تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
205

و تقرر (1) الصلح بين شرف الدولة و ابن ملاعب بحمص، و فيها وصل أبو العز بن صدقة، وزير شرف الدولة، في عسكر كثيف، لإنجاد حلب على تاج الدولة، فلما وصل إليها رحل تاج الدولة، في الحال عنها (2).

سنة ست و سبعين و أربعمائة

فيها عمل على مدينة حران، و أخذت من ملكة شرف الدولة مسلم ابن قريش في سابع صفر، و عاد إليها حين عرف خبرها، فنزل عليها في عسكره، و ضايقها و واظبها إلى أن افتتحها، و ملكها، و رتب أمرها و احتاط عليها، و اعتمد على الثقات في حفظها

السيف أصدق أنباء من الكتب‏* * * .................

(3).

____________

(1) في الأصل «و قرر» و هي مصحفة صوابها ما أثبتنا، ففي مرآة الزمان أخبار سنة 475 ه: «و عاد مسلم إلى حمص، فخرجت نساء ابن ملاعب و حريمه، فتعلقن بذيل مسلم، فاستحى منهن، و ذم له، و أبقاه على حاله، و لم يطالبه بما تقرر عليه، و استحلفه، و حلف له، و عاد إلى حلب».

(2) حصل هذا قبل حملة مسلم بن قريش على دمشق، و في سوق الخبر هكذا مع سواه دليل جديد على طبيعة عمل ابن القلانسي، من أنه أخذ من مصادر مختلفة و أثبت موارده دونما تنسيق.

(3) نقل سبط ابن الجوزي- أخبار سنة 476 ه عن غرس النعمة محمد بن هلال الصابى‏ء خبر ثورة حران و القضاء عليها فقال: «و وصل الخبر إلى مسلم بأن أهل حران عصوا عليه، فرجع كارا إلى حمص، و صالح في طريقه ابن ملاعب و حالفه و أعطاه مضافا إلى حمص: رفنية و سلمية، و أقطع شبيب بن محمود بن الزوقلية حماة، و استخلفه في تلك الأعمال، و عاجل حران، فوصلها يوم الجمعة ثامن ربيع الأول، فوجد قاضيها ابن جبلة الحنبلي قد استغوى أهلها، و أدخل إليها جماعة من بني نمير، مع ولد صغير لمنيع بن وثاب، و أنفذ ابن عطير، أحد وجوه بني نمير إلى جبق أمير التركمان، فكان قريبا، فاستدناهم إليه ليسلم إليهم البلد، و شرع القاضي يعلم مسلما، و يمنيه خديعة منه ليصل التركمان، و علم مسلم فحاربهم، و رمى قطعة من السور، و بينا هو كذلك وصل التركمان، فترك أقواما يقاتلون البلد، و ركب هو بمن معه، فأشرب على التركمان، و اتصل الطراد، و قال للعرب املكوا عليهم النهر، المعروف بالجلاب، و اجعلوه وراءكم، و حولوا بين التركمان و بينه، ففعلوا، و عطشوا و خيلهم، و هجرت الشمس عليهم، فمالوا بجمعهم طالبين رأس الماء، على أن يشربوا و يسقوا خيولهم، و يعودوا على العرب، فلما عطفوا خيوليهم، لم يشك العرب أنها هزيمة، فألقوا نفوسهم عليهم، فانهزموا، فتبعوهم و غنموهم، و قتلوا و أسروا، و أقام مسلم على حصار حران، و كان كلما رمى قطعة من السور، نصب ابن جبلة بإزاء الثلمة مجانيق و عرادات، منعت من يروم القرب منها، و راسله: إنك كلما رميت قطعة من السور، نصب ابن جبلة بإزاء الثلمة مجانيق و عرادات، منعت من يروم القرب منها، و راسله: إنك كلما رميت قطعة من السور، جعلت مكانها مجانيق و عرادات و رجالا أشد منها، فتوقف عن حربهم، و تربص.-

206

و في هذه السنة تنكر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة (64 ظ) لأسباب أنكرها منه، و أحوال بلغته عنه، فقبض عليه و اعتقله، و أقام أياما، و قرر أمره و أطلقه و طيب نفسه.

سنة سبع و سبعين و أربعمائة

في هذه السنة شرع سليمان بن قتلش‏ (1) في العمل على مدينة أنطاكية، و التدبير لأمرها و الاجتهاد في أخذها و التملك لها و لم يزل على هذه القضية إلى أن تم له ما أراد فيها، و ملكها سرقة في يوم الأحد العاشر من شعبان، و رتب أمرها بمن اعتمد عليه في حفظها من ثقات ولاته‏ (2).

____________

- و اتفق أنه استأمن إلى مسلم من أهلها ثلاثة إخوة، فأخذ القاضي أباهم، و كان شيخا كبيرا، فأصعده إلى السور، و قتله، و رمى برأسه إلى مسلم، فلما أحضر الرأس بين يديه، و علم الحال، قال: غدا أفتح البلد إن شاء الله تعالى، فهذا بغي أرجو من الله النصر في جوابه، و أنفذ إلى العرب و أمرهم بالبكور للقتال، فجاءوا و لبسوا السلاح، و تقدم مسلم و عليه السلاح، و كان قد بعث رجالا في الليل، ينظفون الحجارة من الطريق، لأجل الخيل، فسئل أن يكاتب ابن جبلة، و يعطيه الأمان لئلا يهلك الناس، و ينهب البلد، فلما كتب، أعاد جوابه على رأس الورقة:

السيف أصدق أنباء من الكتب‏* * * .................

فتقدم إلى العرب بالدخول إلى الفتحة، فما منهم من أقدم، فجمع عبيده و خواصه فهجمها، و تبعته العرب حينئذ، فدخل البلد، و صعد ولد ايتكين السليماني، و نزل من السور، و فتح الباب فأقطعه قرقيسياء، ثم طلب القاضي فوجد في كندوج فيه قطن، فأخذ و ولداه، فقبض على أعيان أهل حران، و نهب البلد إلى آخر النهار، ثم رفع النهب و صلب القاضي و ولديه، و أعيان الحرانيين على السور، و قتل خلقا من العوام، و عاد إلى منازله بأرض الموصل.

(1) مؤسس دولة سلاجقة الروم، كان أبوه قتلمش بن أرسلان بن سلجوق من أبناء عم طغرلبك أول سلاطين الدولة السلجوقية، نشط سليمان لحسابه الخاص في آسية الصغرى، فتمكن من احتلال «نيقية، و هي بلد بالساحل تضاهي أنطاكية،- كما استولى على- جميع ما يليها من طرسوس و أذنه، و مصيصه و عين زربة» أي مناطق الثغور الاسلامية البيزنطية التي كانت بيزنطة قد انتزعتها في منتصف القرن العاشر من امارة حلب، و بعد هذا توجه سليمان بأنظاره نحو أنطاكية التي كانت أيضا قد انتزعتها بيزنطة من إمارة حلب في المدة الزمنية نفسها. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 39، 62، 107- 110، 196- 198.

(2) يقدم لنا ابن العديم رواية مفصلة حول احتلال سليمان لأنطاكية جاء فيها: «و في سنة سبع و سبعين و أربعمائة [1084 م‏] شرع سليمان بن قتلمش في العمل على أنطاكية و الاجتهاد في أخذها إلى أن تم له ما أراد، فأسرى من نيقية في عسكره و عبر الدروب، و أوهم أن الفلاردوس (الحاكم البيزنطي لأنطاكية) استدعاه، و أسرع السير إلى أن وصل أنطاكية ليلا، فقتل أهل ضيعة تعرف بالعمرانية جميعهم لئلا ينذروا به، و علقوا حبالا في شرفات السور بالرماح، و طلعوا مما يلي-

207

و في شهر ربيع الأول من السنة، كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة، و عسكر الأتراك بأرض آمد من ديار بكر، و استظهر الأتراك على عسكر شرف الدولة فهزموه.

و في رجب منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى دركاه السلطان العادل ملك شاه بن ألب أرسلان و دخل عليه و وطى‏ء بساطه، فأكرمه و احترمه، و خلع عليه و قرر أمره على ما يهوى من إصلاح أحواله، و الإقرار على أعماله، و إزالة ما كان يخشاه، و عاد مسرورا بما لقي، و محبورا بنيل مبتغاه‏ (1).

سنة ثمان و سبعين و أربعمائة

في هذه السنة كان مصاف الحرب بين الملك سليمان بن قتلمش و بين الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش في اليوم الرابع و العشرين من صفر

____________

- باب فارس، و حين صار منهم على السور جماعة نزلوا إلى باب فارس و فتحوه، و دخل هو و عسكره من الباب و أغلقوه، و كانوا مائتين و ثمانين رجلا .... و لم يشعر بهم أهل البلد إلى الصباح، و صاح الأتراك صيحة واحدة، فتوهم أهل أنطاكية أن عسكر الفلاردوس قد قاتلوهم فانهزموا و علموا أن البلد قد هجم، فبعضهم هرب إلى القلعة، و بعضهم رمي بنفسه من السور فنجا»، فحاصر قلعة أنطاكية قرابة شهر ففتحها، و اتخذ سليمان أنطاكية مقرا له «و فتح الحصون المجاورة لها بعضها عن طوع، و بعضها عن استدراج» ثم أخذ يتطلع نحو مدينة حلب للاستيلاء عليها. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 198- 199.

(1) في سنة 476 ه/ 1083 م فوض ملكشاه إلى الوزير فخر الدولة ابن جهير قيادة جيش سلجوقي نحو الجزيرة، جعل على رأسه آق سنقر قسيم الدولة- الذي كان أول حاكم سلجوقي لحلب- ثم أردفه بجيش آخر بقيادة أرتق، و في محاولة للتصدي لهذه الحملة تحالف مسلم بن قريش مع الدولة المروانية لميافارقين، و عسكر قرب آمد، و تراسل مسلم بن قريش مع ابن جهير لتجنب القتال، و لم يرض هذا التركمان و قالوا: «نحن جئنا من البلاد البعيدة لطلب النهب، ..... و ركبوا نصف الليل ... و أشرفوا .. على العرب، و كانوا أضعاف الغز فأخذوهم باليد من غير طعن و لا ضرب» و هرب مسلم إلى آمد و كسب التركمان ما لا يحصى من الغنائم، و قام ابن جهير بمحاصرة مسلم في آمد، و كتب إلى السلطان ملكشاه بخبر ما حصل، فسارع بالقدوم نحو الموصل، و قبل وصوله تمكن مسلم من النجاة من آمد بعد ما دفع مبلغا كبيرا من المال إلى أرتق، و في الموصل سمع ملكشاه بنجاة مسلم، و علم بقيام أخيه تكش بثورة ضده في خراسان، فقرر العودة لتلافي مخاطر الثورة هذه، لذلك راسل مسلم بن قريش و استقبله و صالحه، ثم غادر الموصل نحو أصفهان، انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية.

208

على نهر عفرين‏ (1) في موضع يقال له قرزاحل فكسر عسكر شرف الدولة، و قتل، و رحل سليمان بعد ذلك في جمعه و نزل على حلب محاصرا لها و مضايقا عليها في مستهل شهر ربيع الأول و أقام منازلا لها مدة، و لم يتهيأ له ما أراده فيها، فرحل عنها في الخامس من شهر ربيع الآخر منكفئا إلى بلاده‏ (2).

و فيها شرع في عمارة قلعة الشريف بحلب، و ترميم ما كان هدم منها، و إعادتها إلى ما كانت عليه في حال عمارتها (3).

و فيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بأن الأفرنج استولوا على بلاد الأندلس، و تملكوها، و فتكوا بأهلها، و أن صاحب طليطلة (4) استصرخ بالملثمين و استنجد بهم على الأفرنج، فأجابوه إلى الإنجاد،

____________

(1) في الأصل «سفين» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا، انظر مادة عفرين في معجم البلدان.

زبدة الحلب: 1/ 91. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 200.

(2) في ظهيرة يوم السبت 24 صفر 478 ه/ 21 حزيران 1085 اشتبكت قوات سليمان بقوات مسلم فانتصرت عليها، لأن الشمس كانت في وجوه أصحاب مسلم، و لأن المرتزقة الغز في جيشه مع رجال القبائل تخلوا عنه، و تركوه يعاني مضيره، و لم يصمد معه سوى ستمائة من أحداث حلب، و حاول مسلم الانسحاب إلى حلب، و جهد الاحداث في تغطية انسحابه فسقط منهم أربعمائة، و أخفق مسلم في تأمين طريق للنجاة، و تلقى ضربة أفقدته حياته، و حمل سليمان ابن قتلمش جثة مسلم و أتى بها فطرحها أمام سور حلب، و كان يأمل بأن تسلم المدينة له، لكن شيئا من هذا لم يحصل. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 199- 201.

(3) في الأصل «عمارة القلعة الشريف» و في العبارة على هذا الشكل بعض اللبس.

فعندما قتل مسلم بن قريش كان ابن عمه سالم بن مالك مقيما في قلعة المدينة متحكما بها، و في الوقت نفسه كانت أمور المدينة بيد الأحداث، الذين كان زعيمهم الشريف حسن بن هبة الله الحتيتي، و بعد مقتل مسلم لما لم يكن للحتيتي سيطرة على قلعة حلب، و كان بحاجة إلى موقع دفاعي حصين، يتخذه مقرا له، قام ببناء- أو اعادة بناء- قلعة لنفسه و أحداثه داخل المدينة، و لا يزال موقع هذه القلعة معروفا، فأحد أحياء حلب الواقعة جنوبي القلعة الكبيرة يعرف الآن باسم «قلعة الشريف». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 201.

(4) كذا بالأصل، و هو خطأ صوابه- اشبيلية- و الخطأ الثاني هنا أن ما يشير إليه كان في السنة التالية، فهو يتحدث عن معركة الزلاقة، حين عبر يوسف بن تاشفين على رأس جيوش المرابطين- الملثمين- إلى الأندلس، بناء على دعوة المعتمد ابن عباد صاحب اشبيلية و معاضدة بقية أمراء الأندلس. انظر الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية بتحقيقي. ط. الدار-

209

و نهضوا للإغائة و الإسعاد، و طلب الجهاد، و وصلوا إليه في خلق عظيم، و جيش كثيف، و صاففوا الأفرنج و هم في الأعداد الدثرة، و العدد الغاية في الكثرة، فكسروا عسكر الأفرنج كسرة عظيمة أجلت عن قتل الأكثر منهم، و لم يفلت إلا من سبق جواده، و أخر في أجله بحيث أحصي القتلى فكانوا (65 و) عشرين ألفا، فجمعت رؤوسهم و بني بها أربع منائر للتأذين في غاية الارتفاع، و أذن المسلمون فيها، و عاد عسكر الملثمين إلى بلادهم سالمين ظافرين مسرورين مأجورين، و امتنعوا من استخلاص ما كان ملكه الأفرنج من بلاد الأندلس، و بقي في أيديهم على حاله.

سنة تسع و سبعين و أربعمائة

فيها تقدم السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح بن السلطان ألب أرسلان (رحمه الله) بإبطال أخذ الكوس من سائر التجار عن جميع البضائع في العراق و خراسان، و حظر تناول شي‏ء منها في بلد من البلاد الجارية في مملكته، فكثر الدعاء له من كافة الناس في سائر الأعمال و تضاعف الثناء عليه من الخاص و العام‏ (1).

و فيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بوصول الانبرت ابن ملك الافرنج في عسكره إلى مدينة المهدية، و نزوله عليها و مضايقته لها إلى أن ملكها بالسيف قهرا، و قتل رجالها و سبى كافة من كان بها من أهلها (2).

____________

- البيضاء: 1979 ص: 23- 66. حيث تعليل عدم استغلال نصر الزلاقة و ذلك بالاضافة إلى الوصف التفصيلي لها.

(1) في مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه- أن هذا كان سنة خمس و سبعون و أربعمائة، و أنه اقتصر على قافلة الحج صادرة و واردة.

(2) كانت المهدية لتميم بن المعز بن باديس، و قد هاجمها اسطول جنوي في ثلاثمائة سفية تحمل ثلاثين ألف مقاتل نورماندي و قد ظلت المهدية تحت الاحتلال النورماندي حتى استخلصها الموحدون. انظر البيان المغرب لابن عذاري. ط. بيروت 1950: 1/ 432- الحلل الموشية:

152- 154. خلاصة تاريخ تونس لحسن حسني عبد الوهاب. ط. تونس: 1968: 115.

210

و فيها جمع الملك سليمان شاه بن قتلمش‏ (1) و حشد و قصد بلد حلب، و نزل عليها محاصرا لها و مضايقا عليها و طامعا في تملكها، فوردت عليه أخبار السلطان تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان باحتشاده، و تأهبه لقصدها، و استعداده فرحل عنها، و التقى عسكره و عسكر تاج الدولة في موضع يعرف بعين سيلم‏ (2) في يوم الأربعاء الثامن عشر من صفر، فكسر عسكر تاج الدولة عسكر سليمان، فقتل في الهزيمة، و ملك تاج الدولة عسكره و سواده، و نزل على حلب، و ضيق عليها إلى أن تسلمها في شهر ربيع الأول، سلمها إليه المعروف بابن البرعوني الحلبي‏ (3).

و فيها وصل السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى الشام، و انهزم تاج الدولة من حلب، و ملكها السلطان العادل و دخلها في شهر رمضان، و خرج منها، و قصد أنطاكية، و ملكها و خيم على ساحل البحر أياما، و عاد إلى حلب و عيد بها عيد الفطر، و رحل عنها و قصد الرها، و نزل عليها و ضايقها و ملكها.

____________

(1) في الأصل «شاه بن قتلمش» و أضفنا عبارة سليمان ليتضح السياق.

(2) في معجم البلدان لياقوت: عين سيلم على ثلاثة أميال من حلب.

(3) ضايق سليمان بن قتلمش مدينة حلب، فقام الشريف الحتيتي بتوجيه الدعوة للسلطان ملكشاه ليأتي فيتسلمها، و لما طال أمد وصول السلطان، و ضاق الأمر بالحتيتي راسل تتش و عرض عليه تسليمه المدينة، و لبى تتش فاصطدم بسليمان و قتله، و جاء ليتسلم المدينة فرفض الحتيتي، و أخبره أنه لن يسلمها إلا للسلطان، و كان الحتيتي قد عهد بأمر أحد أبراج المدينة إلى رجل عرف باسم ابن البرعوني، فقام هذا بمراسلة تتش و اتفق معه على تسليمه البرج، و هكذا تسلم تتش المدينة لكنه ما كاد يدخلها حتى عرف بوصول طلائع جيش أخيه السلطان ملكشاه (كانون أول 1086 م) لهذا آثر الانسحاب من حلب و العودة إلى دمشق، متجنبا الاصطدام بأخيه أو حتى الاجتماع به. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 201- 206.

211

سنة ثمانين و أربعمائة (1)

في هذه السنة تقررت ولاية حلب للأمير قسيم الدولة أق سنقر من قبل السلطان ملك شاه أبي الفتح، و وصل إليها و أحسن السيرة فيها، و بسط العدل في أهليها، و حمى السابلة المترددين فيها، و أقام (65 ظ) الهيبة، و أنصف الرعية، و تتبع المفسدين فأبادهم، و قصد أهل الشر فأبعدهم، و حصل له بذلك من الصيت، و حسن الذكر، و تضاعف الثناء و الشكر ما أخباره مذكور، و أجاره فيه منشور، فعمرت السابلة للمترددين من السفار، و زاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات و الأقطار.

في هذه السنة توجه السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى سمرقند طمعا في ملكتها بعد فراغ قلبه من الشام، و بلاد الروم، و الجزيرة، و الرها، و ديار بكر، و ديار بني عقيل.

و فيها خرج الأمير قسيم الدولة آق سنقر من حلب لتوديع تابوت زوجته خاتون، داية السلطان ملك شاه، و قيل أنها كانت جالسة معه في داره بحلب، و في يده سكين فأومى بها إليها على سبيل المداعبة و المزاح، فوقعت في مقتلها للقضاء المكتوب عليها، غير متعمد، فماتت و حزن عليها حزنا شديدا، و تأسف لفقدها على هذه الحال، و حملها إلى الشرق لتدفن في مقابر لها هناك في مستهل جمادى الآخرة (2).

و في يوم الثلاثاء، مستهل رجل نزل قسيم الدولة على شيزر و حصرها

____________

(1) تعد هذه السنة بداية مرحلة جديدة في تاريخ بلاد الشام، فللمرة الأولى تغيب القوى العربية عن مسرح السياسة و الحكم و الحرب، و آل هذا كله إلى التركمان.

(2) في بغية الطلب لابن العديم ترجمة مطولة لآق سنقر قسيم الدولة، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، كما أني بحثت في الكتاب نفسه في حقبة حكم قسيم الدولة بشكل شامل. انظر ص: 207- 228، 269- 277.

212

و نهب ربضها، و ضايقها إلى أن تقرر أمرها و الموادعة بينه و بين صاحبها (1) و رحل عنها عائدا إلى حلب.

سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة

في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشرق بافتتاح السلطان ملك شاه مدينة سمرقند و أسر ملكها (2)، و كانت أخته مع السلطان ملك شاه و له منها ثلاثة أولاد، فجعل الولاية بها لأحدهم و هو الملك أحمد، و أمر بالخطبة له على المنابر، و ذكر أن الملك أحمد المذكور توفي في سنة أربع و ثمانين و أربعمائة، و الابنة منهم زوجها للإمام الخليفة المقتدي بأمر الله.

و فيها خرج عسكر مصر منها مع مقدميه، و قصد الساحل، و فتح ثغري صور و صيدا، و كان في صور أولاد القاضي عين الدولة (ابن) أبي عقيل بعد موته، و لم يكن قوة لهم تدفع، و لا هيبة تمنع، فسلموها، و كذلك صيدا، و قرروا أمرهما، ثم رحل العسكر عنها و نزل على ثغري جبيل و عكا فافتتحهما.

و فيها عمرت منارة الجامع بحلب‏ (3)، و فيها نهض قسيم الدولة صاحب حلب في أثر الحرامية قطاع الطريق، و مخيفي السبيل، فأوقع بهم و استأصل شأفتهم قتلا و أسرا (66 و) فأمنت السابلة، و اطمأنت السافرة، و كتب إلى سائر الأطراف و الأعمال بتتبع المفسدين، و حماية المسافرين، و بالغ في ذلك مبالغة حسن ذكره بها، و عظمت هيبته بسببها،

____________

(1) في زبدة الحلب: 2/ 15.: «و جرى خلف بين أهل لطمين و بين نصر بن علي بن منقذ في سنة احدى و ثمانين، فخرج أق سنقر إلى شيزر، و قاتلها، و قتل من أهلها مائة و ثلاثين رجلا، و عاد إلى حلب بعد أن نهب ربضها، و استقرت الموادعة بينه و بين نصر صاحب شيزر.

(2) لعله شمس الملوك تكين بن طمغاج الذي سلف لألب أرسلان أن غزاه سنة مقتله.

مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 290.

(3) انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 209.

213

و شاع له الصيت باعتمادها، و احترز كل من كان في ضيعة أو معقل من أن يتم على أحد من المجتازين به أمر يؤخذ به، و يهلك بسببه‏ (1).

سنة ثلاث و ثمانين و أربعمائة

في هذه السنة نزل السلطان تاج الدولة على حمص، في عسكره و معه الأمير قسيم الدولة صاحب حلب في عسكره، و الأمير بوزان صاحب أنطاكية و فيها خلف بن ملاعب فضايقوها و صابروها إلى أن ملكوها بالأمان، و خرج ابن ملاعب منها، و سلمها و وفوا له بما قرروه معه، و أطلقوا سراحه فتوجه إلى مصر، فأقام بها مدة، و عاد إلى الشام، و أعمل الحيلة و التدبير على حصن أفامية إلى أن ملكه، و حصل بيده‏ (2).

سنة أربع و ثمانين و أربعمائة

في ليلة الثلاثاء التاسع من شعبان من السنة حدث في الشام زلزلة عظيمة هائلة، لم يسمع بمثلها و وافق هذا اليوم كونه من تشرين الأول، و خرج الناس من دورهم خوفا من عودها، و حكي أن دورا كثيرة خربت بأنطاكية، و اضطربت كنيسة السيدة فيها، و هلك خلق كثير

____________

(1) ذكر ابن العديم بأن آق سنقر: «كان قد شرط على أهل كل قرية في بلاده متى أخذ عند أحدهم قفل، أو أحد من الناس، غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل و كثير، فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم و ناموا، و قام أهل القرية يحرسونهم إلى أن يرحلوا، فأمنت الطرق ..- و نادى أق سنقر- في بلد حلب لا يرفع أحد متاعه و لا يحفظه في طريق لما حصل من الأمن في بلاده .... فخرج يوما يتصيد، فمر على قرية من قرى حلب، فوجد بعض الفلاحين قد فرغ من عمل الفدان، و طرح عن البقر النير، و رفعه على دابة ليحمله إلى القرية، فقال له: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد متاعا و لا شيئا من موضعه؟! فقال له:

حفظ الله قسيم الدولة قد أمنا في أيامه، و ما نرفع هذه الآلة خوفا عليها أن تسرق، و لكن هنا دابة يقال لها ابن آوى تأتي إلى النير فتأكل الجلد الذي عليه، فنحن نحفظه منها، و نرفعه لذلك، فعاد قسيم الدولة من الصيد، و أمر الصيادين فتتبعوا بنات آوى في بلد حلب، فصادوها حتى أفنوها من بلد حلب». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 210.

(2) كذا في الأصل، و الذي حصل أن السلاجقة اقتحموا مدينة حمص و اعتقلوا ابن ملاعب، و سيروه «في قفص حديد إلى السلطان ملكشاه، فأطلق حمص لأخيه تتش، و حبس ابن ملاعب، و بقي في حبسه إلى أن أطلقته خاتون امرأة السلطان ملكشاه» بعد وفاته، فمضى آنذاك إلى مصر.

مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 217، 280.

214

بالردم، و انهدم بها تقدير سبعين برجا من سورها، و بقيت على حالها إلى أن أمر السلطان ملك شاه بعمارتها، و لم ما تشعث منها.

و فيها نزل الأمير قسيم الدولة صاحب حلب على حصن أفامية، فملكه، و أبعد خلف بن ملاعب عنها، و رتب نائبه في حفظها، في ثالث رجب، و عاد إلى حلب‏ (1).

و فيها وردت الأخبار من المشرق بوفاة الملك أحمد بن السلطان ملك شاه المرتب في مملكة جدة في سمرقند، و خطب له على المنابر حسب ما تقدم ذكره، فعاجله القضاء الذي لا يدافع، و المحتوم الذي لا يمانع.

سنة خمس و ثمانين و أربعمائة

في هذه السنة اقترن المريخ و زحل في برج السرطان، وقت الظهر من يوم الإثنين النصف من شهر ربيع الأول و هو السادس و العشرون من نيسان، و ذكر أهل المعرفة من أهل صناعة النجوم أن هذا القران لم يحدث مثله في هذا البرج منذ مبعث النبي (صلى الله عليه و سلم) و إلى هذه الغاية.

و فيها توجه السلطان العادل (66 ظ) ملك شاه من أصفهان إلى بغداد معولا على قصد مصر لتملكها، فلما وصل إلى همذان وثب رجل ديلمي من الباطنية على وزيره خواجه بزرك نظام الملك أبي علي الحسن ابن اسحق الطوسي، فقتله (رحمه الله)(2)، و هرب من ساعته، فطلب فلم يوجد و لا ظهر له خبر و لا بان له أثر، فأسف الناس، و تألموا لمصابه‏

____________

(1) كذا و في الخبر بعض اللبس: فالذي حدث أن آق سنقر التحق بتتش و ساعده في حملة طرابلس، و أثناء الحصار تخاصم معه و انسحب عائدا نحو حلب، و في طريقه إلى حلب استولى على أفامية التي كانت من أملاك ابن ملاعب، و بعد ذلك سلمها لنصر بن علي المنقذي صاحب شيزر. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 217- 218.

(2) قتل بتخطيط و أمر من حسن الصباح مؤسس الدعوة الاسماعيلية الجديدة، و ربما كان هناك شي‏ء من التواطؤ من قبل ملكشاه. انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة- ط. بيروت 1971:

62- 63. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 349- 373.

215

و تضاعف حزنهم لفقد مثله، لما كان عليه من حسن الطريقة، و إيثار العدل و النصفة و الاحسان إلى أهل الدين و الفقه و القرآن العلم، و حب الخير، و حميد السياسة، و كان قد أثر الآثارات الحسنة في البلاد من المدارس و الرباطات بالعراق و بلاد العجم، بحيث كان رزقه يجري على اثني عشر ألف انسان من فقيه إلى غيره، و حزن السلطان ملك شاه عليه، و أسف لفقده، و أسرع السير إلى أن وصل إلى بغداد في أيام قلائل من شوال من السنة، و أقام مديدة، و خرج إلى المتصيد، و عاد منه و قد وجد فتورا في جسمه، و اشتد به المرض الحاد، فتوفي (رحمه الله) في ليلة الأربعاء السادس من شوال من السنة، و كان بين وفاته، و مقتل خواجه بزرك ثلاثة و ثلاثون يوما، و أقام مقامه في المملكة ولده السلطان بركيارق، و انتصب في منصبه، و أخذت له البيعة، و دعي على المنابر باسمه، و استقام أمره و انتظمت الحال على مراده.

و كان السلطان تاج الدولة تتش قد توجه من دمشق إلى بغداد، للقاء أخيه السلطان ملك شاه، و الخدمة له، و التقرب إليه، و ورد الخبر عليه بوفاته، فانكفأ راجعا، و نزل على الرحبة و ضايقها، و راسل المقيم بها يلتمس تسليمها إليه فلم يتم له فيها أمر و لا مراد، فرحل عنها إلى دمشق، و جمع و حشد و عاد في العسكر إلى الرحبة (1)، و قد كان كاتب قسيم الدولة صاحب حلب، و مؤيد الدولة يغي سغان‏ (2) صاحب أنطاكية يستدعي منهما المساعدة، و يبعثهما على المؤازرة و المرافدة، فسارا نحوه، و اجتمعا معه، فقوي أمره بهما، و استظهر بعسكرهما، و نزل على الرحبة و ضايقها إلى أن ملكها بالأمان، و أحسن إلى أهلها و أجمل السيرة فيها، و كان قد نذر على نفسه أنه متى ملكها بالأمان و القهر شهر فيها

____________

(1) كذا و في هذه الرواية اختصار مخل، انظر تفصيل خبر ما حدث في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 221- 226، و كتابي تاريخ العرب و الاسلام.

ط. بيروت: 1982 ص: 332- 335.

(2) يرسم أحيانا «ياغي سيان».

216

السيف، فعند ذاك شهر سيفه عند دخوله إليها، و أغمده عند استقرار أمرها، و وفى بنذره، و رحل عنها بعد أن قرر أمرها، و رتب المستحفظين من قبله فيها قاصدا ناحية (67 و) نصيبين.

و قد كان بعد وفاة السلطان ملك شاه قد رجع إبراهيم بن قريش إلى بلاده، و تسلم الموصل و أعمالها، و جمع العرب الأكراد و نزل في بلاد بني عقيل الموصل و ما والاها، و غلب ولد أخيه شرف الدولة محمدا، و أبعده عن الولاية، و لما وصل تاج الدولة إلى نصيبين وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها، و خرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له و المناصحة في الخدمة، فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب إبراهيم بن قريش، فقاتلها و هدم بعض سورها، و ملكها بالسيف، و قتل فيها تقدير ألفي رجل، و قتل كل من التجأ إلى جامعها و مساجدها، و أخذت الحرم، و هتكت البنات و عوقبوا بأنواع العقوبات، إلى أن أظهرن كل مذخور، و أبرزن كل مستور، و فعل في أمرهم مالا يستحله مسلم، و لا يستحسنه كافر، و أطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال و النسوان إلا من بقي في أيدي الأتراك، و ذلك في صفر سنة ست و ثمانين و أربعمائة، و حكى بعض من حضر هذه الكائنة القبيحة أنه شاهد امرأة تحت [واحد من‏] (1) الأتراك يطلب منها الفاحشة، و هي تصيح و تستغيث و تتمنع أشد التمنع «فجئته و حاولت تخليصها منه فلم يفعل، فجرحته فتخلى عنها و إذا بها امرأة من وجوه الأشراف، و أخرجتها إلى المخيم إلى أن سكنت الفتنة، و أعدتها سالمة إلى دارها دون كل بنت هتكت، و أحرزت ثوابها، و حسن الذكر بين أشراف نصيبين».

سنة ست و ثمانين و أربعمائة

في هذه السنة عاد السلطان تاج الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها طالبا لإبراهيم بن قريش، فلما عرف خبره، جمع و حشد و استصرخ‏

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

217

و استنجد، و حصل في خلق عظيم و نزل بها في المنزل المعروف بشرقي الهرماس، و نزل السلطان تاج الدولة على دارا (1)، فلما كان يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس‏ (2)، و اختلط الفريقان و اشتد القتال، و انكشفت الوقعة عن قتل جماعة من الأتراك و العرب، و عاد كل فريق منهما إلى مكانه، فلما استقر بالعرب المنزل، عاد عسكر تاج الدولة إليهم و هم غارون، و حمل عليهم و هم غافلون، فانهزمت العرب، و أخذهم السيف، فقتل منهم (67 ظ) العدد الكثير، و الأكثر من الرجالة المقيمين في المخيم، و قتل الأمير إبراهيم بن قريش و جماعة من الأمراء، و المقدمين من بني عقيل و غيرهم، و قيل إن تقدير القتلى من الفريقين عشرة آلاف رجل، و استولى النهب و السلب و السبي على من وجد في المخيم و امتلأت الأيدي من الغنائم و السواد و المواشي و الكراع، بحيث بيع الجمل بدينار واحد و المائة شاة بدينار واحد، و لم يشاهد أبشع من هذه الوقعة، و لا أشنع منها في هذا الزمان، و قتل بعض النسوان العرب أنفسهن اشفاقا من الهتيكة و السبي، و لما عادوا بالأسرى و السبي، و حصلوا بشاطى‏ء الفرات ألقى جماعة من الأسرى أنفسهم في الفرات فهلكوا (3).

و قصد السلطان تاج الدولة ديار بكر، و نزل على آمد و ضايقها و ملكها من ملكة ابن جهير المقيم بها مع الجزيرة، و ولا [5] نصيبين عوضا عن الجزيرة و ملك آمد من ابن مروان و تسلم ميافارقين و أعمالها و قرر أمرها (4) و انفذ ولاته إلى الموصل و سنجار، و ملك الأعمال،

____________

(1) بلد في ديار ربيعة، بينها و بين نصيبين خمسة فراسخ، و لها قلعة مشرفة، و يليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين. الروض المعطار.

(2) هو نهر الخابور. الروض المعطار.

(3) تعرف هذه المعركة باسم معركة المضيع أيضا. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:

222- 223.

(4) ابن مروان هو ناصر الدولة منصور بن مروان، و ابن جهير هو الكافي ابن جهير، انظر تاريخ ميافارقين. ط. القاهرة 1959: 223- 237.

218

و انهزم بنو عقيل من منازلهم و بلادهم، و توجهوا نحو السلطان بركيارق ابن ملك شاه، و كان علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش و والدته خاتون بنت السلطان محمد بن داود (1) عمة السلطان ملك شاه يشكون ما نزل بهما من السلطان تاج الدولة.

و لما تهيأ لتاج الدولة ما تهيأ، و ما أمله من ملكة البلاد و طاعة العباد، قويت شوكته و كثرت عدته و عدته، و حدث نفسه بالسلطنة، و توجه إلى ناحية خراسان، و ليس يمر ببلد و لا معقل من المعاقل إلا خرج إليه أهله، و بذلوا له الطاعة و المناصحة في الخدمة، و أمره يستفحل و شأنه يعظم.

و فصل عنه قسيم الدولة صاحب حلب، و عماد الدولة بزان صاحب الرها مغاضبين، و قصدا ناحية السلطان بركيارق بن ملك شاه مخالفين له و عاصيين عليه، و اقتضت الحال عود تاج الدولة إلى ديار بكر، و نزل على مدينة سروج‏ (2) فملكها و ولى فيها، و في الجزيرة من ارتضاه من ثقات خواصه، و اتصل به خبر وصول الأمير قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب، و مؤيد الدولة ابن صاحب الرها اللذين‏ (3) كانا فارقاه إلى السلطان بركيارق، و دخولهما عليه و إكرامه لهما و حسن موقع وصولهما منه و سروره بمقدمهما عليه، و أنهما شرعا في الوقوع في ناحية تاج الدولة و التحذير من (68 و) الاهمال لأمره، و التحريض على معاجلته قبل إعضال خطبه، و تمكنه من الغلبة على السلطنة و الإستيلاء على أعمال المملكة، و أشارا عليه بالمسير في هذا الوقت، و طلبا منه من يسير معهما لإيصالهما إلى بلديهما حلب و الرها، فسار معهما لإيصالهما إلى الموصل، ورد بني عقيل إليهم و قدم عليا بن شرف الدولة مسلم بن قريش‏

____________

(1) محمد بن داود هو السلطان ألب أرسلان بن جغري بك.

(2) بلد من أرض الجزيرة، و بمقربة من ملطية، و هي رستاق كثير القرى و الكروم في بطن بين جبال. الروض المعطار.

(3) قبل قليل قال ابن عماد الدولة بوزان نفسه لا ابنه مؤيد الدولة هو الذي ذهب برفقة قسيم الدولة إلى بركيارق.

219

عليهم، و لقبه سعد الدولة، فوصل قسيم الدولة إلى حلب في شوال سنة ست و ثمانين و أربعمائة و معه جماعة من بني عقيل، و بعض عسكر السلطان بركيارق بحيث وصل إلى حلب، و انتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة، فنهض في العسكر من ناحية الرحبة إلى الفرات، و قصد بلد أنطاكية و أقام بها، و ورد عليه الخبر بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد، و أن عزمه أن يشتو بها، و أقام تاج الدولة بأنطاكية مدة فقلت الأقوات و ارتفعت الأسعار، و خوطب في العود إلى الشام، فلم يفعل، و عاد إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة، و في جملته الأمير و ثاب بن محمود بن صالح و بنو كامل و جماعة من العرب لم يجسروا على الإقامة بالشام خوفا من قسيم الدولة صاحب حلب.

و في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير إلى ثغر صور لما عصى و اليها الأمير منير الدولة الجيوشي، و قد كان أهل صور أنكروا عصيانه، و كرهوا خلفه لسلطانه أمير الجيوش بدر، و عرف ذلك من نياتهم، فحين اشتد القتال عليها نادوا بشعار المستنصر بالله و أمير الجيوش، فهجم العسكر المصري على البلد، و لم يدافع عنه مدافع، و لا مانع دونه ممانع، و نهب و أسر الخلق الكثير، و أخذ في الجملة منير الدولة الوالي و خواصه و أجناده و حملوا إلى مصر في يوم الرابع عشر من جمادى‏ (1) سنة ست و ثمانين و أربعمائة و قطع على أهل البلد ستون ألف دينار أجحفت بأحوالهم، و استغرقت جل أموالهم، و لما وصل الوالي منير الدولة و من معه من أجناده و أصحابه، تقدم أمير الجيوش بضرب أعناقهم ففعل ذلك، و لم يعف عن واحد منهم.

و في هذه السنة وردت الأخبار من العراق بابطال مسير الحاج لأسباب دعت إلى ذاك، و الخوف عليهم في مسيرهم، و سار الحاج من دمشق و الشام في هذه السنة صحبة الأمير الخاني أحد مقدمي أتراك‏

____________

(1) لم يبين أي الجمادين الأولى أم الثانية؟

220

السلطان (68 ظ) تاج الدولة بعد العقد له بولايته، و تأكيد خطابه بحمايتهم و وصيته، فلما وصلوا و قصدوا مناسكهم و فروض حجهم، تلوموا عن الانكفاء أياما خوفا من أمير الحرم ابن أبي شيبة (1) إذ لم يصل إليه من جهتهم ما يرضيه، فلما رحلوا من مكة تبعهم في رجاله، و نهبهم قريبا من مكة، فعادوا إلى مكة، و شكوا إليه و تضوروا لديه مما نزل بهم مع بعد دارهم، فرد عليهم البعض من جمالهم، و قتل في الوقعة أخو الأمير الخاني المقدم، فلما أيسوا من رد المأخوذ لهم ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة، فحين بعدوا عنها ظهر عليهم قوم من العرب من عدة جهات، فأحاطوا بهم فصانعوهم على ما دفعوه إليهم، هذا بعد أن قتل من الحجاج جماعة وافرة، و هلك قوم بالضعف و الانقطاع، و جرى عليهم من العرب المكروه، و عاد السالم منهم على أقبح حال، و أكسف بال.

و فيها توفي الإمام أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن الحنبلي (رحمه الله)، في يوم الأحد الثامن و العشرين من ذي الحجة بدمشق، و كان وافر العلم متين الدين حسن الوعظ، محمود السمت‏ (2).

سنة سبع و ثمانين و أربعمائة

في هذه السنة ورد الخبر من العراق بوفاة الخليفة الإمام المقتدي بأمر الله، أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله، أمير المؤمنين، فجأة في ليلة السبت انتصاف المحرم، و عمره ثمان و ثلاثون سنة و تسعة أشهر و أيام، مولدة يوم الأربعاء الثاني، و يقال الثامن من جمادى الأولى ستة ثمان و أربعين و أربعمائة، و كانت مدة خلافته تسع‏

____________

(1) كان شريف مكة هو الأمير تاج المعالي محمد بن جعفر، هاشمي من بني موسى الجون، حسني علوي، قيل بأنه مات سنة 487. انظر عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، لأحمد بن علي الداودي. ط. بيروت دار الحياة: 111- 112.

(2) ترجم له سبط ابن الجوزي في وفيات سنة/ 486/ و قال أنه هو الذي نشر المذهب الحنبلي في دمشق، و دفن بالباب الصغير.

221

عشرة (1) سنة، و خمسة أشهر، و كان حسن السيرة، جميل السريرة، و ولي بعده ولي عهده ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله أمير المؤمنين بن المقتدي بالله أمير المؤمنين، و بويع له بالخلافة بعد أبيه في يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم من السنة، و استقام له الأمر، و انتظمت بتدبيره الأحوال على قبض السداد، و كنه المراد، و عند ذلك قبض على إخوته و اعتقلهم عنده، و كان السلطان بركيارق عند وفاة المقتدي بالله (رحمه الله) مقيما ببغداد، و بقي فيها مقيما إلى آخر السنة.

و في شهر ربيع الآخر منها برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر، و توجه إلى الشام، و قطع العاصي في شهر ربيع الآخر (69 و)، و تقدم إلى العسكرية برعي الزراعات، و نهب المواشي و العوامل، و لما اتصل الخبر بذاك إلى قسيم الدولة صاحب حلب، شرع في الجمع و الاحتشاد، و التأهب لدفعه و الاستعداد، و أجمع على لقائه، و انتهى الخبر إلى تاج الدولة بذاك، و وصول بزان صاحب الرها إليه في عسكره، لإسعاده عليه، و انجاده، و كذلك وصول كربوقا صاحب الموصل و يوسف [بن آبق‏] (2) صاحب الرحبة في ألفين و خمسمائة فارس، و حصول الجميع في حلب لمعونته و مؤازرته، فرحل من منزله بكفر حمار (3) إلى الحانوته، ثم منها إلى الناعورة، و غارت الخيل على المواشي‏

____________

(1) يمكن الربط بين حوادث وفاة كل من نظام الملك، و ملكشاه، و الخليفة المقتدي، و ذلك على أرضية الصراعات بين هؤلاء الأقطاب. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 220- 221.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين توضيحا. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:

225- 226.

(3) كذا في الأصل، و لم أجد هذا الموقع في أي من المصادر الجغرافية على كثرتها هذا و لا حظت في ترجمة آق سنقر في بغية الطلب أن ابن العديم ينقل رواية مطابقة لرواية ابن القلانسي مع فرق ببعض التفاصيل فقط، و لم يذكر ابن العديم هذا الموقع، و نقل ابن العديم عدة روايات حول المعركة بين تتش و آق سنقر و ناقش متون بعض الروايات و انتهى إلى القول بأن المعركة كانت بموقع اسمه «كارس» من أرض نقرة بني أسد قرب نهر اسمه سبعين. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 20- 275. الباهر في الدولة الأتابكية. ط. القاهرة 1963: 15.

222

بها، و أحرقوا بعض زرعها، و رحل منها إلى ناحية الوادي [وادي بزاعا] (1) و رحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر، و تقديره نحو من عشرين ألفا، و زيادة على ذلك، لكنهم‏ (2) في أحسن زي و هيئة، و أتم آلة و عدة و قطع سواقي نهر سبعين‏ (3) قاصدا عسكر تاج الدولة، و كان بروزه من حلب في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى من السنة، التقى الفريقان غداة يوم السبت تاليه عقيب اقتران المريخ و زحل في برج الأسد، المقدم ذكره بخمسة أيام، و كان عسكرا كربوقا و بزان لم يتمكنوا من قطع بعض السواقي، فأقاموا على حالهم‏ (4)، و لم يثق بمن كان معه من العرب، فنقلهم في وقت المصاف من الميمنة إلى الميسرة، ثم جعلهم في القلب فلم يغنوا شيئا، فنصر الله تعالى تاج الدولة و عسكره عليهم، فانهزمت العرب و عسكر كربوقا و بزان عند الحملة و عسكر يوسف، و تحكمت السيوف فيهم، و أسر قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب و أكثر أصحابه، و حين أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة (5)، فأمر بضرب عنق قسيم الدولة و من اتفق من أصحابه فقتلوا و توجه أكثر الفل إلى حلب، و اجتمعوا بأهل البلد و الأحداث، و تقرر بينهم الاعتصام بحلب، و الاستنجاد بالسلطان بركيارق، فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب، و قد اختلفت الآراء فيها بينهم، و حاروا فيما يعملون عليه، فوثب جماعة

____________

(1) زيد ما بين الحاصرتين من رواية ابن العديم- انظر الحاشية الماضية- مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 272.

(2) كذا في الأصل، و يحتمل أنها تصحيف صوابه «كلهم».

(3) في الأصل «سفيان» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا، و قال ابن العديم أن سبعين «قرية من قرى حلب من نقرة بني أسد على نهر الذهب» و على هذا فالنهر هو نهر الذهب الذي يصب بمملحة الجبول، و الموقع هو قرية سبعين حيث تمر بعض سواقي هذا النهر. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 271.

(4) كذا و الصواب بالتثنية.

(5) صيغة الجملة هكذا توحي بوجود سقط، هذا و ذكرت المصادر التي تحدثت عن هذه الواقعة بأن «تاج الدولة تتش قال لقسيم الدولة لما حضر بين يديه: لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ قال:

كنت أقتلك، فقال له تتش: فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي» فأمر ....

223

منهم لم يوبه لهم، و كسروا باب البلد، و نادوا بشعار تاج الدولة، فدخل الأمير و ثاب بن محمود بن صالح البلد في مقدمته، و بادر الوالي‏ (1) المقيم بقلعة الشريف التي قبلي حلب، بالظهور إلى تاج الدولة، و من باب منها دخل تاج الدولة، و نزل إليه رسول الأمير نوح صاحب (69 ظ) قلعة حلب و زوجته، و توثقا منه و أخذا الأمان له من تاج الدولة، و عادا إليه و أعلماه بما كان من تقرير الحال، و أخذ الأمان، فسلمها إليه، و حصل بها في يوم الاثنين الحادي عشر من جمادى الأولى، و سلمت جميع الحصون إليه من الشام، و كان بزان صاحب الرها في جملة من أسر في الوقعة، فتقدم تاج الدولة بقتله، فضربت عنقه صبرا، و كذلك الأمير كربوقا صاحب الموصل، كان قد أسر في الوقعة فاعتقل بحلب إلى أن تقرر أمر حلب و رتبت النواب و المستحفظون فيها و قرر أمره.

و رحل السلطان تاج الدولة عن حلب في العسكر إلى ناحية الفرات، و قطعه و قصد حران فاستعادها، و كذلك سروج و الرها، و قصد ديار بكر، و عدل عن طريق السلطان بركيارق، لأنه كان نازلا بأرض الموصل، طالبا لخاتون زوج السلطان ملك شاه والدة أخيه محمود، و كانت مستولية على أصفهان و جميع الأموال، لمكاتبات و مراسلات ترددت بينهما في معنى الوصلة بينها و بينه، و استقر الملك له و لها، و كانت قد منعت السلطان بركيارق التصرف في تلك الأعمال و التقود بها.

في هذا الوقت حدثت زلازل في يوم و ليلة دفعات لم يسمع بمثلها، في كل زلزلة منها تقيم و تطول بخلاف ما جرت بمثله العادة.

و رحل تاج الدولة عقيب ذلك، و لم يتمكن من الاتمام على سمته، و عرفت خاتون الخبر، فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة، فعرض لها في طريقها مرض حاد، فتوفيت و تفرق عسكرها إلى‏

____________

(1) في الأصل: «و بادر إلى المقيم» و إلى إما زائدة، و إما- كما رجحت- جزء من كلمة، ففي زبدة الحلب: 2/ 117 «و دخل و ثاب بن محمود في مقدمة أصحاب تاج الدولة إلى حلب، و سكن البلد، فنزل الوالي بقلعة الشريف، و سلمها إلى تاج الدولة فدخلها».

224

جهة السلطان بركيارق و إلى غيره، و حين عرف بركيارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان، فدخلها و ملكها، و قد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها و عدم الأقوات فيها، و وصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير، و كذلك من عسكر بركيارق، فتضاعفت عدته، و قويت شوكته و دعي له على منابر بغداد، و وصل إلى همذان، و كاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام، فسار إلى حلب، و من حلب إلى العراق، و معه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق، و الأمير وثاب بن محمود بن صالح، و جماعة من أمراء العرب و أتراك حلب القسيمية (1)، و توجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة سبع و ثمانين و أربعمائة.

و في هذه (70 و) السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض أمير الجيوش بدر، المستولي على أمرها، و أنه أسكت في مرضه هذا، و دام به إلى أن اشتد في جمادى الأولى منها، و توفي في العشر الأول منه، و قد كان الأمر تمهد لولده الأفضل، و استقامت حاله مع المقدمين و سائر الأجناد و العساكرية قبل وفاته، و أطاعوا أمره، و عملوا برأيه، و قيل أن وفاة أمير الجيوش كانت في جمادى الأولى.

و في هذه السنة أيضا وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين في العشر الثاني من ذي الحجة، و إن المرض اشتد به، و توفي إلى رحمة الله في ليلة عيد الغدير، الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع و ثمانين و أربعمائة (2)، و عمره سبع و ستون سنة و ستة

____________

(1) نسبة إلى قسيم الدولة آق سنقر.

(2) تذكر مختلف المصادر أن المستنصر أوصى بالامامة من بعده لابنه نزار، ذلك أنه كان أكبر أولاده، و لم ينفذ الأفضل أمير الجيوش وصية المستنصر، و اختار المستعلي، لأنه كان ضعيفا و بلا سند، و زوجه أخته، و فرضه إماما، و أدى هذا إلى فرار نزار إلى الاسكندرية حيث حورب و قضي عليه، و الأهم من ذلك أن اسماعيلية ايران و غالبية الشام و أراضي المشرق رفضوا الاعتراف بإمامة المستعلي، مما أدى إلى انشطار الدعوة الاسماعيلية إلى: نزارية و مستعلية، و عرف النزارية فيما بعد باسم الحشيشية، أو اتباع الدعوة الاسماعيلية الجديدة التي أسسها حسن الصباح. انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة: 48- 50، 64.

225

أشهر، و مولدة سنة عشرين و أربعمائة، و نقش خاتمه «بنصر السميع العليم ينتصر الامام أبو تميم» و مدة أيام دولته ستون سنة و أربعة أشهر، و كان حسن السيرة، جميل السريرة، محبا للعدل و الانصاف، و مني في أكثر عمره من الأجناد بالعناد و الاختلاف، و ولي الأمر بعده ولده أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله، و لقب بالمستعلي بالله أمير المؤمنين، و أخذ له البيعة على الأمراء و المقدمين من الأجناد و العسكرية، و أعيان الرعية، الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش، و نصبه في منصب أبيه المستنصر بالله، و استقامت به الأحوال و انتظمت على غاية الايثار و الآمال.

و خرج أخواه من مصر خفية: عبد الله و نزار ابنا المستنصر بالله، فقصد نزار منهما الاسكندرية، و حصل مع نصر الدولة و اليها، و كان من أكابر الغلمان الجيوشية، الذين عول عليهم أمير الجيوش على إقامته في الأمر من بعده دون ولده.

فاستحكم الخلف بينه و بين الأفضل، و جرت بينهما حروب و وقائع، أسفرت عن ظفر الأفضل به، و استقام له الأمر من بعده، و صلحت أحوال مصر و أعمالها، و استقامت بعد اضطرابها و اختلالها.

و أما ما يتعلق بمعرفة أحوال السلطان تاج الدولة، فإنه تم في رحيله إلى مدينة الري، فنزل عليها و ضايقها و ملكها، و استولى على البلاد و الأعمال و المعاقل من الشام و إلى الري، و كان قد أنهض عسكرا من بني عقيل و نمير إلى أعمال بني عقيل، فاستولوا عليها ما خلا الموصل، و ساءت سيرة الأتراك في الأعمال (75 ظ) و شملها منهم ما عاد عليها بالفساد و سوء الحال، و أنفذوا مواشي أهلها و أموالهم، و استغرقوا بالنهب و ارتكاب الظلم أحوالهم و أجلوهم عن منازلهم في زمن الشتاء و شدة البرد و سقوط الجليد.

226

و برز السلطان بركيارق من أصفهان في العسكر، و قصد جهة عمه السلطان تاج الدولة، و خاف تاج الدولة من أهل الري أن يخامروا عليه إن أقام، فرحل عنها، و نزل في منزله على أربعة فراسخ منها، و وصل السلطان بركيارق في عساكره و خيم بإزاءه، و حالت بينهما طوالع الفريقين، و تأهب كل منهما للقاء صاحبه، و رتبت المصافات للحرب، و التقى الفريقان في اليوم السابع عشر من صفر سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، فانفل، عسكر السلطان تاج الدولة، و تفرق و نهب سواده و أثقاله، و أسر أكثره، و قتل منه الخلق الكثير و استشهد تاج الدولة (رحمه الله) في الجملة، و قتله‏ (1) بعض أصحاب قسيم الدولة آق سنقر، صاحب حلب، بعد اصطناعه إياه و تقريبه له، و حمل رأسه و طيف به في العسكر، ثم حمل إلى بغداد، و طيف به فيها.

سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة

فيها ورد الخبر إلى الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة باستشهاد أبيه تاج الدولة، و انفلال عسكره، و هو نازل في عانة على الفرات في عسكره يريد الإتمام إلى بغداد، ثم المصير إلى أبيه تاج الدولة، حين استدعاه إلى الوصول إليه، فاضطرب لذاك و قلق، و خاف من وصول من يطلبه، فحط مضاربه في الحال، و قوضت خيام العسكر في الوقت، و رحل مجدا في سيره في نفر من سرعان خيله و غلمانه، و ترك باقي عسكره من ورائه، و لم يزل مغذا في قصده إلى أن دخل حلب، و فتح الوزير أبو القاسم‏ (2) النائب في القلعة أبوابها، و أصعده إليها، و أخذوا الأهبة لمن يقصدها.

____________

(1) في الأصل «و قتل» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

(2) في بغية الطلب لابن العديم ترجمة جيدة لرضوان بن تتش جاء فيها: «فوصل إلى حلب و تسلمها من وزير أبيه أبي القاسم بن بديع، في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، و تولى حسين زوج أمه تدبير ملكه». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 387.

227

و وصل إليه من الفل أخوه شمس الملوك دقاق‏ (1) ابن السلطان تاج الدولة، من ناحية ديار بكر، و جماعة من خواص عسكره المفلول، و أقام بحلب مدة يسيرة، و راسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب في القلعة و البلد، و قرر له ملكة دمشق سرا، فخرج في الحال من حلب من غير أن يعلم به أحد، وجد في سيره ليله و نهاره، فلما عرف الملك فخر الملوك خبره (71 و) أنهض عدة من الخيل في إثره، ففاتهم و لم يعرفوا له خبرا، و لا وجدوا له أثرا، و وصل إلى دمشق و حصل بها و أجلسه ساوتكين في منصب أبيه السلطان تاج الدولة، و أخذ له العهد على الأجناد و العسكرية، و استقام له الأمر، و استمرت‏ (2) على السداد الأحوال.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الحجاز بأن الأمير أصفهذ وصل إلى مكة في أربعمائة فارس من التركمانية، فقاتل أهلها فقهرهم، و ملكها و قتل خلقا كثيرا من حرابتها من أصحاب ابن أبي شيبة، و انهزم ابن أبي شيبة، و جميع الأشراف من مكة، و حصل بها و أقام بها مديدة يسيرة و رحل عنها.

و في هذه السنة وردت الأخبار بخلاص الأمير ظهير الدولة طغتكين أتابك من اعتقاله عقيب الكسرة التاجية، و توجه عائدا إلى دمشق، و خرج صاحبه السلار حصن الدولة بختيار شحنة دمشق نحوه لتلقيه و العود في خدمته، و قد كان هذا الأمير المذكور في حداثة سنة و نضارة غصنه، قد حظي عند السلطان الشهيد تاج الدولة، و رشحه يحجبه و قدمه على أبناء جنسه من خواصه و بطانته، و سكن إلى شهامته و صرامته و سداد طريقته، ورد إليه بعد ذلك ما أنس منه الرشد و حسن‏

____________

(1) في حاشية الأصل: قلت: دقاق و كنيته أبو نصر، و يقال فيه تقاق أيضا بالتاء.

و هذا صحيح فالاسم أصلا بالتركية يلفظ أولا بحرف وسط بين التاء و الدال، لذلك وجد من عربه بدال و من عربه بتاء، و هذه الحال نجدها في غالبية المصادر.

(2) في تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة قصيرة لدقاق نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 386.

228

التدبير في الصدر و الورد، و الاسفهسلارية على عسكريته و استنابه في تدبير أمر دمشق، و حفظها أيام غيبته، فأحسن السيرة فيها، و أنصف الرعية من أهلها، و بسط المعدلة في كافة من بها، فكثر الدعاء له و الثناء عليه، فعلت منزلته و امتثلت أوامره و أمثلته، و لم يلبث أن شاع ذكره بنجابته، و أشفقت النفوس من هيبته، فولاه ميافارقين من ديار بكر و هي أول ولايته‏ (1) و سلم إليه ولده الملك شمس الملوك دقاق، و اعتمد عليه في تربيته و كفالته، فساس أمرها بالهيبة و التدبير، و أصلح فاسدها في أقرب أوان و مدة، و نكا في جماعة من مقدميها، و وجود أهلها حين عرف منهم خيانة و مخامرة نكاية قامت بها الهيبة، و استقامت معها أمور الرعية، و تنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع السلطان تاج الدولة إلى الري، و شهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة، و حصل في قبضة الاعتقال، مع من أسر من المقدمين و أقام مدة إلى أن أذن الله في الخلاص (71 ظ) وصل إلى دمشق في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، فتلقاه الملك شمس الدولة دقاق و عسكره و أرباب دولته، و بولغ في إكرامه و احترامه، ورد إليه النظر في الاسفهسلارية، و اعتمد عليه في تدبير المملكة و سياسة البيضة، و اقتضت الحال فيها بينه و بين الملك و أمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين، و الايقاع به، و تمم عليه الأمر، و قتل و عقدت الوصلة بينه و بين ظهير الدين أتابك و بين الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك دقاق، و دخل بها، و استقامت له الحال بدمشق، و أحسن السيرة فيها، و أجمل في تدبير أهليها، و بالغ في الذب عنها، و المراماة دونها، و سكنت نفس الملك شمس الملوك إليه، و اعتمد في التدبير عليه.

و قد كان الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب مائلا إلى دمشق، و محبا لها، و مؤثرا للعود إليها، و لا يختار عليها سواها، لمعرفته بمحاسنها، و ترعرعه فيها، فجمع و حشد و استنجد

____________

(1) انظر تاريخ ميافارقين: 237- 245.

229

بالأمير سكمان بن أرتق، و برز طالبا لدمشق و النزول عليها، و انتهاز الفرصة فيها.

و قد كان الملك شمس الملوك دقاق و العسكر مع الأمير يغي سغان، و الأمير نجم الدين ايل غازي قد غابوا عن دمشق في هذا الوقت، فوصل الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب في عسكره، و نزل بظاهر البلد في سنة تسع و ثمانين و أربعمائة و زحف في العسكر لقتالها، و كان في البلد وزير الملك شمس الملوك زين الدولة محمد بن الوزير أبي القاسم، و نفر قليل من العسكرية، و انضاف إليهم جماعة من الأجناد و أهل البلد، و أغلقت الأبواب و ارتكبت الأسوار، و صاحوا و رشقوهم بالسهام، و كانوا قد بلغوا في الزحف إلى سوق الغنم، و قربوا من السور و باب الصغير، و طلب جماعة من العسكرية و أحداث البلد الخروج إليهم، و الدفع لهم عن البلد، فمنعهم السلار بختيار شحنة البلد، و الرئيس أمين الدولة أبو محمد بن الصوفي رئيس البلد من الخروج، و قاتلوهم على الأسوار و منعوهم من الوصول إليها، و اتفق الأمر المقتضى أن حجر المنجنيق وقع في رأس حاجب الملك رضوان و هو قائم يحرض على الحرب فقتله، فسكنت الحرب و اشتغلوا بأمره، و عادوا إلى مخيمهم لأجله، و لم يتم لهم أمر، و لا تسهل لهم غرض، و بلغهم أن الملك شمس الملوك عائد (72 و) في العسكر إلى دمشق، فرحل في العسكر عائدا إلى حلب، خائبا في الأمر الذي طلب، و طلب في رحيله ناحية مرج الصفر، و طلب حوران، فعاث العسكر في أطرافها، و طلب التوجه إلى بيت المقدس، و عاد شمس الملوك دقاق لما انتهى إليه الخبر في العسكر، و وصل إلى دمشق، و تبع عسكر الملك رضوان على إثره، فوصل و تقارب المدى بين الفريقين، و فصل الملك رضوان منكفئا إلى حلب، فوصل إليها في آخر ذي الحجة من السنة.

230

سنة تسع و ثمانين و أربعمائة

فيها وصل خلف بن ملاعب، الذي كان السلطان ملك شاه أبو الفتح أخذه من حمص، عند أخذها منه، و اعتقله بأصفهان‏ (1)، و أطلق عند وفاة السلطان المذكور، و توجه إلى مصر.

و فيها ورد الخبر بوفاة أبي مسلم وادع بن سليمان، قاضي معرة النعمان، و المستولي عليها في آخر صفر منها، و كان له همة مشهورة، و طريقة في اليقظة مشكورة.

و فيها انكفأ الأمير يغي سيان منفصلا عن الملك شمس الملوك دقاق إلى بلدة أنطاكية، في المحرم منها.

سنة تسعين و أربعمائة

في مستهل شهر ربيع الأول منها اجتمع ستة كواكب في برج الحوت و هي: الشمس، و القمر، و المشتري، و الزهرة، و المريخ، و عطارد، و ذكر أهل صناعة النجوم أنهم لم يعرفوا اجتماع هذه الكواكب في برج، في قديم الزمان و حديثه، و لا سمعوا ذاك.

و في شعبان منها ورد الخبر بأن الأمير جناح الدولة حسين أتابك الملك فخر الملوك رضوان بحلب، استوحش من الملك استيحاشا خاف معه على نفسه، و كان زوج والدته، ففصل عن حلب منكرا لما تم في أمره، و كان أمر التدبير إليه و المعتمد في الحل و العقد فيها عليه، و وصل إلى حمص في عسكره و خواصه، و كان قراجة نائبه فيها، فسلمها إليه، و حصل بها، و شرع في تحصينها، و الإحكام لجهات قلعتها، و نقل أهله إليها، و أمن على نفسه باستقراره بها (2)، و وصل عقيب انفصاله الأمير

____________

(1) كذا، و سلف أن ذكر المؤلف أن تتش هو الذي أخذ ابن ملاعب، و قد علقنا على ذلك. انظر ص 198.

(2) لجناح الدولة ترجمة مفيدة في بغية الطلب لابن العديم، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 376- 379.

231

يغي سغان من أنطاكية إلى حلب و شرع في التدبير و التقرير بها، و الأمر و النهي في عسكريتها و أهليها، و برز الملك رضوان و يغي سغان من حلب في (72 ظ) العسكر إلى ناحية شيزر، عازما على الاحتشاد، و التأهب و الاستعداد لمعاودة النزول على دمشق، فأقاموا على شيزر تقدير شهر، و وقع الخلف بين مقدمي العسكر، فتفرقوا و عاد كل منهم إلى مكانه، و عاد الملك إلى حلب.

و في هذه السنة ورد على فخر الملوك رضوان كتاب المستعلي بالله صاحب مصر مع رسوله، يلتمس منه الدخول في طاعته، و إقامة الدعوة لدولته، و كذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل هذه الحال، فأجابهما إلى ما التمساه، و أمر بأن يدعى للمستعلي على المنبر، و للأفضل بعده، و لنفسه بعده، و أقامت الخطبة على هذه القضية تقدير أربع جمع، و كان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري، و النزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق، فوصل الأمير سكمان‏ (1) بن أرتق و يغي سغان صاحب أنطاكية إلى حلب، و أنكرا على الملك الدخول في هذا الأمر، و استبدعاه من فعله، و أشارا عليه بإبطاله و إطراح العمل به، فقبل ما أشير به إليه و أعاد الخطبة إلى ما كانت عليه.

و في أول شهر ربيع الأول من السنة، وردت الأخبار بخروج العسكر المصري من مصر، و نزوله على ثغر صور عند ظهور عصيان و اليه المعروف بالكتيلة، و خروجه عن الطاعة، و الايثار للخلف و العدول عن المخالصة في الخدمة و العود للمبايعة، و لم يزل العسكر منازلها و مضيقا عليها إلى أن افتتحها بالسيف قهرا، و قتل فيها الخلق الكثير، و نهب منها المال الجزيل، و أخذ الوالي أسيرا من غير أمان و لا عهد، و حمل إلى مصر، فقتل بها.

و في هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الأفرنج من‏

____________

(1) في الأصل: شكماز، و هذا تصحيف واضح صوابه ما أثبتناه.

232

بحر القسطنطينية، في عالم لا يحصى عدده كثرة، و تتابعت الأنباء بذلك، فقلق الناس لسماعها و انزعجوا لاشتهارها، و صحت الأخبار بذاك عند الملك (قلج أرسلان بن) سليمان بن قتلمش و كان أقربهم إليهم دارا، فشرع في الجمع و الاحتشاد، و إقامة مفروض الجهاد، و استدعى من أمكنة من التركمان للاسعاد عليهم و الانجاد، فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير، و قويت بذاك نفسه، و اشتدت شوكته فزحف إلى معابرهم و مسالكهم و سبلهم (73 و) فأوقع بكل من ظفر به منهم، بحيث قتل خلقا كثيرا، و عادوا إليه، و استظهروا عليه، و كسروا عسكره، فقتلوا منهم و أسروا و نهبوا و سبوا، و انهزم التركمان بعد أن أخذ أكثر دوابهم، و اشترى ملك الروم من السبي خلقا كثيرا، و حملهم إلى القسطنطينية، و تواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الاسلام، فعظم القلق، و زاد الخوف و الفرق، و كانت هذه الوقعة لعشر بقين من رجب.

و في النصف من شعبان توجه الأمير يغي سغان صاحب أنطاكية و الأمير سكمان بن أرتق و الأمير كربوقا في العسكر إلى أنطاكية، و قد وردت الأخبار بقرب الأفرنج منها، و نزولهم البلانة (1) و خف يغي سغان إلى أنطاكية، و سير ولده إلى دمشق إلى الملك دقاق، و إلى جناح الدولة بحمص، و إلى سائر البلاد و الأطراف بالاستصراخ و الاستنجاد، و البعث على الخفوف إلى الجهاد، و قصد تحصين أنطاكية، و إخراج النصارى منها.

و في اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الأفرنج على بغراس و أغاروا (2) على أعمال أنطاكية، فعند ذلك عصى من كان في الحصون و المعاقل المجاورة لأنطاكية (3)، و قتلوا من كان فيها و هرب من هرب‏

____________

(1) كذا في الأصل و لم أجدها في المظان الجغرافية و سواها.

(2) كذا بالأصل، و الأصح «و أغارت».

(3) كثيرون من سكان المنطقة كانوا من غير المسلمين، من الأرمن.

233

منها و فعل أهل ارتاح‏ (1) مثل ذلك، و استدعوا المدد من الأفرنج، و في شعبان ظهر الكوكب ذو الذؤابة من الغرب و أقام طلوعه تقدير عشرين يوما، ثم غاب، فلم يظهر، و كان قد نهض من عسكر الأفرنج فريق وافر يناهز ثلاثين ألفا، فعاثوا في الأطراف و وصلوا إلى البارة (2) و قتلوا فيها تقدير خمسين رجلا، و كان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لانجاد يغي سغان، فلما نزلت هذه الفرقة المذكورة على البارة، نهضوا نحوهم، و تطاردوا و قتل منهم جماعة، و عاد الأفرنج إلى الروج‏ (3)، و توجهوا إلى أنطاكية، و غلا سعر الزيت و الملح، و غير ذلك و عدم في أنطاكية، و تواصل ذلك إليها سرقة، فرخص فيها، و جعل الأفرنج بينهم و بين أنطاكية خندقا لكثرة الغارات عليهم من عسكر أنطاكية، و قد كان الأفرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم و وعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية و هي أول مكان فتحوا، فلم يفوا له بذلك و لا سلموها إليه على الشرط (4)، و افتتحوا في طريقهم بعض الثغور و الدروب.

و في هذه السنة وردت الأخبار من (73 ظ) ناحية حلب بفساد حال رئيسها المعروف بالمجن لما كان عليه من التمكن و الغلبة على الأمر، و ارتكاب الظلم، بحيث قبض عليه، و نهبت داره، و قتل مع من قتل من أولاده، و استؤصلت شأفته، و ذلك مجازاة الساعي في‏

____________

(1) حصن منيع في منطقة الثغور كان من أعمال حلب. معجم البلدان.

(2) مدينة كانت ذات شهرة كبيرة، فيها آثار كثيرة، و تتبع البارة الآن اداريا إلى منطقة أريحا في محافظة ادلب في سورية.

(3) من كور حلب المشهورة في غربيها بينها و بين المعرة. معجم البلدان.

(4) إن الأميرة آنا كومينا أفضل من تحدث عن وصول حشود الصليبيين إلى القسطنطينية و وصف علاقاتهم بالامبراطور ألكسيوس كومنين، ثم قص خبر سقوط نيقية، و كيف آلت ملكيتها إلى البيزنطيين، و قد أودعت هذا كله في كتابها عن حياة أبيها الذي حمل عنوان «ألكسياد». انظر ترجمته إلى الانكليزية- ط لندن: 1967، ص 248- 278 و من الممكن العودة إلى موادها عن الحروب الصليبية في المجلد السادس من موسوعتنا.

234

قتل النفوس، و سفك الدماء، و ما هي من الظالمين ببعيد، و ذلك في ذي القعدة (1).

و في هذه السنة استوزر الملك رضوان أبا الفضل بن الموصول‏ (2)، و لقب مشيد الدين، بحلب.

سنة إحدى و تسعين و أربعمائة

في آخر جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن قوما من أهل أنطاكية من جملة الأمير يغي سيان من الزرادين عملوا على أنطاكية و واطوا الافرنج على تسليمها إليهم لإساءة تقدمت منه في حقهم و مصادرتهم، و وجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد، مما يلي الجبل باعوه للأفرنج، و أطلعوهم إلى البلد منه في الليل‏ (3)، و صاحوا عند الفجر، فانهزم يغي سيان، و خرج في خلق عظيم، فلم يسلم منهم شخص، و لما حصل بالقرب من أرمناز، ضيعة قرب من معرة مصرين، سقط عن فرسه على الأرض، فحمله بعض أصحابه و أركبه، فلم يثبت على ظهر الفرس، و عاود سقط، فمات (رحمه الله).

و أما أنطاكية، فقتل منها و أسر و سبي من الرجال و النسوان و الأطفال ما لا يدركه حصر، و هرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها، و سلم من كتب الله سلامته.

و في شعبان منها وردت الأخبار بخروج الأفضل أمير الجيوش من مصر، في عسكر كبير إلى ناحية الشام، و نزل على بيت المقدس، و فيه الأميران سكمان و أيل غازي ابنا أرتق، و جماعة من أقاربهما و رجالهما،

____________

(1) كان المجن الفوعي مقدما لأحداث حلب، اصطدم برضوان بن تتش، انظر تفصيل هذا في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 243- 244.

(2) هو هبة الله بن عبد القاهر بن الموصول، و كان الوزير قبله هبة الله بن محمد بن بديع. زبدة الحلب: 2/ 138.

(3) انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 237.

235

و خلق كثير من الأتراك فراسلهما يلتمس منهما تسلم بيت المقدس إليه، من غير حرب و لا سفك دم، فلم يجيباه إلى ذلك، فقاتل البلد، و نصب عليه المناجيق، فهدمت ثلمة من سوره، و ملكه و تسلم محراب [برج‏] داود من سكمان، و لما حصل فيه أحسن إليهما، و أنعم عليهما و أطلقهما و من معهما و وصلوا إلى دمشق في العشر الأول من شوال، و عاد الأفضل في عسكره إلى مصر.

و فيها توجه الأفرنج إلى معرة النعمان بأسرهم، و نزلوا عليها في اليوم التاسع و العشرين من ذي الحجة، و قاتلوها و نصبوا عليها البرج و السلالم، و بعد افتتاح الأفرنج بلد (74 و) أنطاكية بتدبير الزراد، و هو رجل أرمني اسمه نيروز (1) في ليلة الجمعة مستهل رجب، تواصلت الأخبار بصحة ذلك فتجمعت عساكر الشام في العدد الذي لا يدركه حصر و لا حرز، و قصدوا عمل أنطاكية للإيقاع بعسكر الأفرنج، فحصروهم حتى عدم القوت عندهم حتى أكلوا الميتة، ثم زحفوا و هم في غاية من الضعف إلى عساكر الإسلام و هم في الغاية من القوة و الكثرة، فكسروا المسلمين، و فرقوا جموعهم، و انهزم أصحاب الجرد السبق، و وقع السيف في الرجال المتطوعين و المجاهدين و المغالبين في الرغبة في الجهاد، و حماية المسلمين، في ذلك، في يوم الثلاثاء السادس من رجب في السنة (2).

و أهلت سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة

في المحرم منها زحف الأفرنج إلى سور معرة النعمان من الناحية الشرقية و الشمالية، و أسندوا البرج إلى سورها، و هو أعلى منه، فكشفوا المسلمين عن السور، و لم تزل الحرب عليه إلى وقت المغرب من اليوم‏

____________

(1) هو فيروز في مصادر أخرى.

(2) انظر تفاصيل هذا في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 238- 242.

236

الرابع عشر من محرم، و صعدوا السور، و انكشف أهل البلد عنه، و انهزموا بعد أن ترددت إليهم رسل الأفرنج في التماس التقرير و التسليم و إعطاء الأمان على نفوسهم و أموالهم، و دخول الشحنة إليهم، فمنع من ذلك الخلف بين أهلها و ما قضاه الله تعالى و حكم به، و ملكوا البلد بعد صلاة المغرب، و قتل فيه خلق كثير من الفريقين، و انهزم الناس إلى دور المعرة للاحتماء بها، فأمنهم الأفرنج و غدروا بهم، و رفعوا الصلبان فوق البلد، و قطعوا على أهل البلد القطائع، و لم يفوا بشي‏ء مما قرروه، و نهبوا ما وجدوه، و طالبوا الناس بما لا طاقة لهم به، و رحلوا يوم الخميس السابع عشر من صفر إلى كفر طاب.

ثم قصدوا بعد ذلك ناحية بيت المقدس آخر رجب من السنة، و أجفل الناس منهم من أماكنهم، و نزلوا أولا على الرملة فملكوها عند إدراك الغلة، و انتقلوا إلى بيت المقدس، فقاتلوا أهله، و ضيقوا عليهم، و نصبوا عليه البرج و أسندوه إلى السور، و انتهى إليهم خروج الأفضل من مصر في العساكر الدثرة، لجهادهم و الايقاع بهم، و إنجاد البلد عليهم و حمايته منهم، فشدوا في قتاله، و لازموا حربه إلى آخر نهار ذلك اليوم، و انصرفوا عنه، و واعدهم الزحف إليهم من الغد، و نزل الناس عن السور وقت المغرب، (74 ظ) فعاود الأفرنج الزحف إليه، و طلعوا البرج، و ركبوا سور البلد، فانهزم الناس عنه، و هجموا البلد فملكوه، و انهزم بعض أهله إلى المحراب، و قتل خلق كثير و جمع اليهود في الكنيسة و أحرقوها عليهم، و تسلموا المحراب بالأمان في الثاني و العشرين من شعبان من السنة، و هدموا المشاهد و قبر الخليل (عليه السلام).

و وصل الأفضل في العساكر المصرية و قد فات الأمر، فانضاف إليه عساكر الساحل، و نزل بظاهر عسقلان في رابع عشر شهر رمضان، منتظرا لوصول الإسطول في البحر و العرب، فنهض عسكر الأفرنج إليه، و هجموا عليه في خلق عظيم، فانهزم العسكر المصري إلى ناحية

237

عسقلان، و دخل الأفضل إليها، و تمكنت سيوف الأفرنج من المسلمين، فأتى القتل على الراجل و المطوعة و أهل البلد، و كانوا زهاء عشرة آلاف نفس، و نهب العسكر، و توجه الأفضل في خواصه إلى مصر، و ضايقوا عسقلان إلى أن قرروا عليها بعده للأفرنج عشرين ألف دينار، تحمل إليهم، و شرعوا في جبايتها من أهل البلد، فاتفق حدوث الخلف بين المقدمين، فرحلوا و لم يقبضوا من المال شيئا، و حكي أن الذين قتلوا في هذه الوقعة من أهل عسقلان من شهودها و تنائها و تجارها و أحداثها، سوى أجنادها ألفان و سبعمائة نفس.

سنة ثلاث و تسعين و أربعمائة

في صفر منها ورد الخبر بوصول السلطان بركيارق إلى بغداد، بعد أن جرى بينه و بين أخيه السلطان محمد تبر خلف و حرب، استظهر فيها عليه، و غلبه على مدينة أصفهان و حصل بها.

و توجه الملك شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة من دمشق في عسكره إلى ديار بكر لتسلمها من المستولي عليها، و وصل إلى الرحبة في البرية، و وصل إلى ديار بكر و تسلم ميافارقين، و رتب فيها من يحفظها و يذب عنها.

و في رجب منها خرج بيمند ملك الأفرنج صاحب أنطاكية إلى حصن أفامية، و نزل عليه، و أقام أياما و أتلف زرعه و وصل الخبر بوصول الدانشمند (1) إلى ملطية في عسكره من الأتراك، في خلق عظيم و من عسكر (قلج أرسلان بن) سليمان بن قتلمش، فعاد بيمند، عند معرفة ذاك إلى أنطاكية، و جمع و حشد، و قصد عسكر المسلمين، فنصر الله تعالى المسلمين عليه، و قتلوا من حزبه خلقا كثيرا (75 و) و حصل في قبضة

____________

(1) أنوشتكين الدانشمند، و عند ابن العديم حدثت المعركة على أرض مرعش، زبدة الحلب: 2/ 508- 509.

238

الأسر مع نفر من أصحابه، و نفذت الرسل إلى نوابه بأنطاكية يلتمسون تسليمها، في العشر الثاني من شهر صفر سنة ثلاث و تسعين و أربعمائة.

و فيها وردت الأخبار بأن الآبار غارت في عدة جهات من أعمال الشمال، و المنابع في أكثر المعاقل، و قلت و تقلصت الأسعار فيها.

سنة أربع و تسعين و أربعمائة

فيها جمع الأمير سكمان بن أرتق خلقا كثيرا من التركمان، و زحف بهم إلى أفرنج الرها و سروج، في شهر ربيع الأول و تسلم سروج و اجتمع إليه خلق كثير، و حشد الأفرنج أيضا، و التقى الفريقان، و قد كان المسلمون مشرفين على النصر عليهم، و القهر لهم، فاتفق هروب جماعة من التركمان، فضعفت نفسه و انهزم، و وصل الأفرنج إلى سروج، فتسلموها و قتلوا أهلها و سبوهم، إلا من أفلت منهم هزيما.

(و) في هذه السنة توفي القاضي الفقيه الإمام أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن عقيل بن زيد الشهرزوري الواعظ، (رحمه الله)، يوم الإثنين السابع من المحرم منها.

و في هذه السنة وصل كندفري صاحب بيت المقدس إلى ثغر عكا، و أغار عليه فأصابه سهم فقتله، و كان قد عمر يافا و سلمها إلى طنكري، فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرها إلى بيت المقدس، في خمسمائة فارس و راجل، فجمع شمس الملوك دقاق عند معرفته خبر عبوره، و نهض إليه معه الأمير جناح الدولة صاحب حمص، فلقوه بالقرب من ثغر بيروت، فسارع نحوه جناح الدولة في عسكره فظفر به و قتل بعض أصحابه.

و فيها افتتح الأفرنج حيفا، على ساحل البحر بالسيف، و أرسوف بالأمان، و أخرجوا أهلها منها، و في آخر رجب منها فتحوا قيسارية بالسيف، و قتلوا أهلها، و نهبوا ما فيها، و أعانهم الجنويون عليها.

239

و فيها ورد الخبر بقرب السلطان بركيارق من بغداد في عسكره، طالبا للقاء أخيه محمد (1)، فأسر و قتل و أخذ وزيره و جماعة من مقدميه، و أمر بقتلهم، و توجه من وقته إلى ناحية أصفهان، فنزل عليها عند وصوله إليها، و تقرر أمرها بحيث ملكها، و حصل فيها و هي دار السلطنة و استقام (75 ظ) له الأمر بها.

و فيها تقدم الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ببغداد بالقبض على عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير وزيره، و على نوابه و أسبابه و مصادرتهم، و قتلهم لأشياء نقمها عليه‏ (2)، و منكرات عزيت إليه.

و في شعبان منها أرسل القاضي ابن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك، يلتمس منه انفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه ثغر جبلة، و يصل إلى دمشق بماله و حاله، و يسيره إلى بغداد تحت الحوطة و الأمان و الحماية، و جميل الرعاية، فأجابه إلى ما اقترحه، و وعده بتحقيق أمله، و ندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري، و كان الملك شمس الملوك دقاق غائبا عن دمشق في ديار بكر، فعاد عنها، و دخل إلى دمشق في أول شوال من السنة، و تقررت الحال على ما التمس ابن صليحة، و توجه تاج الملوك في أصحابه إلى جبلة، فتسلمها، و انفصل ابن صليحة عنها، و وصل دمشق بأصحابه و أسبابه و كراعه و دوابه و كل ما تحويه يده من مال و أثاث و حال، فأكرم مثواه، و أحسن لقياه، و أقام ما أقام بدمشق و سير إلى بغداد مع فرقة وافرة من الأجناد،

____________

(1) في الأصل: «طالبا للقاء أخيه السلطان بركيارق بعسكر أخيه محمد فأسر و قتل و أخذ وزيره ...» و شكل هذه الجملة المتداخلة يوحي بوجود سقط أو خطأ من قبل الناسخ، ثم إنها تفيد بأن بركيارق هزم و قتل، و أسر وزيره، و هذا ما لم يحدث، فالذي هزم هو السلطان محمد، و الذي أسر و قتل هو وزير محمد «مؤيد الملك أبو بكر عبد الله بن نظام الملك» لأنه سبق له أن أو عز بقتل الخاتون زبيدة أم بركيارق. انظر مرآة الزمان- أخبار سنة 494 ه. تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصفهاني- ط. القاهرة: 190 ص: 79- 81.

(2) ذكره سبط ابن الجوزي في وفيات سنة/ 493/ و قال بعد ما تحدث عن أعماله و المناصب التي شغلها: «ثم آل أمره إلى أن حبسه الخليفة في داره و أخرج ميتا في شوال، فحمل إلى داره فغسل فيها، و دفن ...».

240

بجميع ما يملكه، و حصل بها، و اتفق له من و شى بماله، و عظم سعة حاله إلى السلطان، فنهب و اشتمل على ما كان يملك.

و أما تاج الملوك فإنه لما ملك ثغر جبلة، و تمكن هو و أصحابه فيها أساؤوا إلى أهله، و قبحوا السيرة فيهم، و جروا على غير العادة المرضية من العدل و الإنصاف، فشكوا حالهم فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمار المتغلب على ثغر طرابلس لقربها منهم، فوعدهم المعونة على مرادهم و إسعادهم بالانقاذ لهم، و أنهض إليهم عدة وافرة من عسكره فدخلت الثغر، و اجتمعت مع أهله على الأتراك، فقهروهم و أخرجوهم منه، و ملكوه و قبضوا تاج الملوك، و حملوه إلى طرابلس، فأكرمه فخر الملك و أحسن إليه، و سيره إلى دمشق، و كتب إلى والده أتابك يعرفه صورة الحال، و يعتذر إليه مما جرى.

و فيها قبض الملك شمس الملوك دقاق على أمين الدولة أبي محمد الصوفي، رئيس دمشق و صالحه على جملة من المال يحملها إلى خزانته، و أطلقه من الاعتقال، و أقره على رئاسته.

و في هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف مع الأمير سعد الدولة المعروف بالعواسي و وصل إلى (76 و) عسقلان لجهاد الأفرنج في أول شهر رمضان، و أقام بحيث هو إلى ذي الحجة منها، و رحل من عسقلان، و نهض إليه من الأفرنج ألف فارس و عشرة آلاف راجل، و التقى الفريقان فكسرت ميمنة المسلمين و ميسرتهم و تبعوهم، و بقي سعد الدولة المقدم في نفر يسير من عسكره في القلب، فحمل الأفرنج عليه، و طلب الثبات، فعاجله القضاء، و كبا به جواده، و سقط عنه إلى الأرض، فاستشهد مكانه (رحمه الله)، و مضى شهيدا مأجورا، و عاد المسلمون على الأفرنج، و تذامروا عليهم، و بذلوا النفوس في الكرة إليهم، فهزموهم إلى يافا، و قتلوا منهم و أسروا، و غنموا و كانت العقبى الحسنة لهم، و لم يفقد إلا نفر يسير منهم.

241

و فيها انكفأ الأمير كربوقا صاحب الموصل و الجزيرة عن السلطان بركيارق لمشاهدة أحوال ولايته، و استعادة المخالفين إلى طاعته، فلما وصل إلى مراغة عرض له مرض الموت، و اشتد به، و توفي هناك، و سار إلى ربه.

و في هذه السنة وصل السلطان بركيارق بن ملك شاه إلى بغداد، منهزما من أخيه السلطان محمد في آخرها (1).

سنة خمس و تسعين و أربعمائة

و في هذه السنة وردت الأخبار بما أهل خراسان و العراق و الشام عليه، من الخلاف المستمر و الشحناء و الحروب و الفساد، و خوف بعضهم من بعض، لاشتغال الولاة عنهم و النظر في أحوالهم بالخلف و المحاربة.

و فيها وصل قمص‏ (2) الرها، مقدم الأفرنج في عسكره المخذول إلى ثغر بيروت، فنزل عليه طامعا في افتتاحه، و حاربه و ضايقه و طال مقامه عليه، و لم يتهيأ فيه مراد فرحل عنه.

و وردت مكاتبات فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يلتمس فيها المعونة على دفع ابن صنجيل النازل في عسكره من الأفرنج على طرابلس، و يستصرخ بالعسكر الدمشقي، و يستغيث بهم، فأجيب إلى ما التمس، و نهض العسكر نحوه، فاجتمعوا في عدد دثر و قصدوا ناحية أنطرطوس، و نهد الأفرنج إليهم في جمعهم و حشدهم، و تقارب الجيشان و التقيا هناك، فانفل عسكر المسلمين من عساكر المشركين، و قتل منهم‏

____________

(1) تحالف محمد مع أخيه سنجر ضد بركيارق، و قدم الاثنان إلى بغداد، فهرب منها بركيارق إلى واسط ثم إلى الجبل. مرآة الزمان- أخبار سنة 494.

(2) كان بلدوين الأول أخو غودفري في بولليون هو كونت الرها و مؤسس الحكم الصليبي فيها ثم صار ملك القدس بعد وفاة أخيه. و قد أرخ كاتب سرياني مجهول لمملكة الرها حتى سقوطها، و قمت مؤخرا بترجمة هذا النص و أودعته مع نصوص سريانية أخرى في المجلد الخامس من موسوعتنا.

242

الخلق الكثير، و قفل من سلم إلى دمشق و حمص بعد فقد من (76 ظ) فقد منهم، و وصلوا في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة.

و فيها وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة المستعلي بالله أمير المؤمنين ابن المستنصر بالله صاحب مصر، في صفر منها، و عمره سبع و عشرون سنة، و مولده سنة ثمان و ستين و أربعمائة، و كانت مدة أيامه سبع سنين و شهرين، و نقش خاتمه «الإمام المستعلي بالله أمير المؤمنين»، و كان حسن الطريقة، جميل السيرة في كافة الأجناد و العسكرية، و سائر الرعية، لازما قصره كعادة أبيه المستنصر بالله منكفيا بالافضل سيف الاسلام ابن أمير الجيوش، فيما يريده، بأصالة رأيه و صواب تقديره و امضائه، و قام في الأمر بعده ولده أبو علي المنصور بن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد، و أخذ له البيعة على الأجناد و الأمراء، و كافة الرعايا و الخدم و الأولياء، الأفضل السيد أبو القاسم شاهنشاه ابن أمير الجيوش، و أجلسه في منصب أبيه عقيب وفاته، و لقب بالآمر بأحكام الله، و استقام له الأمر بحسن تدبير الأفضل، و انتظمت به الأحوال على غاية المباغي و الآمال.

و في هذه السنة خرجت العساكر المصرية من مصر، لإنجاد ولاة الساحل في الثغور الباقية في أيديهم منها على منازليهم من أحزاب الأفرنج، و وصلت إلى عسقلان في رجب، و لما عرف بغدوين قمص بيت المقدس وصولهم، نهض نحوهم في جمعه من الأفرنج في تقدير سبعمائة فارس و راجل، اختارهم، فهجم بهم على العسكر المصري، فنصره الله على حزبه المفلول، و قتلوا أكثر خيله و رجالته، و انهزم إلى الرملة في ثلاثة نفر، و تبعوه و أحاطوا به، فتنكر و خرج في غفلة منهم، و قصد يافا، و أفلت منهم، فكان قد اختفى في أجمة قصب حين تبع، و أحرقت تلك الأجمة، و لحقت النار بعض جسده و نجا منها، و حصل بيافا، فأوقع السيف في أصحابه و قتل و أسر من ظفر به في الرملة من رجاله و أبطاله، و حملوا إلى مصر في آخر رجب من السنة.

243

و في هذا الوقت وصلت مراكب الأفرنج في البحر، تقدير أربعين مركبا، و وردت الأخبار بأن البحر هاج بها، و اختلفت أرياحه عليها، فعطب أكثرها، و لم يسلم منها إلا القليل، و كانت مشحنة بالرجال و المال.

سنة ست و تسعين و أربعمائة

(77 و) فيها برز الملك شمس الملوك دقاق و ظهير الدين أتابك من دمشق، في العسكر، و قصد الرحبة، و نزل عليها، و ضايق من بها، و قطع أسباب الميرة عنها، و أصرّ بالمضايقة إلى أن اضطر المقيم بها إلى طلب الأمان له و لأهل البلد، فأمنوا، و سلمت إليه بعد القتال الشديد، و الحرب المتصلة في جمادى الآخرة منها، و رتب أمرها، و ندب من رآه من الثقات لحفظها، و قرر أحوال من بها، و رحل عنها في يوم الجمعة الثاني و العشرين منها، منكفئا إلى دمشق.

و فيها ورد الخبر من حمص، بأن صاحبها الأمير جناح الدولة حسين أتابك، نزل من القلعة إلى الجامع، لصلاة الجمعة و حوله خواص أصحابه بالسلاح التام، فلما حصل بموضع مصلاه على رسمه، و ثب عليه ثلاثة نفر عجم من الباطنية و معهم شيخ، يدعون له و يستميحونه، في زي الزهاد، فوعدهم، فضربوه‏ (1) بسكاكينهم، و قتلوه و قتلوا معه جماعة من أصحابه، و كان في الجامع عشرة نفر من متصوفة العجم و غيرهم، فاتهموا، و قتلوا صبرا مظلومين في الوقت عن آخرهم.

و انزعج أهل حمص لهذا الحادث و أجفلوا في الحال، و هرب أكثر سكانها من الأتراك إلى دمشق، و اضطربت الأحوال بها، و راسلوا الملك شمس الملوك بدمشق يلتمسون إنفاذ من يتسلم حمص، و يعتمد عليه في حمايتها، و الذب عنها قبل انتهاء الخبر إلى الافرنج، و امتداد أطماعهم‏

____________

(1) في ترجمة جناح الدولة حسين لابن العديم جاء «و كان قتله .... بتدبير الحكيم أبي الفتح المنجم الباطني، و رفيقه أبي طاهر، و قيل كان ذلك بأمر رضوان و رضاه». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 378.

244

فيها، فسار الملك شمس الملوك و ظهير الدين أتابك في العسكر من دمشق، و وصل إلى حمص، و تسلمها، و حصل في قلعتها، و وافق ذلك وصول الأفرنج إليها، و نزولهم على الرستن لمضايقتها و منازلتها، فحين عرفوا ذلك أحجموا عن القرب إليها و الدنو منها، و رحلوا عنها.

و قد كان المعروف بالحكيم المنجم الباطني، صاحب الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب أول من أظهر مذهب الباطنية في حلب و الشام، و هو الذي ندب الثلاثة النفر لقتل جناح الدولة بحمص، و ورد الخبر بهلاكه بعد الحادثة بأربعة عشر (1) يوما.

و لما رتب شمس الملوك أمر حمص، و قرر أحوالها، و انكفأ عائدا إلى دمشق في أول شهر رمضان، خرجت العساكر المصرية من مصر إلى البر، و الاسطول في البحر مع شرف المعالي ولد الأفضل شاهنشاه، و كتب في استدعاء المعونة على (77 ظ) الجهاد، و بنصرة العباد و البلاد، بإنفاذ العسكر الدمشقي، فأجيب إلى ذلك، و عاقت عن مسيره أسباب حدثت، و صوادف صدفت، و وصل اسطول البحر، نزل على يافا آخر شوال، و أقام أياما و تفرق الاسطول و العساكر إلى الساحل و كانت الأسعار بها قد ارتفعت، و الأقوات قد قلت، فصلحت بما وصل من الاسطول من الغلة و رخص الأسعار، إلا أن غارات الأفرنج متصلة عليها.

و في ذي القعدة من السنة تواترت الأخبار بخروج قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، من بلاد الروم طالبا أنطاكية، و وصوله إلى قريب من مرعش، و جرى بينه و بين الأمير الدانشمند صاحب ملطية خلف و منازعة، أوجبت عوده عليه، و ايقاعه به، و فل عسكره، و الفتك برجاله، و لما انكفأ يعد ذلك قيل إنه وصل إلى الشام، و أرسل رسوله إلى حلب يلتمس الأذن للسفار بالوصول إلى عسكره بالمير و الأزواد، و ما يحتاج إليه سائر العسكرية و الأجناد، فسر الناس بذلك و تباشروا به.

____________

(1) في بغية الطلب لابن العديم: «و بقي المنجم الباطني بعده أربعة و عشرين يوما و مات».

مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 378.

245

سنة سبع و تسعين و أربعمائة

في رجب منها وردت الأخبار بوصول مراكب الأفرنج في البحر من بلادهم إلى ظاهر اللاذقية مشحونة بالتجار و الأجناد و الحجاج، و غير ذلك، و أن صنجيل المنازل لطرابلس استنجد بهم على طرابلس، في مضايقتها و المعونة على ملكتها، و أنهم وصلوا إليه فاجتمعوا معه على منازلتها و مضايقتها، فقاتلوها أياما و رحلوا عنها، و نزلوا على ثغر جبيل فقاتلوه و ضايقوه و ملكوه بالأمان، فلما حصل في ملكتهم، غدروا بأهله، و لم يفوا بما بذلوه من الأمان و صادروهم، و استنفدوا أحوالهم و أموالهم بالعقوبات و أنواع العذاب.

و ورد الخبر باجتماع الأميرين: سكمان بن أرتق، و جكرمش صاحب الموصل في عسكرهما [و أنهما] تعاهدا و تعاقدا على المجاهدة في أعداء الله الأفرنج، و بذل الطاقة و الاستطاعة في حربهم، و نزلا في أوائل شعبان من السنة برأس العين، و نهض بيمند و طنكري في عسكريهما من ناحية أنطاكية إلى الرها لإنجاد صاحبها على الأميرين المذكورين، فلما قربا من عسكر المسلمين النازلين على الرها، تأهب كل من الفريقين للقاء صاحبه، فالتقوا في تاسع شعبان فنصر الله المسلمين عليهم، و هزموهم و قتلوا منهم (78 و) مقتلة كبيرة، و كانت عدتهم تزيد على عشرة آلاف فارس و راجل سوى السواد و الأتباع، و انهزم بيمند و طنكري في نفر يسير، و كان نصرا حسنا للمسلمين لم يتهيأ مثله و ضعفت نفوس الأفرنج، و قلت عدتهم، و فلت شوكتهم و شكتهم و قويت نفوس المسلمين و أرهفت‏ (1) عزائمهم في نصرة الدين، و مجاهدة الملحدين، و تباشر الناس بالنصر عليهم، و أيقنوا بالنكاية فيهم، و الإدالة منهم.

و في هذا الشهر ورد الخبر بنزول بغدوين ملك الأفرنج، صاحب بيت المقدس، في عسكره على ثغر عكا، و معه الجنويون في المراكب في‏

____________

(1) تكررت «و أرهفت بالأصل».

246

البحر و البر، و هم الذين كانوا ملكوا ثغر جبيل في نيف و تسعين مركبا، فحصروه من جهاته و ضايقوه من جوانبه، و لازموه بالقتال إلى أن عجز و اليه و رجاله عن حربهم، و ضعف أهله عن المقاتلة لهم، و ملكوه بالسيف قهرا، و كان الوالي به الأمير زهر الدولة نبأ (1) الجيوشي قد خرج منه لعجزه عن حمايته، و ضعفه عن المراماة دونه، و أنفذ يلتمس منهم الأمان له و لأهل الثغر، ليأسه من وصول نجدة أو معونة، فلما ملك الثغر تم على حاله منهزما إلى دمشق، فدخلها و أكرمه ظهير الدين أتابك، و أحسن تلقيه، و كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس لثلاث بقين من شعبان، و تقدم شمس الملوك دقاق و ظهير الدين أتابك في حقه، بما طيب نفسه و أكد أنسه، و أقام بدمشق إلى أن تسهلت له السبيل في العود إلى مصر، فتوجه إليها عائدا، و وصل إليها سالما، و أوضح عذره فيما تم عليه من الغلبة، فقبل عذره بعد الإنكار عليه، و الغيظ من فعله.

و في هذه السنة عرض للملك شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج الدولة، صاحب دمشق، مرض تطاول، و وقع معه تخليط الغذاء، أوجب انتقاله إلى علة الدق، فلم يزل به و هو كل يوم في ضعف و نقص، فلما أشفى و وقع اليأس من برءه، و انقطع الرجاء من عافيته‏ (2)، تقدمت إليه والدته الخاتون صفوة الملك بأن يوصي بما في نفسه، و لا يترك أمر الدولة و ولده سدى، فعند ذلك نص على الأمير ظهير الدين أتابك في الولاية بدمشق من بعده، و الحضانة لولده الصغير تتش بن دقاق بن تاج‏

____________

(1) كذا في الأصل، و في النفس شي‏ء منه، و لم أجد في المتوفر من المصادر المتوفرة ما يفيد حوله، و لعل عبارة «نبأ» زائدة فحين أورد سبط ابن الجوزي الخبر قال: «و كان و اليها زهر الدولة الجيوشي».

(2) أورد ابن عساكر في تاريخه سببا غير هذا لوفاة دقاق حيث قال: «ثم عرض لدقاق مرض تطاول به، و توفي منه في الثاني عشر من رمضان سنة سبع و تسعين و أربعمائة، و إن أمه زيّنت له جارية، فسمته في عنقود عنب معلق في شجرته، ثقبته بإبرة فيها خيط مسموم، و إن أمه ندمت على ذلك بعد الفوت، و أومأت إلى الجارية أن لا تفعل، فأشارت إليها أن قد كان، و تهرى جوفه، فمات».

مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية 386.

247

الدولة إلى حين يكبر، و إحسان تربيته، و ألقى إليه ما كان في نفسه، و توفي إلى جنة الله في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان من السنة (1).

و قد (78 ظ) كان ظهير الدين أتابك قبل هذه الحال في عقابيل مرض أشفى منه، و تداركه من الله تعالى العافية، و أبل من مرضه، و شرع في إحسان السيرة في العسكرية و الرعية، و أحسن إلى الأمراء و المقدمين من الدولة، و أطلق يده من الخزانة في الخلع و التشريفات و الصلات و الهبات، و أمر بالمعروف، و نهى عن المنكر، و أقام الهيبة على المفسدين المسيئين، و بالغ في الإحسان إلى المطيعين و المحسنين، و تألف القلوب بالعطاء، و استمال الجانح بالتودد و الحباء، و استقامت له الأمور، و أجمع على طاعته الجمهور، و قد كان الملك شمس الملوك قد حمل على الرئيس أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق، إلى أن قبض عليه في سنة ست و تسعين و أربعمائة، و بقي معتقلا إلى أن قررت عليه مصالحه نهض فيها، و قام بها، و بعد ذلك عرض له مرض قضى فيه محتوم نحبه، و صار منه إلى ربه و قام بعده في منصبه ولده أبو المجلي سيف و أخوه أبو الذواد المفرج، و كتب لهما المنشور في الاشتراك في الرئاسة، و أحضرهما ظهير الدين أتابك، عقيب وفاة شمس الملوك، و طيب نفسيهما، و وكد الوصية عليهما في استعمال النهضة في سياسة الرعايا، و إنهاء أحوالها فيما يستمر من صلاح و فساد، ليقابل المحسن إليها بالإحسان، و الجاني عليها بالتأديب و الهوان، فامتثلا أوامره و عملا بأحكامه.

و كان الملك شمس الملوك (رحمه الله)، قبل وفاته قد سير أخاه الملك أرتاش ابن السلطان تاج الدولة إلى حصن بعلبك، ليكون به معتقلا عند واليه فخر الدولة- خادم أبيه- كمشتكين التاجي، فرأى ظهير

____________

(1) نقل سبط ابن الجوزي عن ابن القلانسي خبر وفاة دقاق و زاد في نقله «و دفن على الشرف الشمالي بدمشق بقبة الطواويس». أخبار سنة- 497-.

248

الدين أتابك في حكم ما يلزمه لأولاد تاج الدولة أن يراسل‏ (1) الخادم المذكور في إطلاقه و إحضاره إلى دمشق، فوصل إليها، و تلقاه و أكرمه و بجله و خدمه، و أقامه في منصب أخيه شمس الملوك، و تقدم إلى الأمراء و المقدمين و الأجناد بالطاعة لأمره، و المناصحة في خدمته، و أجلسه في دست المملكة، في يوم السبت لخمس بقين من ذي الحجة سنة سبع و تسعين و أربعمائة فاستقامت بذلك الأمور و سكنت إليه نفوس الجمهور.

و اتفق للأمر المقضي الذي لا يدافع، و المحتوم الذي لا يمانع، من سعى في إفساد هذا التدبير، و نقض هذا التقرير، فأوحش الملك محيي الدين أرتاش من ظهير الدين أتابك، (79 و) و من الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك، و أوقعت أمه في نفسه الخوف منهما، و أوهمته أنهما ربما عملا عليه فقتلاه، و الأمر بالضد مما نقله الواشي إليه و ألقاه، فخاف منهما و حسن له الخروج من دمشق و مملكتها، و العود إلى بعلبك لتجتمع إليه الرجال و العسكرية، فخرج منها سرا في صفر سنة ثمان و تسعين و أربعمائة و خرج ايتكين الحلبي صاحب بصرى هاربا، لتقرير كان بينهما في هذا الفساد، فعاثا في ناحية حوران، و راسلا بغدوين ملك الأفرنج بالاستنجاد به، و توجها نحوه، و أقاما عنده مدة بين الافرنج بحرضانه على المسير إلى دمشق، و يبعثانه على الإفساد في أعمالها، فلم يحصلا منه على حاصل، و لا ظفرا بطائل، فحين يئسا من المعونة، و خاب أملهما في الإجابة، توجها إلى ناحية الرحبة في البرية (2)، و استقام الأمر بعدهما

____________

(1) في الأصل: «أن أرسل الخادم» و التقويم من مرآة الزمان- أخبار سنة 498- حيث النقل عن ابن القلانسي.

(2) أورد سبط ابن الجوزي- أخبار سنة 498- أنهما عادا من الرحبة إلى بصرى «فخرج طغتكين بالعساكر و نازل بصرى و حصرهما فيها، و اتفق خروج العسكر المصري في عشرة آلاف مع الأمير شمس المعالي ولد الأفضل، و كوتب طغتكين بالمسير معه إلى قتال الفرنج، و كان نازلا على بصرى، فامتنع، ثم رأى تقديم الجهاد، فسار إلى العسكر المصري، و التقى المسلمون و الفرنج، فانهزم عسكر المصريين إلى عسقلان، و عسكر طغتكين إلى بصرى، و وجد أرتاش و ايتكين قد خرجا منها إلى الرحبة، فأمن أهل بصرى، و سلموها إليه، فلم يتعرض لهم، و طيب قلوبهم».

249

لظهير الدين أتابك، و تفرد بالأمر، و استبد بالرأي، و حسنت أحوال دمشق و أعمالها بأيالته، و عمرت بجميل سياسته، و قضى الله تعالى بوفاة تتش ولد الملك شمس الملوك دقاق المقدم ذكره في هذه الأيام و اتفق أن الأسعار رخصت، و الغلات ظهرت، و انبسطت الرعية في عمارة الأملاك في باطن دمشق، و ظاهرها لإحسان سيرته و إجمال معاملته، و بث العدل فيهم، و كف أسباب الظلم عنهم.

و في هذه السنة ورد الخبر من ناحية طرابلس بظهور فخر الملك ابن عمار، صاحبها في عسكره و أهل البلد، و قصدهم الحصن الذي بناه صنجيل عليهم‏ (1) و أنهم هجموا عليه على غرة ممن فيه، فقتل من به و نهب ما فيه، و أحرق، و أخرب، و أخذ منه السلاح و المال و الديباج و الفضة الشي‏ء الكثير، و عاد إلى طرابلس سالما غانما، في التاسع عشر من ذي الحجة، و قيل ان بيمند صاحب أنطاكية ركب في البحر، و مضى إلى الأفرنج يستصرخهم، و يستنجد بهم على المسلمين في الشام، و أقام مدة، و عاد منهم منكفئا إلى أنطاكية.

سنة ثمان و تسعين و أربعمائة

فيها عرض لظهير الدين أتابك مرض اشتد به، و لازمه، و خاف منه على نفسه، و أشفق على أهله و ولده و أصحابه و رعيته إن تم عليه أمر، و تواصلت مكاتبات فخر الملك ابن عمار (79 ظ) و رسله من طرابلس بالاستصراخ و الاستنجاد على الأفرنج النازلين عليها، و البعث على تعجيل إعانته بمن يصل إليه من العساكر، لكشف غمته، و تفريج كربته، و قد كان الأمير سكمان بن أرتق، و الأمير جكرمش صاحب الموصل، قد اتفقا على الجهاد في المشركين، و نصرة المسلمين، فنتج لظهير الدين فكرة، و رأى‏ (2) فيما نزل به من المرض المخوف أن يرسل [إلى‏] الأمير سكمان بن‏

____________

(1) أقيم هذا الحصن على تلة أبي سمرة الحالية الواقعة على الضفة اليسرى من نهر قاديشا، و هي التي كانت تعرف بتلة الحجاج. طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي: 95- 96.

(2) في الأصل: «و رأيه» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا بناء على رواية سبط ابن الجوزي.

250

أرتق، يستدعي وصوله إلى دمشق في عسكره، ليوصي إليه، و يعتمد في حماية دمشق عليه، و نفذت إليه أيضا مكاتبة ابن عمار، بتحريضه على المسارعة إلى ذلك، و القصد لنصرته، و بذل له مالا جزيلا على معونته و نصرته، فحين وقف على مضمون المكاتبات أجاب إلى المقترح عليه، و سارع إليه، و ثنى عنانه إلى دمشق مغذا في سيره، مواصلا لجده و تشميره، و قطع الفرات إلى ما حض عليه و المغارات، فلما وصل إلى القريتين، و اتصل خبره إلى أتابك، لامه أصحابه و خواصه على ما فرط في تدبيره، و عنفوا رأيه فيما استدعاه، و خوفوه عاقبة ما أتاه، و قالوا له: و ليت الأمير سكمان بن أرتق دمشق، و أخرجتها من يدك، كيف يكون حالك و أحوالنا، أو ليس قد عرفت نوبة أتسز، لما استدعى السلطان تاج الدولة ابن ألب أرسلان، و سلم إليه دمشق، و كيف بادر بإهلاكه و لم يمهله و لا أهله فعند ذلك أفاق لغلطته، و تنبه لغفلته، و ندم ندامة الكسعي‏ (1) و زاده هذا الأمر مرض الفؤاد مع مرض الجسم، و بينما هو و أصحابه من التفكير فيما يعتمد من أمره و يدبر به حاله عند وصوله‏ (2)، و الخبر ورد من القريتين بأن الأمير سكمان ساعة وصوله في عسكره إلى القريتين، و نزوله، لحقه مرض شديد، و قضى منه محتوم نحبه، و صار إلى رحمة ربه، و حمله أصحابه في الحال، و رحلوا عائدين به، فسر أتابك بهذا الحال سرورا زائدا، كان معه بدء سعادته، و عود برئه إلى جسمه و عافيته، فسبحان مدبر الخلق بحكمته و مسبب الأسباب بقدرته، و قصدوا ناحية الجزيرة، و ذلك في أول صفر من السنة.

و في هذه السنة وردت الأخبار بهلاك صنجيل مقدم الأفرنج النازلين على ثغر طرابلس، في رابع جمادى الأولى، بعد أن كان الأمر استقر بينه‏

____________

(1) الكسعي هو محارب بن قيس و قيل غامد بن الحارث، له قصة ذكرها الميداني في مجمع الأمثال- المثل رقم 4292- و بين في نهايتها أنه كسر قوسه «فندم على كسر القوس، فشد على ابهامه فقطعها».

(2) مرآة الزمان- أخبار سنة 498- أن طغتكين كتب إلى سكمان و هو في القريتين يقول:

«تثبت مكانك، فأنا خارج إلى خدمتك، فاتفق أن سكمان مرض ....».

251

و بين فخر الملك ابن عمار، صاحب طرابلس من المهادنة، على أن يكون ظاهر طرابلس لصنجيل بحيث لا (80 و) يقطع الميرة عنها، و لا يمنع المسافرين منها.

و في أول السنة ورد الخبر بوصول السلطان محمد تبر بن ملك شاه إلى الموصل، و نزوله عليها و خروج الأمير جكرمش صاحبها إليه، باذلا له الطاعة، و شروط الخدمة، و رحل عنها.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان بركيارق بن السلطان ملك شاه (رحمه الله)، بنهاوند، بعد أن تقررت الحال بينه و بين أخيه، بحيث تكون مملكة خراسان بأسرها للسلطان أبي الحارث سنجار و أصفهان و أعمالها، و بغداد و ما والاها برسم السلطان بركيارق، و السلطنة له، و أرمينية و أذربيجان و ديار بكر و الموصل و الجزيرة و الشام و ما يليها للسلطان محمد تبر.

و توجهت عساكر السلطان بركيارق بعد وفاته إلى بغداد، و مقدمها الأمير إياز معه الأمير صدقة بن مزيد بن دبيس، و توجه السلطان محمد إلى بغداد أيضا، فلما عرف الأمير إياز خبره خاف منه على نفسه، فهرب منه و معه ولد السلطان بركيارق، و دخل السلطان محمد بغداد، و وصل إليه الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد الأسدي، و استقر أمره معه، و عرف إياز أن حاله لا تستقر إلا بالعود إلى طاعة السلطان محمد، و الدخول في جملته، و الكون في خدمته، فراسله و التمس الأمان منه، و التوثقة باستحلافه على الوفاء بما عاهده عليه، فأجابه إلى ما رامه منه، و وصل إليه في العسكر مع ولد السلطان بركيارق، و كان طفلا صغيرا، فانضاف في جملته مع عسكره، فلما كان بعد أيام غدر بإياز، و نكث عهده، و أخلف وعده، و قبض عليه و هو آمن مطمئن بما توثق به من إيمانه و قتله، و جعل سبب هذا الفعل أمورا أسرها في نفسه، و أوردها و احتج بأمور أضمرها و عددها، ليعذر في فعله، و ما هو بمعذور في فعله و لا بمشكور.

252

و في أول شعبان توجه ظهير الدين أتابك إلى بعلبك في العسكر، و نزل عليها متنكرا على كمشتكين الخادم التاجي و اليها، لأسباب انتهت إليه عنه فأنكرها منه، فلما نزل عليه و ضايقه و عرف ما في نفسه، أنفذ إليه يبذل الطاعة و الخدمة، و الانكار لما افتري به عليه، و التنصل مما نسب إليه و الحلف على البراءة مما اختلق من المحال عليه، فصفح له عن ذلك، و رضي عنه، و قرر (80 ظ) أمره، و أوعز بكف الأذية عن ناحيته، و رحل عنها متوجها إلى ناحية حمص، و قصد رفنية، و نزل عليها، و وفد عليه خلق كثير من جبل بهراء (1)، فهجموا رفنية على حين غفلة من أهلها، و غرة من مستحفظها، و قتلوا من بها، و بأعمالها، و الحصن المحدث عليها من الأفرنج، و أحرق ما أمكن إحراقه في الحصن و غيره، و هدم الحصن، و ملكت أبراج رفنية، و قتل من كان فيها، و عاد العسكر إلى حمص.

و في رجب خرج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب، و جمع خلقا كثيرا، و عزم على قصد طرابلس لمعونة فخر الملك بن عمار على الأفرنج النازلين عليه، و كان الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلموا إليه الحصن، لما شملهم من جور الأفرنج، و تزايد ظلمهم، فلما عرف طنكري ذلك، خرج من أنطاكية لقصد أرتاح، و استعادتها، و جمع من في أعماله من الأفرنج، و نزل عليها، و توجه نحو فخر الملوك في عسكره لإبعاده عنها، و قد جمع و حشد من أمكنة من عمل حلب، و الأحداث الحلبيين، لقصد الجهاد، فلما تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين، فثبت راجل المسلمين، و انهزمت الخيل، و وقع القتل في الرجالة، و لم يسلم منهم إلا من كتب الله سلامته، و وصل الفل إلى حلب و أحصي المفقود من الخيل و الرجل، فكان تقدير ثلاثة آلاف نفس، و حين عرف ذلك من كان في أرتاح من المسلمين، هربوا بأسرهم منها، و قصد الأفرنج‏

____________

(1) جبال النصيرية أو العلويين حاليا.

253

بلد حلب، فأجفل أهله منه، و نهب من نهب، و سبي من سبي، و ذلك في الثالث من شعبان، و اضطربت أحوال من بالشام بعد الأمن و السكون‏ (1).

و في هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف يزيد على عشرة آلاف فارس و راجل مع الأمير شرف المعالي ولد الأفضل، و كوتب ظهير الدين أتابك بالاستدعاء للمعونة و الاعتضاد إلى جهاد الكفرة و الأضداد، فلم يتمكن من الإجابة إلى المراد، لأسباب عاقته عن المعونة و الاسعاد، و توجه في العسكر إلى بصرى، فنزل عليها عازما على مضايقتها، و فيها الملك أرتاش بن تاج الدولة و ايتكين الحلبي، لأنهما كانا عند الأفرنج على ما شرح من أمرهما أولا، ثم استدرك الرأي و استصوب المسير إلى العسكر المصري للاعتضاد على الجهاد، فسار إليه و وصل (81 و) إلى ظاهر عسقلان، و نزل قريبا منه، و عرف الأفرنج الخبر، فتجمعوا، و قصدوا عسقلان، و التقى الفريقان في رابع عشر ذي الحجة من السنة، فيما بين يافا و عسقلان، فاستظهر الأفرنج على المسلمين، و قتلوا والي عسقلان، و أسروا بعض المقدمين، و انهزم عسكر مصر إلى عسقلان، و عسكر دمشق إلى بصرى، و قيل ان الذين قتلوا من المسلمين بإزاء الذين قتلوا من المشركين، و لما عاد ظهير الدين و العسكر إلى بصرى، وجد الملك أرتاش و ايتكين الحلبي لما يئسا من نصرة الأفرنج لهما، قد قصدا ناحية الرحبة، و أقاما بها مدة، و تفرقا، و راسل المقيمان ببصرى: أنوشتكين و فلوا من‏ (2) ظهير الدين يطلبان الأمان، و المهلة لهما بالتسليم مدة اقتراحهما، فأجاب إلى ما التمساه منه، و رحل عنهما، و لما بلغ الأجل منتهاه، و الوعد مداه، سلما بصرى إليه، و خرجا

____________

(1) هناك مطابقة شبه كاملة بين رواية ابن القلانسي هذه، و ما جاء عند ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 150- 151، و في بغية الطلب قدم ابن العديم في ترجمة رضوان تفاصيل اضافية.

انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 392- 393.

(2) كذا بالأصل، و لم أهتد إلى هذا الاسم.

254

منها، و وفى لهما بما وعدهما من الأمان و الاقطاع، و زاد على ذلك، و أقاما عليه مدة أيامه.

سنة تسع و تسعين و أربعمائة

فيها خرج الأفرنج إلى سواد طبرية و شرعوا في عمارة حصن علعال‏ (1) فيما بين السواد و البثنية، و كان من الحصون الموصوفة بالمنعة و الحصانة، فلما عرف ظهير الدين أتابك هذا العزم منهم، أشفق من إتمام الأمر فيه، فيصعب تدارك الأمر و تلافيه، فنهض في العسكر، و قصدهم و هم على غفلة مما دهمهم، فأوقع بهم، و قتلهم بأسرهم، و ملك الحصن بما فيه من آلاتهم و كراعهم و أثاثهم، و عاد إلى دمشق برؤوسهم و أسرائهم و غنائمهم، و هي على غاية الكثرة، في يوم الأحد النصف من شهر ربيع الآخر.

و في هذا الشهر ظهر في السماء من الغرب كوكب له ذؤابة، كقوس قزح، أخذ من المغرب إلى وسط السماء، و قد كان رؤي قريبا من الشمس نهارا قبل ظهوره في الليل، و أقام عدة ليال و غاب.

و في السادس و العشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بقتل خلف بن ملاعب، صاحب أفامية قتله قوم من الباطنية نفذهم إليه المعروف بأبي طاهر الصائغ العجمي، من حلب، و هو الذي قام للباطنية مقام الحكيم المنجم الباطني، بعد هلاكه، بموافقة رجل (81 ظ) من دعاتهم يعرف بابن القنج‏ (2) السرميني، كان مقيما بأفامية، و قد قرر ذلك مع أهلها، فنقبوا نقبا في السور حتى تمكنوا من الوصول إليه، فلما قربوا منه،

____________

(1) يعرف هذا الموقع الآن باسم «العال» و هو واقع في محافظة القنيطرة، منطقة فيق، و يبعد عن فيق مسافة/ 7 كم/ و عن القنيطرة/ 49 كم/. انظر التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية. ط. دمشق 1968: 40.

(2) في الأصل «بأبي الفتح» و هي مصحفة صوابها ما أثبتنا، و ذلك عن خط ابن العديم في كتابه بغية الطلب في ترجمته لابن ملاعب. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 284.