تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
155

يَعْلَمْ‏ (1) يحمده أمير المؤمنين حمد مخلص في الحمد و الشكر، متخصص بشرف الإمامة و نفاذ النهي و الأمر، و يرغب إليه تعالى في الصلاة على نبيه محمد الذي نزل عليه الفرقان، ليكون للعالمين نذيرا، و أعز به الإيمان آية و جعل له من لدنه سلطانا نصيرا (2) و انتخب أبانا عليا أمير المؤمنين أخا و وزيرا، و صيره على أمر الدين و الدنيا منجدا له و ظهيرا، صلى الله عليهما، و سلم على العترة الزاكية من سلالتهما سلاما دائما كثيرا.

و إن أحق من عول عليه في الوزارة، و أسند إليه أمر السفارة، و نصب لحفظ الأموال و تمييزها، و سياسة الأعمال و تدبيرها و إيالة طوائف الرجال كبيرها و صغيرها، من كان حفيظا لما يستحفظ من الأمور، قؤوما بمصالح الجمهور، عليما بمجاري السياسة و التدبير، و لذاك قال يوسف الصديق (عليه السلام): اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ (3) و لو استغنى أحد من رعاة العباد عن وزير و ظهير، يكاتفه على أمره، و يظاهره، لكان كليم الله موسى صلى الله عليه، و هو القوي الأمين، عنه مستغنيا، و لم يكن له من الله جل جلاله طالبا مستدعيا، و قد قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. (51 و) هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً (4).

و لما كنت بالأمانة و الكفاية علما، و عند أهل المعرفة و الدراية مقدما، و كان الكتاب على اختلاف طبقاتهم، و تفاوت درجاتهم يسلمون إليك في الكتابة و يقتدون بك في الإصابة، و يشهدون لك بالتقدم في الغناء،

____________

(1) القرآن الكريم- العلق: 4- 5.

(2) انظر القرآن الكريم- الاسراء: 80.

(3) القرآن الكريم- يوسف: 55.

(4) القرآن الكريم- طه: 25- 34.

156

و يهتدون بحلمك اهتداء السفر بالنجم في الليلة الظلماء، و لا يتناكرون الانحطاط عن درجتك في الفضل لتفاوتها في الارتفاع، و لا يرد ذلك راد من الناس أجمعين إلا خصمه وقوع الاجماع هذا، مع المعروف من استقلالك بالسياسة، و استكمالك لأدوات الرئاسة و تدبيرك أمور المملكة، و ما ألف برشد وساطتك من سمو اليمن و البركة، رأى أمير المؤمنين، بالله توفيقه، أن يستكفيك أمر وزارته، و ينزلك أعلى منازل الاصطفاء بخاص إثرته، و يرفعك على جميع الأكفاء بتام تكرمته، و ينوه باسمك تنويها لم يكن لأحد قبلك من الظهراء في دولته، فسماك بالوزير لمؤازرته على حمل الأعباء، و وكد هذا الاسم «بالأجل» لأنك أجل الوزراء، و عزز ذلك «بصفي أمير المؤمنين و خالصته» إذ كنت أعز الخلصاء و الأصفياء، و شرفك بالتكنية تسميقا بك في العلياء، و دعا لك بأن يمتعه الله بك و يؤيدك و يعضدك، دعاء يجيبه رب السماء، فأنت «الوزير الأجل، صفي أمير المؤمنين، و خالصته المحبو بالمن الجسيم‏ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ (1)، و أمر أمير المؤمنين بأن تدعى بهذه الأسماء، و تخاطب، و تكتب بها عن نفسك و تكاتب، و رسم ذكر ذلك فيما يجري من المحاورات، و اثباته في ضروب المكاتبات، ليثبت ثبوت الاستقرار و يبقى رسمه على مر الليالي و النهار، فاحمد الله تبارك و تعالى على تمييز أمير المؤمنين لك بتشريفه و اختصاصه، و إحلاله إياك أعلى محال خواصه، و اجر على سننك الحميد في خدمته، و مذهبك الرشيد في مناصحته، إذ كان قد فوض إليك أمر وزارته و جعلك الوسيط بينه و بين أوليائه و أنصار دعوته، و ولاة أعمال مملكته، و كتاب دواوينه، و سائر عبيده و رعيته شرقا و غربا و قربا و بعدا (2) و أمضى توقيع من تنصبه للتوقيع عن أمير المؤمنين في الإخراج و الإنفاق و الإيجاب و الإطلاق، و ناط بك أزمة الحل و العقد و الإبرام (51

____________

(1) القرآن الكريم- الحديد: 21.

(2) في الأصل: «قربا و قربا» و هو خطأ اقتضى التبديل.

157

ظ) و النقض و القبض، و البسط و الاثبات، و الحط و التصريف و الصرف، تفويضا إلى أمانتك التي لا يقدح فيها معاب، و سكونا إلى ثقتك التي لا يلم بها ارتياب، و علما بأنك تورد و تصدر عن علم و حزم، تفوق فيهما كل مقاوم، و لا تأخذك في المناصحة لأمير المؤمنين، و الاحتياط له «لومة لائم»، و جميع ما يوصي به غيرك ليكون له تذكرة، و عليه حجة، فهو مستغنى عنه معك، لأنك تغني بفرط معرفتك عن التعريف، و لا تحتاج مع وقوفك على الصواب و علمك به إلى توقيف، غير أن أمير المؤمنين يؤكد عليك الأمر بحسن النظر لرجال دولته دانيهم و قاصيهم، بارك الله فيهم، و أن يتوفر على ما تعود بصلاح أحوالهم و انفساح آمالهم، و انشراح صدورهم، و انتظام أمورهم. إذ كانوا كتائب الاسلام و معاقل الأنام، و أنصار أمير المؤمنين المحفوفين بالإحسان و الإنعام، حتى تحسن أحوالهم بجميل نظرك، و يزول سوء الأثر فيهم بحسن أثرك، و كذلك الرعايا بالحضرة، و أعمال الدولة، فأمرهم من المعني به، و المسؤول عنه، و أمير المؤمنين يأمرك بأن تستشف خيرة الولاية فيهم، فمن ألفيته من الرعية مظلوما أو عزت بنصفته، و من صادفته من الولاة ظلوما، تقدمت بصرفه و حسم مضرته و معرته.

فأما الناظرون في الأموال من ولاة الدواوين و العمال، فقد أقام أمير المؤمنين عليهم منك المنقى الزكاء طبا بالأدواء، لا يصانع و لا تطيبه المطامع، و لا ينفق عليه المنافق، لا يعتصم منه الخؤون السارق، كما أنه لا يخاف لديه الثقة الناصح، و لا يخشى عاديته الأمين في خدمته المجتهد الكادح، و الذي يدعو المتصرف إلى أن يحمل نفسه على الخطة النكراء في الاحتجان و الارتشاء أحد أمرين: إما حاجة تضطره إلى ذلك، أو جهالة تورده المهالك، فإن كان محتاجا سد رزق الخدمة فاقته، و رجا الراجون برءه من مرض الاسفاف و إفاقته، و إن كان جاهلا فالجاهل لا يبالي على ما أقدم عليه، و لا يفكر في عاقبة ما يصير أمره إليه، و من جمع هذين‏

158

القسمين كانت نفسه أبدا تسف و لا تعف، و يده تكف و لا تكفّ، و وطأته تثقل و لا تخف، فلا ترب من تنزّه و عف، و لا أثرى، من رضي لنفسه بدني‏ء المكسب و أسف، و ما (52 و) يستزيدك أمير المؤمنين على ما عندك من حسن التأني، و الاجتهاد في إصلاح الفاسد، و استصلاح المعاند، و استفاءة الشارد بالمعصية إلى طاعته، و إعطاء رجال الدولة ما توجب لها حقوق الخدمة من فضل نعمته، و أمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولا يؤثر عنده‏ (1) في المشرق و المغرب، و يصل إلى الأبعد و الأقرب:

«إن أكثر من وقع عليه اسم الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ و الاتفاق»، و لم يوقع إسمها عليك، و يعذق‏ (2) بك أمرها إلا باستيجاب و استحقاق لأنها احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله، و العب‏ء إلى حامله، و المكفول إلى كافله، و كم أفرجت عن الطريق إليها لسواك، و اجتهدت أن يعدوك مقامها إكبارا له فما عداك، و الله يكبت بجميل رأي المؤمنين حسدتك و عداك، و يتولاك بالمعونة على ما قلدك و ولاك، و يمتعه ببقائك كما امتعه بكفايتك و غنائك، و يخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك و إيثارك، بمنه و كرمه، و السلام عليك و رحمة الله، و كتب يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثماني عشرة و أربعمائة.

____________

(1) كذا في الأصل، و أحسن منها «عنه».

(2) رجل عذق: فيه شدة و بخل و عسر في خلقه. العين‏

159

ولاية القائد ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان لدمشق في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة بعد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري‏

وصل الأمير المظفر، ناصر الدولة، و سيفها، ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان، إلى دمشق واليا في جمادى الآخرة سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة في يوم الأربعاء السادس عشر منه، و قرى‏ء سجله بالولاية بألقابه، و الدعاء له، فيه: «سلمه الله و حفظه» و وصل معه الشريف فخر الدولة نقيب الطالبيين أبو يعلى حمزة بن الحسين بن العباس بن الحسن بن الحسين بن أبي الجن بن علي بن محمد بن علي بن اسماعيل، بن جعفر الصادق (عليه السلام)، فأقام في الولاية آمرا ناهيا إلى أن وصل من مصر من قبض عليه بدمشق، و سيره معه إلى مصر في يوم الجمعة مستهل رجب سنة أربعين (52 ظ) و أربعمائة.

و في سنة ست و ثلاثين وردت الأخبار من ناحية العراق بظهور راية السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجق، و قوة شوكة الأتراك، و ابتداء دولتهم و استيلائهم على الأعمال، و ضعف أركان الدولة البويهية و اضطراب أحوال مقدميها و أمرائها (1).

و في سنة سبع و عشرين و أربعمائة وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الإمام الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله بالاستسقاء، في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و عمره إثنتان و ثلاثون سنة، و مولده بالقاهرة في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة و مدة أيامه خمس عشرة سنة و ثمانية أشهر و خمسة أيام، و نقش خاتمه «بنصر ذي الجود و المنن ينتصر الإمام أبو الحسن»، و كان جميل السيرة، حسن السياسة، منصفا للرعية، إلا أنه‏

____________

(1) انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 61- 64، 93- 124.

160

متشاغل باللذة، محب للدعة و الراحة، معتمد في إصلاح الأعمال، و تدبير العمال، و حفظ الأموال، و سياسة الأجناد، و عمارة البلاد على الوزير أبي القاسم بن أحمد الجرجرائي، لسكونه إلى كفايته، و ثقته بغنائه و نهضته.

ثم تولى الأمر بعده ولده أبو تميم معد المستنصر بالله أمير المؤمنين، و عمره سبع سنين و شهران، و أخذت البيعة له بعد أبيه في شعبان سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و في أيامه ثارت الفتن من بني حمدان و أكابر القواد، و وجوه العسكرية و الأجناد، و غليت الأسعار، و قلت الأقوات و اضطربت الأحوال، و اختلت الأعمال و حصر في قصره، و طمح في خلعه لضعف أمره، و لم يزل الأمر على هذه الحال إلى أن استدعى أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا إلى مصر في سنة خمس و ستين و أربعمائة، فاستولى على الوزارة و التدبير بمصر، و قتل من قتل من المقدمين و الأجناد، و طالبي الفساد، و تمهدت الأمور و سكنت الدهماء، و ألزم المستنصر بالله القصر، و لم يبق له نهي و لا أمر إلا الركوب في العيدين، و لم يزل كذلك إلى أن توفي أمير الجيوش و انتصب مكانه ولده الأفضل أبو القاسم شاهنشاه‏ (1).

____________

(1) حاول ناصر الدولة أن ينفرد بالتحكم بالخلافة الفاطمية كما أنه فكر بالغاء الخلافة، و لهذا وجه الدعوة إلى السلطان السلجوقي ألب أرسلان للقدوم إلى مصر، و قبل محاولة ناصر الدولة هذه كانت مصر قد ساءت فيها المواسم و حلت بها المجاعة مع الأوبئة، كما أعلن المعز بن باديس في تونس إلغاء الدعوة الفاطمية، و لهذا وجهت القاهرة ضده قبائل هلال و سليم، يضاف إلى هذا كله اخفاق ثورة البساسيري، و قد حسمت هذه الأمور، و وضع حد لمادة الفوضى عند ما استولى بدر الجمالي، و هو أرمني الأصل، على مقاليد الأمور، و حكم على الخليفة و الخلافة. انظر ترجمة بدر الجمالي في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 298- 305، و انظر أيضا:

97- 120، 278- 293.

161

ولاية القائد طارق الصقلبي المستنصري لدمشق في سنة أربعين و أربعمائة (53 و)

وصل الأمير الأمير بهاء الدولة و صارمها طارق المستنصري إلى دمشق، واليا عليها في يوم الجمعة مستهل رجب سنة أربعين و أربعمائة و قرى‏ء سجل ولايته و الدعاء له «سلمه الله و حفظه»، و عند دخوله وقع القبض على الأمير ناصر الدولة بن حمدان الوالي المقدم ذكره و سير إلى مصر، و تسلم الأمير طارق الولاية يأمر فيها.

و وردت الأخبار من ناحية مصر في سنة ست و ثلاثين و أربعمائة، بوفاة الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي‏ (1) وزير المستنصر بالله، في داره آخر نهار الأربعاء السادس من شهر رمضان بعلة الاستسقاء و صلى عليه المستنصر بالله في القصر، و دفن في دار تجاور دار الوزارة، و قلد مكانه الوزير أبو نصر صدقة بن يوسف الفلاحي و خلع عليه في يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر رمضان من السنة، و قبض على أبي علي بن الأنباري صاحب الوزير أبي القاسم علي بن أحمد، و حمله إلى خزانة البنود و سعى في قتله فيها و دفنه، و ما مضى إلا القليل، و قبض على الوزير أبي نصر بن يوسف الفلاحي، و حمل إلى خزانة البنود في يوم الاثنين الخامس من المحرم سنة أربعين و أربعمائة، و قتل سحرة يوم الاثنين في المكان الذي قتل فيه ابن الأنباري‏ (2)، و قيل أنه دفن معه في قبره.

____________

(1) كان الجرجرائي عراقي الأصل من قرية جرجرايا في سواد العراق التحق بمصر، و تقلب بالوظائف حتى ولي الوزارة، و قد مر بنا نص سجل تعيينه بالوزارة، و مكث الجرجرائي بالوزارة سبع عشرة سنة و ثمانية أشهر، و هي مدة لم يتمتع بها سواه. انظر الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي: 253- 254.

