تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
355

المنايا، و لم تلم بساحته الرزايا، و أبقته الأيام لها رتبة تتباهى بها، و حلية تنافس بها، إلا أن الله تعالى لا يغالب أمره، و لا يدافع حكمه، و لابد من تمام ما سبق به علمه، و حدوث ما تقرر نفاذه في خلقه، لأن الموت غاية الحيوان، و نهاية ما يكون من مصير الإنسان، و قد كان هذا الأمير السعيد قد بالغ في استعمال العدل، و الكف عن الظلم، و أعاد على جماعة من الرعية أملاكا في ظاهر البلد جمة داثرة، أغتصبت منهم في زمن الولاة الظالمة، و قبضت عنهم في زمن العتاة الجبابرة، و جرت عليهما أحكام المقاسمة و عتت الأيدي العادية الغاشمة، فأعادها إلى خراجها القديم المستقر، و رسمها السالف المستمر، و رفع عنها مواد الجور و العدوان، و حسم عن مالكيها أسباب التأول في كل مكان و أوان، فأحرز بذاك صالح الدعاء، و جميل الشكر و الثناء.

ثم رفع إلى أمير المؤمنين الخليفة المسترشد بالله، رقعة عند مصيره إلى بغداد، (120 و) و مهاجرته إلى الباب الإمامي المسترشدي، و السلطاني الغياثي، يذكر فيها حال مواضع داثرة في عمل دمشق، و حصص عامرة، و أرض معطلة لا مالك لها و لا فائدة في عطلتها، و لا انتفاع لخاصي و لا عامي بشي‏ء منها، لدثورها و دروس معالمها و رسومها، و استأذنه في بيعها ممن رغب فيها، و يؤثر عمارتها للانتفاع بريعها و غلتها، و صرف ما يحصل من ثمنها في الأجناد المرتبين للجهاد، فأذن له في ذلك أذنا تاما، مؤكدا إباحه له، و أمضاه لمن يملكه بالابتياع منه، و أحله و أطلقه، و وقع بذاك على ظهر الرقعة بالإمضاء، و إبطال التأول فيه، و التحذر من إبطال شي‏ء من حكمه، أو التجاوز لرسمه، و وكد بالعلامة الشريفة الإمامية المسترشدية بخطه الكريم، و وكل في بيع ذلك من ارتضاه من ثقات الأمناء، الوكالة الصحيحة التي قبلها منه، و تقلدها عنه و أشهد عليه الشهود المعدلين، و أمضى البيع في ذلك لمن رغب فيه، فعمرت عدة ضياع يبابا خالية، و على عروشها خاوية، و أرض عافية لا انتفاع بها و لا

356

فائدة لأحد بها، فأجريت عيون مياهها، و أعيدت إلى أجمل عاداتها، و ظهرت منها الخيرات، و عمت بذلك الميامن و البركات، و دامت له الدولة، و لمن بعده ببركات هذه الأفعال الحميدة، و النية الجميلة، و حسنت لهم العقبى في الولد و الأسرة، و الأهل و الجملة و حصل له الذكر الجميل في الآفاق و الأقطار و الأمصار، و الثناء الطيب الحسن الآثار، و مضى لشأنه سعيدا عزيزا حميدا، على ظهر فراشه لا يرد له أمر، و لا يخالف له قول و لا يتجاوز له حكم، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ (1).

____________

(1) القرآن الكريم- الحديد: 21.

357

ذكر تاج الملوك بوري بن أتابك عند توليه الأمر بعد أبيه ظهير الدين أتابك و أخباره‏

و ما جرى في أيامه من نوبة الباطنية و الأحداث المتجددة و ما جرى مع الأفرنج إلى أن مضى سبيله‏

شرح ذلك‏

لما نفذ القضاء في ظهير الدين أتابك (رحمه الله)، قام ولده الأمير تاج الملوك (120 ظ) بالأمر من بعده، إذ كان نجله و ولي عهده، فعمل بما كان ألقاه إليه، و اعتمد على ما وكده في وصيته عليه، من حسن السيرة في جميع من حوته دمشق من الأجناد و العسكرية، و كافة الأتباع و الرعية، و زاد على ذلك، و بالغ في الذب عنهم و المراماة دونهم، و جرى على منهاج أبيه في بسط المعدلة، و اعتماد النصفة للأجناد، و ثقل الوطأة على الأعداء و الأضداد، و إنصاف المتظلمين، وردع الظالمين، و حماية السفار و المترددين، و التبليغ بالنكاية للمفسدين، بحيث اجتمعت القلوب على حب دولته، و انطلقت الألسن بالدعاء الصالح بإدامة أيامه، و إطالة مدته، و أقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته، و أجراه على رسمه في سفارته، و لم يصرف أحدا من نوابه المعروفين بخدمته عن رسمه و عادته، و لا أزاله عن معيشته، بل زاد في أرزاقهم، و خلع عليهم، و أحسن إليهم، و أقر الإقطاعات على أربابها، و الجامكيات على أصحابها، فكثر الدعاء له و الثناء عليه، و أحسن إلى وزيره المقدم ذكره، و أطلق له عشر ارتفاعه، مع حقوق العرض عن الإقطاعات و الواجبات و النفقات، و قد كان أسر في نفسه من أمر الباطنية، ما لم يبده لأحد من خواصه، و ثقات بطانته، عند ما قويت شوكتهم، و تضاعفت مضرتهم، اتباعا لما كان عليه أبوه من إظهار الرعاية لهم، و المداراة لدفع شرهم، فلما مكنه الله منهم، و أقدره عليهم، افتتح أمره بالتدبير عليهم، و الإيقاع بهم، فكان منه في أمرهم ما سيأتي مشروحا في مكانه.

358

ذكر ما حدث من الباطنية بدمشق و أعمالها و ما آلت إليه أحوالهم من البوار و تعفية الآثار في بقية سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة

شرح الأمر و السبب في ذلك‏

قد تقدم من ذكر بهرام، داعي الباطنية، و السبب الذي أوجب تسليم ثغر بانياس إليه ما فيه الكفاية، عن تكرير الذكر له، و لما حصل في بانياس شرع في تحصينها، و ترميم ما استرم و تشعث منها، و بث دعاته في سائر الجهات، فاستغووا خلقا كثيرا من جهال الأعمال، و سفساف الفلاحين من الضياع، و غوغاء الرعاع ممن لا (121 و) لب له يصده عن الفساد و يردعه، و لا تقيه تصدفه عن المنكر و تمنعه، فقوي شرهم، و ظهر بقبح الاعتقاد سرهم، و امتدت أيديهم و ألسنتهم إلى الخيار من الرعية بالثلب و السب، و إلى المنفردين في المسالك بالطمع و السلب، و أخذهم قسرا، و تناولهم بالمكروه قهرا، و قتل من يقتل من الناس تعديا و ظلما، و أعانهم على الإيغال في هذا الضلال أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير، معونة بالغ فيها، و حصل له وخيم عاقبتها و ذميم مغبتها، لما تقرر بينه و بين بهرام الداعي المقدم، من المؤازرة و المعاضدة و المظافرة و المرافدة، موافقة في غير ذات الله، و لا طاعته، طلبا لأن تكون الأيدي واحدة على من يقصدهما بمكروه، و النيات مترادفة على من ينوي لهم شرا، و تاج الملوك غير راض بذاك، و لا مؤثر له، بل تبعثه السياسة السديدة، و الحلم الوافر، و المعرفة الثاقبة على الاغضاء منهم على القذى، و الصبر على مؤلم الأذى، و هو يسر في نفسه ما لم يظهره و يطوي من أمرهم ما لم ينشره إلى حين يجد الفرصة متسهلة المرام، و المكنة من أعداء الله بادية الأعلام، فعند ذاك تنتهز الفرصة، و تقتنص الفريسة، و اتفق أن بهرام الداعي، لما يريد الله تعالى من بواره، و يحل به من هلكه و دماره، حدثته نفسه بقتل برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم، لغير سبب حمله عليه، و لا جناية دعته إليه بل اغترار بعاقبة الظالمين، في‏

359

سفك الدماء المحرمة، و إفاظة النفوس المحظورة، و جهلا بما حذر الله تعالى من يقصد ذاك، و يقدم عليه بقوله عز و جل: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (1)، فخدعه إلى أن حصل في يده، فاعتقله و قتله صبرا، فتألم لقتل مثله، على هذه، مع حداثة سنه و شهامته و حسن صورته، و أعلنوا بلعن قاتله في المحافل و المشاهد، و ذمه من كل غائب و مشاهد، فحملت أخاه الضحاك بن جندل، و جماعته و أسرته الحمية الإسلامية، و الحرقة الأهلية على الطلب بدمه، و الأخذ بثأره، فتجمعوا و تعاهدوا، و تحالفوا على المصابرة على لقاء أعدائهم، و الإيغال في الطلب لدمائهم، و بذل المهج و النفوس (121 ظ) في إدراك ثأرهم، و شرعوا في التأهب لهذه الحال صابرين، و للفرصة متوقعين إلى أن ساق بهرام و لفيفه الحين المتاح، و قضى الله عليهم بالاصطلام و الاجتياح، فتجمعوا من كل ناحية، و تهافتوا من كل صوب وجهة، و ظهر بهم من بانياس في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة و قصد ناحية وادي التيم، للإيقاع بالمذكورين، و كانوا مستعدين للقائه، مترقبين لحربه، فلما أحسوا بقربه منهم، نهضوا بأجمعهم إليه نهوض الليوث من غابها للمحاماة على أشبالها، و طاروا نحوهم مطار صقور الجبال إلى يعاقيبها و أحجالها، فحين دنوا من حزبه المفلول و حشده المخذول، هجموا عليهم و هم في مخيمهم غارون، و بهم مغترون، و صاح صائحهم، و هم غافلون، و بما نزل بهم من البلاء ذاهلون، و إلى أن يتمكن فارسهم من امتطاء جواده، و راجلهم من تناول عدته و عتاده، أتى القتل على أكثرهم ضربا بالسيوف و وجيا بخناجر الحتوف، و رشقا بسهام البلاء، و رجما بأحجار الأقدار و القضاء.

و كان بهرام في خيمته، و حوله جماعة من شركائه في جهله و ضلالته، غافلا عما أحاط به و بطائفته، و قد وثبوا عند سماع الضوضاء، و الصياح‏

____________

(1) القرآن الكريم- النساء: 93.

360

إلى أخذ آلة السلاح، فأرهقوهم بسيوفهم الماضية، و خناجرهم المبيرة القاضية، حتى أتوا على الجميع، و قطع رأس بهرام و يده بعد تقطيعه بالسيوف و السكاكين، و أخذهما واحد مع خاتمه من الرجال القاتلين، و مضى بهما إلى مصر مبشرا بهلاكه، و مهنئا ببواره، فخلع عليه و أحسن إليه، و شاعت بذلك الأخبار، و عم الكافة الجذل بملكهم، و الاستبشار، و أخذ الناس من السرور بهذا الفتح بأوفر السهام، و أكمل الأقسام، فقلت عدتهم، و انقصفت شوكتهم، و انفلت شكتهم.

و قام بعد بهرام صاحبه اسماعيل العجمي رفيقه في الضلال و العدوان، و شريكه في المحال و الطغيان، مقامه، و أخذ في الاستغواء للسفساف مثاله، و زاد في الجهل زيادة أظهرت سخف عقله و محاله، و تجمع إليه بقايا الطائفة الخبيثة من النواحي و الأصقاع، و من كان منهم متفرقا في النواحي و البقاع و جرى أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير على الحال التي سلكها مع بهرام في حق اسماعيل، في المساعدة على مراده (122) و المعاضدة على أغراضه، لتحرزه من الشر، و رغبته في السلامة، و لم يعلم أن عقبى هذه الأفعال عين الندامة، و البعد عن طريق السلامة، فقد قيل «رب مستسلم نجت به سلامته، و متحرز من الشر كانت فيه آفته» و لم تزل شكوى الناس من الخاصة و العامة، تتضاعف، و الأضرار بهم من المخذولين تتوالى و تترادف إلى أن صرف تاج الملوك ابن ظهير الدين أتابك إلى الفتك بهم، و الاجتياح لهم همته، و أرهف لتطهير الأعمال منهم عزيمته، و رأى أن إصلاح الأمر فيما يقتضيه التدبير، فيما يراد، و التقرير الإيقاع بأبي علي الوزير أولا فإنه أصوب ما اعتمد، و أولى ما قصد، فرتب لقتله من خواصه من اعتمد عليه، و سكن في أمره إليه، و قرر معه أن يضرب رأسه بالسيف متى أشار إليه، فلما كان يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة حضر مع جماعة الأمراء و المقدمين على الرسم، في قبة الورد

361

من دار القلعة بدمشق، و جرى في المجلس أمور و مخاطبات مع تاج الملوك و الحضور، انتهى الأمر فيها إلى الانصراف إلى منازلهم، و العود إلى دورهم، و نهض الوزير المذكور منصرفا بعدهم على رسمه، فأشار تاج الملوك إلى خصمه فضرب رأسه بالسيف ضربات أتت عليه، و قطع رأسه، و حمل مع جثته إلى رمادة باب الحديد، فألقيت عليها ينظر الكافة إلى صنع الله تعالى بمن مكر، و اتخذ معينا سواه، و بغيره انتصر، و أحرقت جثته بعد أيام بالنار، و صارت رمادا تذروه الرياح، ذلك بما قدمت يداه، و ما الله بظلام للعبيد (1).

و شاع الخبر بذاك في الحال، فثارت الأحداث بدمشق، و الغوغاء و الأوباش بالسيوف و الخناجر المجردة، فقتلوا من ظفروا به من الباطنية و أسبابهم، و كل ما متعلق بهم، و منتم إليهم، و تتبعوهم في أماكنهم، و استخرجوهم من مكامنهم، و أفنوهم جميعا تقطيعا بالسيوف، و ذبحا بالخناجر، و جعلوا مصرعين على المزابل كالجيف الملقاة، و الميتة المجتواة، و قبض منهم نفر كثير التجأوا إلى جهات يحتمون بها، و أملوا السلامة بالشفاعة منها قهرا، و أريقت دماؤهم هدرا و أصبحت النواحي و الشوارع منهم خالية، و الكلاب على أشلائهم و جيفهم متهاوشة عاوية إن في (122 ظ) ذلك لآية لأولي الألباب.

