تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
255

و أحس بهم لقيهم فوثب إليه بعضهم فطعنه في جوفه فرمى بنفسه في القلة يريد بعض دور أولاده‏ (1) فطعنه آخر طعنة ثانية فعاش ساعة و مات، و صاح الصائح على القلة، و [حين‏] نادوا بشعار الملك رضوان نجا أولاده و خاصته من‏ (2) السور، و ملكوا عليهم الموضع و قتلوا من قتلوا، و سلم ولده مصبح بن خلف بن ملاعب، و توجه إلى شيزر، و أقام هناك مدة، فأطلق منها.

و وصل طنكري إلى أفامية عقيب هذه الكائنة طامعا فيها، و معه أخ كان لابن القنج الداعي السرميني كان مأسورا في يده، فقرر له شيئا دفعه إليه، فرحل عنه.

و في هذه السنة وصل قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، في عسكر كثير، و قصد الرها، و نزل قريبا منها، فأنفذ أصحاب جكرمش المقيمون بحران يستدعونه لتسليمها إليه، فوصل إليهم و تسلمها منهم، و استبشر الناس بوصوله إلى الجهاد، و أقام أياما و مرض مرضا أوجب له العود إلى ملطية، و أقام أصحابه بحران.

و ورد الخبر بأن مصبح بن ملاعب الذي أفلت من نوبة أفامية التجأ إلى طنكري صاحب أنطاكية، و حرضه على العود إلى أفامية، و أطمعه في أخذها لقلة القوت بها، فنهض إليها، و نزل عليها، و ضايقها إلى أن تسلمها بالأمان في الثالث عشر من المحرم سنة خمسمائة، فلما حصل ابن القنج السرميني الباطني في يده قتله بالعقوبة، و حمل أبا طاهر الصائغ معه و أصحابه أسرى، و لم يف لهم بما بذل من الأمان، و كان القوت قد نفد من أفامية، و لم تزل الأسرى في يده إلى أن فدوا نفوسهم بمال بذلوه له فأطلقهم و وصلوا إلى حلب.

____________

(1) في الأصل «أهله ده» و هي مصحفة صوابها ما أثبتنا من بغية الطلب لابن العديم حيث الرواية نفسها.

(2) في الأصل: «فجاء أولاده و صاحبه من السور» و في العبارة سقط و تصحيف و تم تقويم ذلك من رواية ابن العديم.

256

و في هذه السنة نهض ظهير الدين أتابك في العسكر إلى بصرى لمشاهدتها عند تسلمها من أيدي المقيمين بها عند انقضاء الأجل المضروب لها، و كان قد خلع على كافة الأمراء و المقدمين و أماثل العسكر الخلع المكملة من الثياب و الخيول و المراكب، بحيث تضاعف الثناء عليه (82 و) و الاعتراف بأياديه، و شاع الخبر بذاك، و تضاعفت رغبة الأجناد في خدمته، و الميل إلى طاعته و الحصول في جملته، فلما حصل على بصرى، (اقطع المقيمن بها (1)) اقطاعا يكفيها و رجالها و أجابهما إلى ذلك، و وفى لهما بما قرره معهما حسب ما تقدم به الشرح.

سنة خمسمائة

فيها تزايد فساد الأفرنج في أعمال السواد و حوران و جبل عوف، و انتهت الأخبار بذلك و شكا أهلها إلى ظهير الدين أتابك فجمع العسكر، و من انضاف إليه من التركمان، و نهض بهم و خيم في السواد، و كان الأمير عز الملك الوالي بصور قد نهض منها في عسكره إلى حصن تبنين‏ (2) من عمل الأفرنج، فهجم ربضه، و قتل من كان فيه و نهب و غنم، و اتصل الخبر ببغدوين ملك الأفرنج، فنهض إليه من طبرية، و نهض أتابك إلى حصن بالقرب من طبرية فيه جماعة من فرسان الأفرنجية، فقاتله و ملكه، و قتل من كان فيه و انكفأ إلى المدان‏ (3) و عاد الأفرنج إليه، فلما قربوا منه اندفع العسكر إلى ناحية زرا (4)، و تلاقت طلائع الفريقين و عزموا على المصاف و الالتقاء، و قد قويت نفوس المسلمين، فلما كان من غد ذلك اليوم، ركب العسكر، و قد تأهب للقاء

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

(2) في معجم البلدان: تبنين بلدة في جبال بني عامر المطلة على بلد بانياس بين دمشق و صور.

(3) لم أجد هذا الموقع في المصادر المتوفرة، و هو لا شك على مقربة من منطقة الشيخ مسكين الحالية في سورية.

(4) هي بلدة ازرع الحالية في حوران- انظر معجم البلدان.

257

على تلك النية و زحفوا إلى موضع مخيمهم، فصادفوهم و قد رحلوا عائدين إلى طبرية، ثم منها إلى عكا، فعاد ظهير الدين عند ذلك في العسكر إلى دمشق.

و كانت الأخبار متناصرة في هذه السنة باهتمام السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية المعروفة بشاه دز المجاورة لأصفهان، و الجد في افتتاحها، و حسم أسباب الفساد المتوجه على البلاد من المقيمين بها، و توجه إليها (1) في عساكره الدثرة المتناهية في القوة و الكثرة، و لم يزل منازلها و مضايقها، إلى أن منحه الله تعالى افتتاحها و الاظهار على من فيها، و ملكها بالسيف قهرا، و قتل من كان فيها من الباطنية قسرا، و هدمها و أراح العالم من الشر المتصل منها، و البلاء المبثوث من أهلها (2)، و أنشأ كتاب الفتح بوصف الحال فيها إلى سائر أعمال المملكة ليقرأ على (82 ظ) المنابر و يستنزل في معرفة كل باد و حاضر أمير الكتاب أبو نصر بن عمر الأصفهاني، كاتب السلطان، و بلاغته في الكتابة معروفة مذكورة، و فصاحته في إنشائه موصوفة مشهورة، و ذكرت مضمونه في هذا الموضع، ليعلم من يقف عليه شرح حال هذه القلعة، و ما من الله به على أهل تلك البلاد من الراحة من شر أهلها، و أذية المقيمين بها و نسخته بعد العنوان و الطغراء:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

و هو [إلى‏] الوزير الأجل مجد الدين شرف الاسلام ظهير الدولة زعيم الملة بهاء الأمة فخر الوزراء أبو المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب رضي أمير المؤمنين.

____________

(1) في الأصل «عنها» و ما أثبتناه أقوم.

(2) بنى هذه القلعة السلطان ملكشاه، و قد استولى عليها فيما بعد الزعيم الاسماعيلي أحمد بن عبد الملك بن عطاش، و قد تحدث سبط ابن الجوزي في أخبار سنة- 500- عن سقوطها للسلطان محمد بعد حصار دام سنة.

258

أما بعد أطال الله بقاء الوزير- و ألقابه‏ (1)-، و أدام تأييده و تمهيده، و أحسن من عوائده مريده، فإن الله تعالى يقول و قوله الحق: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ‏ (2) و لقد آتانا الله و له الحمد من هذا الفضل، ما صرنا به أطول الملوك في الاسلام باعا، و أعزهم في الذب عن حريمه أشياعا و أتباعا، و أشدهم عند الحفيظة له بأسا، و أطهرهم من درن الشبهة فيه لباسا، و أقصدهم في اقتفاء الحق المبين أنحاء، و أثقلهم على أعداء الله و أعداء الدين المنير و طأة و انحاء، فلا تتجه عزائمنا لمهم في ذلك إلا حققنا الفيصل، و طبقنا المفصل، و فرينا الفري، و اقتدحنا من الزناد الوري، و أعدنا الحق جذعا، و انف الباطل مجدعا، نعمة من الله تعالى اختصنا بها من دون سائر الأنام، و أحلنا من التفرد بمزاياها في الذروة و السنام، فالحمد لله على ذلك حمدا يوازي قدر نعمه، و يمترى المزيد من مواد كرمه، ثم الحمد لله على ما يسرنا له من إعزاز الدين، و رفع عماده، و قمع اضداده، و استئصال شأفة الباطنية الناهضين لعناده، الذين استركوا العقول الفاسدة فاستغووها بأباطيلهم، و استهووها بأضاليلهم، و اتخذوا دين (83 و) الله هزوءا و لعبا (3)، بما لفقوه من زخارف أقاويلهم، سيما ما سنّى الله من فتح الفتوح، و هيأ أسبابه من النصر الممنوح بأخذ قلعة شاه دز التي شمخ بها الجبل و بذخ، و كان الباطل باض فيها و فرخ، و كانت قذى في عيون الممالك و سببا إلى التورط بالمسلمين في المهاوي و المهالك، و مرصدا عليهم بالشرارة و النكارة، حيثما ينحونه من المسالك، و فيها ابن عطاش الذي طار عقله في مدرج الضلال و طاش،

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) القرآن الكريم- المائدة: 54.

(3) انظر سورة المائدة: 57.

259

و كان يري الناس نهج الهدى مضلة، و يتخذ السفر المشحون بالأكاذيب مجلة، و يستبيح دماء المسلمين هدرا، و يستحل أموالهم غررا، فكم من دماء سفكت، و حرم انتهكت، و أموال استهلكت، و ترات تجرعتها النفوس فما استدركت، و لو لم يكن منهم إلا ما كان عند حدثان أمرهم بأصفهان من اقتناص الناس غيلة، و استدراجهم خديعة، و قتلهم إياهم بأنواع العقوبات قتلة شنيعة، ثم فتكهم عودا على بدء بأعيان الحشم و خيار العلماء، و إراقتهم ما لا يعد و لا يحصى من محرمات الدماء، إلى غير ذلك من هنات يمتعض الاسلام لها أي امتعاض، و ما الله عن المسلم أن يتميز لها براض، لكن حقا علينا أن نناضل عن حمى الدين، و نركب الصعب و الذلول في مجاهدتها و لو إلى الصين.

و هذه القلعة كانت من أمهات القلاع، التي انقطع إليها رؤوس الباطنية كل الانقطاع، فكان تبث الحبائل منها في سائر الجهات و الأقطار، و ترجع إليها نتائج الفساد رجوع الطير إلى الأوكار في العزة و المنعة مثل مناط الشمس التي (تنال) (1) منها حاسة البصر دون حاسة اللمس، ترد الطرف كليلا، و تعد العدد الدثر في محاصرتها كليلا، و كأنها و هي أعلى شاهق نزلت على الجبل من حالق، فهي بهذه الصفة مقابلة لبلد أصفهان، التي هي مقر الملك، و دار الثواء، و أولى البلاد بتطهيرها من اهتياج الفتن و اختلاف الأهواء، و نحن نقيم بها طول هذه المدة المديدة، و ندبر أمرها إلى ما يصوبه الرأي من الحيلة و المكيدة، و أمامنا من المستخدمين و أصحاب (83 ظ) الدواوين نفر تصغي إليهم أفئدتهم، فيما كانوا عليه من مخالفة الدين، يتوصلون بمكرهم إلى نقض ما يبرم، و تأخير ما تقدم، و يوهمون أنها من النصائح التي تقبل و تلزم، حتى تطاول دون ذلك الأمد، و بان من القوم المعتقد، و اتضح لنا من مصائب التدبير ما يعتمد، و كنا في خلال هذه الأحوال لم نخل هذه القلعة من‏

____________

(1) زيادة من مرآة الزمان- أخبار سنة 500 ه

260

طائفة تهزهم حمية الدين من الجند، ينتهون من التضييق عليها إلى غاية من الجد، فيتوفرون على محاصرتهم و مصابرتهم، و يتشمرون لمزاولتهم و مصاولتهم، و يقعدون لهم بكل مرصد، و يسدون كل متنزل و مصعد، حتى انقطعت عنهم المواد، و خانتهم المير و الأزواد، و اضطروا إلى أن نزل بعضهم على حكم الأمان بعد الاستئمار و الاستئذان، فأمرنا بتخلية سربهم، و إيمان سربهم، و سلم الشطر من القلعة لخلوه من الفئة النازلة، و اعتصم ابن عطاش بقلة أخرى تسمى دالان، مع نخب أصحابه من المقاتلة، و هذه القلة هي أمنع المواضع من القلعة و أحصنها و أوعرها مسلكا و أحزنها، فقد نقل إليها ما كان بقي لهم من الميرة، و سائر ما يستظهر به من السلاح و الذخيرة على أن يلبثوا بها أياما معدودة، فينزلوا و يبذل لهم الأمان مثل ما بذل للأولين، فيتخولوا كل ذلك بوساطة من قدمنا ذكرهم من المستخدمين في الدواوين، و في باطن الأمر خلاف ما يتوهم من الإعلان، و ذلك أنهم قدروا أن ما سلم من القلعة يترك على عمارته و مكانته، و ما امتنع به من القلة لا يقدر عليه لمنعته و حصانته، فهو يتوصلون بتمكنهم من ذلك الجبل، إلى سرقة ما سلموه آنفا ببعض الحيل، هذا و قد كفوا مؤن من نزل من الأكلة، و عندهم الكفاف لمن بقي من العملة، ففطنا لما عمدوا و عليه اعتمدوا، و أمرنا في الحال بالقلعة المسلمة فنسفت نسفا، و خسفت بها خسفا، و صير سفلها علوا، كما كان علوها خلوا، ثم انتقمنا من المستخدمين الغادرين بالملك و الدين، حتى ساقهم الحين المتاح إلى حين.

فلم يفلت منهم صاحب و لا مصحوب‏* * * إن الشقاء على الأشقين مصبوب‏

و وافق ذلك حلول الموعد لنزول باقي القوم من دالان، فأبوا إلا المطل و الليان، فلما مضت أيام على ذلك، أظهروا التمرد و العصيان، فصاروا كما قال الله تعالى‏ وَ مِنَ‏ (84 و) يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ‏

261

وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (1) فعند ذلك استخرنا بالله تعالى تجريد العزائم لهذا الجهاد، الذي هو عندنا من أنفس العزائم، و لا نخاف فيها لومة لائم، و أهبنا بمن حضرنا من العساكر المنصورة إلى الإحداق بالقلعة المذكورة يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة، فنزلوا لفنائها محتشدين و لصدق اللقاء متشمرين متجردين، و جرت مناوشة عشية هذا اليوم أثخنت عدة من أولئك القوم، و بات المسلمون ليلتهم تلك على أضم، و الملحدون لحما على وضم، فلما تنفس الصبح و غردت الديوك الصدح، و طوى الليل رداءه، و رفع الفجر لواءه، نصر الله الحق و أدال الدين، فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ‏ (2)، و عدت جيوش النصر يدا واحدة، و كلمة على التظافر و التظاهر مساعدة، تسطو بالفئة المتحصنة بالقلعة، سطوة الليث الهصور، و كأنهم طاروا بأجنحة الصقور، على صم الصخور، فلم يلبثوا قبل ذرور الشمس بقرنها، و أخذها الناصع من لونها، أن أخذوا القلعة عنوة و قهرا، و أجروا من دماء الباطنية الملحدة نهرا، فلم يئل منهم وائل، و لا أخطأهم من السيوف البواتر وائل، و أمرنا في الحال بهدمها، و التعفية على ردمها، فلم يبق بها نافخ ضرمه، و لا أثر من نسمة، و لا مدر على أكمه، و أسر ابن عطاش رأس الجالوت، و ولي الطاغوت، الذي كان ممن قال الله تعالى فيه: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (3) فجعلناه و ولده المقرون به مثلة للنظار، و عبرة لأولي الأبصار، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (4) هذا الفتح المبين، و العزة التي يتلألأ بها من الدهر الحين، و النعمة التي تمت و عمت و أخنت بالنقمة على أعداء الله و رسوله و طمت، و ما ذاك إلا من بركات عقائدنا الناصعة، في موالاة الدولة

____________

(1) القرآن الكريم- المائدة: 41

(2) القرآن الكريم- الصافات: 177.