(2) أبو علي الحسن بن علي الأنباري، خلف الجرجرائي، و كان من أصحابه، و أراد السير على منهجه لكن أم المستنصر بالتعاون مع اليهودي سهل التستري تمكنت من إبعاده و جاءت بالفلاحي الذي كان يهوديا و أسلم، و حين تسلم الوزارة لم يكن له أمر و لا نهي، بل كان كل شي‏ء بيد التستري، و تآمر الفلاحي على التستري فدبر اغتياله، و انتقمت أم المستنصر لقتل حليفها بصرف الفلاحي عن الوزارة و قتله، و استلم الوزارة بعده الجرجرائي (محمد بن أحمد) و أخفق-

162

و نظر في الوزارة أبو البركات ابن أخي الوزير علي بن أحمد الجرجرائي، و قبض عليه بعد ذلك في ليلة يوم الاثنين النصف من شوال سنة إحدى و أربعين و أربعمائة، و فترت الأمور إلى أن استقرت الوزارة لقاضي القضاة أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري، و وردت الأخبار من مصر بأن المستنصر بالله خلع على وزيره قاضي القضاة أبي محمد اليازوري في الرابع من ذي القعدة سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة، خلعا فاخرة كانت: غلالة قصبا، و طاقا، و قميصا دبيقيا، و طيلسانا، و عمامة قصبا، و حمله على فرس رائع بمركب من ذهب وزنه ألف مثقال، و قاد بين يديه خمسة و عشرين فرسا و بغلا بمراكب ذهب و فضة، و حمل معه خمسون سفطا ثيابا أصنافا، و زاد في نعوته و ألقابه، و خلع على أولاده خلعا تليق بهم، و كتب له سجل التقليد بانشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران‏ (1)، و بالغ في إحسان وصفه و تقريظه و إطرائه و إحماد رأيه، و ما اقتضاه الرأي من (53 ظ) اصطفائه للوزارة و احتبائه، و قرى‏ء بحضرة المستنصر بالله بين قواده و خدمه و وجوه أجناده، و قيل إن هذا الإكرام مقابلة على ما كان منه في التدبير على العرب المفسدين من بني قرة في فلهم، و النكاية فيهم، و حسم أسباب شرهم و تشتيت شملهم، و نسخة هذا السجل المذكور بعد البسملة (2).

____________

- هذا حيث كان عمه قد نجح، و كثرت المصادرات في أيامه مع أعمال البطش فصرف عن الوزارة في منتصف شوال سنة 441 ه. انظر المصدر السالف: 254- 256.

(1) هو الذي سبق له كتابة سجل الجرجرائي، الذي ورد نصه من قبل.

(2) ليس بالأصل و لم يرد في السجلات المستنصرية. ط. القاهرة: 1954، كما لم يرد في الاشارة إلى من نال الوزارة: 40- 44. هذا و ترجم له المقريزي في المقفى ترجمة مطولة، إنما لم يقدم لنا فيها نص سجل توليته الوزارة.

163

ولاية رفق المستنصري لدمشق في سنة إحدى و أربعين و أربعمائة

وصل الأمير عدة الدولة أمير الأمراء رفق المستنصري إلى دمشق، واليا عليها في يوم الخميس الثاني عشر من المحرم سنة إحدى و أربعين و أربعمائة في عدة وافرة من الرجال، و ثروة وافرة من العدد و المال، و قرى‏ء سجله بالولاية و أقام بها مدة يأمر فيها و ينهى، و يحل و يعقد، و يصدر في الأمور و يورد، ثم وصله الأمر من مصر بمسيره إلى حلب لأمر اقتضته الآراء المستنصرية من صرفه عنها، و توليتها للأمير المؤيد، فسار منها و توجه إلى حلب في يوم الخميس السادس من صفر من السنة (1).

____________

(1) كلف بالذهاب إلى حلب لانتزاعها من المرداسيين، و قد توجه إليها على رأس جيش قوامه/ 000، 30/ ألف من العساكر و قد أخفقت هذه الحملة، و وقع رفق بالأسر بعد اصابته بجراح بالغة جعلته يموت بعد أيام من أسره. انظر كتابي (بالانكليزية) امارة حلب:

142- 147.

164

ولاية الأمير المؤيد عدة الامام في سنة إحدى و أربعين و أربعمائة بعد الأمير رفق‏

وصل الأمير المؤيد عدة الإمام، مصطفى الملك، معين الدولة، ذو الرئاستين، حيدرة ابن الأمير عضب الدولة حسين بن مفلح، إلى دمشق واليا عليها في مستهل رجب سنة إحدى و أربعين و أربعمائة و حمل معه سديد الدولة ذو الكفايتين أبو محمد الحسين بن حسن الماشكي ناظرا في الشام جمعية: حربه و خراجه، و قرى منشور الولاية و الدعاء له «سلمه الله و حفظه»، فتسلم الولاية في سنة اثنتين و أربعمائة يأمر فيها و ينهى على عادة الولاة، و استقامت أمور الولاية على ما يؤثره و يهواه و أحسن السيرة في العسكرية و الرعية، فحمدت طريقته، و ارتضيت إيالته، و استمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ثمان و أربعين و أربعمائة التي بني هذا المذيل عليها، و عادت سياقة الحوادث منها، و إيراد ما فيها، و تجدد بعدها.

165

سنة ثمان و أربعين و أربعمائة

(54 و) فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانعقاد أمر الوصلة (1) بين الإمام القائم بأمر الله، و بين بنت الملك داود أخي السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك، و كان العقد أولا لولده ذخيرة الدين، فلما قضى الله عليه بالوفاة، نقل العقد إلى الخليفة القائم بأمر الله في يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم من السنة، و وصلت البنت المذكورة من مدينة الري إلى بغداد في الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول من السنة (2).

و فيها وردت الأخبار من مصر بقلة الأقوات و غلاء الأسعار، و اشتداد الأمر في ذلك إلى أوان زيادة النيل، فظهر من القوت و وجوده ما طابت به النفوس و صلحت معه الأحوال.

سنة تسع و أربعين و أربعمائة

في هذه السنة وردت الأخبار بتسلم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معز الدولة (3)، و حصل فيها في يوم الخميس لثلاث بقين من ذي‏

____________

(1) أي الزواج بين خديجة ابنة جغري بك و اسمها التركي «أرسلان خاتون» و الخليفة القائم [422- 467 ه/ 1031- 1075 م‏]. و قد أورد تفاصيل ذلك غرس النعمة محمد بن هلال ابن المحسن الصابي، في كتابه عيون التواريخ الذي ذيل به على تاريخ أبيه، و كان أبوه قد ذيل على تاريخ خال أبيه ثابت بن سنان، و كان ثابت قد كتب أكثر من كتاب في التاريخ منها كتاب «مفرد في أخبار الشام و مصر في مجلد واحد» و كما هو مرجح فإن ابن القلانسي قد ذيل على كتاب ثابت هذا بعد ما ذيل عليه هلال بن المحسن، و كما فعل ابن القلانسي حين بدأ كتابه بحوادث سنة/ 448 ه/ كذلك فعل غرس النعمة، و هنا يلاحظ أن غرس النعمة أولى حوادث العراق جل اهتمامه و جاء بعد العراق الشام و الجزيرة، و نجد في المقابل ابن القلانسي يهتم بالشام أولا و بمصر ثانيا، و محصلة هذا أنه صنع الآن ذيلان لتاريخ آل الصابى‏ء يتممان بعضهما بعضا، انما يختلفان من حيث طول المدة المؤرخ لها، و لم يصلنا تاريخ غرس النعمة بشكل مباشر، إنما وصلنا بشكل غير مباشر بكامله في كتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، و هذا الكتاب محقق لدي، و قد أورد سبط ابن الجوزي حادثة الزواج في أخبار سنة/ 448/ ه.

(2) ولي الخلافة بعد جده القائم و كانت خلافته ما بين 467- 487 ه/ 1075- 1094 م.

(3) مكين الدولة هو الحسن بن علي بن ملهم، أحد الأمراء الكبار أيام المستنصر. و معز الدولة هو ثمال بن صالح بن مرداس أمير حلب، و جاء تنازل ثمال عن حلب أثناء ثورة البساسيري:

انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 98- 122، 374- 375.

166

القعدة منها، و أقام بها مدة أربع سنين يخطب فيها للمستنصر بالله صاحب مصر.

و فيها توفي القاضي أبو الحسين عبد الوهاب بن أحمد بن هرون.

سنة خمسين و أربعمائة

فيها وصل الأمير ناصر الدولة، و سيفها ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان إلى دمشق واليا عليها، دفعة ثانية بعد أولى في يوم الاثنين النصف من رجب منها، و أقام يسوس أحوالها و يستخرج أموالها، إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب فتوجه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة و اتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفنيدق بظاهر حلب في يوم الاثنين مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور و عسكره، و بين جميع العرب الكلابيين و من انضم إليهم، فكسرت العرب عسكر (1) ناصر الدولة و استولوا عليهم و نكوا فيهم، و أفلت ناصر الدولة منهزما مفلولا و عاد إلى مصر.

و لم تزل الأخبار متواترة من ناحية العراق بظهور (54 ظ) المظفر أبي الحارث أرسلان الفساسيري‏ (2)، و قوة شوكته، و كثرة عدته و غلبة أمره على الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، و قهر نوابه و امتهان خاصته و أصحابه، و خوفهم من شره حتى أفضى أمره إلى أن يأخذ الجاني من حرم الخلافة، و يفعل ما يشاء، و لا يمانع له، و لا يدافع عنه.

____________

(1) انظر كتابي امارة حلب (بالانكليزية): 159- 161.

(2) أرسلان التركي، «منسوب إلى بسا بلدة في فارس و العرب تسميها فسا، و ينسبون إليها فسوي، و أهل فارس يقولون: بسا بين الباء و الفاء، و ينسبون إليها البساسيري»، بحثت في ثورته في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 95- 124 و نشرت في ملاحق هذا الكتاب:

255- 264 ترجمة موسعة له انتزعتها من كتاب بغية الطلب لابن العديم.

167

و قد شرح الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي‏ (1)، (رحمه الله) في أخبار أهل بغداد، ما قال فيه: و لم يزل أمر القائم بأمر الله أمير المؤمنين مستقيما إلى أن قبض عليه أرسلان الفساسيري في سنة خمسين و أربعمائة، و هو واحد من الغلمان الأتراك عظم أمره‏ (2)، و استفحل شأنه، لعدم نظرائه من الغلمان الأتراك و المقدمين و الأسفهسلارية، إلا أنه استولى على العباد و الأعمال، و مد يده في جباية الأمول، و شاع بالهيبة أمره، و انتشر بالقهر ذكره، و تهيبته العرب و العجم، و دعي له على كثير من منابر الأعمال العراقية (3)، و بالأهواز و نواحيها، و لم يكن القائم بأمر الله يقطع أمرا دونه، و لا يمضي رأيا إلا بعد إذنه و رأيه.

ثم صح عنده سوء عقيدته، و خبث نيته‏ (4)، و انتهى ذلك إليه من ثقات الأتراك لا يشك في قولهم و لا يرتاب، و انتهى إليه أنه بواسط قد عزم على نهب دار الخلافة، و القبض على الخليفة، فكاتب السلطان طغرلبك أبا طالب‏ (5) محمد بن ميكائيل و هو بنواحي الري يعرفه‏

____________

(1) صاحب تاريخ بغداد، لم يترجم للبساسيري في كتابه، خرج من بغداد إثر حركة البساسيري خشية على نفسه، ذلك أنه كان من أصدقاء الوزير ابن المسلمة عدو البساسيري الأول، و الكتاب الذي أشار إليه ابن القلانسي هو غير كتاب تاريخ بغداد، انظر موارد الخطيب البغدادي، لأكرم ضياء العمري ط. دمشق 1975: 43، و لحسن الحظ أن ابن العديم حفظ لنا بخط يده رواية الخطيب البغدادي عن ثورة البساسيري، و عليها قمت بضبط نص ابن القلانسي. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 257- 262.

(2) في رواية ابن العديم: و كان السبب في ذلك أن أرسلان التركي المعروف بالبساسيري، كان قد عظم أمره.

(3) في رواية ابن العديم: «لعدم نظرائه بين مقدمي الأتراك المسلمين الاصفهسلارية، و استولى على البلاد، و انتشر ذكره، و طار اسمه، و تهيبته أمراء العرب و العجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية ...».

(4) إثر تحالفه مع الخلافة الفاطمية لخدمة أغراض الدعوة الاسماعيلية في اسقاط الخلافة العباسية.

(5) في الأصل: أبا محمد لب، و هو تصحيف قوم من رواية ابن العديم و مما هو مثبت في العديد من المصادر حول طغرلبك، و مفيد هنا الاشارة إلى وجود بعض الفوارق بين رواية ابن العديم و رواية ابن القلانسي.

168

صورة حال الفساسيري، و يبعثه على الغدو (1) إلى العراق و يدرك أمر هذا الخارجي قبل تزايد طمعه، و إعضال خطبه.

و عاد الفساسيري و قصد دار الخلافة في بغداد، و هي بالجانب الغربي في الموضع المعروف بدار اسحق، فهجمها و نهبها و أحرقها و نقض أبنيتها (2)، و استولى على كل ما فيها.

و وصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في شهر رمضان سنة سبع و أربعين و أربعمائة و توجه الفساسيري إلى الرحبة حين عرف وصول طغرلبك على الفرات، و كاتب المستنصر بأمر الله صاحب مصر، يذكر له كونه في طاعته، و اخلاصه في موالاته، و عزمه على إقامة الدعوة له في العراق، و أنه قادر على ذلك، و غير عاجز عنه، فأنجده و ساعده بالأموال، و كتب له بولاية الرحبة.

و أقام السلطان طغرلبك ببغداد سنة كاملة، و سار منها إلى ناحية الموصل، و أوقع بأهل سنجار، و عاد منها (55 و) إلى بغداد فأقام برهة، ثم عاد إلى الموصل، و خرج منها متوجها إلى نصيبين‏ (3) و معه أخوه إبراهيم ينال و ذلك في سنة خمسين و أربعمائة، و حدث بين السلطان طغرلبك و أخيه إبراهيم خلف أوجب انفصاله عنه بجيش عظيم، و قصد ناحية الري، و قد كان الفساسيري كاتب إبراهيم ينال أخا السلطان طغرلبك يبعثه على العصيان لأخيه، و يطمعه في الملك، و التفرد به، و يعده المعاضدة عليه، و المؤازرة و المرافدة و الشد منه، و سار طغرلبك‏

____________

(1) في الأصل: العود، و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه أو كما روى ابن العديم «يستنهضه على المسير إلى العراق» ذلك أن طغرلبك لم يكن جاء بغداد بعد.

(2) كذا في الأصل و فيه تداخل، و يدل على اضطراب في الرواية، فالبساسيري لم يعد إلى بغداد، و دار الخلافة ليست هي المكان المحدد في النص، بل هي دار البساسيري، و دار الخلافة نهبت بعد حوالي ثلاث سنوات، و رواية ابن العديم أصح من هذه الرواية و نصها: «و انفض أكثر من كان مع البساسيري، و عادوا إلى بغداد، ثم أجمع رأيهم على أن قصدوا دار البساسيري، و هي بالجانب الغربي، في الموضع المعروف بدرب صالح، بقرب الحريم الطاهري، فأحرقوها و هدموا أبنيتها».

(3) هي ديار بكر حاليا في تركية.

169

في إثر أخيه‏ (1) مجدا، و ترك عساكره من ورائه، فتفرقت غير أن وزيره عميد الملك الكندري و ربيبه أنوشروان و زوجته خاتون وصلوا بغداد في من بقي معهم من العسكر في شوال سنة خمسين و أربعمائة، و اتصلت الأخبار بلقاء طغرلبك و أخيه إبراهيم بناحية همذان، و ورد الخبر بذاك على خاتون و ولدها و الوزير، و أن إبراهيم استظهر عليه و حصره في همذان، فعند ذلك عزموا على المسير إلى همذان لإنجاد السلطان، فحين شاع الخبر بذاك اضطرب أمر بغداد اضطرابا شديدا، و خاف من بها، و كثرت الأراجيف باقتراب أرسلان الفساسيري.

و توقف الكندري الوزير عن المسير فأنكرت خاتون ذلك عليه، و همت بالإيقاع به و توقف ابنها لتوقفها عن المسير و الانجاد للسلطان طغرلبك، فنهضا للجانب الغربي من بغداد، و قطعا الجسور من ورائهما و انتهبت دورهما (2) و استولى من كان مع الخاتون من الغز على ما فيها من الأموال و الأمتعة و الأثاث و السلاح، و توجهت خاتون في العسكر إلى ناحية همذان، و توجه الوزير الكندري على طريق الأهواز.