____________

(1) جاء في مرآة الزمان- أخبار سنة 523-: «و فيها كانت فتنة الإسماعيلية بدمشق، و كان ابن محرز قد سلم إليهم حصن القدموس لأن بوري قصده ليأخذه منه، فسلمه إليهم، و كان الوزير المزدقاني بدمشق يكاتبهم و يهاديهم خوفا من بني الصوفي، فشرع وجيه الدين المفرج بن الصوفي رئيس دمشق مع بوري في الإغراء بالإسماعيلية، و هون عليه أمرهم، و ساعده الحاجب ابن فيروز، ثم اتفقوا على قتل الوزير المزدقاني، فاستدعاه بوري إلى القلعة سابع رمضان، فجلس عنده، فلما قام ليخرج، و ثبت عليه جماعة من الأجناد، فقتلوه في دهليز قلعة دمشق، و قطعوا رأسه و أحرقوا جسده في باب الحديد، ثم مضوا إلى دار الدعوى، و قتلوا كل من بها، و ثار عوام دمشق على الإسماعيلية، فقتلوهم شر قتلة، ذبحا بالسيوف و رميا بالحجارة، و صلبوا منهم جماعة على سور دمشق، فكان عدة من قتل منهم عشرة آلاف على ما قيل، و لم يتعرضوا لحريمهم و لا لأموالهم ... و كان- طاهر بن سعد أبو علي الوزير المزدقاني- سمحا جوادا، بنى المسجد على الشرف الشمالي في دمشق، عند تربة ست الشام، و يسمى مسجد الوزير، و فيه القراء و عليه الوقف، و كان قد عاداه وجيه الدولة ابن الصوفي، فانتمى إلى الإسماعيلية خوفا منه».

362

و كان قد أخذ في الجملة المعروف بشاذي الخادم، تربية أبي طاهر الصائغ الباطني، الذي كان بحلب، و هذا اللعين الخادم كان أصل البلاء و الشر، فعوقب شر عقوبة، شفت قلوب كثير من المؤمنين، و صلب و معه نفر منهم على شرفات سور دمشق، ليشاهد فعل الله بالظالمين و نكاله بالكافرين، و كان الحاجب يوسف بن فيروز شحنة البلد، و رئيسه الوجيه ثقة الملك أبو الذواد مفرج بن الحسن الصوفي، قد بالغا في التحريض على هلاك هذه الطائفة الخبيثة، فأخذا في التحرز و الاحتياط من اغتيال من يندب إليهما من باطنية ألموت‏ (1) مقر الباطنية، بلبس الحديد و الاستكثار من الحفظة حولهما، بالسلاح الوافر العتيد، فحصل الشقاء لمن أساء و كفر، و السعادة لمن أحسن و اعتبر.

و أما اسماعيل الداعي المقيم ببانياس، و من معه فإنهم لما سمعوا ما حدث من هذه الكائنة سقط في أيديهم، و انخذلوا و ذلوا، و أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، و تفرق شملهم في البلاد و علم اسماعيل أن البلاء محيط به إن أقام ببانياس، و لم يكن له صبر على الثبات، فأنفذ إلى الأفرنج يبذل لهم تسليم بانياس إليهم، ليأمن بهم، فسلمها إليهم، و حصل هو و جماعته في أيديهم، فتسللوا من بانياس إلى الأعمال الأفرنجية على غاية من الذلة، و نهاية من القلة، و عرض لإسماعيل علة الذرب، فهلك بها، و قبر في بانياس في أوائل سنة أربع و عشرين و خمسمائة، فخلت منهم تلك الناحية، و تطهرت من رجسهم.

و في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة ورد الخبر من بغداد بوفاة الوزير جلال الدين أبي علي الحسن بن علي بن صدقة، وزير الخليفة (رحمه الله)، في جمادى الآخرة منها، و كان حسن السيرة، محمود الطريقة، كاتبا فاضلا، بليغا محبوبا من الخاصة و العامة، سديد الرأي، حميد التدبير، صادق‏

____________

(1) مقر قيادة الدعوة الإسماعيلية الجديدة في الشرق- انظر الدعوة الإسماعيلية الجديدة:

57- 59.

363

العزم، صافي الحس، كريم النفس، فكثر الأسف عليه، و التوجع لفقده، و استوزر بعده نقيب النقباء شرف الدين أبو القاسم علي بن طراد الزينبي، في جمادى الأولى منها، و هو من جلالة القدر، و شرف الأصل، و نباهة الذكر، و المنزلة المشهورة، و الرتبة المعروفة، و المكان المشتهر.

و في جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة، توفيت الخاتون، شرف النساء، والدة تاج الملوك رضي الله عنها (123 و) و قبرت في قبتها المبنية برسمها، خارج باب الفراديس.

سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة

قد مضى ذكر نوبة الباطنية و غيرهم، لما اقتضى سوق الكلام فيه في سنة اثنتين و ثلاث، و لما انتهى إلى الأفرنج خبر الكائنة في الباطنية، و انتقال بانياس عنهم، إليهم، أحدث ذلك لهم طمعا في دمشق و أعمالها، و أكثروا الحديث في قصدها، و بثوا رسلهم إلى الأعمال في جمع الرجال و الاحتشاد، فاجتمع إليهم سائر من حوته بلادهم، من: الرها، و أنطاكية، و طرابلس، و الساحل، و وصلهم في البحر ملك كند، هو الذي‏ (1) قام مقام بغدوين الهالك في الأفرنج، و معه خلق كثير، فاجتمعوا و نزلوا على بانياس، و خيموا عليها، و شرعوا في تحصيل المير و الأزواد للإقامة، و تواترت الحكايات عنهم، ممن شاهدهم و أحصى عددهم، أنهم يزيدون على ستين ألفا فارسا و راجلا، و أكثرهم الرجالة.

فلما عرف تاج الملوك ذلك من عزمهم، تأهب لهذا الأمر و صرف همه إلى الاستكثار من العدد و السلاح، و آلة الحرب، و ما يحتاج إليه من الآلات التي يحتاج إليها لتذليل كل صعب، و كاتب أمراء التركمان على أيدي رسله المندوبين إليهم بالاستنجاد و الاستغاثة بهم، و بذل من المال‏

____________

(1) هو فولك صاحب أنجو، زوج ميليسند أكبر بنات بلدوين الثاني. انظر تاريج وليم الصوري: 2/ 47- 51.

364

و الغلال ما بعثهم على المبادرة إلى إجابة ندائه، و السرعة إلى دعائه، و وصل إليه من طوائفهم المختلفة الأجناس، كل ذي بسالة، و شدة مراس، راغبين في أداء فريضة الجهاد، و مسارعين إلى الكفرة الأضداد، و أطلق ما يحتاجون إليه لقوتهم، و قضيم خيولهم.

و رحل الملاعين عن بانياس طالبين دمشق، على أناة و ترتيب، و نزلوا على جسر الخشب و الميدان المعروف المجاور له في‏ (1) .... من ذي القعدة سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة، و خيموا هناك و أصبح العسكر، خرج من دمشق و انضم إليه التركمان من منازلهم حول البلد، و الأمير مرى بن ربيعة في العرب الواصلين معه، و تفرقوا كراديس في عدة جهات، و وقفوا بإزائهم لتخرج منهم فرقة فيسارعوا إليها، و يزحفوا فيبادروا إلى لقائهم، فلم يخرج منهم فارس، و لا ظهر راجل، بل ضموا أطرافهم، و لزموا مخيمهم و أقام الناس على هذه الصورة أياما (123 ظ) يتوقعون زحفهم إلى البلد، فلا يشاهد منهم إلا تجمعهم و إطافتهم حول مخيمهم، و بريق بيضهم و سلاحهم، و كشف خبرهم و ما الذي أوجب تأخرهم عن الزحف و تلومهم، فقيل إنهم قد جردوا أبطال خيلهم و شجعان رجالهم للمصير مع البغال إلى حوران، لجمع المير و الغلال، التي يستعان بمثلها على الإقامة و النزال، و أنهم لا حركة لهم، و لا قوة بهم، إلى عودة المذكورين.

فلما عرف تاج الملوك هذه الحال، بادر بتجريد الأبطال من الأتراك الدمشقيين، و التركمان الواصلين، و العرب القادمين مع الأمير مرى، و أضاف إليهم الأمير سيف الدولة سوار في عسكر حماة، و قرر معهم نهوضهم آخر يومهم، و الجد في السير عامة الليل، و وصلوهم عند

____________

(1) فراغ بالأصل، و يبدو أن ذلك حصل في أواخر ذي القعدة حيث جاء في الكامل لابن الأثير: 8/ 329: «و وصل الفرنج في ذي الحجة فنازلوا البلد، و أرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة و الإغارة على البلاد».

365

الصباح إلى ناحية براق‏ (1)، لأن تقدير وصول الملاعين عند عودهم من حوران إلى ذلك المكان، فسارعوا إلى العمل بما مثل لهم، و أصبحوا في ذلك المكان، و هم على غاية من الكثرة و المنعة، و معهم سواد عسكرهم بأسره، في عدد لا يحصى كثرة، فهجموا عليهم فلم يتكامل ركوبهم إلا و قد قتل منهم جماعة بالنشاب، و ضربوا مصافا، و وقفوا قطعة واحدة، و حمل عليهم المسلمون، فثبتوا، و لم يزل عسكر الإسلام يكر عليهم و يفتك بهم، إلى أن فشلوا و انخذلوا، و أيقنوا بالبوار، و حلول الدمار، و ولى كليام‏ (2) دبور مقدمهم و شجاعهم في فريق من الخيالة منهزمين، و حمل الأتراك و العرب حملة هائلة، و أحدقوا بهم ضربا بالسيوف، و طعنا بالرماح و رشقا بالسهام، فما كان إلا بعض النهار، حتى صاروا على وجه الأرض مصرعين، و بين أرجل الخيل معفرين، و غنموا منهم الغنيمة التي امتلأت أيديهم بها، من: الكراع، و السلاح، و الأسرى، و الغلمان، و أنواع البغال، و هو شي‏ء لا يحصر فيذكر، و لا يحد فيعد، و لم يسلم منهم إلى معسكرهم إلا القليل من الخيالة، الذين نجت بهم سوابقهم المضمرة، و عاد الأتراك و العرب إلى دمشق ظافرين غانمين منصورين مسرورين، آخر نهار ذلك اليوم المذكور، فابتهج الناس بهذا اليوم السعيد، و النصر الحميد، و قويت به النفوس، و انشرحت به الصدور، و عزم العسكر على مباكرتهم بالزحف إلى مخيمهم، عند تكامل‏

____________

(1) ذكر ياقوت أكثر من موقع يحمل هذا الاسم، و اكتفى عند أحدها بقوله: موضع بالشام، و بناء على معطيات المصادر العربية مع وليم الصوري، فإن موقع براق هو في حوران، بعد منطقة مرج الصفر حيث كان معسكر الفرنجة و في منطقة ازرع التابعة لمحافظة درعا قرية ما تزال تحمل اسم براق، من المرجح أنها المقصودة، و تبعد براق هذه عن درعا مسافة/ 112 كم/ و عن ازرع/ 82 كم/ و عن مركز ناحية المسمية/ 20 كم/. انظر التقسيمات الإدارية في الجمهورية العربية السورية. ط. دمشق: 1968، ص: 50.

(2) هوWilliam de Bury ، كان يمتلك موقعا على مقربة من صور، قاد حسب وليم الصوري:

40- 42، أكثر من ألف من الفرسان انطلق بهم من مرج الصفر حيث كان معسكر الفرنجة، و قد وصف وليم مقتل هؤلاء الفرسان ثم هزيمة جيوش الفرنجة و أحوال المناخ السي‏ء آنذاك، و مع هذا تبقى معلومات ابن القلانسي أكثر دقة و أوفى بالتفاصيل.

366

وصوله (124 و) و تسرع إليهم جماعة من الخيل وافرة، و هم ينظرون إلى كثرة النار، و ارتفاع الدخان، و هم يظنون أنهم مقيمون، فلما دنوا من المنزل صادفوهم، و قد رحلوا آخر تلك الليلة، عند ما جاءهم الخبر، و قد أحرقوا أثقالهم و آلاتهم، و عددهم و سلاحهم، إذ لم يبق لهم ظهر يحملون عليه، عند ما عرفوه من حقيقة الأمر، الذي لا يمكن معه المقام، مع معرفتهم بكثرة عسكر الأتراك، و لا طاقة لهم به، و لم يتمالكوا أن رحلوا لا يلوون على منقطع، و لا يقفون على مقصر، و خرجوا إلى منزلهم فغنموا منه الشي‏ء الكثير من أثاثهم و زادهم، و صادفوا جماعة من الجرحى في الوقعة، قد هلكوا مع وصولهم، و دفنوا في أماكنهم، و خيولهم مصرعة من الجراح و الكد، و لحق أواخرهم العسكر، فقتلوا جماعة من المنقطعين، و أغذوا سيرهم في هزيمتهم خوفا من لحاق المسلمين لهم، و أمن الناس و خرجوا إلى ضياعهم، و انتشروا في أماكنهم و معايشهم، و انفرجت عنهم الكربة، و انكشفت الغمة، و جاءهم من لطف الله تعالى و جميل صنعه ما لم يكن في حساب، و لا خطر في بال، فلله الحمد و الشكر على هذه النعمة السابغة، و الموهبة الكاملة، حمدا يستديم جزيل نعمه، و يستمد المزيد من منائحه و قسمه.

و عاد التركمان إلى أماكنهم بالغنائم الوافرة، و الخلع الفاخرة، و تفرق جمع الكفرة إلى معاقلهم، على أقبح صفة من المذلة، و عدم الكراع، و ذهاب الأثقال، و فقد أبطال الرجال، و سكنت القلوب بعد الوجل، و أمنت بعد الخوف و الوهل، و أيقنت النفوس بأن الكفرة لا يكاد يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل، بعد فناء أبطالهم، و اجتياح رجالهم، و ذهاب أثقالهم.

سنة أربع و عشرين و خمسمائة

في المحرم أول هذه السنة، توفي الشيخ الأمين، جمال الأمناء، أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، (رحمه الله)، و كان موصوفا بالكفاية،

367

و الأمانة معروفا بالصيانة و الديانة، و لم يقم من الشهود بعده مثله، في الذكاء و الأمانة و الغناء.

لما خلا ديوان الوزارة بدمشق، بعد قتل أبي طاهر المزدقاني الوزير من عارف ينظم حساباته، و يسدد أمور معاملاته، و ارتاد تاج الملوك كافيا يرد الأمر في ذلك (124 و) إليه، و يعتمد فيه عليه، و يسكن إلى نهضته في تهذيب أحواله، و ترتيب أعماله، و حفظ أبواب ماله، فلم يتسهل له بلوغ المقصود، و لا تيسر لارتياده نيل الغرض المنشود، فوقع تعويله على الرئيس الوجيه ثقة الملك أبي الذواد المفرج بن الحسن الصوفي، رئيس دمشق، فرد الأمر في ذلك إليه، و قلده منصب الوزارة، و اعتمد فيه عليه، و وجده أكفى من وقعت إليه الإشارة من كتابه و متصرفيه، و إن كان ضعيف الصناعة في الكتابة، خفيف البضاعة من البلاغة، فإن رأيه سديد، و مذهبه في التنزه و الأمانة حميد، و له معرفة بسياسة المعاملين في المعاملات، و يد في الحل، و الضبط في استدعاء الحسبانات، و حفظ الإخراجات، و لم يجد له محيدا عنه، و لا بدلا منه، فقلده هذا المنصب، واثقا بحسن سفارته، و مرضي مؤازرته، و خلع عليه، و زاد في إحسانه إليه، و أجلسه مجلسه من الديوان، تأكيدا لأمره، و رفعا لقدره، فأحسن السياسة، و سدد أحوال الرئاسة، و استعمل العدل في أعماله و الإنصاف لمعاملته، و عماله، و نظر في الأعمال، و اعتمد على الكفاة الثقات من العمال، و جرت الأحوال في ذلك على السداد، و اطردت على الاستقامة أحسن إطراد.