(3) القرآن الكريم- القصص: 41.

(4) القرآن الكريم- الأنعام: 45

262

العباسية، ظاهر الله مجدها، و ما يلتزمه في فرضها من فضل المناصحة و المشايعة فيها، نحن نسطو بالأعادي، و نكفي من اعتراض النوائب كل العوادي، و نسوس الدهماء من الحواضر و البوادي.

و هذه البشرى، التي يهنأ بها الإسلام و ترفع بها من الاشادة بذكرها في الخافقين الأعلام (384) أمرنا بنشرها في الأقصى و الأدنى لا سيما الدار العزيزة (1) ظاهر الله مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها، و يهنأ، و أهبنا بالأمير عز الدولة إلى إيصال هذه البشارة إلى الديوان العزيز النبوي، أعلى الله جده، فندب من قبله من يقوم بهذه الخدمة، و يعلمه ما نحن بصدده من الاعتراف بقدر هذه النعمة، و هذا الأمير كان من المندوبين أولا و آخرا، لمحاصرة هذه القلعة فأبلى فيها بلاء حسنا جميلا، و أغنى غناء لم نجد له فيه عديلا، و لذلك ما اختصصناه بهذه المزية، و آثرناه بإبلاغ هذه البشرى الهنية، و المعول تام على الاهتمام الوزيري، في إلقائها إلى المقار المعظمة النبوية، ليعلم من صدق نهضتها بالخدمات، و عدنا المسعاة في إعزاز الدين من أوجب المهمات، ما يزلفنا من شريف المراضي، و يفرض لنا من المحامد و المآثر التامة على الأبد أكرم الأحاظي، و ان يتقدم في حق المبشر ما هو على الدولة ثبتها الله متعين، حتى يعود و لما يستحسن من موقع هذه البشارة عليه أثر بين، و الوزير أولى من اغتنم هذه المكرمة فاعتنقها، و تمكن من عصمة الرأي السديد فاعتقلها، و استحمد إلينا بما يتكلفه من جميل مساعيه، و يتكفله بالاهتزاز و الاهتمام فيه من سائر ما يلاحظه من الأمور و يراعيه، إن شاء الله تعالى.

و كتب بالأمر العالي شفاها في ذي القعدة سنة خمسمائة.

و في هذه السنة تتابعت المكاتبات إلى السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه، من ظهير الدين أتابك، و فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس بعظيم ما ارتكبه الأفرنج من الفساد في البلاد، و تملك‏

____________

(1) دار الخلافة، فالرسالة مرسلة إليها، أو بالحري إلى وزيرها.

263

المعاقل و الحصون بالشام و الساحل، و الفتك في المسلمين، و مضايقة ثغر طرابلس، و الاستغاثة إليه، و الاستصراخ و الحض على تدراك الناس بالمعونة، فندب السلطان لما عرف هذه الحال الأمير جاولي سقاوه، و أمير من مقدمي عسكره كبيرا في عسكر كثيف من الأتراك، و كتب إلى بغداد، و إلى الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد، و إلى جكرمش صاحب الموصل بتقويته بالمال و الرجال على الجهاد، و المبالغة في إسعاده و إنجاده، و أقطعه الرحبة و ما على الفرات، فثقل أمره على المكاتبين، فدافعه ابن مزيد، و سار نحو الموصل يلتمس من جكرمش ما وقع به عليه، فتوقف عنه فنزل (85 و) على قلعة السن‏ (1) و نهبها، و اجتمع إليه خلق كثير، و خرج جكرمش إلى لقائه فظفر به جاولي سقاوه و استباح عسكره، و انهزم ولده إلى الموصل، فضبطها، و توجه وراءه، و قتل جكرمش أباه، و أنفذ رأسه إلى الموصل، فلما عرف ولده ذاك كاتب قلج أرسلان بن قتلمش يستنجده من ملطية، و يبذل له تسليم البلاد و الأعمال التي في يده إليه، و كان جكرمش قد جمع مالا عظيما من الجزيرة و الموصل، و كان جميل السيرة، (2) في الرعية، عادلا في ولايته، مشهورا بالانصاف في أعمال إيالته، فلما عرف قلج أرسلان بن سليمان ما كتب به إليه ولد جكرمش، أجابه إلى ملتمسه، و سار نحوه في عسكره، و وصل إلى نصيبين، و استدعى ابن جكرمش من الموصل، فسار إليه، و دخل قلج أرسلان إلى نصيبين، لأنه كان في بعض عسكره و باقيه في بلاد الروم لإنجاد ملك القسطنطينية على الأفرنج، و لما تقارب عسكر قلج من عسكر جاولي سقاوه، و التقت طلائع الفريقين ظفر قوم من أصحاب قلج بقوم من أصحاب جاولي فقتلوا بعضا، و أسروا بعضا، فرحل جاولي‏

____________

(1) السن بليدة على دجلة في أعلى تكريت، عندها يصب الزاب الأصغر إلى دجلة.

تقويم البلدان: 288- 289.

(2) في الأصل «الصورة» و هي تصحيف صحح من مرآة الزمان حيث ينقل رواية ابن القلانسي هذه- أخبار سنة- 500 ه.

264

يطلب عسكر قلج، و قد عرف أنه قد أنفذ يستدعي بقية عسكره من بلاد الروم، و أنه في قل، و طلب ناحية الخابور، و توجه منها إلى الرحبة، و نزل عليها و ضايقها، و راسل محمدا و اليها من قبل الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق- و عنده الملك أرتاش بن تاج الدولة الهارب من دمشق بعد وفاة الملك دقاق أخيه مقيما- بالتسليم، إليه، فلم يحفل بمراسلته، و آيسه من طلبته، فأقام عليها مضايقا لها مدة.

و وصل إليه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق، في جماعة وافرة من عسكره التركمان، و استنجد عليها بالملك فخر الملوك رضوان، فوصل إليه في عسكره بعد أن هادن طنكري صاحب أنطاكية، فلما فصل عن حلب، و عرف جوسلين صاحب تل باشر بعده عن حلب، واصل الغارات على أعمالها من جميع جهاتها، و لم يزل جاولي مقيما على الرحبة منذ أول رجب و إلى الثاني و العشرين من شهر رمضان، و زاد الفرات زيادته المعروفة، فركب أصحاب جاولي الزواريق و صعدوا (85 ظ) طالبين سور البلد بمواطأة من بعض أهل البلد، فلم يتهيأ لهم أمر مع من و اطأهم، بل هجموا السور، و ملكوا البلد و نهبوه، و صادروا جماعة من أهله، و استخرجوا ذخائرهم بالعقوبة، ثم أمر جاولي برفع النهب، و أمن الناس وردهم إلى منازلهم، و تسلم القلعة بعد خمسة أيام، في الثامن و العشرين من شهر رمضان، و أقر إقطاع محمد و اليها عليه و استخلفه، و قبض عليه بعد أيام لأمر بلغه عنه، فأنكره منه، و اعتقله في القلعة، و حصل الملك أرتاش في جملة سقاوة، و لم يتمكن من التصرف في نفسه، و كان محمد هذا الوالي قد راسل قلج أرسلان بن سليمان أولا بالاستصراخ به، و طلب المعونة على دفع جاولي عن البلد، فتوجه نحو الرحبة في عسكره، و بلغه خبر فتحها، فعاد و نزل على الشمسانية (1) و لم‏

____________

(1) في الأصل: السمانية و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا مما نقله سبط ابن الجوزي عن ابن القلانسي. و في معجم البلدان: الشمسانية بليدة بالخابور.

265

يكن في نيته لقاء جاولي، و رحل جاولي و نزل ماكسين‏ (1) و عزم على التوجه إلى ناحية الموصل، و معه فخر الملوك رضوان فاتفق أنهم قصدوا عسكر قلج، فالتقى الفريقان في يوم الخميس التاسع من شوال، و كان الزمان صيفا و اشتدت و قدة الحر، و حميت الرمضاء، فهلك أكثر خيل الفريقين، و حمل عسكر قلج أرسلان على عسكر جاولي، و قصد جاولي قلج أرسلان في الحملة و ضربه بالسيف عدة ضربات، فلم تؤثر فيه، و انهزم عسكر قلج أرسلان، و فصل عنه صاحب آمد وقت الحرب، مع صاحب ميافارقين، و انهزم الباقون، و وقع السيف في أصحاب قلج أرسلان، و سقط قلج مع الهزيمة في الخابور فهلك في الماء، و لم يظهر، و بعد أيام وجد هالكا (2).

و عاد جاولي إلى الموصل‏ (3)، و عاد عنه الملك فخر الملوك رضوان إلى‏

____________

(1) مدينة بالجزيرة على الخابور، بينها و بين قرقيسيا سبعة فراسخ و بين ماكسين و بين سنجار اثنان و عشرون فرسخا. تقويم لابلدان: 282- 283.

(2) في تاريخ ميافارقين: 272- 273 في أخبار سنة 498 ه، «و في هذه السنة أنفذ الوزير ضياء الدين محمد [الذي كان رتبه الملك بميافارقين‏] إلى السلطان قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش يستدعيه إلى ميافارقين، و كان الملك سليمان بن قتلمش قد ورد من عند ملكشاه و فتح بلاد الروم، و ملطية و أقصرا- و الأصل «آق سرا» أي مدينة بيضاء- و قونية و سيواس، و جميع ولاية الروم، و بقي فيها، و استبد بها، فلما مات ولي ولده قلج أرسلان، فلما أنفذ إليه الوزير محمد حضر، و دخل ميافارقين في سابع عشرين جمادى الأولى سنة ثمان و تسعين و أربعمائة، و ملك ميافارقين و بقي مدة، و استوزر الوزير محمد، و حضر إلى خدمته أمراء جميع ديار بكر: الأمير ابراهيم صاحب آمد، و السبع الأحمر من أسعرد، و سكمان بن أرتق، و الأمير شاروخ و حسام الدين، و ولى ميافارقين مملوك أبيه خمرتاش السليماني، و كان أتابكه، و خرج من ميافارقين و أخذ معه الوزير محمد، و أقطعه مدينة أبلستين، و أقام بملطية، و جمع العساكر، و عاد نزل إلى باب الموصل، و صافف جاولي سقاوة مملوك السلطان محمد فكسره سقاوة، و عاد منهزما و غرق في الخابور سنة تسع و تسعين و أربعمائة».

(3) يبدو أن الفارقي صاحب تاريخ ميافارقين كتب كتابه هذا أكثر من مرة، و كان في كل مرة يزيد أو يحذف أو يعدل، فقد نقل عنه سبط ابن الجوزي- أخبار سنة 500 ه- معلومات أعم فائدة مما أثبتناه في الصفحة الماضية و جاء فيها: «و قال صاحب تاريخ ميافارقين أن السلطان محمد بعث جاولي لحرب الفرنج، و كتب إلى أمراء البلاد بطاعته، فلما وصل الموصل أنف جكرمش أن يتأمر عليه جاولي، فحاربه فهزمه جاولي، فدخل الموصل مجروحا، فأقام يومين و مات، و استنجد ولده بقلج أرسلان- و قيل اسمه ابراهيم بن سكمان- صاحب آمد، و سار جاولي إلى حلب لينجد رضوان على الفرنج، و جاء قلج فدخل الموصل، و استولى عليها،-

266

حلب خوفا منه، و أخذ جاولي نجم الدين ايل غازي بن أرتق، و طالبه بالمال الذي أنفقه في التركمان، فصالحه على جملة يدفعها إليه، و أخذ رهائنه عليها إلى أن يؤديها، و أقام به بها فيما بعد.

و قد كان قلج أرسلان أنفذ بعض مقدمي أصحابه إلى بلاد الروم، في خلق كثير من التركمان، لإنجاد ملك القسطنطينية على بيمند و من معه من الأفرنج الواصلين إلى الشام، فانضافوا إلى ملك الروم و ما حشده من عساكر الروم، فلما اجتمع للفريقين ما اجتمع رتبوا (86 و) المصاف، و التقوا فاستظهر الروم على الأفرنج، و كسروهم كسرة شنيعة أتت على أكثرهم بالقتل و الأسر، و تفرق السالم الباقي منهم عائدين إلى بلادهم، و فصل أصحاب قلج أرسلان الأتراك إلى أماكنهم، بعد أن أكرمهم، و خلع عليهم، و أحسن إليهم.

و لما عاد جاولي سقاوه، عن الرحبة، و نزل على الموصل، راسل أهلها و الجند بها، فلم يمكنهم المدافعة له عنها، و لا المراماة دونها، فسلموها إليه بعد أخذ الأمان منه على من حوته، و كان ولد قلج قد دخلها، فقبض عليه و سيره إلى السلطان محمد، و لم يزل مقيما عنده إلى أن هرب من المعسكر في أوائل سنة ثلاث و خمسمائة، و عاد إلى مملكة أبيه ببلاد الروم، و يقال أنه لما وصل إليها عمل على ابن عمه، و قتله و استقام له أمر المملكة بعده.

و في هذه السنة وصل إلى دمشق الأمير الأصفهبذ التركماني من ناحية عمله، فأكرمه ظهير الدين، و أحسن تلقيه، و أقطعه وادي موسى و مآب و الشراة و الجبال و البلقاء، و توجه إليها في عسكره، و كان الأفرنج قد

____________

- و خطب لنفسه بعد الخليفة، و أسقط خطبة السلطان محمد شاه، و بلغ جاولي و هو على حلب، فعاد إلى الموصل، فخرج إليه قلج فاقتتلا قتالا شديدا، و أحيط بقلج و بأصحابه، فألقى نفسه في الماء فغرق، و دخل جاولي الموصل، و كان بها مسعود بن قلج أرسلان، و هو صبي، فقبض عليه، و بعث به إلى السلطان، فاعتقله مدة، ثم أفلت، فأتى ملطية و بها بعض مماليك أبيه، فأطاعه، و تقررت له المملكة ببلاد الروم، فمسعود هذا جد ملوك الروم».

267

نهضوا إلى هذه الأعمال، و قتلوا فيها و سبوا و نهبوا ما قدروا عليه منها، فلما وصل إليها وجد أهلها على غاية من الخوف، و سوء الحال عما جرى عليهم من الأفرنج فأقام بها.

و نهض الأفرنج إليه لما عرفوا خبره من ناحية البرية، و نزلوا بإزاء المكان الذي هو نازل به، و أهملوه إلى أن وجدوا الفرصة فيه فكبسوه على غرة، فانهزم في أكثر عسكره، و هلك باقيه، و استولوا على سواده، و وصل إلى عين الكتيبة من ناحية حوران، و العسكر الدمشقي نازل عليها، فتلقاه ظهير الدين متوجعا بما جرى عليه، و مسليا عما ذهب منه و عوضه، و أطلق له ما صلحت به الحال.

سنة إحدى و خمسمائة

فيها جمع ملك الأفرنج بغدوين حزبه المفلول، و عسكره المخذول، و قصد ثغر صور، و نزل بإزائه، و شرع في عمارة حصن بظاهرها على تل المعشوقة، و أقام شهرا، و صانعه و اليه على سبعة آلاف دينار، فقبضها منه و رحل عنه.