فلما كان يوم الجمعة السادس من ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري بالأنبار، و سعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور، فلم يحضر الإمام و أذن المؤذن في المنارة، و نزل منها، و أعلم الناس أنه رأى العسكر عسكر الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادرت‏ (3) إلى أبواب‏

____________

(1) معنى كلمة «اينال أو ينال» ولي عهد «اليبغو» و هو [اليبغو] «لقب من كان بعد الخاقان بدرجتين» «و الخان هو الملك المعظم» للترك و هو الخاقان، و اليبغو هو زعيم الغز، فعلى هذا كان ابراهيم ينال، و هو أخ لطغرلبك، من أمه، حين ثار يطالب بحقه في زعامة السلاجقة، أي أن يكون محل طغرلبك في السلطنة. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، 33، 116- 119.

(2) في رواية ابن العديم: «فبطل عزم الكندري على المسير، فهمت خاتون بالقبض عليه و على ابنها لتركهما مساعدتها على انجاد زوجها، ففرا إلى الجانب الغربي من بغداد، و قطعا الجسر وراءهما، و انتهبت دارهما».

(3) في الأصل «فبادروا» و التقويم من وراية ابن العديم و من سياق الخبر.

170

الجامع، و شاهدت قوما من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس، بحيث صلوا في هذا المكان في جامع المنصور الظهر أربعا من غير خطبة، و في يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري، و في غدوة يوم الاحد (55 ظ) دخل الفساسيري بغداد و معه الرايات المصرية (1)، فضرب مضاربه على شاطى‏ء دجلة، و اجتمع أهل الكرخ و العوام من أهل الجانب الغربي على مضافرة الفساسيري، و كان قد جمع العيار و أهل الفساد و أطمعهم في نهب دار الخلافة، و الناس إذ ذاك في ضر و جهد، و قد توالى عليهم الجدب، و غلاء السعر و عزت الأقوات و أقام الفساسيري بمكانه، و القتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة.

فلما كان يوم الجمعة الثاني‏ (2) دعي للمستنصر بالله صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور، وزيد في الأذان «حي على خير العمل» و شرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق‏ (3) و كف الناس عن المحاربة أياما، و حضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة، فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة، و خندق الخليفة القائم بأمر الله حول داره، ورم ما تشعث منها، و من أسوار المدينة، فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي و الكرخ‏ (4)، و نهض بهم إلى محاربة الخليفة و نشبت الحرب بين الفريقين يومين، و قتل منهما الخلق الكثير.

و أهل هلال ذي الحجة، فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة، فأضرم النار من الأسواق بنهر معلى و ما يليه، و عبر الناس لانتهاب دار الخليفة، فنهب منها ما لا يحصى كثرة و عظما، و نفذ الخليفة

____________

(1) في الأصل «السود» و هو خطأ صوابه ما أثبتناه من رواية ابن العديم علما بأن السواد شعار بني العباس و البياض شعار الاسماعيلية و بقية أحزاب الشيعة.

(2) في رواية ابن العديم: «الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة».

(3) في رواية ابن العديم: «و شرع البساسيري في اصلاح الجسر، فعقده بباب الطاق، و عبر عسكره عليه، و أنزله بالزاهر».

(4) في رواية ابن العديم: «أهل الجانب الغربي عموما، و أهل الكرخ خصوصا» ذلك أن جل أهل الكرخ كانوا من الشيعة.

171

إلى قريش بن بدران العقيلي‏ (1)، و كان قد ظاهر الفساسيري، فأذم للخليفة في نفسه، و لقيه قريش أمير بني عقيل، فقبل الأرض دفعات، و خرج الخليفة من الدار راكبا، و بين يديه راية سوداء و عليه قباء أسود و سيف و منطقة، و على رأسه عمامة تحتها قلنسوة و الأتراك [في‏] (2) أعراضه و بين يديه، و ضرب له قريش خيمة في الجانب الغربي فدخلها و أحدق به خدمه.

و ماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم بن المسلمة الفساسيري و يده قابضة على يده و كمه، و قبض على قاضي القضاة الدامغاني، و جماعة معه، و حملوا إلى الحريم الطاهري، و قيد الوزير و القاضي، فلما كان يوم الجمعة الرابع‏ (3) من ذي الحجة، لم يخطب بجامع الخليفة، و خطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر، و في هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغداد.

و لما كان (56 و) اليوم التاسع من ذي الحجة، و هو يوم عرفة أخرج الخليفة القائم بأمر الله من الموضع الذي كان فيه، و حمل إلى الأنبار و منها إلى حديثة عانة على الفرات، فحبس هناك، و كان صاحب الحديثة الأمير مهارش هو المتولي لخدمة الخليفة فيها بنفسه، و كان حسن الطريقة.

و لما كان يوم الاثنين من ذي الحجة شهر الوزير رئيس الرؤساء وزير الخليفة على جمل، و طيف به في محال الجانب الغربي، ثم صلب [حيا] (4) بباب الطاق و خراسان و جعل على فكيه كلابان من حديد [و علق‏] (5) على جذع، فمات (رحمه الله) بعد صلاة العصر، و أطلق القاضي الدامغاني بمال قرر عليه.

____________

(1) في الأصل: مؤنس بن بدر الصقلبي، و هو تصحيف، صوابه ما أثبتنا من رواية ابن العديم و مما هو معروف في المصادر حول ثورة البساسيري و تاريخ الدولة العقيلية بالموصل.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين من رواية ابن العديم.

(3) في الأصل «الرابع عشر» و هو خطأ صوابه ما أثبتنا اعتمادا على رواية ابن العديم، و على سياق الخبر في أول المقطع التالي.

(4) في الأصل: «إلى الحديثة في الفرات» و فيه عدم وضوح، لذلك تم اعتماد رواية ابن العديم.

(5) أضيف ما بين الحاصرتين من رواية ابن العديم.

172

قال أبو بكر الخطيب (رحمه الله): ثم خرجت يوم النصف من صفر سنة إحدى و خمسين و أربعمائة من بغداد، و لم يزل الخليفة في محبسه بالحديثة إلى أن عاد السلطان طغرلبك من ناحية الري إلى بغداد بعد أن ظفر بأخيه إبراهيم ينال و كسره و قتله، ثم كاتب الأمير قريشا بإطلاق الخليفة [و إعادته‏] (1) إلى داره.

و ذكر أن الفساسيري عزم على ذلك لما بلغه أن طغرلبك متوجها إلى ناحية العراق و أطلع الفساسيري أبا منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف‏ (2) على ذلك، و جعله السفير بينه و بين الخليفة فيه، و شرط أن يضمن الخليفة للفساسيري صرف طغرلبك عن وجهته.

و كاتب طغرلبك مهارشا في أمر الخليفة و إخراجه من محبسه، فأخرجه و عبر به الفرات، و قصد به تكريت في نفر من بني عمه، و قد بلغه أن طغرلبك بشهرزور، فلما قطع الطريق عرف أن طغرلبك قد حصل ببغداد، فعاد راجعا حتى وصل النهروان، فأقام الخليفة هناك، و وجه طغرلبك مضارب في الحال و فروشا برسم الخليفة، ثم خرج لتلقيه بنفسه، و حصل الخليفة في داره، و نهض طغرلبك في عسكر نحو الفساسيري و هو بسقي الفرات، فحاربه إلى أن أظفره الله به، و قتله و حمل رأسه إلى بغداد، و طيف به فيها، و علق بإزاء دار الخلافة (3).

سنة إحدى و خمسين و أربعمائة

في هذه السنة كان هلاك أرسلان الفساسيري، و عود الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى داره على ما تقدم شرحه من أمره.

و فيها أيضا كان ظفر السلطان طغرلبك بأخيه إبراهيم ينال، على باب همذان.

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من رواية ابن العديم.

(2) في الأصل: «إلى داره، إلى ناحية العراق، و جعل السفير بينه و بين طغرلبك في ذلك أبا منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف، و شرط أن يضمن الخليفة».

(3) زاد ابن العديم في روايته «في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة احدى و خمسين».

173

سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة

(56 ظ) فيها وصل الأمير المقدم تمام الدولة، قوام الملك، ذو الرئاستين، سبكتكين المستنصري إلى دمشق، و بقي فيها غير وال عليها إلى أن وصل القائد موفق الدولة جوهر الصقلبي من مصر في يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجة سنة اثنتين و خمسين أربعمائة، و معه الخلع و سجل الولاية لدمشق بألقابه و الدعاء له: «سلمه الله و وفقه»، و الناظر في الأعمال، و حفظ الأموال سديد الدولة أبو عبد الله محمد ابن حسن الماشكي، على ما كان عليه سبكتين [فأقام‏] (1) واليا على دمشق إلى أن توفي بها في ليلة الاثنين الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، فكانت ولايته ثلاث شهور و سبعة أيام.

و في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على حلب محاصرا لها، و مضيقا عليها، و طامعا في تملكها، و معه منيع بن سيف الدولة (2)، فأقام عليها مدة فلم يتسهل له فيها أرب و لا تيسر طلب، فرحل عنها، ثم حشد بعد مدة و جمع و عاد منازلا لها و مضايقا لأهلها و مراسلا لهم، و تكررت المراسلات منهم إلى أن تسهل أمرها، و تيسر خطبها، فتسلمها في يوم الاثنين مستهل جمادى‏ (3) الاخرة، و ضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة بن حمدان في العساكر المصرية لإنجادها، فخرج منها في رجب سنة اثنتين و نهبت حلب بعسكر ناصر الدولة (4) و اتفقت وقعة الفنيدق المشهورة، و انفلال ناصر

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق، حيث أن هناك سقط ما.

(2) منيع بن مقلد من كبار أمراء كلاب. انظر زبدة الحلب: 1/ 283- 284.

(3) في الأصل «يوم الاثنين من جمادى» و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه اعتمادا على زبدة الحلب لابن العديم: 1/ 276. انظر أيضا كتابي: امارة حلب (بالانكليزية): 155- 156.

(4) في هذه الرواية شي‏ء من اللبس، و جاء في زبدة الحلب لابن العديم و مصادر أخرى أن محمود أدخل مدينة حلب و حاصر في قلعتها مكين الدولة ابن ملهم، ولدى وصول جيش ناصر الدولة انسحب محمود من المدينة، فنزل مكين الدولة و أصحابه إليها فنهبوها، و وصل ناصر الدولة إلى حلب و أراد نهبها فقيل له: «أصحاب مكين الدولة قد سبقوك و لم يبق-

174

الدولة و عوده إلى مصر منهزما مخذولا (1) فعاد محمود بجمعه إلى حلب و حصل بها، و أقبل عمه معز الدولة (2) و استقام أمره فيها.

و في هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه و حشده مدينة الرحبة، و لم يزل نازلا عليها و مضايقا لأهلها و مراسلا لهم إلى أن تسهل الأمر فيها، و سلمت إليه، و حصل بها في صفر من السنة.

سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة

في هذه السنة وصل الأمير حسام الدولة ابن البجناكي إلى دمشق، واليا عليها في يوم الجمعة الثاني و العشرين من جمادى الأولى منها، و نزل في المزة، و أقام مدة، و ورد الكتاب بعزله، فانصرف عن الولاية، و توجه نحو حلب في شهر رمضان من السنة.

ثم وصل بعد ذلك عدة الدين و الدولة ناصر الدولة (3) (57 و) بن حمدان إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان من السنة، و حصل بها و قرى‏ء سجل ولايته و أمر فيها و نهى.

و في هذه السنة استقر الصلح و الموادعة بين معز الدولة صاحب حلب و ابن أخيه محمود بن شبل الدولة.

و فيها ندب أبو محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر للمسير من حلب إلى القسطنطينية رسولا في المحرم منها.

____________

- لك و لأصحابك إلا الاسم بلا فائدة» فامتنع عن النهب، و انسحب نحو الفنيدق حيث تل السلطان، و هناك حدثت معركة الفنيدق. انظر زبدة الحلب: 1/ 278. امارة حلب: 157- 160.

(1) وقع ناصر الدولة في أسر محمود و ظل أسيرا حتى سنة 453 حيث أطلق سراحه ثمال بن صالح.

(2) في الأصل: «و قتل عمه معز الدولة» و هذا خطأ يوحي بحدوث سقط في الخبر، ذلك أن معز الدولة ثمال بن صالح لم يكن في حلب أثناء سقوطها لمحمود بل كان في مصر، و من هناك صرفه المستنصر و فوض إليه حكم حلب، فأقبل عليها و استطاع انتزاعها من ابن أخيه محمود، انظر زبدة الحلب: 1/ 280- 286. امارة حلب: 161- 162.

(3) في الأصل: ابن ناصر الدولة، و ابن زيادة، انظر زبدة الحلب: 1/ 280- 281.

175

و فيها توفي الأمير معز الدولة بحلب في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة، و دفن في المسجد بالقلعة، و ملكها أخوه عطية (1).

و في هذه السنة وصل الأمير المؤيد معتز الدولة حيدرة بن عضب الدولة إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية بعد أولى، في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي القعدة منها، و نزل في أرض المزة، و في هذا اليوم سار عدة الدولة ابن حمدان عن الولاية منصرفا إلى مصر، و أقام المؤيد بها في الولاية ما أقام و انصرف عنها معزولا في شهر ربيع الآخر سنة خمس و خمسين و أربعمائة.

سنة أربع و خمسين و أربعمائة

في المحرم منها قلد الأمير مكين الدولة طبرية و ثغر عكا، من قبل الامام المستنصر بالله و أمر على جماعة بني سليم و بني فزارة، و فيها توفي القاضي الشريف مستخص الدولة أبو الحسين ابراهيم بن العباس ابن الحسن الحسيني بدمشق يوم السبت التاسع و العشرين من شعبان (رحمه الله).

و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرلبك و قيام ولد (2) [أخيه‏] ألب أرسلان في المملكة بعده في مدينة الري‏ (3).

____________

(1) لم يطل حكمه بها، و انتزعها منه ابن أخيه محمود بن نصر، انظر زبدة الحلب:

1/ 291- 296.

(2) في الأصل ولده و هو خطأ، فطغرلبك لم ينجب، و ألب أرسلان كان ابن أخيه، و هو الذي ساعده على سحق ثورة ابراهيم ينال، انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 124.

(3) في ضاحية مدينة طهران الحالية.

176

سنة خمس و خمسين و أربعمائة و فيها ولاية أمير الجيوش بدر لدمشق‏

وصل الأمير تاج الأمراء المظفر، مقدم الجيوش شرف الملك، عدة الامام، ثقة الدولة، بدر إلى دمشق واليا عليها في يوم الأربعاء الثالث و العشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، و نزل بأرض المزة، و معه الشريف القاضي ثقة الدولة ذو الجلالين أبو الحسن يحيى بن زيد الزيدي ناظرا في الأعمال و نفقات الأموال، و أقام بها مدة مدبرا لها و آمرا و ناهيا فيها، ثم حدث من أمره بها و الخلف الجاري بينه و بين عسكريتها و رعيتها، و وقعت بينهما محاربات عرف معها عجزه عن المقام بينهم، و الثبات معهم (57 ظ) و خاف على نفسه منهم، فسار عنها كالهارب منها ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست و خمسين‏ (1).

و في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب، و حصر عمه عطية فيها، في النصف من شعبان، و قتل منيع بن كامل بحجر المنجنيق، و لم يتمكن من غرضه فيها، و لا تسهل له أرب منها فرحل عنها.

____________

(1) انظر ترجمته في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 298.

177

سنة ست و خمسين و أربعمائة و فيها ولاية الأمير حيدرة بن منزو

لما انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هاربا، ندب لولايتها الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان، واليا عليها، و وصل إليها في شهر رمضان من السنة، و أقام بها، و أمرونها على عادة أمثاله من الولاة بها.