(و) في هذه السنة ورد الخبر بوصول الأمير عماد الدين أتابك زنكي ابن أق سنقر، صاحب الموصل إلى حلب في عسكره، عازما على الجهاد، و أرسل تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، يلتمس منه المعونة، و الإسعاد على محاربة الأفرنج الأضداد، و ترددت الرسل بينهما في ذلك إلى أن أجاب إلى المراد، و أنفذ إليه من استحلفه على المصافاة و الوداد، و توثق منه على الوفاء و جميل الاعتقاد، و أكد الأمر في هذه الحالة تأكيدا،

368

سكن إليه و وثق به، و اعتمد عليه، و بادر بتجريد وجوه عسكره في خمسمائة فارس، و كتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره، و الاختلاط بالعسكر الدمشقي، و مقدمه الأمير شمس الأمراء الخواص، و عدة من الأمراء و المقدمين (125 و)، فامتثل الأمر، و خرج من حماة في رجاله و تجمله، و توجهوا جميعا إلى مخيم عماد الدين أتابك، فأحسن لقاءهم، و بالغ في الإكرام لهم، و أغفلهم أياما، و عمل عليهم، و غدر بهم و قبض على سونج ولد تاج الملوك، و على جماعة المقدمين، و نهب خيامهم و أثقالهم، و كراعهم، فهرب منهم من هرب، و اعتقل الباقين، و حملهم إلى حلب و أمر بحفظهم فيها.

و زحف من يومه إلى حماة، و هي خالية من الرجال الحماة، فملكها و استولى على ما فيها، و رحل عنها إلى حمص، و كان صاحبها خيرخان ابن قراجة معه، بعسكره، و مناصح في خدمته، و عامل بطاعته، و كان المعين له، و المحرض على الغدر بسونج، و قبضه، فحين نزل عليها غدر بخير خان صاحبها و اعتقله، و نهب خيامه و أثقاله، و توثق منه، و طلب تسليم حمص إليه، فراسل نوابه فيها، و ولده بذاك، فلم يلتفتوا إلى مقاله، و لا وقعت منهم إجابة إلى سؤاله، فأقام عليهم مدة طويلة، يبالغ في المحاربة لأهلها، و المضايقة لها، فلم يتهيأ له فيها مطلب، و لا تيسر مأرب، فرحل عنها إلى الموصل، و استصحب معه سونج بن تاج الملوك، و المقدمين من عسكر دمشق، و أقر الباقين في حلب، و ترددت المراسلات في إطلاق المعتقلين، فلم يفعل، و التمس عنهم خمسين ألف دينار، أجاب تاج الملوك إلى تحصيلها، و القيام بها.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر، بقتل الآمر بأحكام الله صاحبها، في آخرها، تدبيرا دبر له، و عمل فيه عليه، لأمور منكرة ارتكبها، و أحوال قبيحة اعتمدها، و دعت إلى قتله، و أوجبت الفتك به، لأنه بالغ في ظلم الرعية، و أخذ أموالهم، و اغتصاب أملاكهم، و سفك‏

369

الدماء، و أساء السيرة، و ارتكب المحذورات، و استحسن القبائح من المحظورات، فابتهج الخاص و العام بالحادث فيه، و الراحة منه في يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة سنة أربع و عشرين و خمسمائة، و عمره أربع و ثلاثون سنة، و مولده بالقاهرة سنة تسعين و أربعمائة، و أيام دولته أربع و عشرون سنة، و نقش خاتمه «الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين» (1)، و قام بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، و أخذت له البيعة على الرسم (125 ظ) فيها، و نعت بالحافظ لدين الله، أمير المؤمنين، فاستقام له الأمر، و استتب برأيه التدبير (2) و قلد الأمر أبا علي، أحمد بن الأفضل أمير الجيوش، وزارة الدولة، و تدبير المملكة، فساس الكافة أعدل سياسة، و دبر الأعمال أجمل تدبير، و جرى على منهاج أبيه الأفضل، (رحمه الله) في حب العدل و إيثاره، و اجتواء (3) الجور و إخماد ناره، و أعاد على التناء و التجار ما اغتصب من أموالهم، و قبض من أملاكهم، و أمن البر التقي، و أخاف المفسد الشقي، و بالغ في ذلك مبالغة أحرز بها شكر القريب و البعيد، و حاز بها أجر الموفق السعيد.

و لم يزل على المذهب الحميد مواظبا، و لهذا المنهاج السديد مداوما إلى أن نجم له من مقدمي الدولة، حسدة حسدوه على ما ألهمه الله من أفعال الخيرات، و اقتناء الصالحات، تجمعوا على إفساد أحواله، و لفقوا

____________

(1) وصف المقريزي بشكل أوفى عملية اغتيال الآمر، و اتهم بها جماعة الحشيشية، و قد اختير عبد المجيد خليفة و ليس إماما، فقد كلف بكفالة الإمام الحقيقي ابن الآمر و ولي عهده، ففي رواية أنه ولد للآمر قبل مقتله بأشهر غلام ذكر سماه «الطيب» و أعلنه وليا لعهده، و في رواية ثانية أنه قال: «قبل وفاته بأسبوع عن نفسه: المسكين المقتول بالسكين، و أشار إلى أن إحدى جواريه «حامل منه، و أنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدا ذكرا، و هو الخليفة من بعده، و أن كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون، فجلس المذكور كفيلا و نعت بالحافظ لدين الله». اتعاظ الحنفا: 3/ 128- 137.

(2) كذا، و ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا: 3/ 140، أن الوزير أحمد بن الأفضل «أحاط بالحافظ و سجنه في خزانة فيما بين الإيوان و باب العيد».

(3) اجتوى الشي‏ء كرهه- النهاية لابن الأثير.

370

المحال في الطعن في أعماله، و سعوا في العمل بأنواع من الكذب جمعوها، و ألفاظ من الباطل نمقوها، و قرر ذلك مع العسكرية دون الأعيان، و الأماثل من الرعية، و أغفل إلى أن وجدت الفرصة فيه مستهلة، و الغرة منه بادية، و حصل في جانب من الميدان خاليا من العدة و العدة و الأعوان، و النجدة، لا يشعر بما قد رتب له، و دبر عليه، فوثبوا عليه، و قتلوه (رحمه الله)، و انفرد به، و أدركه أصحابه، و قد قضى، فقتلوا الجناة، و حملوه إلى تربته فدفنوه بها (1).

سنة خمس و عشرين و خمسمائة

في هذه السنة انتهى إلى تاج الملوك، عن الرئيس المقلد أمر الوزارة محال غير قلبه عليه، و قدح في منزلته، و أفسد ما كان جميلا فيه من رأيه، و أمر باعتقاله مع بعض أقاربه اعتقالا جميلا، و عزله عن الوزارة و الرئاسة، في شهر ربيع الأول منها، و عول في تقليد مكان الوزارة على كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني، ابن عم الوزير أبي علي المزدقاني المقدم ذكره، فرد الأمر في ذلك إليه، و عول في الوزارة و السفارة عليه، و استقام له الأمر، و مشت الأحوال به، و استبشر أكثر

____________

(1) دفن بتربة أمير الجيوش بدر الجمالي، و كانت مدة تحكمه سنة و شهران و ثلاثة عشر يوما، عادى الإسماعيلية، حيث كان إماميا، أزال من الآذان «حي على خير العمل، محمد و علي خير البشر» و أسقط ذكر الحافظ من الخطبة، و اخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر و هو: السيد الأجل الأفضل، سيد ممالك أرباب الدول، المحامي عن حوزة الدين، و ناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين و الأبعدين، ناصر إمام الحق في حالي غيبته و حضوره، و القائم في نصرته بماضي سيفه، و صائب رأيه و تدبيره، أمين الله على عباده و هادي القضاة إلى أتباع شرع الحق و اعتماده، و مرشد دعاته المؤمنين إلى واضح بيانه و إرشاده، مولى النعم، رفع الجور عن الأمم، مالك فضيلتي السيف و القلم، أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل، أبي القاسم شاهنشاه أمير الجيوش، تآمر عليه بعض الجند بقيادة أحد ضباط القصر و اسمه يانس، و قد خرج في أحد الأيام «ليعرق فرسا في الميدان في البستان الكبير، خارج باب الفتوح من القاهرة، و للعب بالكرة على عادته، فجاء و هو هناك عشرة من صبيان الخاص الذين تحالفوا على قتله حتى ظفروا به جميعا أو فرادى، فصاح أبو علي: من يسابق؟ فقال العشرة عليك، و حملوا عليه و طعنوه حتى قتل» و بعد هذا تجمع المتآمرون «فأخرجوا الحافظ من الخزانة التي كان معتقلا بها، و فكوا عنه القيد، و أجلسوه في الشباك على منصة الخلافة» و أخذوا له على «أنه ولي عهد كفيل لمن لم يذكر اسمه». و فور ذلك خلع الخليفة على يانس خلع الوزارة. اتعاظ الحنفا: 143- 144.

371

المتصرفين و العمال، لأنه كان حسن الطريقة، قد تهذب في النيابة عن الوزارة في الديوان، و عرف سياسة (126 و) الأعمال في كل عصر و أوان، فصيح اللسان بالفارسية و العربية، و لم يزل مستمر الأمر إلى أن حدث ما تغيرت به حاله، لأن الباطنية لما جرى عليهم ما قضاه الله من البوار، و أحله بهم من الهلاك و الدمار، انتهى خبر ذاك إلى رفقائهم بألموت، فأسفوا عليهم، و قلقوا لما نزل بهم، و شرعوا في بث حبائل شرهم، و نصب أشراك خترهم و مكرهم، و ندبوا لتاج الملوك من يغتاله، و يوقع به من جهال أخوانهم، و فتاك أقرانهم، و وقع اختيارهم على جاهلين من الخراسانية قرروا معهما التحيل في أمر تاج الملوك، و الطلب له، و الفتك به، في داره، عند إمكان الفرصة فيه، و وصل هذان الرجلان إلى دمشق في زي الأتراك بالقباء و الشربوش، و حضرا إلى معارف لهما من الأتراك، و سألوهما الوساطة في اسخدامهما، و تقرير الواجب لهما، و خدعاهم، و لم يرتابوا بهما، و تدرجا بالحيلة و المكر إلى أن صاروا في الجملة من الخراسانية المرتبين لحفظ ركاب تاج الملوك، و تمكنا، و سكنت القلوب إليهما لأنهما ضمنا، و رقبا الفرصة في تاج الملوك إلى أن دخل الحمام، و عاد منه، و وصل إلى باب داره من القلعة بدمشق، و تفرق عنه من كان في ركابه من الخراسانية، و الديلم، و الأحداث، الحفظة له، فوثبا عليه في يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس و عشرين و خمسمائة، و ضربه أحدهما بالسيف طالبا لرأسه، فجرحه في رقبته جرحا لم يتمكن منه، و ضربه بسكين عند خاصرته نفذت بين اللحم و الجلد، و رمى بنفسه في الحال عن فرسه سليما، و تكاثرت الرجال عليهما، فقطعوهما بالسيوف، و أحضر أهل الخبرة بمداواة الجراح من الأطباء و الجراحيين، و عولجا فبرأ إحدهما الذي عند الرأس، و تنسر الذي في الخاصرة، و صلحت الحال في ذلك، و ركب و أقام مدة يحضر مجلسه الخواص و العسكرية و الأجناد، للسلام و الشراب على الرسم المعتاد.

372

و فيها ورد الخبر من بغداد بوفاة السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود ابن السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان (رحمه الله) في شوال سنة خمس و عشرين و خمسمائة، بمرض حدث به، كان معه نفاذ أجله، و فراغ مهله، و تقررت السلطنة بعده لأخيه السلطان أبي الفتح مسعود بن محمد (126 ظ) بن ملك شاه بن ألب أرسلان، و تكون ولاية العهد من بعده لابنه داود بن محمود، ثم لأخيه السلطان طغرل بن محمد، و سيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه.

و فيها ورد الخبر من حلة مكتوم بن حسان بن مسمار (1) بأن الأمير دبيس بن صدفة بن مزيد اجتاز بالحلة، و كان قد انهزم من العراق في خواص أصحابه و غلمانه خوفا من الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين، و ضل في الطريق، و لم يكن معه دليل عارف بالمسالك و المناهل، و كان قصده حلة مرى بن ربيعة، فهلك أكثر من كان معه، و تفرق أصحابه بعد موت من مات بالعطش و قد حصل في الحلة كالمنقطع الوحيد، في نفر يسير من أصحابه، فأنهض تاج الملوك، فرقة من الخيل نحوه، لإحضاره فأحضرته إلى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين، لست خلون من شعبان سنة خمس و عشرين و خمسمائة فتقدم تاج الملوك بإنزاله في دار القلعة، و إكرامه و احترامه، و التنوق في شرابه و طعامه، و حمل إليه من الملبوس و المفروض ما يقتضيه محله الرفيع، و مكانه المكين الوجيه، و اعتقله اعتقال كرامة، لا اعتقال إهانة، و أنهى الحال في ذلك إلى الدار العزيزة الإمامية المسترشدية، فورد الجواب إليه بالتوثق منه، و الاحتياط عليه، إلى حين يصل إليه من يتسلمه، و يحمله إلى بغداد.

و لما عرف عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل هذه الحال، نفذ رسولا إلى تاج الملوك، يلتمس منه تسليمه، و يكون الجزاء عنه الخمسين‏

____________

(1) أمير قبائل كلب و كانت منازله (حلته) في منطقة صلخد. مرآة الزمان- أخبار سنة 525 ه.

373

الألف الدينار المقررة على ولده سونج، و بقية العسكر الدمشقي المعتقلين فأجابه تاج الملوك إلى ذلك، و تقرر الشرط عليه، و أن يصل عسكره إلى ناحية قارا، و معه المعتقلون، و يخرج الأمير دبيس مع عسكر دمشق، إلى هناك، فإذا تسلم المعتقلين سلموا دبيسا إلى أصحابه، فتوجهوا به من دمشق، و وصلوا به إلى قارا فتسلموا المعتقلين منهم، و سلموا إليهم دبيسا في يوم الخميس الثامن من ذي القعدة من السنة، و عاد كل من العسكريين إلى مكانه، و وصل سونج إلى دمشق هو و الجماعة، فسر تاج الملوك بهم، و زال شغل قلبه (127 و) بوصولهم، فعند ذلك خوطب تاج الملوك في الرئيس و أهله المعتقلين، و سئل في إطلاقهم، و المن عليهم بتخلية سبيلهم، فأجاب إلى ذلك بعد أن قرر عليه مصالحة، يقوم بها و أطلق و أعيد إلى رئاسته دون وزارته، و خلع عليه، و على الوزير كمال الدين كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني، في مستهل رمضان من السنة.

و في هذه السنة ورد الخبر من صرخد بوفاة و اليها فخر الدولة كمشتكين الخادم التاجي، في جمادى الآخرة منها، و كان حسن الطريقة، جميل الذكر، كثير التدين، مشكور المقاصد.

و فيها وصل سديد الدولة ابن الأنباري، كاتب الخليفة، الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، رسولا منه في أمور و أسباب اقتضتها، في آخر ذي القعدة منها، و يبعث على تسليم الأمير دبيس إلى من يحمله إلى بغداد، و قد فات الأمر فيه، فأكرم مثواه، و سر بمقدمه، و أجيب عن رسائله، و توجه عائدا بعد أن حمل إليه ما يقتضيه محله و يوجبه مكانه، و صادفه في طريقه بناحية الرحبة خيل الأمير عماد الدين، فقبضت عليه، و نهبت ما كان معه، و قتلت بعض غلمانه، و لقي شدة عظيمة من الاعتقال و الإعنات، إلى أن خلص و أطلق سراحه، و عاد إلى بغداد (1).

____________

(1) في مرآة الزمان: 1/ 135- 136: «قد ذكرنا أن دبيسا دخل البرية و انقطع خبره، و قد اختلفوا في قصته، أما تواريخ البغداديين فإنهم قالوا: ضل في طريقه، فقبض عليه بحلة-

374

و في يوم الخميس لثلاث ليال خلت من جمادى الآخرة منها، جمع تاج الملوك جماعة من الأمراء و المقدمين و الخواص، و أعيان الأجناد و الكتاب و الفقهاء و أماثل الرعية، في مجلسه، و قال لهم: إنني قد انتهت بي الحال بسبب هذا الجرح الذي قد طال ألمه، و تعذر اندماله، ما قد أيقنت معه الحلول بالأمر المقضي الذي لا بد منه و لا مندوحة للخلق عنه، و قد يئست من روح الحياة، و استشعرت قرب الوفاة، و هذا ولدي أبو الفتح اسماعيل قد لاحت لي منه أمارة الشهامة و النجابة، و بانت لي فيه مخايل الكفاية و اللبابة، و هو أكبر ولدي، و المرجو لسد ثلمة فقدي، و قد رأيت أن أجعله ولي عهدي، و المرشح لتولي الأمر بعدي، ثقة بسداده، و حسن تأتيه مع حداثة سنه، و حميد اقتصاده، فإن سلك منهاج الخير، و اقتفاه، و قصد سبيل العدل و الإنصاف، و توخاه، فذاك المراد منه، و المأمول فيه، و إن عدل عن المطلوب المشار إليه، و خالف (127 ظ) الأمر المنصوص عليه، كان المعول عليكم في تنبهه من نومته، و إيقاظه من فتور غفلته، فإن الحازم اللبيب و السديد الأريب إذا ذكر ذكر، و إذا نهي عن المنكر أعرض عنه و اقتصر، فقالوا: الأمر أمرك الذي لا يخالف، و لا يعدل عنه، و الحكم حكمك، الذي لا خروج لنا منه، و طاعتنا لك في حياتك، كطاعتنا لولدك بعد وفاتك، و الله يمد لك في العمر، و يمن عليك بالعافية الشافية، و تعجيل السلامة و البر، فسر بمقالهم، و شكر ما بدا منهم من الحوادث الدالة على حميد خلالهم، ثم نص في الأمر عليه، و أشار في ولاية العهد من بعده إليه، و قرر معهم العمل بطاعته، و الانتهاء إلى إشارته، و خلع عليه خلعا سنية، تليق بمثله، و تضاهي شرف مثله، و ركب فيها إلى داره من القلعة بين الأمراء و المقدمين‏

____________

- حسان بن مكتوم الكلبي من أعمال دمشق، و انقطع منه أصحابه، فحمل إلى دمشق، فباعه أميرها ابن طغتكين من زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار، و كان زنكي عدوه، فظن أنه سيهلكه، فلما حصل في قبضته أكرمه، و خوله المال و السلاح، فلما ورد الخبر إلى بغداد، بعث الخليفة ابن الأنباري، ليتوصل في أخذه، فلما وصل الرحبة قبض عليه أميرها بأمر زنكي، و حمل إلى قلعة الموصل ... فلم يخلص إلا بشفاعة السلطان مسعود».

375

و الأتباع، من: الخراسانية، و الغلمان و السلاحية و القزاغندية (1) و الجاووشية في اليوم المذكور، و المحفل المحضور، و تضاعف بذاك منهم الجذل و السرور، و مالت كافة الأصحاب إليه، و اجتمعوا عليه، و واظبوا الخدمة له في كل يوم و التسليم عليه.

سنة ست و عشرين و خمسمائة

في هذه السنة، ورد الخبر من ناحية الأفرنج بهلاك بغدوين الرويس ملك الأفرنج، صاحب بيت المقدس بعكا، في يوم الخميس الخامس و العشرين من شهر رمضان منها، و كان شيخا قد عركه الزمان بحوادثه، و عانى الشدائد من نوائبه و كوارثه، و وقع في أيدي المسلمين عدة دفعات أسيرا في محارباته و مصافاته، و هو يتخلص منهم، بحيله المشهورة، و خدعه المخبورة، و لم يخلف بعده فيهم صاحب رأي صائب، و لا تدبير صالح، و قام فيهم بعده الملك القومص الجديد الكند انجور (2)، الواصل إليهم في البحر من بلادهم، فلم يتسدد في رأيه، و لا أصاب في تدبيره، فاضطربوا لفقده، و اختلفوا من بعده.

و فيها اشتد مرض الجرح بتاج الملوك، و وقع اليأس من برئه و صلاحه، فطال الأمر به طولا، سئم معه الحياة، و أحب الوفاة، و تزايد الضعف به، و الذبول في جسمه، و قوته، و قرب أجله و خاب في الصحة أمله (128 و) و توفي إلى رحمة الله و مغفرته، و تجاوزه، على مضي ساعة من نهار يوم الاثنين الحادي و العشرين من رجب منها، فتألمت القلوب لمصابه، و أفيضت الدموع للنازل به.

____________

(1) في الأصل: و المقر عدارية، و هو تصحيف رجحت صوابه: إما المقردارية، أو كما أثبتت في المتن، و القزاغندية نوع من المقاتلين كانوا يرتدون أثوابا قطنية أو حريرية محشوة أيام الحرب، و هي عبارة مركبة من: قز، و كند أو غند، و القز هو الحرير، و غند أو كند هو البطل الشجاع بالفارسية، و سبب الترجيح أنه لم يمر بي من قبل «المقردارية» بينما مرت العبارة الثانية كثيرا.

(2) سبق له أن ذكر وفاته- انظر ص 357.

376

و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع‏

و لكن قضاء الله تعالى لا يغالب، و حكمه لا يدافع، لأن هذه الدنيا دار سوء لم يدم فرح لامرى‏ء فيها، و لا حزن، الأنفاس فيها محصاة معدودة، و الآجال محصورة محدودة، و الليل و النهار يقطعان الأعمار، و يفنيان المدة، و ما فهم مواعظ الزمان من سكن إلى خدم الأيام، و لقد أنشد عند فقده قول الشريف الرضي:

بعدا ليومك في الزمان فإنه‏* * * أقذى العيون وفت في الأعضاد

لولا ما من الله من قيام نجله في الأمر من بعده، و نصه عليه في ولاية عهده، شمس الملوك، فأزال الروعة، و خفف اللوعة، فاشتغل الناس بالتهنئة بالأمير الموجود عن التعزية بالشهيد المفقود، و قد كان لتاج الملوك (رحمه الله) من: المحاسن، و المآثر، و المناقب، ما يذكر في المحافل، و ينشر في الأندية و المحاضر، و نظمت مدائحه الشعراء، و نشرت فضائله الفصحاء البلغاء، و كان الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن الخياط الشاعر الدمشقي (رحمه الله)، و هو طرفة شعراء الشام، و المشهور بمحاسن الفنون من المديح و غيره بينهم، قد نظم في تاج الملوك عدة قصائد، بالغ في تهذيبها و تحريرها و تحبيكها، فذكرت من جملة أبياتها المعربة عن صفات معاليه، ما يستدل به على استحقاقه، ما بالغ فيه من مدح مقاصده و مساعيه، فمن أبيات قصيدة أولها:

لقد كرم الله ابن دهر تسوده‏* * * و شرف يا تاج الملوك بك الدهرا

و من على هذا الزمان و أهله‏* * * بأروع لا يعصي الزمان له أمرا

حسام أمير المؤمنين و من يكن‏* * * حساما له فليقتل الخوف و الفقرا

إذا قلت في تاج الملوك قصيدة* * * من الشعر قالوا قد مدحت به الشعرا (1)

____________

(1) ديوان ابن الخياط- ط. بيروت 1994 ص 234- 236.

377

و قال من أخرى:

ألم تك للملوك الغر تاجا* * * و للدنيا و عالمها سراجا

لقد شرف الزمان بك افتخارا* * * كما سعد الأنام بك ابتهاجا

مددت إلى اقتناء الحمد كفا* * * طمى بحر السماح بها و ماجا

و غادرت المعالي بالعوالي‏* * * كخيس الليث عزّبه و لاجا (1)

____________

(1) ديوان ابن الخياط- ط. ص 236- 241.

378

ذكر أيام شمس الملوك أبي الفتح اسماعيل بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، و شرح حاله في ابتداء أمره إلى انقضائه، و ما كان في خلال ذلك من الحوادث المتجددة، و معرفة تواريخها و أوقاتها و أحوالها

لما مضى الأمير تاج الملوك بوري بن أتابك ي(رحمه الله)، من هذه الدنيا الفانية، إلى الدار الباقية سعيدا حميدا شهيدا، أقام ولده شمس الملوك أبو الفتح اسماعيل مقامه في المملكة، حسب ما كان عهد به إليه في حياته، و أوصى بما يعمل به بعد وفاته، حسن السياسة و السيرة، و أخلص النية في أعماله و السريرة، و بسط العدل في الرعية، و أفاض إحسانه على كافة الأجناد و العسكرية، و أقر الإقطاعات على أربابها، و الجامكيات على أصحابها، و زاد في الواجبات و لم ينقصها، و أقر وزير أبيه على وزارته، و رتب العمال و المتصرفين على ما كانوا عليه، ورد أمر التقرير و التدبير إلى الحاجب يوسف بن فيروز، شحنة دمشق، و اعتمد عليه في مهمات أمره، و سكن إليه في جهره و سره، و افتتح أمر السياسة بالنظر في أمر الرعية و المتعيشين، بأن رفع عنهم ما كان يستخرج منهم في كل سنة من أقساط الفيئة، و أبطل رسمها، و حظر تناولها، و أزال حكمها، و عوض أرباب الحوالات عليها بجهات غيرها، فكثر له الدعاء، و اتصل عليه الثناء، و ذلك في رجب سنة ست و عشرين و خمسمائة، و ظهر من شهامته و شدة بأسه و شجاعته و إقدامه و بسالته و مضاء عزيمته ما لم يقع في و هم، و لا خطر في بال و فهم، و سنذكر من ذلك في أماكنه ما يقوم مقام العيان دون الحكاية بالمقال.

فمن ذلك أولا افتتاحه حصن اللبوة (1) و الرأس (129 و) و كانا في يدي المندوبين لحفظهما من قبل تاج الملوك أبيه، و كانا قد أقرا على رسمهما، فانتهى إلى شمس الملوك أن أخاه شمس الدولة محمد بن تاج‏

____________

(1) قرب منابع نهر العاصي.

379

الملوك صاحب بعلبك قد عمل عليهما، حتى استنزلهما على حكمه من حصنيهما المذكورين، و ندب لهما من رآه من ثقاته و نوابه لحفظهما، فأنكر مثل هذا الفعل عليه، و امتعض منه، و راسل أخاه المذكور بالمعاتبة على ما قصده، و يهجن رأيه فيما اعتمده، و يسأله النزول عليهما (1)، و إعادتهما إلى ما كانا عليه، فامتنع من الإجابة إلى ما طلب، و القبول لما التمس، فأهمل الأمر فيه، و في الحديث في معناه مدة يسيرة، ثم نهض في العسكر و آلات الحرب من دمشق، موهما أنه يطلب ناحية الشمال في آخر ذي القعدة من السنة، ثم عاد في طريق أخرى مغربا بعد تشريقه، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا و قد نزل عليه، و زحف من وقته إليه بعزيمة لا تدافع، و شدة لا تمانع، فلما أحس من فيه بالبلاء، لما شاهده من شدة القتال، و لم يجد له مخلصا بحال من الأحوال طلب الأمان من يومه، فأجيب إلى ما سأل، و أسعف بما أمل، و نزل من الحصن، و سلمه إليه، فقرر أمره و استناب في حفظه من اعتمد على كفايته و نهضته، ثم رحل عنه عند الفراغ منه إلى حصن الرأس، فجرى أمر من فيه على تلك القضية فتسلمه، و ولاه لمن يحفظه، ثم رحل عنه، و نزل على بعلبك، و قد استعد أخوه، صاحبها، و احتشد و اجتمع إليه خلق كثير من فلاحي البقاع و الجبال، و غير ذلك من الحرامية المفسدين، فحصرهم فيها، و ضايقهم، و زحف إليهم في الفارس و الراجل، و خرج من بعلبك من المقاتلة جماعة، فقتل منهم و جرح نفر كثير و على السور أيضا.

ثم زحف بعد أيام إلى البلد البراني، و قد حصنوه بالرجال، فشدد عليهم القتال، و فرق العسكر عليه من عدة جهات، فملكه و حصل العسكر فيه، بعد أن قتل و جرح الخلق الكثير ممن كان فيه، و نصب المناجيق على البلد و الحصن، و واظب الزحف إليهما و الشد عليهما، فلما عاين صاحبها شدة الأمر و الاستمرار على الإقامة (129 ظ) و المصابرة،

____________

(1) كذا في الأصل، و أقوم منها «عنهما».

380

راسل في بذل الطاعة و المناصحة، و السؤال في إقراره على ما كان عليه في أيام أبيه، فحملته عاطفة القربى على احتمال ما جرى، و الإغضاء عما سلف، و أجاب إلى ما التمس، و نزل على إيثاره ما طلب، و تقرر الأمر بينهما على ما اقترح، و عاد شمس الملوك في العسكر إلى دمشق ظافرا مسرورا في أوائل المحرم منها.

سنة سبع و عشرين و خمسمائة

في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية الأفرنج بوقوع الخلف بينهم، من غير عادة جارية لهم بذلك، و نشبت المحاربة بينهم، و قتل منهم جماعة.

و فيها صادف جماعة من التركمان صاحب زردنا (1) في خيله، فظفروا به و قتلوه، و من معه، و اشتملوا على خيولهم و كراعهم، و قيل إن ابن الدانشمند (2) ظفر بفريق وافر خرج من القسطنطينية، فأوقع به، و قتل من كان فيه من الروم و غيرهم.

و في سابع عشر جمادى الآخرة غار الأمير سوار (3) من حلب في خيله على تل باشر، فخرج من فيه من أبطال الأفرنج إليه، فقتل منهم تقدير ألف فارس، و راجل، و حمل رؤوسهم إلى حلب.