و فيها وردت الأخبار بوصول عسكر السلطان غياث الدنيا و الدين محمد إلى بغداد في آخر (86 ظ) شهر ربيع الآخر منها، و أعلن الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد العصيان عليه، خوفا لما بلغه من إفساد شحنة بغداد، (و عميدها حاله معه، و لم يزل السلطان مقيما ببغداد (1)) إلى العشرين من رجب فاجتمع إليه تقدير ثلاثين ألف فارس، و اجتمع مع صدقة تقدير عشرين ألفا في الحلة، و بينهما أنهار و مواحل في الحلة، فآثر السلطان مراسلته في تقرير أمره، و الصفح [عنه‏] (2) و ايقاع مهادنة و موادعة تستقيم معها الأحوال، و تصلح بها الأعمال، فأبى ذلك كافة

____________

(1) سقط بالأصل استدرك من مرآة الزمان- أخبار سنة 501- حيث الرواية عن ابن القلانسي.

(2) زيادة من مرآة الزمان.

268

الأمراء و المقدمين، و امتنعوا عن الإهمال لأمره، و نهضوا إليه، فلما عرف الحال قطع الأنهار، و وصل في جمعه حتى صار بإزائهم، و حمل بعض الفريقين على بعض، و نشبت الحرب بينهم، و كان منزل صدقة بن مزيد كثير الوحل عسر المجال، فترجل الأتراك عن خيلهم، [و جثوا على ركبهم‏] (1) و حبوا عليها، و أطلقوا السهام، و شهروا الصفاح، و شرعوا الرماح، و فعل مثل ذلك أصحاب صدقة، و التقى الجيشان، و نظر صدقة إلى أصحابه و السهام قد شكت خيولهم، و قد أشرفوا على الهلاك، و ظن الأتراك أنهم قد انهزموا، فركبوا أكتافهم رشقا بالسهام، و ضربا بالسيوف، و طعنا بالرماح، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و قتل الأمير صدقة ابن مزيد في الجملة، و وجوه رجاله، و لم يفلت منهم إلا اليسير ممن حماه الأجل، و استطار قلبه الخوف و الوجل، و كان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش و ترتيب الحرب على الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق‏ (2) و وصل السلطان غد يوم الوقعة و نزل الحلة.

و لم يكن للعرب صدقة مثله في البيت و التقدم، و إحسان السيرة فيهم، و الانصاف لهم، و الإنعام عليهم، و كرم النفس، و جزيل العطاء، و حسن الوفاء، و الصفح عن الجرائر، و التجاوز عن الجرائم و الكبائر، و التعفف عن أموال الرعية، و إحسان النية للعسكرية، غير أنه كان مع هذه الخلال الجميلة و المآثر الحميدة، مطرحا لفرائض الشريعة، متغافلا عن ارتكاب المحارم الشنيعة، مستحسنا لسب الصحابة رضي الله عنهم، فكان ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة، وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏ (3).

و توجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى أصفهان (87 و) في أوائل شوال من السنة، و قد قرر مع الأمير مودود و العسكر قصد

____________

(1) زيد ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان.

(2) سيأتي خبر ذلك. انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة: 119.

(3) القرآن الكريم- الأنعام: 132.

269

الموصل، و منازلتها و التضييق عليها، و التملك لها، فرحل مودود و العسكر، و نزل على الموصل، و كان جاولي صاحبها قد أخرج أكثر أهلها منها، و أساء أصحابه السيرة فيها، و ارتكبوا كل محرم منها، و مضى إلى الرحبة و استناب فيها من وثق به من أصحابه، في حفظها، و أقام العسكر السلطاني عليها مدة، و عمد سبعة نفر من أهلها على الموطأة عليها، و فتحوا بابا من أبوابها، و سلموها إلى مودود، و دخلها و قتل مقتلة كبيرة من أصحاب جاولي، و أمن من كان في القلعة، و حملهم و ما كان معهم إلى السلطان.

و في شعبان من هذه السنة اشتد الأمر بفخر الملك بن عمار بطرابلس، من حصار الأفرنج، و تطاول أيامه، و تمادي الترقب لوصول الإنجاد، و تمادي تأخر الإسعاد، فأنفذ إلى دمشق يستدعي وصول الأمير أرتق بن عبد الرزاق، أحد أمراء دمشق إليه، ليتحدث معه بما في نفسه، فأجابه إلى ذلك، و استأذن ظهير الدين في ذلك، فأذن له، و توجه نحوه و قد كان فخر الملك خرج من طرابلس في البر في تقدير خمسمائة فارس و راجل، و معه هدايا و تحف أعدها للسلطان عند مضيه إليه إلى بغداد، فلما وصل أرتق إليه و اجتمع معه، تقررت الحال بينهما على وصوله إلى دمشق في صحبته، فوصل إليها و أنزل في مرج باب الحديد بظاهرها، و بالغ ظهير الدين في إكرامه، و تناهى في احترامه، و حمل إليه أمراء العسكرية و مقدموه من الخيل و البغال و الجمال و غير ذلك ما أمكنهم حمله و اتحافه به، و كان فخر الملك المذكور قد استناب عنه في حفظها أبا المناقب ابن عمه، و وجوه أصحابه و غلمانه، و أطلق لهم واجب ستة أشهر، و استحلفهم و توثق منهم، فأظهر ابن عمه الخلاف له و العصيان عليه، و نادى بشعار الأفضل بن أمير الجيوش بمصر، فلما عرف فخر الملك ما بدا منه كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه، و حمل إلى حصن الخوابي‏ (1)، ففعل‏

____________

(1) سيكون بين حصون الدعوة الاسماعيلية في منطقة مصياف. انظر تقويم البلدان: 229.

270

ذلك، و توجه فخر الملك إلى بغداد، و معه تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، و قد كان أتابك عرف أن جماعة ممن يحسده في باب (87 ظ) السلطان، و يقع فيه بالسعاية، و يقصده بالأذية و إفساد الحال عند السلطان، فأصحب ولده المذكور من الهدايا و التحف من الخيول، و الثياب، و غير ذلك مما يحسن إنفاذ مثله، و استوزر له أبا النجم هبة الله ابن محمد بن بديع، الذي كان مستوفيا للسلطان الشهيد تاج الدولة، و جعله مدبرا لأمره، و سفيرا بينه و بين من أنفذ إليه، و توجه في الثامن من شهر رمضان سنة إحدى و خمسمائة، فلما وصلا إلى بغداد لقي فخر الملك من السلطان الإكرم و الاحترام ما زاد على أمله، و تقدم إلى جماعة من أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته و إنجاده على طرد محاصري بلده، و الايقاع بهم، و الابعاد لهم، و قرر مع العسكر المجرد معه الإلمام بالموصل، و انتزاعها من يدي جاولي سقاوة، ثم المصير بعد ذلك إلى طرابلس، فجرى ما تقدم به الشرح من ذلك، و طال مقام فخر الملك، طولا ضجر معه، و عاد إلى دمشق في نصف المحرم سنة اثنتين و خمسمائة.

فأما تاج الملوك بن ظهير الدين فجرى أمره، فيما نفذ لأجله، على غاية مراده و نهاية محابه، و صادف من السلطان في حق أبيه و حقه ما سره، و عاد منكفئا إلى دمشق بعد ما شرف به من الخلع السنية الإمامية و السلطانية، و وصل إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة.

و أقام فخر الملك بن عمار في دمشق بعد وصوله إليها أياما، و توجه منها مع خيل من عسكر دمشق جردت معه إلى جبلة، فدخلها و أطاعه أهلها، و أنفذ أهل طرابلس إلى الأفضل بمصر يلتمسون منه إنفاذ وال يصل إليهم في البحر، و معه الغلة و الميرة في المراكب لتسلم إليه البلد، فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا من قبل الأفضل، و معه الغلة فلما وصل إليها، و حصل فيها، قبض على جماعة أهل فخر الملك بن عمار و أصحابه، و ذخائره و آلاته و أثاثه، و حمل الجميع إلى مصر في البحر.

271

و في هذه السنة أسرى ظهير الدين أتابك في عسكره إلى طبرية، و فرق عسكره فرقتين نفذ إحداهما إلى أرض فلسطين، و الأخرى غار بها على طبرية، فخرج إليه صاحبها في رجاله المعروف بجر فاس، و هو من مقدمي الأفرنج المشهورين بالفروسية و الشجاعة (88 و) و البسالة، و شد المراس، يجري مجرى الملك بغدوين في التقدم على الأفرنج، فالتقاه و أحاطت خيل الأتراك به و بأصحابه، فقتل أكثرهم و أسر هو و جماعة معه، و حملوا إلى دمشق‏ (1)، فأنفذ بعضهم هدية إلى السلطان و قتل جرفاس و من كان معه في الأسر من أصحابه بعد أن بذلوا في إطلاقهم جملة من المال فلم يقبلها.

و فيها تقدم السلطان غياث الدنيا و الدين محمد عند وصوله إلى بغداد برفع المكوس، و إبطال رسمها عن التجار و المسافرين في جميع بلاده، و حظر تناول اليسير منها، فلما عاد إلى أصفهان منها، طمع في التجار، و أخذ منهم المكس على سبيل الخلاف لما أمر، فلما عاد إلى بغداد و انتهى الأمر إليه أنكر ما جرى في مخالفة أمره، و وكد الأمر في إبطال ذلك، و حذر من المخالفة له في سائر البلاد.

و فيها وردت الأخبار من بغداد بوقوع النار في الجانب الشرقي منها، فأحرقت ما يزيد على خمسمائة دار و افتقر أهلها.

و فيها تناصرت أخبار الباطنية بقلعة ألموت و الحصون المجاورة لها في إيغالهم في الفساد، و إفاظة النفوس بالعدوان و الإلحاد، فأنهض السلطان وزيره أحمد بن نظام الملك خواجه بزرك، و معه جاولي سقاوه، في عسكر

____________

(1) تحدث وليم الصوري في تاريخه- الترجمة الانكليزية: 1/ 538- 539 عن حملة طغتكين هذه لكنه لم يذكر جرفاس هذا بين رجال ملك القدس أو المدافعين عن طبرية.

و أورد سبط ابن الجوزي هذا الخبر فقال: «و فيها أغار طغتكين على طبرية، و بها جرفاس مقدم الفرنجية و كان من أكبر الملوك، فخرج من طبرية، و التقوا فقتل أتابك منهم مقتلة عظيمة، و أسر جرفاس و خواصه، فبذل في نفسه أموالا عظيمة، فلم يقبل منه، و بعث به و بأصحابه هدية إلى السلطان».

272

كثيف، فأظفره الله بهم، و نصره عليهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة، و خرب منازلهم و قلاعهم‏ (1).

و في هذه السنة نهض بغدوين في عسكره المخذول من الأفرنج نحو ثغر صيدا، فنزل عليه في البحر و البر، و نصب البرج الخشب عليه، و وصل الأسطول المصري للدفع عنه، و الحماية له فظهروا على مراكب الجنوية، و عسكر البر، و اتصل بهم نهوض العسكر الدمشقي لحماية صيدا، و الذب عنها، فرحلوا عنها عائدين إلى أماكنهم.

سنة إثنتين و خمسمائة

فيها أنفذ صاحب عرقة (2) إلى ظهير الدين أتابك رسوله، يلتمس منه المعونة على دفع الأفرنج عنها، و إنفاذ من يتسلمها، فندب بعض ثقاته فتسلمها و أقام و اليها (3)، منتظرا وصول العسكر إليها، و الوفاء بما وعد به من الخلع عليه، و الاحسان إليه، فحدث في (88 ظ) الوقت من الثلوج و الأمطار ما عاق المسير إليها، و قل القوت بها، و انقطعت الميرة عنها، فبادر الأفرنج بالنزول عليها، و توجه ظهير الدين عند ذاك إليها، فصادفهم قد أحاطوا بها، و لم يتمكن من دفعهم عنها، و عاد إلى حصن الأكمة (4)، و نزل عليه و قاتله فلما عرف الأفرنج ذلك، نهضوا إليه في‏

____________

(1) انظر كتاب الدعوة الاسماعيلية الجديدة: 71.

(2) كانت عرقة هي الخط الدفاعي الأول عن طرابلس، تقع على ساحل البحر و تبعد عن طرابلس مسافة اثنتي عشر ميلا، تقويم البلدان: 254- 255.

(3) في الأصل «واليا» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا.

(4) لم أجد هذا الحصن في المظان المتوفرة، و في الكامل لابن الأثير: 8/ 256 ما يفيد اثباته حول عرقه، فقد ذكر أن حصن عرقه و هو من الحصون المنيعة «انقطعت عنه الميرة لطول مكث الفرنج في نواحيه، فأرسل- صاحبه- إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق، و قال له: أرسل من يتسلم هذا الحصن مني، قد عجزت عن حفظه، و لأن يأخذه المسلمون خير لي دنيا و آخرة من أن يأخذه الفرنج، فبعث إليه طغتكين صاحبا له اسمه اسرائيل في ثلاثمائة رجل يتسلم الحصن، فلما نزل غلام ابن عمار منه رماه اسرائيل في الأخلاط بسهم فقتله، و كان قصده بذلك أن يطلع أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال، و أراد طغتكين قصد الحصن للاطلاع عليه و تقويته بالعساكر و الأقوات و آلات الحرب، فنزل الغيث و الثلج مدة شهرين ليلا و نهارا، فمنعه، فلما زال ذلك سار في أربعة آلاف فارس ففتح حصونا للفرنج منها حصن الأكمة، فلما سمع» الفرنج ....

273

تقدير ثلاثمائة فارس لانجاد من بالأكمة، فوصلوا إليهم ليلا، فقويت نفوسهم، و اقتضى رأي أتابك الرحيل عنها بحكم من صار فيها منهم، فرحل كالمنهزم، و طمع فيه، و تتبع العسكر، فغنم من الخيل و الكراع غنيمة كبيرة و تفرق العسكر في الشجر و الجبال، و وصلوا إلى حمص على أقبح صفة، و أشنع صورة، من غير لقاء و لا محاربة، و عاد الأفرنج إلى عرقة، و عدم القوت فيها، فملكوها بالأمان.

و فيها استوزر ظهير الدين أبا نجم هبة الله بن محمد بن بديع الأصفهاني الذي كان مستوفيا للسلطان تاج الدولة، و كان قد وزر بعده لولده الملك رضوان بحلب، و بقي في الوزارة مدة، في أوائل سنة اثنتين و خمسمائة، و أفسد قلب ظهير الدين أتابك عليه مع ما كان في قلبه في الأيام التاجية، فأمر بالقبض عليه و اعتقاله في القلعة، و حمل ما كان في داره، و قبض أملاكه، و أقام أياما في الاعتقال، ثم أمر بخنقه، فخنق و رمي في جب بالقلعة، ثم أخرج و دفن في المقابر.

و في شعبان من هذه السنة وصل ريمند بن صنجيل، الذي كان نازلا على طرابلس، من بلاد الافرنج في جملة ستين مركبا في البحر، مشحونة بالأفرنج و الجنويين، فنزل على طرابلس، و وقع بينه و بين السرداني ابن أخت صنجيل مشاجرة، و وصل طنكري صاحب أنطاكية إليه لمعونة السرداني‏ (1)، و وصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس في عسكره فأصلح بينهم، و عاد السرداني إلى عرقة، و وجد بعض الأفرنج في زرعها، فأراد ضربه فضربه الافرنجي فقتله، و لما بلغ الخبر ريمند بن صنجيل، وجه من تسلم عرقة من أصحابه.