ثم اقتضى الرأي المستنصري صرفه عنها بشهاب الدولة دري المستنصري و وصل إليها و تولى الولاية فيها.

و في هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقا لها و لعطية عمه، فاستصرخ‏ (1) بالأمير ابن خان التركي، فأنجده عليه فلما أحس‏ (2) بوصوله، رحل عنها منهزما ثم خاف عطية من الأمير ابن خان، فأمر أحداث حلب بنهب عسكره فنهبوه، و رحل ابن خان منهزما، و أنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من المساعدة عليه، و توجه معه إلى طرابلس، و عاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة.

و فيها وصل الأمير شهاب الدولة دري المستنصري إلى دمشق واليا في العشر الأخير من ذي القعدة من السنة، ثم تجدد الرأي في صرفه، فانصرف و توجه إلى الرملة لأن سجل ولايته لها ورد عليه، و أقام بها آمرا و ناهيا إلى أن قتل بها في شهر ربيع الآخر سنة ستين و أربعمائة و أقامت دمشق خالية من الولاة إلى أن وصل إليها أمير الجيوش بدر واليا عليها دفعة ثانية في سنة ثمان و خمسين و أربعمائة.

____________

(1) أي عطية، و كان ابن خان أول زعيم تركماني يدخل إلى حلب و يتدخل في أمورها بشكل فعال، مما نجم عنه أخطر النتائج، انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 128- 130.

(2) محمود بن نصر.

178

سنة سبع و خمسين و أربعمائة

في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب ثالث دفعة، و معه الأمير ابن خان التركي، و أقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان، و لم يزل مضايقا (58 و) لها إلى أن تسهل أمرها، و ملكها، فلما حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق، و لم يدخلها اشفاقا من أحداث حلب، لما فعلوه في تلك النوبة من القيام عليه، و النهب لأصحابه.

179

سنة ثمان و خمسين و أربعمائة و فيها ولاية أمير الجيوش بدر الثانية

وصل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر إلى دمشق واليا ثانية، و على الشام بأسره في يوم الأحد السادس من شعبان منها و نزل في مرج باب الحديد أياما، و بلغه قتل ولده بعسقلان، فدخل القصر و أقام فيه إلى أن تحركت الفتنة الثائرة بينه و بين عسكرية دمشق و أهلها، و استيحاش كل منهم من صاحبه، فخرج من القصر، و نشبت الحرب بينهم في يوم الجمعة التاسع و العشرين من جمادى الأولى سنة ستين و أربعمائة و قد كان القصر أخرب بعضه في تلك النوبة الحادثة الأولى، و نهب ما كان فيه، فلما عاد بعد ذلك في هذه النوبة، و معه العساكر الجمة من العرب و سائر الطوائف، و نزل على مسجد القدم في رمضان سنة ستين، و اتفق رحيله عنها، فخرج من في البلد من العسكرية و الأحداث إلى القصر فأحرقوا ما كان سالما منه و نقضوا أخشابه بحيث شمله الخراب من كل جهاته.

و في هذه السنة فادى الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح نساء بني حماد و النمريين من أسر الروم، و لم يزل مبالغا في ذلك و مجتهدا فيه إلى أن حصلوا في حلب.

سنة تسع و خمسين و أربعمائة

فيها وردت الأخبار من ناحية مصر باجتماع العبيد في الصعيد، و كبسهم عسكر الأمير ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان، و انفلال العرب المجتمعة معه، و استظهار العبيد على جانب من عسكره نهبوه، و استولوا عليه، ثم عادوا و استعادوا ما أخذ لهم و زيادة عليه، و قتل جماعة منهم.

و فيها سأل الأمير ناصر الدولة المستنصر بالله في حميد بن محمود بن جراح، و حازم بن علي بن جراح فأطلقهما من خزانة البنود، و خلى سلبيهما (58 ظ)

180

سنة ستين و أربعمائة و فيها ولاية الأمير بارزطغان لدمشق‏

وصل الأمير قطب الدولة بارزطغان إلى دمشق واليا عليها في شعبان منها، و وصل معه الشريف السيد أبو طاهر حيدرة بن مستخص الدولة أبي الحسين، و نزل قطب الدولة في دار العقيقي‏ (1) و أقام مدة ثم خرج منها و معه الشريف المذكور في شهر ربيع الأول سنة إحدى و ستين و أربعمائة.

و ورد الخبر بأن أمير الجيوش بدر ظفر بالشريف المذكور، و كان بينهما إحن بعثته على الاجتهاد في طلبه و الارصاد له إلى أن اقتنصه، فلما حصل في يده قتله سلخا، فعظم ذلك على كافة الناس، و أكبروا هذا الفعل و استبشعوه في حق مثله‏ (2).

و في يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى من السنة جاءت زلزلة عظيمة بفلسطين، هدمت دور الرملة و سورها، و تضعضع جامعها، و مات أكثر أهلها تحت الردم، و حكي أن معلما كان في مكتبه به تقدير

____________

(1) داخل باب الفراديس مكان المدرسة الظاهرية اليوم. مجلة الحوليات الأثرية: 22- 23/ 42- 43.

(2) كان من خصوم بدر الجمالي، منعه من دخول دمشق، ضمن مسلسل من الحواث المفجعة في مدينة دمشق أدت إلى إحراق الجامع الأموي فيها مع أماكن من المدينة كثيرة و هامة، و قد تحدث غرس النعمة محمد بن هلال الصابى‏ء عن هذه الأحداث بشكل مفصل في أخبار سنة/ 462 ه/ و ترجم للشريف المقتول في وفيات هذه السنة فقال: «حيدرة بن ابراهيم أبو طاهر بن أبي الجن الشريف كان عالما فاضلا، دينا، قرأ القرآن، و سمع الحديث، و لما دخل عسكر بدر الجمالي دمشق هرب منها إلى عمان البلقاء، فغدر به بدر بن حازم، و كان الشريف قد أطلق أباه حازم من خزانة البنود، و قد ذكرناه.

و قال محمد بن هلال الصابى‏ء لما خرج الشريف و بارز طغان من دمشق يريدان مصر، أشار عليه بارز طغان أن لا يظهر بعمان البلقاء، لأن بها بدر بن حازم، و أن يسير في الليل، فلم يقبل، و سار بارز طغان إلى حلة بدر بن حازم و قال: جئنا لتذم لنا و لمن معنا، فقال: و من معكم؟ قالوا:

الشريف ابن أبي الجن، فقال: ذم الله لكم إلا الشريف فانه لابد من حمله إلى أمير المؤمنين، و سار إليه و قبض عليه، و مضى به إلى عكا، فباعه بذهب و خلع و اقطاع، فأركبه أمير الجيوش جملا و قتله أقبح قتلة، ثم سلخ جلده، و قيل سلخه حيا، و صلبه. و لعن أهل الشام بدر بن حازم و العرب، و قالوا: ما هذه عادتهم و لقد كان الشريف من أهل الديانة و الصيانة و العفة و الأمانة، محبا لأهل العلم، و اصطناع المعروف».

181

مائتي صبي وقع المكتب عليهم، فما سأل أحد عنهم لهلاك أهليهم، و إن الماء طلع من أفواه الآبار لعظم الزلزلة، و هلك في بانياس تحت الردم نحو من مائة نفس، و كذلك في بيت المقدس، و سمع في أيار من هذه السنة رعدة هائلة ما سمع بأعظم منها و لا بأهول من صوتها، فغشي على جماعة من الرجال و النسوان و الصبيان، و طلع في إثرها سحاب هائل، و وقع منه برد شديد الوقع أهلك كثيرا من الشجر، و جاء معه سيل عظيم في بلد الشام قلع ما مر به من الشجر و الصخر، حكي أن ارتفاعه بوادي بني عليم‏ (1) نحوا من ثلاثين ذراعا، و أنه سحب صخرة عظيمة لا يقلها خمسون رجلا ذهب بها، فلم يعرف مستقرها.

و فيها ورد الخبر بقيام ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان في جماعة من قواد الأتراك و أمراء مصر على المستنصر بالله بمصر، و أخذهم شيئا كثيرا من المال اقتسموه، و كان أمير الجيوش بدر في مبدأ أمره مقيما بالشام، مظهرا لطاعة المستنصر بالله، و الموالاة له، و الميل إليه، إلا أنه لا يتمكن من نصرته، و لا يجد سبيلا إلى مؤازرته و معاضدته، و زحف المذكورون إلى دار وزيره المعروف بابن كدينة فطالبوه بالمال، فقال لهم:

و أي مال بقي بعد نهبكم (59 و) الأموال و اقتسامكم الأعمال؟ فألحوا عليه و قالوا: لابد من انفاذك إلى المستنصر بالله و بعثك له على اخراج المال، و تعريفه في ذلك صورة الحال، فكتب إليه رقعة بشرح القصة، و خرج الجواب عنها بخطة، يقول فيه:

أصبحت لا أرجو و لا أتّقي‏* * * إلا إلهي و له الفضل‏

جدّي نبييّ و إمامي أبي‏* * * و قولي التوحيد و العدل‏

المال مال الله، و العبيد عبيد الله، و الإعطاء خير من المنع، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (1)

و في هذه السنة خرج متملك الروم من القسطنطينية إلى الثغور (2).

____________

(1) على مقربة من دير سمعان المشهور بنواحي حلب. انظر زبدة الحلب: 1/ 47.

(2) القرآن الكريم- الشعراء: 227.

182

سنة إحدى و ستين و أربعمائة و فيها كانت ولاية معلى بن حيدرة بن منزو لدمشق‏

الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة بن منزو الكتامي، ولي دمشق قهرا و غلبة و قسرا، من غير تقليد في يوم الخميس الثامن من شوال سنة إحدى و ستين و أربعمائة، بحيل نمقها و محالات اختلقها و لفقها، و ذكر أن التقليد بعد ذلك وافاه، فبالغ في المصادرات حينئذ و ارتكب من الظلم و مصادرة المستورين الأخيار ما هو مشهور، و من العيث و الجور ما هو شائع بين الأنام مذكور، و لم يلق أهل البلد من التعجرف و الظلم و العسف بعد جيش بن الصمصامة (1) في ولايته، مالقوه من ظلمه، و سوء فعله و قاسوه من اعتدائه و لؤم أصله، و لم تزل هذه أفعاله إلى أن خربت أعمالها، و جلا عنها أهلها، و هان عليهم مفارقة أملاكهم، و سلوهم عن أوطانهم بما عانوه من ظلمه، و لا بسوه من تعديه و غشمه، و خلت الأماكن من قاطنيها، و الغوطة من فلاحيها، و ما برح لقاه الله على هذه القضية المنكرة، و الطريقة المكروهة إلى أجاب الله- و له الحمد و الشكر- دعاء المظلومين، و لقاه عاقبة الظالمين، و حقق الأمل فيه بالراحة منه، و أوقع بينه و بين العسكرية بدمشق الشحناء و البغضاء، فخاف على نفسه الهلاك و البوار، فاستشعر الوبال و الدمار، فلم يكن له إلا الهرب منهم، و النجاة من فتكهم، لأنهم عزموا على الايقاع به، و النكاية فيه، و قصد ناحية بانياس‏ (2) (59 ظ) فحصل فيها في يوم الجمعة الثاني و العشرين من ذي الحجة سنة سبع و ستين و أربعمائة فأقام بها و عمر ما عمره من الحمام و غيره فيها، ثم خرج منها في أوائل سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة خوفا من العسكر المصري أن يدركه فيها، فيأخذه منها، و حصل بثغر صور عند ابن أبي عقيل القاضي‏

____________

(1) هو الامبراطور رومانوس دايجينوس، خرج في محاولة لمنع التركمان من الانسياح المدمر في بلاد آسيا الصغرى، و جاء هذا الخروج في مقدمات معركة منازكرد التي سيرد ذكرها.

(2) بانياس الداخل، في هضبة الجولان المحتلة، من أهم المواقع، كانت تعدّ مفتاحا لدمشق، و نقطة دفاع أولى عنها، بجوارها قلعة حصينة تعرف الآن بقلعة «النمرود» الصبيبة.

183

المستولي عليها، ثم صار من صور إلى طرابلس، و أقام بها عند زوج أخته جلال الملك ابن عمار (1) مدة، و أطلع إلى مصر فهلك في الاعتقال قتلا بالنعال في سنة إحدى و ثمانين و أربعمائة و ذلك جزاء الظالمين، وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏ (2).

و في هذه السنة وقع الخلف بدمشق بين العسكرية، و بين أهلها، و طرحت النار في جانب منها فاحترقت، و اتصلت النار منه بالمسجد الجامع من غربيه فاحترق في ليلة يوم الاثنين انتصاف شعبان من السنة، فقلق الناس لهذا الحادث و الملم المؤلم الكارث، و أسف القاصي و الداني لاحتراق مثل هذا الجامع الجامع للمحاسن و الغرائب، المعدود من إحدى العجائب حسنا و بهاء و رونقا و سناء، و كيف أصابت مثله العيون الصوائب وعدت عليه عادية النوائب‏ (3).

____________

(1) صاحب طرابلس [464- 492 ه/ 1072- 1099 م‏] و هو الذي سلم معلى بن حيدرة إلى الفاطميين. انظر كتاب طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي للدكتور سيد عبد العزيز سالم.

ط. الاسكندرية: 1967 ص: 98- 70.

(2) القرآن الكريم- البقرة: 144.

(3) الذي قدمه غرس النعمة محمد بن هلال الصابى‏ء عن حوادث دمشق أكثر تفصيلا، و لأهميته قام أمدروز المحقق الأول لكتاب ابن القلانسي بتثبيت رواية غرس النعمة هذه في الحاشية، لكن كما ألم بنص ابن القلانسي التصحيف، كذلك حدث بالنسبة لنص ابن الصابى‏ء، و لقد أبقيت نص ابن الصابى‏ء بعد ضبطه و اعتمدت في عملي على نسختين مخطوطتين من مرآة الزمان، واحدة في باريس و الثانية في استانبول- انظر حوادث سنة 462 ه حيث جاء:

و أما أخبار الشام، فإن بدر الجمالي كان قد ورد دمشق واليا على الشام سنة ثمان و خمسين، و وصل عسقلان، و غزا بني سنبس (*)، و نكا فيهم، و عاد إلى الأقحوانة، و جاء أميران أخوان من سنبس، فقتلهما لأجل غارات كانت لهما بالشام قبل وصوله إليه، ثم صار يشق حلل العرب:

كلب و طي‏ء و غيرها شقا، و فعل فعلا لم يسبقه أحد إليه حتى وصل دمشق، فنزل قصر السلطان بظاهرها، و أقام سنة و كسر، فأمن الناس لهيبته، ثم قبض على ابن أبي الرضا، خليفة الشريف القاضي، المكنى بأبي الفضل اسماعيل بن أبي الجن العلوي، و على جماعته، و أخذ منهم عشرة آلاف، و وهبها لحازم بن جراح، المفرج عنه من مصر، و كان قد هرب إليه، فأعطاه المال استكفافا له عن معاونة الشريف أبي طاهر بن أبي الجن، المنفذ معه حازم لافساد أمر بدر بالشام، و إثارة أهل دمشق عليه، و لما فعل بدر بالمذكورين ما فعل، ثار أهل دمشق عليه و أغلقوا أبوابها- (*) من فروع قبائل طي‏ء، انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم. ط. القاهرة: 1962، ص: 402.

184

و فيها وردت الأخبار من مصر بغلاء الأسعار فيها، و قلة الأقوات في أعمالها و اشتداد الحال في ذلك، و اضطرارهم إلى أكل الميتة، و أكل الناس بعضهم بعضا من شدة الجوع، و قتل من يظفر به، و أخذ ماله و استغراق حاله، و من سلم هلك، و احتاج الأمير و الوزير و الكبير إلى المسألة.

