، و ابتاع واحد واحدا بخمسة عشرين درهما، فنزل بإزاء الروم و بينه و بينهم النهر المعروف بالمقلوب، و التقى الفريقان و تنازعا الحرب، و المسلمون في عشرة آلاف رجل و معهم ألف فارس من (36 و) بني كلاب فحمل الروم على‏

____________

(1) انظر اتعاظ الحنفا للمقريزي: 2/ 18- 19، 3/ 268.

(2) أجأ و سلمى شرقي مدينة الرسول (صلى الله عليه و سلم) و يمر بهما حجاج الكوفة- تقويم البلدان: 67- 68.

114

القلب و فيه بدر العطار و الديلم و السواد فكسروه، و وضعوا السيف في من كان فيه، و انهزمت الميسرة و فيها ميسور الصقلبي والي طرابلس، و لحقتها الميمنة و فيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم و وحيد الهلالي، و ركب الروم أقبية المسلمين، و قتلوا منهم ألفي رجل، و استولوا على سوادهم و سلاحهم و كراعهم، و مال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه، و ثبت بشارة الاخشيدي في خمسمائة غلام، و شاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك، و ابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده، و سألوا الرحمة و النصر، و كان ملك الروم قد وقف على رابية بين يديه ولدان له، و عشرة نفر من غلمانه، ليشاهد ظفر عسكره و أخذه ما يأخذه من الغنائم، فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد، و عليه كزاغند و خوذة و بيده اليمنى خشت‏ (1) و باليسرى العنان و خشت آخر، فظنه الدوقس مستأمنا له و مستجيرا به، فلم يحفل به و لا تحرز منه، فلما دنا منه حمل عليه و الدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين‏ (2) الذي في يمناه رمية أصابت خللا في الدرع، فوصل إلى جسده، و تمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتا، و صاح الناس: «إن عدو الله قد قتل، فانهزمت الروم، و تراجع المسلمون، و عادت العرب، و نزل من كان في الحصن فأعانوهم و استولى المسلمون على الروم فقتلوهم و أسروهم، و كانت الوقعة في مرج افيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل واحد في إثر رجل، و من جانبه بحيرة أفامية و نهر المقلوب، فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة، و تصرم النهار و قد احتز من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس، و بات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية و وهب لهم من‏

____________

(1) الكزاغند كلمة مركبة من: كز أو قز و هو الحرير، و غند مبطن، و الكزاغند ثوب حريري أو قطني مبطن يلبسه المقاتل لوقاية جسمه، و الخشت هو نبل قصير أو ما يشبه الحربة القصيرة.

(2) حربة قصيرة ذات حدين.

115

الظفر، و وافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة، فمنهم من رد و منهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحد من العرب إلا ما عرفه، و كان مأخوذا منه فلم (36 ظ) يجد إلا ما أخذه أصحابه، و حصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين، فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة آلاف دينار و أخذهما إليه، و أقام على حصن أفامية أسبوعا، و حمل إلى مصر عشرة آلاف رأس و ألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية، و نهب الرساتيق، و أحرق القرى و انصرف منكفئا إلى دمشق، و قد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها و رؤسائها و أحداثها مهنئين و داعين له، فتلقاهم بالشمسية و زادهم من الكرامة و خلع عليهم [و على‏] (1) وجوه الأحداث، و حملهم على الخيل و البغال، و وهب لهم الجواري و الغلمان، و عسكر بظاهر البلد، و خاطبوه في الدخول و الجواز في الأسواق، و قد كانوا زينوها إظهارا للسرور به، و التقرب إليه، فلم يفعل، و قال: معي عسكر و إن دخلت دخلوا معي، و لم آمن من أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم، و التمس أن يخلوا له قرية على باب دمشق تعرف ببيت لهيا (2) ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلك.

____________

(1) زيد ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

(2) قال عنها ياقوت في معجمه: قرية مشهورة بغوطة دمشق، و ذكرها كرد علي في كتابه «غوطة دمشق» ص: 224 فقال: تسمى بيت ألاهية، كانت من أعمر القرى، أشبه ببلدة، و هي على طريق بغداد القديم بين البساتين حوالي جسر ثورة، في البقعة التي يقوم عليها المستشفى الانكليزي في القصاع- مستشفى الزهراوي حاليا.

116

ولاية بشارة الإخشيدي لدمشق في سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة

و السبب الداعي إلى ذلك و ما آلت إليه الحال لما تقرر الحال بمصر مع برجوان الحاكمي على تجهيز جيش بن الصمصامة إلى الشام، لتلافي ما حدث فيه، و تدبير الأعمال و تسديد الأحوال و الدفع لشر الروم الواصلين إلى أعماله، اقتضت الحال و السياسة رد ولاية دمشق بعد إخراج القائد أبي تميم سلمان بن جعفر ابن فلاح منها على ما تقدم الذكر له إلى القائد بشارة الاخشيدي، فسار و وصل إليها و دخلها و نزل في قصر الولاة (1) بها، و شرع في البناء فيه، على عادة الولاة في ذلك في يوم الاثنين النصف من شوال سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة و توجه القائد بشارة الوالي المذكور مع جيش بن الصمصامة إلى الجهاد في الروم، فلما أظفر الله بهم، و نصر عليهم، و انكفأ المسلمون منصورين ظافرين مسرورين، و عاد بشارة الوالي في الجملة، صادف الأمر و قد ورد من مصر بصرف القائد بشارة عن ولاية دمشق و إقرارها على القائد جيش بن محمد (37 و) بن الصمصامة (2).

شرح السبب في ذلك و ما انتهت إليه حاله و كان مآله‏

قد تقدم شرح السبب في إخراج القائد جيش في المعسكر من مصر إلى الشام ما كفى و أغنى، و ما كان منه في التدبير في افتتاح ثغر صور، و كسر عسكر الروم، و العود إلى دمشق و صرف بشارة عن ولايتها.

____________

(1) من المرجح أنه بني في موقع الدكة على نهر يزيد في سفح جبل قاسيون. انظر مجلة الحوليات م 22- 23 ص: 40- 43.

(2) انظر ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 306- 308، 345- 348، حيث ترجمة لكل من بشارة الاخشيدي و جيش بن الصمصامة نقلا عن المقفى للمقريزي.

117

و اتفق ذاك و قد قوض الصيف خيامه، و طوى بعد النشر أعلامه، و الشتاء قد أقبل بصره و صريره و قره و زمهريره، فالتمس من أهل دمشق على ما تقدم ذكره اخلاء (1) بيت لهيا، فأجيب إلى ما طلب، فنزل فيها و شرع في التوفر على استعمال العدل، و رفع الكلف و احسان السيرة و المنع من الظلم، و استخص رؤساء الأحداث و قدمهم و استحجب جماعة منهم، و جعل يعمل لهم السمط في كل يوم يحضرهم للأكل عنده و يبالغ في تأنيسهم و استمالتهم بكل حال، فلما مضت على ذلك برهة من الزمان أحضر قواده و وجوه أصحابه، و تقدم إليهم بالكون على أهبة و استعداد لما يريد استخدامهم، و توقع لما يوصل إليهم من رقاعه المختومة بخاتمه و العمل به، و قسم البلد و كتب إلى كل قائد بذكر الموضع الذي يدخل فيه، و يضع السيف في مفسديه، ثم رتب في حمام داره مائتي راجل من المغاربة بالسيوف، و تقدم إلى المعروف بالباهري العلوي و كان من خواصه و ثقاته بأن يراعي حضور رؤساء الأحداث الطعام فإذا أكلوا و قاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه أغلق عليهم بابه، و أمر من رتب في الحمام بوضع السيف في أصحابهم، و كان كل رجل منهم يدخل و معه جماعة من الأحداث معهم السلاح، و حضر القوم على رسمهم، فبادر جيش بالرقاع إلى قواده، و جلس معهم للأكل، فلما فرغوا نهض فدخل في حجرته و نهضوا إلى المجلس و أغلق الفراشون بابه، و كانت عدتهم اثني عشر رجلا يقدمهم المعروف بالدهيقين، و خرج من بالحمام فوضعوا السيف في أصحابهم فقتلوهم بأسرهم، و كانوا تقدير مائتي رجل، و ركب القواد و دخلوا البلد و قتلوا فيه (37 ظ) قتلا ذريعا و ثلموا السور من كل جانب، و فتحوا أبوابه و رموها، و أنزل المغاربة دور الدمشقيين، و جرد إلى الغوطة و المرج قائدا يعرف بنصرون و أمره بوضع السيف في من بها من الأحداث، فيقال أنه قتل ألف رجل منهم لأنهم كانوا كثيرين، و دخل‏

____________

(1) موقع حي القصاع الحالي بدمشق.

118

دمشق فطافها فاستغاث الناس و سألوا العفو و الإبقاء، فكف عنهم و رتب أصحابه المصالح‏ (1) في المحال و المواضع، و عاد إلى القصر في وقته فاستدعى الأشراف استدعاء حسن معه ظنهم فيه، فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث فضرب رقابهم بين أيديهم، و أمر بصلب كل واحد منهم في محلته، حتى إذا فرغ من ذلك قبض عليهم و حملهم إلى مصر، و أخذ أموالهم و نعمهم، و وظف على أهل البلد خمسمائة ألف دينار.

و جاءه أمر الله تعالى الذي لا يدفع نازله، و لا يرد واصله، فهلك، و كان سبب هلاكه ناسور خرج في سفله، و لم يزل يستغيث من الألم، و يتمنى الموت و يطلب أن يقتل نفسه فلا يتمكن و لا يمكن، و يسأل في قتله فلا يقتل إلى أن هلك على هذه الحال‏ (2)، و كانت مدة هذه الولاية و الفتنة تسعة شهور، و قيل إن عدة من قتل من الأحداث ثلاثة آلاف رجل.

و انتهى الخبر إلى مصر بهلاكه، فقلد ولده محمد بن جيش مكانه‏ (3)، و قد استقامت الأمور بمصر و الشام، و استمال برجوان المشارقة و استدعاهم من البلاد، فاجتمع عنده منهم تقدير ثلاثة آلاف رجل، و كان يواصل النظر في قصر الحاكم نهاره أجمع إلى أن ينتصف الليل و يجاوز الانتصاف، و يوفي السياسة حقها، و بين يديه أبي العلاء فهد بن إبراهيم من يمشي الأمور و يحسن تنفيذها.

و راسل برجوان بسيل ملك الروم على لسان أبي العلاء، و دعاه إلى‏

____________

(1) كذا في الأصل و لعلها مصحفة صوابها «المسالح».

(2) روى المقريزي سببا آخر لوفاته فقال: و كان به طرف جذام، فتزايد به حتى تمعط [سقط] شعره و رشح بدنه و اسود، ثم اتحتت سحنة وجهه، و داد كله، و نتن جميع جسده، فصار يصيح: و يحكم اقتلوني، أريحوني، إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر سنة تسعين و ثلاثمائة، و كان مقامه على دمشق ستة عشر يوما. انظر كتابي: مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص: 347.

(3) الذي ذكره المقريزي هو أن جيش أوصى بتركته إلى الحاكم، فحملها ابنه أبو عبد الله إلى قصر الخلافة، فقام الحاكم بالاطلاع على الوصية و منح ما تركه جيش لأولاده- المصدر أعلاه: 347- 348.

119

المهادنة و الموادعة، و حمل إليه هدايا سلك فيها التألف و الملاطفة، فقابل بسيل ذلك منه بأحسن قبول، و تقررت الموادعة عشر سنين، و أنفذ بسيل في مقابلة الهدية ما جرى به عادة مثله.

و صلحت الحال مع العرب و أحسن إلى بني قرة و ألزمهم شرائط الطاعة، و سير عسكرا إلى برقة و طرابلس الغرب فأخذها و عول في ولايتها على يانس الصقلبي، و كان لفرط اشفاقه على الحاكم يمنعه من الركوب في غير وقت ركوبه و العطاء لغير (38 و) مستحقة، و فعل و ذلك يفعله من باب السياسة و الحفظ لنفسه و هيبته و ماله، و هو يسر ذلك في نفسه‏ (1) أنه من الاساءة إليه و التضيق عليه، و كان مع الحاكم خادم يعرف بزيدان الصقلبي‏ (2) و قد خص به و أنس إليه في شكوى ما يشكوه من برجوان إليه، و إطلاعه على ما يسره في نفسه له، و زاد زيدان في الحمل عليه و الإغراء به، و قال له فيما قال: إن برجوان يريد أن يجري نفسه مجرى كافور الاخشيدي، و يجريك مجرى ولد الاخشيدي في الحجر عليك و الأخذ على يدك، و الصواب أن تقتله و تدبر أمرك منفردا به، فقال له الحاكم: إذا كان هذا رأيك و الصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه، فبذلها له، فلما كان في بعض أيام شهور سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ إلى برجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره و تفرق الناس عنه، للركوب إلى الصيد، و أن يقف له في البستان الذي داخل القصر، فإذا حضر أمر بقتله، فأرسل إليه بالركوب، و قال: أريد أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف على بابه، و أنت بين يدي، فإذا حضر برجوان دخلت البستان و تبعني و كنت‏

____________

(1) أي الحاكم.

(2) كانت وظيفة زيدان حمل المظلة، و كانت وظيفة سامية لما للمظلة من مكانة خاصة لدى الخلفاء الفاطميين، ذلك أنها كانت من رموز الامامة الخاصة نبعت فكرتها مما جاء في أخبار السيرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كانت تظله غمامة، و ظهر أثر المظلة حتى في الأبنية الدينية، و هذا ما شاهدت آثاره في جامع المهدية في تونس الذي بني أيام المهدي الفاطمي.

120

في إثره فإذا نظرت إليك فاضربه بالسكين في ظهره، و واقف الخدم أن يضعوا عليه، فبينما هما في الحديث إذ دخل برجوان، فقال للحاكم: يا أمير المؤمنين الحر شديد و البزاة في مثله لا تصيد، فقال: صدقت و لكننا ندخل البستان و نطوف فيه ساعة و نخرج، و أنفذ برجوان إلى شكر، و كان قد ركب بأن يسير مع الموكب إلى المقس، و المقس ظاهر القاهرة، و يقف عند القنطرة «فإن مولانا يخرج من البستان و يتبعك»، ففعل و دخل الحاكم البستان و برجوان خلفه و زيدان بعده، و كان برجوان خادما أبيض اللون، تام الخلقة، فبدره زيدان فضربه بين أكتافه بسكين أطلعها من صدره، فقال: يا مولانا غدرت، فصاح الحاكم: يا عبيد خذوا رأسه، و تكاثر الخدم عليه فقتلوه، و خرج الخدم الكبار مسرعين على ظهور الخيل إلى الجانب، و بغال الموكب و الجوارح، فردوا جميعها، فقال لهم شكر: ما السبب في ذلك؟ فلم يجيبوه، فجاء الناس من هذا الحادث ما لم يكن في الحسبان، و عاد شكر بالموكب و شهر (38 ظ) الجند سيوفهم، و هم لا يعلمون ما الخبر، غير أنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه من الحسن بن عمار، و رجع أكثرهم إلى دورهم، فلبسوا سلاحهم و وافوا إلى باب القصر، و تميز المغاربة و المشارقة و أحدق شكر، و من معه من الأتراك و المشارقة بالقصر، و علا على شرف القصر الخدم في أيديهم السيوف و التراس، و عظم الأمر، و اجتمع القواد و شيوخ الدولة، و أبو العلاء الوزير على باب القصر الزمرد، فلما رأى الحاكم زيادة الاختلاط ظهر على منظرة على الباب، و سلم على الناس، فترجلوا عن دوابهم إلى الأرض و قبلوها بين يديه، و ضربت البوقات و الطبول، و فتح باب القصر و استدعى أصحاب الرسائل، و سلمت إلهم رقعة قد كتبها بيده إلى شكر و أكابر القواد، يقول فيها: إنني أنكرت على برجوان أمورا أوجبت قتله، فالزموا الطاعة و حافظوا على ما فيها في رقابكم من البيعة المأخوذة، فلما قرئت عليهم قبلوا الأرض و قالوا:

الأمر لمولانا.

121

و استدعى الحسين بن جوهر، و كان من شيوخ الدولة فأمر بصرف الناس فصرفهم، و عاد الحاكم إلى قصره، و كل من القواد إلى داره و النفوس خائفة من فتنة تحدث بين المشارقة و المغاربة، و شاع قتل برجوان، و ركب مسعود الحاكمي إلى داره فقبض على جميع ما فيها من أمواله، و جلس الحاكم وقت العشاء الأخير و استدعى الحسن بن جوهر و أبا العلاء فهد بن ابراهيم الوزير (1)، و تقدم إليه بإحضار سائر كتاب الدواوين و الأعمال، ففعل و حضروا و أوصلهم إليه، و قال لهم: إن هذا فهدا كان أمس كاتب برجوان عبدي و هو اليوم وزيري فاسمعوا له و أطيعوا و وفوه شروطه في التقدم عليكم، و توفروا على مراعاة الأعمال و حراسة الأموال، و قبل فهد الأرض و قبلوها، و قالوا: السمع و الطاعة لمولانا، و قال لفهد: أنا حامد لك و راض عنك، و هؤلاء الكتاب خدمي فاعرف حقوقهم و أجمل معاملتهم، و احفظ حرمتهم، وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته و أمانته، و تقدم بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد و الأعمال بالسبب الواجب لقتل برجوان، فكتب بما نسخته بعد التصدير، و ما جرت العادة (39 و) بمثله في الخطاب:

أما بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين حينا فاستعمله، ثم أسخطه فقتله، و أعلمك أمير المؤمنين ذاك لتعلمه و تجري على سننك الحميد في خدمته، و مذهبك الرشيد في طاعته و مناصحته، و تسديد ما قبلك من الأمور، و طالعه بما يتجدد لديك من أحوال الجمهور إن شاء الله.

و نفذت الكتب بذاك، و استقامت الأحوال على سنن الصواب، و زال ما خيف من الاختلال و الاضطراب.

____________

(1) حين تسلم برجوان شؤون الدولة مكان ابن عمار صار كاتبه هو أبو العلاء فهد بن ابراهيم بلقب الرئيس. انظر الاشارة إلى من نال الوزارة: 27.

122

ولاية القائد تميم بن اسماعيل المغربي الملقب بفحل لدمشق في سنة تسعين و ثلاثمائة

لما هلك جيش بن الصمصامة على ما تقدم الشرح فيه، عقيب إغراقه في الظلم و إيغاله في سفك الدماء و الجور، و كان هلاكه في يوم الأحد لتسع خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسعين و ثلاثمائة و كانت مدة ولايته التي هلك فيها على ما صح في هذه الرواية دون ما تقدم ذكره ستة عشر شهرا و ستة عشر يوما، و انتهى الخبر إلى مصر بذاك، وقع الارتياد لمن يختار لولايتها بعد المذكور، فوقع الاختيار على القائد تميم ابن اسماعيل المغربي الملقب بفحل، فوصل إليها و أقام بها و أمر و نهى و بقي شهورا من سنة تسعين و ثلاثمائة، و عرضت له علة هلك بها و مضى لحال سبيله، فلما انتهى خبر وفاته إلى مصر وقع الاعتماد في ولايتها على القائد علي بن جعفر بن فلاح و قد كان وليها دفعة أولى.

شرح ذلك‏

وصل القائد علي بن جعفر بن فلاح إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية، فنزل عليها في يوم السبت لليلتين بقيتا من شوال سنة تسعين و ثلاثمائة و أقام مدة يتولى أمرها و يدبر أحوالها على عادة الولاة، إلا أنه لم يبسط يده في مال و لا تعرض لشي‏ء من استغلال، ثم اقتضت الآراء بمصر أن يصرف عنها و يبدل بغيره في ولايتها.

123

ولاية القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف في سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة

وصل القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف إلى دمشق واليا عليها من قبل الحاكم بأمر الله في شهر رمضان من السنة، فدبر أمورها و نظر في أحوال أجنادها، و اقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد و يدافع بأعطياتهم، و يغلطهم و يظهر أمرا من التوفير فلم يتمكن (39 ظ) من بلوغ مرام، و لا نيل أمل، و اتفق أن يكون القائد علي بن فلاح- المقدم ذكره- مقيما في عسكره في الشماسية بظاهر دمشق، فلما طلبت الأجناد أرزاقها منه، قال لهم: ليس إليّ من أمر أرزاقكم شي‏ء، فكان على تدبير المال و اطلاق الأرزاق رجل من الكتاب نصراني يقال له ابن عبدون، فشغب الجند في العسكر، فثاروا يريدون ابن عبدون، فلحقوا ختكين الوالي في الطريق فنهاهم عن ابن عبدون و شتمهم، و كان رجلا جاهلا أحمق، فرجع إليه قوم من الجند فسألوه فلم يجب إلى ما يوافق أغراضهم و يسكن شغبهم، فثارت الفرسان و الرجالة إلى دور الكتاب فانتهبوا ما كان فيها، و نهبوا ما كان في الكنائس، و اجتمع بعد ذلك جماعة من المشارقة و المغاربة فتحالفوا على أن يكونوا يدا واحدة في طلب الأرزاق و المنع ممن عساه يطالبهم بما فعلوه، و حلف لهم القائد علي بن فلاح على كونه معهم و شده منهم، و انتهى الأمر في ذلك إلى الحاكم فقال: هذا قد عصى و خرج عن مشكور السياسة، و أمر بصرفه عن الولاية و الاستبدال به، و كتب إليه بذلك، فرحل عنها بنفر يسير من أصحابه في شوال من السنة المذكورة، و بقي العسكر في دمشق، فاقتضى الرأي الحاكمي رد ولاية دمشق إلى رجل أسود بربري يقال له القائد طزملت بن بكار.

124

ولاية القائد طزملت بن بكار البربري لدمشق في بقية سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة

وصل القائد طزملت‏ (1) المذكور إلى دمشق واليا عليها من قبل الحاكم بأمر الله في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة، و كان هذا طزملت عبدا لابن زيري‏ (2) والي القيروان، فولاه طرابلس الغرب فجار على أهلها، و ظلمهم و أخذ أموالهم، فحصل له منهم مال عظيم، فلما انتهى خبر ظلمه إلى مولاه طلبه و التمس إشخاصه إلى القيروان لكشف الأمر، فخافه و انهزم اشفاقا على نفسه و ماله، و وصل إلى مصر و حمل بعض ما كان معه إلى الحاكم، فتمكنت حاله عنده، و تأثلت منزلته منه، و ولاه دمشق فأقام واليا عليها إلى المحرم سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة فصرف عنها بخادم من خدم الحضرة يقال له القائد مفلح اللحياني و سنشرح حاله في غير هذا المكان.

و كان في سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة قد اجتمع في مصر أبو طاهر محمود بن محمد النحوي (40 و) و كان من أهل بغداد، و طرأ إلى مصر- و إليه ديوان الحجاز- (و) المعروف بابن العداس المصري- و إليه ديوان الخراج- على الرفع على أبي العلاء فهد بن إبراهيم الوزير و السعاية به إلى الحاكم و عملا عملا بما اقتطعه و ارتفق به، و اشتمل ذلك على جملة كبيرة من المال، و لقيا الحاكم بالعمل و وقفاه عليه، و بذلا له القيام بالأمر و توفير ستة آلاف دينار في كل سنة، فكان فهد يأخذها

____________

(1) كذا في الأصل و في مرآة الزمان و عند الصفدي في كتابه أمراء دمشق- ط. دمشق: 1955، لكن الصفدي نفسه ذكر «و قيل تموصلت» و هذا ما أرجحه لأنه أقرب إلى صيغة الأسماء البربرية.

(2) في الأصل «ابن وفري» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و كان صاحب تونس في هذه الآونة أبو مناد باديس بن المنصور بن يوسف بن زيري. انظر الخلاصة النقية في أمراء افريقية لمحمد الباجي، ط. تونس: 1283 ه، ص: 46.

125

لنفسه، فقال لهما: أنا أقبض عليه و أقلدكما النظر فيما كان ينظر فيه، فقالا: لا يتم أمر و لا يمشي لنا عمل و فهد حي مأمول الخروج من محبسه و العود إلى أمره، سيما و كل من بمصر و الشام من الولاة و العمال صنائع برجوان، و قد جرى اصطناعه اياهم على يده، فامتنع عليهما من قبله، و كره قتله، و قال لهما: ما له إلي ذنب فأقتله به! و راجعاه القول و ألحا عليه فيه، فقال: إذا فعلت ما أردتماه فما التوثقة فيما بذلتماه؟ قالا:

أن نكتب خطنا لك بأننا نكفيك أمورك، و نقوم بتمشيتها على مرادك، و نقيم لك وجه المال الذي ضمنا استخراجه لك و توفيره من الأعمال، قال: فأيكما يخرج إلى الشام؟ قالا: عبدك ابن النحوي، و يقيم ابن العداس بحضرتك، فقرر ذلك معهما و أخذ به خطهما.

و كان من عادة الحاكم أن يطوف ليلا بمصر و القاهرة، و قد منع التجار و أرباب الدكاكين أن يغلقوا دكاكينهم، أو ينصرفوا عنها إلى منازلهم حتى صار الليل نهارا في معاملاتهم، من اشعال السرج و الشمع، و إضاءة المحال و الأسواق تقربا إليه، و يطلق لهم المعونة الكثيرة على ذلك، و يقف على دكاكينهم، و يجتاز بينهم و لا يقدر أحد أن يقوم له أو يقبل الأرض بين يديه، فلما عاد في تلك الليلة سحرا من طوفه، أمر مسعودا السيفي بأن يمضي إلى فهد بن ابراهيم الوزير يستدعيه، فإذا دخل الحجرة ضرب عنقه و أحضر رأسه، و أن يقبض على أبي غالب أخيه، و كان شريرا مبغضا و إليه ديوان النفقات، فمضى و وجد فهدا في الحمام، فانتظره حتى خرج ثم استركبه و أشعره أنه يراد بخير و انزعج أولاده و أهله و ساءت ظنونهم فيه، و وصل مسعود إلى باب الزهومة، و هو باب من أبواب القصر، فعدل به إلى محجة العطب، فلما رأى فهد ذلك أحس (40 ظ) بالهلاك، فصاح و استغاث و بكى، و لاذ بالعفو، و بكى الناس لما شاهدوه من حاله و عرفوه من الأمر الذي يراد به، و أدخله مسعود إلى الحجرة فأقسم عليه فهد أن يراجع الحاكم في بابه‏

126

و بذل له ألف دينار، و توفير مثلها، فقال له مسعود: لا سبيل إلى المراجعة بعد ما أمرت به، و ضرب عنقه و أخذ رأسه و حمله إلى حضرة الحاكم، فلما شاهده أمره أن يخرج رأس كل من يقتله من وجوه الدولة إلى قائد (1) القواد، فلما رآه أسقط مغشيا عليه، و عاد مسعود ليقبض على أبي غالب أخيه فوجده قد هرب، فأعلم الحاكم ذلك فأمر بطلبه حتى ظفر به بعد شهر، و غيّر حليته و حلق لحيته فألحقه بأخيه، و أحضر أولاد فهد، فخلع عليهم، و كتب لهم سجلا بصيانتهم، و حماية دورهم و إزالة الاعتراض عنهم، و عن أسبابهم.

و نظر ابن العداس في الأعمال، و شرع في تهذيب الأمور و توفير الأموال، و توجه ابن النحوي إلى الشام على القاعدة المقررة مع الحاكم، و كان قد أعد ما يحتاج إليه من آلة السفر و التجمل، و استكثر من ذلك، و تناهى فيه، و هابه الناس، و تجنبوه و وصل أولا إلى الرملة، فقبض على العمال و المتصرفين فيها، و عسفهم و ألزمهم بمائتي ألف دينار، و وضع السوط و العصا في المطالبة، و بث أصحابه و نوابه إلى دمشق و طبرية و السواحل بعد أن وافقهم على أخذ العمال و المتصرفين في الأعمال و مصادرتهم، و خبط الشام، و عسف من فيه بطلب المال، و كان في جملة العمال رجل نصراني يتعلق بخدمة ست الملك أخت الحاكم، و له منها رعاية مؤكدة، فكتب إليها يستصرخ بها، و يشكو ما نزل بالناس من البلاء إليها، و ما شمل الشام و أهله من ابن النحوي، و ما بسط فيه من الظلم و العسف و الجور مما لم يجر بمثله عادة في قديم الأزمان و لا حديثها، فلما وصل الكتاب إليها و وقفت عليه، دخلت على الحاكم، و كان يشاورها في الأمور، و يعمل برأيها، و لا يخالف مشورة لها، فعرضت عليه ما تضمنه الكتاب من الشكوى، و قالت: يا أمير المؤمنين قد ظهر كذب ابن النحوي و ابن العداس و إعمالهما على فهد، و قتله‏

____________

(1) الحسين بن جوهر، و هو سيقتل فيما بعد أيضا.

127

مساعدة للحسين بن جوهر، و قد أفسد البلاد عليك، و أوحش الناس منك، فإن كنت يا أمير المؤمنين (41 و) تريد أخذ أموال عبيدك فكل يبذلها لك طوعا، و يحملها إلى خزانتك تبرعا بعد أن يكونوا تحت ظل الصيانة و في كنف الحياطة، هذا و لم تجر عادات آبائك إطلاق المصادرات، فأنكر الحاكم أنه لم يسمح لأحد منهما في ذلك، و كتب إلى وحيد والي الرملة، و كان الحاكم يكتم السر شديدا:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

يا وحيد سلمك الله ساعة وقوفك على هذا الكتاب، اقبض على محمود بن محمد، لا حمد الله أمره، و سيره مع من يوصله من ثقاتك إلى الباب العزيز، إن شاء الله.

فلما وقفت أخته على التوقيع، قالت: يا أمير المؤمنين، و من هذا الكلب حتى ترفع من شأنه بحمله إلى حضرتك، و بطن الأرض أولى به، فأخذ الكتاب و زاد فيه: بل تضرب عنقه و تنفذ رأسه، و ختم الكتاب ثلاثة ختوم، و أحضر سعيد بن غياث صاحب البريد و دفع إليه، فبادر من وقته، و مسافة ما بين القاهرة و الرملة مائة فرسخ، و كانت النوبة توافيها في الساعة الثالثة من اليوم الثالث، و وصل الكتاب إلى وحيد، و كان عادته إلى ابن النحوي دائما و ربما أوصله أو حجبه‏ (1)، فلما وقف على الكتاب قال لدري غلامه، الناظر في المعونة (2)، و كان أرمنيا فظا غليظا: اركب إلى محمود- و كان مخيما بظاهر الرملة- و استأذن عليه فإذا أوصلك فأبلغه سلامي و اسأله الركوب إليّ لأقفه ما ورد من حضرة السلطان، فإذا قال لك: «لم تجر بذلك عادته»، فقل: كذا أمرت فيما ورد، فمضى دري إليه، و بين يديه جماعة كثيرة من الرجال، حتى‏

____________

(1) أي كان يعود في أمره إلى ابن النحوي، الذي كان يعامله باستعلاء.

(2) أي صاحب الشرطة، أو ما يقوم مقامها.

128

وافى عسكر محمود، و استأذن عليه و دخل، و قال له ما قاله وحيد الوالي، فقال له: لم تجر بذلك العادة فيما تسومنيه، و في غد نجتمع، فأجابه بما قال له وحيد، فلما سمعه ضعفت نفسه و ساء ظنه، و لم يمكنه مخالفته، فركب في موكبه، و توجه إلى دار وحيد، و صار إلى وحيد من أعلمه ركوبه، فتقدم إلى بعض حجابه، و صاحب الخبر بالرملة بأن يتلقاه، فإذا لقياه أنزلاه عن دابته، و ضربا عنقه، و أخذا رأسه، ففعلا ما أمرهما، و حين وصل سوق البز صادفاه و أنزلاه بعد تمنعه، فأوقعا به و قطعا رأسه و حملاه إلى وحيد، فأحضر القاضي و الشهود و كتب محضرا بأن الرأس رأس محمود، و صيره و أنفذه مع المحضر إلى صاحب البريد فأسرع (41 ظ) به إلى مصر، و قبض على أصحابه و أسبابه و أمواله و كراعه، و سر الناس بهلاكه و تباشروا بما كفوه من شره، و وصل الرأس إلى الحاكم، فأحضر ست الملك فأراها إياه، فدعت له و شكرته على ما كان منه، و أمر مسعود بأن يأخذ ابن العداس من بين يدي قائد القواد الحسين بن جوهر (1)، فتضرب عنقه بحضرته، و يأخذ رأسه و يضيفه إلى الرأس ففعل، فلما اجتمع الرأسان بين يديه أمره أن يخرجهما إلى قائد القواد، فأخرجهما إليه، فلما شاهدهما جزع جزعا شديدا، ثم استدعاه الحاكم و سكن منه و أمره أن يستنيب أبا الفتح أحمد بن محمد بن أفلح على النظر في الأمور، فأقام في النظر سنة و نصفا، ثم قتل، و أقيم مقامه يحيى بن الحسين بن سلامة النصراني.

و كثر الكلام على قائد القواد، و الوقائع فيه فتنكر الحاكم عليه، و تغير له، و هم بالايقاع به، و صرفه عن الوزارة، و عول فيما كان إليه على علي ابن صالح بن علي الروذباري‏ (2)، و لقبه بثقة الثقات، ورد إليه السيف‏

____________

(1) شغل الحسين بن جوهر منصب برجوان بعد قتله. انظر الاشارة إلى من نال الوزارة: 28.

(2) عراقي الأصل، التحق بخدمة الفاطميين، تقلد ديوان الشام، ثم حل محل ابن جوهر، صرف من عمله بعد قرابة عامين، و ألزم بالبقاء في بيته ثم قتله بعد ثمانية أشهر من عزله في شوال سنة 400 ه، الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي: 246- 247.

129

و القلم، فنظر في الأمور، و دبر الأعمال و حفظ وجوه المال، و الاستغلال تقدير سنتين، ثم تغير له و تأول عليه و قتله، و قلد مكانه المعروف بمنصور بن عبدون‏ (1)، و كان رجلا نصرانيا خبيثا جلدا، و بينه و بين أبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي و والده أبي الحسين علي عداوة قديمة، و مساعاة و وقائع متصلة، لأن أبا القاسم صرف به عن ديوان السواد، فواصل أبو القاسم الوقيعة فيه، و الكلام عليه و على الكتاب النصارى، إلى أن قبض على جماعتهم، فلما حصلوا في القبض أمر الحاكم بأن يضرب كل واحد منهم خمسمائة سوط، فإن مات رمي به للكلاب، و إن عاش أعيد ضربه إلى أن يموت، فبذل منهم جماعة مالا عظيما على أن يستبقوا، فلم يقبل منهم و استمرت الشحناء بينهم.

____________

(1) كان متسلما لديوان الشام قبل الوزارة، و يلاحظ مما سبق من أخبار رجال الادارة الفاطمية قلة المسلمين منهم، مما اتخذه البعض مطعنا في عقيدة الفاطميين، على أن بعض الباحثين يرى أن السبب هو التخصص و الكفاءة، فالجغرافي المقدسي حين وصف في كتابه أحسن التقاسيم الشام، عد من معائب البلاد أن المال و الادارة بيد أهل الذمة لانصراف المسلمين إلى ما سوى ذلك.

130

ولاية القائد أبي صالح مفلح اللحياني المقدم ذكره و شرح الحال في ذلك لدمشق في سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة

وصل القائد أبو صالح مفلح الخادم المعروف باللحياني إلى دمشق واليا عليها في المحرم سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة فتولى أمرها و أمر و نهى في أهلها، و كان القائد طزملت المصروف عنها قد برز إلى داريا فلم يلبث إلا قليلا و اعتل فيها علة قضى نحبه فيها في يوم الاثنين الثاني من صفر من السنة، و أقام القائد أبو صالح واليا عليها و سائسا لأمور أهلها (42 و) و الأحوال مستقيمة على نهج الصواب و السداد، و قضية المراد إلى أن صرف بالقائد حامد بن ملهم، و سيأتي شرح ذلك في موضعه.

و قيل إن منصور بن عبدون الناظر في الدواوين بمصر، لم يزل بنو المغربي المقدم ذكرهم مستمرين على الوقيعة فيه، و التضريب بالسعاية عليه، و افساد رأي الحاكم فيه، و هو يعتمد فيهم مثل ذلك، و يغريه بهم، و يحمله على قتلهم حتى تقدم إلى جعفر الصقلبي، و كان قد قام مقام مسعود السيفي في القتل أن يحضر عليا و محمدا ابني المغربي، و يدخلهما الحجرة، و يضرب أعناقهما، ففعل ذلك، ثم أمره أن يحضر أبا القاسم الحسين بن علي المغربي و أخويه و يقتلهم، فأما الأخوان فإنهما أخذا بعد ثلاثة أيام و قتلا، و أما أخوهما أبو القاسم الحسين بن‏ (1) علي فاستتر، و أعمل الحيلة في النجاة، و هرب مع بعض العرب، و حصل بحلة حسان ابن المفرج بن دغفل بن الجراح فاستجار فأجاره، و أنشده عند دخوله عليه و ايمانه ممن يطلبه منه ما يستنهض عزيمته فيه من الإجارة له، و الذب عنه، و المراماة دونه:

____________

(1) من أكبر شخصيات عصره سياسيا و ثقافيا، حاول اقامة خلافة حسنية في الرملة، وزر في حلب ثم في ميافارقين، ترجم له ابن العديم في بغية الطلب ترجمة مطولة، أورد فيها نص أمان الحاكم له، وصلنا من كتبه قطعة من كتاب «أدب الخواص» و الايناس في علم الأنساب، و شرح سيرة ابن هشام، و هي جميعا مصورة لدي.

131

اما و قد خيمت وسط الغاب‏* * * فليقسون على الزمان عتابي‏

يترنم الفولاذ دون مخيمي‏* * * و تزعزع الخرصان دون قبابي‏

و اذا بنيت على الثنية خيمة* * * شدت إلى كسر القنا أطنابي‏

و تقوم دوني فتية من طي‏ء* * * لم تلتبس أثوابهم بالعاب‏

يتناثرون على الصريخ كأنهم‏* * * يدعون نحو غنائم و نهاب‏

من كل أهرت‏ (2) يرتمي حملاقه‏* * * بالجمر يوم تسايف و ضراب‏

يهديهم حسان يحمل بزه‏* * * جرداء تعليه جناح عقاب‏

يجري الحياء على أسرة وجهه‏* * * جري الفرند بصارم قضاب‏

كرم يشق على التلاد و عزمة* * * تغتال بادرة الهزبر الضابي‏

و لقد نظرت إليك يا بن مفرج‏* * * في منظر مل‏ء الزمان عجاب‏

و الموت ملتف الذوائب بالقنا* * * و الحرب سافرة بغير نقاب‏

فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكا* * * و الذعر يلبس أوجها بتراب‏

(42 ظ) و رأيت بيتك للضيوف ممهدا* * * فسح الظلال مرفع الأبواب‏

يا طي‏ء الخيرات بين خلالكم‏* * * أمن الشريد و همه الطلاب‏

سمكت خيامكم بأسنمة الربا* * * مرفوعة للطارق المنتاب‏

و تدل ضيفكم عليكم أنور* * * شبت بأجذال قهرن صعاب‏

متبرجات باليفاع و بعضهم‏* * * بالجزع يكفر ضوءه بحجاب‏

كلأتكم ممن يعادي هيبة* * * أغنتكم عن رقبة و جناب‏

فيسير جيشكم بغير طليعة* * * و يبيت حيّكم بغير كلاب‏

تتهيبون و ليس فيكم هائب‏* * * و توثبون على الردي الوثاب‏

و لكم اذا اختصم الوشيج لباقة* * * بالطعن فوق لباقة الكتاب‏

فالرمح ما لم ترسلوه أخطل‏* * * و السيف ما لم تعملوه ناب‏

يا معن قد اقررتم عين العلي‏* * * بي مذ وصلت بحبلكم أسبابي‏

جاورتكم فملأتم عيني الكرى‏* * * و جوانحي بغرائب الاطراب‏

من بعد ذعر كان أحفز أضلعي‏* * * حتى لضاق به عليّ إهابي‏

____________

(2) مكثر مشداق، النهاية لابن الأثير.

132

و وجدت جار أبي الندى متحكما* * * حكم العزيز على الذليل الكابي‏

فليهنه منن على متنزه‏* * * لسوى مواهب ذي المعارج آب‏

قد كان من حكم الصنائع شامسا* * * فاقتاده بصنيعة من عاب‏

فلأنظمن له عقود محامدي‏* * * تبقى جواهرها على الأحقاب‏

لا جاد غيركم الربيع و لا مرت‏* * * غزر اللقاح لغيركم بحلاب‏

أنا ذاكم الرجل المندد ذكره‏* * * كالطود حليّ جيده بشهاب‏

و لقد رجوت و لليالي دولة* * * أني أجازيكم بخير ثواب‏

فلما سمع حسان بن الجراح هذه الأبيات، هش لها، و جدد القول له بما سكن جأشه و أزال استيحاشه.

و هذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كان ذا علم وافر و أدب ظاهر، و ذكاء و صناعة مشهورة في الكتابة و مضاء، فأقام عنده ما أقام محترما (43 و) مكرما، و جرى له ما يذكر في موضعه‏ (1)، ثم رحل إلى ناحية العراق، و تقدم هناك في الأيام القادرية و وزر للأمير قرواش أمير بني عقيل، و وزر لابن مروان صاحب ديار بكر، و كان مستقلا بصناعتي الكتابة و الانشائية و الحسابية، و حين مرض و أشفي، وصى بحمل تابوته إلى الكوفة و دفنه في المشهد بها، و فعل به ذلك.

ثم تغير الحاكم لمنصور بن عبدون فنكبه و قتله، و قلد مكانه زرعه بن نسطورس الوزير و لقبه بالشافي، و ذلك في سنة أربعمائة (2).

و في سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة وردت الأخبار بالوقعة الكائنة بين‏

____________

(1) قال أبو القاسم المغربي لحسان بن المفرج: إن الحسن بن جعفر الحسني صاحب مكة لا مطعن في نسبه، و الصواب أن ننصبه إماما، فأجابه، فمضى أبو القاسم إلى مكة، و أقنع أميرها و جلبه إلى الرملة حيث أعلنه خليفة باسم الراشد بالله، و سعى الحاكم بأمر الله إلى تدارك الموقف فاشترى حسان بن المفرج، فتخلى عن الخليفة الجديد هذا، و بصعوبة تمت اعادته إلى مكة، و هرب ابن المغربي نحو شمال بلاد الشام.

(2) هو ابن الوزير عيسى بن نسطورس، و هو من القلائل الذين أفلتوا من غضب الحاكم، انظر الوزارء في العصر الفاطمي: 248.

133

الفضل صاحب الحاكم، و بين أبي ركوة الخارج عليه، و ظفر الفضل به و أخذه و حمله إلى القاهرة و شهره بها و قتله فيها، و قيل أن أبا ركوة لقب غلب عليه بركوة كانت معه في أسفاره على مذهب الصوفية، و اسمه الوليد أموي من أولاد هشام بن عبد الملك بن مروان و لنوبته في ذلك شرح يطول، إلا أن أبا ركوة هذا لما انهزم في الوقعة قصد صاحب النوبة، و تردد من الحاكم إليه بسببه مراسلات إلى أن أنفذه إليه مع أصحابه، و أنفذ معه صاحبا له بهدايا إلى الحاكم، و تسلم أبا ركوة أخو الفضل، و حمله إلى أخيه الفضل، فسار [به‏] و كان الفضل يقبل يد أبي ركوة و يعظمه تأنيسا لئلا يقتل نفسه قبل إيصاله و إنزاله في مضاربه، و أخدمه نفسه و أصحابه، و كتب [إلى‏] الحاكم بخبر حصوله و وصوله، و كان الفضل يدخل عليه في غداة كل يوم إلى خركاه قد ضربت له خيمة، و يصحبه و يقبل يده، و يقول له: كيف يا مولاي؟ فيقول: بخير يا فضل أحسن الله جزاءك، و يحضره شرابا فيشرب بين يديه، ثم يناوله إياه و يفعل مثل ذلك في طعامه إلى أن وصل إلى الجيزة، فلما حصل بها راسله الحاكم بأن يعبر هو و العسكر الذي معه، و ينزل على رأس الجسر، و يصل إلى القاهرة، ففعل ذاك و كان لا يمشي خطوات إلا و قد تلقته الخدم بالتشريف و الحملان، و هو ينزل عن فرسه و يقبل الأرض، و يعود إلى ركوبه، و لم يزل على هذه الحال إلى أن وصل إلى القصر، و دخل إلى القصر على الحاكم فخدمه و دعا له، و شرح حاله إلى أن ظفر بالعدو، و خرج بعد ذلك إلى داره، و تقدم وجوه القواد و شيوخ الدولة بالمصير إلى أبي ركوة و مشاهدته، و يقال (43 ظ) أن الحاكم قد مضى من غد ذلك اليوم، و قد رسم أن يشهر و يطاف به في مصر (1) و اتفق دخول القائد ختكين الداعي، و كان‏

____________

(1) كانت ثورة أبي ركوة- الذي ادعى أنه من ولد هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الداخل- أعظم الثورات ضد الفاطميين في مصر، تفجرت بين قبائل بني قرة في الأراضي الليبية الحالية المصاقبة للحدود المصرية، و قد انضم للثورة قبائل زناته البربرية، و أخفقت أكثر من حملة وجهها الحاكم للقضاء عليها، و يبدو أن بعض المساعدات وصلت إلى أبي ركوة من ملك النوبة، لهذا فر إليه عند ما أخفقت ثورته، و قام هذا الأخير بتسليم أبي ركوة كيما-

134

قديما صاحب دواة الملك عضد الدولة، فسلم عليه، و قال له: ألك حاجة إلى أمير المؤمنين؟ فقال له: من أنت؟ قال: فلان، قال: عرفت حالك و سدادك و أريد أن توصل لي رقعة إلى أمير المؤمنين، فقال: اكتبها و هاتها، فاستدعى أبو ركوة دواة من أصحاب الفضل، و درجا، و كتب فيه: يا أمير المؤمنين إن الذنوب عظيمة و الدماء حرام ما لم يحلها سخطك، و قد أحسنت و أسأت و ما ظلمت إلا نفسي، و سوء عملي أوبقني، و أنا أقول:

فررت و لم يغن الفرار و من يكن‏* * * مع الله لا يعجزه في الأرض هارب‏

و و الله ما كان الفرار لحاجة* * * سوى جزع الموت الذي أنا شارب‏

و قد قادني جرمي إليك برمتي‏* * * كما أخر ميتا في رحا الموت سارب‏

و اجمع كل الناس أنك قاتلي‏* * * و يا رب ظن ربّه فيه كاذب‏

و ما هو إلا الانتقام تريده‏* * * فأخذك منه واجبا لك واجب‏

فمضى ختكين إلى الحسين بن جوهر فعرفه ما جرى، و أعطاه الرقعة فوقف عليها الحاكم، ثم ركّب جملا و عليه طرطور، و خلفه قرد معلم يصفعه بالدرة، و كان الحاكم قد جلس في منظرة على باب من أبواب القصر يعرف بباب الذهب، فلما وقف به استغاث و صاح بطلب العفو، فتقدم إلى مسعود السيفي بأن يخرجه إلى ظاهر القاهرة و يضرب عنقه على تل بإزاء مسجد زيدان، فلما حمل هناك و أنزل وجد ميتا، فقطع رأسه و حمله إلى الحاكم حتى شاهده، و أمر بصلب جثته، و كان الفضل قد قطع رؤوس من قتل في الوقعة، فقيل إنها كانت ثلاثين ألف رأس، فلما شهرت عبيت في السلال، و سيرت مع خدم شهروها في الشام حتى انتهوا بها إلى الرحبة (1)، ثم رميت في الفرات، و قدم الحاكم الفضل و أقطعه و بالغ في اكرامه إلى أن عاده في علة عرضت له دفعتين، فاستعظم الناس فعله معه، فلما عوفي عمل عليه و قتل.

____________

- يغطي على تواطئه معه. انظر تاريخ دولة الكنور الاسلامية للدكتور عطية القوصي- ط.

القاهرة 1976: 49- 56.

(1) رحبة مالك بن طوق على الفرات، خرائبها في أحواز بلدة الميادين الحالية في سورية.

135

ولاية القائد حامد بن ملهم المذكور أولا في سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة

(44 و) وصل القائد حامد بن ملهم إلى دمشق واليا عليها لست بقين من رجب من السنة، و قد كان القائد علي بن جعفر بن فلاح مستوليا على الجند نافذ الأمر في البلد، فورد كتاب عزله في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة، و كانت مدة مقامه في الولاية إلى إنصرافه و مسيره سنة واحدة و أربعة أشهر و نصف شهر.

ثم تولى الأمر بعده القائد أبو عبد الله بن نزال، فدخل إلى دمشق و قرى‏ء سجله على منبر الجامع، و أقام المدة اليسيرة، ثم وافاه كتاب العزل في يوم الأحد رابع عشر شهر رمضان سنة أربعمائة، فعزل و ولي غلام القائد منير، فأقام المدة اليسيرة، ثم أتاه كتاب العزل، فعزل، و ولي القائد مظفر في يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول سنة إحدى و أربعمائة فأقام في الولاية ستة أشهر و تسعة أيام، ثم عزل و ولي مكانه القائد بدر العطار، فأقام في الولاية شهرين و عشرة أيام و عزل، و ولي القائد لؤلؤ و لقب منتجب الدولة، و تولى الأمر في يوم الأحد لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى و أربعمائة، و نزل في بيت لهيا و انتقل منها إلى الدكة ثم إلى مرج الأشعرين‏ (1)، فأقام فيه أياما، و دخل القصر في الليل، فلما أصبح دخل البلد، و قرى‏ء سجل ولايته على منبر الجامع، و وافى كتاب عزله، فعزل و انصرف.

و قيل في أخبار الحاكم بأمر الله أنه أمر في سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة بهدم بيعة القيامة في بيت المقدس و هي بيعة عند النصارى جليلة في نفوسهم يعظمونها، و السبب في ذلك ما اتصل به من هدم الكنائس‏

____________

(1) كان شمالي قلعة دمشق و هو يشمل سوق التبن، و خان البطيخ، و خان الباشا إلى سويقة صاروجا. غوطة دمشق: 244.

136

و البيع بمصر و الشام و ألزم أهل الذمة الغيار (1) ما قيل أن العادة جارية بخروج النصارى بمصر في كل سنة في العماريات‏ (2) إلى بيت المقدس لحضور فصحهم في بيعة قيامة، فخرجوا في سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة على رسمهم في ذلك، متظاهرين بالتجمل الكبير على مثل حال الحاج في خروجهم، فسأل الحاكم ختكين العضدي الداعي، و هو بين يديه، عن أمر النصارى في قصدهم هذه البيعة و ما يعتقدونه فيها، و استوصفه صفتها و ما يدعونه لها، و كان ختكين يعرف أمرها بكثرة تردده إلى الشام و تكرره في الرسائل عن الحاكم إلى (44 ظ) ولاتها، فقال: هذه بيعة تقرب من المسجد الأقصى تعظمها النصارى أفضل تعظيم، و تحج إليها عند فصحهم من كل البلاد، و ربما صار إليها ملوك الروم و كبراء البطارقة متنكرين، و يحملون إليها الأموال الجمة و الثياب و الستور و الفروش، و يصوغون لها القناديل و الصلبان و الأواني من الذهب و الفضة، و قد اجتمع فيها من ذاك على قديم الزمان و حديثه الشي‏ء العظيم قدره، المختلفة أصنافه فإذا حضروا يوم الفصح فيها، و أظهروا مطرانهم، و نصبوا صلبانهم، و أقاموا صلواتهم و نواميسهم، فهذا الذي يدخل في عقولهم، و يوقع الشبهة في قلوبهم، و يعلقون القناديل في بيت المذبح، و يحتالون في إيصال النار إليها بدهن البلسان و آلته، و من طبيعته حدوث النار فيه مع دهن الزنبق، و له ضياء ساطع و إزهار لامع، يحتالون بحيلة يعملونها بين كل قنديل و ما يليه حديدا ممدودا كهيئة الخيط متصلا من واحد إلى آخر، و يطلونه بدهن البلسان طليا يخفونه عن الأبصار حتى يسري الخيط إلى جميع القناديل، فإذا صلوا و حان وقت النزول، فتح باب المذبح، و عندهم أن مهد عيسى (عليه السلام) فيه، و انه عرج به إلى السماء منه، و دخلوا و أشعلوا الشموع‏

____________

(1) أي ألزمهم بتغيير ملابسهم و ارتداء ما يميزهم عن المسلمين من حيث الزي و الألوان و حمل بعض العلامات الخاصة.

(2) في الأصل «الغيارات» و هو تصحيف قومته من مرآة الزمان حوادث سنة/ 398 ه/.

137

الكثيرة، و اجتمع في البيت من أنفاس الخلق الكثير ما يحمي منه الموضع و يتوصل بعض القوام إلى أن يقرب النار من الخيط فيعلق به، و ينتقل بين القناديل من واحد إلى واحد، و يشعل الكل، و يقدره من يشاهد ذلك أن النار قد نزلت من السماء، فاشتعلت تلك القناديل.

فلما سمع الحاكم هذا الشرح استدعى بشر بن سور كاتب الانشاء، و أمره بأن يكتب إلى والي الرملة، و إلى أحمد بن يعقوب الداعي بقصد بيت المقدس، و استصحاب الأشراف و القضاة و الشهود و وجوه البلد، و ينزلا على بيت المقدس و قصد بيعه قمامة و فتحها و نهبها، و أخذ كل ما فيها و نقضها و تعفيه أثرها، فإذا نجز الأمر في ذلك يعملا به محضرا و فيه الخطوط، و ينفذانه إلى حضرته. و وصل الكتاب إليهما فتوجها للعمل بما مثل إليهما.

و قد كانت النصارى بمصر عرفوا ما تقدم في هذا الباب، فبادروا إلى بطرك البيعة، و أعلموه الحال و أنذروه، و حذروه، فاستظهر باخراج ما كان فيها من الفضة و الذهب و الجوهر و الثياب، و وصل بعد ذلك أصحاب الحاكم (45 و) فأحاطوا بها و أمروا بنهبها، و أخذوا من الباقي الموجود ما عظم قدره، و هدمت أبنيتها و قلعت حجرا حجرا، و كتب بذلك المحضر، و كتب الخطوط فيه كما رسم و أنفذ إلى الحاكم‏

لقد زعم القسيس أن الهه‏* * * ينزل نورا بكرة اليوم أو غد

فإن كان نورا فهو نور و رحمة* * * و إن كان نارا أحرقت كل معبدي‏

يقربها القسيس من شعر ذقنه‏* * * فإن لم تحرقها و إلا اقطعوا يدي‏

(1).

____________

(1) أثارت مسألة النور هذه خيال الكتاب في الماضي، و قد كتب سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان في حوادث سنة/ 398/: سكنت في البيت المقدس عشر سنين، و كنت أدخل إلى قمامه في يوم فصحهم و غيره، و بحثت عن اشعال القناديل في يوم الأحد عيد النور، و في وسط قمامه قبة فيها قبر يعتقد النصارى أن المسيح (عليه السلام) لما صلب دفن فيه، ثم ارتفع إلى السماء، فإذا كانت ليلة السبت في السحر دخلوا إلى هذه القبة، فغسلوا قناديلها، و لهم فيها طاقات مدفونة في الرخام، و في الطاقات قناديل قد أوقدوها من السحر، و للقبة شبابيك فإذا كان وقت الظهر اجتمع أهل دين النصرانية، و جاء الأقساء فدخلوا القبة، و طاف النصارى من وقت الظهر حولها يتوقعون نزول النور، فإذا قارب غروب الشمس تقول الأقساء: إن المسيح ساخط عليكم فيضجون و يبكون، و يرمون على القبر الذهب و الفضة و الثياب، فتحصل جملة كثيرة، و يردد القسيس هذا القول و هم يبكون و يضجون و يرمون ما معهم، فإذا غربت الشمس أظلم المكان، فيغافلهم بعض الأقساء، و يفتح طاقة من زاوية القبة بحيث لا يراه أحد، و يوقد شمعة من بعض القناديل، و يصيح قد نزل النور، و رضي المسيح، و يخرج الشمعة من بعض الشبابيك،-

138

و شاع هذا الخبر بمصر، فسر به المسلمون، و دعوا للحاكم دعاء كبيرا على ما فعله و رفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه، ففرح بذلك و تقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع و الكنائس، ثم حدث من الأمور و الانكار لمثل هذه الأعمال و الاشفاق على الجوامع و المساجد في سائر الجهات و الأعمال من هدمها، و القصد بمثل العمل لها، فوقف الأمر في هذا العزم‏ (1).

____________

- فيضجون ضجة عظيمة و يوقدون الفوانيس، و يحملون هذه النار إلى عكا و صور و جميع بلد الفرنج حتى رومية و الجزائر، و قسطنطينية و غيرها تعظيما لها.

و حدثني جماعة من المجاورين بالقدس قالوا: لما فتح صلاح الدين (رحمه الله) القدس، و جاء يوم الفصح جاء بنفسه فدخل القبة، و قال: أريد أشاهد نزول النور، فقال له البطرك تريد أن تضيع عليك و علينا أموالا عظيمة لقعودك عندنا، فإن أردت المال فقم و دعنا، فقام لما بلغ باب القبة حتى صاحوا: نزل النور، فقال بعض الحاضرين:

لقد زعم القسيس أن الهه‏* * * ينزل نورا بكرة اليوم أو غد

فإن كان نورا فهو نور و رحمة* * * و إن كان نارا أحرقت كل معبدي‏

يقربها القسيس من شعر ذقنه‏* * * فإن لم تحرقها و إلا اقطعوا يدي‏

و حدثني جماعة من أصحاب صلاح الدين (رحمه الله) أنه عزم لما أخذ الفرنج عكا على أن يخرب قمامة و يعفي آثارها، و قال: يحضر البطرك و الأقساء و النصارى و يحفر مكان القبر حتى يطلع الماء، و يرمي التراب في البحر، و يقول هذا تراب إلهكم لتنقطع أطماعهم عن زيارته و يستريح منهم، فقال له أعيان دولته: إن إطماعهم لا تنقطع بهذا، و ليس مرادهم مكان القبر، إنما هم يعتقدون في نفس القدس، و قمامة عندهم أفضل من غيرها، و ربما أخربوا الجامع الذي بالقسطنطينية و المساجد التي في بلادهم، و قتلوا من عندهم من المسلمين، ثم إنهم إنما يصانعونك على القدس لأجل قمامة، فإذا فعلت هذا زال ما يصالحونك لأجله، ثم تبطل عليك أموال عظيمة، فتنضر و هم لا ينضرون فسكت عن خرابها.

(1) أثارت سياسة الحاكم الدينية هذه جدلا كبيرا و يلاحظ مما قاله ابن القلانسي أنها و إن مورست أولا ضد غير المسلمين، إلا أن ذلك كان مقدمة فقط، حيث خشي المسلمون بعدها على أنفسهم و مساجدهم، و يمكن أن نرى أعمال الحاكم من زاوية التمهيد لإعلان قيامة عظمى حسب مضمون المذهب الاسماعيلي، و القيامة العظمى هي إلغاء لجميع الشرائع و الأديان و احلال دين القيامة محلها، و ملاحظ أن الحاكم لاقى صعوبات جمة في سبيل عمله هذا و كان كل ما تمخض عن مجهوداته تأسيس عقيدة التوحيد أو الديانة الدرزية. انظر مادة الحاكم في كتابي مائة أوائل من تراثنا، و كتابي أخبار القرامطة: 40- 42 من مدخل الكتاب.

139

ولاية الأمير وجيه الدولة أبي المطاع ابن حمدان لدمشق بالأمر الحاكمي‏

وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان، المعروف بذي القرنين إلى دمشق، واليا عليها في يوم الجمعة عيد النحر من سنة إحدى و أربعمائة فصلى بالناس القائد لؤلؤ الوالي العيد، و صلى بهم الجمعة الأمير وجيه الدولة، و انصرف القائد لؤلؤ عن الولاية فكانت مدة اقامته فيها ستة أشهر و ثلاثة أيام، و قرى‏ء سجل الولاية على المنبر، و أقام المدة التي أقامها، و وصل القائد بدر العطار إلى دمشق واليا على الغوطتين و الشرطة و جبل سنير (1).

و عزل عنها وجيه الدولة ابن حمدان في يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى من السنة، فأقام فيها مديدة، و وصل القائد أبو عبد الله ابن نزال عقيب وصوله إلى دمشق واليا عليها، و نزل في المزة، و دخل القصر في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة، فدامت ولايته إلى أن ورد كتاب عزله عنها، و سار منها في يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة ست و أربعمائة فكانت مدة ولايته ثلاث سنين و ثمانية أشهر و عشرين يوما.

و وصل الأمير شهم الدولة شاتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة سبع و أربعمائة و أقام في الولاية، و وصل القائد يوسف بن ياروخ، و هو ابن زوجة الأمير شاتكين الوالي، إلى دمشق واليا عليها و قرى‏ء (45 ظ) سجله بالولاية في ذي القعدة من السنة، و سار شهم الدولة شاتكين الوالي إلى مصر لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعمائة و وصل الأمير سديد الدولة أبو

____________

(1) هو جبل القلمون الحالي، و هو فرع من فروع جبل لبنان الشرقي. انظر غوطة دمشق لكرد علي: 14.

140

منصور والي دمشق واليا عليها، في يوم الأحد لخمس بقين من ذي القعدة سنة ثمان و أربعمائة فنزل المزة، و دخل القصر في غد ذلك اليوم، فما شعر إلا و كتاب العزل قد وافاه يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر من سنة تسع و أربعمائة فبرز من يومه إلى المزة، و سار من غده.

و وصل كتاب ولي عهد المسلمين عبد الرحمن بن الياس أخي الحاكم، إلى القائد بدر العطار في يوم السبت لليلة خلت من جمادى الأولى سنة عشر و أربعمائة يأمر بضبط البلد، و وصل بعد ذلك أبو القاسم عبد الرحمن، و قيل عبد الرحيم‏ (1) ولي عهد المسلمين ابن الياس بن أحمد بن العزيز بالله إلى دمشق في يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى سنة عشر و أربعمائة فنزل في المزة، فأحسن تلقيه، و بولغ في إكرامه و الإعظام له، و السرور بمقدمه و كان ذلك يوما مشهودا موصوفا، و دخل القصر في يوم الإثنين مستهل رجب، فأقام فيه إلى يوم الأحد لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة و أربعمائة، فلم يشعر إلا و قوم قد جردوا إليه من مصر، فهجموا عليه، و قتلوا جماعة من أصحابه و ساروا به في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول، و عاد بعد ذلك إلى دمشق في رجب سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، و نزل في القصر، و أكثر الناس في التعجب من اختلاف الآراء في تدبير هذه الولايات، و تنقل الأعراض و الأهواء فيها، و لم يشعروا و هم يتعجبون من هذه الأحوال، و استمرار الاختلال إلا و قد وصل من مصر المعروف بابن داود المغربي، على نجيب مسرع و معه جماعة من الخدم في يوم الأحد في يوم عرفة بسجل إلى ولي عهد المسلمين المذكور، و دخلوا عليه القصر، و جرى بينه و بينهم كلام طويل، إلا أنهم أخرجوه من القصر و ضرب وجهه، و أصبح الناس في يوم العيد لم يصلوا صلاة العيد في المصلى، و لا في الجامع، و لا خطب خطيب، و ساروا بولي العهد في اليوم المذكور إلى‏

____________

(1) و هذا هو الأشهر و ربما الأصح.

141

مصر (1)، فزاد عجب الناس و حاروا فيما هم فيه، و تشاكوا ما ينزل بهم من الأحوال المضطربة (46 و) و الأعمال المختلفة.

فوصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية بعد أولى، و كان أديبا فاضلا شاعرا سائسا مدبرا، في يوم السبت لست خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة و أربعمائة فأقام في الولاية مدة، و وصل الأمير شهاب الدولة شحتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب من ذي القعدة سنة أربع عشرة و أربعمائة، فكانت ولايته سنتين و أربعة أشهر و يومين.

و وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ثالثة في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول من سنة خمس عشرة و أربعمائة، فأقام في الولاية ما أقام مع اختلاف الأحوال إلى أن تقررت الولاية لأمير الجيوش التزبري‏ (2) في سنة تسع عشرة و أربعمائة.

____________

(1) ارتبط الاستدعاء الأول لعبد الرحيم بن الياس بمسألة تولية الحاكم له لولاية عهده و الصراعات داخل قصر الخلافة في القاهرة و خارجه حول إعلان القيامة، و أما الاستدعاء الثاني فجاء بعد اختفاء الحاكم بأمر الله و اعلان ابنه إماما جديدا باسم «الظاهر»، و معنى هذا نهاية القيامة دين الباطن و العودة إلى الأحكام الظاهرة، هذا و أورد سبط ابن الجوزي [حوادث سنة 411] معلومات جديدة غنية جمعها من مختلف المصادر حول مشكلة مقتل الحاكم، ثم ختم هذه المعلومات بقوله: و كان ولي عهده [الحاكم‏] بدمشق و اسمه الياس، و قيل عبد الرحمن و قيل عبد الرحيم بن أحمد، و كنيته أبو القاسم، و يلقب بالمهدي، ولاه الحاكم العهد سنة أربع و أربعمائة.

و قال القضاعي: أنها [ست الملك أخت الحاكم‏] لما كتبت إلى دمشق بحمل ولي العهد إلى مصر لم يلتفت، و استولى على دمشق، و رخص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم من شرب الخمر، و سماع الملاهي، فأحبه أهل دمشق، و كان بخيلا ظالما، فشرع في جمع المال و مصادرات الناس، فأبغضه الجند و أهل البلد، فكتبت أخت الحاكم إلى الجند فقبضوه، و بعثوا به مقيدا إلى مصر، فحبس في القصر مكرما، و أقام مدة. ثم روى أنه اغتال نفسه في رواية، و في رواية أخرى قتل بأمر من ست الملك.

(2) كذا في الأصل «التزبري» و الأشهر «الدزبري» نسبة إلى مولاه الذي كان ضابطا ديلميا، اشتراه في دمشق فنسب إليه، هذا و سبق لي أن تعرضت لشخصية الدزبري و حياته و أعماله في كتابي «إمارة حلب- 1004- 1094 م (بالانكليزية) ص: 129- 139، هذا و سيرد اسمه في بقية الكتاب «الدزبري».

142

ولاية أمير الجيوش الدزبري الختلي لدمشق في سنة تسع عشرة و أربعمائة و شرح حاله‏

و ابتداء أمره و السبب في توليته، و ذكر شي‏ء من أخباره إلى إنتهاء مدته، بحكم تميزه عن الولاة المذكورين: بالشجاعة و الشهامة، و حسن السياسة، و إجمال السيرة و النصفة في العسكرية و الرعية، و حماية الأعمال بهيبته المشهورة و بفطنته المشكورة، و تشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب، و استقامة الأمور بإيالته على قضية الإيثار و المراد.

هو الأمير المظفر، أمير الجيوش، عدة الإمام، سيف الخلافة، عضد الدولة، شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين، مولده ما وراء النهر في بلد الترك، في البلد المعروف بختل، و سبي منه، و حمل إلى كاشغر، و هرب إلى بخارى و ملك بها و حمل إلى بغداد، ثم إلى دمشق، و كان شتيم‏ (1) الوجه، بين التركية، و كان وصولة سنة أربعمائة فاشتراه القائد «تزبر» (2) بن أونيم الديلمي، و كان ندبه لحماية أملاكه و صونها من الأذى، فكفاه ذلك بشهامته، و صرامته فاشتهر بذاك أمره، و شاع ذكره، و سئل مولاه أن يهديه للإمام الحاكم بأمر الله، و قيل بل وصله الأمر بحمله، فحمل في جملة غلمان في سنة ثلاث و أربعمائة (46 ظ) فاستطرف من بينهم، و جعل في الحجرة، فقهر من بها من الغلمان، و طال عليهم باليقظة و الذكاء، و جعل يلقب كل غلام بما يليق به، فشكوه إلى المتولي فضربه، و تزايد أمره، فأخرج منها في سنة خمس و أربعمائة و لزم الخدمة، و جعل يتقرب إلى الخاص و العام بكل ما يجد السبيل إليه من التودد و الاكرام، لما يريد الله تعالى من اسعاد جده، و إظهار سعده، فارتضى الحاكم مذهبه في الخدمة، و زاد في واجبه، و قوده و سيره مع‏

____________

(1) أي كريه الوجه مثل الأسد- لسان العرب، فلعله كان من أصل مغولي.

(2) كذا بالأصل و الأشهر و المعتمد «دزبر».

143

سديد الدولة ذي الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة ست و أربعمائة، و دخل إلى البلد دمشق، و لقي مولاه القائد دزبر، فترجل له و قبل يده، و صار يتودد إلى الكبير و الصغير، و نزل في دار حيوس بحضرة زقاق عطاف‏ (1)، ثم عاد إلى مصر، و جرد إلى الريف في السيارة، ثم عاد إلى مصر، و لزم الخدمة بالحضرة، و لزم بعلبك واليا عليها، و حسنت حاله فيها، و انتشر ذكره بها، و صادق ولاة الأطراف و كاتب عزيز الدولة فاتكا، والي حلب‏ (2)، و لقب منتجب الدولة، و ورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ العريش وصله النجاب بالسجل بولاية قيسارية، و الأمر بالعود إليها فشق ذلك عليه، و قال:

أنقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية، و كان من حسن سياسته فيها، و جميل عشرته لأهلها و حمايته لها، ماذاع به ذكره، و حسن به صيته، و كثر شكره، و ورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة اثنتي عشرة و أربعمائة قتله غلام هندي قد رباه و اصطفاه، و توثق به و اجتباه، و هو نائم عقيب سكره، بسيفه، و عمل فيه شاعره المعروف‏ (3) بمفضل بن سعد قصيدة رثاه بها، و ذكر فيها من بعض أبياتها:

لحمامه المقضي ربى عبده‏* * * و لنحره المفري حدّ حسامه‏

و كتب إلي منتجب الدولة بالمسير إلى الحضرة، فوصلها و ولي فلسطين، و وصل إليها في يوم الثلاثاء من المحرم سنة أربع عشرة و أربعمائة و بلغ حسان بن مفرج بن الجراح خبره، فقلق له و تخوفه، ثم‏

____________

(1) داخل باب الجابية هي الآن حي الخيضرية- الخضيرية- و الدار التي نزل بها كانت دار والد ابن حيوس [أبو الفتيان محمد بن سلطان‏] أكبر شعراء الشام و مصر في القرن الخامس، و شاعر الدزبري أثناء ولايته في الشام. انظر ديوان ابن حيوس، ط. دمشق 1951: 1/ 6- 7.

(2) من أشهر ولاة الفاطميين لحلب، كانت له علاقات جيدة مع أبي العلاء المعري و له صنف:

«رسالة الصاهل و الشاحج» و كتاب «القائف» اغتيل في بداية عهد الظاهر. انظر زبدة الحلب:

2/ 215- 221.

(3) من شعراء المعرة اختص بعزيز الدولة حتى عرف به فقيل «العزيزي»، انظر زبدة الحلب:

1/ 215- 220.

144

علا ذكره و ظهر أمره و كثرت عدته و عدته، و قويت شوكته، و جرت له وقائع مع العرب يستظهر فيها عليهم و يثخن فيهم، فكبر بذلك شأنه، ثم حسد و سعي فيه إلى الحضرة، و كوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرره حسان (47 ظ) بن مفرج بن الجراح و نسب إليه كل قبيح و محال، فاستؤذن في القبض عليه، فأذن له في ذلك، فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة سبع عشرة و أربعمائة، و سأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله، لجلالة مكانه، و أطلق من الاعتقال، و وصل إلى الحضرة، و حسنت حالته، و ظهرت هيبته، و ظهرت هيئة إقطاعه و غلمانه و دوابه، و هو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام و سائر الأعمال، و تأتيه بالأخبار و يطالع بها، فكثر تعجب الوزير من يقظته، و مضاء همته و عزيمته.

و كانت العرب بعده قد استولت على الأعمال، و أفسدت الشام، و ملك حسان أملاك الملاك، و اتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم، و ترافع القواد و الولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير، و تقليد الوزارة لنجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي، فنظر في الأعمال و هذب ما كان مستوليا عليها من الإضاعة و الاهمال، و اقتضت الآراء و صواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام، و وقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة، فاستدعاه الوزير علي ابن أحمد الجرجرائي، و قال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام و دمشق؟ فقال: فرسي البرذعية و خيمة أستظل بها، فعجب الوزير من مقاله، و استعاد فرسه المذكورة من سعد السعداء، وردها إليه و أطلق له خمسة آلاف دينار، و أصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظرا في الأموال و نفقة الرجال، و جردت العساكر معه، و لقب بالأمير مظفر منتجب الدولة، و خلع عليه و خرج إلى مخيمه، و جملة من جرد معه سبعة آلاف فارس و راجل سوى العرب، و سار في ذي القعدة [سنة تسع‏]

145

[عشرة و أربعمائة] (1) و ودعه الامام الظاهر لإعزاز دين الله، و عيد بالرملة عيد النحر، و سار إلى بيت المقدس، و جمع العسكر، و قصد صالح بن مرداس و حسان بن مفرج، و جموع العرب عند معرفته بتجميعهم، و وقع اللقاء في الأقحوانة (2)، و التقى الفريقان فهزمت جموع العرب، و أخذتهم السيوف، و تحكمت فيهم، و كان صالح بن مرداس على فرسه المشهور، فوقف به من كد الهزيمة، و لم ينهض به، فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة، فضربه بالسيف في رأسه و كان مكشوفا (47 ظ) فصاح و وقع و لم يعرفه، و تم في طلب فرسه، فمر به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه و عاد يرقص به، فلقيه الأمير عز الدولة رافع‏ (3) فأخذه منه، و جاء به إلى الأمير المظفر، فلما رآه نزل عن فرسه و سجد لله شكرا على ما أولاه من الظفر، و ركب و أخذه بيده، و جعله على ركبته و أطلق للزبيدي‏ (4) الذي جاء به ألف دينار، و لعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار، و أطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه و جوشنه و ألف دينار، و أخذ الغلمان الأتراك الذي لصالح نفسه، و أحسن إليهم، و تقدم بجمع الرؤوس و أنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها، و أوصل رأسه إلى الحضرة، و خلع على الواصلين به، و أعيدوا و معهم الخلع، و زيادة الألقاب للأمير المنتجب، و قرى‏ء سجله عليه، و صار يكاتب و يخاطب بالأمير المظفر سيف الإمام، و عدة الخلافة، مصطفى الملك، منتجب الدولة.

____________

(1) فراغ بالأصل، ملأته من مختلف المصادر التي تحدثت عن حلف قبائل الشام الثلاث الكبرى: كلب. طي‏ء، كلاب، بزعامة: سنان بن عليان الكلبي، و حسان بن المفرج الطائي، و صالح بن مرداس الكلابي، على اقتسام الشام بعد طرد الفاطميين، انظر كتابي: امارة حلب- ط. بيروت 1971: 100- 101.

(2) في منطقة طبرية على مقربة من فيق. معجم البلدان.

(3) رافع بن أبي الليل من أمراء كلب، انفصل عن عمه سنان بن عليان، و انضم جهارة إلى صف الفاطميين و اشترك إلى صفهم في معركة الأقحوانة. انظر إمارة حلب: 99- 100.

(4) أي الرجل «من البادية» الذي تعرف إلى جثة صالح بن مرداس، هذا و يروى أن الذي تولى قتل الصالح هو رافع بن أبي الليل بن عليان نفسه.

146

و قال فيه الأمير أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس من قصيدة امتدحه بها:

فكم ليلة نام عني الرقيب‏* * * و نبهني القمر المرتقب‏

جمعت بها بين ماء الغمام‏* * * و ماء الرضاب و ماء العنب‏

كجود المظفر سيف الامام‏* * * و عدته المصطفى المنتجب‏ (1)

و لما توجه عقيب ذلك إلى حلب، و نزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر ابن صالح‏ (2)، و كان قد انهزم و لحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه، و وقع عن فرسه، و مر به أحد الأتراك فقطع رأسه و سلمه إلى رافع، و أنفذ من يسلم جثته إلى حماة، فصلبت على الحصن و أمر أمير الجيوش بعد ذاك بإنفاذ ثياب و طيب و تكفين الجثة في تابوت، و دفنها في المسجد، و بقيت فيه إلى سنة تسع و ثلاثين و أربعمائة و نقلها مقلد بن كامل‏ (3) لما ملك حماة إلى قلعة حلب، و أنفذ الرأس و التركي و البدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة، في نصف شعبان سنة تسع و عشرين و أربعمائة، و عاد أمير الجيوش إلى دمشق، و نزل في القصر، و أقام فيها ما أقام، و سار منها إلى حلب و نزل على السعدي‏ (4) و فتحت له أبواب‏

____________

(1) ديوانه: 1/ 66 مع بعض الخلاف‏

(2) حدثت المعركة بين نصر بن صالح و الدزبري على مقربة من حماة سنة 428 ه/ 1038 م.

انظر امارة حلب: 123- 125.

(3) من أولاد عم نصر بن صالح شغل أكثر من وظيفة هامة أيام الدولة المرداسية. انظر امارة حلب: 110، 112، 132، 144.

(4) في مراة الزمان [حوادث سنة 429 ه]: و سار الدزبري، فنزل على جبل جوشن ظاهر حلب، و أغلق أهل حلب أبوابها و قاتلوه، فاستمالهم و أمنهم، ففتحوا له الأبواب فدخلها، و كان في القلعة المقلد بن كامل ابن عم شبل الدولة، فتراسلا و استقر الأمر على أن المقلد يأخذ من القلعة ثمانين ألف دينار و ثيابا و أواني ذهب و فضة و يسلمها إلى الدزبري، و كانت خديعة، فأجاب الدزبري، فأخذ جميع ما كان في القلعة من الأموال و الذخائر و الجواهر، و ما ترك إلا ما ثقل حمله، و نزل و مضى إلى حلته، و حصل جمهور ما كان في القلعة، و أخذه عز الدولة ثمال بن صالح أخو نصر، و كان قد انهزم إلى القلعة يوم الوقعة، و أراد أن يعصي فلم يتفق، فأخذ خمسين ألف دينار، و انصرف، و بلغ الوزير بمصر، فعز عليه ذلك، مضاف إلى سوء رأي الدزبري، فكانت ولاية شبل الدولة على حلب تسع سنين.

147

البلد، و دخله و أحسن إلى أهله، ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها (1)، و أمر بقتال القلعة فقوتلت و هو قائم، و راسله مقلد بن كامل المقيم بها، و سلمها إليه و أقطعه (48 و) عدة مواضع، و سكن في دار عزيز الدولة، و تزوج بنت الأمير منصور بن زغيب، و وصله السجل من الحضرة بإقطاعه حلب، و عاد إلى دمشق و شرع في عمارة الدار بالقصر، ثم بلغه عن الوزير علي بن أحمد الجرجرائي، و عن الظاهر ما أوجب الاستيحاش منه و النفور عنه، فعزم على العود إلى حلب، فظهر له من أجناده ما أنكره، فهموا بالقيام عليه، فسار من القصر بعد أن أمر الغلمان بنهب ما في القصر (2) و وصل إلى حلب، و دخلها في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر، و نزل في دار سعد الدولة، و اجتمع بزوجته و ابنته الواصلين من مصر و لازم الشراب، و صخّ عليه جسمه‏ (3) و بلغه وصول سجل من مصر إلى دمشق عن الحضرة قرى‏ء على المنبر يقال فيه:

أما بعد فإنه قد علم الحاضر، و البادي و الموالف و المعادي، حال أنوشتكين الدزبري الخائن، و أنه كان مملوكا لدزبر بن أونيم الحاكمي و أهداه إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، فنقله إلى المراتب إلى أن انتهى أمره إلى ما انتهى إليه، فلما تغيرت نيته، سلبه الله تعالى نعمته لقوله تعالى:

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ (4).

فشق هذا الأمر عليه، و ضاق صدره لإسقاط نعوته، و قلق لذلك،

____________

(1) في زبدة الحلب: 1/ 256 أن الدزبري اجتاز بطريقه إلى حلب «بمعرة النعمان، فالتقاه أهلها فأكرمهم، و سألهم على أبي العلاء بن سليمان، و قال لهم: لأسيرن فيكم بسيرة العمرين».

(2) ذكر المقريزي في ترجمة الدزبري في كتابه المقفى أن ما نهب من قصر دمشق/ 200/ ألف دينار.

(3) في الأصل «صح» و هي تصحيف لعل صوابه ما أثبتناه، و الصاخة: الداهية و الجمير العظيم. العين‏

(4) القرآن الكريم- الرعد: 11.

148

و أيس من العود إلى دمشق، و قد كان عازما على العود، ثم وصله السجل عن الحضرة صحبة بعض العرب نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

من عبد الله و وليه الإمام معد أبي تميم، المستنصر بالله أمير المؤمنين، إلى أنوشتكين مولى دزبر بن أونيم الديلمي.

أما بعد فإن الله بقضيته العادلة، و مشيئته البالغة لم يك مغيرا ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ‏ (1) مع ما أنك أجرمت على نفسك في يومك و أمسك، و استوجبت بذلك مقام الحلول من نحسك، فلا تعجل بعذاب الله عند ما أسرفت، و وبيل عقابه، عند ما خالفت، فإن الله تعالى يقول مخاطبا لذوي العقول «فمهل الكافرين أمهلهم رويدا» (2) و تالله لقد جددت بمسيرك إلى حلب، لبعد أملك و انقطاع أجلك، و إنما بقي لك إلا أيام قلائل، و يكثر لك الندم و تحل بك النقم‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (3) و إن مثلك مثل شاة عطشانة و لهانة ضائعة جائعة، نزلت في مرج أفيح، غزير ماءه، كثر عشبه (48 ظ) و مرعاه، فشربت ماء، و أكلت عشبا، فرويت بعد ظمائها، و شبعت بعد جوعها، و استحسنت بعد قبحها، فلما تكامل حسنها، ذبحت‏ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (4) و إن أمير المؤمنين يضرب لك مثلا عن جده المصطفى (صلى الله عليه و سلم)، لما أنزل عليه‏ وَ الضُّحى‏. وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ إلى قوله عز و جل: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏، وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏

____________

(1) القرآن الكريم- الرعد: 11.

(2) القرآن الكريم- الطارق: 17.

(3) القرآن الكريم- البقرة: 26.

(4) القرآن الكريم- ابراهيم: 25.

149

. وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏ (1)، فبدلت النعمة كفرا، و وضعت موضع الخير شرا، و قد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجمع الأموال و اكتنازك لها لأمر يدهمك، أو ليوم ينفعك‏ (2)، أفما قرأت القرآن العظيم، أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى و اعتدى، و ازداد في الطغيان، حيث يقول جل و علا:

فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ‏ (3) أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا الدولة، و نصبوا لها العداوة الشديدة، انظر إلى ديارهم كيف قل فيها الساكنون، و كثر عليها الباكون، قال تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (4) فاشتغل عن إصلاح العين، و عن خطرك في حساب الفرقدين، و افتكر في رب المشرقين و رب المغربين، حيث يقول جل جلاله: أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ. وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ (5) و قد عرف أمير المؤمنين بكتاب الله الأعلى، الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث يقول: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (6).

فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الإنكار و الوعظ بالآيات و التخويف، عظم الأمر عليه و ضاق صدره لتغير النية فيه، و رأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف و التنصل مما ظن به، و الاعتذار و الترفق في المقال، و الاعتراف بما شمله قديما و حديثا من الاحسان و الافضال، فكتب بعد البسملة:

____________

(1) القرآن الكريم- الضحى: 1- 8.

(2) قدر المقريزي في ترجمته للدزبري ثروته بأكثر من مليون دينار، و بين أنه «في آخر عمره، انحرف عن مذهب الاسماعيلية، و كان هذا أعظم أسباب الوحشة بينه و بين أهل الدولة بمصر».

(3) القرآن الكريم- القصص: 81.

(4) القرآن الكريم- النمل: 52.

(5) القرآن الكريم- البلد: 8- 10.

(6) القرآن الكريم- الشعراء: 227.

150

كتب عبد الدولة العلوية و الإمامية الفاطمية، و الخلافة المهدية، عن سلامة تحت ظلها، و نعمة منوطة بكفلها، و هو متبرى‏ء إليها من ذنوبه الموبقة، و اسائته المرهقة، لائذ بعفو أمير المؤمنين، متنصل أن يكون في جملة المجرمين المذنبين، عن غير إساءة إقترفها، و لا جناية احتقبها، عائذ بكرمها، صابر لحكمها، لقوله تعالى: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ (1) و هو تحت خوف و رجاء، و تضرع و دعاء، قد ذلت نفسه (49 ظ) بعد عزها، و خافت بعد أمنها، و رسخت بعد رفعتها، وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (2) و أي قرب لمن أبعدته، و أي رفعة لمن حططته، و العبد بفخرها شمخ، و بجدها طال و بذخ، فزكت نصبته، و طابت أرومته، و سمت فروعه، و كان كقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها (3) فلما أنكرت الدولة حاله، و قبحت أفعاله، و أزرت عليه، خذله الأنصار، و قل بعد الإكثار، فصار كقول الملك الجبار وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (4)، غير أن العبد يتوسل بوكيد خدمته، و قديم نصيحته، و مجاهدته لأعداء الدولة مذكرا قول الله تعالى: وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ. وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ‏ (5)، و هو مع ذلك معترف بذنوب ما جناها، و إساءة ما أتاها، ذاكرا ما نزل الله في كتابه المبين على سيد المرسلين‏ وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (6) عفا الله عن أمير المؤمنين، أهل بيت العفو

____________

(1) القرآن الكريم- البقرة: 155.

(2) القرآن الكريم- الرعد: 33.

(3) القرآن الكريم- ابراهيم: 24- 25.

(4) القرآن الكريم- ابراهيم: 26.

(5) القرآن الكريم- محمد: 4- 5.

(6) القرآن الكريم- التوبة: 102.

151

و الكرامة لجميع الأمم، و فيهم نزلت الآيات و الحكم، قال الله تعالى:

وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ‏ (1) و ليس مسير العبد إلى حلب ينجيه من سطوات مواليه، لقوله تعالى: قُلْ [مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى‏ وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ‏] وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (2) و الذين كتب عليهم القتل [يدركهم‏] (3) إلى مضاجعهم، لكنه بعد توسله و اعترافه بجرائره و ذنوبه، و تنصله يرجو قبول توبته، و تمهيد عذره في إنابته و لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ (4) و لأمير المؤمنين في كل قول وحد، فقد وعد الله المسرفين على أنفسهم فقال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ (5).

و أما ما رقي إلى الحضرة المطهرة عن العبد في كثرة الأموال و جمعها، فذلك طباع ولد آدم في حب اللجين و العسجد، و ما عليه في الدنيا يعتمد، نعوذ بالله أن يكون ذلك لمضادة أو مقاومة أو مكاثرة أو مقابلة، لكنها معدة للجهاد في أعداء أمير المؤمنين، و مبذولة في نصرة (49 ظ) أوليائه المخلصين، إذ يقول تعالى، و له‏ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ (6): وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ‏ (7) و لقد قرى‏ء على العبد القرآن العظيم فوجده منوطا بطاعة إمام الزمان، و هو ولي العفو و الغفران عن أهل الإساءة

____________

(1) القرآن الكريم- النور: 22.

(2) القرآن الكريم- النساء: 77- 78. و سقط ما بين الحاصرتين من الأصل.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين تقديرا كيما يستقيم السياق.

(4) القرآن الكريم- الروم: 4.

(5) القرآن الكريم- الزمر: 53.

(6) القرآن الكريم- النحل: 16.

(7) القرآن الكريم- الأنفال: 60.

152

و العدوان، مكررا لقول الملك الديان: وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ (1).

و أنفذ هو الجواب صحبة الرسول الواصل بعد إكرامه، و طلع عقيب ذلك إلى قلعة حلب في يوم الأربعاء لعشر خلون من جمادى الأولى، و بات ليلة الجمعة، و اقشعر جسمه وقت صلاة الظهر، و اشتدت به الحمى، فأحضر طبيبا من حلب، و شرح له حاله، فوصف له مسهلا، فلما حضر لم تطب نفسه لشربه، و لحقه فالج في يده اليمنى و رجلة اليمنى، و زاد قلقه، و قضى نحبه في الثلث الأخير من ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست و ثلاثين و أربعمائة.

و له أخبار محمودة في حسن السيرة و العدل و النصفة و الذكاء و المعرفة، و ذكر المال الذي خلفه بقلعة حلب بعد وفاته ستمائة ألف دينار سوى الآلات و العروض، و قيمة الغلات مائة ألف دينار، و أخذ له من دمشق و فلسطين مائتا ألف دينار، و كان له مع التجار خمسون ألف دينار، و نهب له من القصر بدمشق مائتا ألف دينار، خلف من الأولاد هبة الله من بنت وهب بن حسان، ماتت أمه و عمره أربعون يوما، و أبوه و له شهران و سنة، و أربع بنات إحداهن من بنت الأمير حسام الدولة البجناكي، و ابنه من بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل، و ابنتان من جاريتين و هبهما في القصر، فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة و أكرم بها و كفله رضي الدولة غلامه، و عاش ست سنين، و سقط عن فرسه فمات، و البنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين، و البنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلب.

ثم رأت الحضرة في سنة ثمان و أربعين و أربعمائة نقل أمير الجيوش من تربته بحلب إلى تربته ببيت المقدس، فأمرت بنقله في تابوت على طريق‏

____________

(1) القرآن الكريم- آل عمران: 34.

153

الساحل، فكان يحط بخيمة، و ما يمر ببلد إلا كان وصوله يوما مشهودا، و أخرجت الحضرة ثيابا حسنة و طيبا كثيرا و أمرت الشريف (50 و) أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه و دفنه، و أن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي و المشي خلف جنازته، و أن ينادي بألقابه، فنودي بها، و دفن في التربة التي له في بيت المقدس، فسبحان من لا يزول ملكه، و لا يخيب من عمل بطاعته، المجازي عن إحسان السيرة بالإحسان، و عن السيئات في العقبى و المآل، ذو الجلال و الكمال الغفور الرحيم.

و لما زاد أمر الحاكم بأمر الله في عسف الناس، و ما ارتكبه من سفك الدماء، و افاظة النفوس‏ (1)، و أخذ الأموال، و قتل الكتاب و العمال، و الفتك بالمقديمين من الوزارء و القواد، و أكابر الأجناد، و عدل عن حسن السياسة و السداد، و زاد خوف خدمه و خواصه منه، و استوحشوا من فعله، و شكا المقدمون و الوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز بالله، هذه الأحوال فأنكرت ما أنكروه، و أكبرت ما أكبروه، و اعترفت بصحة ما شكوه، و حقيقة ما كرهوه، و وعدتهم إحسان التدبير في كشف شره، و إجمال النظر في أمورهم و أمره، و لم تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه، و كف أذاه بعدمه، و أعملت الرأي في ذلك و أسرته في النفس، إلى أن وجدت الفرصة مستهلة، فابتدرتها و الغرة بادية فاهتبلتها، و رتبت له من اغتاله في بعض مقاصده، و أخفى مظانه فأتى عليه، و أخفي أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة إحدى عشرة و أربعمائة و قال المغالون في المذهب إنه غائب في سره‏ (2) و لابد أن يؤوب، و مستتر في غيبه و لابد أن يرجع إلى منصبه و يثوب، و كان مولده‏

____________

(1) أي ازهاق النفوس‏

(2) هذا ما نراه في كتاب رسائل الهند، حيث قيل بأنه ذهب في سياحة طويلة أخذته إلى الشام و من هناك حتى الهند، و هذا الكتاب نشر و وزع بشكل محدد تماما، و هناك أكثر من نسخة خطية منه، واحدة في المتحف البريطاني، كنت رأيتها و استخرجت منها نصا عسكريا نشرته منذ سنوات.

154

بالقاهرة ليلة الخميس الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة، و ولي الأمر و عمره عشر سنين و ستة أشهر و ستة أيام، و فقد في العشر الأول من شوال سنة إحدى عشر و أربعمائة، و عمره ست و ثلاثون سنة و مدة أيامه خمس و عشرون سنة و شهران و أيام، و نقش خاتمه «بنصر الإله العلي ينتصر الإمام أبو علي»، و كان غليظ الطبع، قاسي القلب، سفاكا للدماء، قبيح السيرة، مذموم السياسة، شديد التعجرف و الاقدام على القتل غير محافظ على حرمة خادم ناصح و لا صاحب مناصح.

و قام في الأمر بعده ولده أبو الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله، و أخذت له البيعة (50 ظ) بعد أبيه في يوم النحر من سنة إحدى عشر و أربعمائة و استقامت الأمور بعد ميلها، و أمنت النفوس بعد وجلها، و حسنت السيرة بعد قبحها، و ارتضيت السياسة بعد النفور عنها.

ورد تدبير الأعمال فيها و تسديد الأحوال، و لم ما تشعث منها إلى الوزير صفي أمير المؤمنين و خالصته أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، و كتب له السجل بالتقليد من إنشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران متولي الانشاء، و قرى‏ء بالحضرة على القواد و المقدمين في ذي الحجة سنة ثمان عشرة و أربعمائة و نسخته بعد البسملة:

أما بعد، فالحمد لله مطلق الألسن بذكره، و مجزل النعم بشكره، و مصرف الأمور على حكم إرادته، و أمره الذي استحمد بالطول و النعماء، و تمجد بالحكمة و السناء، و ملك ملكوت الأرض و السماء و استغنى عن الظهراء و الوزراء، و أكرم عباده بأن جعل تذكرته لهم‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ (1) فسبحان من نظر لخلقه فأحسن و أنعم، و عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ‏

____________

(1) القرآن الكريم- عبس: 12- 16.