و نزل الأفرنج بجموعهم و حشدهم على طرابلس، و شرعوا في قتالها و مضايقة أهلها منذ أول شعبان إلى الحادي عشر من ذي الحجة (89 و)

____________

(1) من أجل النزاع بين وليم جوردان السرديني، و برتراند الابن الأكبر لريموند الصنجيلي و علاقة ذلك بحصار طرابلس، انظر طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي: 113- 116.

274

من السنة، و أسندوا أبراجهم إلى السور، فلما شاهد الجند و المقاتلة و أهل البلد سقط في أيديهم، و أيقنوا بالهلاك و ذلت نفوسهم لا سيما مع اليأس من تأخر وصول الاسطول المصري في البحر بالميرة و النجدة، و قد كانت علة الأسطول أزيحت، و سير و الريح ترده، لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضي، فشد الأفرنج القتال عليها و هجموها من الأبراج، فملوكها بالسيف في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة، و نهبوا ما فيها، و أسروا رجالها، و سبوا نساءها و أطفالها، و حصل في أيديهم من أمتعتها و ذخائرها و دفاتر دار علمها، و ما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده، و لا يحصر فيذكر، و سلم الوالي بها و جماعة من جنده، كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فلما ملكت أطلقوا، و وصلوا إلى دمشق بعد أيام من فتحها، و عوقب أهلها و استصفيت أموالها، و استثيرت ذخائرهم من مكامنها، و نزل بهم أشد البلاء، و مؤلم العذاب‏ (1).

و تقرر بين الأفرنج و الجنويين على أن يكون للجنويين الثلث من البلد، و ما نهب منه، و الثلثان لريمند بن صنجيل، و أفردوا للملك بغدوين من الوسط ما رضي به، و كان طنكري لما لم ينل ما أراد من نصرة السرداني، قد عاد و نزل على بانياس و افتتحها و أمن أهلها في شوال من السنة، و نزل على ثغر جبيل و فيه فخر الملك بن عمار، و القوت فيه نزر قليل، فلم يزل مضايقا له و لأهله إلى يوم الجمعة الثاني و العشرين من ذي الحجة، فراسلهم و بذل لهم الأمان، فأجابوه إلى ذلك، فتسلمه بالأمان، و خرج منه فخر الملك بن عمار سالما، و قد وعده بإحسان النظر و الإقطاع.

و وصل عقيب ذلك الاسطول المصري، و لم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال و مراكب و عدد و غلال لحماية طرابلس، و تقويتها

____________

(1) انظر كتاب طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي: 117- 131.

275

بالغلة الكثيرة و الرجال و المال لمدة سنة، مع تقوية ما في المملكة المصرية من ثغور الساحل و أهله، و وصل إلى صور في يوم الثامن من فتح طرابلس، و قد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها، و أقام بالساحل مدة و فرقت الغلة في جهاتها، و تمسك به أهل صور و صيدا (89 ظ) و بيروت، و شكوا أحوالهم و ضعفها عن محاربة الأفرنج، و لم يمكن الاسطول المقام، فأقلع عائدا عند استقامة الريح إلى مصر.

و في شوال من هذه السنة وردت الأخبار بتملك الأمير سكمان القطبي مدينة ميافارقين بالأمان بعد الحصر لها و المضايقة لأهلها عدة شهور، بعد أن عدم القوت بها، و اشتد الجوع بأهلها.

و فيها وصل بيمند صاحب أنطاكية من بلاد الأفرنج، عائدا إلى مملكته في خلق كثير، و نزل بالقرب من قسطنطينية، و خرج ملكها إليه و معه خلق كثير من التركمان المجاورين له فاقتتلوا أياما، و طلب الروم تقبيحهم بكل نوع إلى أن تفرقوا و تبددوا في البلاد، و أصلح بيمند أمره مع الملك، و دخل عليه و وطى‏ء بساطه، و من معه و كفى الله، و له الحمد، أمرهم، و صرف عن الاسلام شرهم.

و في هذه السنة توفي الأمير أرتق بن عبد الرزاق أحد مقدمي أمراء دمشق بمرض طال به، و كثر ألمه بسببه، إلى أن قضى نحبه ليلة عيد النحر من سنة اثنتين و خمسمائة.

و فيها ترددت رسل الملك بغدوين إلى ظهير الدين في التماس المهادنة و الموادعة، فاستقر الأمر بينهما، على أن يكون السواد و جبل عوف أثلاثا: للأتراك الثلث، و للأفرنج و الفلاحين الثلثان، فانعقد الأمر على هذه القضية، و كتب الشرط على هذه النية.

و كان فخر الملك بن عمار، لما ملك الأفرنج جبيل، خرج منها و توجه إلى شيزر، فأكرمه صاحبها سلطان بن علي بن المقلد بن منقذ الكناني،

276

و احترمه، و جماعته، و عرض عليه المقام عنده، فلم يفعل، و توجه إلى دمشق عائدا إلى ظهير الدين أتابك، فأكرمه و أنزله في دار، و أقطعه الزبداني و أعمالها في المحرم سنة ثلاث و خمسمائة.

سنة ثلاث و خمسمائة

لما فرغ الافرنج من طرابلس بعد افتتاحها، و تدبير أعمالها، و تقرير أحوالها، نهضوا إلى رفنية و عرف ظهير الدين ذاك من قصدهم، فنهض في العسكر نحوها لحمايتها، و خيم بإزائهم بحمص، فلم يتمكن الأفرنج من منازلتها و مضايقتها، و ترددت بينه و بينهم مراسلات و مخاطبات، أفضت إلى أن أجاب كل واحد من الفريقين (90 و) إلى تقرير الموادعة على الأعمال، و المسالمة، و استقر الأمر في ذلك على أن يكون للأفرنج الثلث من استغلال البقاع، و يسلم إليهم حصن المنيطرة (1) و حصن ابن عكار (2)، و يكفوا عن العيث و الفساد في الأعمال و الأطراف، و أن يكون حصن مصيات‏ (3) و حصن الطوبان‏ (4) و حصن الأكراد (5) داخلا في شروط الموادعة، و يحمل أهلها عنها مالا معينا في كل سنة إلى الأفرنج فأقاموا على ذلك مدة يسيرة، فلم يلبثوا على ما تقرر، و عادوا إلى رسمهم في الفساد و العناد.

و فيها توفي الشريف القاضي المكين فخر الملك أبو الفضل إسماعيل‏

____________

(1) قال ياقوت عن المنيطرة: حصن بالشام قريب من طرابلس.

(2) قلعة صغيرة في شمال لبنان (25 ميلا تقريبا إلى الشمال الشرقي من طرابلس) تربض فوق جرف جبلي على السفوح الشمالية لجبل عكار.

(3) قلعة و مدينة صغيرة في وسط سورية إلى الغرب من مدينة حماة، تقع فوق تل متدرج الانحدار في الشعاب الشرقية لجبال العلويين.

(4) ذكره ياقوت في معجم البلدان، وقع ما بين طرطوس و طرابلس، انظر الموسوعة ص 10464- 10465.

(5) تعرف الآن باسم قلعة الحصن تربض في وسط سورية إلى الغرب من حمص في منطقة وادي النضارة، موقعها ممتاز فوق ذروة مرتفعة تزيد عن/ 2100 قدم/ و تحيط بها من جميع جهاتها مدرجات متوسطة الانحدار.

277

ابن إبراهيم بن العباس الحسيني ليلة الخميس الخامس و العشرين من صفر منها بدمشق، (رحمه الله).

و في جمادى الأولى من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول السلطان ركن الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه إلى بغداد، و انفاذ كتبه إلى سائر البلاد معلما فيها بما هو عليه من قوة العزم على قصد الجهاد، و الأمر لظهير الدين أتابك بالمقام بحيث هو إلى حين ترد العساكر إلى الشام، و ينضاف إليها و يدبر أمرها، لأنه كان تابع كتبه بالاستصراخ و الاستنجاد على الكفرة الأضداد، فعرضت عوائق عن ذلك عاقت، و موانع عن المراد صدت، و طالت مدة الانتظار، و تزايد طمع الكفار بتأخر العسكر السلطانية، فحملت ظهير الدين أتابك، الحمية الاسلامية، و العزيمة التركية على التأهب للمسير بنفسه إلى بغداد لخدمة الدار العزيزة النبوية المستظهرية، و المواقف السلطانية الغياثية، و المثول بها، و الشكوى لما نزل بالمسلمين في الأعمال إليها، من تملك البلاد، و قتل الرجال، و سبي النساء و الأطفال، و حديثهم بينهم بالطمع في الإمتداد إلى تملك الأعمال الجزرية و العراقية، و تأهب للمسير، و استصحب معه فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس، و خواص أصحابه، و ما أمكنه من الخيول العربية السبق، و طرف مصر من أجناس اللباس، و ما يصلح لتلك الجهات من التحف و الهدايا من كل فن له قيمة وافرة و توجه في البرية على طريق السماوة و استناب في دمشق ولده تاج الملوك بوري، و وصاه بما يجب عمله من استعمال اليقظة (90 ظ) في الذب و الحماية و إحسان السيرة في الرعية، و المغالظة للأفرنج، و الثبات على الموادعة المستقرة معهم إلى حين العود.

فلما سار، و حصل في الوادي المعروف بوادي المياه من البرية، وافى الخبر بما شاع من المرجفين ببغداد، من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لأمراء عين عليهم، و وقعت الإشارة في ذلك إليهم، فأحدث هذا الخبر

278

وحشة أوجبت عوده عن طريقه، و اعتمد على فخر الملك بن عمار، و من عول عليه من ثقاته في الإتمام إلى بغداد بما صحبه من التحف و الهدايا، و المناب عنه في إنهاء ما دعاه إلى العود من طريقه، فوصل فخر الملك إلى بغداد بما صحبه، فصادف من الابتهاج بمقدمه و التأسف على عود أتابك، و لم يصل و يشاهد ما زاد على الأمل، و ظهور بطلان تلك الأراجيف بالمحال الذي لا حقيقة له، و تواصلت الأجوبة عن ذلك بما سر النفوس، و شرح الصدور و الاعتذار من إشاعة المحال، و أكاذيب الأخبار.

و قد كان ظهير الدين أتابك في عوده من وادي المياه، قد اتصل به أن كمشتكين الخادم التاجي، الوالي ببعلبك قد راسل الأفرنج بالتماس المصافاة منهم، و بعثهم على شن الغارات على الأطراف، و أنه قد سير أخاه بايتكين الخادم التاجي إلى السلطان، للتوصل بالمحال إلى إفساد الحال، فحين سمع ظهير الدين هذا الخبر و نفوذه، ندب جماعة من العسكر، و قرر معهم المصير إلى المسالك و الطرقات التي لابد من عبوره فيها، لمسكه و حمله إليه، فلم يقف لبايتكين المذكور على خبر، و سار ظهير الدين في العسكر من طريقه، و كتب إلى تاج الملوك يأمره بالخروج في العسكر إلى بعلبك، و النزول عليها، فسارع إلى امتثال أمره، و سار إليها و نزل عليها على غفلة من أهلها و غرة ممن بها، ثم أرسل إلى الخادم المذكور يلتمس منه الدخول في الطاعة، و تسليم الموضع إليه، و يحذره من الاستمرار على المخالفة و العصيان، و يخوفه الإقامة على ما يفضي إلى سفك الدماء، و بالغ في الاعذار له و الإنذار، فلم يجب المراد و الايثار، و أصر على الخلف و الانكار، و وافى عقيب ذلك ظهير الدين في العسكر، و من جمعه من الرجالة، و زحف إلى بعلبك مقاتلا لها، و نصب عليها المناجيق، و شرع في عمل آلة الحرب و النقوب لقصد الأماكن المستضعفة منها لانتهاز الفرصة فيها (91 و) و ترامى إليه من أحداث أهلها و أجنادها جماعة أحسن إليهم، و خلع عليهم، و زحف إلى سورها، و قاتل‏

279

من عليه، فقتل جماعة منهم، فحين شاهدوا الجد في القتال، و الصبر على النزال، جنحوا إلى الدخول في الطاعة، و التمس الخادم الإقالة، و بذل تسليم البلد و الحصن على شرط اشترطه، و اقطاع عينه، و طلب بعض المقدمين للحديث معه و التوثق لنفسه، فنفذ إليه الأمير بلتاش لمحله من الدولة، فتقررت الحال على ما اقترحه و سلم البلد و الحصن الذي هو غاية في المنعة و الحصانة، و من العجائب المذكورة، و القلاع المشهورة، و خرج إليه، و جرى على عادته الجميلة في الصفح عمن أساء إليه، و أظهر العصيان عليه، و عوضه عن بعلبك حصن صرخد، و هو مشهور بالحصانة و المنعة أيضا (1)، و أعاد إليه ما كان قبض عنه من ملك و إقطاع‏ (2)، و سلم ظهير الدين أتابك، بعلبك إلى ولده تاج الملوك بوري، فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها، و قرر أحوالها، و كانت مدة المقام في منازلتها خمسة و ثلاثين يوما و سلمت و تسلمت في اليوم الثاني و العشرين من شهر رمضان سنة ثلاث و خمسمائة و أمر ظهير الدين بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك، و تسويغ بعض خراجها (3) أهلها، و أعاد عليهم أملاكا كانت قد اغتصبت في قديم الزمان، و كثر له الدعاء، و تواصل عليه الثناء و عاد منكفيا إلى دمشق، و ورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من السنة.

و ورد الخبر بوفاة الأمير ابراهيم ينال صاحب آمد، و كان قبيح السيرة

____________

(1) ترسم الآن «صلخد» و هي مركز منطقة تابعة لمحافظة السويداء، و قد وصفها أبو الفداء في تقويم البلدان: 258- 259 بقوله: و هي بلدة صغيرة ذات قلعة مرتفعة و كروم كثيرة، و ليس لها ماء سوى ما يجمع من الأمطار في الصهاريج و البرك ... و من شرقيها تسلك طريقا تعرف بالرصيف إلى العراق.

(2) في الأصل «إلى دمشق» و هو غير مستقيم قوم من مرآة الزمان- أخبار سنة- 503- حيث نقل رواية ابن القلانسي هذه.

(3) في الأصل «بعض خراج أهلها» و هو غير مستقيم المعنى، و في مرآة الزمان عن ابن القلانسي: «و حط بعض الخراج» لذا تم التقويم.

280

فيها، مذكورا بالظلم في أهلها، و كان جماعة من أهلها قد جلوا عنها لأجل [ظلمه‏] المستمر عليهم، و اساءته إليهم، فسرت النفوس بفقده، و أمل من بعده الصلاح و قام مقامه ولده، فكان أصلح منه سريرة، و أحسن طريقة.

و في هذه السنة خرج طنكري من أنطاكية في حشده و لفيفه المخذول، إلى الثغور الشامية فملك طرسوس و ما والاها، و أخرج صاحب ملك الروم منها، و عاد إلى أنطاكية، ثم خرج إلى شيزر و قرر عليها عشرة آلاف دينار، مقاطعة تحمل إليه بعد أن عاث في عملها، و نزل على حصن (91 ظ) الأكراد فتسمله من أهلها و توجه إلى عرقه، و كان الملك بغدوين و ابن صنجيل قد نزلا على ثغر بيروت برا و بحرا، فعاد طنكري إلى أنطاكية، و سار جوسلين صاحب تل باشر (1) إلى ثغر بيروت لمعاونة النازلين عليه من الأفرنج، و يستنجد بهم على عسكر الأمير مودود النازلين على الرها، و شرع الأفرنج في عمل البرج، و نصبه على سور بيروت، فحين نجز و زحفوا به كسر بحجارة المناجيق و أفسد، فشرعوا في عمل غيره، و عمل ابن صنجيل برجا آخر، و وصل في الوقت من اسطول مصر في البحر تسعة عشر مركبا حربية، فظهروا على مراكب الأفرنج و ملكوا بعضها، و دخلوا بالميرة إلى بيروت، فقويت بها نفوس من فيها من الرعية، و أنفذ الملك إلى السويدية يستنجد بمن فيها من الجنوية في مراكبهم، فوصل منها إلى بيروت أربعون مركبا مشحنة بالمقاتلة، فزحف الأفرنج في البر و البحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي و العشرين من شوال، و نصبوا على السور برجين اشتدوا في القتال، فقتل مقدم الاسطول المصري، و خلق كثير من المسلمين، و لم ير الأفرنج من ما تقدم و تأخر أشد من حرب هذا، و انخذل الناس في البلد

____________

(1) يعرف الآن باسم «تل باجر» و هو تابع اداريا لمنطقة جبل سمعان، احدى مناطق محافظة حلب.

281

و أيقنوا بالهلكة، فهجم الأفرنج على البلد آخر نهار هذا اليوم، فملكوه بالسيف قهرا و غلبة و هرب الوالي الذي كان فيه في جماعة من أصحابه [ثم أمسك‏] (1) و حمل إلى الأفرنج فقتل و من كان معه، و غنموا ما كان استصحبه من المال، و نهب البلد و سبي من كان فيه، و أسر و استصفيت أموالهم و ذخائرهم، و وصل عقيب ذلك من مصر ثلاثمائة فارس نجدة لبيروت، فحين حصلوا بالأردن خرجت عليهم فرقة من الأفرنج يسيرة العدد، فانهزموا منهم إلى الجبال، فهلك منهم جماعة.

فلما تقرر أمر بيروت رحل الملك بغدوين في الأفرنج، و نزل على ثغر صيدا، و راسل أهله يلتمس تسليمه، فاستمهلوه مدة عينوها، فأجابهم إلى المهلة بعد أن قرر عليهم ستة آلاف دينار تحمل إليه مقاطعة، و كانت قبل ذلك ألفي دينار، و رحل عنها إلى بيت المقدس للحج.

و في هذه السنة وردت الأخبار بظهور الكرج على بلاد (2) كنجة (92 و) و ما قاربها، و أكثروا العيث و الفساد في نواحيها، و انتهى الخبر بذلك إلى السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه، فأنهض عسكرا وافر العدد، فأوقع بهم و شردهم، و عن الفساد و العيث أبعدهم بالفتك فيهم، و طردهم و دوخ بلادهم، و أخرب أعمالهم، فأمن أهل بلاد كنجة من شرهم، و قامت الهيبة بإهلاكهم، و عاد العسكر السلطاني ظافرا غانما.

و في هذه السنة وردت الأخبار بظهور قوم من كافر ترك على من صادفوه في الأعمال، و وصلوا إلى جيحون فأفسدوا تلك الأعمال، و أعاثوا فيها، و اتصل الخبر بالسلطان المعظم أبي الحارث سنجر بن ملك شاه، سلطان خراسان، فأنهض إليهم أميرا كبيرا من مقدمي عساكر

____________

(1) زيد ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق حيث أن النص ألم به سقط.

(2) هي وراء أرمينية العليا، و هي من مشهور بلاد أران (اللان) على مرحلتين من برذعة.

تقويم البلدان: 404- 405.

282

خراسان، في عدد دثر من الأتراك، فظفر بهم و كسرهم، و قتل منهم خلقا كثيرا [فأقبلوا] (1) عائدين خاسرين مفلولين.

و في ثامن ذي القعدة من السنة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة إلى القبلة، و أقام إلى آخر ذي الحجة، ثم غاب.

و فيها كاتب السلطان غياث الدنيا و الدين الأمير سكمان القطبي، صاحب أرمينية و ميافارقين، و شرف الدين مودود صاحب الموصل يأمرهما بالمسير في العساكر إلى جهاد الأفرنج، و حماية بلاد الموصل، فجمعا و احتشدا، و نهضا و نزلا بجزيرة بني نمير إلى أن تكامل وصول ولاة الأطراف إليهما، و خلق كثير من المتطوعة، و وصل إليهما أيضا الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق في خلق كثير من التركمان، و اجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه جميع الأفرنج، و اتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرها و مضايقتها، إلى أن يسهل الله افتتاحها بحكم حصانتها و منعتها.

فرحلوا بأسرهم و نزلوا عليها في العشر الثاني من شوال، و أحاطوا بها من جهاتها كالنطاق، و منعوا الداخل و الخارج بالمسير إليها، و كان القوت بها قليلا، فأشرف من بها على الهلاك، و غلا بها السعر، و طالت مدة الحصر لها و التضييق عليها، و حين عرف الأفرنج صورة هذه الحال، شرعوا في الجمع و الإحتشاد، و التأهب للذب عنها، و الاستعداد، و اتفقت الكلمة بينهم على هذه الحال، و اجتمع (92 ظ) طنكري صاحب أنطاكية و ابن صنجيل صاحب طرابلس، و الملك بغدوين و مقدمو ولاة الأعمال من الأفرنج، و تعاهدوا و تعاقدوا على الثبات في الحرب و المصابرة و اللباث، فلما استقرت الأحوال بينهم على البينة رحلوا بأسرهم إلى ناحية الرها.

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق. انظر ما ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان- أخبار سنة 503. ه.

283

و اتصلت الأخبار بظهير الدين أتابك، و عرف صورة الحال فيما تقرر بينهم، فسار من دمشق في العسكر و خيم على سلمية، و عرف أن الافرنج قد قصدوا في طريقهم رفنية، و فيها الأمير شمس الخواص و اليها، و أنهم لما نزلوا عليها ظهر إليهم في خيله و قتل منهم جماعة، و وصل إلى المخيم بسلمية، و اجتمع إليه خلق كثير من الشام، و وصل الخبر بحصول الأفرنج على الفرات عازمين على قطعه (قصد) الرها، فرحل أتابك في الحال و توجه إلى ناحية الرقة و قلعة جعبر، و قطع الفرات و تلوم هناك إلى أن عرف خبر الأفرنج، أنهم قد أحجموا عن العبور لتفرق سرايا العساكر الاسلامية و طلائعهم في سائر الجهات و المسالك إلى الفرات.

و لما عرف المسلمون قرب الأفرنج منهم، اتفقت الآراء فيما بينهم على الإفراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات، و رحلوا عن الرها في آخر ذي الحجة منها، و نزلوا أرض حران على سبيل الخديعة و المكر، و كانت حران قد حصلت للأمير مودود، و سلمها إلى نجم الدين ايل غازي بن أرتق، و توقف المسلمون عن لقاء الأفرنج إلى أن يقربوا منهم، و يصل إليهم عسكر دمشق، و فطن الأفرنج لهذا التدبير و الاتفاق عليه، فخافوا و استشعروا الهلاك و الخذلان، و أجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطى‏ء الفرات، و بلغ المسلمين خبرهم، فنهضوا في إثرهم و أدركهم سرعان الخيل و قد قطع الفرات بعضهم من مقدميهم، فغنم المسلمون سوادهم و أثقالهم، و أتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلا و أسرا و تغريقا في الفرات، و امتلأت الأيدي من الغنائم و الأسلاب و السبي و الدواب، و لم يتمكن المسلمون من قطع الفرات للحاق بهم بحكم اشتغالهم بأمر الرها، و العود إليها، و كانوا قد أخرجوا منها كل ضعيف الحال، و رتبوا جماعة من الأرمن لحفظها، و حملوا إليها ما صحب العسكر الواصل من الأقوات تقوية لها، و خرج بغدوين‏

284

الرويس (93 و) صاحبها عنها، و توجه صحبة الأفرنج المنهزمين، و أقام عسكر الإسلام على الفرات أياما نازلا بإزائهم، و رحل طالبا للعود إلى منازلة الرها، و عرف ظهير الدين أتابك خبر عودهم على تلك الصفة، فعاد منكفئا إلى عمله لحمايته منهم، بعد أن نفذ شطرا وافرا من معسكره إلى النازلين على الرها لمعونتهم، و وصل إلى دمشق و أقام من كان أنهضه من عسكره إلى الرها إلى أن خلت البلاد منهم و أذن لهم في العود إلى أماكنهم بعد إكرامهم و الإحسان إليهم‏ (1).

و ترددت بين أتابك ظهير الدين، و بين الأمير شرف الدين مودود مراسلات، أفضت إلى استحكام المودة بينهما، و اتفاق الكلمة، و تأكيد أسباب الإلفة، فطال مقام عسكر الاسلام على الرها لامتناعها و حصانتها، و قل تواصل الميرة إلى المخيم، و عدم وجودها، فدعتهم الحاجة إلى العود عنها، فتفرقوا بعد أن رتبوا من يقيم على حران لحصر الرها.

و حدث لنجم الدين ايل غازي بن أرتق استيحاش من سكمان القطبي لأمر تجدد بينهما، فأجفل من حران إلى ماردين، فقبض سكمان على ابن أخيه بلك، و حمله معه إلى بلده مقيما.

و بعد تفرق العساكر الاسلامية عن الرها عاد إليها بغدوين الرويس صاحبها، و حصل بها، و الغارات متواصلة على أطرافها، و قد كان الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب لما عرف هزيمة الأفرنج خرج إلى أعمال حلب، و استعاد ما كان غلب الأفرنج عليه منها، و غار على عمل أنطاكية، و غنم منه غنيمة وافرة، و لما عرف خبر عودهم عاد إلى حلب، و وصل الأفرنج عقيب ذلك فأفسدوا في عمل حلب، و قتلوا و أسروا خلقا كثيرا، و عاد طنكري و نزل على الأثارب‏ (2)، و ملكها بعد طول‏

____________

(1) كان جمع العساكر الاسلامية موسميا خاضعا لقواعد الاقطاع العسكري.

(2) هي قلعة حصينة بين حلب و أنطاكية. اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير. ط.

بيروت: 1980.

285

حصرها و المضايقة لها، و ذلك في جمادى الآخرة من السنة، و آمن أهلها، و خرج منها من أراد الخروج، و أقام من آثر المقام، و استقرت الموادعة بعد ذلك بين الملك فخر الملوك رضوان و بين طنكري، على أن يحمل إليه الملك من مال حلب في كل سنة عشرين ألف دينار مقاطعة، و عشرة أرؤس خيلا، و فكاك الأسرى، و استقرت على هذه القضية.

و فيها وصل الملك بغدوين صاحب (93 ظ) بيت المقدس إلى ناحية بعلبك و عزم العيث و الإفساد في ناحية البقاع، و ترددت المراسلة بينه و بين ظهير الدين أتابك في هذا المعنى، إلى أن تقررت الموادعة بينهما على أن يكون الثلث من استغلال البقاع للأفرنج، و الثلثان للمسلمين و الفلاحين، و كتبت بينهما المواصفة بهذا الشرح في صفر من السنة، و رحل عائدا إلى عمله، و قد فاز بما حصل في يده و أيدي عسكره من غنائم بعلبك، و البقاع.

و وردت الأخبار فيها بوصول بعض ملوك الأفرنج في البحر، و معه نيف و ستون مركبا مشحونة بالرجال لقصد الحج و الغزو في بلاد الإسلام، فقصد بيت المقدس، و توجه إليه بغدوين و اجتمع معه، و تقرر بينهما قصد البلاد، فلما عادا من بيت المقدس نزلا على ثغر صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع و خمسمائة و ضايقوه برا و بحرا، و كان الاصطول المصري مقيما على ثغر صور، و لم يتمكن من إنجاد صيدا، فعملوا البرج و زحفوا به إليها، و هو ملبس بحطب الكرم و البسط و جلود البقر الطرية، ليمنع من الحجارة و النفط، و كانوا إذا أحكموه على هذه الصورة نقلوه على بكر تركب تحته في عدة أيام متفرقة، فإذا كان يوم الحرب و قرب من السور، زحفوا به و فيه الماء و الخل لطفي النار، و آلة الحرب.

فلما عاين من بصيدا هذا الأمر، ضعفت نفوسهم، و أشفقوا من مثل نوبة بيروت، فأخرج إليهما قاضيها و جماعة من شيوخها، و طلبوا من‏

286

بغدوين الأمان، فأجابهم إلى ذلك، و أمنهم و العسكرية معهم على النفوس و الأموال، و إطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، و استحلفوه على ذلك و توثقوا منه و خرج الوالي و الزمام و جميع الأجناد و العسكرية، و خلق كثير من أهل البلد، و توجهوا إلى دمشق لعشرين بقين من جمادى [الأولى‏] (1) لسنة أربع و خمسمائة، و كانت مدة الحصار سبعة و أربعين يوما، و رتب بغدوين الأحوال بها و الحافظين لها، و عاد إلى بيت المقدس، ثم عاد بعد مدة يسيرة إلى صيدا، فقرر على من أقام بها نيفا و عشرين ألف دينار، فأفقرهم و استغرق أحوالهم، و صادر من علم أن له تنبه منهم.

سنة أربع و خمسمائة

(94 و) في هذه السنة وردت الأخبار بأن جماعة من التجار المسافرين خرجت من تنيس‏ (2) و دمياط و مصر ببضائع و أموال جمة، كانوا قد ضجروا و ملوا طول المقام، و تعذر مسير الاسطول في البحر، و حملوا نفوسهم على الخطر، و أقلعوا في البحر، فصادفتهم مراكب الأفرنج، فأخذتهم و حصل في أيديهم من الأمتعة و المال ما يزيد على مائة ألف دينار، و أسروهم و عاقبوهم، و اشتروا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق و غيرها.

و أما بغدوين فإنه لما عاد من صيدا، قصد عسقلان، و غار عليها، و كان واليها المعروف بشمس الخلافة يراسل بغدوين، فاستقرت الحال بينهما على مال يحمله إليه، و يرحل عنه و يكف الأذية عن عسقلان، و كان شمس الخلافة أرغب في التجارة من المحاربة، و مال إلى الموادعة و المسالمة و إيمان السابلة، و قرر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل‏

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من الكامل لابن الأثير: 8/ 260.

(2) في تقويم البلدان: 118- 119: «و تنيس جزيرة في مصر في وسط بحيرة تعرف ببحيرة تنيس قريبة من ماء البحر» المتوسط.

287

إليه في مدة سنة و ثلاثة شهور، و انتهى الخبر بذلك إلى الأفضل صاحب مصر في شوال، فأنكر هذه الحال، و أسرها في نفسه، و لم يبدها لأحد من خاصته، و جهز عسكرا كثيفا إلى عسقلان مع وال يكون مكان شمس الخلافة، فلما قرب من عسقلان و عرف شمس الخلافة ذاك أظهر الخلاف على الأفضل، و جاهر بالعصيان عليه، و أخرج من كان عنده من العسكرية لخوفه من تدبيرهم عليه من الأفضل لما يعلمه من الأمور التي أنكرها عليه، و نقمها منه، و مراسلته لبغدوين يلتمس منه المصافاة و المعونة بالرجال و الغلال، و إن دهمه أمر، و حزبه خطب، سلم إليه عسقلان فطلب منه العوض عنها، فلما عرف الأفضل ذلك أشفق من تمام هذا الأمر، فكاتبه بما يطيب نفسه، و غالطه و أقطعه عسقلان و أقر إقطاعه بمصر عليه، و أزال الاعتراض لشي‏ء من ماله في ديار مصر من خيل و تجارة و أثاث، و خاف شمس الخلافة من أهل البلد، فاستدعى جماعة من الأرمن فأثبتهم في عسقلان، و لم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة أربع و خمسمائة، فأنكر أمره أهل البلد، و وثب عليه قوم من كتامة و هو راكب فجرحوه، و انهزم إلى داره فتبعوه و أجهزوا عليه، و نهبوا داره و ماله، و تخطفوا بعض دور (94 ظ) الشهود و العامة، و انتهى الخبر إلى صاحب السيارة فبادر إلى البلد، فأطاع أمره من به، و أنفذوا رأسه إلى الأفضل إلى مصر، و أنهوا جلية حاله، فحسن موضع ذلك منه و موقعه، و أحسن إلى الواردين بهذه البشرى، ثم تقدم بمطالبة القوم القاتلين بما نهبوه من داره، و استولوا عليه من ماله، و مال أهل البلد، و اعتقالهم، و قبض جماعة من أهل البلد، و حملهم إلى مصر، و لما وصلوا اعتقلوا فيها.

و في هذه السنة هبت بمصر و أعمالها ريح سوداء، و طلع سحاب أسود أخذ بالأنفاس و أظلمت منه الدنيا، حتى لم يبصر أحد يده، و الريح تسفي الرمل في مقل الناس و وجوههم، حتى يئسوا من الحياة، و أيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه، و الخوف مما نزل بهم، و لما تجلى ذلك السواد، عاد إلى الصفرة، و الريح بحالها، ثم انجلت الصفرة، و ظهرت للناس‏

288

الكواكب، و ظن أهل تلك الأعمال بأن القيامة قد قامت، و خرج الناس من منازلهم و أسواقهم إلى الصحراء، و ركدت الريح، و أقلع السحاب، و عاد الناس إلى منازلهم سالمين من الأذى، و كانت مدة هذه الشدة منذ صلاة العصر إلى صلاة المغرب.

و فيها وصل السلطان غياث الدين محمد بن ملك شاه من همذان إلى بغداد، في جمادى الأولى منها، و وردت الكتب و الرسل إليه من الشام بإنهاء الحال، و ما جرى من الأفرنج بعد عودهم عن الفرات، و نوبة صيدا و الأثارب و أعمال حلب.

و لما كان أول جمعة من شعبان حضر رجل من الأشراف الهاشميين من أهل حلب، و جماعة من الصوفية و التجار و الفقهاء إلى جامع السلطان ببغداد، فاستغاثوا و أنزلوا الخطيب عن المنبر، و كسروه، و صاحوا و بكوا لما لحق الإسلام من الأفرنج، و قتل الرجال و سبي النساء و الأطفال، و منعوا الناس من الصلاة، و الخدم و المقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من إنفاذ العساكر، و الانتصار للإسلام من الأفرنج و الكفار، و عاودوا في الجمعة الثانية المصير إلى جامع الخليفة، و فعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء و الضجيج و الاستغاثة و النحيب.

و وصلت عقيب ذلك الخاتون السيدة، أخت السلطان، و زوجة الخليفة إلى بغداد من أصفهان، و معها من التجمل و الجواهر و الأموال و الآلات، و أصناف المراكب و الدواب و الأثاث (95 و) و أنواع الملابس الفاخرة، و الخدم و الغلمان و الجواري و الحواشي، مالا يدركه حزر فيحصر، و لا عد فيذكر، و اتفقت هذه الاستغاثة، فتكدر ما كان صافيا من الحال و السرور بمقدمها، و أنكر الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ما جرى، و عزم على طلب من كان الأصل و السبب ليوقع به المكروه، فمنعه السلطان من ذلك، و عذر الناس فيما فعلوه، و أوعز إلى الأمراء و المقدمين بالعود إلى أعمالهم، و التأهب للمسير إلى جهاد أعداء الله الكفار.

289

و في جمادى الآخرة منها، وصل رسول متملك الروم بهدايا و تحف و مراسلات، مضمونها البعث على قصد الأفرنج، و الإيقاع بهم و الاجتماع على طردهم من هذه الأعمال، و ترك التراخي في أمرهم، و استعمال الجد و الاجتهاد في الفتك بهم قبل إعضال خطبهم و استفحال شرهم، و يقول إنه قد منعهم من العبور إلى بلاد المسلمين، و حاربهم، فإن طمعوا فيها، بحيث تتواصل عساكرهم و إمدادهم إلى البلاد الإسلامية احتاج إلى مداراتهم و إطلاق عبورهم و مساعدتهم على مقاصدهم و أغراضهم، للضرورات القائدة إلى ذلك، و يبالغ في الحث و التحريض على الاجتماع على حربهم، و قلعهم من هذه الديار بالاتفاق عليهم.

و في هذه السنة نقض الملك بغدوين صاحب بيت المقدس الهدنة المستقرة بين أتابك و بينه، و كتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس يلتمس منه الوصول إليه في عسكره، ليجتمع معه في طبرية، و جمع و حشد، و رحل إلى ناحية بيت المقدس لتقرير أمر كان في نفسه، فحدث له في طريقه مرض أقام به أياما، ثم أبل منه و أفاق، و قصد في حشده ناحية البثنية من حوران، و قد أطرح كل من في الشام، و لم يبق في عينه منهم أمر يحفل به من جهتهم، فنهض ظهير الدين أتابك عند معرفته قصده في عسكره، و نزل في المنزل المعروف برأس الماء (1)، ثم رحل عنه إلى اللجاة، و نهض الأفرنج في إثره إلى الصنمين‏ (2)، ففرق أتابك العسكر عليهم من عدة جهات، و بث في المعابر و المسالك خيلا تمنع من حمل الميرة إليهم، و ضايقهم مضايقة ألجأتهم إلى الدخول في حكم المسالمة و الموادعة، و ترددت المراسلات في ذلك (95 ظ) إلى أن استقرت الحال بينهما على أن يكون لبغدوين النصف من ارتفاع جبل عوف و السواد

____________

(1) اسمه الآن نبع السريا قرب قرية فقيع بحوران بين جاسم و نوى، جرت مياهه إلى قرية الشيخ مسكين و يبعد عن دمشق مسافة/ 70 كم/.

(2) على الطريق الدولية التي تصل دمشق بدرعا. و تبعد عن دمشق حوالي/ 15/ ميلا.

290

و الحيانية مضافا إلى ما في يده، و من هذه الأعمال التي يليها في أيدي العرب من آل جراح، و كتب بينهما هذا الشرط، و رحل كل منهما منكفئا إلى عمله في آخر ذي الحجة منها.

و قد كان الأمر تقرر مع السلطان غياث الدنيا و الدين على إنهاض العساكر عقيب تلك الاستغاثة المقدم شرحها ببغداد، و التقدم إلى الأمراء بالتأهب للمسير إلى الجهاد، فتأهبوا لذلك، و كان أول من نهض منهم إلى أعمال الأفرنج الأمير الاسفهسلار شرف الدين مودود، صاحب الموصل، في عسكره إلى شبختان‏ (1)، فافتتح تل قراد (2) و عدة حصون هناك بالسيف و الأمان و وصل إليه الأمير أحمديل‏ (3) في عسكر كثيف الجمع، و كذلك تلاه الأمير قطب الدين سكمان القطبي من بلاد أرمينية و ديار بكر، فاجتمعوا في أرض حران، و كتب إليهم سلطان بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر، و شروعه في بناء تل ابن معشر في مقابلة شيزر، و حمل الغلال إليه، و يستصرخهم و يبعثهم على الوصول إلى جهته، فحين عرفوا ذاك رحلوا إلى الشام، و قطعوا الفرات في النصف من المحرم سنة خمس و خمسمائة، و نزلوا على تل باشر في التاسع عشر من المحرم، و أقاموا عليه منتظرين وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان، و كان قد أمر من السلطان بالتقدم عليهم، فوصل إليهم في بعض عسكره، و به مرض من علة النقرس، و سكمان القطبي أيضا مريض، و الآراء بينهما مختلفة، و قاتل‏

____________

(1) في الأصل سنجتان، و قد ضبطه أمدروز/ سنجتان/ و لم أجد لهذا الموقع من ذكر في المصادر الجغرافية و وجدت في الباهر لابن الأثير: 17 «شبختان» حيث قال: «فما بلغني منها أن الأمير مودودا سار إلى الغزاة بالشام، ففتح في طريقه قلاعا من شبختان كانت للفرنج» و شبختان كما يستنتج من ياقوت هي في بلاد الأرمن في ديار ربيعة. انظر زبدة الحليب: 2/ 158.

(2) في الأصل: «تل مراد» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا ففي معجم البلدان: تل قراد: حصن مشهور في بلاد الأرمن من نواحي شبختان.

(3) أحمديل الكردي صاحب مراغة أعظم بلاد أذربيجان و أشهرها، ترجم له ابن العديم في بغية الطلب. انظر كتابي: مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 254.

291

المطوعة و السوقة هذا الحصن و نقبوه، فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى الأمير أحمديل الكردي يلاطفه بمال و هدية، و يبذل له الكون معه، و الميل إليه، و كان أكثر العسكر مع أحمديل، و سأله الرحيل عن الحصن و ينزل إليه، فأجابه إلى ذلك، على كراهية من باقي الأمراء، و اشتد مرض سكمان القطبي، و عزم أحمديل على العود طمعا منه في أن السلطان يقطعه بلاد سكمان، و كان قد عقد بينهما وصلة و صهر، فعادوا عن تل باشر إلى حلب، و نزلوا عليها، و عاثوا في أعمالها و فعلوا أقبح من فعل الأفرنج في الفساد، و توقعوا خروج (96 و) الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب إليهم، أو خدمة ينفذها لهم، فلم يلتفت إلى أحد منهم، و أغلق أبواب حلب، و أخذ رهائن أهلها إلى القلعة، و رتب الجند و أحداث الباطنية و الطائعين لحفظ الأسوار، و منع الحلبيين من الصعود إلى السور، و أطلق الحرامية في أخذ من يظفرون به من أطراف العسكر (1).

و قد كان ظهير الدين أتابك عند اجتماع هؤلاء الأمراء، و عبورهم الفرات قد كاتبوه بالوصول إليهم، ورد التدبير فيما يعتمدونه عليه إليه، و وصل إليه كتاب السلطان بمثل هذه الحال، فاقتضت الصورة، و صائب الرأي أن ينهض في العسكر نحوهم للاعتضاد على الجهاد، و تقوية النفوس على حماية هذه البلاد من أهل الشرك و الإلحاد، و جمع من أمكنة من رجال حمص و حماة و رفنية و سائر المعاقل الشامية، و سار إليهم و وصلهم على ظاهر حلب، فتلقوه بالإكرام و المزيد من الاحترام، و قويت بوصوله النفوس، و اشتدت الظهور، و سروا بحصوله عندهم سرورا، ظهر منهم و شاع منهم، فلم ير منهم عزيمة صادقة في جهاد، و لا حماية بلاد.

و أما سكمان القطبي فإن المرض اشتد به، و أشفي منه ففصل عنهم‏

____________

(1) انظر تفاصيل خبر هذا و آثاره في ترجمة رضوان في بغية الطلب لابن العديم. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 292- 294.

292

و عاد إلى بلده‏ (1)، و ورد الخبر بوفاته في طريقه قبل وصوله الفرات‏ (2)،

____________

(1) في الأصل «ولده» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

(2) سكمان القطبي هو صاحب ميافارقين، و كان قبل ذلك يمتلك أخلاط، و تحدث الفارقي في تاريخه: 274- 278 عن تسلمه لميافارقين ثم مشاركته في حملة مودود حتى وفاته، و رواية الفارقي لها أهمية خاصة لأن حوادثها وقعت في منطقة هو مؤرخها، يقول الفارقي: «و في الخميس العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين و خمسمائة نزل الأمير سكمان صاحب أخلاط إلى ميافارقين و حاصرها، و كان تشرين الأول من السنة، و حاصرها و ضايقها و كانت شتوة صعبة، و بقي يحاصرها سبعة أشهر، ثم سلمها إليه أتابك خمرتاش بعد ذلك في شوال سنة اثنتين و خمسمائة، و دخل ميافارقين ... و أقام بميافارقين، و أزال عنهم الكلف و المؤن و الأعشار و الأقساط و أسقط دار الضرب، و ما كان جدده المحتسب و أتابك و اتخذوه من الرسوم، و حط عن الناس أشياء كثيرة، و أطلق الحشر للسور، و أجرى الناس على أملاكهم، و خفف عنهم من الخراج، و أزال عنهم جميع أسباب الظلم، و نزل في القصر واليا مملوكه غزغلي و سلم البلد إلى خواجا أثير الدولة أبو الفتوح، و بقي الناس معه على كل خير ...

و في سنة أربع و خمسمائة نزل الأمير سكمان إلى ميافارقين، و قصد الرها و معه عساكر عظيمة فمات هناك، و وصل تابوته إلى ميافارقين، و حمل إلى أخلاط و دفن بها .. و في سنة ست و خمسمائة وصلت خاتون زوجة الأمير سكمان، و ولده الأمير إبراهيم إلى ميافارقين، و عزل غزغلي عن الولاية، و ولي السديد أبو سعد الحويلي الوزارة، و ولى ميافارقين أخوه أبو منصور المعين، و استقر متوليا ..

و في سنة سبع و خمسمائة قتل الأمير إبراهيم بن سكمان الوزير السديد في ولاية منازجرد، و أظهر أخوه المعين العصيان بميافارقين و بقي مدة متحكما في البلد .. و في آخر سنة ثمان و خمسمائة وصل قراجا الساقي مملوك السلطان محمد إلى باب ميافارقين، و نزل على الروابي، و بقي مدة، و المعين متولي البلد و هو لا يظهر إلا أنه عابر و هو ينتظر من يلحقه من أصحابه، و لا يراسل المعين و لا يكلمه، و أخرج له المعين الإقامة و الضيافة، و كان كل يوم يركب إلى الصيد، و يعبر على باب البلد، فعبر ذات يوم كعادته على باب المدينة بباب الحوش، و هجم على الباب، و قطع بسيف كان بيده السلسلة، و دخل فوثب إليه بعض الخراسانية فجذب سيفه، و صاح فيه الأمير فدخل إلى داخل البلد، و معه جماعة فوقف داخل الباب، فوثب إلى بين يديه رجل حداد، و مشى بين يديه إلى باب القصر، و وقعت الصيحة، و غلق باب القصر، و اجتمع الناس، و بقوا ساعة، ففتح المعين باب القصر، و دخل عز الدين قراجة إلى ميافارقين في آخر سنة ثمان و خمسمائة و نزل المعين إلى دار العجمية، و ملك قراجا البلد، و دخل أصحابه و رحله و ثقله و زوجته، و كانت جارية للسلطان محمد، و كان معها ابنة السلطان تسمى فاطمة خاتون صغيرة، و هي التي تزوجها الخليفة المقتفي في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة، و لقد حضرت لما دخلت إليه دار الخلافة في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة ببغداد ..

و بقي قراجا ثلاثة أيام، و استوزر المعين، و خلع عليه ورد الأمور إليه ..

ثم إن السلطان نفذ طلبه و استدعاه، فمضى إليه و أعطاه ولاية فارس و شيراز و المعين معه وزيره، فنفذ السلطان واليا اسمه الرزبيكي فدخل ميافارقين و بلدها و أخذوا منه من كل جانب و خرب أكثره، و كان قد أخذ منه في ولاية أتابك خمرتاش مواضع كثيرة فأخذ منه الأمير سكمان بن أرتق بلد حزة لحصن كيفا من قاطع شط ساتيدما إلى باب الشعب إلى شط أرزن مقدار مائة ضيعة، و أخذ لماردين نجم الدين إيلغازي بلد الحناضلة من قاطع دجلة إلى جبل الصور-

293

و أما برسق فإنه كان يحمل في المحفة و لا يتمكن من فعل و لا قول، أما أحمديل فإن عزمه قوي على العود بسبب بلاد سكمان و طمعه في اقتطاعها من السلطان فاستجرهم ظهير الدين أتابك إلى الشام، فرحلوا في آخر صفر و نزلوا معرة النعمان، فأقاموا على ذلك المنهاج الأول، و امتار العسكر من عملها ما كفاهم، و قصروا عن جملة من العلوفات و الأقوات، و ظهر لظهير الدين من سوء نية المقدمين فيه ما أوحشه منهم، و نفر قلبه من المقام بينهم، و ذكر له أن الملك فخر الملوك رضوان راسل بعض الأمراء في العمل عليه، و الإيقاع به، فاتفق مع الأمير شرف الدين مودود، و تأكدت المصافاة و المعاهدة بينهما، و حمل إلى بقية الأمراء ما كان صحبه من الهدايا لهم و التحف، و الحصن العربية السبق، و الأعلاق المصرية (96 ظ) و قوبل ذلك منه بالاستكثار له و الاستطراف و الشكر و الاعتراف، و وفى له مودود بما بذله، و ثبت على المودة، و جعل أتابك يحرضهم على قصد طرابلس، و يعدهم حمل ما يحتاجونه إليه من المير من دمشق و عملها، و إن أدركهم الشتاء أنزلهم في بلاده، فلم يفعلوا و تفرقوا أيدي سبأ، و عاد برسق بن برسق و أحمديل، و تبعوا عسكر سكمان القطبي، و تخلف منهم الأمير مودود مع أتابك، فرحلا عن المعرة و نزلا على العاصي.

و لما عرف الأفرنج رحيل العساكر، و تفرقهم اجتمعوا، و نزلوا

____________

- مقدار ثمانين ضيعة، و أخذ الأمير فخر الدولة إبراهيم صاحب آمد مقدار ثلاثين ضيعة من شرقي نهر الحو، و أخذ الأمير شاروخ صاحب حاني رأس الجسر الأعلى، و أخذ الأمير أحمد صاحب ابن مروان (و هو ابن الأمير نظام الدين) بلد الهتاخ، و أخذت السناسنة مقدار ثلاثين قرية من غاب الجوز و ما حوله داخل رأس السلسلة، و أخذ حسام الدولة صاحب أرزن خمسا و عشرين قرية من بين النهرين، و كان ذلك لاختلاف الولاة و تغير الدول.

و قال أيضا: إن في اثنتي عشرة و خمسمائة نفذ السلطان إلى الرزبيكي رسولا يأمره أن يسلم ميافارقين إلى نجم الدين إيلغازي، فحضر و سلمها إليه، و ملكها و خرج الرزبيكي و نزل على الروابي، و أقام ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع وصله رسول من السلطان يأمره أن لا يسلم، فوجد الأمر قد فات، و استقر نجم الدين بميافارقين، و أظهر العدل و الإنصاف و الإحسان إلى الناس.

294

أفامية بأسرهم: بغدوين، و طنكري، و ابن صنجيل، بعد التباين و المنافرة و الخلف، و صاروا يدا واحدة و كلمة متفقة على الإسلام و أهله، و ساروا لقصدهم، فخرج سلطان بن منقذ من شيزر بنفسه و جماعته، و اجتمع مع أتابك و مودود، و حرضهما على الجهاد، و هون عليهما أمر الأفرنج، فرحلوا و قطعوا العاصي، و نزلوا في قبلي شيزر، و صار سوق العسكر في سوق شيزر، و نزل عسكر مودود حول شيزر، و بالغ ابن منقذ و جماعته في الخدمة و المواصلة بالميرة، و أصعد أتابك و مودود و خواصهما إلى حصن شيزر، و باشر خدمتهما بنفسه و أسرته، و نزل الأفرنج شمالي تل ابن معشر و دبر أمر العسكر أحسن تدبير، و بثت الخيل من جميع جهاتهم تطوف حولهم، و تجول عليهم، و تمنع من الوصول إليهم، و ضيقوا عليهم و حلأوهم عن‏ (1) الماء و ذادوهم عن العاصي لكثرة الرماة على شطوطه و جوانبه من قبليه، فما يدنو منه من الأفرنج شخص إلا و قد قتل، و طمع الأتراك فيهم و سهل أمرهم عليهم، و كانت خيل المسلمين مثل خيل الأفرنج إلا أن راجلهم أكثر، و زحف الأتراك إليهم فنزلوا للحرب عن تل كانوا عليه، فهجمت الأتراك عليهم من غربيهم و نهبوا جانبا من عسكرهم، و ملكوا عدة من خيامهم و أثقالهم، و جالوا حولهم، فعادوا إلى مكانهم الذي كانوا به، و رجعوا منه، و ذلك في شهر ربيع الأول، و اشتد خوف الأفرنج من الأتراك، و أقاموا ثلاثة أيام لا يظهر أحد منهم، و لا يصل إليهم شخص، و عاد المسلمون لصلاة الجمعة في جامع شيزر، فرحل الأفرنج إلى أفامية و لم ينزلوا فيها، بل تعدوها، و تبعهم المسلمون عند معرفة (97 و) رحيلهم، و تخطفوا أطرافهم، و من ظفروا به سائرا على آثارهم، و عادوا إلى شيزر، و رحلوا إلى حماة، و استبشر الناس بعود الأفرنج على هذه الحال.

____________

(1) أي صدوهم و نفوهم. النهاية في غريب الحديث و الأثر لابن الأثير.

295

سنة خمس و خمسمائة

و [فيها] استحكمت المودة بين ظهير الدين أتابك، و بين الأمير مودود.

و في هذه السنة جمع بغدوين الملك من أمكنه جمعه من الأفرنج، و قصد ثغر صور، فبادر عز الملك و اليه و أهل البلد بمراسلة ظهير الدين أتابك بدمشق يستصرخون به و يستنجدونه، و يبذلون تسليم البلد إليه، و يسألونه المبادرة و التعجيل بإنفاذ عدة وافرة من الأتراك تصل إليهم سرعة لمعونتهم و تقويتهم، و إن تأخرت المعونة عنهم قادتهم الضرورة إلى تسليمه إلى الأفرنج، ليأسهم من نصرة الأفضل صاحب أمر مصر، فبادر أتابك بإنفاذ جماعة وافرة من الأتراك بالعدد الكاملة تزيد على المائتين فرسانا رماة أبطالا، فوصلت إليهم، و أتت أهل صور رجالة كثيرة من صور و جبل عاملة رغبوا في ذلك مع رجالة من دمشق، وصلوا إليهم، و حصلوا عندهم، و شرع أتابك في إنفاذه عدة أخرى، فحين عرف بغدوين ما تقرر بين أتابك و أهل صور، بادر النزول عليها فيمن جمعه و حشده في اليوم الخامس و عشرين من جمادى الأولى سنة خمس و خمسمائة، و تقدم بقطع الشجر و النخل، و بنى بيوت الإقامة عليها، و زحف إليها، فقاتلها عدة دفعات، و يعود خاسرا لم ينل منها غرضا، و قيل إن أهل صور رشقوا في بعض أيام مقاتلتها في يوم واحد بعشرين ألف سهم.

و خرج ظهير الدين من دمشق حين عرف نزولهم على صور، و خيم ببانياس و بث سراياه و رجالة الحرامية في أعمال الأفرنج، و أطلق لهم النهب و القتل و السلب و الإخراب و الحرق طلبا لإزعاجهم و ترحيلهم عنها، فتدخل العدة الثانية إلى صور، فلم يتمكن من الدخول، و نهض ظهير الدين إلى الحبيس‏ (1) الذي في السواد و هو حصن منيع لا يرام، فشد

____________

(1) كذا في الأصل، و في مرآة الزمان- أخبار سنة 505 ه «الحبيس، و في الكامل لابن الأثير:

8/ 284، في أخبار سنة/ 512 ه/ أخذ الفرنج حصنا من أعمال طغتكين «يعرف بالحبس، و يعرف بحصن جلدك، سلمه إليهم المستحفظ به، و قصدوا أذرعات» و وقع حبيس جلدك في وادي الراحوب، و أفضل وصف له هو عند المؤرخ وليم الصوري (تاريخه- ترجمتي ط. بيروت 1990 ص 855- 857.

296

القتال عليه، و ملكه بالسيف قهرا، و قتل من كان فيه قسرا، و شرع الأفرنج في عمل برجي خشب للزحف بهما إلى سور صور، و زحف ظهير الدين إليهم عدة دفعات ليشغلهم بحيث يخرج (97 ظ) عسكر صور فيحرق البرجين، و عرف الأفرنج قصده في ذلك، و خندقوا عليهم من جميع الجهات، و رتبوا على الخندق الرجال بالسلاح لحفظه، و حفظ الأبراج، و لم يحفلوا بما يفعل و ما يجري على أعمالهم من الغارات عليها، و الفتك بمن فيها، و هجم الشتاء فلم يضر بالأفرنج لأنهم كانوا نزولا في أرض رملة صلبة، و الأتراك بالضد من ذلك قد كابدوا من مقامهم شدة عظيمة، و مشقة مؤلمة، إلا أنهم لا يخلون من غارة و فائدة، و قطع ميرة عن الأفرنج و مادة، و أخذ ما يحمل إليهم.

و قطع الأتراك الجسر الذي كان يعبر عليه إلى صيدا لتقطع المادة أيضا عنهم فعدلوا عند ذلك إلى استدعاء الميرة في البحر من جميع الجهات، ففطن ظهير الدين لذلك، و نهض في فريق من العسكر إلى ناحية صيدا، و غار على ظاهرها، فقتل جماعة من البحرية، و أحرق تقدير عشرين مركبا على الشط، و هو مع ذلك لا يهمل إصدار الكتب إلى أهل صور بتقوية قلوبهم، و تحريضهم على استعمال المصابرة للأفرنج، و الجد في قتالهم.

و تم عمل البرجين و كباشهما التي تكون فيهما في تقدير خمسة و سبعين يوما، و شرع في تقديمهما، و الزحف بهما في عاشر شعبان، و قربا من سور البلد، و اشتد القتال عليهما، و كان طول البرج الصغير منهما نيفا و أربعين ذراعا، و الكبير يزيد على الخمسين ذراعا.

و لما كان أول شهر رمضان خرج أهل صور من الأبراج بالنفط و الحطب و القطران و آلة الحرق، فلم يتمكنوا من الوصول إلى شي‏ء منهما، فألقوا النار قريبا من البرج الصغير بحيث لم يتمكن الأفرنج من دفعها فهبت ريح، و ألقت النار على البرج الصغير، فاحترق بعد المحاربة الشديدة عليه، و المكافحة العظيمة عنه، و نهب منه زرديات كثيرة

297

و طوارق و غير ذلك، و اتصلت النار بالبرج الكبير، و اتصل الخبر بالمسلمين بأن الأفرنج قد هجموا خربة البلد، للاشتغال بحريق البرج، فانثنوا عن المقاتلة على الأبراج، و شد الأفرنج عليهم و كشفوهم عن البرج، و أطفأوا ما علق به من النار، و ربتوا عدة وافرة من أبطالهم لحفظ البرج و المنجنيقات من جميع الجهات (98 و)، و واظبوا الزحف إليها إلى آخر شهر رمضان، و قربوا البرج إلى بعض أبراج البلد، و طموا الثلاثة الخنادق التي أمامه، و عمد أهل البلد إلى تعليق حائط البرج الذي بإزاء برج الأفرنج، و أطلقوا النار فيه، فاحترق التعليق، و سقط وجه الحائط في وجه البرج فمنع من تقديمه إلى السور و الزحف به، و صار الموضع الذي قصدوه قصيرا و أبراج البلد تحكم عليه، و بطل تقديمه من ذلك الوجه، و كشف الأفرنج الردم و جروه إلى برج آخر من أبراج البلد، و دفعوه إليه، و قربوه من سور البلد، و صدموا بالكباش التي فيه السور، فزعزعوه و وقع منه شي‏ء من الحجارة، و أشرف أهل البلد على الهلاك، فعمد رجل من مقدمي البحرية عارف بالصندقة (1) من أهل طرابلس له فهم و معرفة بأحوال الحرب إلى عمل كلاليب حديد لمسك الكبش، إذا نطح به السور من رأسه و من جانبه بحبال يجذبها الرجال حتى يكاد البرج الخشب يميل من شدة جذبهم بها، فتارة تكسره الأفرنج خوفا على البرج، و تارة يميل أو يفسد، و تارة ينكسر بصرختين تلقيان عليه من البلد مشدودة إحداهما إلى الأخرى، فعملوا عدة من الكباش، و هي تكسر على هذه الصفة واحدا بعد واحد، و كان طول كل واحد منها ستين ذراعا معلقا في البرج الخشب بحبال في رأس كل واحد من‏

____________

(1) في مرآة الزمان- أخبار سنة 505 ه: «فتحيل واحد من المسلمين له خبرة بالحرب، فعمل كباشا في أخشاب، تدفع البرج الذي يلصقونه بالسور، ثم تحيل في حريق البرج الكبير فاحترق، و خرج المسلمون فأخذوا منه آلات و أسلحة فحينئذ يأس الفرنج، فرحلوا و أحرقوا جميع ما كان لهم من المراكب على الساحل و الأخشاب و العمائر و العلوفات و غيرها، و جاءهم طغتكين فما سلموا إليه البلد فقال: أنا ما فعلت إلا لله تعالى لا لرغبة في حصن و لا مال، و متى دهمكم عدو جئتكم بنفسي و رجالي، و رحل عنهم».

298

الكباش حديد يزيد وزنه على عشرين رطلا، فلما طال تجديد الكباش، و قربوا البرج من السور، عمد هذا الرجل البحري المقدم ذكره إلى خشبة طويلة جافية قوية أقامها في برج البلد الذي بإزاء برج الأفرنج، و في رأسها خشبة على شكل الصليب طولها أربعون ذراعا تدور على بكر بلولب كيف ما أراد متوليها، على مثال ما يكون في الصواري البحرية، و في طرف الخشبة التي تدور سهم حديد، و في طرفها الآخر حبال مدارة بها على ما يريد متوليها، و كان يرفع فيها جرار القذر و النجاسة، ليشغلهم بطرح ذلك عليهم في البرج عن الكباش، و ضاق الأمر بالناس، و شغلهم ذلك عن أمورهم و أشغالهم، و عمد البحري المذكور إلى سلال العنب و القفاف، فيجعل فيها الزيت و القير (98 ظ) و السراقة (1) و القلفونية و قشر القصب، و يطلق فيها النار، فإذا علقت بذلك وقع ذلك في الآلة المذكورة حتى يوازي برج الأفرنج، فتقع النار في أعلى البرج، فيبادروا بإطفائها بالخل و الماء، فيبادر برفع أخرى، و مع هذا يرمي أيضا بالزيت المغلي في قدور صغار على البرج، فيعظم الوقيد، فلما كثرت النار، و حمل بعضها بعضا، و قويت قهرت الرجلين المتولين لرأس البرج، و قتل أحدهما و انهزم الآخر، و نزل منه فتمكنت النار من رأسه، و نزلت إلى الطبقة الثانية من رأسه، ثم إلى الوسطى، و عملت في الخشب، و قهرت من كان حوله في الطبقات، و عجزوا عن إطفائها، و هرب كل من فيه و حوله من الأفرنج، و خرج أهل صور إليه، فنهبوا ما فيه، و غنموا من السلاح و الآلات و العدد ما لا يحده وصف.