____________

- و حاربوه، و ساعدهم حصن الدولة ابن منزو، و راسلهم مسمار بن سنان الكلبي، و راسلوه و حالفوه، و جاءت عرب مسمار، فأغارت على قصر السلطنة بدمشق بظاهرها، و عادوا لبدر الجمالي و راوحوه، فأنفذ ثقله و أهله إلى صيدا، و مضى خلفهم إليها، و جمع ابن منزو عسكره و عسكر دمشق لقصذ بدر، فلما عرف ذلك رحل إلى صور و حاصرها، و متوليها القاضي الناصح، ثقة الثقات، عين الدولة أبو الحسن محمد بن عبد الله ابن أبي عقيل، فحاصرها أياما و قرب منه ابن منزو، و سار إلى عكا، و أقام أياما دخل فيها بزوجته بنت رقطاش التركي، و مضى إلى عسقلان [ثم عاد إلى دمشق‏] و جاء الشريف ابن أبي الجن من مصر إلى دمشق، و كان أهلها هدموا قصر السلطنة و درسوه، و كان عظيما يسع ألوفا من الناس، و أقام على دمشق سبعة و عشرين يوما، و معه حازم و حميد ابنا الجراح اللذان اتفقا مع الشريف على الفتك ببدر، و كان حميد قد طمع من بدر في مثل ما فعله مع حازم، و لما عجز بدر عن دمشق عاد إلى عكا لأن الشريف و العساكر دفعوا عنها، و لما رحل عن دمشق، اختلف العسكر و أحداث البلد، فنهب العسكر بعض البلد، و نادوا بشعار بدر الجمالي، و استدعوا منه صاحبا يكون عندهم فأنفذ إليهم رجلا يعرف بالقطيان في جماعة من أصحابه، فدخل دمشق و هرب الشريف ابن أبي الجن و ولدا ابن منزو، و كان أبوهما قد مات على صور في هذه السنة، فنزل ابنا منزو على الكلبيين، و سار الشريف طالبا مصر، فاجتاز بعمان البلقاء، و بها بدر بن حازم صاحبها، فقبض على الشريف و باعه من بدر الجمالي باثني ألف دينار، فقتله أمير الجيوش بعكا خنقا.

و بعث بدر الجمالي إلى دمشق علويا يعرف بابن أبي شوية من أهل قيسارية و أمره بمصادرة الشريف أبي الفضل بن أبي الجن أخي المقتول، و جماعة من مقدمي دمشق، و علم أهل دمشق، فثاروا على ابن أبي شوية و أخرجوه، و لعنوا أمير الجيوش و وافقهم العسكر، و بعثوا إلى مسمار بن سنان، و حازم بن نبهان ابن القرمطي (*) أمير بني كلب، و بذلوا إليهما تسليم البلد فبعث إليهم مسمار يقول: لا يمكنني الدخول إلى البلد و تملكه و العسكر جميعه فيه و المغاربة و المشارقة و يجب أن تخالفوا بينهم و تخرجوا المشارقة، ففعلوا و صاروا أحزابا، و كان القتال في غربي الجامع و رمى المشارقة و أهل البلد بالنشاب من دار قريبة من الجامع، فضربت الدار بالنار فاحترقت، و ثارت النار منها إلى الجامع فأحرقته ليلة نصف شعبان هذه السنة، و لما رأى العوام ذلك تركوا القتال و قصدوا الجامع طمعا في تلافيه ليتداركوا ما حدث فيه، ففات الأمر فرموا سلاحهم، و لطموا و استغاثوا إلى الله تعالى و تضرعوا، و قالوا: كم نحلف و نكذب و نعد و نحنث، و نعاهد و ننكث، و النار تعمل إلى الصباح، فأصبح الجامع، و لم يبق منه إلا حيطانه الأربعة، و صاروا أيام الجماعات يصلون فيه على التلال، و هم يبكون، و انهزموا بعد ذلك،- (*) كان بنو القرمطي من أسر الزعامة الكلبية، و ليس هناك علاقة واضحة بين هذه التسمية و جماعات القرامطة.

185

و فيها نزل الروم على حصن أسفونا (1)، و ملكوه.

سنة اثنتين و ستين و أربعمائة

فيها نزل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر المستنصري في العسكر المصري على ثغر صور، محاصرا لعين الدولة ابن أبي عقيل القاضي، الغالب عليه، فلما أقام على المضايقة له و الاضرار به، كاتب القاضي ابن أبي عقيل الأمير قرلو مقدم الأتراك‏ (2) المقيمين بالشام مستصرخا له و مستنجدا به، فأجابه إلى طلبه و أسعفه بأربه، و سار بعسكره منجدا له و مساعدا، و وصل إلى ثغر صيدا، و نزل عليه في ستة آلاف، فحصره و ضيق عليه و على من فيه، و كان في جملة ولاية أمير الجيوش المذكور، فحين عرف أمير الجيوش صورة الحال، و وصول الأتراك لانجاد من بصور و اسعاده، قادته (60 و) الضرورة إلى الرحيل عن صور بعد أن استفسد كثيرا من أهلها و العسكرية بها، بحيث قويت بهم شوكته، و زادت بهم عدته، و تلوم عنها قليلا، ثم عاود النزول عليها و المضايقة لها، و أقام عليها في البر و البحر مدة سنة

____________

- و نهبت دورهم و أموالهم، و أنفذ مسمار واليا على دمشق من قبله يعرف بفتيان، و راسل مسمار أهل البلد ثانيا بأن يهبوا و يثبوا على المغاربة فيخرجوهم، و اتفق هو و أهل البلد، فثاروا عليهم، و تأخر مسمار عنهم، و اقتتلوا فظهر عليهم المغاربة و أحرقوا قطعة من البلد، و نهبوا أكثره، و نادوا بشعار بدر الجمالي، و وصل مسمار بعد ذلك إلى باب البلد، و قد فات الأمر الذي ورد له، فراسله المغاربة على أن يمكنهم من المقام في البلد و يعطونه مائة ألف دينار، فرضي و أقام أياما في المكان، و طالبهم بالمال، فلم يعطوه شيئا، و لم يكن له قدرة عليهم، فسار إلى السواد و كان ما نهب المغاربة من دمشق يساوي خمسمائة ألف دينار، و تتبعوا أحداث دمشق، فقتلوا منهم سبعين حدثا.

و مضى سنان الدولة ولد ابن منزو إلى أمير الجيوش و صالحه و صاهره على أخته، و عاد إلى دمشق واليا عليها من قبل أمير الجيوش و أطاعته المغاربة، و سلموها إليه فدخلها ...

و فيها استولى القاضي مختص الدولة ابن أبي الجن أخو حيدرة المقتول على دمشق و طرد نواب أمير الجيوش، و استولى على صور ابن أبي عقيل، و على طرابلس قاضيها ابن عمار، و على الرملة و الساحل ابن حمدان، و لم يبق لأمير الجيوش غير عكا و صيدا.

(1) حصن كان قرب معرة النعمان بالشام، معجم البلدان. زبدة الحلب: 2/ 10.

(2) مقدم جماعة الأتراك الناوكية، و كانوا من الخوارج على سلطة السلاجقة. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 132- 133، 152- 156.

186

احتاج أهلها مع ذلك إلى أكل الخبز الرطل بنصف دينار، و لم يتم له أمر فيها، لاختلاف الأتراك في الشام فرحل عنها.

و في هذه السنة مرض الأمير محمود بن صالح في حلب مرضا شديدا، و خطب للإمام القائم لأمر الله على منبر حلب، و قطع الدعوة المستنصرية في تاسع عشر شوال‏ (1).

و فيها فتح ملك الروم ثغر منبج و أحرقه، و عاد تقدم بعمارته‏ (2) و رحل عنه إلى ناحية منازجرد (3) فعاث في أطرافها إلى أطراف خراسان و بقيت منبج في ملكة هذا الملك، و اسمه على ما ذكر رومانوس دوجانس‏ (4)، سبع سنين، و دام في الملك على ما حكي ثلاثين سنة.

سنة ثلاث و ستين و أربعمائة

فيها جمع أتسز بن أوق مقدم الأتراك الغز بالشام‏ (5) و احتشد

____________

(1) كان جل أهالي حلب من الشيعة الامامية لذلك لاقى محمود صعوبات كبيرة حين ألغى الدعوة للخليفة الفاطمي و استبدلها بالخطبة للخليفة العباسي و ذلك بسبب تهديد السلاجقة لامارته، و روى ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 17- 18 أنه وضع العساكر على باب الجامع لمنع الناس من مغادرته لدى سماعهم الخطبة للخليفة العباسي، فعندما انتهت الصلاة، «أخذت العامة الحصر التي في الجامع، و قالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليجى‏ء أبو بكر بحصر حتى يصلي عليها الناس».

(2) قام الامبراطور رومانوس بعدة حملات عسكرية استهدف منها احتلال مواقع متقدمة داخل الأراضي الاسلامية ليضع فيها حاميات بيزنطية تتولى رصد جماعات التركمان و منعها من دخول آسيا الصغرى، و كان من جملة ما احتله منبج حيث رمم حصنها و وضع فيه حامية بقيت فيه سبع سنين. انظر زبدة الحلب: 1/ 12- 14. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:

138- 139.

(3) قرب بحيرة وان في تركية حاليا، عندها وقعت المعركة الفاصلة بين البيزنطيين و السلطان ألب أرسلان، كما سنرى.

(4) في الأصل: «أليز دوجانس» و أليز زيادة لعلها تصحيف «ابن» فالامبراطور هو رومانوس ابن دايجيس، أي رجل الروم أو بطلهم و قد حكم فيما بين [1068- 1071 م‏] و ليس ثلاثين سنة كما ورد في الأصل، انظر كتاب «أربعة عشر حاكما بيزنطيا» لميخائل بزللوس (ترجمة انكليزية) سلسلة بنكوين 1966 ص: 350- 366.

(5) له ترجمة جيدة في كتاب المقفى للمقريزي، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 265- 268.

187

و قصد أرض فلسطين، فافتتح الرملة، و بيت المقدس، و ضايق دمشق، و واصل الغارات عليها و على أعمالها، و قطع الميرة عنها، و رعى زرعها عدة سنين في كل ربيع لمضايقتها و الطمع في ملكتها، و لم يزل مترددا إلى أن اضطرب أمرها، و خربت المنازل بها، و زاد غلاء الأسعار فيها، و عدم تواصل الأقوات إليها و جلا أكثر أهلها عنها، و استحكم الخلف بين العسكرية المصامدة (1) و الأحداث من أهلها، و كون معلى بن منزو لعنه الله قد هرب عنها، و لم يبق فيها من المقدمين على الأجناد غير الأمير زين الدولة زمام المصامدة بها.

و في هذه السنة نزل السلطان العادل ألب أرسلان بن داود- أخي السلطان طغرلبك- بن سلجوق (رحمه الله) على حلب محاصرا و بها محمود بن صالح يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة، و ضايقها إلى أن ملكها بالأمان، فخرج محمود إليه فأمنه و أنعم عليه و ولاه البلد، و رحل عنه ثالث و عشرين رجب قاصدا إلى بلاد الروم طالبا ملكهم، و قد توجه إلى منازكجرد فلحقه و أوقع به و هزمه، و كان عسكره على ما حكى تقدير ستمائة ألف من الروم و ما انضاف إليهم من سائر الطوائف و عسكر (90 ظ) الاسلام على ما ذكر تقدير أربع مائة ألف من الأتراك و جميع الطوائف، و قتل من عسكر الروم الخلق الكثير بحيث امتلأ واد هناك عند التقاء الصفين، و حصل الملك في أيدي المسلمين أسيرا، و امتلأت الأيدي من سوادهم و أموالهم و آلاتهم و كراعهم و لم تزل المراسلات مترددة بين السلطان ألب أرسلان و بين ملك الروم المأسور إلى أن تقرر اطلاقه و المن عليه بنفسه بعد أخذ العهود عليه و المواثيق بترك التعرض لشي‏ء من أعمال الاسلام، و إطلاق الاسارى، و أطلق و سير إلى بلده،

____________

(1) من قبيلة مصمودة المغربية سكان السوس الأقصى.

188

و أهل مملكته، فيقال أنهم اغتالوه و سملوه‏ (1) و أقاموا غيره مكانه لأشياء أنكروها عليه، و نسبوها إليه‏ (2).

سنة أربع و ستين و أربعمائة

في المحرم منها قتل الأمير جعبر صاحب قلعة دوسر، فيها بمكيدة نصبت‏ (3) له و حيلة تمت عليه و غفلة استمرت به.

و فيها ملكت الرقة و استولي عليها، و فيها نهض محمود بن صالح من حلب فيمن حشد من العرب و قصد ناحية اعزاز في يوم السبت الثاني و العشرين من رجب للقاء الروم، فاندفعت الروم بين أيدي العرب، و العرب في عدة قليلة تناهز ألف فارس و قصدوا أنطاكية، و اجتمعوا بها، و عادت العرب إلى حلب‏ (4).

و فيها ورد الخبر من بغداد في شهر ربيع الأول منها بأن الامام الحافظ أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب (رحمه الله) توفي يوم الاثنين السابق من ذي الحجة منها، و حمل إلى الجانب الغربي من بغداد و صلي عليه، و دفن بالقرب من قبة أحمد بن حنبل (رحمه الله)(5).

____________

(1) في الأصل «سلموه» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا.

(2) تعد معركة مناز كرد من معارك التاريخ الكبرى، و سبق لي الاهتمام بهذه المعركة حيث جمعت حولها جميع ما جاء في المصادر العربية و غير العربية من مطبوع و مخطوط، و نشرت هذه النصوص في كتابي مختارات من كتابات المؤرخين العرب. دمشق: 1971، ص: 96- 151، كما قمت بدراسة هذه المعركة في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 143- 152، و مفيد هنا أن أشير إلى أن المصادر العربية بالغت في تقدير تعداد العساكر، فالرقم الذي ذكره ابن القلانسي قد يقبل منه العشر فقط.

(3) قلعة دوسر هي قلعة جعبر نفسها، و هي قائمة الآن وسط بحيرة سد الفرات في سورية، و قد تملك هذه القلعة أحد زعماء قبيلة قشير و اسمه جعبر بن سابق، و كان يقوم منها بقطع الطريق على السابلة و بغارات سلب و نهب، فنسبت القلعة إليه، و قد انتزعت هذه القلعة من صاحبها سنة 479 ه/ 1086 م من قبل السلطان السلجوقي ملكشاه أثناء قدومه إلى الشام، حيث حاصرها و أنزل منها صاحبها- جعبر- و قتله، و على هذا لا يمكن اعتماد رواية ابن القلانسي. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 73، 203- 206، 406.

(4) انظر زبدة الحلب: 2/ 30- 31.

(5) انظر حوله كتابي مائة أوائل من تراثنا- ط. دمشق 1982، ص 388- 392.

189

سنة خمس و ستين و أربعمائة

فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلد بن منقذ من حلب خوفا من صاحبها الأمير محمود بن صالح، حين عرف عزمه على القبض عليه، و قصد المعرة، ثم قصد كفر طاب‏ (1).

و فيها ورد نعي الأمير عطية (2) عم الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية في ذي الحجة.

و فيها ورد: سار الأمير محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه و حشده من عسكره إلى الرحبة.

و في هذه السنة: وردت الأخبار باستشهاد السلطان العادل ألب أرسلان بن داود (3) أخي السلطان طغرلبك، ملك الترك، على نهر جيحون، عند حصن هناك بيد من اغتاله من الباطنية، المتزيين بطريقة الزهاد المتصوفة على القضية المشهورة (61 و) و السجية المذكورة (4).

