تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
305

و من كان بحمص و حماة و رفنية، و نزلا يوم عيد النحر بقدس‏ (1) و رحلا منها إلى عين‏ (2) الجر بالبقاع ثم منها إلى وادي التيم، ثم نزلا بانياس، و نهضت فرقة من العسكر فقصدت ناحية تبنين‏ (3) فلم تظفر منها بمراد و عادت.

و وصل إليها بغدوين، و قد كان لما يئس من إجابة أتابك إلى الموادعة، واصل الغارات و الفساد في الشام إلى أن وصل عسكر المسلمين إلى عمله، و بالغ أتابك فيما حمله إلى الأمير مودود و إعظامه و إكرامه، و ما حمله إليه و إلى مقدمي عسكره، و خواصه من أنواع الملبوس، و المأكول، و المركوب، ثم نهضوا معلمين على النزول على الإقحوانة، و وصل إلى بغدوين سير رجال صاحب أنطاكية، و صاحب طرابلس، و أجمعوا رأيهم على النزول غربي جسر الصّنبّرة (4)، ثم يقطعون إلى الإقحوانة للقاء المسلمين، و قد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر، و المسلمون لا يعلمون بذلك، و أنهم عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل، فسبق الأتراك إلى نزولهم في الإقحوانة، و قطع بعض عسكر الأتراك الجسر لطلب العلوفات و الزرع، فصادفوا الأفرنج قد ضربوا خيامهم، و قد تقدم بغدوين للسبق إلى هذا المنزل، و نزل صاحب أنطاكية و صاحب طرابلس وراءه يتبعونه إليه.

و نشبت الحرب بين المتعلفة و بين الأفرنج، و صاح الصائح، و نفر الناس، و قطعوا الجسر، و هم يظنون أنه جوسلين لأنه صاحب طبرية، فوقف أتابك على الجسر، و تسرع خلق كثير من العسكر إلى قطع الجسر، و قطع الأمير تميراك بن أرسلانتاش في فريق وافر من العسكر، و نشبت الحرب بين الفريقين من غير تأهب للقاء، و لا ضرب خيام و لا استقرار

____________

(1) منطقة عين التنور الحالية خارج حمص.

(2) على مقربة من الحدود السورية اللبنانية بعد (المصنع) و هي «عنجر» الحالية.

(3) في الأصل «تمنين» انظر الحاشية (1) للصفحة الماضية.

(4) الصنبرة موضع بالأردن مقابل لعقبة أفيق بينه و بين بحيرة طبرية ثلاثة أميال. معجم البلدان.

306

في منزل، و لا مجال، و اختلط الفريقان، فمنح الله الكريم، و له الحمد، المسلمين النصر على المشركين بعد ثلاث كرات، فقتل فيها من الأفرنج تقدير ألفي رجل من الأعيان، و وجوه الأبطال و الشجعان، و ملكوا ما كان نصب من خيامهم، و الكنيسة المشهورة (1)، و أفلت بغدوين بعد ما قبض، و أخذ سلاحه، و ملكت دواب الرجالة، و ما كان لهم، و غرق منهم خلق كثير في البحيرة (2)، و اختلط الدم و الماء، و امتنع الناس من الشرب منها أياما حتى صفت منه، و راقت، و التجأ من نجا من الأفرنج (101 ظ) إلى طبرية، و أكثرهم جرحى، و ذلك في يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة سبع و خمسمائة، و بعد انفصال الأمر وصل باقي الأفرنج أصحاب طنكري و ابن صنجيل، فلاموه على التسرع و فندوا رأيه، و نصبوا ما كان سلم من خيامهم على طبرية، و في غد يوم الواقعة نهض فريق من عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية، و أشرفوا على الأفرنج بناحية طبرية و عزموا على النزول إليهم و الإيقاع بهم، فخافهم الأفرنج و أيقنوا بالهلاك و أقام الأتراك على الجبل عامة نهارهم، و انكفأوا إلى معسكرهم، و طلع الأفرنج إلى الجبل و تحصنوا به لصعوبة مرتقاه، و هو من غربي طبرية، و الماء ممتنع على من يكون فيه، فعزم المسلمون على الصعود إليه و مواقعتهم، و استدعى أتابك العرب الطائيين و الكلابيين‏ (3) و الخفاجيين، فوصلوا في خلق كثير بالزادات و الروايا و الإبل لحمل الماء، و صعدت الطلائع إلى الجبل من شماله، و عرفوا أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس و الراجل، و علم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله و أماراته، و العدو قد ذل و انخزل‏ (4) و فل و انخذل، و سرايا الإسلام قد بلغت في النهيض إلى‏

____________

(1) كنيسة داخل خيمة كانت تتحرك مع الجيوش الصليبية.

(2) بحيرة طبرية.

(3) كذا في الأصل و في النفس شي‏ء منه، فكلاب ديارها في شمال الشام، و كلب في الجنوب.

(4) أي انقطع و انفرد. النهاية لابن الأثير.

307

أرض بيت المقدس و يافا و أخرجت أعمالهم و دوختها، و استاقت عواملها و مواشيها، و غنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي عن الصعود، و دامت الحال على هذه القضية إلى آخر صفر.

و عقيب هذه النوبة، وصل من حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس على سبيل المعونة، خلاف ما كان قرره، و بذله فأنكر ظهير الدين أتابك و شرف الدين مودود ذلك منه، و أبطلا العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه، و إقامة الخطبة له، و ذلك في أول شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسمائة، و سيرا رسولا إلى السلطان غياث الدنيا و الدين إلى مدينة أصفهان، بالبشارة بهذا الفتح، و معه جماعة من أسارى الأفرنج، و رؤوسهم و خيولهم و طوارقهم، و مضاربهم، و أنواع سلاحهم.

ثم إن العسكر رحل من المنزل إلى وادي المقتول‏ (1) و نزل الأفرنج عند ذلك عن الجبل إلى منزلهم، و التجأوا إلى جبل في المنزل، و تواصلت إليهم ميرهم و أزوادهم و إمدادهم من أعمالهم، فعاد إليهم عسكر الأتراك من منزلهم جرائد في بضع عشرة كردوسا، و لزموا أياما يرومون أن يخرجوا إليهم، فلم يظهروا للحرب، و لازم بعضهم (102 و) بعضا الفارس و الراجل في مكان واحد، لا يظهر منهم شخص، و جعل الأتراك يحملون عليهم فيصيبون منهم بالنشاب ما يقرب منهم، و يمنعون الميرة و العلوفة عنهم، و قد أحدقوا بهم كالنطاق أو هالة بدر الآفاق، فاشتد الأمر بهم فرحلوا عن منزلهم في ثلاثة أيام تقدير فرسخ عائدين، فلما كان الليل قصدوا الجبل الذي كانوا أولا عليه ملتجئين إليه و محتمين به، و واظب المسلمون قصدهم و التلهف على ما يفوت منهم، و من غنائمهم بالاستمرار على الإحجام عن ظهورهم، على أن مقدمي العسكر يمنعوهم من التسرع إليهم و الإقدام في منزلهم عليهم، و يعدونهم بفرصة تنتهز فيهم، فطال أمد المقام، و ضاقت صدور أصحاب مودود لبعد

____________

(1) لم أجده في المصادر.

308

ديارهم، و تأخر عودهم، و تعذر أوطارهم، فتفرق أكثرهم و عادوا إلى بلادهم، فاستأذن آخرون في العود فأذن لهم، و عزم مودود على المقام بالشام، و القرب من العدو ينتظر ما يصله من الأمر السلطاني، و الجواب عما أنهاه و طالع به، فيعمل بحسبه، و لم يبق في بلاد الأفرنج مسلم، إلا و أنفذ يلتمس الأمان من أتابك، و تقرير حاله، و وصل إليه بعض ارتفاع نابلس، و نهبت بيسان، و لم يبق بين عكا و القدس ضيعة عامرة، و الأفرنج على حالهم في التضييق عليهم، و الحصر على الجبل.

و اقتضى الرأي عود أتابك و مودود، فعادا إلى دمشق في الحادي و العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسمائة، و نزل مودود في حجرة الميدان الأخضر، و بالغ أتابك في إكرامه و احترامه و إعظامه، بما يجد إليه السبيل، و تأكدت المودة بينهما و المصافاة، و تولى خدمته بنفسه و خاصته، و واصلا صلاة الجمعة جميعا في مسجد الجامع بدمشق، و التبرك بنظر المصحف الكريم الذي كان حمله عثمان بن عفان رضي الله عنه من المدينة إلى طبرية، و حمله أتابك من طبرية إلى جامع دمشق‏ (1).

سنة سبع و خمسمائة

قد ذكرنا ما ذكرناه من الحوادث في سنة ست و خمسمائة و سياقة الأمر إلى أوائل سنة سبع و خمسمائة رغبة في صلة الحديث، و رغبة عن قطعه، و لما كان يوم الجمعة الأخيرة من شهر ربيع الآخر سنة سبع و خمسمائة دخل (102 ظ) الأمير مودود من مخيمه بمرج باب الحديد إلى الجامع، على رسمه، و معه أتابك، فلما قضيت الصلاة، و تنفل بعدها مودود، و عادا جميعا و أتابك أمامه على سبيل الإكرام له، و حولهما من الديلم و الأتراك و الخراسانية و الأحداث و السلاحية بأنواع السلاح من الصوارم المرهفة و الصمصامات الماضية، و النواجح المختلفة و الخناجر

____________

(1) في تاريخ الإسلام للذهبي أن هذا كان سنة/ 492/ خوفا على المصحف من الوقوع بيد الفرنج.

309

المجردة ما شاكل الأجمة المشتبكة، و الغيضة الآشبة، و الناس حولهما لمشاهدة زيهما و كبر شأنهما، فلما حصلا في صحن الجامع، و ثب رجل من بين الناس لا يؤبه له، و لا يحفل به فقرب من الأمير مودود، كأنه يدعو له، و يتصدق منه فقبض ببند قبائه بسرعة و ضربه بخنجره أسفل سرته ضربتين إحداهما نفذت إلى خاصرته، و الأخرى إلى فخذه، هذا و السيوف تأخذه من كل جهة، و ضرب بكل سلاح و قطع رأسه ليعرف شخصه، فما عرف، و أضرمت له نار فألقي فيها، و عدا أتابك خطوات وقت الكائنة، و أحاط به أصحابه، و مودود متماسك يمشي إلى أن قرب من الباب الشمالي من الجامع، و وقع فحمل إلى الدار الأتابكية، و أتابك معه ماش، و اضطرب الناس اضطرابا شديدا، و ماجوا و اختلفوا ثم سكنوا بمشاهدتهم له يمشي، و ظنوا به السلامة، و أحضر الجرائحي فخاط البعض، و توفي (رحمه الله) بعد ساعات يسيرة في اليوم المذكور، فقلق أتابك لوفاته على هذه القضية، و تزايد حزنه و أسفه و انزعاجه‏ (1)، و كذلك سائر الأجناد و الرعية، و تألموا لمصابه، و زاد التأسف و التلهف عليه، و كفن و دفن وقت صلاة العصر من اليوم في مشهد داخل باب الفراديس من دمشق، و كل عين تشاهده باكية، و المدامع على الوجنات جارية، و شرع أصحابه في التأهب للعود إلى أماكنهم من الموصل و غيرها من البلاد، و تقدم أتابك بإطلاق ما يستدعونه لسفرهم، و استصحبوا معهم أثقاله و جواريه‏ (2) و ماله.

و قد كانت سيرته في ولايته جائرة، و طريقته في رعية الموصل غير حميدة، و هرب خلق كثير من ولايته لجوره، فلما بلغه تغير نية السلطان فيه، عاد عن تلك الطريقة و حسنت أفعاله، و ظهر عدله و إنصافه، و استأنف‏

____________

(1) ذكر الرهاوي الذي كان معاصرا (الموسوعة الشامية ج 52 ص 300) أن طغتكين هو الذي دبر اغتياله خوفا على ملكه و نسب ذلك إلى الحشيشية، انظر الحشيشية ص 119.

(2) في الأصل «لجواره» و هو تصحيف قوم من مرآة الزمان- أخبار سنة 507 ه انظر أيضا ص: 1/ 51 من ط. حيدر أباد 1951.

310

ضد ما عرف منه و سمع (103 و) عنه، و لزم التدين و الصدقات، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المكروه، فشاعت بالجميل أخباره، و بحسن الارتضاء آثاره، ثم توفي سعيدا مقتولا شهيدا، و لم يزل مدفونا في ذلك المشهد مخدوم القبر بالقومة و القراءة إلى آخر شهر رمضان من السنة، و وصل من عند ولده و زوجته من حمل تابوته إليهما (1).

و في هذه السنة ورد الخبر من بغداد بوفاة الفقيه الإمام أبي بكر محمد ابن أحمد الشاشي، (رحمه الله) ببغداد يوم السبت الخامس و العشرين من شوال منها، و قد انتهت الرئاسة إليه على أصحاب الشافعي، و دفن في تربة شيخه أبي اسحق الشيرازي، (رحمه الله)(2).

و قد تقدم من ذكرنا ما كان من نوبة صور، و انتقال ولايتها إلى ظهير أتابك، و استنابته مسعودا في حفظها و حمايتها، و تدبير أمرها و إنفاذ رسوله إلى الأفضل بشرح حالها، و لم يزل الرسول المسير إلى مصر مقيما بها إلى ذي الحجة من سنة ست و خمسمائة و ظهر للأفضل صورة الحال فيها، و جلية الأمر بها، و أعاد الرسول بالجواب الجميل، و إن «هذا أمر وقع منا أجمل موقع، و أحسن موضع»، و استصواب رأي ظهير الدين فيما اعتمده و إحماد ما قصده، و تقدم بتجهيز الأسطول إليها بالغلة و الميرة، و مال النفقة في الأجناد و العسكرية، و ما يباع على الرعية من الغلات، و وصل الأسطول بذلك إلى صور- و مقدمه شرف الدولة بدر بن أبي الطيب الدمشقي، الوالي كان بطرابلس عند تملك الأفرنج لها- في آخر صفر سنة سبع و خمسمائة، بكل ما يحتاج إليه، فرخصت الأسعار بها، و حسنت حالها، و استقام أمرها، و زال طمع الأفرنج فيها، و وصل في جملته خلع فاخرة من طرف مصر، برسم ظهير الدين و ولده تاج الملوك بوري و خواصه،

____________

(1) إلى الموصل- مرآة الزمان: 1/ 51. و زاد هنا صاحب المرآة أن بلدوين ملك القدس كتب إلى أتابك طغتكين يقول معلقا على اغتيال مودود «إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها».

(2) انظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى- ط. دار المعرفة بيروت 4/ 57- 61.

311

و لمسعود الوالي المستناب بها، و أقام الأسطول عليها إلى أن استقام الريح له، فأقلع عنها في العشر الأخير من شهر ربيع الأول منها.

و أرسل بغدوين الملك إلى الأمير مسعود و اليها يلتمس منه المهادنة و الموادعة و المسالمة، لتحسم أسباب الأذية عن الجانبين، فأجابه إلى ذلك، و انعقد الأمر بينهما على السداد، و استقامت الأحوال على المراد، و أمنت السابلة للمترددين و التجار و السفار الواردين من جميع (103 ظ) الأقطار، و توفي (رحمه الله) في عاشر شوال سنة سبع و خمسمائة و قد كان صاحب أنطاكية لما فصل عن الملك بغدوين بعسكره عائدا إلى أنطاكية فسخ عنه ولد الملك تكش بن السلطان ألب أرسلان، و قصد صور، و أنفذ إلى ظهير الدين أتابك في الوصول إلى دمشق، فأجابه بالاعتذار الجميل و الاحتجاج المقبول، و دفعه أحسن دفع، فلما أيسه توجه إلى مصر، و لقي من الأفضل ما أحب من الإكرام و المزيد من الاحترام و الإنعام و إطلاق ما يعود إليه بصالح الحال، و تحقيق الآمال.

و في جمادى الآخرة وردت الأخبار من ناحية حلب بمرض عرض للملك فخر الملك رضوان صاحبها، و أنه أقام به، و اشتد عليه، و توفي (رحمه الله) في الثامن و العشرين من الشهر، فاضطرب أمر حلب لوفاته، و تأسف أصحابه لفقده، و قيل أنه خلف في خزانته من العين و العروض و الآلات و الأواني تقدير ستمائة ألف دينار، و تقرر الأمر بعده لولدة ألب أرسلان و عمره ست عشرة سنة، و في كلامه حبسة و تمتمة، و أمه بنت الأمير يغي سيان صاحب أنطاكية، و قبض على جماعة من خواص أبيه، فقتل بعضا، و أخذ مال بعض، و دبر الأمر معه خادم أبيه لؤلؤ، فأساء كل واحد منهما التدبير، و قبض على أخويه ملك شاه من أمه و أبيه، و مبارك من أبيه و جارية، و قتلهما (1).

____________

(1) في بغية الطلب لابن العديم ترجمة لكل من رضوان بن تتش و ابنه ألب أرسلان الأخرس، و سبق لي نشرهما في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:

294- 297، 387- 396.

312

و قد كان أبوه الملك رضوان في مبدأ أمره فعل مثل فعله بقتل أخويه من تاج الدولة: أبي طالب و بهرام شاه، و كانا على غاية من حسن الصورة، فلما توفي كان ما فعل بولديه مكافأة عما اعتمده في أخويه.

و كان أمر الباطنية قد قوي بحلب، و اشتدت شوكتهم بها، و خاف ابن بديع رئيس الأحداث بحلب و أعيان البلد منهم، لكثرتهم و شد بعضهم من بعض، و حماية من يلجأ إليهم منهم لكثرتهم، و كان الحكيم المنجم و أبو طاهر الصائغ أول من أظهر هذا المذهب الخبيث بالشام، في أيام الملك رضوان، و استمالا إليه بالخدع و المحاولات، و مال إليهم خلق كثير من الإسماعيلية بسرمين‏ (1) و الجزر و جبل السماق و بني عليم، فشرع ابن بديع رئيس حلب في الحديث مع الملك ألب أرسلان بن رضوان في أمرهم، و قرر الأمر معه على الإيقاع بهم، و النكاية فيهم، فقبض على أبي طاهر (104 و) الصائغ، و على كل من دخل في هذا المذهب، و هم زهاء مائتي نفس، و قتل في الحال أبو طاهر الصائغ، و اسماعيل الداعي، و أخو الحكيم المنجم و الأعيان المشار إليهم منهم، و حبس الباقون و استصفيت أموالهم، و شفع في بعضهم، فمنهم من أطلق، و منهم من رمي من أعلى القلعة، و منهم من قتل، و هرب جماعة أفلتوا إلى الأفرنج، و تفرقوا في البلاد.

و دعت الملك ألب أرسلان الحاجة إلى من يدبر أمره، و يثقف أوده، فوقع اختياره على ظهير الدين أتابك، صاحب دمشق، فراسله في ذلك، و ألقى مقاليده إليه و اعتمد في صلاح أحواله عليه، و سأله الوصول إلى حلب، و النظر في مصالحها، و أوجبت الصورة أن خرج الملك نفسه في خواصه، و قصد أتابك في دمشق ليجتمع معه، و يؤكد الأمر بينه و بينه،

____________

(1) تتبع سرمين الآن محافظة ادلب، و تبعد عن ادلب مسافة/ 8 كم/ و الجزر كورة من كور حلب معظمها الآن يتبع محافظة ادلب، و جبل السماق و بني عليم هو جبل الأربعين في منطقة أريحا، و قد فصل الحديث عن هذه المناطق ابن العديم في المجلدة الأولى من بغية الطلب و قد حققته، و طبعته في دمشق عام 1988.

313

فوصل إليه في النصف من شهر رمضان من السنة، فلقيه أتابك بما يجب لمثله من تعظيم مقدمه، و إجلال محله، و أدخله إلى قلعة دمشق، و أجلسه في دست عمه شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة، و قام هو و الخواص في خدمته، و حمل إليه ما أمكن حمله من تحف و ألطاف تصلح لمثله، و كذلك لجميع من وصل في صحبته، و أقام أياما على هذه الحال، و توجه عائدا إلى حلب في أول شوال من السنة و معه ظهير الدين أتابك في أكثر عسكره، و وصل إلى حلب، و أقام أياما، و أشار عليه قوم من أصحابه بالقبض على جماعة من أعيان عسكره، و على وزيره أبي الفضل بن الموصول، و كان حميد الطريقة مشهورا بفعل الخير، و تجنب الشر، ففعل ذلك، و استخلص ظهير الدين أتابك من جملتهم الأمير كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره، و خالف ما في نفس أتابك من صائب الرأي، و محمود التدبير، فحين شاهد الأمر على غير السداد و الصواب، و بان له فساد التدبير، و اختلال التقدير، رأى أن الانكفاء إلى دمشق أصوب ما قصد، و أحسم ما أعتمد، و في صحبته والدة الملك رضوان لرغبتها في ذلك، و إيثارها له‏ (1).

و لما حصل في دمشق اتصلت المراسلة بينه و بين بغدوين ملك الأفرنج في إيقاع المهادنة و الموادعة و المسالمة، لتعمر الأعمال بعد الإخراب، و تأمن (104 ظ) السوابل من شر المفسدين و الخراب، فاستقرت هذه الحال بينهما، و استحلف كل منهما صاحبه على الثبات و الوفاء و إخلاص المودة و الصفاء، و أمنت المسالك و الأعمال، و صلحت الأحوال و توفر الاستغلال.

و في هذه السنة ورد الخبر من شيزر بأن جماعة من الباطنية من أهل أفامية و سرمين و معرة النعمان (و معرة) مصرين في فصح النصارى، و ثبوا في حصن شيزر على غفلة من أهله في مائة راجل، فملكوه‏

____________

(1) انظر زبدة الحلب: 2/ 167- 171.

314

و أخرجوا جماعة، و أغلقوا باب الحصن، و صعدوا إلى القلعة فملكوها و أبراجها، و كان بنو منقذ أصحابها قد خرجوا لمشاهدة عيد النصارى، و كان هذا أمر قد رتب في المدة الطويلة، و قد كانوا أحسنوا إلى هؤلاء المقدمين على الفساد كل الإحسان، فبادر أهل شيزر قبل وصولهم إلى الباشورة، و رفع الحرم [الرجال‏] (1) بالحبال من الطاقات و صاروا معهم، و أدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب الحصن، و صعدوا إليهم، و كبروا عليهم، و قاتلوهم حتى ألجأوهم إلى القلعة، فخذلوا و هجموا إليهم و تكاثروا عليهم، و تحكمت سيوفهم فيهم، فقتلوهم بأسرهم، و قتل كل من كان على رأيهم في البلد من الباطنية، و وقع التحرز من مثل هذه الحال.

سنة ثمان و خمسمائة

في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن يايا المعروف بلؤلؤ الخادم، أتابك الملك تاج الدولة ألب أرسلان ولد الملك رضوان صاحب حلب، عمل عليه و واطأ جماعة من أصحابه على الإيقاع به و الفتك به عند وجود الفرصة مستهلة فيه، و حين لاحت لهم و ثبوا عليه فقتلوه في داره بقلعة حلب، و اضطرب الأمر بعده، و قد كان تدبيره لنفسه و عسكريته و رعيته سيئا فاسدا لا يرجى له صلاح و لا إصلاح، فمضى لسبيله غير مأسوف عليه، و لا محزون لفقده‏ (2).

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين لتدارك سقط ألم بالنص، و جاء في مرآة الزمان: 1/ 46: «و دلى الحرم بالحبال من القلعة و أصعدوا الرجال و فتحوا الأبواب، و صعد الأمراء ...» و لعل هذه الواقعة هي ما أشار إليه أسامة بن مرشد بن منقذ في كتابه الاعتبار. ط. برنستون 1930:

123- 125.

(2) في ترجمة ألب أرسلان في بغية الطلب: «و ساءت سيرة ألب أرسلان بحلب، و انهمك في المعاصي، و اغتصاب الحرم، فخافه لؤلؤ اليايا، فقتله بقلعة حلب في الثامن من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان و خمسمائة، و نصب أخا له طفلا عمره ست سنين، و بقي لؤلؤ بحلب إلى أن قتل في آخر سنة عشر و خمسمائة».

مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 296.

315

و فيها توفي الشريف نسيب الدولة أبو القاسم علي بن ابراهيم بن العباس بن الحسن الحسيني، (رحمه الله)، في ليلة الأحد الرابع و العشرين من شهر ربيع الآخر، و دفن بعد صلاة الظهر في التربة الفخرية بدمشق‏ (1) (105 و).

و في هذه السنة حدثت زلزلة بالشام عظيمة، و ارتجت لها الأرض، و أشفق الناس، و سكنت لها النفوس بعد الوجيب و القلق، و قرت القلوب بعد الانزعاج و الفرق.

و في هذه السنة نزل الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق على حمص، و فيها خيرخان بن قراجا، و كان عادة نجم الدين إذا شرب الخمر، و تمكن منه أقام منه عدة أيام مخمورا، لا يفيق لتدبير، و لا يستأمر في أمر و لا تقرير، و قد عرف خيرخان منه هذه العادة المستبشعة، و الغفلة المستبدعة، فحين عرف أنه على تلك القضية، خرج من قلعة حمص في رجاله، و كبسه في مخيمه، و انتهز الفرصة فيه، و قبض عليه، و حمله إلى حمص، و ذلك في شعبان منها، و ضاق صدر ظهير الدين أتابك لما انتهى الخبر بذلك إليه، و كاتب خيرخان بالإنكار عليه، و الإكبار لما أجرى عليه، و تغيرت نيته فيه، و أقام أياما في اعتقاله إلى أن أطلقه، و خلى سبيله.

و فيها وردت الأخبار من ناحية الأفرنج بهلاك ملكهم بغدوين بعلة هجمت عليه، مع انتقاض جرح كان أصابه في الوقعة الكائنة بينه و بين المصريين، فهلك بها، و قام مقامه من بعده من ارتضى به‏ (2).

____________

(1) ترجم له سبط ابن الجوزي بين وفيات سنة 509: 1/ 54- 55، و نقل عن ابن عساكر قوله: «و كانت له جنازة عظيمة و دفن بالباب الصغير».

(2) كذا، و هذا التاريخ مبكر، فوفاته كانت سنة 512 ه/ 1118 م، و سيذكره المؤلف ثانية في أخبار سنة/ 512/ و بعد ما توفي خلفه بلدوين الثاني صاحب الرها.

انظر حول هذا كله تاريخ وليم الصوري- بالانكليزية: 1/ 514- 522.

الكامل لابن الأثير: 8/ 284.

316

و فيها توفي الشيخ أبو الوحش سبيع بن مسلم الضرير، المعروف بابن قيراط المقرى‏ء المجود بالسبعة (رحمه الله)، في يوم السبت الحادي عشر من شعبان منها، و دفن بباب الصغير، بين قبور الشهداء رضي الله عنهم، و كان ملازما لجامع دمشق يقرأ إلى أن توفي على أحسن طريقة (1).

سنة تسع و خمسمائة

في هذه السنة قويت شوكة الأفرنج في رفنية، و بالغوا في تحصينها و شحنها بالرجال، و شرعوا في الفساد و التناهي في العناد، فصرف ظهير الدين همه إلى الكشف عن أحوالهم و البحث عن مقاصدهم في أعمالهم، و ترقب الفرصة فيهم، و معرفة الغرة منهم، و تقدم إلى وجوه العسكر و مقدميه بالتأهب و الاستعداد، لقصد بعض الجهات لإحراز فضيلة الجهاد، و النهوض (105 ظ) لأمر من المهمات، ثم أسرى إليهم مغذا، حتى أدركهم و هم في مجاثمهم غارون، فلم يشعروا إلا و البلاء قد أحاط بهم من جميع جهاتهم، فهجمت الأتراك عليهم البلد، فملكوه و حصل كل من كان فيه في قبضة الأسر، و ربقة الذل و القهر، فقتل من قتل، و أسر من أسر، و غنم منهم المسلمون سوادهم و كراعهم و أثاثهم ما امتلأت به الأيدي، و سرت به النفوس، و قويت بمثله القلوب، و ذلك في يوم الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة، و انكفأ المسلمون إلى دمشق ظافرين مسرورين غانمين لم يفقد منهم بشر، و لا عدم شخص، و معهم الأسرى و رؤوس القتلى، فأطيف بهم في البلد بحيث تضاعف بمشاهدتهم السرور، و انشرحت الصدور، و قويت من الجند في الجهاد و الغزو الظهور.

و لما شاع ذكر ظهير الدين أتابك في الأعمال العراقية، و الدركاه السلطانية بما أعطاه الله من شدة البأس في محاربة الأفرنج الأرجاس،

____________

(1) ترجم له ابن عساكر في تاريخه، و ذكر وفاته سنة «خمس و خمسمائة».

تهذيب تاريخ دمشق الكبير للشيخ عبد القادر بدران. ط بيروت 1979: 6/ 66.

317

و منحه من النصر عليهم، و النكاية فيهم، و الذب عن أهل الشام و مراماته دونهم، و محاماته عنهم و إحسان السيرة فيهم، بحيث دعي له في محافل الرعايا و التجار، و شكر بين الرفق من سفار الأقطار، فحسده قوم من مقدمي الدركاه السلطانية الغياثية، و راموا القدح فيه و الطعن عليه، طلبا لإفساد حاله، و اعتمادا لعكس آماله، و حطاّ لرتبته بالحضرة السلطانية، و تشعيث الآراء الجميلة الغياثية، و ظهر الأمر بذاك و انتشر، و شاع من كل صوب و اشتهر، و كتب إليه بذلك من يؤثر صلاحه من الأصدقاء، و يشفق عليه، فأحدث ذاك له استيحاشا دعاه إلى التأهب و الاستعداد لتوجه ركابه إلى الباب الإمامي المستظهري، و الباب السلطاني الغياثي بمدينة السلام بغداد للمثول بهما، و الخدمة لهما، و التقرب بالسعي إليهما، و إنهاء حاله إليهما، و إزالة ما وقع في النفوس ظنة بالقدوم عليهما، و أشير عليه بترك ذلك و إهماله، و حذر منه و بعث على إغفاله، فلم يصخ إلى هذا المقال، و لا أعاد على أحد جواب سؤال، بل تأهب للمسير، و بالغ في الجد فيه (106 و) و التشمير، و أعد ما يصحبه من أنواع التحف المستحسنة من أواني البلور و المصاغ، و أجناس الثياب المصرية، و الخيول السبق العربية، مما يصلح أن يتقرب بمثله إلى تلك المناصب العلية، و سار في خواصه، و أهل ثقته من غلمانه، في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة.

فلما قرب من بغداد، و أنهي خبر وصوله تلقاه من خواص الدار العزيزة النبوية المستظهرية، و الدركاه السلطانية الغياثية، و وجوه الدولة و أعيان الرعية، من بالغ في إكرامه و تناهى في احترامه، و قوبل من ذاك ما زاد في مسرة أوليائه، و الفت في أعضاد حساده و أعدائه، و أوضح حاله فيما قصد لأجله، فما سمع إلا ما عاد ببسط عذره، و إحماد فعله، و إطراء أمره، و تطييب نفسه، و إبعاد استيحاشه، و تأكيد أنسه، و حين عزم على الانكفاء إلى دمشق، و أذن له في ذلك، شرف بالخلع السنية، و الكرامات‏

318

الهنية، و كتب له المنشور العالي السلطاني الغياثي بولاية الشام حربا و خراجا، و إطلاق يده في ارتفاعه على إيثاره و اختياره بإنشاء الطغرائي أبي اسماعيل الأصفهاني‏ (1) و هو إذ ذاك فريد زمانه في الكتابة و البلاغة، و وحيد عصره في الآداب و البراعة، و قد أثبت نسخته في هذا المكان، ليعرف الواقف عليه فضل منشئه، و علو مرتبة من كتب له، و أحسن وصفه فيه و هو:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

هذا منشور أمر بإنشائه السلطان المعظم غياث الدنيا و الدين، أطال الله بقاءه، و أعز أولياءه، و نصر لواءه: للأمير الأصفهسلار الأجل، الكبير، ظهير الدين أتابك، أدام الله تأييده، لما بان تمسكه من الطاعة بأحكم علائقها، و اعتصامه من الخدمة بأوكد وثائقها، و انتهاجه من المشايعة أقوم مسالكها، و اعتماده أفضل طرائقها، و أجلت التجارب منه عين الناصح الأريب، و المهذب اللبيب، المتدرج في مراقي الرتب السنية، بالمساعي الرضية، و المحرز أحاظي القرب الخطيرة بالآثار الشهيرة، المشهودة موافقة في قود الجماهير العظام، و الذب عن حوزة الإسلام، و التجرد لمظافرة الأولياء، و مقارعة الأعداء و الاستقلال (106 ظ) بمعضلات الأعباء، الجامع إلى خصائص هذه الأسباب و الإلمام بخدمة الأبواب، و التحقق بزمر الحشم و الأصحاب، المستقل بنصحه، المنخول بدلائه المقبول، و وسائله المشفوعة توالدها بالطوارف، و شوافعه المنصورة سوالفها بالأوانف، أن يزاد في الإنافة بقدره، و الإشادة بذكره، و يستخلص تخلية صدره، بتفخيم أمره، و تجدد الصنيعة عنده بما يكون لواجب حقوقه قضاء، و لمصالح مساعيه كفاء، و لمحله المرموق لائقا، و لموضعه من الدولة مضاهيا مطابقا، فرأيناه أحق من أفيضت عليه‏

____________

(1) صاحب لامية العجم، ينتهي بنسبه إلى أبي الأسود الدولي، توفي سنة 514 ه/ 1120 م ترجم له سبط ابن الجوزي في وفيات سنة 514. مرآة الزمان: 1/ 92- 94.

319

ملابس الإنعام، و حبي من الكرامة بأوفر الأقسام، و رفع من مراتب الاحتباء و الاختصاص إلى الذروة و السنام، و رشح لكفاية المهام، و تدبير الأمور الجسام، و أوطى‏ء عقبة الكماة الأنجاد، ورد إلى إيالته الأمصار و الأجناد، رسمنا أن نجدد له هذا المنشور بإمارة الشام، و نقرر عليه جميع ما دلت عليه المناشير المنشأة المتضمنة لأسامي البلاد الموجبة له، صارت رسمه مهما يجري معها، و يضاف إليها من النواحي و الضياع و الحصون و القلاع، حسب ما أورد ذكره مفصلا في هذا المثال، و جعلناها نعمة مصونة من الارتجاع، و طعمه محمية من الانتزاع، قلدناه في عامة تلك البقاع: أعمال الحرب، و المعاون، و الأحداث‏ (1)، و الأخرجة و الأعشار، و سائر وجوه الجبايات‏ (2) و العروض و الإعطاء، و النفقة في الأولياء، و المظالم و الأحكام، و سائر المستظهر عليه بنظر الولاة و الكفاة، و النصحاء الثقاة، رعاية لحقوقه اللازمة، و محافظة على أذمته المتقادمة، و ثقة منه باستدامة النعمة، و ارتباطها بالتوفر على شرائط الخدمة، و استدعاء مزيد الإحسان، و استيفاء عوائد الاصطناع بدوام النصح، و فضل الاستقلال و الاضطلاع، و الله تعالى يجزينا على أحسن عوائده، بإصابة شاكلة الصواب في اختيار الأولياء، و يلهمنا الرشد في مرامي الأفكار، و مواقع الآراء، و لا يخلينا في اصطفاء من نصطفيه و اجتباء من نجتبيه من مساوقة التوفيق لما نرتاده و نرتئيه.

أمرناه بتقوى الله و طاعته، و استشعار خيفته و مراقبته (107 و) و الالتجاء منها إلى الحصن الأمنع، و الظل الأمتع، و الاستظهار منها بالذخر الأتقى، و الحرز الأوقى، و الاحتراس من هواجس الهوى باعتلاق عروتها الوثقى، و إدراع شعارها الأتقى، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏

____________

(1) أي الجيش و الشرطة و قوات الأحداث (الميليشيا البلدية).

(2) في الأصل «الجنايات» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

320

وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ (1) و أمرناه أن يسير فيمن قبله من الأولياء و الحشم أجمل سيرة، و يحملهم بحسن السياسة على أفضل و تيرة، و يسلكهم مسلكا وسطا بين اللين و الخشونة، و السهولة و الوعورة، و يشعر قلوبهم من الهيبة ما يقبض المتبسط، و يردع المتسلط، و يرد غرب الجامع، و يقيم صعر الجانح، و يخص منهم ذوي الرأي و الحنكة و الثبات و المسكة بالمشاورة و المباحثة، و يستخلص نخائل صدورهم، عند طروق الحوادث بالمفاوضة و المنافثة (2)، و يستعين بثمار ألبابهم، و نتائج أفكارهم على دفاع الملم، و كفاية المهم، و يتناول سفهاءهم و ذوي العيث و الفساد منهم بالتقويم و التهذيب، و التعريك و التأديب، و يردهم عن غلوائهم بالقول ما كفى، و إحراز النصح ما أجدى و أغنى، و من زاده الأناة و الحلم و الاحتمال و الكظم تماديا في العدوان، و تتابعا في الطغيان عركه عرك الأديم، و تجاوز به حد التقويم إلى التحطيم، متيقنا أن إعطاء كل طبقة ممن تشمله رعايته، و تكنفه إيالته حقها من قوانين السياسة إرهاقا لبصيرة القارح المتماسك و كفا لغرب الحرج المتهالك، قال الله تعالى: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏ (3).

و أمرناه أن يوكل بأمر الثغور المتاخمة لأعماله و المصاقبة لبلاده عينا كالئة، و أذنا واعية، و همة للصغير و الكبير في مصالحها مراعية، فيشحنها بذوي البأس و النجدة المذكورين بالبسالة و الشدة المعروفين بالصريمة و الغناء، و الصبر عند اللقاء، و البصيرة بمكابدة الأعداء، و يستظهر لهم باستجادة الأسلحة و الآلات و الاستكثار من المير و الأقوات، و يناوب بينهم في مقارهم، مناوبة تجم المكدود، و تريح المجهود، و تدر عليهم‏

____________

(1) القرآن الكريم- الأنفال: 29.

(2) نفث: أوحى و ألقى. النهاية لابن الأثير.

(3) القرآن الكريم- الأنفال: 58.

321

الأرزاق عند (107 ظ) الوجوب و الاستحقاق، ليقوم أودهم، و يقل لددهم، و تحسن طاعتهم، و تلين مقادتهم، و يكثف عددهم و عدتهم، و تشتد على الأعداء شوكتهم، و يغيظ الكفار زيهم و شارتهم، قال الله تعالى: «أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ‏ (1).

و أمرناه أن يأخذ نفسه و أصحابه بالثبات و الصبر عند قراع السيوف بالسيوف، و ذلوف الزحوف بالحروف، و يرخصوا أنفسهم في ابتغاء مرضاة الله و الذب عن حوزة الدين، و المحاماة عن بيضة الإسلام و المسلمين، و يحتاط مع ذلك لنفسه و أصحابه، و لا يقدم بهم على غرر، و لا يفسح لهم في ركوب خطر إلا بعد الأخذ بالحزم، و استعمال الرفق في الحذر، و يكون إقدامهم على بصيرة تامة، لا يقتحم معها غرة، و لا تضاع فرصة، و لا يحجمون إذا أحمز البأس، و اشتد المراس عن تورد المعركة، و لا يلقون بأنفسهم إذا حمي الوطيس، و التقى الخميس بالخميس إلى التهلكة، قال الله جل و علا: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ (2).

و أمرناه أن يصل جناح ضمانه بالوفاء، و يشد أركان عهده بالثبات، و يصون ذمته عما يخفرها، و يشفق عليها مما يحيلها و يغيرها، و يذهب مع دواعي الصدق، و يصبر على تكاليف الحق، و لا يروع لهم سربا أمنه، و لا ينقض شرطا ضمنه، و لا ينكث عهدا أبرمه، و لا يخلف وعدا قدمه، و لا يتجافى عمن يلوذ بعقوته، و لا يأبى قبول السلم ممن اتقى بصفحته، قال الله تعالى: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (3). و قال جل من قائل: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها (4).

____________

(1) القرآن الكريم- الأنفال: 60.

(2) القرآن الكريم- الحج: 78.

(3) القرآن الكريم- الإسراء: 34.

(4) القرآن الكريم- الأنفال: 61.

322

و أمرناه أن يعم رعاياه القارة و المارة بالأمن العائد عليهم بسكون الجأش، وسعة المعاش، و يحوطهم في متوجهاتهم و متصرفاتهم، حياطة تكنفهم من جميع جهاتهم، و يحمي نفوسهم و ذراريهم و أموالهم، و معائشهم، حماية ترد كيد الظالم، و تقبض يد الغارم، و تخرج ذوي الريب من مظانهم، و تحول بينهم و بين عدوانهم، و تجري حكم الله فيهم، و تقيم حده على من سفك فيهم دما، و انتهك محرما، أو أظهر شقاقا و عنادا، أو سعى في الأرض فسادا، قال الله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ‏ (108 و) خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (1).

و أمرناه أن ينظر في أحوال الرعايا أتم نظر و أوفاه، و يسأل عن ظلاماتهم أبلغ سؤال و أحفاه، و يستن بالسنة العادلة فيهم، و يمنع أقوياءهم عن تهضم مستضعفيهم، و يحمل من تحت يده على التعادل و التناصف، و يصدهم عن التغاضب و التظالم، و يقر الحقوق مقارها، عند وضوح الحجة، و ارتفاع الشبهة، و يختار لهم من العمال و الولاة أسدهم طرائق، و أقومهم مذاهب، و أحمدهم خلائق، و يأمر كلا منهم أن لا يغير عليهم رسما، و لا يتوي‏ (2) لهم حقا، و لا يسومهم في معاملاتهم خسفا، و لا يحدث عليهم من يدع الجور رسما، و لا يرتكب منهم ظلما، و لا يأخذ منهم برا بأثيم، و لا بريئا بسقيم، و يقنع منهم في إخراجاتهم و مقاساتهم و قسوطهم و مقاطعاتهم بالحقوق المستمرة، و يحملهم في العدل على القواعد المستقرة، و يستقرى‏ء آثار الولاة قبله، فما طاب منها، و حسن اقتفاؤه اقتفره‏ (3)، و ما ذم منها و استنكره أماطه و غيره.

و يعتقد أنه مسؤول عما اكتسب و اجترح، و محاسب على ما أفسد

____________

(1) القرآن الكريم- المائدة: 33.

(2) أي لا يضيع و لا يهلك. النهاية الابن الأثير.

(3) أي تتبع أثره- النهاية لابن الأثير.

323

و أصلح، قال الله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى‏ (1) فيلتلقى هذه النعمة الكبيرة، و العارفة الخطيرة بإعظام قدرها، و القيام بواجب شكرها، و ليتحقق أنها قاطنة بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه و ولائه، و باقية عليه و على عقبه ما عملوا بأحكام هذا العهد، و عنوا بتأكيد أسبابه، و أعلنوا بشعار الدولة، و استمروا على السنة المألوفة في إقامة الخطبة و السكة، و تمسكوا بولاء الدولة العباسية التي هي سنة متبعة، و ما عداها ضلالة مبتدعة، وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ (2) و أحسنوا السيرة في عباده و بلاده، و الله تعالى يمدنا و إياه في هذا الرأي الذي رأيناه، و يزلف من رضاه و يحمد فاتحته و عقباه، إن شاء الله تعالى.

و كتب في المحرم سنة عشر و خمسمائة

و توجه منكفئا إلى دمشق، على أجمل صفة و أحسن قضية في سلامة النفس و الجملة، و تزايد العز و الحرمة، و دخلها في يوم الاثنين (108 ظ) لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة عشر و خمسمائة.

سنة عشر و خمسمائة

في هذه السنة ورد الخبر بأن بدران بن صنجيل‏ (3)، صاحب طرابلس، قد جمع و حشد، و بالغ و اجتهد، و نهض إلى ناحية البقاع لإخرابه بالعيث و الفساد و الإضرار و العناد، و كان الاصفهسلار سيف الدين البرسقي، صاحب الموصل، قد وصل إلى دمشق في بعض عسكره، لمعونة ظهير الدين أتابك على الأفرنج، و الغزو فيهم، و بالغ أتابك في الإكرام له و التعظيم لمحله، و صادف ورود هذا الخبر بنهضة

____________

(1) القرآن الكريم- النجم: 39- 41.

(2) القرآن الكريم- الحج: 78.

(3) كذا في الأصل و هو و هم، فبرتران كان قد توفي سنة 505 ه/ 1112 م و خلفه ابنه بونز و قد سبقت الإشارة إلى ذلك ص 289 انظر كتاب طرابلس الشام: 149- 152.

324

الأفرنج إلى البقاع، فاجتمع رأيهما على القصد لهما جميعا، و أغذا السير ليلا و نهارا، بحيث هجموا عليهم، و هم غارون، في مخيمهم قارون، لا يشعرون فأرهقهم العسكر، فلم يتمكنوا من ركوب خيلهم، و لا أخذ سلاحهم، فمنحهم الله النصر عليهم، و أطلقوا السيف فيهم قتلا و أسرا و نهبا، فأتوا على الراجل و هم خلق كثير، قد جمعوا من أعمالهم، و أسروا وجوه فرسانهم و مقدميهم، و أعيان شجعانهم، و قتلوا الباقين منهم، و لم يفلت منهم غير مقدمهم بدران بن صنجيل و المقدم كند اصطبل، و نفر يسير معهما، ممن نجا به جواده، و حماه أجله، و استولى الأتراك على العدد الجمة، و الخيول و الكراع و السواد، و ذكر الحاكي المشاهد العارف أن المفقود المقتول من الأفرنج الخيالة و السرجندية (1) الرجالة، و النصارى الخيالة و الرجالة في هذه الوقعة ما يزيد على ثلاثة آلاف نفس.

و عاد ظهير الدين أتابك، و سيف الدين (آق) سنقر البرسقي في عسكريهما إلى دمشق مسرورين بالظفر السني، و النصر الهني، و الغنائم الوافرة، و النعم المتوافرة، فلم يفقد من العسكريين بشر، و لا أصابهم بؤس و لا ضرر، و وصلا البلد بالأسرى و رؤوس القتلى، و خرج الناس من البلد لمشاهدتهم، و استبشروا بمعاينتهم، و سروا بنظرهم سرورا، واصلوا معه حمد الله مولي النصر، و مانح القهر، و شكروه تعالى على ما سناه من الاستظهار المبين بالاستعلاء المشرق الجبين، و أقام آق سنقر البرسقي أياما بعد ذلك و توجه (109 و) عائدا إلى بلده بعد استحكام المودة بينه، و بين ظهير الدين، و المصافاة و الموافقة على الاعتضاد في الجهاد، متى حدث أمر أو حزب خطب.

____________

(1) حوت جيوش الفرنجة عدة نوعيات من الأسلحة تقدمها سلاح الفرسان الثقال من طبقة النبلاء الإقطاعية، و تلاهم «السر جندية» و هم رجالة ثقال كانت تجندهم الكنائس و الديرة و تنفق هذه المؤسسات عليهم، و غالبا ما كان السرجندية ضعف عدد الفرسان الثقال، و بعد هؤلاء جاء الخيالة أو الفرسان الخفاف «التركبول» ثم الرجالة العاديين و الحجاج و كان الجزء الأكبر من الصنفين الأخيرين من المرتزقة. أفضل مصدر حول هذا الموضوع كتاب فن الحرب في الحروب الصليبية (بالانكليزية) تأليف ر. سميل. ط. لندن 1967.

325

و قد كان في هذه السنة وردت الأخبار قبل عود ظهير الدين من العراق، بالكائنة الحادثة من الباطنية في الدركاه السلطانية، و قتلهم الأمير أحمديل فيها، في المحرم منها، مع وجاهته، و تزايد حشمته، و وفور عدته، و أكثر الناس التعجب من هذا الإقدام المشهور، و الفعل المذكور، و لله عاقبة الأمور (1).

و فيها وردت الأخبار من ناحية حلب، بقتل لؤلؤ الخادم، الذي كان غلب أمره فيها، و عمل على قتل ولده مولاه الملك ألب أرسلان بن رضوان، في ذي الحجة منها، بأمر دبره عليه أصحاب الملك المذكور (2).

سنة إحدى عشرة و خمسمائة

في هذه السنة توفي السلار بختيار شحنة دمشق، و نائب ظهير الدين في تولي أمر البلد، و سياسة الرعية، بعلل اختلفت عليه، و طالت به إلى أن قضى نحبه (رحمه الله) في ليلة النصف من شعبان منها، فأحزن ظهير الدين فقده، و أهمه المصاب به، و تأسف أكثر الناس عليه، لأنه كان عفيفا في أفعاله غير معترض لخمر، غني الحال و النفس، معينا لمن يقصده في دفع مظلمة، و إنقاذ من شدة، جميل المناب فيما يعود بصلاح الرعية، و البعث على العمل بالعدل و السوية، و أقيم ولده السلار عمر في منصبه، فاقتفى آثاره في أشغاله، و حذا مثاله في أعماله.

و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق، بوفاة السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه بأصفهان، (رحمه الله)، بعلة حدثت به، و طال‏

____________

(1) في ترجمة أحمديل في بغية الطلب قال ابن العديم: «و في المحرم سنة عشر و خمسمائة كان أحمديل في مجلس السلطان محمد، فجاءه رجل و معه قصة يشكو فيها الظلم و هو ينتحب، و سأله أن يوصل قصته إلى السلطان، فتناولها منه فضربه بسكين كانت معدة ...» مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 254.

(2) أخذ أموال قلعة حلب و حاول أن يهرب إلى بلاد الشرق، فلحقه بعض قادة جند حلب و رشقه بالسهام حتى قتل. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 295.

326

مقامها عليه، إلى أن توفي في الحادي عشر من ذي الحجة منها، و قام مقامه في السلطنة ولده محمود، و استقام له الأمر، و استقرت على صلاح الحال.

و فيها وردت الأخبار من ناحية حلب، بأن الاصفهسلار يارقتاش الخادم، متولي اصفهسلارية حلب، هادن الأفرنج و وادعهم، و سلم إليهم حصن القبة (1).

و قيل إن الأمير آق سنقر البرسقي، خرج من الرحبة في عسكره، و قصد حلب، و نزل عليها طامعا في تملكها، فلم يتسهل له ما أمل و رحل (109 ظ) عنها عائدا إلى الموصل.

و ورد الخبر أيضا بأن الاصفهسلار يارقتاش المقدم ذكره أخرج من قلعة حلب، ورد أمر الاصفهسلارية و النظر في الأموال إلى الأمير أبي المعالي (المحسن) (2) ابن الملحي العارض الدمشقي، و دبر الأشغال بها و الأعمال فيها.

و في النصف من المحرم منها هجمت الأفرنج على ربض حماة، في ليلة خسوف القمر، و قتلوا من أهلها تقدير مائة و عشرين رجلا.

و ورد الخبر بهلاك دوقس أنطاكية (3).

و في المحرم منها وصل الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق في عسكره إلى حلب، و تولى تدبير أمرها مدة صفر، و فسد عليه ما أراده، فخرج منها، و بقي ولده حسام الدين تمرتاش.

و فيها وردت الأخبار من القسطنطينية بموت متملك الروم‏

____________

(1) لم أجد له ذكرا في المصادر الجغرافية، و ذكره ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 110، 179، إنما ليس في نصه ما يساعد على تحديد موقع هذا الحصن.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين من زبدة الحلب: 2/ 179.

(3) قتل في معركة قرب عفرين قادها ضده إيلغازي بن أرتق. الكامل لابن الأثير: 8/ 288- 289.

327

الكرانكس‏ (1) و قام في الملك بعده ولده يوحنا، و استقام له الأمر، و عمل بسيرة أبيه، و فيها وردت الأخبار بموت بغدوين ملك الأفرنج صاحب بيت المقدس بعلة طالت به و كانت سبب هلاكه في ذي الحجة منها، و قام بعده في الأمر كند هو [الذي كان‏] الملك [بالرها] (2).

سنة إثنتي عشرة و خمسمائة

في هذه السنة شاعت الآثار و الأخبار من ناحية الأفرنج، بطمعهم في المعاقل و البلاد، و إجماعهم على قصدها بالعيث و الإفساد، لغفلة الإسلام عن قصدهم بالغزو و الجهاد، و أنهم قد شرعوا في التأهب لهذه الحال، و الاستعداد و كاتب ظهير الدين أتابك أرباب الجهات و المناصب، و بعثهم على التعاون على دفع شر الملاعين، بالتوازر و التواظب.

و ورد الخبر بتوجه الأمير نجم الدين إيل غازي إلى دمشق، في عسكره، للاجتماع مع ظهير الدين أتابك على إعمال الرأي في التدبير و التشاور في العمل و التقرير، هذا بعد أن راسل طوائف التركمان بالاستدعاء لأداء فريضة الجهاد و التحريض على الباعث لذاك و الاحتشاد.

و وصل الأمير المذكور إلى دمشق من حلب، في بعض أصحابه و خواصه، و اجتمعا و تعاهدا على بذل المكنة و الاجتهاد في مجاهدة الكفرة الأضداد، و طردهم عن الإفساد في هذه المعاقل و البلاد، و وقع الاتفاق بينهما على [مصير] (3) الأمير (110 و) نجم الدين إيل غازي بن أرتق إلى ماردين لإنجاز أمره، و جمع التركمان من الأعمال، و حضهم على النكاية في أحزاب الشرك و الضلال، و اقتضت الآراء مصير الأمير ظهير الدين معه لتأكيد الحال، و تسهيل الآمال، و سارا في العشر الأول من‏

____________

(1) هو الكسيوس كومونين، أفضل مصدر عنه كتاب الالكسياد لابنته الأميرة آنا كومينا.

(2) في الأصل «كند هو الملك» و أضيف ما بين الحواصر كيما يستقيم السياق، هذا و سبق للمؤلف أن ذكر وفاة بلدوين الأول في أخبار سنة/ 508/. انظر ص 305.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

328

شهر رمضان سنة إثنتي عشرة و خمسمائة، و عاد ظهير الدين عنه بعد أن قررا مع طوائف التركمان إصلاح أحوالهم و التأهب للوصول إلى الشام بجموعهم الموفورة، و عزائمهم المنصورة في صفر سنة ثلاث عشرة و خمسمائة ليقع الاجتماع على نصرة الدين و اصطلام المردة الملحدين، و أقام ظهير الدين بدمشق إلى حين قرب الأجل المضروب، و الوقت المرقوب، و سار إلى ناحية حلب في أول شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة و خمسمائة.

و وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة الخليفة الإمام المستظهر بالله أمير المؤمنين، ابن الإمام المقتدي بالله أمير المؤمنين، بعلة عرضت له، و استمرت به إلى أن قضى نحبه، إلى رحمة ربه في ليلة الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة و خمسمائة، و كانت مدة خلافته ستا و عشرين سنة و شهرين و أياما، و كان جميل السيرة، محبا للعدل و الإنصاف، ناهيا عن قصد الجور و الاعتساف، و ولي الأمر من بعده ولده ولي العهد أبو منصور الفضل، المسترشد بالله أمير المؤمنين ابن أبي العباس أحمد المستظهر بالله أمير المؤمنين، و جدد له أخذ البيعة، و استقام له الأمر، و نفذت المكاتبات إلى سائر الأعمال بالتعزية عن الإمام الماضي، و التهنئة بالإمام الباقي.

و دخلت سنة ثلاث عشرة و خمسمائة

و لما وصل ظهير الدين أتابك إلى حلب للاجتماع مع نجم الدين على الأمر المقرر بينهما، بعد مضي الأجل المعين بتدبيرها، وجد التركمان قد اجتمعوا إليه من كل فج، و كل صوب في الأعداد الدثرة الوافرة، و القوة الظاهرة، كأنهم الأسود تطلب فرائسها، و الشواهين إذا حامت على مكاسرها، و وردت الأخبار ببروز روجير صاحب أنطاكية منها، في من جمعه، و حشده من طوائف الأفرنج (110 ظ) و رجالة الأرمن من سائر أعمالهم و أطرافهم، بحيث يزيد عددهم على العشرين ألف فارس‏

329

و راجل، سوى الأتباع، و هم العدد الكثير، في أتم عدة، و أكمل شكة، و أنهم قد نزلوا في الموضع المعروف بسرمدا و قيل دانيث البقل بين- أنطاكية و حلب، فحين عرف المسلمون ذلك طاروا إليهم بأجنحة الصقور إلى حماية الوكور، فما كان بأسرع من وقوع العين على العين، و تقارب الفريقين حتى حمل المسلمون عليهم، و أحاطوا بهم من جميع الجهات، و سائر الجنبات ضربا بالسيوف، و رشقا بالسهام، و منح الله تعالى، و له الحمد، حزب الإسلام النصر على المردة الطغام، و لم تمض ساعة من نهار يوم السبت السابع من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاثة عشرة و خمسمائة، إلا و الفرنج، على الأرض سطحة واحدة، فارسهم و راجلهم، بخيلهم و سلاحهم، بحيث لم يفلت منهم شخص يخبر خبرهم، و وجد مقدمهم روجير (1) صريعا بين القتلى، و لقد حكى جماعة من المشاهدين لهذه الوقعة، أنهم طافوا في مكان هذه المعركة، لينظروا آية الله تعالى الباهرة، و أنهم شاهدوا بعض الخيول مصرعة كالقنافذ من كثرة النشاب الواقع فيها، و كان هذا الفتح من أحسن الفتوح، و النصر الممنوح، لم يتفق مثله للإسلام، في سالف الأعوام، و لا الآنف من الأيام، و بقيت أنطاكية شاغرة خالية من حماتها، و رجالها، خاوية من كماتها، و أبطالها، فريسة الواثب، نهزة الطالب، فوقع التغافل عنها، لغيبة ظهير الدين أتابك عن هذه الوقعة، لتسرع التركمان إليها، من غير تأهب لها، للأمر النافذ، و القدر النازل، و اشتغال الناس بإحراز الغنائم، التي امتلأت بها الأيدي، و قويت بها النفوس، و سرت بحسنها القلوب، فتلك بيوتهم خاوية، و الحمد لله رب العالمين.

و عاد ظهير الدين أتابك منكفيا إلى دمشق، عقيب هذا الظفر، و دخلها يوم السبت لليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة

____________

(1) و تعرف هذه المعركة باسم معركة ساحة الدم و هي من أهم معارك الحروب الصليبية انظر تفاصيلها في كتاب حروب الأنطاكيين تأليف و ولتر المستشار (الموسوعة الشامية ج 51) ص 361- 394.

330

فصادف الخاتون صفوة الملك، والدة الملك شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج الدولة تتش ابن السلطان ألب أرسلان، قد نهكها المرض، و طال بها، و قد أشفت على الموت (111 و)، و كانت لقدومه متوقعة، و إلى مشاهدته متطلعة، فأدركها و سمع مقالها، و قبل وصيتها، و أقامت القليل، و توفيت إلى رحمة الله و مغفرته و رضوانه، بين صلاتي الظهر و العصر، من يوم الأحد آخر جمادى الأولى سنة ثلاث عشر و خمسمائة، و دفنت عند ولدها في القبة التي بنتها على القلعة المطلة على الميدان الأخضر، فلقد كانت من النساء المصونات، المحبة للدين و الصدقات، و التنزه عن الظلم، بطلب الخيرات، مع قوة النفس و شدة الهيبة، و معرفة التدبير فيما توخته في حق ظهير الدين، عند وفاة ولدها الملك شمس الملوك، إلى أن استقام له الأمر، و استقرت في المملكة و الدولة الحال، و تسهلت له المطالب برأيها و هيبتها و سياستها و الآمال، فقلق ظهير الدين لفقدها، و تضاعف عليها حزنه و أسفه، و تسلم ما خلفته، و استخرج ما ذخرته و أودعته، و عمل بوصيتها.

و في رجب من هذه السنة توفي الأمير حارق بن كمشتكين العراقي في رجب منها و كان من مقدمي الدولة و وجوه أمرائها.

و فيها وردت الأخبار من العراق بأن السلطان محمود بن السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه توجه إلى عمه السلطان سنجر بن ملك شاه إلى خراسان، و دخل عليه، و وطى‏ء بساطه، بعد ما جرى بينهما من الوقائع و الحروب، فأكرمه و احترامه و أحمده، و قرر أحواله على ما فيه صلاح أمره و استقامة حاله، و وصله بابنته، و أقره على مملكته، و شرفه بخلعه و تكرمته، و عاد منكفيا إلى أصفهان بلدته ظافرا (1) بأمله و بغيته.

و في هذه السنة حكى من ورد من بيت المقدس، ظهور قبور الخليل‏

____________

(1) في الأصل: طامرا، و هو تصحيف قوم من مرآة الزمان: 1/ 79 حيث ينقل عن ابن القلانسي.

331

و ولديه اسحق و يعقوب الأنبياء عليهم الصلاة من الله و السلام، و هم مجتمعون في مغارة بأرض بيت المقدس، و كأنهم كالأحياء، لم يبل لهم جسد، و لا رم عظم، و عليهم في المغارة قناديل معلقة من الذهب و الفضة، و أعيدت القبور إلى حالها التي كانت عليه. هذه صورة ما حكاه الحاكي، و الله أعلم بالصحيح من غيره.

سنة أربع عشرة و خمسمائة

(111 ظ) فيها ورد الخبر من ناحية حلب بأن الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق، رفع المكوس عن أهل حلب و المؤن و الكلف، و أبطل ما جدده الظلمة من الجور و الرسوم المكروهة، و قوبل ذلك منه بالشكر و الثناء، و الاعتداد و الدعاء، و حكي عن ماردين أنها وقع عليها برد عظيم لم تجر بمثله عادة، و لا بصر أكثر منها ماء، أهلك المواشي و أتلف أكثر النبات و الشجر.

و فيها هدم نجم الدين زردنا (1)، و فيها كسر الأمير بلك بن أرتق عفراس الرومي، و قتل من الروم تقدير خمسة آلاف على قلعة سريان من بلد أندكان، و أسر مقدمهم عفراس.

و فيها ورد الخبر بأن السلطان محمود كسر عسكر أخيه مسعود، بباب همذان، تحت الزعفراني.

و فيها وردت الأخبار بوصول الكند (2)، هو ملك الأفرنج، في المراكب البحرية، و ملك أكثر المعاقل.

____________

(1) في معجم البلدان: زردنا: بلدة من نواحي حلب الغربية.

(2) كذا في الأصل و لم أجد بين المصادر من أتى على ذكر مجي‏ء أسطول بحري يقوده «كونت» ما، أو حتى قيام بلدوين الثاني أو سواه من قادة الفرنجة بالشام، بعمل بحري كل ما هنالك أن وليم الصوري تحدث عن قدوم أسطول البندقية على رأسه «الدوج دومنجو ميشيلي» إلى ساحل يافا في سنة 517 ه/ 1123 م أي بعد ثلاث سنوات، و كان بلدوين الثاني أسيرا آنذاك لدى الأمير الأرتقي بلك، و سيذكر ابن القلانسي هذا كله.

332

و فيها وقعت المهادنة بين نجم الدين إيل غازي بن أرتق صاحب حلب، و بين الأفرنج، و تقررت الموادعة و المسالمة، و كف كل جهة من الفريقين الأذية عن الآخر.

و فيها وردت الأخبار بأن السلطان محمود قصد حلة دبيس بن صدقة ابن مزيد في عسكره، و نهبها و هزم عسكرها، و انهزم دبيس إلى قلعة جعبر مستجيرا بصاحبها الأمير شهاب الدين مالك بن سالم بن مالك، فأجاره و أكرمه و احترمه، و قيل أنه انعقد بينهما صهرة.

و قيل إن في ذي الحجة من السنة، هبت ريح شديدة هائلة منكرة، بنواحي الجزر، فخرب بها كنائس و معاقل و قلعت كثيرا من شجر الزيتون، و قيل إن جوسلين غار على العرب و التركمان النازلين بصفين، و غنم منهم، و من مواشيهم بشاطى‏ء الفرات، و في عوده خرب حصن بزاعة (1).

سنة خمس عشرة و خمسمائة

في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش، صاحب الآمر (2) بمصر (رحمه الله) ثاني عيد الفطر، بأمر رتب له، و عمل فيه عليه، إلى حين أمكنت الفرصة فيه، فانتهزت الفرصة، و صودف راكبا في موكبه، مجتازا في بعض أسواق القاهرة، و قد كان على غاية من التحرز و التحفظ و استعمال الاحتراس و التيقظ، لا سيما من الطائفة الباطنية، و الاحتياط منهم بأنواع السلاح، و وافر الغلمان، (112 و) و الخدم و العبيد، و العدد المختلفة، و السيوف الماضية، و كان المرتب لقتله و المرصد له جماعة، فوثب عليه رجل من بعض الشوارع، بحيث شغل أصحاب الركاب، و وثب‏

____________

(1) قال أبو الفداء في تقويم البلدان: 266- 267 «و أما» بزاعا فضويعة من أعمال الباب، و بظاهرها مشهد به قبر عقيل بن أبي طالب، و هي على مرحلة من حلب في الجهة الشمالية الشرقية.

(2) الخليفة الفاطمي الآمر [495- 524 ه/ 1101- 1130 م‏].

333

الآخر بين يديه فضربه ضربات سقط بها عن ظهر جواده إلى الأرض، و قتلا في الحال، و حمل إلى داره و به رمق، و توفي (رحمه الله) من يومه، وادعي أن الباطنية تولوا قتله، و ليس ذلك صحيحا، بل ذلك ادعاء باطل، و محال زائل، و إنما السبب الذي اجتمعت عليه الروايات الصحيحة التي لا تشك في هذا الأمر، فساد ما بينه و بين مولاه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، لتضييقه عليه، و منعه مما تميل نفسه إليه، و منافرته إياه في بعض الأوقات، و قد كان هذا الخلف المستمر بينهما، قد ظهر بمصر لكثير من أهلها، و تحدثوا فيه، و كان الآمر قد عزم على اغتياله إذا دخل عليه في قصره، للسلام عليه، أو في أيام الأعياد، و قويت نفسه على إتمام هذا الأمر، فمنعه من ذلك الأمير أبو الميمون عبد المجيد، و قال له: إن هذا الأمر إذا تم على هذه القضية، كان فيه شناعة و سوء سمعة، لأن هذا و أباه في خدمتنا منذ خمسين سنة، لا يعرف الناس في سائر أقطار البلاد غير هذا، فما يقال في مثل هذه الحال في مجازاتنا لمن هذه صفته، هذه المجازاة الشنيعة، و المكافأة الفظيعة، و ما العذر في ذاك إلى الناس، و هم لا يعلمون ما في نفوسنا له، و ما ننقم عليه بسببه، و ما يعرفون منه في ظاهر الأمر إلا الموالاة الخالصة، و الطاعة الصادقة، و الذب عن الدولة، و المحاماة عنها، و لا بد أن تدعو الضرورة إلى إقامة غيره في مكانه، و الاعتماد عليه في منصبه، فيتمكن كتمكنه أو بعضه، فيحذر من الدخول إلى قصرنا خوفا على نفسه، مما جرى على غيره، و إن دخل علينا كان خائفا معدا، و إن خرج عنا خرج و جلا مستعدا، و في هذا الفعل ما يؤكد الوحشة، و يدل على فساد التدبير في اليوم و فيما بعد، بل الصواب في التدبير أن تستميل أبا عبد الله (محمد) بن البطائحي‏ (1)، الغالب على أمره‏

____________

(1) كان مولده سنة 478 ه/ 1085 م و قيل أنه كان من أصل وضيع، حيث كان والده من جواسيس الأفضل بالعراق، مضى إلى مصر و عمل حمالا، ثم التحق بدار الأفضل فاستخدمه مع الفراشين، يوصف في وزارته بأنه كان من ذوي الآراء السديدة واسع الصدر سفاكا للدماء، شديد التحرز، كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند و العامة فكثر الواشون و السعاة بالناس في أيامه. الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي: 272- 273.

334

المطلع على سره و جهره، و تراسله و تعده و تمنيه، و تطمعه في منصبه، فإنه يجيب إلى ذلك، و يعين عليه (112 ظ) لأمرين أحدهما دينا، لأن مذهبه مذهبنا و اعتقاده موالاتنا و محبتنا، و الثاني للدنيا و حبها، و كونه يصير في منصبه فيها، و يدبر الأمر عليه بمن لا يعرف و لا يؤبه به، و لا يلتفت إليه، ممن يغتاله إذا ركب، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه، و أظهرنا الطلب بدمه و الحزن عليه، و الأسف لفقده فيكون عذرنا عند كافة الرعية مبسوطا، و يزول عنا قبح القالة، و سوء السمعة.

فاستقر الأمر على هذه القضية، و شرع في إتمامه، و الحال فيه ظاهرة، و قضى الله عليه قضاءه المحتوم، و سر بمقتله سرورا غير مستور عن كافة الخاص بمصر و القاهرة، و قيل إن الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر (1)، في رأس السويقتين، في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس و خمسمائة و عمره إذ ذاك سبع و خمسون سنة، لأن مولده كان بعكا سنة ثمان و خمسين و أربعمائة، و كان حسن الاعتقاد في مذهب السنة، جميل السيرة مؤثرا للعدل في العسكرية و الرعية، صائب الرأي و التدبير، عالي الهمة، ماضي العزمة، ثاقب المعرفة، صافي الحس، كريم النفس، صادق الحدس، عادلا عن الجور، حائدا عن مذاهب الظلم، فبكته العيون، و حزنت له القلوب، و لم يأت الزمان بعده بمثله، و لا حمد التدبير عند فقده، و انتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، و اشتمل على خزائنه و أمواله و ذخائره و كراعه و أثاثه، و هو الغاية في الكثرة و الوفور، و انتظمت للآمر (2) الأمور على المأثور، و أقام أبا عبد الله بن البطائحي، و وفى له بوعده، و لقبه بالمأمون، و بسط يده في البرم و النقض و الرفع و الخفض.

____________

(1) الجسر المشار إليه هنا كان منصوبا بين الفسطاط و جزيرة الروضة، و من هناك إلى بر الجيزة، و كان يتألف من مراكب مربوطة ببعضها بعضا مد فوقها أخشاب غطيت بالتراب، و استخدم لعبور الناس و الدواب. خطط المقريزي 2/ 170.

(2) في الأصل: للأمراء، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

335

و وردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج من الدروب، و قصدهم بلاد الملك طغرل، فاستنجد بالأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق، صاحب حلب، و بالتركمان و بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، فأجابوا إلى ما دعاهم إليه، و بعثهم عليه، و توجهوا نحوه في خلق عظيم، فانهزم جمع الكرج خوفا، و عاد فرقا، و ضايقهم المسلمون، و ضايقوهم في الدروب، فعادوا على المسلمين، فهزموهم و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، و قصدوا مدينة تفليس، فافتتحوها بالسيف و قتلوا من كان فيها (1).

____________

(1) ذكر هذه الوقعة المؤرخ السرياني المجهول الذي أرخ للحملتين الصليبيتين الأولى و الثانية، و كذلك ابن الأثير في الكامل: 8/ 293- 294- و قدم الفارقي تفاصيل لا نجدها عند سواه، و ذلك في النسخة المطولة من كتابه و المحفوظة في المتحف البريطاني برقم/ 5803/ الأوراق: 169 ظ- 170 و:

و لقيمة هذا النص أثبته في الحاشية، حيث قال: و في سنة خمس عشرة و خمسمائة نفذ أهل تفليس إلى نجم الدين إيل غازي يستدعونه ليسلموا إليه تفليس و كان لها بيد أهلها مقدار أربعين سنة، و كان ملكها قوم من أهلها يسمون بني جعفر، من مقدار مائتي سنة ثم انقرض كبارهم و اضمحلوا، فعاد أمرهم إلى أهلها، و كان كل شهر يلي أمرهم منهم واحد، و بقوا كذلك مدة أربعين سنة، و كان الملك داود ملك الأبخاز و الكرج قد ضايقها مضايقة شديدة و اضمحلت، و كان قد نفذوا إلى السلطان طغرل بك ابن السلطان محمد، و كان ملك جتري و أران، فنفذ لهم شحنة، و زادت مضايقة ملك الكرج لهم، و بقوا على هذا مدة فاتفقوا أن يحملوا له في كل سنة عشرة آلاف دنيار، و يكون عندهم شحنة معه عشرة فوارس، فبقوا على ذلك مدة.

و نفذوا إلى نجم الدين يستدعونه، فسار و معه عساكر عظيمة، و معه دبيس بن صدقة ملك العرب و كان صهر نجم الدين على ابنته جهان خاتون، و كان قد وصل إليه في تلك السنة، فسار بالعساكر، و نفذ إلى شمس الدولة طغان أرسلان صاحب أرزن و بدليس، و كان له مدينة دوين، و أمره أن يدخل من شرقي تفليس، و سار و أخذ معه القاضي علم الدين ابن نباتة، و معه ولده القاضي علم الدين أبو الفتح الكبير، هو الآن (يعني سنة 572) قاضي ماردين، و الوزير أبو تمام بن عبدون و سار معه، فوصلوا إلى أرزن الروم، و تخلف القاضي و الوزير بأرزن الروم، و دخل بالعساكر من ولاية الفرس، و طريق بر ياليث، و اتفقوا أن تجمع العساكر أجمع على باب تفليس، و تجهز السلطان طغرلبك من ناحية جنزى، و سار طغان أرسلان الأحدب من دوين، و وصل نجم الدين إلى أن بقي بينه و بين تفليس الجبل مقدار نصف يوم.

و خرج الملك داود، و معه ولده ديميطري من جنب الغرب، في عساكر عظيمة و كان يحدر عليهم من الجبل، و هم في لحفة، و لم تكن وصلت عساكر السلطان طغرلبك و لا شمس الدولة الأحدب بمن معه، و تقاتلوا قتالا عظيما، و كسر نجم الدين، و قتل منه خلقا كثيرا، و غنم الكفار منهم غنيمة عظيمة، و خرج نجم الدين، و دبيس في نفر يسير بحيث أن بقي عندهم من الأسرى إلى زماننا.

و لقد رأيت موضع الوقعة حيث دخلت إلى تفليس في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة فأقمت-

336

و في هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء (113 ظ) ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس و الحيوان.

سنة ست عشرة و خمسمائة

في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد، بأن الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، جمع و احتشد، و قصد بغداد في حشده، و عاث في أطرافها و أفسد في أكنافها، فخرج الإمام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار الخلافة، و اجتمعت إليه الأجناد، و ظهر إليه، و حمل‏

____________

- ثم وصلت إلى خدمة ملك الأبخاز، و بقيت عنده، و خرجت معه، و سرت في ولايته معه مقدار نيف و سبعين يوما، و اجتاز إلى اللان و طرف الدربند و إلى ولاية الأبخاز، و لقد وصلنا بعض الأيام في ولاية الأبخاز إلى برج واسع تحت جبل، في قلعة شامخة، و نزل الملك هناك، و قال لي: يا فلان في هذه القلعة رجل أسير مستعرب من نوبة إيلغازي، فأصعد إليه من الغد، و أبصره و اسأله من أين هو، فعولت على ذلك و قلت: أطلبه من الملك ليطلقه، فبت تلك الليلة، فلما كان من وقت السحر ضرب بوق إلى الرحيل لأنه وصل إليه الخبر أن بعض ولايته قد تشوشت، فحين وصله الخبر رحل، و رحل الناس، و لم يقدر لي الاجتماع بذلك الرجل ... و لما كسر نجم الدين، و عاد بمن بقي معه، رحل ملك الأبخاز بالغنائم و الأسرى، و نزل على تفليس، و حاصرها مدة، ثم هدم سورها من قبل الغرب، و دخلها سيفا، فأحرقها و نهبها، و بعد ثلاثة أيام أمن أهلها، و طيب قلوبهم، و وعدهم بالجميل، و أسقط عنهم تلك السنة الأعشار و المؤن، و الأقساط و الخراج و شرط للمسلمين كلما أرادوه من الشرط الذي هو الآن باق بها، أنه لا يعبر إلى جانب المسلمين بالمدينة خنزير و لا يذبح بها و لا سوقها، و ضرب لهم الدراهم و عليها اسم السلطان و الخليفة في الوجه الواحد، و في الوجه الآخر اسم الله و اسم النبي (عليه السلام)، و اسمه على جانب الدرهم، و نادى في البلد: إن من آذى مسلما قد أهدر دمه، و شرط لهم الآذان و الصلاة و القراءة ظاهرا، و أن يخطب يوم الجمعة و يصلى و يدعى للخليفة و السلطان، و لا يدعى لغيرهما على المنبر، و شرط أن حمام إسماعيل بتفليس لا يدخلها كرجي و لا أرمني و لا يهودي، و وصف خدمة الكرجي في السنة خمسة دنانير، و خدمة اليهودي أربعة دنانير، و خدمة المسلم ثلاثة دنانير.

و أحسن إلى المسلممين غاية الإحسان، و جعل لأهل العلم و الدين و الصوفية أكرم المنازل، و ما ليس لهم عند المسلمين، و لقد رأيت هذه الشروط كلها لما دخلت إلى تفليس في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، و لقد رأيت ملك الأبخاز ديميرطي الذي كنت في خدمته، و قد نزل إلى تفليس، و أقام بها أياما، و نزل ذات يوم جمعة إلى الجامع، و جلس على دكة تقابل الخطيب، فوقف موضعه حتى خطب الخطيب، و كل الناس يسمع الخطبة جميعها، ثم خرج و أطلق برسم الجامع مائتي دينار أحمر و كنت أرى العلماء و الوعاظ و الأشراف و الصوفية، و الذين يصلون يكرمهم و يعطيهم و يحترمهم، و يعتمد معهم ما ليس بمثله، و لقد كنت أرى لاحترامه للمسلمين ما لو أنهم ببغداد ما احترموا تلك الحرمة».

337

عليه، فهزمه و تم إلى الحلة فنهبها، و نهبت مقابر قريش ببغداد و ما بها من القناديل الفضة و الستور و الديباج، و عاد إلى بغداد و دخلها في المحرم سنة سبع عشرة و خمسمائة.

و ورد الخبر فيها بأن السلطان محمود سخط على وزيره‏ (1) لأشياء نقمها عليه و أنكرها منه و أمر بالقبض عليه، ثم تقدم بقتله فقتل.

و في صفر منها توجه عائدا إلى مدينة أصفهان.

و في صفر ورد الخبر من ناحية حلب أن أبا الفضل بن الموصول وزير الملك رضوان توفي بحلب في الشهر، و كان حسن الطريقة يميل إلى فعل الخير و [يسكت‏] (2) عن قصد الشر.

و فيها جاء سيل عظيم حتى دخل إلى ربض قلعة جعبر، فغرق أكثر دورها و مساكنها، و هدمها و أخرج منها فرسا حمله من الربض حتى رمى به من أعلى السور في الفرات، و قيل إن عدة الدور الهالكة بهذا السيل الجارف ثمانمائة مكان.

و قيل إن الأمير نجم الدين بن أرتق خرج من حلب في عسكره، و قطع الفرات، و صادف الأفرنج، فلم يلقوه فأتلف ما ظفر به في أعمالهم، و عاد منكفئا إلى الفنيدق، بظاهر حلب.

و في هذه السنة وصل الأصطول المصري إلى صور، و هو مشحن بالرجالة البحرية، و طائفة من العساكر، و في نفس الوالي، العمل على‏

____________

(1) ذكره ابن الأثير: 8/ 308 و تحدث عن أخلاقه و سلوكه في السلطة و كذلك فعل سبط ابن الجوزري: 1/ 107- 109 حيث قال: أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود، و اسمه علي ابن حرب و كان ظلوما مجاهرا بالظلم و الفسق، و أعاد المكوس، و كان يقول: لقد سننت على أهل بغداد السنن الجائرة، و كل ظالم يتبع أفعالي، و ما أسلم في الدنيا و قد فرشت حصيرا في جهنم، و قد استحييت من كثرة التعدي على الناس و ظلمي لمن لا ناصر له إلا الله، و كان هذا القول منه في الليلة التي قتل في صباحها، حيث وثب عليه ثلاثة من الباطنية و ذبحوه كما تذبح الشاة، و قيل تجرد لقتله واحد من غلمان الطغرائي انتقاما للطغرائي، فطعنه عدة سكاكين، أودت بحياته.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان: 1/ 111 كيما يستقيم السياق.

338

الأمير سيف الدولة مسعود، الوالي بصور من قبل الأمير ظهير الدين أتابك، فلما خرج للسلام على والي الأصطول، سألوه النزول فلما حصل في مركب المقدم، اعتقله و تمت عليه المكيدة، و حصل البلد في أيديهم، و لما أقلع الأصطول، و وصل إلى مصر، و فيه الأمير مسعود، أكرم و أنزل في دار، و أطلع له ما يحتاج إليه، و السبب كان في هذا التدبير أن شكاوي أهل صور تتابعت (113 ظ) إلى الآمر بأحكام الله، فاقتضت الآراء التدبير عليه، و إزالة ما كان من الولاية إليه، و كانت عاقبة خروجه منها، و سوء التدبير فيها، خروجها إلى الأفرنج، و حصولها في ملكتهم.

و في هذه السنة ورد الخبر، بأن الأمير نور الدولة بلك بن أرتق، نهض في عسكره في أيام من رجب، و قصد الأفرنج بالرها، و أوقع بهم، و كسرهم و أسر مقدمهم جوسلين و ابن خالته كليان‏ (1)، و جماعة من مقدميهم عند سروج.

و ورد الخبر بوفاة الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق بعلة عرضت له، و هو نازل في قرية تعرف بالفحول‏ (2) من عمل ميافارقين، من ديار بكر، في السادس من شهر رمضان من السنة، و قام في منصبه بعده ولده شمس الدولة سليمان و أخوه تمرتاش أبناء نجم الدين، و ملكا ماردين، و أقاما مدة متفقين و جرى بينهما خلف استمر من كل منهما (3).

____________

(1) ذكر المؤرخ السرياني المجهول بالتفصيل واقعة أسر جوسلين و قريبه جاليران و سجنهما في حصن زياد (خرتبرت) و روى أنه عند ما غادر بلك حصن زياد قال لجوسلين: سوف أجلب الملك بلدوين ليكون معك إن شاء الله، و هكذا كان بعد سنة، و قد ترجمت مؤخرا هذا النص السرياني و نشرته في الموسوعة.

(2) كذا في الأصل و لعل الفحول تصحيف العجول، ففي زبدة الحلب: 2/ 206 «عجولين» و في الفارقي «أوسل الهينة» و لم أجدأي من هذه الأسماء في كتب البلدان للتحديد و تبيان وجه الصحة.

(3) جاء في تاريخ ميافارقين- 171 و- ظ-: قيل و في خمس عشرة و خمسمائة عاد نجم الدين إلى ماردين، و أقام بها سنة ست عشر و خمسمائة، و خرج إلى أوسل الهينة من بلد ميافارقين، و أقام هناك و معه زوجته الخاتون بنت طغتكين صاحب دمشق، فمرض و توفي يوم الخميس سابع عشرين رمضان، فحمل ليلا و ركب ولده الأمير شمس الدولة سليمان و الخاتون، و وصلوا ميافارقين ليلا، و وصلوا إلى باب الهوة، و أجلسوا الأمير على فرسه، و من ورائه رجل-

339

و فيها توفي الحاجب فيروز، شحنة دمشق، في آخر ربيع الآخر منها.

سنة سبع عشرة و خمسمائة

فيها وردت الأخبار من ناحية بغداد ببروز الإمام المسترشد بالله، أمير المؤمنين، و في جملته الأمير (آق) سنقر البرسقي، عازما على قصد الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، لما هو عليه من الخلاف و المجاهرة بالعصيان و الفساد في الأعمال، و قصدوا الحلة فانتهبوها، و ارتفع السعر ببغداد، حتى بلغ الخبز ستة أرطال بدينار، و ورد الخبر من ناحية حلب باستقرار المهادنة بين الأمير بدر الدولة [سليمان بن عبد الجبار] بن أرتق‏ (1) صاحب حلب، و بين الأفرنج على تسليم قلعة الأثارب إلى الأفرنج فتسلموها، و حصلت في أيديهم، و استمرت الموادعة على هذا، و استقامت أحوال الأعمال من الجانبين، و أمنت السابلة للمترددين فيها بين العملين، في صفر من السنة.

و فيها ورد الخبر بنهيض بغدوين ملك الأفرنج في عسكره إلى ناحية حلب، إلى الأمير بلك بن أرتق، في تاسع صفر منها، و هو منازل لحصن‏

____________

- يسكنه، و تقدموا و صاحوا، فنزل الوالي، و كان اسمه كنغلي، فدخل شيخ ممن صحب الأمير نجم الدين من أول زمانه، و كلمه شمس الدولة و الخاتون، ففتح الباب، فقالوا إن الأمير مريض، فلما حصلوا في أرض القصر، صاحوا و ضجوا، و قالوا: مات الأمير في هذه الساعة، و أصبح الناس، و صعد أهل البلد و من كان بها من الجند إلى القصر، و غسل الأمير و صلي عليه و دفن بالسندلي مدة ثم أخرج و دفن في مسجد الأمير شرقي قبة السلطان، فدفن هناك.

و كان نجم الدين إيل غازي قد تزوج بفرخندا خاتون، بنت الملك رضوان، لما ملك حلب، و حقد عليها، و لم يدخل بها و لا رآها، و مات و لم يرها و تزوجها بعده الأمير بلك بن بهرام بن أرتق.

قيل: و استقر شمس الدولة بميافارقين و استوزر الوزير عبد الملك بن ثابت، ورد الأمور إليه، و أخذ خرتبرت من الأمير بلك، و بقيت معه إلى أن مات و أخذ الأمير داود و أخذ بلد حزة من الأمير داود، و أخذ الضياع التي أخذها حسام الدين (قرقي بن الأحدب) صاحب أرزن من بلد ميافارقين .. و دخل [حسام الدين تمرتاش‏] البلد في شوال سنة ثمان عشرة و خمسمائة و استوزر عبد الملك، و استقر حاله، و حصل له جميع ما كان لأبيه نجم الدين، و أحسن إلى الناس، و أحبوه، و استبد بالملك».

(1) في الأصل: «الأمير بدر الدولة بن إيل غازي بن أرتق» و هو و هم فسليمان بن إيل غازي تسلم ميافارقين، انظر زبدة الحلب: 2/ 209- 210. الكامل لابن الأثير: 8/ 311.

340

الكركر (1) فنهض إليه و التقيا بالقرب من قنطرة [سنجة] (2) فكسره و أسره، و حصل في يده أسيرا (114 و) مع جماعة من وجوه عسكره، فاعتقله في جب في قلعة خرتبرت مع جوسلين و مقدمي الأفرنج.

و في آخر صفر نهض ظهير الدين أتابك في العسكر، فهجم ربض حمص و نهبه و أحرقه، و بعض دوره، و كان طغان أرسلان بن حسام الدولة قد وصل إلى حمص لمعونة خيرخان صاحبها، فعاد ظهير الدين عنها إلى دمشق.

و ورد الخبر من ناحية حلب بنزول الأمير بلك بن أرتق عليها في ربيع الأول منها، و أحرق زرعها، و ضايقها إلى أن تسلمها بالأمان في يوم الثلاثاء غرة جمادى الأولى، من بدر الدولة ابن عمه عبد الجبار (3) ابن أرتق و قد كان قبل ذلك تسلم مدينة حران في شهر ربيع الأول.

و فيها وردت الأخبار بوصول فريق كثير من عسكر لواتة (4) من ناحية الغرب إلى مصر، و أفسدوا في أعمالها، و ظهر إليهم المأمون أبو عبد الله بن البطائحي، المقام في مقام الأفضل الشهيد بن أمير الجيوش، في عسكر مصر بأمر صاحبه الإمام الآمر بأحكام الله بن المستعلي بالله، و لقيهم فكسرهم، و قتل و أسر منهم خلقا كثيرا، و قرر عليهم خرجا معلوما يقومون به في كل سنة، و عادوا إلى أماكنهم، و عاد المأمون إلى مصر غانما منصورا، و بحسن الظفر مسرورا.

____________

(1) كركر حصن بين سميسباط و حصن زياد- خرتبرت أو خربوط. معجم البلدان.

(2) في الأصل «بالقرب من منظرة» و قد ألم بالجملة سقط و تصحيف، استدرك ذلك من زبدة الحلب: 2/ 211. حيث جاء فيه «بالقرب من قنطرة سنجة» و في معجم البلدان: سنجة: نهر عظيم لا يتهيأ خوضه لأن قراره رمل سيال كلما وطئه الإنسان برجله سال به فغرقه، و هو يجري بين حصن منصور و كيسوم و هما من ديار مضر، و على هذا النهر قنطرة عظيمة هي إحدى عجائب الدنيا، و هي طاق واحد من الشط إلى الشط.

(3) في الأصل: إيل غازي و هو و هم. انظر الحاشية- 1- في الصفحة الماضية.

(4) من كبريات قبائل البربر في المغرب، و ثورة لواته كانت بالصعيد الأدنى. انظر اتعاظ الحنفا:

2/ 97.

341

و فيها ورد الخبر بأن اسطول مصر لقي اسطول البنادقة في البحر، فتحاربا فظفر به أسطول البنادقة، و أخذ منه عدة (1) قطع.

و في العشر الأول من شهر ربيع الأول منها، ملك الأمير بلك بن أرتق، حصن البارة و أسر أسقفها.

و في هذه السنة ورد الخبر من ناحية خرتبرت بأن الملك بغدوين الرويس و جوسلين مقدمي الأفرنج، و غيرهم من الأسرى الذين كانوا في أسر الأمير بلك، المعتقلين في قلعة خرتبرت عملوا الحيلة فيما بينهم و ملكوا القلعة و هربوا (2) .... الملك بغدوين و نجا و لم يظفروا به و هرب في ذلك اليوم أيضا أسقف البارة من اعتقاله.

____________

(1) انظر الحاشية رقم- 2- ص: 322.

(2) كذا بالأصل، و هناك سقط بالرواية و اضطراب، و ذكر هذه الواقعة ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 213- 213 و سواه، إنما من الملاحظ أن معلومات المصادر العربية حول هذه الحادثة لا تفي بالغرض، و لحسن الحظ أن المؤرخ السرياني المجهول تحدث عنها بإسهاب حيث قال: و في شهر آب من تلك السنة- 1435 [1123 م‏] قام عشرون رجلا من الأرمن، ممن كان يخدم في حصن كيسوم بحبك مؤامرة مع جودفري الموين و الملكة، فذهبوا إلى قلعة زياد متنكرين على شكل جنود فقراء، و كان عشرة منهم يحملون العنب و الفواكه و الطيور الداجنة، و تظاهر هؤلاء أنهم قرويون أتوا للشكوى ضد والي مدينتهم الذي ظلمهم، و بقي الآخرون خارج الحصن، و هم على استعداد للالتحاق برفاقهم عند ما تحين الفرصة، و تأتي ساعة العمل، و ذهبت الجماعة التي كانت تحمل الأغراض إلى بوابة الحصن العليا و أخبروا البواب بسبب قدومهم، و هو الشكوى ضد واليهم، فطلب منهم الانتظار بين البوابتين، بينما يخطر شحنة القلعة بقدومهم، و صدف أن كان الشحنة يقيم آنذاك و ليمة لضباطه، و قد أثرت الخمرة بهم، و كانوا جميعا بمنتهى الغبطة و السرور، و كان كثيرون من رجال الحرس يشاهدون الوليمة، و لم يبق سوى اثنان أو ثلاثة مع البواب على البوابة.

و عند ما ذهب لإخبار الشحنة عمد الرجال لاختطاف السيوف المعلقة بين البوابات و قتلوا البواب و كل من وجدوه هناك، ثم دعوا رفاقهم الذين كانوا بانتظارهم في الخارج، و انضم هؤلاء إليهم و فتحوا الأبواب، و اندفعوا و قتلوا جميع الضباط الذين كانوا يشتركون في الوليمة بدون استثناء، ثم فكوا أسار الأسرى، و احتلوا القلعة، و ساعدهم جميع الأرمن الذين كانوا داخل المدينة.

و حالما انتشر خبر هذه الواقعة، أرسل الخبر إلى بلك في حلب، كما تجمع الأتراك من كل حدب و صوب و أحاطوا بالقلعة، و راقبوها عن كثب حتى لا يخرج منها أحد أو يدخلها إنسان، و عمد جوسلين في الليلة الأولى و معه اثنان أو ثلاثة آخرون، إلى الهرب بشجاعة، و اخترقوا الحصار و نجوا، و كان جوسلين قد وعد الملك بألا يرتاح حتى يصل إلى القدس و يجلب جيشا-

342

و في الشهر المذكور توجه الأمير نور الدولة بلك في عسكره إلى خرتبرت، و ضايق قلعتها إلى أن استعادها من الأفرنج الواثبين عليها، و رتب فيها من يحفظها و يتيقظ فيها.

و في هذه السنة ورد الخبر بأن محمود بن قراجة (114 ظ) والي حماة خرج في رجاله، و قصد ناحية أفامية، و هجم ربضها فأصابه سهم من الحصن في يده، و لما قلع منه عملت عليه و تزايد أمرها، فمات منه، و كان عاهرا ظالما متمردا، و قتل جماعة من أعيان حماة ظلما و تعديا بسعاية بعضهم على بعض، و لما عرف ظهير الدين ذلك أنهض إلى حماة من تسلمها، و تولى أمرها من ثقاته.

و فيها ورد الخبر بالنوبة الكائنة بين السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود و بين أخيه طغرل ابني السلطان محمد، و أن السلطان محمود صافه و كسره، و هزمه و ملك عسكره، و أن طغرل استعان بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، و استنجد به عليه، و أجيب إلى ذلك.

و في هذه السنة كانت النوبة الكائنة بين عسكري ظهير الدين أتابك الدمشقي، و سيف الدين آق سنقر البرسقي، حين تجمعوا و نزلوا على أعزاز من عمل حلب، و مضايقتها بالنقوب و الحروب، إلى أن سهل‏

____________

- لإنقاذه، ثم سار مارا بكيسوم فتل باشر، فأنطاكية، فالقدس.

و زاد فرح الفرنجة لدى سماعهم أن بلدوين و جاليران [أسقف البارة] قد أطلق سراحهما، و أن قلعة زياد قد سقطت، إنما عند ما سمع بلك بخبر ما حدث في قلعة الحصينة، عاصمة ملكه، و بيت ماله، و مخزن ثروته، بدأ بالتحرك حالا مع فرق جيشه، و وصل إلى قلعة زياد في مدة أربعة أيام، أي بعد عشرة أيام من حدوث الواقعة، و هاجم القلعة بضراوة، و نصب آلات الحصار التي قذفت السور برماياتها دون توقف دقيقة واحدة، خشية أن يحضر الفرنجة لنجدتها، و في بضعة أيام فتحوا ثلمة في السور، و طلب بلك تسليم الحامية، و وعدها أن يحفظ حياة أفرادها، لأنه لم يرغب في مهاجمة القلعة، فيدمر موطن سمعته و شرفه، و أثناء هذا تمكن من هدم برج آخر مقاما فوق صهريج الماء، و عند ما حدث هذا، فقد المحاصرون كل أمل، و خرج جاليران بنفسه إليه ليطلب كلمة الشرف و يتوثق من بلك بحفظ حياتهم، و أعطاه بلك ذلك و وعد بحفظ حياتهم، فسلموا له القلعة، فدخلها، و قام بتعذيب الأرمن و سلخ أجسادهم أحياء، و أعاد الملك بلدوين و جاليران إلى سجنهم الماضي [16 أيلول 1123 م‏].

343

أمرها، فتجمع الأفرنج من كل صوب، و قصدوا ترحيل العسكر عنها، و التقى الجيشان، و انفل جيش المسلمين، و تفرقوا بعد قتل من قتل و أسر من أسر، و عاد ظهير الدين أتابك إلى دمشق في جمادى الأولى من السنة.

و في شهر رمضان من السنة توجه الحاجب علي بن حامد إلى مصر، رسولا عن ظهير الدين أتابك.

سنة ثماني عشرة و خمسمائة

في هذه السنة ورد الخبر من ناحية العراق بأن القاضي، قاضي القضاة زين الإسلام، أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي، كان قافلا من ناحية خراسان بجواب السلطان سنجر عما صدر على يده إليه، و أنه لما نزل بهمذان في جامعها، و ثب عليه على حين غفلة منه، قوم رتبوا له من الباطنية، فضربوه بسكاكينهم، فقتلوه و هربوا في الحال، و لم يظهر لهم خبر و لا بان منهم أثر، و لا تبعهم شخص للخوف منهم، فمضى لسبيله شهيدا إلى رحمة الله، و ذلك للقضاء النازل الذي لا يدافع، و القدر الحال الذي لا يمانع، و ذلك في رجب منها.

و فيها ملك الأفرنج ثغر صور بالأمان، و شرح الحال في ذلك: كان قد مضى من ذكر الذي أوجب إخراج الأمير (115 و) سيف الدولة مسعود و اليها منها، و حمله في الأسطول إلى مصر ما لا يحتاج إلى الإعادة له، و الإطالة بذكره، و لما حصل بها الوالي المندوب من مصر بعد مسعود، طيب نفوس أهله، و كاتب ظهير الدين بصورة الحال، فأعاد الجواب بأن الأمر في ذلك لمن دبره، و المرجوع إلى ما رتبه و قرره، و اتفق أن الأفرنج لما عرفوا هذا الأمر، و انصراف مسعود عن ولاية صور، تحرك طمعهم فيها، و حدثوا نفوسهم بتملكها، و شرعوا في الجمع و التأهب للنزول عليها، و المضايقة لها، و اتصل بالوالي صورة الأمر، و أنه لا طاقة له بالأفرنج، و لا ثبات على محاصرتهم، لقلة من بها من الجند

344

و الميرة، فطالع الآمر بأحكام الله صاحب مصر بذلك، فاقتضى الرأي أن ترد ولاية صور إلى ظهير الدين أتابك، ليتولى حمايتها و الذب عنها و المراماة دونها، على ما جرى رسمه فيها، و كتب منشور الولاية باسمه، فندب لتوليها جماعة لا غناء لهم، و لا كفاية فيهم و لا شهامة، ففسد أمرها بذاك، و توجه طمع الأفرنج حولها لأجله، و شرعوا في النزول و التأهب للمضايقة لها، و نزلوا بظاهرها في شهر ربيع الأول من السنة، و ضايقوها بالقتال و الحصار، إلى أن خفت الأقوات فيها، و عدمت الميرة، و توجه ظهير الدين في العسكر إلى بانياس للذب عن صور.

و نفذت المكاتبات إلى مصر باستدعاء المعونة لها، و تمادت الأيام بذلك إلى أن ضعفت النفوس، و أشرف أهلها على الهلاك، و عرف أتابك جلية [الأمر] (1) و تعذر تلافيها، و وقع اليأس من المعونة لها، فراسل الأفرنج بالملاطفة و المداهنة، و الإرهاب و الإرغاب إلى أن تقررت الحال على تسليمها إليهم، بحيث يؤمن كل من بها، و يخرج من أراد الخروج من العسكرية و الرعية، بما يقدرون عليه من أحوالهم، و يقيم من أراد الإقامة.

و وقف أتابك في عسكره بإزاء الأفرنج، و فتح باب البلد، و أذن للناس في الخروج، فحمل كل منهم ما خف عليه، و أطاق حمله، و ترك ما ثقل عليه، و هم يخرجون بين الصفين، و ليس أحد من الأفرنج يعرض لأحد منهم، بحيث خرج كافة العسكرية و الرعية، و لم يبق منهم إلا ضعيف (115 ظ) لا يطيق الخروج، فوصل بعضهم إلى دمشق، و تفرقوا في البلاد، و ذلك في اليوم الثالث و العشرين من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة و خمسمائة.

و فيها ورد الخبر باجتماع الأفرنج من أعمالهم، و نزولهم على حلب، و شروعهم في قتال من بها، و المضايقة، و تمادى الأمر في ذلك إلى أن قلت الأقوات فيها، و أشرف على الهلاك أهلها، فلما ضاق بهم الأمر، و عدم‏

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

345

الصبر راسلوا الأمير سيف الدين (أق) سنقر البرسقي، صاحب الموصل بشكوى أحوالهم، و شرح ما نزل بهم، و السؤال له في إنجادهم على الأفرنج، و إنقاذهم من أيدي الكافرين، فضاق لذلك صدره، و توزع سره، و تأهب في الحال للمصير إليهم، و صرف الاهتمام إلى الذب عنهم.

فلما وصل إليهم في ذي الحجة من السنة، و عرف الأفرنج خبره، و حصوله قريبا منهم، و ما هو عليه من القوة و شدة الشوكة، أجفلوا مولين، و رحلوا منهزمين، و تبعهم سرعان الخيول يتلقطون من يظفرون به في أعناقهم، و لم يلو منهم منهزم على متلوم، إلى أن حصلوا بأنطاكية، و كانوا قد ابتنوا في منزلهم مساكن و بيوتا تقيهم الحر و البرد، و أصروا على المقام، و لطف الله تعالى، و له الحمد بأهل حلب، و خلصهم من البلاء، و انتاشهم من اللأواء، و كسب آق سنقر البرسقي بهذا الفعل الجميل جزيل الأجر و الثناء، و دخل حلب و أحسن السيرة فيها، و أجمل المعاملة لأهليها، و اجتهد في الحماية لها، و المراماة دونها، بحيث صلحت أحوالها، و عمرت أعمالها، و أمنت سابلتها، و تواصلت الرفق إليها ببضائعها و تجارتها.

و في شتوة هذه السنة احتبس الغيث بأرض الشام، في كانون و كانون و أكثر شباط، و تلف الزرع، و غلا السعر، و عم القحط أكثر البلاد الشامية، ثم تدارك الله عبيده بالرحمة، و أنزل الغيث بعد القنوط، فأحيا به الأرض بعد موتها، و انتاش الزراعات بعد فوتها، و طابت النفوس، و زال عنها الهم و البؤس، و ارتفعت الأسعار في هذه السنة في حلب و دمشق و أعمالها إلى الرحبة و القلعة و الموصل، و بقي إلى سنة تسع عشرة و هلك كثير من ضعفاء الناس بالجوع.

سنة تسع عشرة و خمسمائة

(116 و) في هذه السنة وردت الأخبار من مصر، بتقدم الآمر بأحكام الله بالقبض على المأمون أبي عبد الله، و أخيه المؤتمن ابني البطائحي،

346

غلامي الأفضل، اللذين كانا عملا على قتله و أعانا على إتلافه، و اعتقالهما في شعبان و الاستيلاء على أموالهما و ذخائرهما، للأسباب التي نقم بها عليهما، و المنكرات التي اتصلت به عنهما (1).

و فيها اتصلت الأخبار من ناحية بغدوين ملك الأفرنج صاحب بيت المقدس، بالاحتشاد و التأهب و الاستعداد لقصد ناحية حوران من عمل دمشق، للعيث فيها و الإفساد، و شرع في شن الغارات على الجهات القريبة من دمشق، و المضايقة لها، و قطع الطرقات على الواردين إليها، فعند المعرفة بذاك و التحقق له، شرع ظهير الدين أتابك في الاستعداد للقائه، و الاجتماع على جهاده، و كاتب أمراء التركمان و مقدميهم و أعيانهم، بإعلامهم صورة الحال، و يستنجد بهم عليهم، و يبذل لهم الإحسان و الإنعام، و برز في عسكره و قد ورد عليه خبر قربهم من طبرية، قاصدين أعمال البلد من مرج الصفر و شرخوب‏ (2)، و خيم به، و كاتب ولاة الأطراف بإمداده بالرجالة، و اتفق وصول التركمان في ألفي فارس أولي بأس شديد، و رغبة في الجهاد، و مسابقة إلى الكفاح و الجلاد، فاجتمع إليه خلق كثير، و كان الأفرنج حيث عرفوا نزول أتابك و العسكر بمرج صفر، رحلوا إليه، و خيموا بإزائه، و وقعت العين على العين، و تطاردت طلائع الفريقين، فلما كان يوم الاثنين السابع و العشرين من ذي الحجة من السنة، اجتمع للقضاء المقضي، و الحكم النافذ من أحداث دمشق و الشباب الأغرار، و رجال الغوطة و المرج و الأطراف، و أحداث الباطنية المعروفين بالشهامة و البسالة من حمص و غيرها و العقبة و قصر حجاج و الشاغور خلق كثير، رجالة و خيالة بالسلاح التام، و الناهض مع المتطوعة و المتدينين، و شرعوا بالمصير للحاق المصاف قبل اللقاء، و قد شاع الخبر بقوة عسكر الإسلام، و كثرته و استظهاره على حرب الأفرنج، و شدة

____________

(1) انظر تفاصيل الخبر في اتعاظ الحنفا: 3/ 110- 115، و روى المقريزي أن الآمر كان يقول: «أعظم ذنوبه عندي ما جرى منه في حق صور و إخراجها من يد الإسلام إلى الكفر».

(2) لم أجد هذا الموقع في المعاجم و المصادر الجغرافية.

347

شوكته، و لم يشك أحد في هلاك الأفرنج في هذا اليوم و بوارهم، و كونهم طعمة للمسلمين متسهلة، (166 ظ) و اتفق أن فرقة وافرة من عسكر التركمان، غارت على أطراف الأفرنج و نالت منهم، و استظهرت عليهم، و خاف الأفرنج، و علموا أنه لا طاقة لهم بهذا الجمع، و أيقنوا بالهلكة، و رحلوا بأسرهم من منزلهم الذي كانوا فيه، عائدين إلى أعمالهم على غاية من الخوف و الوجل، و نهاية من الذل و الوهل، و نشبت فرقة من التركمان في فريق منهم، و هو راحلون فغنمت من أثقالهم و دوابهم غنيمة وافرة، و ظفرت بالكنيسة المشهورة التي لهم في مخيمهم، و طمع العسكر عند ذاك فيهم و حملوا عليهم، و هم مولون لا يلوون على تابع و لا يقفون على مقصر لاحق، و قد شملهم الرعب و ضايقوهم مضايقة ألجأتهم إلى رمي نفوسهم عليهم، إما لهم و إما عليهم، فتجمعوا و عادوا على العسكر الإسلامي، و حملوا عليه حملتهم المعروفة، فكسروهم و هزموهم، و قتلوا من أعقابهم من ثبطه الوجل، و خانه الأجل، و تم العسكر في الهزيمة على حاله، و عادوا على جميع الرجالة، و هم العدد الكثير و الجم الغفير، و أطلقوا السيف فيهم حتى أتوا عليهم، و تتبعوا المنهزمين بالقتل حتى وصلوا إلى عقبة سحورا (1) و قربوا من البلد من شرخوب مع بعد المدى و المسافة، و صبر خيولهم.

و وصل ظهير الدين أتابك و العسكر إلى دمشق آخر نهار هذا اليوم، و بنوا الأمر بينهم على مباكرتهم في غد للإيقاع بهم، فصادفوهم قد رحلوا عائدين إلى عملهم، خوفا مما عزم عليه من قصدهم، و تتبعهم، و الله يحكم ما يشاء.

سنة عشرين و خمسمائة

في هذه السنة ورد الخبر من ناحية الموصل باستشهاد الأمير الاصفهسلار سيف الدين آق سنقر البرسقي صاحبها، بيد الباطنية رحمه‏

____________

(1) لم أجد هذا الموقع في المعاجم و المصادر الجغرافية.

348

الله، في مسجد الجامع بها في ذي القعدة منها، و كان الذي وثب عليه جماعة، قد رتبت لمراصدته، و طلب غرته حتى حان الحين، و نفذ الأجل، و قد كان على غاية من التيقظ لهم و التحفظ منهم بالاستكثار من السلاحية و الجاندارية و السلاح الشاك، لكن القضاء النازل لا يدافع، و القدر النافذ لا يمانع، و عليه مع هذا من (117 و) لباس الحديد ما لا تعمل فيه مواضي السيوف، و مرهفات الخناجر، و حوله من الغلمان الأتراك و الديلم و الخراسانية بأنواع السلاح عدد، فلما حصل بالجامع على عادته، لقضاء فريضة الجمعة، و النفل على رسمه، و صادف هذه الجماعة الخبيثة في زي الصوفية، يصلون في جنب المشهد، لم يؤبه لهم، و لا ارتيب بهم، فلما بدأ بالصلاة، و ثبوا عليه بسكاكينهم، فضربوه عدة ضربات لم تؤثر في لبس الحديد الذي عليه، و قد غفل أصحابه عنه، و انتضى سيفا كان معه و ضرب أحدهم فقتله، و صاح واحد منهم حين رأوا السكاكين لا تعمل فيه شيئا: و يلكم اطلبوا رأسه و أعلاه، و قصدوا حلقه بضرباتهم فأثخنوه، إلى حين أدركه أصحابه و حماته، فقضي عليه، و قتل شهيدا، و قتلوا جميع من كان وثب عليه.

و قد كان هذا الأمير (رحمه الله) سديد الطريقة، جميل الأفعال، حميد الخلال، مؤثرا للعدل، و الإنصاف، كثير التدين محمود المقاصد محبا للخير و أهله، مكرما للفقهاء و الصالحين، فحزن الناس عليه، و أسفوا لفقده على هذه الحال، و لما عرف ظهير الدين أتابك هذا، قلق له و ضاق صدره لسماعه، و قام في الأمر بعده ولده الأمير مسعود، و هو مشهور بالنجابة و الذكاء، معروف بالشهامة و العناء، فاجتمع إليه خواص أبيه و وزيره و كتابه و سلك منهاجه المحمود، و قصد قصده المشكور، فاستقام له الأمر، و انتظمت على السداد و المراد أحواله.

و في هذه السنة نهض ظهير الدين نحو تدمر، و لم يزل حتى استعادها من أيدي العاملين عليها الواثبين على ابن أخيه، الوالي كان بها، في يوم‏

349

الخميس لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر منها، و استقر الأمر على أن تجعل برسم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، و سلمت إليه و خرج إليها و معه من رتب لحفظه و حفظها من الثقات.

و في هذه السنة عاد ظهير الدين من حلب، و قد بدا له من المرض، و دخل دمشق في شعبان منها، و وصل إليه أمير الدولة كمشتكين والي بصرى من مصر بجواب الرسالة التي كان نفذ لأجلها، و معه الأمير المنتضى (117 ظ) ابن مسافر الغنوي، رسول الآمر بأحكام الله صاحب مصر، و على يده خلع سنية و تحف مصرية، في الشهر المذكور.

و في هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي الباطنية، و عظم خطبه في حلب و الشام، و هو على غاية من الاستتار و الاختفاء و تغيير الزي و اللباس، بحيث يطوف البلاد و المعاقل، و لا يعرف أحد شخصه، إلى أن حصل في دمشق بتقرير قرره نجم الدين إيل غازي بن أرتق مع الأمير ظهير الدين أتابك، و خطاب و كده بسببه، فأكرم لإتقاء شره، و شر جماعته، و أجملت له الرعاية، و تأكدت به العناية بعد أن تقلبت به الأحوال، و تنقل من مكان إلى مكان، و تبعه من جهلة الناس، و سفهاء العوام، و سفساف الفلاحين الطغام، من لا عقل له، و لا ديانة فيه، احتماء به، و طلبا للشر بحزبه، و وافقه الوزير أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني- و إن لم يكن على مذهبه- على أمره، و ساعده على بث حبال شره، و إظهار خافي سره، فلما ظهر أمره و شاع، و طاوعه وزير ظهير الدين المذكور، ليكون عونا له على فعله، و تقوية يده في شغله، التمس من ظهير الدين أتابك حصنا يأوي إليه، و معقلا يحتمي به، و يعتمد عليه، فسلم له ثغر بانياس في ذي القعدة سنة عشرين و خمسمائة فلما حصل فيه اجتمع إليه أوباشه من: الرعاع، و السفهاء و الفلاحين، و العوام، و غوغاء الطغام، الذين استغواهم بمحاله و أباطيله، و استمالهم‏

350

بخدعه و أضاليله، فعظمت المصيبة بهم، و جلت المحنة بظهور أمرهم و شينهم، و ضاقت صدور الفقهاء و المتدينين، و العلماء، و أهل السنة، و المقدمين، و [أهل‏] الستر و السلامة من الأخيار المؤمنين، و أحجم كل منهم عن الكلام فيهم، و الشكوى لواحد منهم، دفعا لشرهم، و ارتقابا لدائرة السوء عليهم، لأنهم شرعوا في قتل من يعاندهم، و معاضدة من يؤازرهم على الضلال، و يرافدهم بحيث لا ينكر عليهم سلطان و لا وزير، و لا يفل حد شرهم مقدم و لا أمير.

و في هذه السنة ورد الخبر بوصول السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود ابن السلطان محمد بن ملك شاه (118 و) إلى بغداد، و جرى بينه و بين الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين مراسلات و مخاطبات، أوجبت تشعيث الحال بينهما، و المنافرة من كل منهما، و تفاقم الأمر إلى أن أوجب زحف السلطان في عسكره إلى دار الخلافة، و محل الإمامة، و محاربته في قصره، و الطلبة لغلبته و قهره، و لم تزل الشحناء مستمرة، و الفتنة على غير الإيثار مستقرة، إلى أن زالت أسباب الخلف و النفار، و عادت الحال إلى ما أنتفيت من شوائب الأكدار، بحسن سفارة الوزير جلال الدين بن صدقة، وزير الخلافة، و جميل وساطته، و سديد نيابته، و عاد السلطان مع ذلك إلى المألوف من طاعته، و المعروف من مناصحته، و التصرف على أوامر أمير المؤمنين و أمثلته و ذلك في العشر الأخير من ذي الحجة سنة عشرين و خمسمائة، و قيل في أول المحرم سنة إحدى و عشرين و خمسمائة (1).

و في رجب من هذه السنة، توفي الأمير طرخان بن محمود الشيباني، أحد أمراء دمشق بعلة حادة، هجمت عليه، فأردته.

و فيها قصدت الأفرنج رفنية، و ضايقوها، و استعادوها من ملكة المسلمين.

____________

(1) أتى سبط ابن الجوزي على تفاصيل ذلك في أخبار سنة/ 521/ ه و هي ليست في المطبوع:

1/ 124- 125.

351

سنة إحدى و عشرين و خمسمائة

فيها ورد الخبر من ناحية العراق بقتل المعين وزير السلطان سنجر بن السلطان ملك شاه صاحب خراسان، بتدبير الباطنية في شهر ربيع الآخر منها، ذكر أنه كان فتك بجماعة منهم، و محرضا للسلطان على النكاية فيهم، و تطهير الأرض منهم، فرتبوا له قوما من سفهائهم للأرصاد لفرصة تلوح فيه، و غرة تظهر منه‏ (1) فلم يتم لهم في ذلك نيل طلب، و لا تسهل لهم إدراك أرب، فأفردوا منهم سفيها، و لم يزل يتحيل إلى أن خدم في أسطبل دوابه، سائسا لبغاله، و قام في خدمته إلى أن وجد الفرصة متسهلة عند حضوره لمشاهدة كراعه، فوثب عليه، و هو غافل مطمئن، فقتله و مسك فقتل من بعده، و كان هذا الوزير موصوفا بجميل الأفعال، و حميد الفعال، و متانة الدين (118 ظ) و حسن اليقين، و الإنصاف في أعماله، و التسدد في أقواله، و مضى لحال سبيله شهيدا، و انتقل إلى ربه مرضيا حميدا عند نفاد المدة، و انقضاء العدة، و لله عاقبة الأمر، و بيده محتوم النفع و الضر.

و قد تقدم من شرح حال الأمير سيف الدين آق سنقر البرسقي، صاحب الموصل في استشهاده بيد الباطنية في جامعها، (رحمه الله)، و قيام ولده الأمير مسعود في الأمر من بعده ما فيه الكفاية، فلما استتب أمره، و قويت شوكته، و استقامت ولايته، شمخ بأنفه، و نفخت حداثة السن في سحره، و حدثته نفسه بمنازلة البلاد الشامية، و الطمع في تملك المعاقل الإسلامية، و الاطراح لمجاهدة العصب الأفرنجية، بالضد من أولي الحزامة و السداد، و ذوي البأس و البسالة في إحراز فضيلة الغزو و الجهاد، و نمي الخبر عنه إلى ظهير الدين أتابك بحكايات تدل على حسده له، بما أوتي من الهيبة، و حسن الصيت و جميل الذكر، و كبر الشأن و الأمر، و أنه عازم على التأهب و الاحتشاد لقصد أعمال الشام، و العيث‏

____________

(1) في الأصل: منهم، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

352

فيها و الإفساد، فعزم ظهير الدين أتابك، عند معرفته هذه الأحوال، التي لا يصدر مثلها عن أريب، و لا يبدو شبهها عن حازم في رأيه لبيب، على الاستعداد لقصده في عسكره، حين يدنو من الأعمال الشامية، فيوقع بعسكره، و يشفي غليله بالفتك بحزبه، فما كان بعد ذلك إلا الأيام القلائل حتى انفصمت عرى شبابه، و نزل محتوم القضاء به، بهجوم مرض حاد عليه بظاهر الرحبة، أتى عليه و أصاره إلى المحتوم، الذي لابد له عنه، و لا مجير له منه، فانفل حده، و خذله أنصاره و جنده، و أسلمته للقضاء حماته، و تفرقت عنه خواصه و ثقاته، و هلك في الحال وزيره و شريكه في الوزر و مشيره، بعلة شديدة أعجلته، في إشراك المنية أوبقته، و هرب جماعة من خواص غلمان أبيه الأتراك بأعلامه التي كانت قد استعملها على مراده و إيثاره، و تناهى في إحكامها على قضية اقتراحه و اختياره، و وصلوا بها إلى ظهير الدين أتابك متحفين له بها، و متقربين إليه بإهدائها، فأحسن إليهم و بالغ في الإكرام لهم، و الإنعام عليهم، و اصطفاهم لنفسه، و ضمهم إلى ثقاته و أهل أنسه، و قابلهم على وفودهم عليه (119 و) و بالفعل الجميل و العطاء الجزيل‏ (1).

____________

(1) جاء في كتاب الباهر لابن الأثير: 32- 35: «لما قتل البرسقي قام بالموصل بعد ابنه عز الدين مسعود، و أرسل إلى السلطان يطلب أن يقرر البلاد عليه، فأجابه إلى ذلك، و أقره على ما كان لأبيه من الأعمال، فضبط البلاد، و قام فيها المقام المرضي، و كان شابا عاقلا، فجمع عساكر أبيه و أحسن إليهم، و كان يدبر الأمر بين يديه الأمير جاولي- و هو مملوك تركي من مماليك أبيه- و كان أيضا عاقلا حسن السيرة، فجرت الأمور على أحسن نظام، فلم تطل أيامه، و أدركه في عنفوان شبابه حمامه، و توفي سنة إحدى و عشرين و خمسمائة، فولي بعد أخوه الأصغر، و قام بتدبير دولته جاولي أيضا، و أرسل إلى السلطان يطلب أن يقرر البلاد عليه، و بذل أموالا كثيرة ..

و كان واسطة ذلك القاضي بهاء الدين أبا الحسن علي بن الشهرزوري، و صلاح الدين محمد الياغسياني، فحضرا إلى بغداد ليخاطبا السلطان في ذلك، و كانا يخافان جاولي، و لا يرضيان بطاعته و التصرف بحكمه، فاجتمع صلاح الدين و نصير الدين جقر- الذي كان أعظم أصحاب أتابك زنكي منزلة و كان بين نصير الدين و صلاح الدين مصاهرة فذكر له صلاح الدين ما قدم له، فخوفه نصير الدين من جاولي و تحكمه على صاحبه، و قال له: إن رأيت أن تطلب البلاد لعماد الدين فهو الرأي، لأن السلطان صورة و أنا و أنت معنى، فأجابه إلى ذلك، و أخذه إلى القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري، متحدثا معه و وعده نصير الدين و مناه، و ضمن له عن عماد الدين من الأملاك و الأقطاع، و الوقوف على اختياره ما جاوز أمله، فأجاب بهاء-

353

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق، بمسير السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود، و قد عبث به مرض خاف منه على نفسه، محمولا في محفة نحو همذان، و اجتاز عند ذلك بدار الخلافة، و راسل الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، يسأله المسامحة بما سبق منه في تلك النوبة بينهما، و أن يحلله و يدعو له، و لا يدعو عليه، فخرج إليه جواب الرسالة بأجمل جواب، و ألطف خطاب، طابت بها نفسه و زاد في استماعها أمله في البر و أنسه، ثم إنه أفاق من مرضه هذا و عاوده نشاطه بعد الكسل و الفتور و عاد إلى الغرض المأثور، و كان قد أنكر على وزيره شمس الملوك خواجه بزرك أمورا، دعته إلى الأمر بالقبض عليه، و تسليمه إلى حاجبه فقتله، و قيل إنه شرب الخمر في قحف رأسه.

و في شعبان من هذه السنة قصد بغدوين ملك الأفرنج، صاحب بيت المقدس، في عسكره وادي موسى، فنهب أهله و سباهم و شرد بهم، و عاد عنهم.

و في جمادى الآخرة منها ورد الخبر بأن الأمير ختلغ آبه السلطاني ولي مدينة حلب، و حصل في قلعتها بطالع اختير له، و لم يقم إلا القليل حتى فسد أمره و اضطرب حاله، و وقع بينه و بين أحداث الحلبيين، فحصروه في القلعة إلى أن وصل إلى حلب عسكر الأمير عماد الدين أتابك فتسلمه من القلعة، و اعتقل و استؤذن في أمره، فأذن في سمل عينيه، فسملتا.

____________

- الدين أيضا، و ركب هو و صلاح الدين إلى دار الوزير- و هو حينئذ أنوشروان بن خالد- فقال له: قد علمت أنت و السلطان أن بلاد الجزيرة و الشام قد استولى الفرنج عليها، و تمكنوا منها، و قويت شوكتهم، و قد كان البرسقي يكف بعض عاديتهم، فمذ قتل ازداد طمعهم، و هذا ولده طفل، و لابد للبلاد من شهم شجاع يذب عنها و يحمي حوزتها، و قد أنهينا الحال إليك، لئلا يجري خلل أو وهن على الإسلام و المسلمين، فنحصل نحن بالأثم من الله، و اللوم من السلطان، فأنهى الوزير ذلك إلى السلطان، فقال: من تريان يصلح لهذه البلاد، فقد نصحتما لله تعالى و للمسلمين، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكي، و عظما محله أكثر من غيره، فمال السلطان إلى توليته، لما علم من شهامته و كفايته و عقله لما تولاه، و أمره بالحضور عنده، و فصل الحال في خدمة يحملها، و استقر الحال و ولاه البلاد جميعها، و كتب منشوره إلى بغداد».

354

سنة إثنتين و عشرين و خمسمائة

في هذه السنة اشتد المرض بظهير الدين أتابك، و طال به طولا أنهك قوته، و أنحل جسمه، و أضعف منته، و أشفى منه على نزول ما لا يدفع بحيلة، و لا يمنع بقوة، فأحضر ولده الأمير تاج الملوك، و أمراء دولته و خواصه، و أهل ثقته، و أعيان عسكريته، و أعلمهم بأنه قد أحس من نفسه بانقطاع الأجل، و فراغ المهل، و خيبة الرجاء من البقاء و الأمل، «و لم يبق غير الوصية بما يعمل عليه، و يدبر به الأمر بعدي، و ينتهي إليه، و هذا ولدي تاج الملوك بوري، هو أكبر ولدي و المترشح للانتصاب مكاني من بعدي، و المأمول لسد ثلمة فقدي، و لا أشك في (119 ظ) سداد طريقته و إيثاره لفعل الخير و محبته، و أن يكون مقتفيا لآثاري في حفظ قلوب الأمراء و العسكرية، و عاملا على مثالي في إنصاف الأعيان و الرعية، فإن قبل وصيتي هذه، و نهج السبيل المرضية في بسط المعدلة و النصفة، في الكافة، و أزال بحسن سياسته عنهم أسباب الوجل و المخافة، فذاك الظن في مثله، و المرجو من سداده، و جميل فعله، و إن عدل عن ذلك إلى غيره، و حاد عن ما يؤثر من السداد في سره و جهره، فها هو مشاهد لهذه الحال، و متوقع لمثل هذا المآل»، فقال: بل أوفي على المراد، و لا أتعدى سبيل السداد و الرشاد، فوكد الأمر عليه في ذلك تأكيدا، فهمه منه و قبله عنه.

ثم توفي إلى رحمة الله، ضحى نهار السبت لثمان خلون من صفر من السنة، فأبكى العيون، و انكأ القلوب، وفت في الأعضاد، و فتت الأكباد، و اشتد الأسف لفقده، و الجزع عليه، و لم يسمع إلا متفجع له، و ذاكر لجميل أفعاله، و شاكر لأيامه.

و قام ولده تاج الملوك بوري بالأمر من بعده، و أحسن السيرة في خاصه و رعيته و جنده، فلو كانت مجاري الأقدار تدفع إليه عن ذوي المناصب و الأخطار، لكان هذا الأمير السعيد الفقيد أحق من تخطأته‏