فعند ذلك وقع يأس الأفرنج منه، و شرعوا في الرحيل عنه، و أحرقوا البيوت التي كانت قد عمروها في المنزل لسكناهم، و أحرقوا كثيرا من المراكب التي كانت لهم على الساحل، لأنهم كانوا أخذوا صواريها و أرجلها و آلاتها للأبراج، و كانت عدتها تقدير مائتي مركب‏

____________

(1) المراد «نشارة الخشب».

299

كبارا و صغارا، منها تقدير ثلاثين مركبا حربية، و حملوا في بعضها ما خف من أثقالهم، و رحلوا في العاشر من شوال من السنة، و كانت مدة إقامتهم على محاصرة صور أربعة أشهر و نصف شهر، و قصدوا عكا و تفرقوا إلى أعمالهم.

و خرج أهل صور و غنموا ما ظفروا به منهم، و عادت الأتراك المندوبون لإسعادهم إلى دمشق، و قد فقد منهم في الحرب نحو عشرين رجلا، و كان لهم فيها الجراية و الواجب في كل شهر، و لم يتم على برج من أبراج الأفرنج في القديم و الحديث مثل ما تم على هذا البرج من إحراقه من رأسه إلى أسفله، و الذي أعان على هذا هو تساوي البرجين في الارتفاع، و لو طال أحدهما على الآخر لهلك أقصرهما، و كان عدد المفقودين من أهل صور أربعمائة نفس، و من الأفرنج في الحرب أيضا على ما حكى الحاكي العارف تقدير ألفي نفس و لم يف أهل صور بما كانوا بذلوه لظهير الدين أتابك من تسليم البلد إليه، و لم يظهر لهم في ذلك قولا، و قال: إنما فعلت ما فعلت لله تعالى، و للمسلمين، لا لرغبة (99 و) في مال و لا مملكة، فكثر الدعاء له، و الشكر بحسن فعله، و وعدهم أنه متى دهمهم خطب مثل هذا سارع إليه، و بالغ في المعونة عليه، و عاد إلى دمشق بعد مكابدة المشقة في مقابلة الأفرنج، إلى أن فرج الله عن أهل صور، و شرع أهل صور في ترميم ما شعثه الأفرنج من سورها، و أعادوا الخنادق إلى حالها، و رسمها بعد طمها، و حصنوا البلد، و تفرق من كان فيه من الرجالة.

و في الثاني من شعبان ورد الخبر بهلاك بدران بن صنجيل‏ (1) صاحب طرابلس بعلة لحقته، و أقام ابنه في الأمر من بعده، و هو طفل صغير

____________

(1) كذا في الأصل: بدران، و هو تصحيف صوابه برتران، انظر تاريخ طرابلس 146- 149، و يلاحظ أن تعريب ابن القلانسي لأسماء قادة الصليبيين متفق على العموم مع القاعدة التي اعتمدها المؤرخون العرب.

300

كفله أصحابه، و دبروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية، و جعلوه من خيله‏ (1) و أقطعه انطرطوس و صافيتا، و مرقية (2) و حصن الأكراد.

و في هذه السنة حدث بمصر الوباء المفرط، بحيث هلك به خلق كثير، يقال تقدير ستين ألف نفس.

و فيها ورد الخبر من ناحية العراق بوصول السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملكشاه‏ (3) إلى بغداد في جمادى الأولى منها، و أقام بها مدة ثقل فيها على أهلها، و ارتفع معها السعر إلى أن رحل عنها، فصلحت الحال، و رخص السعر.

و فيها وردت الأخبار بوصول الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره، و نزوله على الرها و رعيه لزرعها في ذي القعدة منها و أقام عليها إلى المحرم سنة ست و خمسمائة، و رحل عنها إلى سروج و رعى زرعها، و هو في غفلة غير متحفظ من عدو يطرق و مسلم يرهق، و لم يشعر إلا و جوسلين صاحب تل باشر في خيله من الأفرنج، و دواب العسكر منتشرة في المرعى، هجم عليها من ناحية سروج، على حين غفلة من مودود و أصحابه، فقتلوا منهم جماعة، و استاقوا أكثر كراعهم، و قتل بعض المقدمين، و استيقظ من كان من المسلمين غافلا، و تأهبوا للقائه، فعاد إلى حصن سروج.

و في هذه السنة انتقل تاج الملوك بوري ابن أتابك إلى دار الملك شمس الملوك دقاق في قلعة دمشق في المحرم منها.

و فيها ورد الخبر بوفاة قراجه الوالي بحمص بعلة طالت به، و كان‏

____________

(1) جعله من خيله أي من فرسانه و اسم ابن برتران «بونز» و ترسمه المصادر العربية «بنص» انظر طرابلس الشام: 150.

(2) قال عنها ياقوت: قلعة حصينة في سواحل حمص، و يستفاد من أبي الفداء: 29 أنها كانت بين بانياس و طرطوس و يعرف الموقع الآن باسم نبع حسان على مقربة من منتجع الرمال الذهبية.

(3) في الأصل: محمد بن ألبي، و هو خطأ واضح صوابه ما أثبتنا.

301

فيها هلاكه، و قد كان مؤثرا للظلم، مشاركا للحرامية و قطاع الطريق، و أقيم في مكانه (99 ظ) ولده خيرخان بن قراجه، تابعا في الظلم لأفعاله، ناسجا في العدوان و الجور على منواله.

سنة ست و خمسمائة

فيها اشتد خوف أهل صور من عود الأفرنج إلى منازلتهم، فأجمعوا أمرهم مع عز الملك أنوشتكين الأفضلي الوالي بها، على تسليمها إلى ظهير الدين أتابك، بحكم ما سبق من نصرته لهم في تلك النوبة، و معاضدته إياهم في تلك الشدة، و ندبوا رسولا و ثقوا به و سكنوا إليه في الحديث مع ظهير الدين أتابك في هذا الباب، و وصل إلى بانياس و واليها الأمير سيف الدولة مسعود، فتحدث معه، و سار الأمير مسعود مع الرسول إلى دمشق لتقرير الحال بمحضر منه، فصادف ظهير الدين أتابك قد توجه إلى ناحية حماة، لتقرير الحال فيما بينه و بين فخر الملوك رضوان، صاحب حلب، فأشفق الأمير مسعود أن يتأخر الأمر إلى حين عود ظهير الدين من حماة، فيبادر بغدوين بالنزول على صور، و يفوت الغرض المطلوب فيها، فقرر مع ولده تاج الملوك بوري النائب عنه في دمشق، المصير معه إلى بانياس، و انتهاز الفرصة في تسليم صور إليه، فأجاب إلى ذلك، و توجه معه إلى بانياس، و تم مسعود إلى صور، و معه من يعتمد عليه من العسكر، و لم ينتظر وصول أتابك، و وصل إليها و حصل بها، و انتهت الحال في ذلك إلى أتابك، فأنهض فرقة وافرة من الأتراك إلى صور تقوية لها، فوصلت إليها و حصلت بها، و استقر أمر الأتراك فيها، و حمل إليها من دمشق ما أنفق فيهم، و طيب نفوس أهل البلد و أجروا على الرسم في إقامة الدعوة و السكة على ما كانت عليه لصاحب مصر، و لم يغير لهم رسم.

و كتب ظهير الدين أتابك إلى الأفضل بمصر يعلمه: «إن بغدوين قد جمع و حشد للنزول على صور، و إن أهلها استنجدوا بي عليه، و التمسوا

302

مني دفعه عنهم، فبادرت بإنهاض من أثق بشهامته لحمايتها، و المراماة دونها إليه، و حصلوا فيها، و متى وصل إليها من مصر من يتولى أمرها، و يذب عنها، و يحميها بادرت بتسليمها إليه، و خروج نوابي منها، و أنا أرجو أن لا يهمل أمرها، و إنفاذ الاصطول بالغلة إليها، و التقوية لها».

و حين عرف بغدوين هذا الخبر رحل في (100 و) الحال من بيت المقدس إلى عكا، فوجد الأمر قد فات، و حصل بها الأتراك، فأقام بعكا و وصل إليه من العرب الزريقيين من بلد عسقلان رجل يعلمه «إن القافلة الدمشقية قد رحلت من بصرى إلى ديار مصر، و فيها المال العظيم، و أنا دليلك إليها، و تطلق لي من أسر من أهلي»، فنهض بغدوين من وقته عن عكا في طلب القافلة، و اتفق أن بعض بني هوبر تخطف بعضها، و خلصت منهم، و وصلت إلى حلة بني ربيعة، فمسكوها أياما و أطلقوها بعد ذلك، و خرجت من نقب عازب‏ (1) و بينه و بين بيت المقدس مسافة يومين للفارس، فلما حصلت بالوادي أشرفت الأفرنج عليها، فهرب من كان بها، فالذي صعد منها الجبل سلم، و أخذ ماله، و أخذت العرب أكثر الناس، فاشتمل الأفرنج على ما فيها من الأمتعة و البضائع، و تتبعت العرب من أفلت منهم فأخذوه، و حصل لبغدوين منها ما يزيد على خمسين ألف دينار و ثلاثمائة أسير، و عاد إلى عكا، و لم يبق بلد من البلاد إلا و قد أصيب بعض تجاره في هذه القافلة.

و فيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن موسى البلاساغوني التركي، في يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة بدمشق، (رحمه الله)، و هو معزول عن قضائها، و لازم منزله‏ (2).

و في هذه السنة وصل ابن الملك تكش ابن السلطان ألب أرسلان‏

____________

(1) في الأصل «غارب» و هو تصحيف قوم من معجم البلدان، و المقصود هنا صحراء النقب.

(2) من كبار علماء الفقه الحنفي، ولي القضاء في دمشق، كان متعصبا لمذهبه مما أثار الشافعية ضده. مرآة الزمان- أخبار سنة 506 ه.

303

أخي السلطان العادل ملك شاه، إلى حمص هاربا من ابن عمه السلطان غياث الدنيا و الدين محمد، و لم يمكنه المقام بحمص و لا حماة فتوجه إلى حلب، و كان فخر الملوك رضوان صاحب حلب في الدركاه السلطانية، فأشفق من المقام بحلب، فتوجه إلى طنكري صاحب أنطاكية فاستجاره فأجاره، و أكرمه و أحسن إليه، و اجتمع إليه جماعة من الأتراك الذين مع طنكري، فأقام عنده، و خرج طنكري من أنطاكية في أول جمادى الآخرة إلى ناحية كريسيل‏ (1)، مقدم الأرمن و كان قد هلك طمعا في تملك بلاده، فعرض له مرض في طريقه أوجب عوده إلى أنطاكية، فاشتد به المرض، فهلك في يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة، و قام في الأمر بعده ابن أخيه سير رجال‏ (2) فتسلم أنطاكية و أعمالها، و استقام له (100 ظ) الأمر فيها، بعد أن جرى بين الأفرنج خلف بسببه إلى أن أصلح بينهم القسوس، و طلب من الملك رضوان مقاطعة حلب المستقرة، فأجابه إلى ذلك، و مبلغها عشرون ألف دينار، و الخيل، و طلب مقاطعة شيزر، فأجاب صاحبها إليها، و هي عشرة آلاف دينار، و تواترت غارات بغدوين على عمل البثنية من أعمال دمشق، و انقطعت الطريق، و قلت الأقوات بها و غلا السعر فيها، و تتابعت كتب ظهير الدين أتابك إلى الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل بشرح هذه الأحوال في هذه الأعمال، و بعثه على الوصول إليه للاعتضاد على دفع المردة الأضداد، و الفوز بفضيلة الجهاد، و كان مودود قد شنع عليه عند السلطان غياث الدنيا و الدين، بشناعات من المحال لفقها الحسدة الأعداء، أوجبت استيحاشه منه و بعده عنه، قيل في جملتها أنه عازم على‏

____________

(1) كذا في الأصل، و قد لحق الاسم تصحيف، فهو «طوروس الأول» [1100- 1123] بارون دولة أرمنية الصغرى التي قامت مع نجاح الحملة الصليبية الأولى، و تمركزت في المنطقة الواقعة فيما بين طرطوس و عين زربه. انظر القلاع أيام الحروب الصليبية ط. دمشق 982:

31- 34. صفحات من تاريخ الأمة الأرمنية لعثمان الترك، ط حلب 1960: 134- 135.

(2) يرسمه ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 163 «روجار» و هو أصح من رسم ابن القلانسي لأن أصل الاسم‏Roger .

304

الخلاف و العصيان، و أن يده و يد أتابك قد صارت يدا واحدة، و آراؤهما متوافقة، و أهواؤهما متوافقة، فلما عرف ذلك سير ولده و زوجته إلى باب السلطان بأصفهان للتنصل و الاعتذار، و إبطال ما رقي إليه من المحال، و التبرى‏ء مما أفتري عليه و عزي إليه، و الاستعطاف له، و الإعلام بأنه جار على ما ألف منه على إخلاص الطاعة و العبودية و المناصحة في الخدمة، و الاهتمام بالجهاد.

ثم جمع عسكره من الأتراك و الأكراد و من أمكنه، و توجه إلى الشام، و قطع الفرات في ذي القعدة من السنة، فحين اتصل خبره ببغدوين الملك قلق لذلك، و انزعج لخبره، و كان جوسلين صاحب تل باشر قد اختلف هو و خاله بغدوين الرويس، صاحب الرها، و صار مع بغدوين صاحب بيت المقدس، و أقطعه طبرية، و اتفقا على أن راسل جوسلين لظهير الدين أتابك يبذل المصافاة و المودة، و يرغبه في الموادعة و المسالمة، و يسلم إليه حصن تبنين المجاور لحصن هونين‏ (1) و جبل عاملة، و يتعوض عن ذلك بحصن الحبيس الذي في السواد، و نصف السواد، و يضمن عن بغدوين الوفاء بذلك، و الثبات على المودة، و المصافاة و ترك التعرض لشي‏ء من أعمال دمشق، و لا يعرض هو لشي‏ء من أعمال الأفرنج، فلم يجب إلى ذلك، و نهض من دمشق في المعسكر للقاء الأمير مودود، و الاجتماع به، على الجهاد، فاجتمعا بمرج سلمية، و اتفق رأيهما على قصد بغدوين (101 و) و سارا و قد استصحب أتابك جميع العسكر،

____________

(1) فراغ بالأصل، و جميع الذين تعرضوا لهذا الموضوع لم يأت واحد منهم على ذكر هذه التفاصيل حتى وليم الصوري: 1/ 497- 500، اكتفى بذكر أسباب الخلاف بين بلدوين صاحب الرها و جوسلين صاحب تل باشر، فبين أنها أسباب مالية، و وصف إلقاء القبض على جوسلين و طرده إلى مملكة القدس، و كذا فعل ابن الأثير في الكامل: 8/ 265- 266. الباهر:

17- 19، و رسم الناسخ في هذه الصفحة اسم الحصن الأول مرة «ثمانين» و مرة ثانية «تمنين» و حيث أن المنطقة هي جبل عاملة وجدت في كل من الأعلاق الخطيرة- قسم الأردن: 152.

و صبح الأعشى: 4/ 151- 152: هونين و تبنين «حصنان بنيا بعد الخمسمائة بين صور و بانياس بجبل عاملة» و هنا رجحت أن يكون اسم «ثمانين، تمنين» مصحف صوابه تبنين، و بناء على هذا قدرت أن الاسم الساقط هو: هونين.