____________

(1) كانت كفر طاب بلدة ذات شهرة و مكانة كبيرة، بقاياها اليوم قائمة على قرابة/ 2 كم/ إلى الغرب من بلدة خان شيخون على الطريق العام الواصل بين حماه و معرة النعمان فحلب، و كان الأمير علي أخا لمحمود بالرضاعة، صاحب مكانة كبيرة في بلاد الشام، و هو الذي استولى على قلعة شيزر الحصينة، و سبب قيام الأسرة المنقذية ذات الدور الكبير أيام الحروب الصليبية.

انظر زبدة الحلب: 2/ 34- 35. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 186- 188.

(2) هرب عطية بعد انتزاع حلب منه إلى الأراضي البيزنطية، و جاء بعد معركة مناز كرد على رأس قوة بيزنطية يريد مدينة حلب، فأخفق، و من ثم عاد و ذهب إلى القسطنطينية، حيث قيل بأنه «سقط من سطح كان نائما عليه و هو سكران، فمات سنة أربع و ستين» زبدة الحلب: 2/ 31.

(3) في الأصل: عبدد، و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه، فألب أرسلان هو «ابن جغري بك ...

و له و لكل واحد من آبائه اسم آخر بالعربية، و اسمه بالعربية محمد بن داود ...» مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 278.

(4) لا علاقة للباطنية باغتيال ألب أرسلان، ذلك أنه عبر سنة خمس و ستين و أربعمائة نهر جيحون على رأس جيش كبير «فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، و حمل إلى قرب سريره، و هو مع غلامين، فتقدم بأن يضرب له أربعة أوتاد و تشد أطرافه إليها، فقال: يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة؟ فاحتد السلطان ألب أرسلان، و أخذ القوس و النشابة، و حرص على قتله، و قال للغلامين: خلياه، و رماه فأخطأه ... فعدا يوسف إليه، و كان السلطان جالسا على-

190

سنة ست و ستين و أربعمائة

فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن‏ (1) في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر.

و فيها وردت الأخبار من بغداد بزيادة مد دجلة، حتى غرق بها عدة أماكن، و هدم عدة مساكن.

و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانتصاب السلطان العادل ملك شاه، ابن أبي الفتح محمد السلطان ألب أرسلان في المملكة بعد أبيه، و جلوسه على سرير الملك، بعد أخذ البيعة له على أمراء الأجناد، و كافة ولاة الأعمال و البلاد، فاستقامت له الأمور، و انتظمت به الأحوال على المراد و المأثور، و استمر التدبير على نهج الصلاح و سنن النجاح، و سلك في العدل و الانصاف، مسلك أبيه، العادل عن طريقة الجور و الاعتساف، و رتب النواب في الأعمال و الثقات في حفظ الأموال.

و فيها توفي أبو علي الحسين بن سعيد بن محمد بن سعيد العطار بدمشق، في يوم الجمعة من صفر، و كان من أعيان شهودها، و حدث عن جماعة.

سنة سبع و ستين و أربعمائة

فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن الإمام القادر بالله في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، و أمه أم ولد تسمى قطر الندى رومية، و أدركت خلافته و ماتت في رجب سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة، و كان مولده في الساعة الثالثة من نهار يوم الخميس، و قيل الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة و تولى الأمر بعد أبيه و عمره إحدى و ثلاثون سنة في يوم الاثنين‏

____________

- سدة، فنهض و نزل فعثر، و وقع على وجهه، و قد وصله يوسف، فبرك عليه و ضربه بسكين كانت معه في خاصرته، و دخل السلطان إلى خيمته و هو مثقل، و لحق بعض الفراشين يوسف فقتله بمرة كانت في يده، و قضى ألب أرسلان نحبه». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 291.

(1) قلعة بالجزيرة قرب سميساط. انظر زبدة الحلب: 2/ 42.

191

الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة، (و مات) (1) و عمره ست و سبعون سنة، و كانت أيامه أربعا و أربعين سنة و تسعة أشهر و أياما، و كان جميلا مليح الوجه أبيض اللون مشربا حمرة، حسن الجسم أبيض الرأس و اللحية، ورعا متدينا زاهدا عالما (2)، و كان (رحمه الله) قد بلي من أرسلان الفساسيري بما بلي إلى أن أهلكه الله و أراح، بالعزائم السلطانية، حسب ما تقدم به شرح الحال.

و روي عنه أنه لما اعتقل في الحديثة كتب رقعة، و أنفذها إلى مكة حرسها الله تعالى مستعديا (61 ظ) إلى الله تعالى على الفساسيري، و علقت على الكعبة، و لم تحط عنها إلى أن ورد الخبر بخروجه من الاعتقال من الحديثة و عوده إلى داره، و هلاك عدوه الفساسيري، و عنوانها:

«إلى الله العظيم، من المسكين عبده». و نسخة الاستغاثة (3):

«بسم الله الرحمن الرحيم‏»

اللهم إنك العالم بالسرائر، و المطلع على مكنون الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك و اطلاعك على خلقك عن إعلامي‏ (4)، هذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك و ما شكرها، و ألغى العواقب و ما ذكرها، أطغاه حلمك و تجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغيا، و أساء إلينا عتوا و عدوانا.

اللهم قل الناصر، و اعتز الظالم، و أنت المطلع العالم و المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، و إليك نهرب من [بين‏] (5) يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، و نحن نعتز بك يا رب العالمين.

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

(2) ترجم له سبط ابن الجوزي في وفيات سنة/ 467/ و تحدث عن أسباب وفاته، فبين أن الامراض أخذت تنتابه نتيجة للمصائب التي حلت به، و أنه فصد في أحد الأيام، فانفجر فصاده في الليل و خرج منه دما كثيرا سبب موته.

(3) أثبت ابن العديم في كتابه (بغية الطلب) نص هذه الاستغاثة في ترجمته للبساسيري، انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 263. و على رواية ابن العديم ضبط نص ابن القلانسي.

(4) في رواية ابن العديم زيادة «عن اعلامي بما أنا فيه».

(5) زيادة من رواية ابن العديم.

192

اللهم إنا حاكمناه إليك، و توكلنا في انصافنا منه عليك، و رفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، و وثقنا في‏ (1) كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين، و أظهر اللهم قدرتك فيه، و أرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم.

اللهم فاسلبه عزه، و ملكنا بقدرتك ناصيته يا أرحم الراحمين، و صل يا رب على محمد و سلم و كرم».

و تولى بعده الأمر ولد ولده الإمام أبو القاسم عبد الله‏ (2) ابن ذخيرة الدين [بن‏] (3) القائم بأمر الله أمير المؤمنين، و كان ذخيرة الدين، ولي العهد، فتوفي في حياة أبيه القائم بأمر الله، فعقد الأمر لابنه أبي القاسم عبد الله، و لقبه المقتدي بالله، و أخذت له البيعة في شعبان سنة سبع و سبعين و أربعمائة، و عمره تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و أيام.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح، بحلب في جمادى الأولى، و قام في منصبه ولده الأمير نصر بن محمود (4)، و هنأه بعد التعزية الأمير أبو الفتيان بن حيوس بالقصيدة الألفية المشهورة التي يقول فيها:

و قد جاد محمود بألف تصرّمت‏* * * و إني سأرجو أن سيخلفها نصر (5)

فأطلق له ألف دينار، و قال له: لو كنت قلت «سيضعفها نصر» لفعلت.

____________

(1) في رواية ابن العديم: و قد رفعت ظلامتي إلى حرمك، و وثقت في كشفها بكرمك .....

(2) في الاصل «عبد الرحمن» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

(4) أوصى محمود قبل وفاته بحلب لابنه شبيب، و كان أصغر أولاده، فلم تنفذ وصيته. انظر زبدة الحلب: 2/ 42- 45.

(5) القصيدة رائية، لعلها عرفت بالألفية لما جاء فيها، و اختلفت روايات هذا البيت، انظر ديوان ابن حيوس: 1/ 248. زبدة الحلب: 2/ 46.

193

سنة ثمان و ستين و أربعمائة و فيها: ولاية الأمير رزين الدولة لدمشق‏

(62 و) لما هرب معلى بن حيدرة بن منزو (1) لعنه الله من ولاية دمشق على القضية [التي سبق‏] (2) ذكرها اجتمعت المصامدة إلى الأمير رزين الدولة انتصار بن يحيى، زمامهم و المقدم عليهم و اتفق رأيهم على تقديمه في ولاية دمشق، و تقوية نفسه على الاستيلاء عليها، و دفع من ينازعه فيها، و وقع ذلك من أكثر الناس أجمل موقع، و أحسن موضع، و ارتضوا به، و مالوا إليه لسداد طريقته، و حميد سيرته، و كونه أحسن فعلا ممن تقدمه، و أجمل قصدا ممن كان قبله، فاستقر الأمر على هذه القضية، و السجية المرضية في يوم الأحد مستهل المحرم من السنة.

و في هذه السنة اشتد غلاء الأسعار في دمشق، و عدمت الأقوات، و نفدت الغلات منها، و اضطر الناس إلى أكل الميتات، و أكل بعضهم بعضا، و وقع الخلف بين المصامدة و أحداث البلد، و عرف الملك أتسز ابن أوق مقدم الأتراك [ذلك‏] (3) و ما آلت إليه الحال، و كان متوقعا لمثل ذلك، فنزل عليها، و بالغ في المضايقة لها، إلى أن اقتضت الصورة، و قادت الضرورة إلى تسليمها إليه بالأمان، و توثق منه بوكيد الأيمان.

فلما دخلها في ذي القعدة سنة ثمان و ستين و أربعمائة و حصل بها، نزل بأهلها منه قوارع البلاء، بعد ما عانوه من ابن منزو لعنه الله، و اشتداد البلاء من إنزال دورهم و إخراجهم منها، و اغتصاب أملاكهم و القبض لها، و استعمال سوء السيرة و خبث النية و السريرة، و تواصلت الدعوات‏

____________

(1) انظر ما تقدم ص: 172.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم سياق الخبر.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق، و قد آثرت ذلك على حذف «واو» ما آلت.

194

عليه من سائر الناس، و على أصحابه و أتباعه في جميع الأوقات، و أعقاب الصلوات و الرغبة إلى الله تعالى ذكره باهلاكه و تعفية آثاره‏ (1).

و في هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأن الأمير نصر بن محمود ابن صالح صاحبها، قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر، قتله قوم من أتراك الحاضر (2)، و ذاك أنه قبض على مقدمتهم المعروف بالأمير أحمد شاه، و خرج إليهم لينهبهم، فرماه أحدهم بسهم فقتله، و قام في منصبه من بعده أخوه سابق بن محمود بن صالح‏ (3).

و في هذه السنة خطب للإمام المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله على منبر دمشق، و قطعت الخطبة المستنصرية (62 و)، و نظر الملك أتسز ابن أوق في أمور دمشق و أحوالها بما يعود بصلاح أعمالها و وفور استغلالها، و أطلق لفلاحي المرج و الغوطة الغلات للزراعات، و ألزمهم الاشتغال بالعمارات و الفلاحات، فصلحت الأحوال و تواصلت من سائر الجهات الغلات، و رخصت الأسعار، و تضاعف الجذل بذلك و الاستيثار، و طابت نفوس الرعية و أيقنوا بزوال البؤس و البلية، و برز أتسز في عسكره إلى نواحي الساحل عازما على قصد مصر و طامعا في تملكها.

____________

(1) سوغ أتسز مثل بقية التركمان ما أوقعوه بسكان دمشق و سواها من بلاد الشام بمسوغ عقائدي، على أساس أن التركمان كانوا سنّة، و كان أهل الشام شيعة، و على العموم كره أهل الشام أتسز كثيرا، و لعنوه و سموه «أقسيس» و مع ذلك نلاحظ أنه بعد زوال التشيع من دمشق، تبدلت النظرة إلى أتسز، فهذا ابن كثير، و هو من متأخري مؤرخي دمشق قد عدّه بأنه «كان من خيار الملوك و أجودهم سيرة، و أصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، و أبطل الأذان بحي على خير العمل، و أمر بالترضي عن الصحابة أجمعين، و عمر بدمشق القلعة التي هي معقل الاسلام بالشام المحروس، ف(رحمه الله)، و بل بالرحمة ثراه، و جعل جنة الفردوس مأواه». البداية و النهاية: 11/ 112- 113. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 266- 267.

(2) الحاضر السليماني حيث محلة السليمانية الآن في مدينة حلب.

(3) انظر حول تفاصيل ذلك كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 167- 169.

195

سنة تسع و ستين و أربعمائة

فيها جمع الملك أتسز و احتشد، و برز من دمشق، و نهض في جمع عظيم إلى ناحية الساحل، ثم منها إلى ناحية مصر طامعا في ملكتها، و مجتهدا في الاستيلاء عليها، و الدعاء عليه من أهل دمشق متواصل، و اللعن له متتابع متصل‏ (1).

فلما قرب من مصر و أطلت خيله عليها، برز إليه أمير الجيوش بدر في من حشده من العساكر، و من انضاف إليها من الطوائف و العرب، و كان قد وصل إليها و استولى على الوزارة (2) و عرف ما عزم عليه‏

____________

(1) هذا الكلام يناقض ما سبقه، و فيه دليل على أن ابن القلانسي اعتمد على روايات متباينة و لم يقم بالتنسيق بينها، بل اكتفى بالنقل بعد حذف الأسانيد و أسماء المصادر، و في مرآة الزمان، حوادث سنة 649 وصف لأحوال دمشق فيه تفاصيل مدهشة منها: «و لم يبق بها من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمسمائة ألف أفناهم الفقر و الغلاء و الجلاء، و كان بها مائتان و أربعون خبازا، فصار بها خبازان، و الأسواق خالية، و الدار التي كانت تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادى عليها عشرة دنانير فلا يشتريها أحد، و الدكان الذي كان يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار، و كان الضعفاء يأتون للدار الجليلة ذات الأثمان الثقيلة، فيضربون فيها النار فتحرق، و يجعلون أخشابها فحما يصطلون به، و أكلت الكلاب و السنانير، و كان الناس يقفون في الأزقة الضيقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم و يشوونهم و يأكلونهم، و كان لامرأة داران قد أعطيت قديما في كل دار ثلاثمائة دينار أو أربعمائة، و لما ارتفعت الشدة عن الناس ظهر الفأر، فاحتاجت إلى سنور فباعت إحدى الدارين بأربعة عشر قيراطا، و اشترت‏

(2) أورد المقريزي في كتابه المقفى ترجمة لبدر الجمالي تحدث بها عن استيلائه على السلطة في القاهرة، فقال بعد ما وصف أخذ أتسز لدمشق و فلسطين: «فلم يزل أمير الجيوش بعكا إلى أن انتهكت حرمة المستنصر بتغلب ناصر الدولة الحسن ابن حمدان إلى أن قتل، فاستطال عليه الأمير يلدكوز و الأتراك و الوزير ابن أبي كدينة، فكتب إلى أمير الجيوش كتابا من املاء الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المغربي، و هو يومئذ يتولى الانشاء، يستدعيه للقدوم عليه، و انجاده من جملته:

فإن كنت مأكولا، فكن خير آكل، و إلا فأدركني و لما أمزق.