و في رجب منها قبض شمس الملوك على مرى بن ربيعة، فاعتقله و على‏

____________

(1) قال ياقوت: زردنا بليدة من نواحي حلب الغربية، و يجعل كل من ابن الأثير في كتابه الباهر:

39- 41، و المؤرخ السرياني المجهول العملية احتلال لزردنا من قبل زنكي، إنما مع اختلاف في التاريخ.

(2) هو محمد بن غازي خلف أباه سنة 520/ 1126 م حسب رواية المؤرخ السرياني، و في الكامل لابن الأثير: 8/ 244 قال في أخبار سنة 528 ه: في هذه السنة أوقع الدانشمند صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام، فقتل كثيرا منهم، و لم يذكر لا ابن الأثير و لا سواه الإيقاع بفرنجة قادمين من القسطنطينية.

(3) هو سيف الدين سوار من كبار قادة أتابك زنكي، انظر زبدة الحلب: 2/ 251، و الحادث عنده سنة 626 ه.

381

أسامة بن المبارك، و صانعه على مصالحة قام بها، و أطلقه، و أقام مرى على حاله، و تردد فيه خطاب، انتهى آخره إلى قتله، و هذا مكافأة ما أسلفه من قبيح الأفعال، و مذموم الأعمال، و الظلم الذي ارتكبه في سائر الأحوال.

و لما عاد شمس الملوك من ناحية بعلبك، بعد المقرر بينه و بين أخيه صاحبها، مما تقدم ذكره و شرحه، انتهى إليه من ناحية الإفرنج ما هم عليه من فساد النية و العزم على نقض الموادعة المستقرة، و شكا إليه بعض التجار الدمشقيين أن صاحب بيروت، قد أخذ منهم عدة أحمال كتان، قيمتها جملة وافرة من المال، فكتب إلى مقدم الأفرنج في رد ذلك على أربابه و إعادته على من هو أولى به، و ترددت المكاتبات في ذلك، فلم تسفر عن نيل مراد، و لا نيل طلاب، فحمله الغيظ و الحنق على مقابلة هذا الفعل بمثله، و أسر ذلك في نفسه، و لم يبده لأحد من خاصته و ثقات بطانته، و صرف همه و عزمه إلى التأهب لمنازلة بانياس (130 و) و انتزاعها من أيدي الملاعين المتغلبين عليها، و نهض إليها في أواخر المحرم من السنة، و نزل عليها في يوم الأحد غرة صفر منها، و زحف في عسكر إليها، و فيها جماعة وافرة من الخيالة و الرجالة، فارتاعوا لما أتاهم فجأة، و ذلوا و انخذلوا، و قرب من سورهم بالدرق الجفتيات و الخراسانيين و النقابين، و ترجل عن جواده، و ترجل الأتراك بأسرهم لترجله، و رشقوا من على السور بالنشاب، فاستتروا و لم يبق أحد يظهر برأسه عليه لكثرة الرماة، و ألزق الجفتيات إلى مكان من السور استرقه فنقبوه إلى أن تمكنوا منه، ثم هجموه، و تكاثروا في البلد، و التجأ من كان فيه من الأفرنج إلى القلعة و الأبراج، و تحصنوا بها و مانعوا عن نفوسهم فيها، و ملك البلد، و فتح بابه، و قتل كل من صودف فيه من الأفرنج و أسر، و لما رأى من بالقلعة و الأبراج من المنهزمين ما نزل بهم من تملك البلد، و القصد لهم بالقتال، و لا ناصر لهم، و لا ممانع عنهم، التمسوا الأمان، فأجيبوا إليه، و نزلوا، فأسروا جميعا، و نهب ما كان في البلد، و قرر فيه من الرجال الأجلاد من‏

382

يحفظه، و يذب عنه، و رحل عنه في العسكر، و معه الأسرى، و رؤوس القتلى، و حرم الوالي الذي كان به، و أولاده و العدد الكثيرة، و وصل إلى دمشق في يوم الخميس لست ليال خلت من صفر من السنة، و خرج الناس من البلد للقائه، و مشاهدة الأسرى في الحبال، و الرؤوس في القصب، و هم الشي‏ء الكثير، و الجم الغفير، فرأى الناس من ذلك ما أقر عيونهم، و سر قلوبهم، و شد متنهم، و ابتهجوا له، و أكثروا من شكر الله تعالى على ما سناه من هذا النصر العزيز، و الفتح المبين، و شاعت الأخبار بذلك في الأفرنج، فهالهم سماعه، و ارتاعوا لحدوث مثله، و امتلأت قلوبهم رعبا و وجلا، و أكثروا التعجب من تسهل الأمر في بانياس مع حصانتها، و كثرة الرجال فيها في أقرب مدة، و أسهل مرام، و أسفوا على ما قتل من الخيالة الفرسان و الرجالة.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق، بوصول السلطان مسعود بن السلطان محمد (1) إلى بغداد، و نزوله في الجانب الغربي منها، و أقام بها أياما قلائل لتقرير الحال، و كتب تذكرة بأشياء اقترحها، و التمس إضافة الشام إلى العراق (130 ظ) و وصل إليه قاضي القضاة و الأعيان و الأماثل، و استحلفوه على ما تضمنه المشروح المقترح في التذكرة، و طولع بما جرى، فخرج الأمر السامي الإمامي المسترشدي بالإذن له في نزوله في دار السلطنة، و كتابة ألقابه، و إقامة الدعوة له، و حمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الفرش و غيره، و خطب له آخر جمعة من المحرم، و كتب بتقرير أمر السلطنة، و كتابة ألقابه، و إقامة الدعوة له، و حمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الدار العزيزة المسترشدية، و ناب الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة عنه، في إيصال سلامه و دعائه أحسن مناب، و خوطب بأجمل جواب، و أفيضت الخلع عليه في‏

____________

(1) في الأصل «ابن السلطان محمود» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و يحتمل أن النص أصابه سقط ذلك أن السلطان مسعود تلقاه عند دخوله إلى بغداد «داود بن محمود». انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 339.

383

يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة، و قد جلس الإمام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين، فحضر بين يديه، و خدم كما جرت العادة لمثله، فقال له أمير المؤمنين في مبدأ خطابه:

تلق هذه النعمة بشكرك، و اتق الله تعالى في سرك و جهرك، و كان هذا التشريف: سبع دراريع مختلفات الأجناس، و السابعة منها سوداء، و تاجا مرصعا، و سوارين، و طوق ذهب، و لما جلس على الكرسي المعد له، و قبل الأرض، قال له أمير المؤمنين: من لم يحسن سياسة نفسه، لم يصلح لسياسة غيره، قال الله تعالى ذكره: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ (1)، فأعاد الوزير عليه ذلك بالفارسية، فأكثر من الدعاء له، و الثناء عليه، و استدعى أمير المؤمنين السيفين المعدين له، فقلده بهما، و اللوائين، فعقدهما له بيده، و سلم إليه السلطان داود بن محمود ابن أخيه‏ (2)، و أتابكه آق سنقر، و أكد الوصية عليه في بابهما، و إجمال الرعاية لهما، و استحلفه على الوفاء بما قرره في بابهما، و قال أمير المؤمنين: انهض و خذ ما آتيتك [بقوة] (3) و كن من الشاكرين، و توجه السلطان مسعود بعد ذلك إلى ناحية أذربيجان في أول شهر ربيع الآخر من السنة، و قد انضم إليه (آق) سنقر الأحمديلي‏ (4) و خلق كثير من الأتراك.

و وردت الأخبار إلى بغداد بأن عسكر السلطان مسعود كسر عسكر السلطان طغرل بن محمد (5) بناحية همذان في ثامن عشر رجب من‏

____________

(1) القرآن الكريم- الزلزال: 7- 8.

(2) في الأصل أخاه، و هو خطأ صوابه ما أثبتنا.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين اعتمادا على ما جاء القرآن الكريم: البقرة: 63، 93: الأعراف:

145- 171.

(4) في الأصل سنقر و أحمديلي، و هو تصحيف قوم من الكامل لابن الأثير: 8/ 339.

(5) في الأصل «ابن محمود» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 339- 340.

384

السنة، و تفرق عسكره في البلاد، و عاد السلطان مسعود إلى (131 و) منزله، و خطب له في جامع همذان.

و في هذه السنة عزم شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك على قصد حماة لمنازلتها، و استعادتها من أيدي الغالبين عليها، و ملكتها، و قد كان أخفى هذا العزم في نفسه، و لم يظهر عليه غيره، و شرع في التأهب لذاك و الاستعداد للمصير إليها، و قد كانت الأخبار انتهت إلى الحافظ لها بهذا الاعتزام، فبالغ في التحصين لها، و التأهب للذب عنها، و المراماة دونها، و أعد لذلك كل آلة يحتاج إليها، و يعتمد عليها، و انتهى الخبر بهذه الحال إلى شمس الملوك، فلم يحفل بهذا الأمر و لا ثبطه عنه، بل برز في العشر الأخير من شهر رمضان سنة سبع و عشرين.

و لم يبق من مقدمي أمرائه و خواصه إلا من أشار عليه بإبطال هذه الحركة، و استوقف عزمه عنها، و هو لا يحفل بمقال، و لم يسمع منه جواب خطاب، و قيل له: تمهل هذا إلى فراغ صوم هذه الأيام القلائل من هذا الشهر المبارك، و تقضي سنة العيد، و يكون التوجه بعده إلى ذلك المكان، فلم يصغ إلى أحد في هذا الرأي، و لا عمل بمشورة إنسان، و بنى أمره على قصدها، و أهلها غارون، و من بها من الحماة غافلون، لتحققهم أنه لا ينهض أحد في هذا الأيام إلا بعد العيد و ترفيه الجند، ثم إنه رحل في الحال إليها، و أغذ السير حتى نزل عليها، و هجم في يوم العيد على من فيها، فراعهم ما أحاط من البلاء بهم، و زحف إليهم من وقته في أوفر عدة، و أكمل عدة، فتحصنوا بالدروب و الرحال، و صبروا على الرشق بالسهام و النبال، و عاد العسكر في ذلك اليوم، و قد نكا فيهم نكاية ظاهرة من القتل و الجرح و النهب و السلب، و باكرهم من غده في الفارس و الراجل، و فرقهم حول البلد من جميع نواحيه، ثم زحف في خواصه من الغلمان الأتراك، و جماعة وافرة من الرجالة و الخيالة الفتاك، و استرق موضعا من حماة، قصد إليه و عول في هجم البلد عليه، و شد

385

على من به من الحماة، و الرماة، فاندفعوا بين يديه، و هجم البلد نفسه من ذلك المكان، و لاذ من بها بالأمان، و ترامى إليه جماعة من حماتها مستأمنين، فأمنهم، و خلع عليهم، و أحسن إليهم، و نادى بالكف عنهم، و رفع الأذية عن كافتهم، ورد ما نهب عليهم، فخرج إليه أكثر رجال القلعة طالبين الأمان، فخلع عليهم (131 ظ) و أمنهم، فحين رأى الوالي ذلك، و عرف عجزه عن المصابرة، طلب إيمانه فأمنه، و سلم القلعة بما فيها إليه، و حصلت مع البلد في يديه بأسهل أمر و أسرع وقت، فرتب لولايتها من اعتمد عليه، و سكن في حفظها إليه، و رحل عنها و قصد شيزر، و نزل عليها، و أمر بالعيث و الفساد في نواحيها، و لم يزل على هذه الحال، إلى أن لوطف و استعطف بما حمل إليه، و رحل عائدا إلى دمشق، و دخلها مسرورا ظافرا، في ذي القعدة من السنة.

و من اقتراحات شمس الملوك، الدالة على قوة عزيمته، و مضاء همته، و مستحسن ابتدائه، ما أحدثه من البابين المستجدين، خارج باب الحديد من القلعة بدمشق: الأوسط منها و باب جسر الخندق منها، و هو الثالث لها، أنشأهم في سنة سبع و عشرين و خمسمائة، مع دار المسرة بالقلعة، و الحمام المحدثة من شامها، على قضية اخترعها، و بنية اقترحها، و صفة آثرها، فجاءت في نهاية الحسن و الطيبة و التكوين و الاعتدال، و فرغ منها في أوائل سنة ثمان و عشرين و خمسمائة.

و فيها [ورد] (1) الأمير المنتضى أبو الفوارس و ثاب بن مسافر الغنوي، رسولا من مصر في يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة منها، بجواب ما كان صدر من مكاتبة شمس الملوك، و أوصل ما صحبه من الخلع السنية، و أسفاط الثياب المصرية، و الخيل و المال، و قرى‏ء الكتاب الوارد على يده، و لم يزل مقيما إلى أن تسهل مسيره، فعاد منكفئا سنة سبع و عشرين في يوم السبت لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول منها.

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

386

و في ذي الحجة منها وردت الأخبار بوصول عسكر وافر من التركمان إلى ناحية الشمال، و أنهم غاروا على طرابلس، و أعمالها من معاقل الأفرنج، فظفروا بخلق كثير منهم قتلا و أسرا، و حصل لهم من الغنائم و الدواب الشي‏ء الكثير، و أن صاحب طرابلس بنص طلولا بن‏ (1) بدران الصنجيلي خرج إليهم فيمن حشده من أعماله، و لقي عسكر التركمان فكسروه، و أظفرهم الله بحشده المفلول، و جمعه المخذول، و قتل أكثر رجاله و جل حماته و أبطاله، و انهزم في نفر قليل من [أصحابه إلى‏] (2) الحصن المعروف ببعرين‏ (3)، فالتجأوا إليه، و تحصنوا به، و نزل عسكر الأتراك عليه، و أقاموا محاصرين له أياما كثيرة، حتى نفد ما فيه من القوت (132 و) و الماء بحيث هلك منهم، و من خيلهم الأكثر، فأعملوا الحيلة، و استغنموا الغفلة، و انتهزوا الفرصة، و خرجوا في تقدير عشرين، مع المقدم، فنجوا و وصلوا إلى طرابلس، و كاتب ملك بنص طلولا صاحبها، ملك الأفرنج بعكا يستصرخ به و بمن في أعماله، و يبعثهم على نصرته، فاجتمع إليه من الأفرنج خلق كثير، و نهضوا إلى التركمان لترحيلهم عن حصن بعرين، و استنقاذ من بقي فيه منهم، فلما عرفوا عزمهم و قصدهم، زحفوا إلى لقائهم فقتلوا منهم جمعا كثيرا، و أشرف التركمان على الظفر بهم و النكاية فيهم، لولا أنهم اندفعوا إلى ناحية رفنية، فاتصل بهم رحيلهم عنها، و عودهم على طريق الساحل، فشق ذلك عليهم، و أسفوا على ما فاتهم من غنائمهم، و تفرقوا في أعمالهم.

و في هذه السنة، عرض لكريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق، وزير شمس الملوك، مرض حاد، لم يزل به إلى أن توفي إلى رحمة الله في يوم الأحد الحادي و العشرين من ذي الحجة منها، فحزن له الناس و تفجعوا

____________

(1) هو بونز بن برتران- انظر طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي: 151.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق، انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 241.

(3) بعرين الآن إحدى قرى محافظة حماة، تابعة لمنطقة مصياف، و هي تبعد عن مدينة حماة/ 42 كم/ و عن بلدة مصياف/ 17 كم/. التقسيمات الإدارية في الجمهورية العربية السورية: 144.

387

بوفاته، و تأسفوا عليه لحسن طريقته، و مشكور أفعاله، و حميد خلاله، و كان محبا للخير متمسكا بالدين، مواظبا على تلاوة القرآن الكريم.

و في صفر من السنة نهض صاحب بيت المقدس ملك الأفرنج في خيله، إلى أطراف أعمال حلب، و وصل إلى موضع يعرف بنواز (1)، فنهض إليه الأمير سوار النائب في حلب في عسكر حلب، و ما انضاف إليه من التركمان، فالتقوا و تحاربوا أياما، و تطاردوا إلى أن وصلوا إلى أرض قنسرين، فحمل الأفرنج عليهم فكسروهم كسرة عظيمة، قتلوا فيها من المسلمين تقدير مائة فارس، فيهم جماعة من المقدمين المشهورين المذكورين‏ (2)، و قتل من الأفرنج أكثر من ذلك، و وصل الفل إلى حلب، و تم الأفرنج إلى قنسرين، ثم إلى المقاومة (3) ثم إلى نقرة الأحرين‏ (4) فعاود الأمير سوار النهوض إليهم من حلب في من بقي من العسكر و الأتراك فلقوا فريقا من الأفرنج فأوقعوا به و كسروه و قتلوا منه تقدير مائة فارس فانكفأت الأفرنج هزيما نحو بلادهم و عاد المسلمون برؤوس القتلى و القلائع إلى حلب فانجلت تلك الغمة بتسهل هذه النعمة، و وصل الملك إلى أنطاكية.

و انتهى إلى (132 ظ) سوار خبر [غارة] (5) خيل الرها، فنهض الأمير سوار و حسان البعلبكي، فأوقعوا بهم و قتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال، و أسروا من وقع في أيديهم حيا، و عادوا إلى حلب ظافرين سالمين، و معهم الأسرى و الرؤوس.

____________

(1) في ياقوت هي إحدى قرى جبل السماق من أعمال حلب.

(2) ذكر بعضهم ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 252.

(3) كذا بالأصل و لم أهتد إلى هذا الموقع.

(4) كذا بالأصل، و النقرة موقع خارج حلب، و قد اكتفى ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 252 بالقول: «و تحول الفرنج إلى النقرة فصابحهم سوار و العسكر فأوقعوا بسرية منهم، فقتلوهم و عادوا برؤوسهم و أسرى منهم».

(5) أضيف ما بين الحاصرتين توضيحا، انظر زبدة الحلب: 2/ 252.

388

سنة ثمان و عشرين و خمسمائة

و في هذه السنة نهض شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك في عسكره إلى شقيف تيرون‏ (1) الذي في الجبل المطل على ثغر بيروت و صيدا، فملكه و انتزعه من يد الضحاك بن جندل التيمي، المتغلب عليه في يوم الجمعة لست بقين من المحرم منها.

و في هذه السنة خرج شمس الملوك إلى المتصيد، أواخر شهر ربيع الآخر، بناحية صيدنايا (2) و عسال، فلما كان يوم الثلاثاء التاسع منه، و قد انفرد من غلمانه و خواصه، و ثب عليه أحد مماليك جده ظهير الدين أتابك، من الأتراك يعرف بايلبا، و قد وجد منه خلوة و فرصة بالسيف و ضربه ضربة هائلة يريد بها قطع رأسه، فقضى الله تعالى بالسلامة، فانقلب السيف في يده و لم يعمل شيئا، و رمى بنفسه إلى الأرض في الحال، و ضربه ثانية فوقعت في عنق الفرس، فأتلفه، و حال بينه و بينه الفرس إلى أن تكاثر عليه الغلمان، و توافوا إليه فانهزم و أنهض في إثره من الخيل من يقفوه و يطلبه و يتوثق منه، و عاد إلى البلد، و قد اضطرب الأمر فيه عند إشاعة هذه الكائنة، فسكنت النفوس بسلامته، وجد المنهضون في طلبه من الخيل و الغلمان، و البحث عنه في الجبال و الطرقات و المسالك، إلى أن لحقوه، فجرح جماعة بالنشاب إلى أن أمسكوه، فلما أحضروه إلى شمس الملوك، و قرره و سأله: ما الذي حملك على هذا الفعل؟ فقال: لم أفعله إلا تقربا إلى الله تعالى بقتلك، و راحة الناس منك، لأنك قد ظلمت المساكين و الضعفاء من الناس، و الصناع و المتعيشين و الفلاحين، و امتهنت العسكرية و الرعية، و ذكر

____________

(1) قال عنها أبو الفداء في تقويم البلدان: 244- 245: «هي قلعة منيعة، ناقلة عن البحر، و هي عند صفد على مسيرة يوم في سمت الشمال».

(2) ما زالتا تعرفان باسميهما و تتبعان محافظة دمشق، و تبعد صيدنايا عن دمشق/ 28 كم/ و تعرف عسال الآن باسم عسال الورد و تبعد عن دمشق 125 كم.

389

جماعة من الغلمان أبرياء، أوقعهم في التهمة، بأنهم وافقوه على هذا، فقبض عليهم و أضافهم إليه، و قتل الجميع في الحال صبرا، و لامه الناس على ذلك [حيث قتل‏ (1)] هؤلاء الغلمان بقول هذا الجاني من غير بينة قامت (133 و) و لا دلالة ظهرت، و لم يكفه قتل من قتل ظلما، حتى اتهم أخاه سونج بن تاج الملوك، فقتله، و هو كبيره، أشنع قتله بالجوع في بيت‏ (2) و بالغ في هذه الأفعال القبيحة، و الظلم، و لم يقف عند حد.

و في يوم السبت الرابع من جمادى الأولى، من السنة، وصل أثير الملك أبو علي الحسن بن أقش رسولا من الدار العزيزة النبوية المسترشدية، و على يده برسم شمس الملوك التشريف الإمامي المندوب لإيصاله إليه، و إفاضته عليه، و وردت المكاتبات على يده عن الوزير شرف الدين أبي القاسم علي بن طراد النقيب الزينبي، وزير الخليفة، و كان معزولا عن الوزارة، فأعيد إليها في شهر ربيع الأول سنة ثمان و خمسمائة، و صرف عنها الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد صرفا جميلا.

و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر، بالخلف الحادث بين ولدي الإمام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد أمير المؤمنين:

أبي علي الحسن ولي عهد المسلمين، و أخيه أبي تراب حيدرة ابني الحافظ، و اقتسام الأجناد فرقتين إحداهما مائلة إلى مذهب السنة و أهله، و الأخرى إلى مذهب الاسماعيلية و حزبه، و استعار نار الحرب بينهما، و استظهار حزب السنة على حزب الاسماعيلية، بحيث قتل منهم خلق كثير، و كان أكثر القتل في الريحانية السودان، و استقام الأمر بعده لأبي علي الحسن، و تتبع من كان ينصر مذهب الاسماعيلية من المقدمين و الدعاة، و من يجري مجراهم، فأبادهم بالقتل و التشريد، و صلحت‏

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان: 1/ 148.

(2) «تركه في بيت ورد عليه الباب فمات جوعا» مرآة الزمان: 1/ 148.

390

الأحوال، و استقامت أمور الأعمال، بعد الاضطراب و الاختلال، و ورد كتاب الحافظ لدين الله إلى شمس الملوك بهذه الحال، في أواخر ذي الحجة من السنة، بما تجدد عنده من هذه النعمة (1).

و في ذي القعدة من السنة انتهت الأخبار إلى شمس الملوك، من ناحية الأفرنج باعتزامهم على نقض المستقر من الهدنة، و قبيح الموادعة المستمرة، و تأهبهم للجمع و الاحتشاد، و قصد الأعمال الدمشقية بالعيث و الفساد، فحين عرف شمس الملوك هذه الحال، شرع في جمع الرجال، و استدعى التركمان من جميع الأعمال، و اتصل به نهوض الأفرنج إلى ناحية حوران فبرز في (133 ظ) العسكر، و توجه إليهم، و خيم بإزائهم، و شرعوا في إخراب أمهات الضياع الحورانية، و وقع التطارد بين الفريقين، و كان الأفرنج في جمع كثيف من الخيل و الرجل، بحيث حصروهم في منزلهم، لا يخرج منهم فارس و لا راجل، إلا رشقته السهام، و اختطفه الحمام، و أقامت المناوشة بين الفريقين عدة أيام، ثم أغفلهم شمس الملوك، و نهض في فريق وافر من العسكر، و هم لا يشعرون، و قصد بلادهم: عكا و الناصرة و ما جاورهما، و طبرية و ما والاها، فظفر بما لا يحصى كثرة من المواشي و العوامل، و النسوان و الصبيان و الرجال، و قتل من صادفه و سبى من ظهر له، و أحرق ما وجده، و امتلأت أيدي التركمان من غنائمهم، و اتصل الخبر بالأفرنج، فانخذلوا و قلقوا و انزعجوا، و أجفلوا في الحال من منزلهم طالبين أعمالهم، و عرف شمس الملوك ذاك، فانكفأ إلى مخيمه على طريق الشعراء سالما في نفسه و جملته، ظافرا غانما و وصل الأفرنج إلى أعمالهم، فشاهدوا ما حل بها و نزل بأهلها من البلاء، فساءهم ذاك وفت في أعضادهم و انفلت شكتهم، و انقضت شوكتهم، و تفرق شملهم، و ذلوا و طلبوا تقرير الصلح بينهم، و عاد شمس الملوك إلى دمشق مسرورا في آخر ذي الحجة من السنة.

____________

(1) انظر اتعاظ الحنفا: 3/ 149- 155.

391

و فيها وردت الأخبار باجتماع الأمير عماد الدين أتابك، و الأمير حسام الدين تمرتاش بن إيل غازي بن أرتق على بلاد الأمير داود بن سكمان بن أرتق، و نهض إليهما في عسكره، و التقى الفريقان على باب آمد، فانهزم داود، و انفل عسكره، و أسر بعض أولاده و قتل جماعة من أصحابه، و ذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة، و نزل على آمد و حصرها، و قطع شجرها، و لم يحصل منها على طائل، فرحل عنها.

و وردت الأخبار بأن عماد الدين أتابك، نزل على القلعة المعروفة بالصور (1) و ضايقها و افتتحها في رجب من السنة.

و فيها ورد الخبر من ناحية بغداد بوقوع النار في بعض محالها، فاحترق الخان المشهور بمخازن التجار، و كثير من الأسواق، و تلف للتجار الحاضرين و الغائبين من جميع الجهات ما لا يحصى من أموالهم و بضائعهم.

و فيها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك استوزر ضياء الدين (134 و) أبا سعيد الكفرتوثي، و هو مشهور بحسن الطريقة و الكفاية، و حب الخير و المقاصد السديدة، و المذاهب الحميدة.

و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرل ابن السلطان محمد بن ملك شاه (رحمه الله).

و فيها تواصلت الأخبار من ناحية الأمير عماد الدين أتابك، باعتزامه على التأهب لقصد مدينة دمشق لمنازلتها و محاصرتها، و أنه منصرف الهمة إلى الاستعداد لذلك‏ (2).

____________

(1) في الكامل لابن الأثير: 1/ 343 «قلعة الصور من ديار بكر».

(2) عزا ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 255- 256 سبب عزم زنكي إلى سوء الأوضاع الداخلية، و اضطراب أحوال اسماعيل و سفكه للدماء ثم مراسلته زنكي يعرض عليه تسليمه البلد وفق شروط.

392

سنة تسع و عشرين و خمسمائة

في أول من المحرم هرب الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق، إلى تدمر خوفا من شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري.

كان الحاجب المذكور في حياة (1) تاج الملوك متمكن الرتبة عنده، مقبول الرأي فيما يرومه، و قد صرف همه، و وكده إلى تطلب معقل حصين يعده لنائبه تنوب، و خطب من خطوب الزمان يتجدد، و اتفق أن الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك المقيم بتدمر، قد سئم المقام بها، و ضجر من كونه فيها، و ارتاحت نفسه إلى دمشق و الإقامة فيها، و جعل يراسل أباه تاج الملوك، و يسأله نقله عنها، و لم يزل إلى أن أجيب إلى مقترحه و أسعف بمطلبه، فوجد يوسف بن فيروز الغرض الذي يتطلبه، قد تسهلت أسبابه، فشرع في الحديث فيه، و الخطاب بسببه، و الاستعانة بمن يعينه على ذلك من المقدمين و الوجوه، إلى أن تسهل الأمر، و أجيب إليه و عول في تولي أمر تدمر عليه، و تسلمها و حصلت في ولايته، و رتب فيها ولده مع من وثق به في حفظها، و الذب عنها من ثقات أصحابه و أمناء نوابه، و شرع في تحصينها و رمرمتها، و لم شعثها و شحنها بالغلة و العدد، و حصل فيها كل ما يحتاج مثلها إلى مثله، فلما عرف من شمس الملوك التنكر عليه، و ظهر له فساد نيته فيه، و بان ذلك له من ثقات يسكن إليهم، و لا يشك فيهم، و حمله الخوف من العاجلة له، و الإيقاع‏ (2) به، فهم بالهروب إلى تدمر، و ترقب الفرصة في ذلك إلى أن اتفق لشمس الملوك في بعض الجهات خروج، فخرج من البلد آخر النهار، و سره مكتوم عن الخل و الجار، و قصد ضيعته لمشاهدتها، (134 ظ) و قد استصحب خواص أصحابه و غلمانه، ثم تم على حاله مغذا في سيره، مجدا في قصده إلى أن حصل بتدمر، آمنا مما توقاه، ظافرا بما رجاه، و ظهر خبره‏

____________

(1) في الأصل: جاء و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

(2) قيل بأن شمس الملوك اتهم يوسف بوالدته. زبدة الحلب: 2/ 256.

393

في غد ذلك اليوم، فحين عرف شمس الملوك جلية حاله، ضاق صدره لإفلاته من يده، و تضاعف ندمه لفوات الأمر فيه، و كاتبه بما يطيب نفسه، و يؤنسه بعد استيحاشه، فلم يصغ إلى ذلك، بل أجابه جواب الخاضع، و الطائع، و العبد الناصح، و المستخدم المخلص، و يقول: «إنني في هذا المكان خادم في حفظه، و الذب عنه»، فلما وقع اليأس، و علم أن المقال لا ينجع، حنق عليه، و ذكره بكل قبيح، و أظهر ما يسره في نفسه، و لم يعرض لشي‏ء من ملكه و داره، و إقطاعه و أهله و أسبابه، و تجدد بعد ذلك ما يذكر في موضعه، و كان هروبه في ليلة الجمعة لليلة خلت من المحرم سنة تسع و عشرين و خمسمائة، من الضيعة الجارية في إقطاعه، المعروفة بالمنيحة (1) من الغوطة.

و في هذه السنة شاعت الأخبار في دمشق بين خاصتها و عامتها، عن صاحبها الأمير شمس الملوك أبي الفتح اسماعيل بن تاج الملوك بوري ابن ظهير الدين أتابك، بتناهيه في ارتكاب القبائح المنكرات، و إيغاله في اكتساب المآثر المحظورات، الدالة على فساد التصور و العقل، و صداء الحس و ظهور الجهل، و تبلد الفهم، و حب الظلم، و عدوله عما عرف فيه من مضاء العزيمة في مصالح الدين، و المسارعة إلى الجهاد في الأعداء الملحدين، و شرع في مصادرات المتصرفين، و العمال، و تأول المحال على المستخدمين في الأعمال، و استخدم بين يديه كرديا، جاءه من ناحية حمص، يعرف ببدران الكافر، لا يعرف الإسلام، و لا قوانينه، و لا الدين و شروطه، و لا يرقب في مؤمن و لا ذمة، و نصبه لاستخراج مال المصادرين من المتصرفين، و الأخيار المستورين بفنون قبيحة اخترعها في العقوبات، و أنواع مستبشعة في التهديد لهم و المخاطبات و ظهر من شمس الملوك، مع هذه الحال القبيحة، و الأفعال الشنيعة، بخل زائد و اسفاف نفس إلى الدنايا متواصل، بحيث لا يأنف من تناول الخسيس‏

____________

(1) لعلها القرية المعروفة الآن باسم «المليحة» في الغوطة الشرقية، و تبعد عن دمشق مسافة/ 12 كم/.

394

الحقير بالعدوان، و أخذه من غير وجهه بالعتو و الطغيان، و أشياء من هذا الباب لا حاجة إلى ذكرها لإشاعتها، و اشتهار أمرها، بحيث أنكرت من أفعاله، و استبشعت (135 و) من أمثاله، و لم يكفه ما هو عليه من هذه الأفعال الذميمة، و الخصال المكروهة، حتى أسر في نفسه مصادرة كفاته من الكتاب، و خواصه من الأمراء و الحجاب، و عزم على الابتداء أولا بالحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز، أحظى من كان عند أبيه أولا، و عنده ثانيا و اشتهر عنه حتى هرب إلى تدمر منه، و رأى الغنيمة الكبرى ببعده من شره، و راحته من نظره، و كاتب في أثناء هذا الاختلال و الاضطراب الأمير عماد الدين أتابك، حين عرف اعتزامه على قصد دمشق، لمنازلتها و مضايقتها، و الطمع في ملكتها، يبعثه على سرعة الوصول إليها، ليسلمها إليه طائعا، و يمكنه من الانتقام من كل من يكرهه من المقدمين و الأمراء و الأعيان بإهلاكهم و أخذ أموالهم، و إخراجهم من منازلهم، لأمر تصوره، و هذيان في نفسه قرره، و تابع الكتب إليه بالمسألة في الإسراع و البدار، و ترك التلوم و الانتظار، و يقول له في أثناء هذا المقال: «و ان اتفق إهمال لهذا الأمر، و إغفال أو إمهال، أحوجت إلى استدعاء الأفرنج من بلادهم، و سلمت إليهم دمشق بما فيها، و كان إثم دم من بها في رقبته»، و أسر ذلك في نفسه، و لم يبده لأحد من وجوه دولته، و أهل بطانته، و كانت كتبه بذلك، بخط يده، و شرع في نقل المال و الأواني، و الثياب من خزانته إلى حصن صرخد، حتى حصل الجميع به، ظنا منه أنه يفوز به، و يهلك جميع الناس من بعده.

فلما بدأ هذا الأمر يظهر، و السر فيه ينتشر، شرع في القبض على أصحابه و كتابه و عماله، و غيرهم من أهل دمشق، و مقدمي الضياع، و امتعض الأمراء و المقدمون و وجوه الغلمان الأتابكية، و كافة العسكرية و الرعية، من هذا الفعل، و أشفقوا من الهلاك و البوار إن تم هذا التدبير المذموم، لما يعلمون من أفعال عماد الدين أتابك إذا ملك البلد، فأجروا

395

الحديث فيما بينهم سرا، و أنهوا الحال فيه إلى والدته الخاتون صفوة الملك، فقلقت لذاك، و امتعضت منه، و استدعته و أنكرته و استبشعته، و حملها فعل الجميل، و دينها القويم و عقلها الرصين على النظر في هذا الأمر، بما يحسم داءه، و يعود بصلاح دمشق و من حوته، و تأملت الأمر في ذلك تأمل الحازم الأريب، و المرتأي (135 ظ) المصيب، فلم تجد لدائه دواء، و لا لنفسه شفاء إلا بالراحة منه، و حسم أسباب الفساد المتزايد عنه، و أشار عليها وجوه الغلمان و أكابرهم بذاك و استصوبوا رأيها فيه، و بعثوها على العاجلة له، قبل ظهور الشر، و فوات الأمر، و أنه لا ينفع فيه أمر، و لا ينجع معه وعظ، فصرفت الهمة إلى مناجزته، و ارتقبت الفرصة في خلوته إلى أن تسهل الأمر المطلوب، عند خلوته من غلمانه، و سلاحيته، فأمرت غلمانها بقتله، و ترك الإمهال له، غير راحمة له، و لا متألمة لفقده، لما عرف من قبيح فعله، و فساد عقله، و سوء سيرته، و مذموم طريقته، و أوعزت بإخراجه حين قتل، و إلقائه في موضع من الدار، ليشاهده غلمانه و أصحابه، و كل سر بمصرعه، و ابتهج بالراحة منه، و بالغ في شكر الله تعالى على ما سهله فيه، و أكثر الدعاء لها، و الثناء عليها، و ذلك ضحى نهار يوم الأربعاء الرابع عشر من ربيع الآخر سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و قد كان مولده ليلة الخميس السابع بالعدد من جمادى الآخرة سنة ست و خمسمائة في الساعة الثانية منها، و الطالع برج السرطان أو المشتري فيه كمح مح و المريخ في السنبلة، و الزهرة في الخامس، و العقرب و الشمس في السادس من القوس، و القمر و زحل في التاسع، و سهم السعادة في العاشر.

و قد كان المعروف ببدران الكافر، لعنه الله في يوم الثلاثاء المتقدم ليوم الأربعاء، الذي قتل فيه، قد راح من بين يديه بعد أن أسر إليه بشر يعمل عليه، فلما حصل في بيته وقت الظهر من يومه المذكور، أرسل الله تعالى ذكره، عليه آفة عظيمة، أخذت بأنفاسه و ربا لسانه حتى ملأ فاه،

396

و هلك من وقته، و كانت الكائنة في غده فبالغ الكافة في حمد الله تعالى، و شكره على هذه الآية الباهرة، و القدرة الظاهرة، و واصلوا تسبيحه و تقديسه و تمجيده، فسبحان مالك الأمر و مدبر الخلق، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

و في الوقت نودي بشعار أخيه الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك ابن أتابك، و جلس في منصبه، بمحضر من والدته خاتون صفوة الملك، و حضر الأمراء و أماثل الأجناد، و أعيان الرعية، فسلموا عليه بالإمرة، و استحلفوا على الطاعة (136 و) له و لوالدته، و المناصحة في خدمتهما، و النصرة لأوليائهما، و المجاهدة في أعدائهما، و حلف كل منهم بانشراح من صدره، و انفساح من أمله، و ظهر من سرور الكافة خاصيها و عاميها، بهذه النوبة السعيدة، و الأفعال الحميدة، ما يزيد على الوصف، و أيقنوا بالخلاص من المكروه الذي أشرفوا عليه، و استقامت الأحوال، و تحققت الآمال.

و تتابعت المكاتبات في أثناء ذلك، من سائر الجهات، بوصول عماد الدين، في عسكره، و قطعه الفرات مجدا لتسلم دمشق، من شمس الملوك صاحبها، و وصلت رسله لتقرير الأمر، فصادفوا الحال بالضد، و التدبير بالعكس، إلا أنهم أكرموا و بجلوا، و أحسن إليهم، و أعيدوا بأجمل جواب، و ألطف خطاب، و أعلم عماد الدين جلية الحال، و اتفاق الكلمة في حفظ الدولة و الذب عن الحوزة، و البعث على إجمال الرعاية، و العود على أحسن نية.

فلما انتهى إليه الجواب، و وقف عليه، لم يحفل به، و لا أصاخ إلى استماعه، فأوهمته نفسه بالطمع في ملكة دمشق، ظنا منه بأن الخلف يقع بين الأمراء و المقدمين من الغلمان، فكان الأمر بخلاف ما ظن، و واصل الرحيل و اغذاذ السير إلى أن وصل إلى ظاهر دمشق، و خيم بأرض عذراء إلى أرض القصير، في عسكر كثيف الجمع، عظيم السواد، في أوائل جمادى الأولى من سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و قد كان التأهب له مستعملا عند

397

ورود أخبار عزيمته، و أجفلت الضياع، و حصل أهلها في البلد، و وقع الاستعداد لمحاربته و اللقاء عند منازلته، و الاجتماع على صده، و دفعه، و لم تزل الحال على هذه القضية، و الانتصاب بإزائه على هذه السجية، و قد أشعرت النفوس من شدة البأس، و الصبر على المراس، للقائه و التأهب لزحفه، و دنوه من البلد، و قربه، و قد كان رحل عن عذراء و نزل تحت العقبة القبلية، و كان يزحف في عسكره، و قد فرقه في عدة مواضع كالمراكب، حتى تقرب من البلد، فيشاهد كثرة من يخرج من البلد و العسكرية، و أحداث الرعية بالسلاح الشاك، و امتلأ المصلى و سائر الأماكن، و الكمناء في جميع المسالك ما يروعه و يصده عن الزحف، و في كل يوم يصل من مستأمني عسكره جملة وافرة، مع ما ينهب من خيولهم، و يقلع من فوارسهم (136 ظ) فلما طالت الأيام عليه، و لم يحصل على طائل مما حاول، و لا مرام، راسل في طلب الصلح، و الدخول في طاعته، و التمس خروج الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك إليه لوطء بساط ولد السلطان الواصل معه، و يخلع عليه، و يعيده إلى بلده، و أجمل الخطاب في ذلك و الوعد، فلم يجب إلى خروج شهاب الدين، و تقررت الحال على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه بن تاج الملوك، و وافق ذلك وصول الرئيس بشر بن كريم بن بشر، رسولا من الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين إلى عماد الدين أتابك، بخلع أعدت له، و الأمر بالرحيل عن دمشق، و ترك التعرض لها، و الوصول إلى العراق لتولي أمره، و التدبير له، و أن يخطب للسلطان ألب أرسلان المقيم بالموصل.

و دخل الرسول المذكور، و القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري إلى دمشق، لتقرير الأمر و لإحكام القاعدة في الجمعة، في الثامن و العشرين من جمادى الأولى، فتقرر الأمر، و وكدت الأيمان، و حضرا الجامع لصلاة الجمعة، و خطب للسلطان ألب أرسلان على المنبر، بأمر أمير المؤمنين، و عادا إلى العسكر الأتابكي، و خرج بهرام شاه فأكرمه و أعاده على أجمل قضية، و رحل في يوم السبت غد ذلك اليوم، منكفئا و القلوب قد أمنت‏

398

بعد الوجل، و النفوس قد سكنت بعد الاضطراب و الوهل، و الشكر له متواصل، و الثناء عليه متكامل، فلما حصل بحماة أنكر على شمس أمراء الخواص و اليها أمرا، ظهر له منه، و تزايد شكوى أهلها لأصحابه و نوابه، فعزله عنها، و قرر من رآه في ولايتها، و قد كان ظهر من الأمير ابن شجاع الدولة بزواج، و معين الدين أنر من حسن السياسة في تدبير العسكرية و الأجناد عند الترتيب في الحرب، ما وافق الأغراض، و طابق الإصابة و السداد، بحيث شكرا، و حمدت مقاصدهما.

و في ذي القعدة منها، وردت الأخبار من العراق باستشهاد الإمام الخليفة المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله أمير المؤمنين، رحمة الله عليه و رضوانه.

و قد مضى ذكر ما كان من الخليفة المفقود، في معنى السلطان مسعود ابن السلطان محمد (1) بن ملك شاه (137 و) من تقرير السلطنة له، ورد تدبير الأعمال و الأمر بالدعاء له، على منابر البلاد، و تشريفه بالخلع و الحملان الكامل، و عقيب هذا الفعل الجميل ظهر لأمير المؤمنين المسترشد بالله أمور أنكرها، و بلغته أسباب امتعض منها، و بدت منه أفعال أكبرها، فرام استعطافه و استعادته إلى الواجب المألوف في طاعة الخلفاء، فامتنع و حاول استمالته إلى الصواب المعروف في المناصحة، و حسن الوفاء فلم ينفع، و بعثه على الحق الذي هو خير من التمادي في الباطل، فلم يقبل، فأفضت الحال صرف الهمة العلية المسترشدية إلى مداواة هذا الداء، و الاستعداد له، إلى أن أعضل بالدواء، و لم ير فيه أنجع من التأهب لقصده، و الاحتشاد للإيقاع به و صده، لأن أخباره كانت متناصرة بعزمه على قصد بغداد، و الإخراب لها، و الإعاثة في نواحيها، فرأى الصواب في معاجلته، و مقابلة فعله بمثله.

و اتفق وصول جماعة من وجوه عسكره، و مقدمي جنده، لخدمة

____________

(1) في الأصل: ابن محمود بن محمد، و محمود زيادة فحذفت.

399

الخليفة، و المعاضدة له على محاربة عدوه، و شرعوا في تحريضه على البروز إليه، و المسارعة بالإطلال عليه، فتوجه نحوه في تجمل يعجز عنه الوصف، و يقصر دونه النعت، و قد اجتمع إليه من أصحاب الأطراف، و أصناف الأجناد، الخلق الكثير، و الجم الغفير، الذي بمثله قويت نفسه، و اشتد بأسه، و لم يشك أحد في أنه الظافر به، و المستولي على حزبه، فلما قرب من مخيمه بناحية همذان، و وقع العيان على العيان، زحف إليه في عسكره، و التقى الجمعان، و اتفق للقضاء المكتوب، و القدر المحجوب أن أمراء الأتراك الواصلين لخدمة الخليفة، في عسكره خامروا عليه، بمواطأة كانت، و تقريرات تقررت و بانت، فانقلبوا عنه و أسلموه، و عملوا عليه و أغنموه، بحيث تفرقت عنه حماته، و خذله أبطاله و كماته، و ثبت هو و خواصه في المصاف، يقاتلون و لا يولون إلى أن انفل عنه حزبه، و ضعف أمره، و غلب على نفسه، فأخذوه و وزيره النقيب، و كاتبه سديد الدولة ابن الأنباري، و صاحب مخزنه و خدمه و خاصته، و حملوه مع أصحابه المذكورين إلى خيمة، و وكل بجماعة من يحفظهم، و يتوثق منهم، (137 ظ) و يحتاط عليهم.

و كتبت المطالعات إلى السلطان سنجر بن ملك شاه، صاحب خراسان بصورة الحال، و الاستئذان بما يعتمد في بابه، و وعد السلطان مسعود الخليفة و من معه بالإطلاق، و إعادتهم إلى بغداد، و تقرير أمر الخلافة على ما جرى به الرسم قديما، فلما عاد الجواب من السلطان سنجر في هذا الباب، و تقرير ما اقتضاه الرأي في أمر الخلافة بين السلطانين المذكورين، ندب عدة من الرجال، تقدير أربعة عشر رجلا، نسبوا إلى أنهم من الباطنية، فقصدوا الخليفة في خيمته، و هو مطمئن لا يشعر بما نزل به من البلاء، و أحاط به من محتوم القضاء، و هجموا عليه، فقتلوه في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، صبرا و قتلوا معه من أصحابه و فراشيه من دافع عنه و مانع دونه، و شاع الخبر بذاك بناحية مراغة على مرحلتين منها، و دفن بها، و استبشع الناس هذا

400

الفعل الشنيع، و القصد الفظيع، في حق خليفة الزمان، و ابن عم رسول الله، عليه أفضل الصلاة و الرضوان، و أكبروا الجرأة على الله، و الإقدام على هذا المنكر في الإسلام، و الدم الحرام، و أطلقوا الألسنة بالدعاء، و الذم على من استحسن هذا الفعل القبيح، و دبر هذا الخطب الشنيع، و تيقن كل إنسان من الخاص و العام أن الله تعالى لا يمهل المقدم، و لا يغفل (عن) المجرى إليه، لأنه جلت قدرته لا يصلح عمل المفسدين، و لا يهدي كيد الخائنين، و لا يهمل عقوبة الظالمين.

و لما انتهى هذا الخبر إلى ولده، ولي عهده، تقدم بتحصين بغداد، و التأهب لدفع من يقصدها بسوء من الأعداء و المخالفين، و بويع بالخلافة في يوم السبت السابع و العشرين من ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و لقب بالراشد بالله أبي جعفر المنصور ابن المسترشد بالله أمير المؤمنين، و جلس في منصب الخلافة في ذي الحجة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و استقام له الأمر و توكدت له البيعة على الرسم، و وعد كافة الأجناد و العسكرية، و أماثل الرعية بما طيب نفوسهم، و شرح صدورهم، و أطلق مال النفقات و الواجبات على جاري العادة، فكثر الدعاء له، و الثناء عليه، و سكنت الدهماء

و إذا لم يكن من الموت بد* * * فمن الغبن أن تموت جبانا

(1) (138 ظ).

____________

(1) في تاريخ ميافارفين لابن الأزرق الفارقي، مواد و ثائقية حول الصراع بين الخليفة و السلطان، مع وصف المعركة بينهما و نتائجها، و قد أثبت المحقق الأول هذا النص في حواشي الكتاب، و لفائدته أبقيته، و قمت بضبطه على مصورة مخطوطة المتحف البريطاني الموجودة لدي، قال الفارقي: و قيل خرج في شعبان سنة تسع و عشرين و خمسمائة، قيل في ثمان و عشرين و خمسمائة، خرج الخليفة المسترشد من بغداد، و لقي السلطان مسعود بباب همذان إلى موضع يسمى دآي مرك قريب من جبل بهستون، و نهب العسكر، و كان جمع السلطان خلقا، فالتقوا بعسكر الخليفة و أسروه و أسروا أرباب المناصب كلها.

و لقد سألت السعيد مؤيد الدين أبا عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري، (رحمه الله)، في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة ببغداد، حين نزلت إليه في أيام السلطان محمود عن حال المسترشد و ما جرى، فقال رضي الله عنه: كان قد وقع بين السلطان و الخليفة في أيام السلطان محمود، و خرج و أسره مرتين، فلما ولي مسعود استطال نوابه على العراق، و عارضوا الخليفة في أملاكه، فوقعت الوحشة، و تجهز المسترشد و عزم على الخروج، و جد في ذلك، و اتفق أن بعض الأيام دخل الوزير شرف الدين الزينبي على بن طراد على الخليفة، و أنا معه و جمال الدين طلحة صاحب المخزن،-

401

سنة ثلاثين و خمسمائة

في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية العراق، بقتل الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، قتله السلطان مسعود بن محمد، لأمور أنكرها، و أسباب‏

____________

و كان الخليفة قد طرد أصحاب السلطان عن العراق، و رتب صاحب المخزن على دار السلطان للمظالم و البلد، فلما دخلنا ذلك اليوم قال له الوزير شرف الدين: يا مولانا إلى أين تمضي و بمن تعتضد و إلى من تلتجى‏ء، و بمن تنتصر؟ و مقامنا ببغداد أمكن لنا، و لا يقصدنا أحد إلا و فينا نحن الظهر، و العراق فيه لنا كفاية، فإن الحسين بن علي (عليهما السلام) لما خرج إلى العراق جرى عليه ما جرى، و لو أقام بمكة و المدينة ما اختلف عليه اثنان، و كان تابعه جميع الناس، فقال له الخليفة: ما تقول يا كاتب؟ فقلت: يا مولانا الصواب المقام، و ما رآه الوزير فهو الرأي، فلا يقدم علينا بالعراق أحد، و ليت بقي لنا العراق، فقال لصاحب المخزن: يا وكيل ما تقول؟ قال:

في نفسي ما في نفس مولانا- و كان هو قد حمله على الخروج- فقال المسترشد:

و إذا لم يكن من الموت بد* * * فمن الغبن أن تموت جبانا

قال مؤيد الدين: لما قتل المسترشد جاء السلطان مسعود و نفذ أحضرنا عنده، فحضر الوزير شرف الدين، و جمال الدين صاحب المخزن، و أنا، فلما حضرنا عنده، قال: ما الرأي و ما التدبير في أمر الخلافة، من ترون؟ فقال الوزير: يا مولانا الخلافة لولي العهد، و قد بايعه الناس، و جلس و استقر، و قد بويع له بولاية العهد، و الآن بعد قتل أبيه، فقال: ما إلى هذا سبيل أبدا و لا أقره عليها فإنه يحدث نفسه بالخروج مثل أبيه، و نحن كل يوم من حيث ولي المسترشد لم يزل يخرج علينا و كان خرج على أخي محمود مرتين، و علي مرة، و هذه أخرى ثم تم عليه ما تم، و بقيت علينا شناعة عظيمة و سبة إلى آخر الدهر، و يقولون: قتلوا الخليفة، و هم كانوا السبب في عود الخلافة إلى هذا البيت، لا أريد يجلس إلا من لا يداخل نفسه في غير أمور الدين، و لا يتخذ و لا يجمع و لا يخرج علي و لا على أهل بيتي، و في الدار جماعة، فاعتمدوا على شيخ منهم، صاحب عقل و رأي و تدبير، و يلزم نفسه ما يجب من طاعتنا، و لا يخرج من داره، و لا تعرجوا عن هارون ابن المقتدي، فهو شيخ كبير، و لا يرى الفتنة، و قد أشار به عمي سنجر، و كان في الدار في ذلك الوقت سبعة أخوة من أولاد المقتدي، و لهم أولاد و أولاد أولاد ... و من أولاد المستظهر سبعة أخوة ... و كان للمسترشد أولاد جماعة و للراشد، و له مقدار نيف و عشرين ولدا ...

و قال المؤرخ أيضا: قيل و نفذ السلطان مسعود إلى عمه سنجر، يأخذ أذنه فيمن يولي، فنفذ إليه يقول: لا تول إلا من يقع عليه رأي الوزير، و صاحب المخزن، و ابن الأنباري، فاجتمع السلطان بهم، و شاورهم، و أشار بهرون، و عرفهم ما أمرهم السلطان سنجر، و قال الوزير: إذا كان هذا الأمر يلزمنا فنحن نولي من نراه، و هو الزاهد العابد الدين الذي ليس في الدار مثله، قال السلطان: من هو؟ قال: الأمير أبو عبد الله بن المستظهر، فقال: و تضمنون ما يجري منه؟ فقال الوزير: نعم، و كان الأمير أبو عبد الله صهر الوزير شرف الدين على ابنته، فإنها دخلت ذات يوم في الدار، في زمن المستظهر، فرآها الأمير أبو عبد الله، فطلبها من أبيه فزوجه إياها، و كان شرف الدين إذ ذاك نقيب النقباء، و دخل بها، و بقيت عنده مدة، و ماتت عنده، فقال السلطان: ذاك إليكم، و اكتموا الحال لئلا ينمو الأمر فيقتل، ثم رحل السلطان يطلب بغداد و الوزير و الجماعة إلى بغداد و الوزير و نحن أجمع في صحبته ...

402

امتعض منها، نسبت إليه، و قيل إن هذا مكافأة من الله تعالى له، عما كان منه في عصيان الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، و السعاية في دمه، و كان هذا الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين (رحمه الله)، عالما تقيا فاضلا، حسن الخط، بليغا نافذا في أكثر العلوم، عارفا بالفتوى، و اختلاف الفقهاء، فيها، أشقر الشعر أشهل العينين، بوجهه نمش، و كانت مدة خلافته سبع عشرة سنة، و ما الله بغافل عما يعمل الظالمون.

و في شهر ربيع الأول منها تسلم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك، مدينة حمص، و قلعتها.

شرح الحال في ذلك‏

لما عرف من كان بحمص و قلعتها من أولاد خير خان بن قراجة، و خمارتاش الوالي من قبلهم فيها، ما استمر عليها، من مضايقة الأمير عماد الدين أتابك لها، و بذل جهده، و حرصه في تملكها و أخذها، و أخذه حماة المجاورة لها، وجده في طلبها، و إضعاف أهلها، و مواصلة الغارات عليها، و أنهم لا طاقة لهم بضبطها، لقلة القوت بها، و عدم الميرة فيها، أنفذوا رسلهم إلى شهاب الدين يلتمسون منه إنفاذ من يراه، لتسلم حمص و قلعتها، و يعوضهم عنها بما يتفق عليه الرأي، و توسط الحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز المقيم بتدمر الأمر في ذلك طمعا في الكون بها، و الانتقال من تدمر إليها، لكونها من الأماكن الحصينة، و القلاع المنيعة، و استأذن في الوصول إلى دمشق للحديث، و تقرير الحال في ذلك، فأذن له، و وصل إلى دمشق، و جرى في ذلك خطاب طويل، أفضى آخره إلى أن تسلم حمص و قلعتها إلى شهاب الدين، و تسلم إلى خمارتاش تدمر عوضا عنها، و وقع الشرط و اليمين على هذه الصفة، و برز شهاب الدين من دمشق في العسكر، و توجه إليها، فحين حصل بها نزل خمارتاش من القلعة و أولاد خيرخان و أهله بما يخصهم، و سلموها إليه فتسلمها يوم الأحد الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول‏

403

سنة ثلاثين و خمسمائة و حصل بها و رتب أمرها [138 ظ] و قرر ولايتها للحاجب يوسف بن فيروز، و أن يكون فيها نائبا عن الأمير معين الدين أنر الأتابكي، حسب ما تقرر، و كتب إلى الجهات و الأطراف بحمل الأقوات إليها، و التقوية لها بالميرة، و عاد شهاب الدين عنها بعد تقرير أمرها منكفئا إلى دمشق، و شرع الأمير سوار النائب عن عماد الدين في حلب، و من بحماة من قبله في الغارات على أعمال حمص، و رعي زرعها، و جرى في ذلك مراسلات و مخاطبات، أسفرت عن المهادنة و الموادعة، و المسالمة إلى أمد معلوم، و أجل مفهوم، بحيث انحسمت أسباب الفساد عن الجهتين، و استقامت أحوال الجانبين.

و في يوم الأحد الرابع و العشرين من جمادى الأولى من السنة، خلع شهاب الدين على أمين الدولة كمشتكين الأتابكي، والي صرخد و بصرى الخلع التامة، ورد إليه أسفهسلارية العسكرية، و خوطب بالأتابكية، و أنزل في الدار الكبيرة الأتابكية بدمشق، و حضر الناس لهنائه فيها، و أوعز إلى الكافة باتباع رأيه، و الامتثال لأمره.

و في يوم الأربعاء السابع و العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، قتل الحاجب يوسف بن فيروز، في ميدان المصلى بدمشق.

شرح السبب في ذلك‏

كان الحاجب يوسف بن فيروز المقدم ذكره، عند كونه في خدمة شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك، و تمكنه عنده، و ارتفاع طبقته لديه، قد اعتمد في حق مقدمي الغلمان الأتابكية ما أوحشهم منه، و بلغهم ما ضيق صدورهم عنه، و أسروا ذلك في نفوسهم، و أخفوه في قلوبهم، لا سيما ما قصده في نوبة الغلمان الذين قتلهم شمس الملوك مع أخيه سونج بن تاج الملوك، بسبب اتهامهم بكونهم مع إيلبا الغلام التركي- الذي كان وثب على شمس الملوك، و ضربه بالسيف طالبا

404

قتله، فسلمه الله و نجاه، حسب ما تقدم به الشرح- و كونه أكبر السعاة عليهم، و السبب في قتلهم، على عادة قد ألفيت من فعله، و طريقة قد عرفت من طبعه، و قد كان حصل بتدمر، و أهمل أمره، و نسي ما سبق به شره، فلما راسل من تدمر (1) يطلب الأذن في الوصول إلى دمشق، لتقرير أمر حمص، و أجيب إلى الأذن في ذلك، أنكر الأمير شجاع الدولة بزواج، و الحاجب سنقر، و أكابر الغلمان الأتابكية الأذن له في ذلك، و امتعضوا من وصوله كل الامتعاض (139 و)، لما عرفوا من سوء فعله، و مشهور سعيه، و ختله، و أشاعوا بينهم ما هم عازمون عليه من العمل على قتله، و نصحه أهل وده، و الإشفاق عليه، و المتقربين إليه بذاك، فأبى القبول منهم، و أخذ النصح منهم، و قويت نفسه على التغرير بها، و المخاطرة باتباع هواها، و تمسك بمدافعة الأمير معين الدين عنه، و المنع منه، لصداقة كانت بينهما، قد استحكمت قواها، و وصلة انعقدت و أحكمت عراها، و لما وصل إلى دمشق توثق لنفسه من الجماعة بأيمان سكنت إليها نفسه، و توكد معها أنسه، و قرر معه أنه يكون يحضر للسلام في كل يوم، و يعود إلى داره، و يقنع بالكون في ملكة دمشق، و التنقل منها إلى حمص، و لا يداخل نفسه في أمر غير ذلك.

فما هو إلا أن حصل بها، و جعل يدبر أمرا غير خاف، و يقرر تقريرا غير مكتوم و لا مستتر، فأثار بذلك ما كان في نفوس الغلمان كامنا، و حرك ما كان في القلوب ساكنا، و وجد الأمير بزواج‏ (2) و الغلمان السبيل إلى نقض ما عوهدوا عليه، باعتماده المخالفة لما قرره معه، و سكنوا إليه و لاحت الفرصة لهم فيه، و لما كان في اليوم المقدم ذكره، و قد تقرر الأمر بينهم على الفتك به، صادفه شجاع بزواج، المقدم ذكره في الميدان المجاور للمصلى بظاهر دمشق فماشاه ساعة بالحديث و قد خلا

____________

(1) في الأصل: من تدمر من يطلب، و من الثانية زيادة فحذفت.

(2) يرد رسم هذا الاسم في مرآة الزمان- بزواش.