فلما بلغه الكتاب قال: لبيك، و كررها ثلاثا، و كتب إلى المستنصر يشترط عليه أن لا يقدم إلا بعسكر معه، و أنه لا يبقي على أحد من عساكر مصر، فأنعم له بذلك، فسار من عكا بمائة مركب مشحونة بالأرمن و غيرهم من العسكر، فنهاه الناس عن ركوب البحر من أجل أن الوقت شتاء في كانون الأول، فأبى و نزل على دمياط بعد يومين من اقلاعه، فزعم البحرية أنهم لم يعرفوا صحوة تمادت أربعين يوما في الكوانين إلا هذه، فكان هذا الأمر بدء سعادته، و استدعى تجار تنيس و اقترض منهم مالا، و أقام له سليمان اللواتي بالعليق و غيرهم من الضيافة، و سار إلى ظاهر قليوب، و بعث إلى المستنصر يقول له: لا أدخل القاهرة ما لم تقبض على يلدكوز، فأمسكه،-

196

أتسز (1)، فاستعد و تأهب لدفع قصده و اعتدائه، وجد في الايقاع به‏ (2)، و حصلت العرب و أكثر العساكر من ورائه، و صدقوا الحملة

____________

- و عبر أمير الجيوش عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ست و ستين و أربعمائة، و دخل على المستنصر، فاستدعاه و قربه، و دعا له و شكر سعيه، و بالغ في كرامته، و قرر أن يكون السفير بينه و بين أمير الجيوش الوزير ابن المغربي كاتب الانشاء، فصار ابن المغربي إليه، و عرفه ما فيه الغرض، و صار من خواصه، و لم يكن عند أهل الدولة علم من أن المستنصر استدعاه، و ظنوا أنه قدم زائرا، فلم يتأخر أحد منهم عن ضيافته، و القيام بما يتعين من كرامته، و قدموا إليه أشياء كثيرة، و حين كملت خدمة الجميع، استدعى الأمراء إلى دعوة صنعها لهم، و قرر مع خواصه أنه إذا بات الأمراء، و جهم الليل، فإنه لابد لكل واحد منهم أن يصير إلى الخلاء لقضاء حاجته، فمن صار منهم إلى الخلاء يقتل فيه، و وكل بكل أمير واحد من أصحابه، و جعل له سائر ما هو بيد ذلك الأمير من اقطاع و جار و دار و مال و جواري و غير ذلك، فلما حضر الأمراء عنده، و قام لهم بما يليق بهم ظلوا نهارهم عنده، و هم في أرغد عيش، و باتوا مطمئنين إليه، فلم يطلع الفجر حتى استولى أصحاب أمير الجيوش على بيوت الأمراء، و صارت رؤوس الأمراء بين يديه، فقويت شوكته، و انبسطت يده، و خلت الديار له من كل منازع، فاستدعاه حينئذ المستنصر، و قرره في الوزارة ورد إليه الأمور كلها، و عاهده على ذلك، و كتب له سجل نعت فيه «بالسيد الأجل أمير الجيوش، كافل قضاة المسلمين و هادي دعاة المؤمنين، و صار القاضي و الداعي نائبين عنه يقلدهما هو».

(1) في ترجمة أتسز للمقريزي في كتابه المقفى معلومات مفيدة عن حملة أتسز على مصر و محرضاته، و مما جاء فيها: «و كثر عسكره- أتسز- بمن فر إليه من مصر خوفا من أمير الجيوش بدر الجمالي، و حدثته نفسه بأخذ مصر، فسار إليها في سنة تسع و ستين و أربعمائة، و قد صار إليه ناصر الجيوش، أبو الملوك تركان شاه بن سلطان الجيوش يلدكوز، و أهدى إليه ستين حبة لؤلؤ نزيد زنة الحبة منها على مثقال، و حجر من ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، في تحف كثيرة، مما كان قد أخذه أبوه من خزائن القصر، و أغراه بأخذ مصر، و أطمعه في أهلها، فحشد، و هم على حين غفلة، و كان أمير الجيوش قد خرج لقتال العرب بالصعيد، فنزل اتسز في أرياف مصر، و أقام بها شهر جمادى و بعض شهر رجب، و معه نحو الخمسة آلاف، فلما بلغ ذلك أمير الجيوش قدم إلى القاهرة و استعد إلى لقائه، و خرج في يوم الخميس سابع عشر رجب، و سير المراكب في النيل بالعلوفات و الميرة، و سار في نحو الثلاثين ألفا ما بين فارس و راجل فخافه أتسز و عزم على العودة عن مصر إلى الشام».

(2) نقل لنا صاحب مرآة الزمان في أخبار سنة/ 469 ه/ تفاصيل مهمة جدا عن حملة أتسز، سبق لأمدروز ناشر ابن القلانسي الأول أن أثبتها في الحاشية، و لقد أبقيتها بعد ما ضبطتها على مخطوطتي باريس و أحمد الثالث في استانبول: «و في رجب- 469 ه- عاد أتسز الخوارزمي إلى دمشق منهزما من القاهرة، في خمسة عشر فارسا، و قد نهبت أمواله، و قتلت رجاله، و كان لما تسلم دمشق تصور في عزمه قصد مصر، فجمع من التركمان، و الأكراد و العرب، عشرين ألفا، و وصل إلى الريف، و أقام نيفا و خمسين يوما، يجمع الأموال، و يسبي الحريم، و يذبح الأطفال، و هو يراسل بدر الجمالي، و يطلب المال، و قد انزعج الناس، و كان عسكر مصر بالصعيد، يحارب العبيد، فضمن له بدر مائة و خمسين ألف دينار، و استدعى من كان بالصعيد من العساكر و السودان، و كان مع أتسز بدر بن حازم الكلبي في ألفي فارس، فاستماله بدر، فانتقل إلى-

197

عليه فكسروه و هزموه، و وضعوا السيوف في عسكره قتلا و أسرا و نهبا، و أفلت هزيما بنفسه في نفر يسير من أصحابه، و وصل إلى الرملة و قد قتل أخوه.

____________

- إلى القاهرة، و ورد القاهرة ثلاثة آلاف رجل في المراكب لنية الحج، فقال لهم بدر: دفع هذا العدو أفضل من الحج، و أعطاهم المال و السلاح، و قال لوالد شكلي التركماني الهارب من أتسز:

كاتب التركمان، فكاتبهم و أفسد منهم نحو من سبعمائة غلام و كانوا كارهين لأتسز من شحه و عسفه، و اتفقوا أن الحرب متى قامت استأمنوا إلى بدر، و صار أتسز إلى القاهرة في أواخر جمادى الآخرة، فأرسل بدر ألفي فارس يصدمونه، حتى يستأمن من أفسدهم أبو شكلي، فلم يستأمن أحد فكسرهم أتسز، فرجعوا مفلولين إلى القاهرة، و كان التجأ إليها أهل الضياع و الأصقاع و مصر و التجار، فوقفوا على باب القصر باكين صارخين، فخرج من المستنصر خادم فقال: يقول لكم أمير المؤمنين إنما أنا واحد منكم، و عوض ما تتضرعون على بابي و تبكون، فارجعوا إلى الله تعالى و تضرعوا له و لازموا المساجد و الجوامع، و صوموا و صلوا، و أزيلوا الخمور و المنكرات، فلعل الله يرحمني و إياكم، و يكشف عنا ما قد نزل بنا، فعاد الناس إلى المساجد و الجوامع، و خرجت النساء كاشفات الوجوه منتشرات الشعور يبكين و يستغثن، و الرجال يقرأون القرآن، و كان بدر الجمالي قد هيأ المراكب و السفن، إن رأى غلبة نزل فيها إلى الاسكندرية و كذا صاحب مصر، فضج الناس، و قصدوا باب القصر و قالوا: تمضي أنت و بدر في السفن و نهلك نحن؟

فخرج الجواب: إني معكم مقيم، فإن مضى أمير الجيوش إلى حيث يطلب السلامة، فها هنا من السفن ما يعمكم، مع أنني واثق من الله بالنصر، و عندنا الكتب السالفة أن هذه الأرض لاتؤتى من الشرق، و من قصدها هلك، فلما كان وقت السحر خرج بدر إلى ظاهر القاهرة و العسكر معه، و أقبل أتسز في جحافله و الدبادب و البوقات بين يديه، فرأى بدر ما لم يظن له به طاقة، و كان بدر قد أقام بدر بن حازم من وراء أتسز كمينا في ألفي فارس، فخرج من ورائهم، فأخذ البغال المحملة، و ضرب النار في الخيم و الخركاوات، و استأمن إلى والد شكلي السبعمائة غلام و كانوا في الميسرة، و حمل بدر على الميمنة فهزمها، و حمل السودان على القلب و فيه أتسز، فانهزم و قتل من كان حوله، و تبعهم السودان و العرب أسرا و قتلا إلى الرمل، و غنموا منهم غنائم لم يغنمها أحد قبل ذلك، و كان فيما أخذ ثلاثة آلاف حصان، و عشرة آلاف صبي و جارية، و أما من الأموال و الثياب فما لا يحصى، و أقاموا مدة شهر رجب يحوزون الأموال و الخيل و الأمتعة و الأسارى، و جاء العسكر و أهل البلاد إلى باب القصر، فضجوا بالأدعية، فخرج إليهم جواب المستنصر: قد علمتم ما أشرف من الأمر العظيم، و الخطب الجسيم، الذي لم يخطر في نفوسنا القدرة على دفعه ورده حتى كشفه الله تعالى، و ما يجب أن يكون في مقابلته إلا الشكر لله تعالى على نعمته، و متى وجد انسان على فاحشة، كان دمه و ماله في مقابلة ذلك، ثم وجد بعد ذلك ستة سكارى فأخذوا و خنقوا، و زال ما كان بمصر من الفساد، و لازموا الصلوات و قراءة القرآن و مضى أتسز في نفر يسير، فلما وصل غزة، ثار أهلها به، و قتلوا جماعة ممن كان معه، فهرب إلى الرملة فخرج إليه أهلها فقاتلوه و قتلوا بعض من كان معه، فهرب إلى دمشق في بضع عشرة نفسا، فخرج إليه ولده و مسمار أحد أمراء الكلبيين و كان قد استخلفهما بدمشق في مائتي فارس من العرب، و كان وصوله في عاشر رجب، فنزل بظاهرها في مضارب ضربها له مسمار، و خرج إليه أهل البلد فخدموه و هنأوه بالسلامة و شكوه، و شكرهم و أطلق لهم خراج تلك السنة، و أحسن إليهم و وعدهم بالجميل، فقام واحد منهم من الأعيان، فقال: أيها الملك-

198

و قطعت يد أخيه الآخر، و وصل بعد الفل إلى دمشق، فسرت نفوس الناس بمصابه و تحكم السيوف في أتباعه و أصحابه، و أملوا مع هذه الحادثة سرعة هلاكه و ذهابه.

و في هذه السنة توفي أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن عثمان بن الوليد بن الحكم بن سليمان بن أبي الحديد السلمي، (رحمه الله).

سنة سبعين و أربعمائة

فيها وردت الأخبار بوصول السلطان تاج الدولة أبي سعيد تتش بن السلطان العادل ألب أرسلان أخي السلطان ملك شاه أبي الفتح، إلى الشام، و اجتماع العرب من بني كلاب إليه، و وصول شرف الدولة

____________

- العادل- و به كان يخاطب و يخطب له- قد حلفت لنا و حلفنا لك، و توثقت منا، و أنا و الله أصدقك و أنصحك، قال: قد عرفت أنه لم يبق في البلد عشر العشر من الجوع و الفاقة و الفقر و الضعف، و لم يبق لنا قوة و متى غلقت أبواب هذا البلد من عدوه قصده، و رمت منا منعه أو حفظه فإن كنت مقيما بيننا فنحن بين يديك مجتهدون و لك ناصحون، و إن بعدت عنا فلا طاقة لنا بالقتال مع الفقر و الضعف، فلا تجعل للعدو سببا لهلاكنا و مؤاخذتنا، فقال: صدقت و نصحت، و ما أبعد عنكم و لا اخليكم من عسكر يكون عندكم، ثم أقام بدمشق، و جاء التركمان من الروم، و لم يستخدم غيرهم، و عصى عليه أهل الشام و أعادوا خطبة صاحب مصر في جميع الشام، و قام بذلك المصامدة و السودان، و كان أتسز و أصحابه قد تركوا أموالهم و أولادهم بالقدس فوثب القاضي و الشهود، و من بالقدس على أموالهم و نسائهم، فنهبوها، و قسموا التركيات بينهم و استعبدوا الأحرار من الأولاد و استرقوهم، فخرج من دمشق فيمن ضوى إليه من التركمان، و وصل إلى قريب القدس، و راسلهم و بذل لهم الأمان، فأجابوه بالقبيح و توعدوه بالقتل، فجاء بنفسه إلى تحت السور، و خاطبهم فسبوه، و قاتلهم يوما و ليلة، و كان ماله و حرمه في برج داود، و رام السودان و المصامدة الوصول إليهم فلم يقدروا، و كان في البرج رتق إلى ظاهر البلد، فخرج أهله منه إليه، و دلوه عليه، فدخل منه و معه جماعة من العسكر، و خرجوا من المحراب، و فتحوا الباب و دخل العسكر، فقتلوا ثلاثة آلاف انسان، و احتمى قوم بالصخرة و الجامع، فقرر عليهم الأموال حيث لم يقتلهم لأجل المكان، و أخذ من الأموال شيئا لا يبلغه الحصر، بحيث بيعت الفضة بدمشق كل خمسين درهما بدينار، مما كان يساوي ثلاثة عشر درهما بدينار، و قتل القاضي و الشهود صبرا بين يديه، و قرر أموال البلد، و سار إلى الرملة فلم ير فيها من أهلها أحد، فجاء إلى غزة و قتل كل من فيها فلم يدع بها عينا تطرف، و جاء إلى العريش فأقام فيه، و بعث سرية فنهبت الريف و عادت، ثم مضى إلى يافا فحصرها، و كان بها رزين الدولة فهرب هو و من كان فيها إلى صور فهدم أتسز سورها، و جاء كتابه إلى بغداد بأنه على نية العود إلى مصر و أنه يجمع العساكر، ثم عاد إلى دمشق».

199

مسلم بن قريش إليه من عند أخيه السلطان العادل ملك شاه لمعونته على افتتاح الشام بأمره له في ذلك‏ (1).

و فيها توفي أبو نصر الحسين بن محمد (63 و) بن أحمد بن طلاب الخطيب (رحمه الله).

و في هذه السنة نزل عسكر مصر على دمشق مع ناصر الدولة الجيوشي، و أقام عليها مدة يسيرة، و لم يتم له فيها مراد، فرحل عنها عائدا إلى مصر.

و فيها نزل تاج الدولة أخو السلطان على حلب، و معه و ثاب و شبيب ابنا محمود بن صالح، و مبارك بن شبل، و رحل عنها في ذي القعدة، ثم نزل عليها ثانية و لم يتم له فيها مراد، فرحل عنها.

سنة إحدى و سبعين و أربعمائة

في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير مع ناصر الدولة الجيوشي، و نزل على دمشق محاصرا لها و مضيقا عليها (2)، و استولى على أعمالها و أعمال فلسطين، و أقام عليها مدة مضايقا لها، و طامعا في تملكها، و أصر على منازلتها إصرارا اضطر أتسز صاحبها إلى مراسلة تاج الدولة يستنجده، و يستصرخ به، و يعده بتسليم دمشق إليه و يكون في الخدمة

____________

(1) حدث انشقاق في أوساط قبيلة كلاب قاد إلى صراعات مع سابق بن محمود بن نصر أمير حلب، و أدى إلى ذهاب بعض زعماء القبيلة إلى السلطان ملكشاه «فشكوا حالهم، و سألوا منه أن يعينهم على سابق، فوعدهم، و أقطعهم في الشام، و أقطع الشام أخاه تتش» و قام تتش بمحاصرة حلب، و التحق به و هو على حلب مسلم بن قريس العقيلي أمير الموصل، و تظاهر بمساعدته، و عمل ضمنا على رأب الصدع بين المتصارعين من كلاب و توحيد كلمة القوى العربية ضد التركمان، و نجحت مساعيه، مما أجبر تتش على رفع الحصار عن حلب، و التوجه بأنظاره نحو دمشق .... انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 168- 175.

(2) في ترجمة أتسز للمقريزي في كتابه المقفى أن الحصار الثاني كان سنة سبعين فبعد ما تحدث عن اخفاق حملة أتسز على مصر ذكر أن بدر الجمالي ندب العساكر «مع ناصر الدولة الجيوشي، و بعثه إلى دمشق فحاصرها أياما، و عاد في سنة سبعين، فلما خاف أتسز من ظفر أهل مصر به، راسل تاج الدولة تت ابن ألب أرسلان يستنجده، فتحرك لذلك، و سأل أخاه السلطان ملك شاه ابن ألب أرسلان أن يوليه الشام، فأقطعه السلطان أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان الشام».

200

بين يديه، فتوجه نحوه في عسكره، فلما عرف ناصر الدولة الخبر، و صح عنده قربه منه رحل عنها مجفلا، و قصد ناحية الساحل، و كان ثغرا صور و طرابلس في أيدي قضاتهما (1) قد تغلبا عليهما، و لا طاعة عندهما لأمير الجيوش، بل يصانعان الأتراك بالهدايا و الملاطفات، و وصل السلطان تاج الدولة إلى عذراء في عسكره لإنجاد دمشق و خرج أتسز إليه و خدمه، و بذل له الطاعة و المناصحة، و سلم إليه البلد، فدخلها و أقام بها مديدة، ثم حدثته نفسه بالغدر بأتسز، و لاحت له منه أمارات استوحش بها منه مستهله، فقبض عليه في شهر ربيع الأول منها، و قتل أخاه أولا، ثم أمر بخنقه بوتر في المكان المعتقل فيه، و ملك تاج الدولة دمشق، و استقام له الأمر فيها، و أحسن السيرة في أهلها و فعل بالضد من فعل أتسز فيها، و ملك أعمال فلسطين.

و في هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام‏ (2).

و فيها برز تاج الدولة من دمشق، و قصد حلب في عساكره، و نزل عليها، و أقام عليها أياما، و رحل عنها في شهر ربيع الأول، و عبر الفرات مشرقا، ثم عاد إلى الشام بعد أن وصل إلى ديار بكر في ذي الحجة، و ملك حصن بزاعة و البيرة (3) و أحرق ربض اعزاز، و رحل عنها عائدا إلى دمشق.

____________

(1) في صور آل عقيل و في طرابلس آل عمار. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:

71- 72.

(2) أثناء حصار تتش لمدينة حلب، و لقد نشرت ترجمة أحمد شاه كما أوردها ابن العديم في كتابه بغية الطلب في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، و تحدثت عن دوره في امارة حلب في الكتاب نفسه، انظر ص: 166- 173، 251- 253.

(3) ذكر ياقوت بزاعة فقال: هي بلدة من أعمال حلب بين منبج و حلب، بينها و بين كل واحدة منها مرحلة، و وصف البيرة فقال هي بلد قريب سمسياط بين حلب و الثغور الرومية، و هي قلعة حصينة و لها رستاق واسع، و أما عزاز فتبعد الآن عن مدينة حلب مسافة/ 46 كم/ و هي مركز منطقة تابعة لمحافظة حلب.

هذا و قد أورد ابن العديم في زبدة الحلب هذا الخبر فقال بأن تتش أخذ منبج و حصن الفايا و حصن الدير، ثم هاجم عزاز- الزبدة: 2/ 61- 62.

201

سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة

(63 ظ) فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب‏ (1)، و فيها رخصت الأسعار في الشام بأسره، و فيها هلكت فرقة من الأتراك ببلاد الروم كانوا غزاة، فلم يفلت منهم أحد.

سنة أربع و سبعين و أربعمائة (2)

فيها ملك الأمير أبو الحسن علي بن المقلد بن منقذ حصن شيزر، في يوم السبت السابع و العشرين من رجب من الأسقف‏ (3) الذي كان فيه بمال بذله له و أرغبه فيه إلى أن حصل في يده، و شرع في عمارته و تحصينه و الممانعة عنه، إلى أن تمكنت حاله فيه فقويت نفسه في حمايته و المراماة دونه‏ (4).

____________

(1) جاء تسلم مسلم بن قريش العقيلي لمدينة حلب بعد عدد كبير من الحوادث بحثتها في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 181- 186، و باستلام مسلم لقلعة حلب أنهى حكم الدولة المرداسية، و شرع في محاولة بسط سيادته على الشام كله و طرد التركمان منه و من الجزيرة.

(2) ليس في الأصل أخبار سنة ثلاثة و سبعين، و لا أدري أمرد ذلك إلى المؤلف أم الناسخ؟

(3) من أسقف البارة الذي كان يدين بالطاعة للامبراطورية البيزنطية. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 186.

(4) أورد سبط ابن الجوزي خبر سقوط شيزر في أخبار سنة/ 474 ه/، و أثبت عن غرس النعمة محمد بن هلال الصابى‏ء فقرات مطولة من كتاب بعث به الأمير علي بن المقلد- كما يبدو إلى بغداد- تحدث به عن استيلائه على شيزر، «قال محمد بن الصابى‏ء: وقفت على كتاب بخطه [أي الأمير علي بن المقلد] منه: كتابي هذا من حصن شيزر، و قد رزقني الله تعالى من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأت لمخلوق، و من دون هذا الحصن بيض الأنوق، و من وقف على حقيقة الحال علم اني هاروت هذه الأمة، و سليمان الجن المردة، و أنني أفرق بين المرء و زوجته، و أستنزل القمر من محلّه، و أجمع بين الذئب و الغنم.

إني نظرت إلى هذا الحصن، و رأيت أمرا يذهل الألباب، و يطيش العقول يسع ألف رجل، ليس عليه حصار، و لا فيه حيلة لمحتال، فعمدت إلى تل منه قريب يعرف بتل الحسن، فعمرته حصنا، و جعلت فيه عشيرتي و أهلي، و كان بين التل و شيزر حصن يعرف بالخراص، فوثبت عليه و أخذته بالسيف.

و حين ملكته أحسنت إلى أهله و لم أكلفهم إلى ما يعجزون عنه، و خلطت خنازيرهم بغنمي، و نواقيسهم بأصوات المؤذنين عندي، و صرنا مثل الأهل مختلطين، فحين رأى أهل شيزر فعلي مع الروم أنسوا بي، و صاروا يجيئوني من واحد و إثنين إلى أن حصل عندي نصفهم، فأجريت عليهم الجرايات، و مزجتهم بأهلي و حريمهم بحريمي و أولادهم مع أولادي، و أي من قصد-

202

سنة خمس و سبعين و أربعمائة

فيها توجه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام‏ (1) من دمشق، و معه في خدمته الأمير و ثاب بن محمود بن صالح، و منصور بن كامل، و قصد ناحية الروم و أقام هناك مدة، و اتصل به خبر شرف الدولة مسلم بن قريش، و ما هو عليه من الجمع و الاحتشاد و التأهب و الاستعداد، و اجتماع العرب إليه من بني نمير و عقيل، و الأكراد و المولدة و بني شيبان للنزول على دمشق و المضايقة لها، و الطمع في تملكها، فعاد تاج الدولة منكفئا إلى دمشق لما عرف هذا العزم‏ (2) و وصل إليها في أوائل المحرم سنة ست‏

____________

- و حين ملكته أحسنت إلى أهله و لم أكلفهم إلى ما يعجزون عنه، و خلطت خنازيرهم بغنمي، و نواقيسهم بأصوات المؤذنين عندي، و صرنا مثل الأهل مختلطين، فحين رأى أهل شيزر فعلي مع الروم أنسوا بي، و صاروا يجيئوني من واحد و إثنين إلى أن حصل عندي نصفهم، فأجريت عليهم الجرايات، و مزجتهم بأهلي و حريمهم بحريمي و أولادهم مع أولادي، و أي من قصد حصنهم أعنتهم عليه، و حصرهم شرف الدولة مسلم بن قريش، فأخذ منهم عشرين رجلا فقتلهم، فدسست إليهم عشرين عوضهم، و لما انصرف عنهم جاءوا و قالوا: نسلم إليك الحصن، فقلت لا ما أريد لهذا الموضع خيرا منكم، و جرت بينهم و بين واليهم نبوة، فنفروا منه، و جاءوا إليّ و قالوا: لابد من تسليم الحصن إليك فسلموه إلي و نزلوا عنه، و حصلت فيه، و معي سبعمائة رجل من بني عمي و رجالي، و حصلوا في الربض، و لم يؤخذ لواحد منهم درهم فرد، و أعطيتهم مالا له قدر، و خلعت على مقدميهم و أعطيتهم واجباتهم لستة أشهر، و قمت بأعيادهم و نواقيسهم و صلبانهم و خنازيرهم.

و سمع بذلك أهل برزية و عين تاب و حصون الروم فجاءتني رسلهم و رغب كلهم في التسليم إلي، فبينا أنا على تلك الحال، إذ شنت علي الغارات، و جيشت نحوي الجيوش من ناحية مسلم ابن قريش غيظا منه، لم تسلمت حصن شيزر، بعد أن حلف لي قبل ذلك، أنني إذا أخذت حصن شيزر، أنه لا يقود إلي فرسا، و لا يبعث جيشا، و بالله أقسم لئن لم ينته عني لأعيدنه إلى الروم، و لا أسلمه إليه، و لا إلى غيره أبدا».

(1) استخلصت من كتابات هذه المدة أن عبارة «الشام» غالبا ما صارت تعني الجزء الشمالي من بلاد الشام، علما بأنها كانت ترفق أحيانا بعبارة «الأعلى».

(2) في مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه: «و فيها سار تتش إلى حلب، فأخذ من غلاتها ما باعه بثمن بخس، عجلة و سرعة، و قيل إن ملك شاه كتب له بمال على ابن قريش فمطله، فسار بنفسه، و باع ما قدر عليه، و أنفذ مسلم أصحابه لحفظ حلب، فغاظ تتش و أقام بجسر الحديد، و ما يقارب حلب، و أمر أرتق بك بشن الغارات على حلب، .... و وردت كتب السلطان إلى أخيه بأن يرجع إلى دمشق و لا يقيم ببلد حلب، و إلى أرتق بك بالعود إلى بابه، ففارقه أرتق بك من جسر الحديد، و سار تتش إلى دمشق، و حل بها و ضعفت نفسه لمفارقة أرتق بك، و عبر مسلم في العرب و الأكراد وراء تتش، فنزل على فرسخين منها».

203

و سبعين و أربعمائة، و ورد الخبر بوصول شرف الدولة في حشده إلى بالس أيضا في المحرم، و وصله جماعة من بني كلاب، و نهض بالعسكر مسرعا في السير إلى أن نزل على دمشق، و وصل إليه جماعة من عرب قيس و اليمن، و قاتل أهل دمشق في بعض الأيام، و خرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق، و حمل على عسكره حملة صادقة فانكشف و تضعضع عسكره، و عاد كل فريق إلى مكانه، و عاد عليهم بحملة أخرى، و انهزمت العرب و ثبت شرف الدولة مكانه و أشرف على الأسر، و تراجع أصحابه، و كان شرف الدولة قد اعتمد على معونة عسكر المصريين على دمشق، و معاضدته بالعسكر المصري على أخذها، فوقع التثاقل عليه بالانجاد و التقاعد عنه بالاسعاد اشفاقا من ميل الناس إليه، و عظم شأنه بتواصلهم و وفودهم عليه فلما وقع يأسه مما أمله و رجاه و خاب ما تمناه، و ورد عليه من أعماله ما شغل خاطره في تدبيره و اعماله‏ (1)، و تواترت الأخبار بما أزعجه (64 و) و أقلقه، رأى أن رحيله عن دمشق إلى بلاده و عوده إلى ولايته لتسديد أحوالها و إصلاح اختلالها أصوب من مقامه على دمشق، و أوفق من شأنه، فأوهم أنه سائر مقتبلا لأمر مهم عليه، و أرب مطلوب نهد إليه، فرحل عن دمشق، و نزل مرج الصفر و عرف من بدمشق ذلك، فقلقوا لذلك و اضطربوا ثم رحل مشرقا في البرية و جلا، وجد في سيره مجفلا و واصل السير ليلا و نهارا فهلك من المواشي و الدواب للعرب ما لا يحصيه عدد، و لا يحصره كثرة من العطش، و تلف و انقطع من الناس خلق كثير، و خرجت به الطريق إلى وادي بني حصين قريبا من سلمية، فأنفذ وزيره أبا العز (بن) صدقة إلى خلف بن ملاعب المقيم بحمص ليجعله بين الشام و بين السلطان تاج الدولة لما يعلمه من نكايته في الأتراك و فتكه بمن يظفر

____________

(1) لقد كان الذي أزعج مسلم و أقلقه، و جعله يقلع عن متابعة حصار دمشق هو خير قيام ثورة في حران ضده، و يقول الذهبي: «عصا أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، و أطاعوا قاضيهم ابن جبلة الحنبلي، و عزموا على تسليم حران إلى جبق أمير التركمان، لكونه سنيا و لكون مسلم رافضيا».

انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 190- 192.

204

به من أبطالهم الفتاك، فأقام أبو العز الوزير بحمص إلى حين عوده فخلع عليه شرف الدولة، و أكرمه و قرر معه‏ (1) حفظ الشام، و طيب نفسه.

و سار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس، و افتتح انطرطوس، و بعض الحصون، و عاد إلى دمشق.

و ورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح بن ألب أرسلان على حلب في يوم الأربعاء الثاني و العشرين من شعبان من السنة، و ضايقها إلى أن ملكها مع القلعة (2).

و في يوم الخميس الثاني من المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد أنطاكية للقاء الفردوس ملك الروم‏ (3).

و فيها وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك‏ (4) بالخلع السلطانية إلى شرف الدولة إلى حلب‏ (5).

____________

(1) سنسمع الكثير من أخبار خلف بن ملاعب و لابن ملاعب ترجمة مطولة في كتاب بغية الطلب لابن العديم، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 380- 385.

(2) ليس مكان هذا الخبر هنا، بل بعد الحديث عن مقتل مسلم بن قريش، و ما استجد إثر ذلك في حلب. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 194- 205.

(3) في مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه: «لما صعد- مسلم- إلى الشام طالب الفردوس و الي أنطاكية بمال الهدنة، و هو ثلاثون ألف دينار، في كل سنة، فلم يحمل إليه شيئا، و كاتبه أهل أنطاكية، و قرروا معه فتحها و تسليمها إليه، و كان من سوء رأي مسلم و تخلفه أنه كان له كاتب نصراني، فكان يدع عنده مكاتباتهم، ثقة به، و تحقق الكاتب فتح أنطاكية، فهرب إليها و مسلم بحلب، و دفع تلك الكتب إلى الفردوس، فلما وقف عليها أحضرهم، و كانوا ثلاثمائة انسان، فقتلهم بين يديه صبرا، و كاشف مسلم، و كتب إلى السلطان بأنه يكاتب صاحب مصر، و ينفذ له الخلع و الأموال، و استقر أن الفردوس يحمل إلى السلطان كل سنة مال الهدنة».

(4) ابن عم لمسلم بن قريش، كلفه مسلم بحكم قلعة حلب، و صار بعد مقتل مسلم و سقوط حلب للسلطان ملكشاه سيدا لقلعة جعبر، مما أهله و آله من بعده إلى شغل دور كبير في أحداث الحروب الصليبية. له ترجمة في كتاب بغية الطلب نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 405- 407.

(5) لدى معرفة السلطنة بخبر وجود علاقات بين مسلم بن قريش و الخلافة الفاطمية، بعث إليه الوزير نظام الملك يعاتبه، فأجابه مسلم: «إن كانت الكتب مني إلى صاحب مصر، توجب العتب علي، و إن كانت منه إلي، فاحفظوا صاحبا لكم، يرغب فيه صاحب مصر، و لا تخرجوه عن أيديكم، و ارغبوا فيه، كما رغب فيه غيركم». و بناء على هذا وصلته الخلع السلطانية. مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه.