رحلة في الجزيرة العربية الوسطى

- شارل هوبير المزيد...
166 /
55

فور وصولنا، قدم لنا شي‏ء من اللبن و الفاكهة: بطيخ و شمام لذيذان و عنب لم ينضج بعد.

حائل‏

في اليوم التالي انطلقنا في الرابعة و النصف صباحا و وصلنا بعد ساعتين إلى حائل‏ (1) عاصمة شمّر.

عند ما نصل من الشمال، تكون حائل مخفية، بفعل ارتفاع بزلتي يبلغ 100 متر بالحد الأقصى و يمتد من جبل أجا إلى جبل سلمى شرقي حائل. نجتاز هذه السلسلة الصغيرة عبر ممر يعلو 20 مترا تقريبا عن الأرض. و عند ما نصل إلى ذروة الممر، يتراءى لنا فجأة منظر حائل الفرح. إلى اليسار و على مسافة قريبة جدا تهيمن كتلة سمرا السوداء على المدينة كليا. و إلى اليمين و على بعد بضعة كيلومترات، ينطلق خط أجا جنوبا على مد النظر. شمالا و غربا تتناثر خمسون خيمة تقريبا لكل قبائل شمر. يأتي هؤلاء الزوار لبضعة أيام لتصريف منتوجاتهم و شراء بعض الحاجات ثم يعودون الى الصحراء. إنهم ينعشون الجزء الخارجي للمدينة بطريقة جذابة جدا.

لرغبتي في تقديم لمحة عن الطريق من سورية حتى جبل شمّر، أسهبت حتى الآن في التفاصيل. أما اليوم فإنني لن أعطي سوى ملاحظة جغرافية عن المناطق التي قطعتها، لذلك سأرجئ إلى وقت لاحق فصل العادات و التاريخ و المعطيات الإحصائية. حاليا أقدم وصفا سريعا لمختلف خطوط سيري. و من ثم أقدم لائحة البلدات التي تؤلف حاليا إمارتي شمر و القصيم اللتين عبرتهما.

لقد جعلت حائل مركز عملياتي لأتمكن من تنفيذ سفرات طويلة جدا بسهولة اكبر.

و قد سمح لي ذلك بجعل متاعي خفيفا جدا فلا احمل إلى جانب أسلحتي و معدّاتي العلمية، سوى بساط و بطانيتين. أما المؤن و الماء فكان البدوي أو البدو المرافقون لي كمرشدين يحملونها.

____________

(1) غوارماني‏Kail ، بلجريف‏Ha`yel .

56

كنت أترك صناديقي في بيتي في حائل خلال غيابي و يودع مفتاح المنزل لدى أحد ضباط الأمير الرئيسين المدعو حمود الإبراهيم المجراد (1).

و اني أعرض فيما يلي تعداد مختلف رحلاتي وفق الترتيب الذي أجريتها به:

(1) رحلة في عقده، وادي جبل شمّر (30 حزيران).

(2) في جبل سرا (9 تموز).

(3) في جبل شمّر (17 تموز).

(4) رحلة الى القصيم، الى عنيزه و العودة (31 تموز).

(5) رحلة في جبل جلديه (22 أيلول).

(6) رحلة في الحجاز، الى تيماء، الهجر أو مداين صالح، العلا و العودة عن طريق خيبر و الحايط (30 تشرين الأول).

(7) من حائل إلى بغداد.

(8) من بغداد الى دمشق عبر الحماد.

عقدة

عقدة (2) هي سلسلة من الوديان الصغيرة داخل جبل شمّر، و الممر الوحيد الضيق جدا الذي بعبرها يقع على بعد 9 كيلومترات تقريبا جنوبا، 70 درجة غربي حائل. و قد ظهر اسم عقدة هذا للمرة الأولى كاسم جغرافي في الجزيرة العربية في تاريخ الوهابيين ل كورانسيز (3) في مدونة أسماء بلدات الجبل. غير أن هذا المكان كما برهنت ذلك لاحقا، هو الأول و على الأرجح الوحيد على امتداد زمن طويل الذي سكنته قبيلة طي‏ء التي قدمت من الجنوب.

____________

(1) بديهي ان جيش أمير شمّر ليس جيشا بالمعنى الأوروبي للكلمة. فلا تجنيد و لا ثكنات. و هو يتألف من خمسمئة رجل تقريبا معظمهم من مدن الجبل يستخدمهم الأمير بشكل خاص للقيام بغزواته و لفرض و جباية الضرائب من القبائل الرحل و اخيرا لمواكبة قافلة الحجاج العراقيين من بغداد الى مكة ذهابا و ايابا. و هم لا يتقاضون اجرا ثابتا و لا يتلقون إلا ما هو ضروري لحياتهم. ما يقارب العشرين منهم الذين تميزوا بخدمات أسديت أو بالأحرى بذكائهم و الذين يلازمون القصر باستمرار و لا يفارقون الأمير، يلقون معاملة أفضل. من بين هؤلاء حمود الذي سبق للامير ان أرسله مرارا في مهمات استثنائية الى مصر لدى الخديوي.

(2) عقده عند: ص. 353Ritter ,Die Erdkunde von Asien ,Arabien II و عند غواراماني اكده، و عند بلانت اجده‏

(3) ص. 118 ص. 214، 1810

Corancez, Histoire des Wahabis, ed. SyIvestre de Sacy, Paris,

57

و لا بد من البحث في عقدة نفسها عن مكان سكن حاتم طي‏ء أكرم قدامى العرب.

يتم الدخول الى عقدة من سهل حائل عبر ممر تضيق فتحته التي تبلغ بداية قرابة مئة متر تدريجيا حتى تصل ما بين 25 إلى 30 مترا. و قد بنى الأمير في هذه النقطة حائطا بارتفاع 3 أمتار و بسماكة متر لقطع الممر كليا. و قد تركت في طرف الحائط الجنوبي فتحة تبلغ 5، 1 متر للمرور.

و ما ان نجتاز هذا السور حتى نجد أنفسنا في واد صغير يضم قرية القني‏

El Qeny

التي تعدّ 150 نسمة. و ابتداء من هذه البلدة، تنفتح الوديان من كل الجهات و جميعها على مستويات أعلى من الوادي الأول و من ثمّ أعلى من سهل حائل أيضا.

الوادي التالي، وداي القني، يضم قرية أكبر من الأولى تدعى الويبار و تعد 300 نسمة.

هاتان المقاطعتان الأوليان هما الكبريان من حيث تعداد السكان و من حيث مساحتهما. في الوديان الأخرى تتوزع ثماني مجموعات سكانية صغيرة مجموعها 500 نسمة و هذه هي أسماؤها: النبيتة، السقا، حسنا، المعا، غضيان، الحايط (1) رميض و العليّا.

في قرية الحايط جنوبي القني و الويبار جزء من ترسانة ابن رشيد. إنه مبنى من الآجرّ ككل مباني الجبل يحتل مساحة تقارب 80 مترا مربعا إنما تجاوره بعض المباني أكثر حداثة شيّدها الأمير الحالي.

الأمير طلال هو الذي شيد المبنى الرئيس مكان مبنى آخر هدمه و من المرجح أن قبيلة طيى‏ء شهدت هنا اول استقرار لها منذ احتلالها الجبل لدى هجرتها من الجنوب. و حين وصل محمد، الأمير الحالي، الى الحكم، كان هذا المبنى الترسانة الوحيدة لسلالة شمر. لكن محمد الذي كبر القصر الذي بناه الأمير طلال، نقل إليه القسم الأكبر من الأسلحة التي كانت محفوظة في عقده. أما اليوم فإن هذا القصر ببابه الكبير المغطى بلوح من الفولاذ بات مجرد مخزن للطعام و لم يعد يحوي إلا مخزونا كبيرا من التمور و بعض السيوف و البنادق بفتيل التي لا قيمة لها. أما شجرات نخيل الحايط فملك الأمير ابن رشيد الخاص.

ما يميز عقدة هو النخيل الذي لا يحتاج إلى ري بفضل موقع الوديان بقاعها

____________

(1) يجب تمييزها عن الحايث في حراه شرق- شمال- شرق خيبر.

58

الغرانيتي المملوء بالبطحا أو حصى الغرانيت‏ (1) حتى ارتفاع 4 أو 5 أمتار و التي تشكل التربة. القاع على شكل أحواض تحجز ماء المطر الذي يهطل على عقدة في هذه الأحواض الطبيعية الصغيرة حيث تغوص جذور النخيل.

في كل الأماكن الأخرى، عند ما تكون المياه على عمق بالغ لا تستطيع جذور النخيل الوصول إليها، يجب حفر آبار واسعة جدا و سحب الماء منها عشرة أشهر على اثني عشر بمعدل خمس عشرة ساعة يوميا على الأقلّ. كما إن ذلك يجبر على شراء الإبل و العناية بها لهذا الغرض كذلك يلزم رجل لتشغيلها. و لكن سكان عقدة السعداء لا يعرفون شيئا من هذا و لا يأبهون. و جل تعبهم ينحصر في أن يتمنوا أن تمطر في الشتاء. و هم يتمادون في سعادتهم إلى حد الكسل إذ إنهم لا يبذلون أي عناية بشجرات النخيل التي كان بالإمكان ان تكون أجمل و اكثر إنتاجا. و على أي حال فإن ضعف نخيلهم كان و بالا عليهم خلال شتاء 1879- 1880 الذي انعكست قسوته على كلّ أرجاء الجزيرة العربية. فكثير منها مات و عدد أكبر منها لن يعطي سوى محصول لا يذكر لفترة طويلة.

و قد أكد لي حمود و المجراد بأن عقدة تملك سبعين ألف شجرة نخيل و قد يكون هذا صحيحا. يعود حوالي خمس هذا العدد إلى الأمير و خمسان إلى البدو المقيمين في البلدة طوال العام و الباقي يعود إلى شمر الرحل.

يأتي هؤلاء الأخيرون من الصحراء في شهر مايو (أيار) لإخصاب إناث شجرات النخيل فيبنون لأنفسهم أكواخا من ورق النخيل و يقيمون هنا حتى القطاف في أيلول.

أحد افراد العائلة يبقى في الصحراء مع القطعان. و يغتنم عدد منهم إقامتهم لزرع البطيخ و الشمّام و يسقونها من مياه الآبار. و يبيعونها في حائل.

بما ان جزءا من السكان بدو فإن عادات الصحراء هي السائدة في عقدة. و تتمثل بالنسبة للغريب الذي يصل إليها بالضيافة. خلال الأيام الثلاثة التي أمضيتها فيها، اضطررت الى الدخول إلى تسعة عشر منزلا أو خيمة حيث قدمت لي القهوة و طبق كبير من البطيخ أو الشمام المقطع مكعبات. أقول" اضطررت" إذ إن أحدهم ما ان يلمحني سائرا حتى يأخذ مطيتي من الرسن و يقودني الى بيته متجاهلا ملاحظاتي.

____________

(1) ثمة خطا هنا على الارجح. فالكلمة العربية بطحاBathha كما كتبها السيد هوبير تعني باللغة الفصحى" مجرى نهر واسع جاف مملوء بالحصى" و قد احتفظت بهذا المعنى حتى عند عرب‏Wadai و يكون السيد هوبير قد خلط في الجزيرة العربية بين المحتوى و الحاوي. [التحرير]

59

صحيح أن ما كان يقدّمه لي قليل و أن هذا القليل كان يعوضه تعويضا سخيا استقبال الشيخ الفرنساوي، صديق الأمير و الذي سيكون له الحق لاحقا بأن يناديه الأخ. إلا أنه لا بد لي من التصريح بأن البدوي الذي كان يراني في المساء خلال سعينا لإيجاد مأوى، كان يبدي مسارعة مماثلة للتمسك بي مع علمه بأن هذا سيكلفه خروفا و إن حصته منه ستكون صغيرة نظرا لوجود رجلين من رجال الأمير معي.

من بعد ما ذكرته عن طوبوغرافية عقدة التي لا تملك سوى ممر مقطوع اصطناعيا بجدار، و المحاطة كليا بصخور من الغرانيت لا يمكن الوصول إليها من الخارج، ندرك كيف إن أمير حائل يعتبرها كمعقل و ملجأ منيع في حال الاجتياح لكونها موفورة التموين و في حماية فرقة شجاعة. و أنا من هذا الرأي شرط ان لا يكون المجتاحون قوات أوروبية و أن لا يكونوا متسلحين بمدفع لاقتحام الثغرة.

جبل سرا

في إحدى أولى السهرات التي أمضيتها عند الأمير علمت بوجود نقوش قديمة في الجبل و دلني الأمير على جبل سرا على مسافة يوم جنوبي حائل كنقطة يمكنني أن أعثر فيها على نقش. و قد استدعى مطوع شمّر، الشيخ عواد الذي نسخها ذات يوم على غلاف كتاب زودني به.

و عرفت في الحال انها كتابة حميرية و سمح لي بأن أفترض أنها ليست الوحيدة و انه بإمكاني العثور على المزيد منها.

في 9 تموز أعطاني الأمير رجلين ليقوداني إلى جبل سرا. اذ غادرنا حائل في السابعة صباحا من الباب الغربي، لم نلبث أن انعطفنا نحو اليسار تاركين جبل سرا إلى الشرق.

كان اتجاهنا جنوبا تقريبا، 10 درجات غربا بصرف النظر عن تبدلات العقرب.

بعد ساعتين من مغادرتنا حائل وصلنا إلى مستوى قفار التي تركناها إلى يميننا.

عند الظهر توقفنا لتناول بعض التمر أمام صخرة عرجان التي كانت ترمي بعض الظل الى الشمال و بعد ساعة استأنفنا مسيرتنا.

منذ مغادرتي حائل كان جبل أجا باستمرار إلى يميني و تقريبا على المسافة نفسها.

60

فقط جنوبي قفار ابتعدت طريقي قليلا عن الجبل. أسجل هذه الملاحظة بشكل عابر لأبرر الاتجاه الذي أعطيته لهذا الجبل على خريطتي و هو اتجاه جديد و مغاير على نحو ملحوظ للاتجاه الذي اعتمدته أحدث الخرائط.

إلى بضعة كيلومترات شمالي جبل سرا يستمر السير بثبات على حصى الغرانيت الكبيرة و اسمها البطحا كما ذكرت سابقا و هي قاحلة تماما. لكن طبقة الحصى ليست متساوية العمق في كل الأمكنة و من حين إلى آخر يسمح برؤية التربة التحتية المكونة من حجر صلصالي رمادي صفراوي صلب. في هذه الأماكن تظهر أحيانا شجرة هزيلة أو ساق حنظل زاحفة.

كانت الشمس تلامس الأفق عند ما وصلت أمام النقش في جبل سرا. و هو في معبر يبلغ عرضه 80 مترا تقريبا و يفتح الطريق إلى مستجدMestagged و الحجاز.

كانت الكتابة محفورة في الصخر على الجدار الجنوبي للمعبر، على ارتفاع 6 أمتار من الأرض و تواجه الشمال. بفضل انهيارات الصخور يمكن الاقتراب منها حتى مسافة مترين تقريبا. أخذت فورا وضعية تمكنني من نسخها و تبين لي أن الشيخ عواد قد نسخ بالضبط نصف الأحرف تقريبا و هذا ما اعتبره مرضيا بالنسبة الى شمّري متعلم، خاصة بالنظر إلى حالة هذه الكتابة الخشنة و إلى التأثيرات البصرية التي يحدثها النور على هذا الغرانيت الفظ بحبوبه المتعددة الألوان و التي تتعب تموجاتها المتعرجة النظر بسرعة. و قد اغتبطت لاحقا بالعناية البالغة التي بذلتها في نسخ هذه الكتابة. فمن بين كل النقوش الحميرية التي صادفتها في رحلاتي اللاحقة، لم تكن و لا واحدة بهذا الحجم. فقد كانت تحوي 98 حرفا.

هذا النقش الكبير موجود كما ذكرت آنفا على جدار الجبل بالذات. و قد عثرت على خمسة نقوش أصغر حجما على كتل ضخمة من الغرانيت يبلغ حجمها عدة أمتار مكعبة كانت قد انهارت على جانب النقش و أمامه. و قد بدا على إحدى الكتل رسم حيوان لا بد أنه كلب سلوقي كبير أو غزال. خط هذا الرسم جري‏ء، محدد و يدل على موهبة فنان. من بين مئات تماثيل الحيوانات المنحوتة في الصخر التي صادفتها، كانت هذه الأخيرة الفضلى.

هبط الليل فيما كنت أنجز نسخي. و امتطينا جمالنا التي لم ننزع عنها خروجنا (1)

____________

(1) الخرج حقيبة سفر مزدوجة تتدلّى على جانبي الجمل [التحرير].

61

و اقتربنا من الآبار الواقعة على مسافة نصف كيلومتر شرقا. خيام بعض البدو الذين جاؤوا ليوردوا بعض الجمال و الخراف كانت مضروبة إلى الجنوب. و بينما كانت جمالي ترتوي، أخذت حرارة الماء التي بلغت+ 21 درجة و هي بلا طعم و مستواها على عمق 7 أمتار. و بما أن التخييم قرب الماء ينطوي دائما على مخاطر حتى في أراضي شمر، فقد سرت ساعة أخرى إلى الشمال الغربي و توقفت أخيرا في ثنية أرضية (1). صنع رفيقاي خبزا تناولناه مع الزبدة ثم التففنا بعباءاتنا لننعم براحة مستحقة. كنا قد بقينا إحدى عشرة ساعة راكبين و قطعنا 92 كيلومترا.

في صباح اليوم التالي نهضنا عند الفجر و سرنا مباشرة باتجاه الشمال. و قادتنا ساعة و نصف الساعة من السير إلى جبل و الله‏OullaH حيث توقفنا أكثر من ساعة قرب الآبار لتناول وجبة الإفطار.

مياه آبار و الله الأربع تقع على عمق 7 أمتار. ثلاث آبار محفورة في البطحا و الآخر في الغرانيت. استأنفنا السير في التاسعة صباحا و وصلنا إلى قفار قرابة الرابعة مساء.

تقع الطريق المتبعة في جبل و الله حتى قفار غربي الطريق التي سلكتها للذهاب من حائل إلى جبل سرا و هي موازية لها تقريبا. و هي إلى ذلك تقع تقريبا في منتصف المسافة بين طريقي الأولى و جبل أجا الذي لازمتني كتله الغرانيتية الداكنة باستمرار على مسافة 2 أو 3 كيلومترات الى يساري. الأرض مكوّنة من البطحا باستمرار، و لكن جوار الجبل يحدد من حين إلى آخر تحت أقدامنا انتفاخا في الأرض يشير إلى وجود الصخر على عمق ضحل. عدة مرات ظهر الصخر و عشر مرات تقريبا اخترقت قمم طويلة من الرخام الأبيض المعرّق التربة في الاتجاه السائر من الشرق الى الغرب و كأنما يوجد انقلاب في الاتجاه المعاكس لاتجاه جبل أجا. تبدو الأرض من حين إلى آخر و قد ثلمتها جداول صغيرة تهبط من الجبل لتنزل إلى يميننا في وادي حائل.

لدى مغادرتي الأمير بالأمس، دعاني ابن عمّه حمود العبيد الذي كان قد حدثني عن أقطاع واسعة يملكها في قفار، إلى التوقف فيها لدى عودتي من جبل سرا و وعدني بأن يرسل الأوامر اللازمة لاستقبالي. هذه الملكية كانت الأخيرة في جنوب‏

____________

(1) السيد هوبير يدلي هنا بقاعدة يجري التقيد بها في كل الاراضي المأهولة بالبدو الرحل و بالاخص في الصحراء.

62

حائل و من ثمّ فهي الأولى البادية أمامنا فيما كنا نقترب من المدينة. و قد تبينت نقطة بيضاء على مسافة بعيدة تتمايز على جدران قفار الزهرية اللون المسننة بالمتاريس.

كان ذلك طبعا رجلا لا لباس عليه سوى ثوبه بانتظارنا. و بالفعل فقد ظل واقفا حتى وصلنا إليه و انخنا جمالنا و ترجّلنا. ذاك كان عنبر عبد حمود المفضل و قد أرسله هذا الأخير إلى هنا خصيصا ليستقبلني. فرحب بي و قادني إلى الحديقة حيث أعدّ لي فراشا من السجاد و الأرائك.

بعد ما اغتسلت تجولت في البستان البديع الذي يحوي قرابة ألف و مئتي نخلة و بعض العرائش و شجر الدراق و التين و في الزوايا قرب الجدران شجرات أثل أو طرفاء.

ثم عدت إلى جانب حوضي حيث أعدّت لي القهوة و نارجيلتي خلال نزهتي. بقيت هنا أتمتع بالراحة حتى المغيب حيث أعلن البرغش حضوره. فصعدت إلى سطوح المباني حيث قدّم لي و لرفيقي طبق هائل من الأرز و لحم الغنم. و بصفتنا بدوا حقا فقد فضلنا قضاء الليل خارج القرية في الصحراء.

في صبيحة اليوم التالي انطلقنا عند الخامسة و بعد ثلاث ساعات كنا قد عدنا إلى حائل.

سأعود في عمل آخر إلى قفار و الى الدور المهم الذي أدّته هذه المدينة في تاريخ شمّر. و هي لا تزال اليوم الكبرى مساحة و تحتل المرتبة الثانية بتعداد سكانها في كل الإمارة.

جبل أجا

في 17 تموز، ذهبت في رحلة الى الجبل الذي أعطى اسمه للبلد بأسره. من زمان كان اسمه طيى‏ء و فيما بعد أصبح اسمه رميضا و اليوم يطلق عليه عموما أسم أجا أو جبل شمر أو ببساطة الجبل.

هذه المرة انطلقت من شمال حائل متجها نحو الشمال 10 درجات شرقا، باتجاه قرية اللقيطة حيث وصلت بعد ساعتين من الخبب برفقة الفارسين الجديدين اللذين أرسلهما الأمير معي و هما علي المجراد و عيسى.

63

قبل اللقيطة بميلين تركنا الى يميننا قريتي الوسيد و الجثامية. توقفنا في اللقيطة في بساتين الأمير حتى بعد الساعة الثانية، ثم استأنفنا طريقنا و لكن هذه المرة باتجاه الغرب. و سرعان ما أصبحنا وسط أول الكتل المنهارة من الجبل الذي وصلناه بعد ساعة من سير حثيث عبر وادي غلغل. يتسع هذا الوادي تدريجيا و لا يلبث أن يتحول الى سلسلة من الوديان الصغيرة الجذابة جدا و كلها مملوءة بالنخيل الذي ينمو دون ري كنخيل عقدة و الذي يعود لبدو رحّل. بعد أن تبعنا غلغل لمدة ساعة و نصف الساعة وصلنا قرب مجموعة من تسع خيمات و ضربنا مخيّمنا على مسافة قريبة منها.

النخيل في هذه المنطقة جميل النمو. و الماء متوفر على عمق 6 أمتار.

استأنفنا سيرنا في صبيحة اليوم التالي عند الرابعة باتجاه الجنوب، 80 درجة شرقا، و لم نلبث أن تركنا غلغلا لندخل في وادي حقل الذي لا تتعدى مساحته بضعة كيلومترات. عند الخامسة و النصف كنا قد اجتزناه كليا و عدنا نسير غربا و دخلنا وادي قوارين الذي يقع على مستوى الوادي السابق نفسه.

في بداية الوادي تقريبا نجد الى اليسار نبع و تريمية الصغيرة التي تخرج من الصخر على ارتفاع عشرين مترا فوق الأرض يشكل الوصول إليها صعوبة. و منسوبها لا يكاد يصل الى ثلاثة ليترات في الدقيقة، تصب في حوض صغير حفر أمامها. ثلاث نخلات تظللها فيما بلغت حرارتها+ 1، 24 درجة.

ضربنا الخيمة على مسافة 4 كيلومترات منها قرب أطلال حصن صغير يسمى قصر الأصفر. و يحتل هذا القصر قمة خاصرة الجبل التي تنفصل بجرأة عن الجبل و تتقدم في الوادي في اتجاه الشمال الشرق، 4/ 1 شمال، الى جنوب غرب، 4/ 1 جنوبا. و يحتل البناء كل المساحة الحرة للهضبة على أرتفاع 40 مترا تقريبا. و هو على شكل متوازي الأضلاع مضبوط مع برجين كاملين عند الزوايا الشرقية. يبلغ طوله 20 مترا و عرضه 12 مترا. لم يبق من جدرانه المبنية من الحصى من دون ملاط سوى ارتفاع متر الى مترين.

على المنحدر الجنوبي للكتف التي تحمل هذا القصر بعض شجرات نخيل و آثار حقول و أقنية و بئر يقع ماؤه على عمق 10 أمتار و آثار منازل. و أخبرني علي المجراد بأن هذه الحقول لم تزرع منذ خمس سنوات.

على مسافة 500 متر غربي قصر الأصفر توجد في الوادي بقايا مبنى مربع كبير يبلغ‏

64

ضلعه 25 مترا تقريبا، مشيّد بالآجّر. جدرانه التي تتخللها أبراج لا تزال ترتفع الى 8 أمتار. كما أن هناك أيضا آبارا و حقولا مع بقايا سياج. كل ذلك مهجور منذ مدة طويلة.

على مسافة كيلومتر من هنا ينفتح واد صغير دائري و فيه بيوت من الآجرّ مهدومة و آبار و حقول مهجورة. يطلق على هذا المكان اسم مسجد و هنا على الصخور إلى اليسار اكتشفت بسرور للمرة الثانية نقوشا حميرية. كان هناك تسعة منها.

قرابة العاشرة خيّمنا تحت كتلة ضخمة من الغرانيت بقيت في سقوطها معلقة على كتلتين أخريين و تعطينا بعض الظل. منذ قرون طويلة يستعمل هذا المكان لحماية المسافرين العابرين لبضع ساعات. و ما يدل على ذلك هو بعض أحرف حميرية و رسوم عديدة أكثر من بدائية تمثل فرسانا يمتشقون سيفا أو حربة و الذين لا يزالون بمسافة تزيد عن ألفي سنة تماما كما كانوا و كما رسمهم لي الأمير مجيد في حائل على دفتر ملاحظاتي.

مما لا شك فيه أن وادي توارين هذا كان قديما مركزا مأهولا و مهما الى حد ما. و لا بد أن يكون الحميريون الأوائل قد استقروا هنا كما في عقدة في هجرتهم من الجنوب، في هذه الوديان التي تسهل حمايتها و تحتوي على المياه. و لا بد أن تكون انعكاسات الثورات التي ما فتئت تهز الجزيرة العربية في كل الأزمنة قد أصابت السكان و قد فرغت مناطق الجبل من أهاليها مرات و مرات. و من المرجح أن يكون هجر وادي توارن يعود الى الاضطرابات التي أعقبت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي قبل مئة عام.

ينتهي وادي توارين بطريق مسدود من جهة الجنوب لذلك أحجمنا عن اجتيازه بالكامل. و غالب الظن أن طوله يبلغ 35 ميلا من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي لكننا لم نر إلا نصفه وعدنا أدراجنا.

عند الثالثة من بعد الظهر كنا قد عدنا الى وادي حقل. و بعد نصف ساعة مررنا قرب كتلة من الغرانيت مخروطية الشكل يبلغ حجمها 5 أمتار مكعبة. و في سقوطها من الأعالي رست منتصبة على صخرة أخرى بحيث لا تلامسها إلا في ثلاث نقاط.

الصخرة مفرغة من الأسفل و ترن كجرس سميك جدا لدى قرعها بحجر أو بعصا.

اسم هذه الصخرة الدنان و كالعادة فإن الرنين المعدني يعني بحسب قول العرب أن هذه الكتلة تغطّي كنوزا.

65

على مسافة ثمانية أميال من هنا أقمنا مخيّما قرب جذع نخلة ربما جرفتها أمطار غزيرة ذات يوم إلى هنا. و قد استخدمناه لطهو عشائنا.

يقدّم الموقع الذي خيّمنا فيه منظرا جميلا. و هو عبارة عن واد متساوي العرض البالغ 500 متر ترتفع على جانبه جدران غرانيتية بشكل عمودي الى 300 متر و تلوّن الشمس قممها بالألوان الزهري و الأحمر و البني البنفسجي التي لم أرها من قبل قط. كان ينتابنا انطباع أننا في شارع بالغ الضخامة مرسوم بشكل واضح و منتظم ثم رش الرمل عليه حديثا و مشط.

في صبيحة اليوم التالي غادرنا هذا المخيّم الجميل حيث كان جذع النخلة الجاف لا يزال يحترق. على مسافة خطوات الى الشرق نخرج من وادي حقل لندخل وادي جو عبر مسيل ضيق جدا حفره السيل في الغرانيت و تهيمن عليه من الجانبين كتل صخرية عالية. مجرى المسيل معرقل بكتل ضخمة تعيق أحيانا حتى مرور جمل ركوب. في الأجزاء المظللة لا تزال هناك بقع ماء. و تستمر الطريق على هذا النحو مسافة ميل تقريبا صعودا باستمرار ثم يتسع المسيل تدريجيا و نصل بعد حين الى هضبة عالية هي بمثابة جنة حقيقية على الأرض. فشجرات النخيل كثيرة و قوية و باقي النباتات في منتهى الجمال. العصافير تتطاير في كل الاتجاهات و زقزقتها التي لم أسمعها منذ مدة طويلة تبهج النظر بشكل مثير. و وجود ينبوع صغير يبلغ دفقه ثمانية ليترات في الدقيقة جعل هذا المكان مريحا للغاية. و كانت حرارة مياهه+ 5، 27 درجة.

من بعد هذه الهضبة الدائرية الشكل، يستمر الوادي بجادة طويلة مزروعة كليا بشجر نخيل رائع معظمها مريض بسبب حريق اجتاحها في العام الماضي.

حتى نهاية هذا الوادي تصعد الأرض رويدا حتى تصل الى هضبة ثانية بمساحة كيلومترين مربعين تقريبا تشكل نقطة توزع المياه. ما إن وصلنا الى هنا حتى انعطفنا الى اليسار و سرنا جنوبا، 67 درجة شرقا، و بدأنا بالنزول رويدا حتى أصبحنا في وادي بولثيث‏ (1).

بعد نصف ساعة من السير وصلنا الى نبع بولثيث الصغير المظلّل بمئة نخلة حيث توقفنا لمدة ثلاث ساعات بانتظار ان تمر ريح حارقة تحمل بعض الرمل.

____________

(1) أو بولتية [التحرير].

66

في الثالثة عصرا استأنفنا سيرنا. و انطلاقا من هذه النقطة كان كالآتي: ميل جنوبا- غربا، 7 أميال جنوبا- شرقا و 3 أميال شمالا 65 درجة شرقا حتى قفار. كنا ننزل بثبات حتى وادي حائل.

في قفار التي رأيتها للمرة الثانية، نزلت عند الشيخ منصور، أحد رجال الأمير الذي خصني باستقبال رائع. و صباح اليوم التالي عند الساعة الرابعة غادرت هذه المدينة المضياف جدا بالنسبة إلي. و بعد ثلاث ساعات كنت قد عدت الى حائل.

في كل جولاتي في جبل طي‏ء كنت أجد باستمرار الغرانيت الرمادي أو الزهري أو البني المائل الى الاحمرار و لكن دائما بحبيبات خشنة. و هو مكوّن من الصوان و قطع زهرية و بيضاء. كل منحدرات الجبل و عرة جدا و في كثير من الأحيان عمودية. انحدار الطبقات الغرانيتية تشكل مع الأفق زاوية من 55 درجة عموما. لا يوجد في أي مكان أكتاف بالمعنى الصحيح و الجبل يخرج دائما من الأرض بكامل ارتفاعه مما يجعل تسلقه صعبا جدا و ممكنا فقط في بعض الأماكن النادرة.

القصيم‏

لم أتمكن من التوجه إلى القصيم إلا في 31 تموز. و قد غادرت حائل في هذا اليوم قرابة الظهر و سرت جنوبا، 50 درجة شرقا. و بعد خمس ساعات و مسافة 16 ميلا وصلت الى سفح جبل فتيت‏Fetet و هو سلسلة غرانيتية معزولة كليا و من عصر جبلي أجا و سلمى نفسه إنما لا يتجاوز طولها عشرين ميلا تقريبا من الشمال إلى الجنوب.

بعد عشرين دقيقة خلال اجتياز الجبل مررنا أمام ينبوع العدوة الصغير الذي لا يعطي في هذه الفترة من السنة سوى ليتر واحد في الدقيقة.

حالما نجتاز الفتيت نجد أنفسنا في سهل واسع يبلغ عرضه عدة فراسخ و تحدّه من الشرق على كامل طوله كتل جبل سلمى الداكنة. لدى وصولنا إليه كانت الشمس تغيب فضربنا الخيم.

في صبيحة اليوم التالي و قبل شروق الشمس بوقت طويل، تابعنا سيرنا محافظين على اتجاه الأمس. قبل الثامنة بقليل وصلنا أمام جبل سلمى. و قد احتجنا إلى أكثر

67

من أربع ساعات خببا لاجتياز الوادي الواقع بين جبلي فتيت و سلمى و الذي يحمل على غرار الينبوع الصغير المذكور أعلاه اسم وادي العدوة. هذا الوادي مغطى بالكامل بالبطحا. و تحتها يوجد تراب يشبه الموجود في وادي حائل. في بعض الأماكن النادرة يظهر الصخر، و احيانا اخرى الرخام الأبيض المعرّق بالأحمر أو بالرمادي أو بالأسود. النباتات هزيلة و الرياح السائدة دائما في هذا الجزء من الجزيرة العربية، هي الرياح الغربية.

بعد ساعة و نصف الساعة من السير في جبل سلمى، تتخذ المنطقة تدريجيا طابعا بركانيا، فالبازلت يكثر هنا و لا تلبث الطريق أن تجتاز فوهة بركان قديمة تدعى عني‏Aneai . يبلغ قطر هذه الفوهة حوالي 800 متر. ولدى الفوهة ينبوع صغير في جزئها الجنوبي- الغربي تحمل الاسم نفسه و يبلغ منسوبه ليترا و نصف الليتر تقريبا في الدقيقة. و تبلغ حرارته+ 2، 26 درجة.

من جهة الينبوع تتكون جدران الفوهة من قضة حصى و كتل من البازلت و الغرانيت غارقة في غلاف من الرماد الترابي و المجموع بقساوة الصخر. على بعد خطوات يتألف الجدار من نضيد بازلتي أحمر.

شرقي الفوهة حيث تجتازها الطريق للذهاب باتجاه فيد يصبح المعبر صعبا و خطرا و لا يسمح بمرور أكثر من جمل واحد.

على بعد نصف ساعة من هنا، فوهة ثانية تدعى الرضيّة مع معبر ضيق للغاية و صعب يتسع تدريجيا من الجهة الشرقية. الطريق تتبع مجرى السيل. و قد كان المسافرون يخشون هذا المعبر على الدوام إذ كان يشكل عرينا يكمن فيه اللصوص وراء الصخور لقتل المارة و سلبهم. أما اليوم و بفضل حكم ابن رشيد فيسود أمن تام هنا كما في كل أراضي شمّر.

ابتداء من الردية يزداد اضطراب الأرض و الأمر الذي يشيد إلى أننا نقترب من مركز هذا الارتفاع البركاني. و بالفعل صادفناه على مسافة ساعة و نصف الساعة إلى يمين طريقنا على شكل فوهة جديدة. كل الأماكن المحيطة مغطاة بكتل البازلت الأسود.

المنطقة و الفوهة تحملان اسم جهنم و هذا صحيح إذ كل شي‏ء فيهما جهنمي و خاصة الطريق.

ابتداء من الردية يصعد الاتجاه نحو الشرق.

68

فجأة قرابة الثالثة من بعد الظهر، لمحنا رؤوس شجرات نخيل فيد على مسافة ثلاثة كيلومترات و بعد نصف ساعة دخلنا المدينة الصغيرة.

قبل الوصول إلى فيد بدقائق معدودات تتوقف الحجارة البازلتية و ترى من حين إلى آخر الرمل الصلصالي.

فيد القديمة التي كتب العالم ريترRitter من أجل تحديدها ثلاثين صفحة دون أن يفلح تبدو اليوم متخلية عن روعتها القديمة و ليس فيها حاليا سوى أربعين بيتا.

تتألف فيد من مجموعة صغيرة من البيوت و من تسع ملكيات يفصل فيما بينها عدة كيلومترات و اسماؤها هي الآتية: عين، الحمرا، أبو شقرا، السنين، الغزيزة، الهويمل، الغطار، الماليك، برزان.

بين مختلف هذه الملكيات المشتملة كلها على شجر نخيل، لا يزال هناك عشر آبار فيها ماء، و بقايا مساكن قديمة باتت اطلالا.

على بعد 600 متر جنوبي عين تلة هناك حمم سوداء مع بقايا إنشاءات، و الأبرز فيها هي الأساسات الدائرية لبرج أو لبئر يبلغ قطرها 10 أمتار و اسمها خراش‏Khoras .

شمالا، 10 درجات شرقي هذه النقطة، بقايا برج مدوّر لا يزال ارتفاعه يبلغ 8 أمتار و جزء من جدار يسمّى القصر و أطلال مبنى مربع على بعد 800 متر جنوب- غرب عين كان فيما مضى جامعا. هذا كل ما تبقى لإثبات امتداد فيد القديمة و أهميتها.

على بعد بضعة كيلومترات جنوب- غرب المدينة جبل قفيل‏Qefeil البالغ ارتفاعه 70 مترا تقريبا و هو ليس سوى جزء لا يزال منتصبا من فوهة بركان قديم. و قد استطعت أن أحدد من قمته بواسطة البوصلة مختلف أجزاء فيد المذكورة أعلاه و الجبال الآتية:

- جبل خويت‏Khoueit جنوبا 74 درجة شرقا، حيث لا بد من وجود ماء على مدار السنة.

- جبل غميز الجوGhemeiz el Gou .

- جبل أم الروج و هو فوهة بركان قديمة يوجد فيها آبار.

- جبل بوص الصعيلب و فيه ماء تقريبا طوال العام.

69

- جبل الهضب الوفير المياه.

كما أنني سجلت القمم الشمالية و الجنوبية لجبل سلمى و كذلك قمة جبل جلدية الذي زرته فيما بعد.

الصحراء المحيطة بفيد تدعى أبا الكروش.

تخترق آبار فيد أولا طبقة من الرمل و الحصى تتراوح سماكتها ما بين 5 و 10 أمتار تبعا للموقع، ثم مترين من البازلت الاسود الشديد الصلابة لتصل إلى الماء و هو طيب المذاق. هذا الماء العميق جدا و الذي يستلزم جهدا مضنيا لسحبه لري النخيل بات يتضاءل وفق أقوال السكان، و لا بد من ان نعزو تلاشي هذه البلدة إلى هذا السبب.

و اللافت جدا هو أن آبار فيد تتصل فيما بينها بسراديب جوفية.

غداة وصولي إلى فيد، غادرتها عند الرابعة عصرا متابعا طريقي نحو القصيم.

و كان قد رافقني إلى هنا أحد فرسان الأمير. و لكن إلى ما وراء هذه الحدود لم يبق معي سوى بدوي شمّري. و هذا ما قررته بنفسي أمام تردد الأمير في السماح لي بالذهاب إلى القصيم، و هي منطقة وهابية متشدده حيث كان يخشى كثيرا علي و بالأخص خلال شهر رمضان المبارك الذي بات قريبا.

بمغادرتنا فيد سرنا 9 أميال إضافية إلى الشرق و إلى الشمال الشرقي ثم خيّمنا.

و بعد استراحة دامت ست ساعات، تابعنا مسيرتنا إلى الشمال الشرقي منحرفين تدريجيا باتجاه الشرق. و عند الواحدة من بعد الظهر وصلنا إلى الكهفةKehafa التي كنا نلمح رؤوس نخيلها منذ ساعتين.

من فيد إلى الكهفة تجتاز الدرب صحراء من الحث البركاني. العيّنة التي جلبتها معي عبارة عن رمل صواني أصفر مع بعض القطع الكلسية تتخلله حبيبات من الصوان و يحتوي على حبات مغناطيسية عديدة. يظهر الصخر العاري في كل مكان و له مظهر غريب. و يتكون الانطباع بأن كل هذه الكتلة التي كانت قديما سائلة و في حالة غليان قد تجمدت فجأة. و ما يوحي بذلك هو فقاقيع الحث الضخمة البالغ قطرها ما بين 8 و 12 مترا و المحدّبة قليلا التي نصادفها مع كل خطوة. بين الفينة و الأخرى نجد بعض الرمل في ثنية أرضية حيث تتمو بعض الأشواك، و لكن فيما عدا ذلك، إنها صحراء الحجر المطلقة و سماكتها تفوق الوصف. تلك المنطقة العربية الصخرية من‏Arabie Petrie حقا، و اسم هذه الصحراء هو الشرافه‏El Sarafah .

70

اشتهر عن الكهفة البالغ عدد سكانها 200 شخص تقريبا أنها بلدة صحية. الرياح السائدة فيها شمالية. و بحسب أقوال السكان و الشيخ عمار الذي استضافني، فإن المطر يهطل مدة عشرة أيام فقط في بداية الشتاء، أما باقي السنة فلا تهطل قطرة واحدة.

ليس شيخ الكهفة هو من يستقبل الغرباء العابرين لأنه فقير بل إن هذه المهمة تعود لأغنى مالك و هو عمار الذي يمنح لقب شيخ حتى لو لم يكن شيخا. و عمار هذا هو في الوقت عينه إمام البلدة. من هنا نرى كم كان وضعنا المتبادل دقيقا. فإذا كنت لا أعير اهتماما لكوني ضيف شيخ وهابي، فإن عدم اكتراثه لرؤية بيته المقدس مدنسا بوجود كافر تجاوز موقفي بكثير. و إلى ذلك فإن قامته الصغيرة النحيلة النافرة العظام و شفتيه المزمومتين و عينيه العميقتين و القلقتين و رأسه الأقرع لم تكن لتمنحه سمة الترحيب. كما و انه اشتهر عنه بخله مع الضيف. إلا انني كنت اسمع السكان الذين جاؤوا إلى المضافة لإلقاء السلام يتهامسون فيما بينهم بأنني على احسن حال مع الأمير محمد و انني ضيفه و صديقه، فرأيت للمرة الأولى هذا الاسم المحبب يحميني من بعيد. الاستقبال الذي خصني به عمار لم تشبه شائبة. لم يكن في الحقيقة ودودا و لا لطيفا على غرار ما نعمت به حتى ذلك الحين في الجبل. و لكن لا يمكن مطالبة شيخ وهابي بالودّ و اللطافة خاصة من قبل نصراني. عاملني معاملة جيدة و ألح كثيرا لحملي على العدول عن فكرة الذهاب إلى القصيم. و بما ان الكهفة هي آخر بلدة شمّرية فقد خشي من أن يصيبني مكروه إذ لا أمان من بعد هذه الحدود. عند ما غادرته كانت صداقتنا قد توطدت كليا و ما ان اصبحت على مطيتي حتى سمعته بسرور يودعني قائلا" الله معك" و هو الدعاء الاعتيادي لرحلة موفقة في نجد.

على بعد 6 كيلومترات جنوب شرق الكهفة مجموعة من أربع ملكيات فيها نخيل و حقول شعير تدعى الغميس أخذنا منها مؤونتنا من الماء الذي هو أطيب مذاقا من الماء الذي في الكهفة.

و على مسافة ساعة أم الخشبة و فيها أربع ملكيات واسعة هجرت بسبب اختفاء الماء.

في فصول الشتاء الغزيرة الأمطار يأتي سكان الكهفة إليها ليزرعوا فيها الشعير لأن تربتها صالحة جدا.

بين الكهفة و الغميس يوجد النفود.

71

إن موقع هذه الواحة يشكل ظاهرة جيولوجية شاهدتها للمرة الأولى هنا، و لكنها تكررت مرارا فيما بعد. فهي تقع في منخفض على شكل حوض هلالي الشكل يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي و يبلغ طول محوره الكبير 24 كيلومترا تقريبا و طول محوره الصغير 12 كيلومترا. أما حافات هذا الحوض البالغ ارتفاعها ما بين 10 و 12 مترا فعمودية. و قد بدا لي الحوض بكامله منحنيا من الجنوب إلى الشمال. تقع الكهفة على خط المحور الكبير تقريبا باتجاه الجزء الشمالي.

غادرت الكهفة غداة وصولي إليها قرابة الساعة الثالثة عصرا و مررت على التوالي أمام الغميس و أم خشبة ثم عبرت باقي الحوض و خيمت على حافته الجنوبية الشرقية عند المغيب.

في الثانية من صباح اليوم التالي عند بزوغ أول نجمة من كوكب أوريون‏Orion البديع فوق الأفق، انطلقت من جديد و بعد عشر ساعات وصلت إلى قواره أولى بلدات القصيم.

قواره قرية صغيرة مؤلفة من اثني عشر بيتا و سكانها الفقراء جدا يعملون جميعا خدما في ثماني آبار (قلب) كبيرة تتباعد فيما بينها مسافة تتراوح بين 600 و 1000 متر على أرض تبلغ مساحتها 5 كيلومترات مربعة تقريبا و مجموعها في حوض تكوينه شبيه بالحوض الذي فيه الكهفة إنما أصغر حجما.

نخيل قواره هزيل شاحب المظهر و لا يحمل سوى ثلاثة أو أربعة و على الأكثر خمسة أقراط من التمر. و يعزو السكان ضعف الإنتاج إلى ضحالة عمق التراب. و قد رأيت بالفعل فيما كنت اتفحص الآبار، أن تحت طبقة التراب التي لا تتجاوز سماكتها مترين، يبدأ فورا الصلصال‏ (1) الرملي بعمق مترين الى ثلاثة أمتار تجري من تحته الطبقة المائية الغزيرة جدا و التي لا تتبدل في أي موسم. للأسف ان هذا الماء الجميل و الصافي للغاية غير صالح للشرب لفرط مرارته. و لا يوجد سوى أربع آبار من مياه الشرب و بئر مضيفي ليس في عدادها و هو يشرب من مياه بئر أحد جيرانه.

و كما في الكهفة، فإن شيخ قواره فقير، لذا فقد استقبلني (رباح) مالك أحد القلب الثمانية. و اذ لم يكن لديه محل لاستضافة ضيف رفيع و هو على أي حال أمر نادر في هذه المنطقة، فقد استضافني في الجامع الصغير الذي بناه في حديقته مباشرة الى يسار باب المدخل الكبير. و ما ان استقريت هنا حتى فكرت بالأمير ابن رشيد الذي‏

____________

(1) صلصال رملي صواني ناعم الحبيبات.

72

تردد طويلا في قبول سفري الى القصيم حيث كان يخشى أن أقع ضحية تعصب السكان الديني و إذ بهم منذ خطواتي الأولى في هذا البلد المتعصب جدا يستضيفونني أنا النصراني في الجامع.

مع ان قواره هي أول بلدة في القصيم و إنها اعتبرت كذلك منذ القدم، فإن سكانها يقولون إنهم من ذرية طي‏ء.

و قد وجدت عند مضيفي رباح أحد سكان طابة، مدينة في جبل سلمى، هاجمه بالأمس فيما كان عائدا برفقة ابنه البالغ ستة عشر عاما من بريده مع جملين محملين بالأرز ما بين عيون و قواح، خمسة أشخاص يمتطون ثلاثة جمال. و في دفاعه عن نفسه جرح في رأسه و كتفه و قتل ابنه. و فر اللصوص غربا مع جمليه و حمولتهما. و يعتقد أنه عرف فيهم عرب من عتيبة. فضمدت جراحه و أعطيته ما يلزم لتغيير الضمادات. لكن روايته أثرت بشكل سلبي جدا على معنويات طراد الشمري الذي كان يرافقني و هو بالرغم من قامته البالغة 80، 1 متر لم يكن يتمتع بطبيعة التحدي و ليس لديه أدنى رغبة في مقارعة عتيبة، أعداء شمر منذ الولادة.

لحسن الحظ كان لا يزال في قواره ثلاثة مسافرين ينزلون منذ بضعة أيام لدى السكان و هم من قوم الأمير حسن بن بريدة، كانوا ينتظرون مسافرين آخرين لينضموا إليهم لاجتياز المسافة البالغة الخطورة من قواره إلى العيون. و بفضل هؤلاء تمكنت من متابعة طريقي في اليوم التالي.

انطلقنا في الساعة الثانية من بعد منتصف الليل. و كانت مشاعل بنادق العرب الأربعة مضاءة. و تستمر الطريق كما بين الكهفة و قواره عبر صحراء محجرة حيث يظهر الصخر في كل مكان. خلال ال 32 كيلومترا الأول سرنا على صلصال رملي أصفر و خلال أل 8 كيلومترات الأخيرات يصبح الصلصال الرملي أحمرا. و لكنه دوما حجر رملي صواني حبيباته ناعمة جدا.

العيون‏

و بعد ست ساعات من السير، صادفنا تلتين إلى يسار الطريق فبدتا لي اصطناعيتين. و قال لي رجالي بأنها الحدود بين أراضي قواره و أراضي العيون. و بعد

73

ربع ساعة لمحنا من بعيد برجين تقع عيون عند قاعدتيهما لكنها لا تزال مخفية لأنها في حوض مماثل للحوض الذي يحوي الكهفة.

البرجان المطلان على مرتفعات العيون هما مركزا مراقبة لتفحص المحيط في فترات الاضطراب و لتفادي المفاجآت إذ يسمحان بالإبلاغ عن اقتراب أي قوة مشبوهة. و قد صادفتهما لاحقا في بلدات أخرى و بالأخص في قصيبا و حتى في الحجاز في خيبر.

في المكان الذي نرى منه هذين البرجين قرب العيون و من ثمّ على بعد كيلومترين وراء التلال الحدودية، تصبح الأرض شديدة الاضطراب و تكثر آثار فوهات البراكين.

أخيرا بعد مضي ثماني ساعات على مغادرتنا قواره، وصلنا إلى حافة الحوض الذي يضم العيون و الغوطة اللتين لمحنا نخيلهما من بعيد. و قد امضينا ساعتين إضافيتين لبلوغهما.

فور هبوطنا الى الحوض تركنا إلى يميننا صخرة رميلة معزولة يلفت شكلها انتباه من رأى أبو الهول أمام الأهرامات قرب القاهرة، فالشبه كبير. و قد رأيت عليها آثار أحرف حميرية و عربية شبه ممحية كليا و غير مقروءة. و على بعد عشر دقائق، يوجد إلى يمين الطريق أيضا صخرة أكبر بكثير تحمل عددا كبيرا من النقوش الحميرية الممحية جزئيا تمكنت من نقل بعضها. هذه الصخرة تحمل اسم الهراشي.

بعد مضي عشرين دقيقة على نزولنا إلى حوض العيون، وصلنا أمام الغاف و هي مزرعة نخيل واسعة جدا اجتاحها النفود كليا. و قد سرت بمحاذاة هذه المزرعة البديعة خببا مدة خمس و عشرين دقيقة. و بعد ساعة، أي في تمام الظهر، كنت أمام العيون.

من الناحية الغربية، و هي الجهة التي أتينا منها، يحجب كثب رملي هائل العيون كليا.

و يصد هذا الكثيب من جهة المدينة جدارا من الآجرّ يرتفع تدريجيا كلما ارتفع الرمل.

يبلغ عدد سكان العيون، أكبر البلدات ما بين حائل و بريدة، 2500 نسمة تقريبا و مساحتها كبيرة جدا إذ يبلغ طولها من الشرق إلى الغرب 5 كيلومترات تقريبا و يبلغ عرضها ما بين 1000 و 1500 متر. أشجار النخيل فيها جميلة و يعتبر منتوجها من أفضل منتوجات القصيم. و المياه يتفاوت مذاقها من مكان إلى آخر و إن كانت صالحة للشرب، فهي غزيرة جدا. و تقع المياه مباشرة تحت الصخر الذي يطفو على سطح‏

74

الأرض في كل المدينة و الذي تبلغ سماكته ما بين 8 و 12 مترا. و كما هو سائد بالنسبة الى الآبار المحفورة في الصخر، فإن فتحتها واسعة جدا هنا و يتراوح قطرها ما بين 4 و 8 و حتى 10 أمتار. و قمت بقياس حرارة الماء فكانت+ 10، 24 درجة، و مع أنني قستها بعد نهار كامل من سحب الماء إلا أنه لا يمكن اعتبارها صحيحة نظر الاتساع مساحة طبقة الماء المعرضة للجو المحيط.

أكثر ما يدهش المسافر القادم مثلي من الجبل في العيون حيث تبدو السلالة البشرية الرائعة الجمال بشعة هنا. فالرجال بشكل خاص لم يكتمل نموّهم و هم قصيرو القامة، قبيحون، هزيلون و وجوههم باهتة و ضامرة. شكلهم و مظهرهم بعيونهم الغائرة و وجناتهم البارزة و رؤوسهم المغطاة بكوفيّات حمراء دون عقال على طريقة الوهابيين يجعل مقاربة هؤلاء المتعصبين أمرا مزعجا للغاية.

أما الجنس اللطيف فيبدون لي أكثر توازنا. النساء اللواتي رأيتهن كن على قلّتهن جميلات و ممشوقات. عيونهن جميلة جدا كما في كل الشرق لكن لونهن كان باهتا و مرضيا.

عبد الله، شيخ العيون الذي يمنحه السكان لقب الأمير، رجل في الثلاثين من العمر و قد خصني باستقبال ممتاز.

على بعد عشر كيلومترات غربي العيون تقع غوده و هي بلدة أخرى مهمة تضم حوالي 1500 شخص.

غادرت العيون غداة وصولي إليها في الثالثة فجرا، و بعد أربع ساعات وصلت الى القرعا التي تتألف من قسمين يبعد أحدهما عن الآخر مسافة 1500 متر. قسم يشمل النخيل و الآخر يشمل القرية البالغ تعدادها 800 نسمة تقريبا. بالإضافة إلى ذلك هناك بعض الملكيات المتناثرة في الجوار و من بينها ملكية الشيخ و هي جديدة و مصونة.

سار رجالي حتى قرعا و مشاعل بنادقهم مضاءة و لكن اعتبارا من هذه النقطة لا لزوم لهذا الاحتياط إذ إن وجود بريدة في الجوار كاف لجعل المنطقة آمنة.

على بعد 3 كيلومترات من قرعا، على الطريق التي أسلكها بحيرة مالحة تبلغ مساحتها كيلومترين تقريبا. كانت جافة و تعلوها طبقة سميكة من الملح.

بعد مضي ساعة على مغادرتنا قرعا وصلنا إلى الشقه‏Eseqah في حوض يبلغ طوله‏

75

15 كيلومترا و المؤلفة من 200 منزل أي ما بين 1000 و 1100 نسمة. إنها قرية فقيرة لتضاؤل الماء فيها منذ بضع سنوات. بالإضافة الى إن المياه مالحة إلى درجة تكاد تجعلها غير قابلة للشرب باستثناء أربعة أماكن. كما إنها على عمق ضحل، ما بين 4 و 6 أمتار على أبعد تقدير.

تملك الشقه إلى جانب القرية الرئيسة ستة قلب أورد أسماءها إذ يقال إنها قديمة جدا، حتى إنها أقدم من القرية بالذات و هي: رقيعة، راوي، غوا، العاصفات، الصفاه، الخب.

بريدة و عين ابن فهيد

من الشقه قادتني مسيرة ساعتين كاملتين (7 اميال) إلى بريدة حيث وصلت لحظة صلاة العصر بالضبط. المدينة مطوقة بجدران من الآجرّ و التبن بارتفاع 4 أمتار يجعلها التموج الزهري تبدو و كأنها حديثة جدا. المدخل إليها عبارة عن بوابة كبيرة بمصراعين مع عتبة من الحجر. تتخلل الجدران بين الفينة و الأخرى أبراج مدورة أو مربعة يزيد ارتفاعها على ارتفاع الجدران بمترين. لا يوجد سطوح وراء الجدران و الأبراج.

توجهنا إلى القصر مباشرة. و هنا وجدت الأمير حسن خارجا من المسجد حيث أدى صلاة العصر فاستقبلني بحفاوة. وضعت سجادات في الباحة فجلسنا عليها و تبادلنا السلام المعهود. ثم سلمته رسالة التوصية التي أعطاني إياها سيده أمير جبل شمّر.

و لأن حسنا لا يعرف القراءة فقد تولى أمين سره قراءة الرسالة بصوت منخفض بحيث لا يسمع الأشخاص الحاضرون شيئا. فكرر لي فورا ما كان قد قاله قبل القراءة إنه سعيد بالترحيب بي و بالأمير محمد و إن بيته هو بيتي و أنه ما علّي إلا ان اطلب ما ارغب. كما اوصاني بالا اخرج ابدا من القصر دون مرافقة اثنين من رجاله و بأن أحمل دوما سيفي وفق عادة المشايخ في البلاد العربية.

لقد خلف الأمير حسن والده مهنا الذي اغتيل وسط الشارع قبل ست سنوات. إنه رجل في الثانية و الخمسين من العمر مبتذل المظهر و لا ينمّ عن ذكاء متفوق. و في عينه‏

76

اليسرى بياض تمنعه من الرؤية من هذا الجانب، و هو يتمتع باستقلالية محدودة و لا يدفع لحائل سوى ضريبة واحدة بعضها من المال و بعضها الآخر عينيّ.

حكم الامير حسن المهنا عشر سنين و قبله شغل شخص يحمل اسم عبد العزيز المحمد منصب الامير لمدة أربعين سنة تقريبا أي منذ سقوط الوهابيين.

لا يربو وجود بريدة على مئة و ثمانين عاما و لكنها خلفت مدينة أقدم منها كانت موجودة على مسافة ميلين الى شمال البلدة الحالية و تدعى الشماس. هذه الأخيرة أسست قبل ثلاثة قرون و نصف. و المسجد الذي اعتبر بلجريف أنه شيّد قبل أربعمائة عام في الواقع شيّد قبل أقل من مئة عام و المدينة تملك أربع مدارس و ستة جوامع بما فيها الجامع الرئيسي في العاصمة. اما السكان الذين يعود أصلهم جميعا الى عنزة فيبلغ عددهم 10 آلاف نسمة.

بريدة مركز تجاري كبير و لكنه لا يعرف أوج ازدهاره إلا خلال الأشهر الأربعة من السنة التي تلي قطاف التمر. في هذا الوقت غالبا ما نرى، منتصبة خارج بريدة، ما يربو على ألف خيمة بدو يأتون للتزود بالتمر و القمح و الأرز و بعض الأقمشة القليلة التي يحتاجون إليها.

فيما عدا هذه الأشهر الأربعة، يكون ثلثا المحلات مقفلة مما جعل بلجريف يعتقد أن المدينة في انحطاط. بل على العكس اعتقد أنه بإمكاني أن أجزم بأن ثمّة ثروات في بريدة تفوق ثروات حائل عددا و حجما. و قد أعطاني الأمير حسن معلومات عديدة تؤيد ذلك.

المياه في بريدة ليست طيبة المذاق. فهي في كل الآبار تقريبا مالحة جدا لا تصلح للشرب و معكرة جدا في كل مكان. مستوى المياه الجوفية يقع على عمق يتراوح ما بين 5 و 10 أمتار تحت الأرض، و للوصول إليها يجب على العموم اختراق ثلاث طبقات من الصلصال الرملي تبلغ سماكة كل واحدة منها من متر إلى مترين.

منذ أن بنيت بريدة، اجتاحتها النفود، و قد اكتشفت أيضا بهذه المناسبة بأن النفود يسير من الغرب إلى الشرق. فالحدائق الواقعة غربي المدينة بات لديها اليوم من جهتها الغربية ارتفاع يتراوح ما بين 6 و 8 أمتار من النفود يحاول السكان تثبيته بواسطة زراعة شجر الأثل.

غداة وصولي إلى بريدة الذي كان في الثامن من آب و يصادف أول أيام شهر رمضان‏

77

المبارك، عشية ذلك اليوم فيما كنت أشرب القهوة مع الأمير، سألني إذا كنت عازما على الصوم و إذ اجبت بالايجاب انفجر ضاحكا و لكنه أكد لي ان هذا لن يحصل و أنه لن يحتمله و أنه علاوة على ذلك كوني مسافرا يعفيني من الصوم. و بالفعل فقد أعد الطعام لي و لرفيقي كالمعتاد و كذلك القهوة.

بعد وصولي بأربعة أيام، قمت برحلة شمالي بريدة إلى عين ابن فهيد و هي بلدة قديمة جدا يغذي نخيلها خمسة ينابيع. إنما مياهها الصافية و الجميلة المنظر غير صالحة للشرب لأنها متخمة بأملاح الكلس و الماغنيزيوم.

في منتصف الطريق تقريبا، بين عين ابن فهيد و بريدة، توقفت ساعة خارج قرية فقيرة تعد 60 شخصا تدعى الطرفية. فإثر اختفاء الماء من الآبار قبل أربع سنوات تفرق معظم السكان في بلدات أخرى و ماتت كل أشجار النخيل و ظلت جذوعها المجردة من الورق منتصبة في الهواء على نحو محزن و كأنها غابة من عصي المكانس. كانت جميلة فيما مضى فكلها أشجار نخيل يتراوح عمرها ما بين مائة و مائة و عشرين سنة.

يزرع السكان، بالماء القليل المتبقي و غير الصالح للشرب باستثناء مياه بئر واحد، الشمّام و البطيخ. و هم يعملون على جمع الخشب في الصحراء و يبيعونه في بريدة كما يبيعون الشمّام و البطيخ.

في المقابل، عين ابن فهيد في ازدهار مضطرد. و قد رأيت فيها عدة مزارع نخيل فتي تخص إحداها الأمير حسن.

على مسافة 3 كيلومترات شمالا 76 درجة شرقا من عين ابن فهيد أطلال قديمة تدعى قصر مارد. و هو عبارة عن مبنى كبير مربع، ضخم جدا، بني بالحصى و الملاط الكلسي طول أضلاعه 40 مترا تقريبا و أضلاع الباحة الداخلية 30 مترا. يواجه باب المدخل الغرب أي القرية الواقعة على قمة تلة صغيرة تشرف على المنطقة.

على بعد خطوات، من الجانب الشمالي للقصر، صخرة على شكل طاولة يتراوح طولها ما بين 40 و 50 مترا و يبلغ ارتفاعها مترين، تحمل نقوشا حميرية عديدة و لكنها كلها ممحوّة تقريبا و لم أتمكن من نسخ إلا بعضها.

من الناحية المقابلة للقرية تقريبا، على بعد كيلومترين إلى الشمال الغربي فوهة

78

بركان قديمة تشير إليها كتل كبيرة من الحث منتشرة على مساحة 500 متر مربع تقريبا و أحيانا مغطاة كليا بالنقوش. و لكن هذه النقوش التي سمعت الكثير عنها في بريدة و حتى في حائل، تعود إلى حقبة حديثة نسبيا و جميعها تقريبا مكتوبة باللغة العربية. و قد تفحصت كل الكتل تقريبا، حوالي 150 كتلة، و لم أعثر على شي‏ء سوى أسماء علم أو الشهادة" لا إله إلا الله" غير أن بعض آثار أحرف كوفية و عشرة أحرف حميرية تدل على مرور فنانين أكثر قدما.

على غرار بلدات عديدة أخرى في الجزيرة العربية و بالأخص في نجد، فقد تحملت عين ابن فهيد نتائج كل الثورات التي هزت هذا البلد فأفرغت مرارا من سكانها و عادت آهلة. الإقامة الحالية ترقى إلى ثمانين سنة. و بالطبع فإن احدا من السكان الحاليين لا يعرف شيئا عن الذين سبقوه في هذا المكان. تأييدا لقدم عين ابن فهيد، غاب عن بالي ذكر وجود كهفين مقببين في الطرف الشمالي الشرقي للقرية و هما متلاصقان و لكنني لم أستطع تفحصهما عن كثب لانهما مملوءان بكل انواع الحطام. و في ذلك واقع لافت يستحق الذكر، ذلك انه من دمشق حتى عنزه و من الأحساء حتى البحر الاحمر لم أر مثيلا لهما و لا أعتقد أنه يوجد غيرهما.

و يبلغ عرض النفود الممتد شرقي عين ابن فهيد 65 ميلا بحسب إفادة الصلب المخيمين قرب القرية لدى مروري.

في اليوم الثالث من وصولي في 13 آب، غادرت عين ابن فهيد قبل الفجر بوقت طويل و بعد ساعتين قادتنا مسيرة عشرة كيلومترات جنوبا، 10 درجات شرقا الى آبارOusetah وسيطة المهمة لأنها تزود عين ابن فهيد بمياه الشرب.

كل ليلة قرابة منتصف الليل يذهب رجلان يقودان خمسة عشر حمارا من القرية حاملة قرب السكان و يملأونها من آبار وسيطة. و يسيرون يوميا مسافة 20 كيلومترا للحصول على كمية المياه اليومية اللازمة. و أي مياه! لم أر في حياتي ماء موحلة إلى هذه الدرجة. أما مذاقها فباستثناء مياه الشقيق في النفود، لا أذكر أنني شربت ماء بهذه النتانة. و مع ذلك يا للسخرية المرة، تجري مياه ينابيع القرية التي تسقي النخيل صافية كمياه الصخور عندنا.

تقع مياه الآبار على عمق يتراوح بين 4 و 5 أمتار تحت طبقة من الأرض الصلصالية.

و بما أن جدران الآبار من التربة فإنها تنهار بسهولة.

79

إن وضع هذه البلدة و الطرفية الهش فيما يتعلق بمسألة المياه و هي مسألة حيوية، يظهر بأن الصراع للبقاء في بعض مناطق الشرق يفوق الصراع عندنا في حدته بما لا يقاس.

من آبار وسيطة انعطفنا إلى اليمين قليلا و سرنا جنوبا 10 درجات غربا و وصلنا في ثلاث ساعات إلى الصريف و هو واد يمتد من الشمال إلى الجنوب على قرابة 8 كيلومترات طولا و كيلومترين عرضا. و في الجزء الشمالي لا تزال هناك آثار منطقة بركانية.

من بداية الوادي عبرنا على أطلال قصر بني جزئيا على الأقل من الحجر المقصوب و قد أصبحت بمستوى الأرض. و أبعد قليلا تنتصب ثلاثة قصور يبعد الواحد عن الآخر قرابة كيلومتر و نصف الكيلومتر و لكن القصور مبنية بالآجرّ. و حولها رأينا الكثير من الخضرة و حقول قمح أو شعير. مياه الآبار تقع على عمق لا يتعدى مترين أو ثلاثة أمتار. القصور من الآجرّ تتألف من مجرد أربعة جدران كبيرة و باب ضخم، أما داخلها فمقسم الى بضعة أكواخ بائسة تستخدم كمأوى. و القصور و الآبار و الحقول تعود لبضع خيام للصلب تقع مراعيهم الى الجنوب الشرقي من هنا، في النفود، إلى ما وراء وادي الرمة. من حين الى آخر و بخاصة إذا كان الشتاء ماطرا، يذهبون الى الصريف و يزرعون فيه الشعير و الذرة و أحيانا القمح.

تابعنا سيرنا باتجاه الجنوب وصلنا في الواحدة من بعد الظهر إلى قصر رقية في وسط فوهة بركان يبلغ قطرها ميلين. مظهر هذا القصر المبني أيضا من الآجرّ جميل من الخارج، و لكنه في الواقع مؤلف من جدران فقط تضم كوخين بائسين يبيت فيهما النواطير المزارعون.

البئر موجودة داخل القصر و هي من أجمل الآبار التي رأيتها في الشرق. لها فتحة تبلغ 24 مترا مربعا فيما يبلغ عمقها 22 مترا، حفرت الأمتار التسعة الأولى في الرمل و التراب بينما حفر الباقي في الحث. في السنوات الخيّرة ترتفع المياه عادة إلى 15 و حتى 20 مترا و لكن بما أن المطر كان قليلا في الشتاء المنصرم فإن مياه البئر منخفضة نسبيا. المياه التي تسحب من البئر بواسطة الجمال وفق العملية المتبعة في كل الجبل و القصيم، تمر عبر قناة خارج القصر و تروي حقول الشعير، و الذرة و القمح المحدودة.

هذه السنة نظرا لنقص المياه فعلى طول أقنية الري الصغيرة زرع الشمّام و البطيخ الأحمر. قام بتشييد هذه الملكية الجميلة التي تخص الأمير حسن والده مهنا قبل عشرين سنة.

80

الروضة

على بعد ثمانية كيلومترات الى الشمال الشرقي من قصر رقية يقع كفر النبقية الصغير الذي يضم 35 نسمة. و ما بين الرقية و النبقية تمتد صحراء حجرة ثم يعود النفود ليبدأ على مسافة قصيرة إلى شرق هذه القرية الأخيرة.

بعد توقف لمدة ساعتين في الرقية تابعنا سيرنا جنوبا، 15 درجة شرقا، و وصلنا بعد ساعتين إلى الروضة و هي قرية تعد 150 نسمة و مقر إبراهيم المهنا، شقيق الأمير حسن. كل واحد منهما يملك فيها مزرعة كبيرة من النخيل. للقصر الذي بناه إبراهيم لنفسه و إن كان من الآجرّ، مظهر مهيب جدا و خاصة من بعيد. و يخيل إلينا أنه بناء بابلي هائل.

إبراهيم أقل ذكاء من شقيقه حسن و للوهلة الأولى لا يختلف في شي‏ء عن خدمه الذين ينام معهم على بطنه على الرمل و الغبار. أما فيما يتعلق بي فقد استقبلني بحفاوة.

كنت أعتزم قضاء يوم في الروضة لفحص الجانب الجيولوجي المثير للاهتمام للمنطقة المحيطة و لكن ذلك استحال عليّ. فمنذ مغادرتي بريدة كانت الرياح تعصف بقوة غريبة و السماء كانت باستمرار متلبدة و الجو ثقيلا ثقل الرصاص. إبان عصف الريح كان ميزان الحرارة يرتفع في الظل حتى+++ 50 درجة مئوية. إلا أنني كنت أتحمل كل هذا بشكل أفضل في العراء منه في بيت تحت النخيل. و إذ رأيت ميزان الحرارة يرتفع غداة وصولي بسرعة أكبر من البارحة و لدى شعوري بأن رأسي مطوّق بطوق من حديد، أعطيت أمرا بالمغادرة في العاشرة صباحا. و بعد نصف ساعة بدأنا سيرنا باتجاه الجنوب و قد لففنا الرأس و الجسم و كأننا في رحلة إلى القطب الشمالي لحمايتهما من الشمس و الريح الحارقتين. و بعد ساعة في هذه الوجهة وصلت الى وادي الرمة قادما من الغرب، و نزلت في مجراه و سرت فيه حتى الثالثة حيث غادرته متجها في طريقي نحو الشمال. و بعد ساعة و نصف الساعة كنت قد عدت الى بريدة.

من المكان الذي التقيت فيه وادي الرمّة قادما من الروضة، تقع على مسافة 3 كيلومترات جنوبا الى وراء الوادي قرية الشماسيّة الصغيرة و تضم 250 نسمة. هذا المكان الذي قيل لي إنه فقير كان موجودا في القرن الماضي.

على مسافة عشرة كيلومترات شمال غربي الشماسية تقع الثامية و هي مزرعة

81

صغيرة تضم 10 أشخاص. أمضيت اليومين التاليين في بريدة و في 17 آب غادرتها مرة ثانية لزيارة عنيزة.

تلبية مني لدعوة أحد السكان الأثرياء، الشيخ ناصر الذي كان يقطن قرية الخب، أخذت طريقي من هنا. كانت المسافة تبلغ ميلين فيما كانت الوجهة الجنوب، 67 درجة غربا.

غربي بريدة يشكل النفود تلالا طويلة تمتد من الشمال الى الجنوب. و الخب تمتد في الاتجاه عينه في الوادي الثاني ابتداء من بريدة على طول 4 كيلومترات و تضم ملكيات رائعة. ملكية الشيخ ناصر من أروعها تضم 700 نخلة يبلغ عمرها ستين سنة أي أنها في عز حيويتها. و هو يملكها منذ ثلاثين عاما و لكنه عازم على بيعها نظرا لتناقص المياه و قد عرض عليه هاو حاليا خمسة آلاف ريال أي حوالي 20000 فرنك مما يجعل سعر النخلة الواحدة اكثر من سبعة ريالات بقليل. في حائل يبلغ سعر النخلة إجمالا عشرة ريالات. يستفيد الشيخ ناصر من هذه الملكية دخلا سنويا يبلغ 2000 فرنك تقريبا و يجعله هذا المبلغ رجلا ثريا في القصيم.

لم أغادر الخب إلا عند صلاة العصر قرابة الثالثة عصرا و سرت الى الجنوب الشرقي. و بعد كيلومترين صادفنا أول بساتين حويلان و سرت بمحاذاتها مسافة 3 كيلومترات حيث تبدأ القصيعة التي تمتد أيضا من الشمال الى الجنوب على مسافة تتراوح ما بين 2 و 3 كيلومترات.

على الرغم من وجود هذه القرى الثلاث الخب، حويلان و القصيعة في قلب النفود إلا انها تقع في ثنية أرضية خالية من الرمل و هي من هذه الزاوية تشبه الجبة شمال جبل أجا و آبار الشقيق و الزهري جنوبي الجوف.

بعد مغادرتي الخب بساعتين، تركت الوادي الذي تمتد فيه هذه البلدات الثلاث و سرت مجددا في النفود إلى الجنوب 10 درجات شرقا. انطلاقا من هذه النقطة و حتى مدينة عنيزة تصبح الطريق شديدة الخطورة بسبب التجوال الدائم للبدو الذين يخيّمون في الصحاري شرقي هذه المنطقة و غربها.

وادي الرمة و عنيزة

و بعد سير دام من الخامسة حتى الثامنة ليلا في النفود، وصلت إلى وادي الرمّة و أولى‏

82

شجرات النخيل فيه. و قد لزمني نصف ساعة لاجتياز الوادي و بلوغ النفود مجددا على الضفة اليمنى. كان الوقت قد أصبح متأخرا جدا للدخول إلى عنيزة لذا خيمت عند حافة الوادي قرب كوخ فلاحين نواطير النخيل.

جزء من وادي الرمّة الذي يمر قرب عنيزة مزروع كليا بالنخيل الذي يخص سكانا في هذه المدينة. و من الإثمار حتى قطاف التمر يسكن فلاحوهم فيه مشكلين قرية تدعى الوادي. خلال الشتاء يقيم قسم من هؤلاء السكان في المدينة. لا يتجاوز عمق الماء في هذا الجزء من الوادي مترا أو مترين عن سطح الأرض بحيث لا يحتاج النخيل إلى السقي كما هو الحال في أماكن أخرى. فوضعها شبيه بوضع نخيل عقدة و حقل و جو و أماكن أخرى في جبل شمّر.

زراعة النخيل في وادي الرمّة قديمة جدا و قد كان فيها قديما مدينتان أو على الأرجح قريتان كبيرتان مزدهرتان تماما. إحداهما إلى شمال- شرقي عنيزة تدعى الوهلان، و الأخرى إلى الشمال- الغربي تحمل اسم العيارية. و قد اختفتا كليا اليوم و كانتا بالطبع مبنيتين من الآجرّ. إلا أن الشيخ غانم الذي تعرفت إليه في عنيزة أكد لي انه رأى قبل عشرين عاما في البلدة الأخيرة من البلدتين حجارة مقصبّة تحمل نقوشا. و قد اختفت منذ ذلك الحين. و لكن من المرجح إذا كان الخبر صحيحا أن وزنها جعلها تغوص في تربة الوادي الرخوة.

صبيحة اليوم التالي، سرت عند شروق الشمس و وصلت بعد ساعة أمام عنيزة التي تطل عليك بمظهر عظيم و أنت قادم من الشمال. ثم أمضيت أكثر من نصف ساعة لاجتياز البساتين و المنازل الأولى لبلوغ قصر الأمير زامل.

كان الأمير زامل الذي أدى دورا مهما في تاريخ بلاده قد بلغ الثانية و الخمسين عام 1880. و هو رجل صغير القامة، أعرج بسبب رصاصة أصابته خلال الحرب. جبهته عريضة و عيناه الحيويتان شديدتا الذكاء و مجمل ملامح وجهه هي ملامح ثعلب قديم داهية.

و بعد ما قرأ الرسالة التي حمّلني إياها محمد بن رشيد له، بدا محتارا و قلقا. فقلت له عندئذ محاولا طمأنته بأنني جئت لأمضي يومين أو ثلاثة لزيارة المدينة. بداية لم يشأ أن أخرج من القصر لكنني قاطعته مؤكدا له جازما بأنني لم أقطع المسافة لأبقى محبوسا في مضافته.

83

غير أننا توصلنا في النهاية إلى تفاهم و توافقنا على ألّا أخرج إلا بصحبة شمّري و اثنين من رجاله و فيما عدا ذلك لي الحرية المطلقة. و أوصاني كما فعل الأمير حسن في بريدة بأن أرتدي باستمرار زي شيخ شمّري كبير و السيف في يدي. و أضاف" آه، لماذا اتيت الى هنا في شهر رمضان المبارك؟" فطمأنته ما استطعت مؤكدا له أن كل شي‏ء سيسير على ما يرام. فقال" إن شاء الله!".

ستدركون مدى المخاطر التي شكلها حضوري بالنسبة الى زامل عند ما تعلمون أن سكان عنيزة يعدون من الأكثر تعصبا و أن زامل ليس أميرا عظيم الشأن على غرار ابن رشيد في حائل. عنيزة اليوم هي مدينة شبه مستقلة، إنها جمهورية و هو مجرد رئيس منتخب فيها.

و بالفعل، كل شي‏ء سار على ما يرام، و استطعت أن أقوم بكل جولاتي و مراقباتي، حتى إنني وجدت صديقين و هما: عبد العزيز ابن محمد البسام و هو تاجر ثري زار الهند و فارس و الآخر الشيخ غانم الذي أمضى سنتين في إستانبول.

قائد الحرس المدني، إذا صح التعبير، الذي يملكه زامل، و هو أحد الجنديين اللذين وضعهما لحراستي، يدعى ثقيل و يبلغ من العمر خمسا و أربعين سنة. و قد جال بصفة درويش على ما أعتقد، في بلاد ما بين النهرين و كردستان و سورية و مصر و لذلك فإن أفكاره أوسع من أفكار مواطنيه. و قد اسعفني كثيرا خلال الوقت القصير الذي قضيته في عنيزة و جنبني متاعب عديدة. و قد اضطررت مرارا إلى قمع حميّته عند ما كان يهاجم بقوة مبالغة بعصاه أو سيفه الحشد الذي كان يتبعني باستمرار و يضغط عليّ أحيانا.

وفق أقوال زامل و آخرين، فإن عنيزة أسست قبل 1050 سنة و البعض يقول 1150 سنة. لم تكن المدينة الأولى تشغل الموقع الحالي بل كانت على بعد ميل إلى الغرب.

و بعد ما هجرت أو دمرت بعد ثلاثمئة و عشرين سنة على وجودها، أعيد بناؤها في الموقع الحالي.

أرض عنيزة صغيرة جدا اليوم. و هي تتكون في الخارج من الشبيبية على مسافة تسعة أميال إلى الجنوب و هي قرية مهدمة لم يبق منها سوى القصر و هو أيضا بات أطلالا. في الشتاء تزرع فيها أحيانا حبوب.

على مسافة سبعة أميال شرقا، روضان العوشزية و فيها 1000 نسمة

84

و اخيرا الوادي في الشمال و يضم 500 نسمة تقريبا.

برأيي أن عنيزة بالذات تعدّ ما بين 18000 و 20000 نسمة على أبعد تقدير. و فيها خمسة عشر مسجدا و أربع مدارس واحدة منها للبنات.

بعد ما كانت منذ البداية تشكل جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية الوهابية، بقيت في هذه التبعية حتى وفاة فيصل عام 1865. ثم نشبت الحرب الأهلية مباشرة بين أولاد الأمير الراحل الأربعة: سعود، عبد الله، عبد الرحمن و محمد. عند وفاته ترك سعود ولدين محمد و عبد العزيز. و قد تنازل لهما عبد الله الذي خلف والده أميرا لنجد، عن أراضي الخرج.

فور وفاة سعود تقريبا، اندلعت حرب خلافة طويلة فيما بين شقيقيه عبد الله و محمد. و بعد مغامرات متنوعة أجريا السلم فيما بينهما و احتفظ عبد الله بالسلطة.

و لكن خلال الحرب الأهلية تفككت الإمبراطورية الوهابية، فأخذ جزءا منها الأتراك أما في الخليج الفارسي و في الداخل فقد استقلت عدة مدن كبرى و في عدادها عنيزة و الرس. أولى هاتين المدينتين لم تعد تدفع لأمير الرياض أي ضريبة منذ عام 1867. هذا ما هو عليه الوضع اليوم في نجد الذي أطرقه عرضا عازما على معالجة الجزء المتعلق بتاريخ الجزيرة العربية الوسطى في عمل آخر.

غادرت عنيزة في عشية 20 آب، بعد صلاة المغرب. و كان الأمير زامل قد اتخذ احتياطات استثنائية لمنع حصول أي حادث مزعج لي على أراضيه. فقد أخليت الساحة الكبرى أمام الجامع التي يفضي إليها الطريق المسدود الذي يسكن فيه زامل و وضع رجال مسلحون في الشوارع الخمسة المؤدية إلى الساحة مانعين كل اتصال. أخذت الطريق عينها التي أتيت منها. و من بعيد كنت أسمع رجالا آخرين منهمكين بصد أولئك المتوجهين إلى الساحة و كان صرخات الناس المدفوعين و صياحهم يتناهيان إليّ. لدى اقترابي رأيت أن جميع رجال الأمير قد استلّوا سيوفهم من أغمادها. و مع تقدمي تدريجيا مع شمّري كان الرجال الذين يقطعون الشوارع ينكفئون من ورائي.

لم يدهشني اهتمام الأمير البالغ بي و الذي تجسد بهذا العرض للقوى الذي لم يبلغني عنه على أي حال، بقدر ما أدهشتني فظاظة الجنود في تنفيذ الأوامر. أحد السكان الذي لم يعد أدراجه فورا راغبا في الحصول على مجرد تفسير وجد نفسه محاطا

85

بخمسة رجال من المواكبة بلمح البصر، و قبل أن أتمكن من التدخل كان قد أصبح طريحا بلا حراك على الأرض بعد ما انهالت ضربات مقابض السيوف على رأسه.

و ترك ممدا وسط الطريق و لم يكترث أحد به.

لدى خروجي من المدينة استطعت أن أعدّ حراسي و بلغ عددهم سبعة عشر. و أردت ان أصرفهم لكنهم قالوا لي إن أوامرهم تقضي بإيصالي حتى مشارف بريدة.

و توقفنا برهة فأشعل جميعهم مشاعل بنادقهم ثم تابعنا سيرنا. فانقسموا إلى ثلاث مجموعات سارت على مسافة عشرين مترا إلى جانبي و ورائي.

في غضون ساعة أصبحنا على مرأى من الروغاني و هي قرية مؤلفة من 120 نسمة، فتجاوزناها و بعد دقائق أقمنا مخيما في الوادي.

تابعنا سيرنا قبل الثالثة و وصلنا قبالة خطر في الخامسة حيث غادرتني المواكبة لتعود إلى عنيزة. و بعد خمسة كيلومترات بتنا على مرأى من صبيح و لم نلبث أن عدنا إلى بريدة.

إلى جانب البلدات التي ذكرتها خلال مساراتي في القصيم، لا بد لي من ذكر بعض البلدات التي لم أتمكن من الحصول على معلومات دقيقة بشأنها لأسمح لنفسي بوضعها على الخريطة. فليس في البلاد العربية أمر أقل حشمة بل و أخطر من الاستفسار عن معلومات جغرافية في الجزيرة العربية الوسطى. المستشرقون يعرفون ذلك و آمل ان يسامحني علماء الجغرافيا على الثغرات التي أشرت إليها لتوّي.

البلدات التي لم تذكر على الخريطة تقع في المثلث المكوّن من عنيزة و بريدة و غودة و هي الشيحية (على بعد 12 ميلا من بريدة إلى الغرب)، بكرية، الهلالية، الخبرا، رياض ابن حنايا.

إلى شرق بريدة و بين هذه المدينة و وادي الرمّة، أيضا بلدتان صغيرتان هما حنيظل و أبو الدود.

و أخيرا هناك قرية أخيرة اسمها دويرة تقع على مسافة قريبة من بريدة الى الغرب أو الجنوب- الغربي.

على بعد بضع كيلومترات غربي حويلان توجد الرويضيّة و هي قرية مهجورة.

بقيت يومين إضافيين في بريدة ثم غادرتها في 23 آب لأعود إلى الجبل.

86

انطلقت في التاسعة صباحا و وصلت بعد ساعتين إلى الشقة حيث توقفت هنا مدة ساعتين. و لدى مغادرتي هذه البلدة سلكت طريقا تقع أكثر إلى الشرق من الطريق التي سلكتها للذهاب الى القصيم مما سمح لي بمشاهدة بلدتين لم ازرهما من قبل.

إذ غادرت الشقة عند الواحدة من بعد الظهر متجها شمالا 65 درجة غربا، وصلت بعد ثلاث ساعات إلى أوثال‏Outsal و هي قرية مؤلفة من 250 نسمة و تحتل موقعا موفقا في حوض من الحث طوله ميلان و عرضه ميل واحد. و من أجل العثور على ماء لا يتبدل منسوبه طوال السنة ما علينا سوى أن نخرق طبقة الحث التي تشكل أرضية الحوض و التي تتراوح سماكتها ما بين مترين و خمسة أمتار. و قرية اوثال لا تشكل كتلة متراصة بل تتألف من ست مجموعات من الملكيات. و المياه ليست صالحة للشرب في كل مكان. و بين الشقة و أوثال تمتد صحراء حجرة حيث يطفو الحث باستمرار.

قصيبة

في صبيحة اليوم التالي غادرت أوثال و بعد سبع ساعات كاملة من السير عبر صحراء البطين الحجرة، وصلت إلى قصيبة.

صحراء البطين أبشع صحراء عرفتها. انطلاقا من أوثال نسير خلال ساعة تقريبا عبر صحراء من الحجر الرملي تعقبها مباشرة صحراء من الحصى المبروم تمتد حتى قصيبة. و في كل هذه المسافة الطويلة لا تشاهد العين نبتة خضراء واحدة مما يضفي عليها كآبة تفوق الوصف.

قصيبة تحتل أيضا حوضا طبيعيا شبيها بالأحواض التي وصفتها آنفا إنما أعمق منها. حافة الحوض ترتفع إلى 30 مترا مما يحجب رؤية نخيل القرية الذي لا نراه إلا لدى بلوغنا حافة الحوض. إلا أننا نلمح على بعد ميلين الأبراج المنتصبة على المرتفعات لمراقبة المناطق المحيطة.

قصيبة التي كانت ذات نفوذ كبير فيما مضى، لا تزال اليوم إحدى كبريات بلدات القصيم الجنوبي. و قد أكد لي الشيخ المحليّ أنها كانت تعدّ 2000 بندقية و لكن من الواضح أن هذا الرقم مبالغ فيه و أقدر بأن السكان لا يتجاوزون 3000 نسمة على أبعد

87

تقدير. للوهلة الأولى تميل بالفعل إلى منحها عددا سكانيا أكبر لأن البلدة بكاملها تمتد على أكثر من 4 كيلومترات على طول الجانب الغربي للحوض الذي تقع فيه.

و لكن ما إن نمعن النظر حتى نكتشف بأن جزءا كبيرا من الأملاك مهجورة و أصبحت أطلالا. و يتكرر هنا بوتيرة متزايدة انهيار بئر و اختفاء الماء بحيث لا مفر للمزارع من الابتعاد قليلا و حفر بئر جديدة و القيام بمزروعات جديدة.

و قد يحدث أمر غريب في قصيبة يتمثل في تحول ماء بئر كانت طيبة المذاق منذ أجيال و أجيال، بين ليلة و ضحاها، إلى مياه مالحة أو مرة. و علاوة على ذلك فالمياه غزيرة و ارتفاعها ثابت على مدار السنة.

يعتبر وجود ينبوع ماء حدثا نادرا في الجزيرة العربية لذا يعرف هذا الينبوع من بعيد. هكذا علمت في الجبل بوجود ينبوع في قصيبة حيث اكدوا لي ذلك. و قد قادني الشيخ بنفسه اليه. و بذلك تبيّن لي ان الينبوع عبارة عن بئر ارتوازية ذي منسوب منتظم يبلغ ليترا في الثانية. و بما أنه يرجح عدم معالجة البئر إطلاقا، فإن المياه غامقة اللون نتنة و غير صالحة للشرب. و بسبب الوحل لم أستطع قياس عمقها الذي قيل لي إنه يبلغ 20 مترا و هو رقم مبالغ فيه برأيي. حرارة المياه التي اخذت على عمق 5 أمتار مرتفعة جدا و قد بلغت+ 10، 29 درجة إلا انه من المحتمل ان تكون غير بعيدة عن المعدل السنوي للحرارة في المنطقة إذ يبدو ان قصيبة تخضع لتأثير عوامل مناخية خاصة. و قد أكد لي جميع السكان ان البلدة لا تعرف البرد إطلاقا و انه لا يلاحظ أي فرق في الحرارة بين الشتاء و الصيف. كما و ان الشتاء المنصرم الذي كان قاسيا جدا على شجر النخيل في الجوف و شمر و باقي نجد لم يشعر به هنا. لذا يمكن الاستخلاص من كل هذا بأن قصيبة لا بد أن تكون وسط منخفض واسع و على الأرجح على ارتفاع أدنى من مستوى باقي القصيم بعدة مئات من الأمتار.

و فرة الماء و ارتفاع الحرارة تغذيان في هذه البلدة على مدار السنة آفتين مزعجتين و هما البرغش و الحمّى.

تنعم قصيبة منذ القدم بشهرة وطيدة بأن لديها أفضل تمور القصيم.

في هذه الواحة التي يمكن لها أن تكون جنة يعيش سكان بائسون خاملون. لدى رؤية الملكيات العديدة المهجورة نسأل عن سبب الهجرة، أهو الهواء أم الماء أم الغذاء؟ من دون إنكار تأثير هذين العاملين الأخيرين، أعتقد أن العامل الأكثر فعالية هو الهواء

88

المتخم بالهوامّ المنبعثة من المياه الراكدة العديدة و الذي لا تجدده رياح الغرب المهيمنة لأن الواحة محمية كليا من هذا الجانب بجدار الحوض الذي تقع فيه. و مهما يكن من أمر فإنني لن أنسى لأمد طويل القسمات المشدودة و الوجوه الضامرة و الأجسام الضعيفة النحيلة و الصغيرة للسكان.

عند الطرف الشمالي- الشرقي لحوض قصيبة أملاك اسمها مشكوك.

و عند طرف القرية في الشمال تنتصب على كتف جدار الحوض أطلال مبنى قديم من الحجر المقصّب يعرفه جميع الناس في نجد تحت اسم قصر عنتر أخو مارد. و في ذهن سكان البلاد تعود كلمة أخو إلى كلمة قصر و تعني ان هذا القصر هو أخ قصر مارد في عين ابن فهيد.

لم يبق شي‏ء يذكر من هذه الأطلال. خط الأسوار على الأرض و بعض الحجارة المتناثرة. لم استطع العثور على أي أثر للنقوش و قد أكد لي السكان أيضا انهم لم يلاحظوا وجود أي منها بتاتا.

الكهفة

في اليوم التالي غادرت قصيبة قبل الفجر. متوجها إلى الكهفة و بعد ساعتين من السير شمالا، 15 درجة غربا، بلغنا حوضا جديدا يدعى الحمودية يضم ست أملاك مهجورة. و هو لا ينتج نخيلا و يأتيه العرب البدو أحيانا ليزرعوا الحقول شعيرا و قمحا. منذ أكثر من عشر سنوات و هذه الحقول بور و لكن المنشآت و الآبار محفوظة تماما تحت هذه السماء الحليمة و المياه في الآبار وافرة. توقفت هنا لمدة نصف ساعة لتناول بضع تمرات.

و لم نلبث أن استأنفنا سيرنا، و قرابة الساعة التاسعة بدأت صحراء جديدة لا مثيل لكآبتها، مكونة فقط من حطام حث و خالية من أي شجيرة. و قد عانيت كثيرا من القيظ و بالأخص من ارتداد وهج الأرض. هذه الصحراء الحجرة الواقعة بين قصيبة و قوارة و الكهفة تدعى الترمص. أخيرا في الرابعة عصرا لمحنا الكهفة التي وصلنا إليها بعد ساعتين.

89

بشأن المسار على الخريطة بين قصيبة و كهفة لا بد لي من الملاحظة بأن الالتفافات التي نراها لم تستلزمها طبيعة الأرض القابلة للعبور من كل الاتجاهات، إنما حيرتنا حيال الوجهة التي يجب اتباعها. لم يكن في هذا الاتجاه غير المطروق إلا نادرا، على أي حال، أي درب أو أثر، فهذه الأرض الحجرة لا تحتفظ بأي أثر و رفيقي طراد لا يعرف سوى طريق القصيم الاعتيادية التي تمر بقوارة. و ما كان يربكنا هو أن شيخ قصيبة لدى إعطائنا وجهة كهفة في الصباح على طريقة الصحراء أي بقطعه الأفق بيده المفتوحة عموديا، أشار إليها متماديا إلى الشمال.

و قد أبدى لي الشيخ عمار ارتياحه لرؤيتي سالما و معافى و خصني باستقبال حار و لكنني لم أدخل منزله و بقيت مخيّما في الخارج على الرمل لأتمكن من المغادرة باكرا.

الا أنه أراد ان يعتبرني ضيفه، فأرسل لي بعد العشاء اثنين من رجاله لحراسة جمالي و أشيائي طوال الليل مع أن ستة من فرسان الأمير الذين التقيتهم هنا وضعوا أنفسهم فورا في خدمتي.

في اليوم التالي انطلقنا في ساعة مبكرة و لكن على مسافة فرسخين من كهفة ضيعنا قرابة ثلاث ساعات بسبب إنذار بوجود لصوص قمنا بمطاردتهم لكنهم أفلتوا منا بفضل الظلام، بحيث لم نصل إلى فيض إلا قرابة غروب الشمس.

لدى مغادرتي في صباح اليوم التالي، اجتزت جبل سلمى عبر وادي الاتسر و حينما مررت قبالة قصر عدوه و هو ملكية مهجورة حاليا، خيّمت لبضع ساعات قرب جبل فتيت وعدت إلى حائل في 28 آب بعد غياب دام ثمانية و عشرين يوما.

جبل جلدية

في 22 أيلول فيما كان الأمير يقوم بغزو جنوبي وادي الرمّة، قمت برحلة إلى جبل جلدية الذي يبعد مسافة يوم طويل إلى شرق حائل حيث ذكر لي وجود نقوش.

انطلقت في الساعة الرابعة عصرا من حائل و سرت مدة ساعة مع دليلي باتجاه الشمال، 77 درجة شرقا.

90

في صباح اليوم التالي انطلقنا قبل الفجر و وصلنا بعد ساعة إلى حدود الأرض الغرانيتية حيث يبدأ الحث فورا. و بعد قليل أقمنا مخيما قرب كتلة ضخمة من الحث تدعى أم الرجوم مغطاة كليا بنقوش حميرية محاها الزمن كليا تقريبا غير أنني استطعت أن أنسخ أربعا منها لا تزال مقروءة بشكل واضح.

على بعد خمسة عشر كيلومترا إلى الشمال، 80 درجة شرقا، صخور باعور حيث أيضا غدير يحمل الاسم إياه و حيث وجدت ثلاثة نقوش إضافية و صور حيوانات رسمت بشكل صحيح نسبيا.

أبعد من ذلك في الاتجاه عينه توجد صخرة البواب حيث خيّمت بعد ما نسخت ستة نقوش.

في صبيحة اليوم التالي، وصلت بعد شروق الشمس بساعتين أمام قمة معزولة كانت فيما مضى متصلة بجبل جلدية و تحمل نقوشا ما زال الجزء الأكبر منها محفوظا بشكل جيّد. هذا الجزء من الجبل يحمل كذلك اسم البواب. هنا نسخت ثمانية و عشرين نقشا جميعها حميرية.

عند قاعدة جبل البواب يتكون الوادي الذي يحمل الاسم عينه و الذي يجري نحو بقعا في الشمال- الشرقي على مسافة 5 أميال إلى الجنوب- الشرقي لجبل جلدية يقع جبل جهنةGehennah .

على بعد 4 أميال إلى الشمال 80 درجة غربا من البواب، عثرت على ثلاثة نقوش إضافية أخرى على مسافة ثلاثة أميال في رافد صغير لوادي الشقيق محفورة على صخرة يبلغ ارتفاعها 20 مترا تقريبا و تدعى الصعيليدزه‏ (1)El C ?ailidzah .

لوادي الشقيق الذي يتكون في هذه المنطقة مسار يبلغ 12 ميلا تقريبا إلى الشمال.

الشرقي و يضيع في الحوض الذي يحوي آثار الحاصرة.

في اليوم التالي في 25 أيلول عدت إلى حائل. و قد أعطتني رحلتي النتائج الآتية:

1- خمسون نقشا حميريا.

____________

(1) الليدي آن بلانت رأت هي أيضا هذه الصخرة التي تسميها صيليةSaylyeh و النقوش التي قال السيد رسام إنها أحرف فينيقية قديمة و هذا ما تشكك به بحق، هي نقوش حميرية. انظر

Voyage en Arabie. Pe? lerinage au Nedjed, Berceau de la Race Arabe, Par Lady Ann Blunt.

ص. 25- 321، 1882Paris ,Hachette ,

91

2- الدليل على أن المنطقة الغرانيتية ذات مساحة ضيقة جدا شرقي حائل و هذا ما لم أكن لأصدقه إذ بعد رحلتي إلى القصيم افترضت أن الغرانيت يمتد على الأقل حتى هاجرة فيدFeyd شرقي حائل.

3- الاكتشاف الجديد الذي يثبته مجرى الوديان بانحدار جبل شمّر باتجاه الشمال- الشرقي انطلاقا من نقطة حددتها مؤقتا بين الجنوب و الغرب أبعد من جبل أجا البادي من حائل. هذه المسألة كانت قد تكشفت لي جزئيا من مجرى وادي حائل.

و اكتشفت كذلك أن هذه المنطقة على الرغم من كونها صحراء حجرة فحسب، تحتوي على مراع أفضل من الأراضي الغرانيتية الواقعة في الجنوب. فالحث الطري بطبيعته يتفاعل بسهولة مع الماء و يسمح بأن تخترقه، لذا فإن كل المنطقة التي جبتها ما بين الباعور و جبل جلدية مثلّمة و لا تحتوي إلا على القليل من الرمل مما يساعد على نمو الخضار. و هي أخيرا تملك عددا كبيرا من الغدران التي تحتفظ بالماء حتى شهر أيار في مواسم الشتاء الممطرة.

الحجاز

لم أتمكن من المغادرة لزيارة واحات الغرب إلا في 30 تشرين الأول. و كان الأمير قد أعطاني دليلا على معرفة تامة بالمنطقة من حائل إلى تيماء. في تيماء أو في العلا قام حكام الأمير بتأمين دليل آخر لي للذهاب إلى خيبر و للعودة من هناك إلى حائل.

كان دليلي، و هو شمّري من قبيلة سويد، يدعى عجلان ابن جعري.

الطريق المألوفة للذهاب من حائل إلى تيماء تمر عبر رعى السلف‏ (1) و لكن رغبة مني في تحديد جبل أجا باكبر دقة ممكنة، اتخذت طريقي من الشمال للالتفاف حوله.

انطلقنا من حائل عند الظهر، و أقمنا مخيّمنا عشية مرحلتنا الأولى شمال جبل أجا.

____________

(1)Ri`a رعى مضيق، معبر.Ri`a e`Self رعى السلف يجتاز جبل أجا من جهة إلى الجهة الأخرى. و هو يبدأ جنوبي قفار و يفضي إلى قرب موقق‏Mouqaq .

92

في اليوم التالي و بعد مسيرة دامت ثلاث ساعات وصلنا إلى النفود و في الساعة الثالثة عصرا كنا نخيّم فيه بانتظار دليلي، على مسافة كيلومتر واحد شمال جبل حشب.

قرابة الظهر كنا قد وصلنا إلى آبار الحفرةEl Heferah . هذه الآبار القديمة جدا و البالغ عددها أحدى عشرة بئرا، تتمتع بجدران مزودة بحجارة مقصّبة. حجارة الغرانيت العليا مصقولة كليا و هي تحمل خطوطا عميقة ناجمة عن التآكل الذي تحدثه الحبال. و يبلغ عمقها حوالي 20 مترا فيما يبلغ قطرها 3 أمتار.

تقع الآبار في حوض شبيه بحوض جبه إنما مساحته لا تتعدى 4 فراسخ مربعة تقريبا.

شرقي الحوض منزل كبير فيما إلى الغرب شجر نخيل له من العمر أربعون عاما تقريبا. كل هذا هجره المالكون منذ خمس سنوات فقط ليعودوا إلى حياة البداوة.

في اليوم التالي، في الأول من تشرين الثاني لم نمش إلا تسع ساعات و خيّمنا في المساء قرب خيمة بدوي من قبيلة سنجارية.

بعد انطلاقنا في الصباح بوقت قصير تراءى لي جبل مسما برهة و سجلت ذلك و كذلك القمة المسماة سمير ثويل. حيث عند قاعدته قرية ثويل‏Thouail المعروفة أكثر باسم تويةTouiah مع عشرة قلب و ثمانين ساكنا.

في 2 تشرين الثاني استأنفنا مسيرتنا مع شروق الشمس و وصلنا ظهرا بعد مسيرة ست ساعات إلى آبار العبيسةEl`Abeisah عند سفح بعض التلال الغرانيتية التي تحمل الاسم عينه. هذه الآبار تخص عرب عبريت‏Abreit الذين تقع أراضي تجوالهم في النفود، بين أراضي سنجارية شرقا و أراضي بني وهب غربا. الآبار قديمة جدا و جدرانها مزودة بكتل من الغرانيت الأسود المعرّق بالأبيض. المياه الطيبة المذاق تقع على عمق 12 مترا. قطر الآبار لا يتجاوز 20، 1 متر.

على بعد عشرة كيلومترات شمالي آبار العبيسة بئر رمادة فيما تقع بئر سالمي على مسافة خمسة عشر كيلومترا من هذه الأخيرة إلى الشمال- الغربي. مياه هاتين البئرين شديدة المرارة و لا يمكن استخدامها إلا لسقي المواشي.

من بعد هاتين البئرين الأخيرتين، و على مسافة 35 كيلومترا إلى الشمال الغربي من آبار العبيسة، يقع جبل حبران البالغ طوله 8 أميال من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي. و في الاتجاه نفسه، على بعد 30 كيلومترا، يقع جبل فردادFredad و له وجهة

93

الجبل السابق نفسه و لكن طوله يبلغ قرابة 40 كيلومترا.

هذان الجبلان مثيران للاهتمام، إذ إنهما يسمحان، لكونهما من الحث، بمتابعة تحديد الخط الفاصل بين الحث و الأرض الغرانيتية بشكل تقريبي حتى تحت رمل النفود. و برأيي إن هذا الخط لا بد أن يكون على مسافة قريبة من الطريق التي سلكتها منذ آبار الحفرة و حتى آبار العبيسة مع المرور شمال جبل حشب و آبار الحفرة.

على بعد 45 كيلومترا جنوبا 5، 7 درجة شرقي العبيسة، أبعد من النفود و على مسافة قصيرة من جبل أجا، تقع موقق. هذه البلدة القديمة جدا، كانت مهمة جدا في غابر الزمان و هي من بعد قفار و المسجد، أهم بلدة في الجبل. و إذ باتت اليوم في وضع متقهقر جدا فإنها تملك فقط 10 قلب نورد اسماءها في ما يأتي:

- آدروب‏Adroub 100 نسمة

- لزام‏Lezam 50 نسمة

- مشرفةMasurefah 60 نسمة

- سرحاني‏Serhany 50 نسمة

- الخرابةEl Kheraba 90 نسمة

- سلامي‏Salamy 30 نسمة

- المتنةEl Metnah 20 نسمة

- شليل‏Seleil 50 نسمة

- سنودSenoud 20 نسمة

- شويمةSoueima 30 نسمة

موقق منهكة بسبب أنواع الحمّى المستشرية بانتظام كل سنة منذ الخريف و حتى الصيف.

في عام 1870 حصد مرض الكوليرا الذي جلبته قافلة عائدة من مكة ربع السكان.

على مسافة 6 أميال جنوبي موقق تقع بدع جفيفةBed`a Gefeifa الدارجة تسميتها جفيفة و فيها قرابة 100 نسمة.

94

بعد توقف دام ساعة عند آبار العبيسة استأنفنا مسيرتنا باتجاه الغرب ثم خيّمنا مساء قرابة الساعة الخامسة تحت خيمة الشيخ فرحان بن عيسى من قبيلة درلهاDrelha . و كنت قد تعرفت في حائل الى هذا الشيخ الذي استقبلني بترحاب.

في اليوم التالي، قادتني مسيرة أربع ساعات إلى حدود النفود و بعد 4 كيلومترات أخرى وصلت إلى بئر المريد المسوّرة و البالغ عمقها 15 مترا و قطرها 20، 1 متر. الماء فيها شديد المرارة و مالح و لا يمكن استعماله إلا لسقي المواشي.

على مسافة عشرة كيلومترات إلى الجنوب- الشرقي من المريد يقع جبل الحاب‏El H`ab الصغير و على مسافة مماثلة إلى الجنوب- الغربي يقع جبل عريق‏OuraiK و الجبلان من الغرانيت الأحمر الداكن.

لدى مغادرتنا المريد بعد توقف دام ساعة، سرنا أربع ساعات في الصحراء التي تفصل هذه البئر عن جبلي المسما و العوجا ثم خيمنا فيها عند غروب الشمس. هذه الصحراء التي يبرز فيها الصخر العاري باستمرار هي سهل مستو، رتيب و النباتات فيه نادرة.

في 4 تشرين الثاني انطلقت قبل الفجر و وصلت بعد مسيرة خمس ساعات إلى الرأس الجنوبي لجبل العوجا الذي يلتحم به فورا الجزء الشمالي من جبل مسماMisma . الجبلان خارج النفود و مكوّنان من الحث. اتجاههما المماثل إلى حد بعيد لاتجاه جبل أجا هو شمالي- شرقي إلى جنوبي- غربي.

في المكان الذي بلغت فيه جبل مسما عثرت على نقش كوفي صغير، و في الجزء الجنوبي حيث غدير رأيت أحد عشر نقشا حميريا فنسختها.

من قاعدة جبل مسما تمكنت من رؤية جبل حبران برهة من الزمن و سجلته.

و بعد استراحة دامت ثلاث ساعات عند غدير مسما، تابعنا طريقنا مجتازين الجبل و قد سهل عبورنا كثيب عال من رمال النفود التي رمتها الرياح الغربية عليه. و بعد ثلاث ساعات و نصف الساعة من السير خيّمنا في الصحراء الحجرة الممتدة بين جبلي خنلوه‏Khenlouah و مسما و المماثلة للصحراء الواقعة بين الجبل الأخير و بئر المريدEl Mereid .

في اليوم التالي قادتنا خمس ساعات من السير إلى الطرف الشمالي من جبل خنلوه‏

95

المؤلف كليا من الحجر الرملي و الذي بات في طريقه إلى التفتت. و يبدو لي أنه وفر جزءا كبيرا من مواد النفود. توقفنا هنا قرابة ساعة لتسجيل ملاحظات و تناول بعض التمر. ثم تجاوزنا الجبل، و بعد ثلاث ساعات تجاوزنا جبل عرنان‏ (1)Arna`n و بعد قليل دخلنا مجددا النفود محتفظين بوجهة الشمال، 80 درجة غربا، و في الساعة الرابعة عصرا كنا نخيم قرب خيمة عربي من قبيلة أولاد علي يدعى خلفا و الذي أصر على الرغم من فقره الجلي على اعتباري ضيفه و نحر خروفا.

كنا لا نبعد سوى بضعة كيلومترات عن آبار القولبان الواقعة إلى الشمال و التي استغرق وصولنا إليها في اليوم التالي ساعتين.

إن موقع هذه الآبار في غاية الروعة. إنها ثلاثة آبار تحتل قعر فلج هائل لا يقل عمقه عن 80 مترا و حافظ على كامل تناسق شكله. الآبار البالغ عمقها 17 مترا مسوّرة و مياهها عكرة و مذاقها تشوبه ملوحة إلا أنها طيبة. و قد وجدت حرارتها بدرجة+ 5، 22. لدى وصولنا كان بعض البدو قد خيموا هنا منذ ثلاث ساعات و بدأوا باستنفادها ليسقوا قطعانهم.

على مسافة 27 كيلومترا تقريبا غربي هذه الآبار، توجد في النفود أيضا آبار الحيزةEl Haiza و مياهها هي مياه آبار القولبان نفسها. و قيل لي إن عمقها يبلغ 45 مترا.

في قطر 5 أميال تقريبا حول آبار القولبان يبدو النفود وعرا جدا و صعب الاجتياز.

غادرت الآبار حوالي الثامنة صباحا و وصلت بعد خمس ساعات و نصف من السير بشكل متواصل تقريبا باتجاه الجنوب الغربي إلى حدود النفود، إلى خيمة الشيخ مشعل فأمضيت عنده بقية النهار و الليل.

في صبيحة 7 تشرين الثاني، لدى مغادرتي الشيخ مشعل، توجهت مباشرة إلى الرأس الشمالي لجبل حلوان الذي حددته في الشمال، 74 درجة غربا. قادتني الكيلومترات‏

____________

(1) إنني مضطر إلى إبداء تحفظات بشان أبعاد هذا الجبل الشهير. فتقريبا كل المعلومات التي جمعتها تعطيه طولا يبلغ 40 كيلومترا بينما تقديري و قياساتي للزوايا لا تعطيه سوى 17 إلى 20 كيلومترا على الأكثر. و لكن ربما لم يخطئ العرب تماما و ربما كان لهذا الجبل المكون من حث سريع التفتت قمة في الجنوب تمتد على عشرين كيلومترا، و لكن قممه التي استهلكتها العوامل المناخية ربما تحولت إلى رمل كما حصل لجزء من جبل خنلوة و زادت من ضخامة كثبان النفود هذا الجزء من الجبل الأكثر انخفاضا من الجزء الواقع إلى الشمال بشكل طبيعي يكون قد وجد تحت أفق النقطة التي كنت أجري فيها تقويمي.

96

الأربعة الأولى إلى نهاية النفود الذي تركناه هنا و لم نعد إليه. إلا أنه لم يغب عن ناظري و ظل يلوح باستمرار إلى شمال دربي و حتى وصولي إلى تيماءTeima على مسافات تتراوح ما بين 6 و 18 كيلومترا.

انطلاقا من النفود و بعد ست ساعات من السير وصلت إلى بعض خيام عنيزة نصبوها على بعد حوالي 5 أميال أمام جبل حلوان، فتوقفت في خيمة الشيخ مربطMirbat .

في مظهرها، كانت الصحراء الحجرة دونما تبديل اعتبارا من بئر المريد، لكن الكلس أعقب الحث و قرب مخيمي لتلك الليلة بدأت تظهر من جديد ملامح بركانية الأصل.

في صباح اليوم التالي، قادتني مسيرة ست ساعات تقريبا باتجاه الجنوب الغربي من بعد تجاوز جبل خنلوه، إلى صخور خاله حيث أقمنا مخيّمنا.

بعد فترة وجيزة من مغادرتي المخيم في الصباح، صادفت هضبة بركانية واسعة تحمل على الاعتقاد بوجود طريق رومانية. كل الهضبة كانت تبدو مرصوفة بحجارة كبيرة مربعة قصّبت بعناية.

صخور خاله‏Khalah هي سلسلة تلال من الحث، بيضاء اللون معزولة، مستديرة عند قاعدتها و بيضاوية القمم، قطرها السفلي يبلغ من 30 إلى 35 مترا فيما يبلغ ارتفاعها من 10 إلى 15 مترا. مجمل هذا الارتفاع يتجه على غرار جبال حلوان و عرنان و خنلوه من الشمال- الشرقي إلى الجنوب- الغربي. المساحات التي تفصل ما بين التلال مملوءة بالرمل و تحوي بعض النباتات.

في اليوم التالي في 9 تشرين الثاني، قطعت حوالي عشرة كيلومترات إضافية في منطقة خاله المملوءة بالتلال لأصل إلى صحراء حجرة من الحث الأسود يبدو و كأنه تفحّم. في نهاية الكيلومترات العشرين الأولى أي قرابة الدرجة 37 من خط الطول، صادفت تكوينا حثيا غريبا جدا أسميته حثا مرققا. يبدو و كأن ورقات من الحث بسماكة سنتيمتر إلى سنتيمترين قد وضعت الواحدة فوق الأخرى و أن حافات الورقات العليا قد التفت و ارتفعت في خضوعها لحرارة عالية على طريقة ورقات الرق في حالة مماثلة. هنا رأيت أيضا قواعد مدورة و مربعة خارجة من الأرض شبيهة بقطع أعمدة و كلها بركانية الأصل. كنت قد رأيت الظواهر نفسها بين كهفة و قوارح و شمالي قصيبة. هذه القطع الحثية عينها اعتبرها بالغرايف بأنها بقايا صروح و ذكّرته بعبادة الكواكب.

97

تيماء

بعد فترة وجيزة عند ما لمحت قمة من جبل غرنين‏Ghrenein ، تمكنت من تحديد وجهة تيماء الموجودة شمالي الجبل. و تمكنت كذلك في الوقت نفسه تقريبا من تقويم جبل بردBurd جنوبي طريقي. و بعد ثماني ساعات كاملة من السير الحثيث، خيمت في هذه الصحراء المحجرة.

في صباح اليوم التالي في 10 تشرين الثاني، انطلقت في الساعة الخامسة و في الساعة العاشرة كنت أخيم قرب جبل غنين و بعد ساعتين وصلت إلى تيماء.

و كان ابن رشيد قد أعطاني رسالة للحاكم التابع له في تيماء، عبد العزيز العنقري فحظيت باستقبال في غاية الاحترام و الودّ في آن واحد.

لا شك في ان هذه الواحة من أقدم البلدات فالإنجيل جاء على ذكرها تحت اسم تيما و جميع المؤلفين الشرقيين يأتون على ذكرها كمدينة مهمة و عريقة و بطليموس تحت اسم تيماءThaima يعطي موقعها الصحيح بفارق بسيط بالدرجة 71 من خط الطول و الدرجة 27 من خط العرض. و قد روى لي السكان الذين يتمتعون بمعرفة واهية عن هذا التاريخ القديم أن مدينتهم قد دمرت ثلاث مرات و أنها هجّرت عدة قرون قبل أن تعمر بالناس من جديد. كما أنه يوجد إلى الجنوب- الغربي على مسافة كيلومتر واحد من تيماء كومة أطلال من الحجارة المقصّبة و قطع الأعمدة التي غطت نصفها الرمال، و يسمونها توما و يشيرون إليها على أنها آخر مدنهم القديمة من حيث عمرها.

النقوش التي نقلتها ليست كثيرة و لكنها مثيرة جدا، إما لجهة قدمها أو لجهة شكل أحرفها القديم. أحد النقوش النبطى و آخر آرامي و ثالث لم تحدد هويته بعد. اشير إلى تيماء برسم المستكشف المقبل كي يجري فيها تنقيبا لأنني واثق من وجود كنوز أثرية فيها.

كانت تيماء مبنية بالحجر الأسود البازلتي الشبيه بحجر مدن حوران و جبل الدروز المهدمة. و التفصيل اللافت هو أنني رأيت في مبنى قديم مهدوم ملاصق لبيت عبد العزيز العنقري و يخصه، جزءا من سقف مصنوع من أشرطة طويلة من الحجر نفسه، تماما كما في حوران.

98

أما أعجوبة تيماء فتكمن اليوم في بئرها المشهورة في كل أرجاء الجزيرة العربية.

و قد روي لي مرارا أن" مائة جمل تسحب الماء باستمرار". ولدى التثبت من هذا العدد لم أجد سوى خمسة و سبعين دولابا في أماكنها و لكن الحق يقال بأنه عند الضرورة يمكن وضع مائة دولاب.

هذه البئر بشكلها غير المنتظم تشبه إلى حد بعيد مربعا بزوايا مدورة و يبلغ طول كل ضلع من أضلاعه 20 مترا تقريبا. أما ارتفاع جدرانه فشديد التفاوت، جانبان يبلغان 5، 10 أمتار و جانب آخر يبلغ ارتفاعه 5، 12 مترا من سطح الأرض و حتى قعر البئر.

و يبلغ ارتفاع الطبقة المائية ثلاثة أمتار تقريبا و هي لا تزيد عن ذلك و لا تنقص أبدا مهما كان الموسم. المياه صافية و طيبة المذاق بعد تبريدها في القرب. و قد أكد لي جميع السكان أنها إذا ما شربت من البئر مباشرة، أي فاترة، فإنها تتسبب بمرض شديد.

في الجدار الشرقي للبئر و على مسافة متر تقريبا فوق مستوى الماء توجد في الصخر ثلاث فتحات بعرض نصف متر تقريبا و بارتفاع سبعين سنتيمترا لا يعرف استعمالها و لا مصدرها. كما أن احدا لم يجرؤ على الدخول فيها.

في تيماء 60 قلبا في كل واحد منها من خمس إلى ست عائلات بحيث يكون عدد السكان 1500 نسمة تقريبا.

تمور تيماء هي أفضل تمور الجزيرة العربية الشمالية باستثناء جنسين أو ثلاثة موجودة بكميات محدودة في الجوف و في حائل.

تبقى المحاصيل مؤمنة على الدوام. لان مياه بئر هذه الواحة لا تنقص أبدا حتى بعد عدة سنوات من الجفاف، لذا فإن الملكية العقارية تتمتع في تيماء بقيمة لم أشهد مثيلا لها في أي مكان آخر. فالملكية تباع بمعدل 15 إلى 20 ريالا (1) لكل شجرة نخيل بينما في حائل لا يباع حتى أجمل شجر النخيل بأكثر من 10 ريالات.

بما أن ارتفاع تيماء يفوق ارتفاع حائل فقد عانت المزروعات فيها أكثر مما عانت في الجبل خلال شتاء 1879- 1880 القاسي. غير أن مقاومة النخيل كانت جيدة فيما لم تعط كروم العنب و شجر الرمان و التين أي محصول هذه السنة.

____________

(1) الريال يساوي ما بين 4 فرنكات و 50 سنتا إلى 4 فرنكات و 80 سنتا.

99

تبيع تيماء تمورها بشكل حصري تقريبا لعرب شرارات. في بعض الأحيان يصل عرب الرولة إلى هنا و لكن ليس في كل سنة. و الشرارات هم الذين يمدون تيماء بالسمن و الخراف.

القبيلتان العنزيتان اللتان تؤلفان قبيلة بني وهب أي الفقرا و أولاد علي الذين تمتد مراعيهم أيضا حتى تيماء لا يتزودون بالتمور فيها بل في خيبر، فكون الفقرا مالكي نخيل خيبر يعفيهم من شراء التمر.

بانتظار نشر كامل لوائح كلّ القبائل و فروعها العديدة الذي سأقدمه لاحقا، أشير هنا إلى قبيلة بني وهب المثيرة للاهتمام من جميع الأوجه و التي تنقسم إلى فرعين كبيرين أولاد علي و الفقرا.

قبائل فرع أولاد علي هي التالية:

ليديان- المسعد- السند- المريخان-

الركاب- العطيفات- المشطه- الطلوح-

الخالد- الربيلات- الدمجان- الطوالعه-

المشرف- الخيل- الذويبي- الشرعبة.

و هي في مجموعها 16 قبيلة تعد حوالي 600 خيمة. الشيخ الأكبر الحالي يدعى مطلق بن رجا العيدAleid .

أما قبائل الفقرا فيبلغ عددها تسع قبائل:

المبارك- الشفقة- الهجور- الخمعلي- الصهبان-

المغاصيب- الفرعين- الحويكم- الجمعات.

و تملك هذه القبائل بمجموعها حوالي 400 خيمة. يدعى الشيخ الأكبر الذي تقع خيمته في قبيلة المبارك مطلق بن الحميد.

على النحو الذي أشرت إليه على الخريطة فإن بني وهب يجوبون صحراء الشفة حيث تشكل تيماء حدودها الشمالية و الحرةHarrah حدودها الجنوبية. نصيب أولاد علي هو الأفضل لأن أراضيهم تضم قطعة من النفود. في المقابل يجتاز درب الحج الذي يشكل مصدر أرباح للعرب كل سنة، جزءا من أراضيهم و بالإضافة إلى ذلك‏

100

فإنهم كما ذكر آنفا يملكون نخيل خيبر الذي يؤمن لهم كل سنة مؤونتهم من التمر.

الصحراء المحيطة بتيماء مباشرة تدعى مدائن صالح.

مدائن صالح‏

في 13 تشرين الثاني غادرت تيماء مجددا قاصدا مدائن صالح. في هذا اليوم الأول لم أجتز سوى ثلاثين كيلومترا لم تكن في خط مستقيم فقد ارتأى عجلان في اللحظة الأخيرة أن يطلب من البدو الرحّل رجلا أو رجلين تعزيزا لنا لمرافقتنا نظرا لعدم أمان الطريق. في المساء خيمت تحت خيمة الشيخ محسن الذي كان آنذاك في مكة مع الجمال المستأجرة للحج.

في اليوم التالي لم نقطع سوى عشرة كيلومترات تقريبا إلى الجنوب الشرقي.

في 16 تشرين الثاني تابعنا سيرنا إلى الجنوب- الشرقي. و بعد خمس ساعات من السير بلغنا جبل شرقيي الممتد تقريبا من الشمال إلى الجنوب على طول عشرة أميال بموازاة جبل غربي الذي يفصله عنه واد يبلغ عرضه من 5 إلى 6 كيلومترات.

هذان الجبلان، و هما تلتان يبلغ ارتفاعهما ما بين 40 و 50 مترا، مكونان من الحث الشديد التفتت، و رغم إحاطة النفود بكثافة لهما، فإنهما عقيمان كليا. إنهما امتداد الأرض التي تبدأ مباشرة جنوب غرب تيماء حيث يزول الطابع البركاني السائد في الجنوب- الشرقي و تتحول الأرض إلى صحراء صخرية متخبطة حتى لتظنها أحيانا بحرا صاخبا تجمّد فجأة.

في نهاية الوادي الذي يفصل تلتي شرقيي و غربي، تقع آبار الغوطة. مياه هذه الآبار التي يبلغ عددها 30 تقريبا، تقع على أعماق تتراوح ما بين 4 و 6 أمتار مباشرة تحت طبقة الرمل. المياه طيبة المذاق و الآبار غير مسوّرة.

انطلاقا من الآبار سرنا مسافة 20 كيلومترا إضافيا ثم أقمنا مخيما.

في اليوم التالي، في 17 تشرين الثاني، قادتنا مسيرة ثلاثة أيام إلى قرب صخرة هائلة محفورة على شكل قوس قوطية يبلغ ارتفاع قبتها 25 مترا. جداراها الداخليان‏

101

مملوءان كليا بالنقوش و منحوتات حيوانات لكن عامل الزمن تكفل للأسف بمحوها كلها و لم أتمكن من نسخ سوى نقش واحد. و تحمل هذه الصخره اسم الركب‏Rekab .

أقمت مخيّمي على مسافة خمسة كيلومترات قرب صخرة أخرى أكثر غرابة. فهذه الصخرة معزولة كليا و مكوّنة من قطعة واحدة على شكل جدار يبلغ طوله 300 متر و ارتفاعه 50 مترا و سماكته 10 أمتار. جنباته تبدو و كأنها قصت بالمقص لشدة استقامتها. الأجزاء السفلية كانت هي أيضا مغطاة بالنقوش و لكن المطر و الريح المحملة بالرمل تكفلا بمحوها. إلا أنني وفقت في نقل نقش واحد بشكل مؤكد، و اللافت هو أنه كان نقشا نبطيا بينما كان النقش الذي نسخته عن صخرة الركب حميريا. هذا الحائط الخرافي يدعى مقراط الدبوس.

بعد ساعتين وصلت إلى قلعة الحجر على درب الحج المسماة لدى المؤلفين المسلمين مدائن صالح. و تقع هذه المحطة في منتصف الطريق بالضبط بين دمشق و مكة.

ههنا المنازل الحجرية الشهيرة المحفورة في الجبل و التي يتحدث عنها مؤلفون عرب كثيرون. باستثناء السيد دوتي، لم يتسن لأي كافر قبلي مشاهدتها. في المحصلة، إنها غرف ضريحية لا منازل، حفرت في الحث بعناية فائقة. كلها تقريبا تتمتع بأبواب ضخمة حفرت فوقها نقوش نبطية و آرامية.

تقع الحجر في الجزء الأكثر انحدارا من الوادي الواقع بين جبل الرمل البركاني الأصل المسمى عوارةAouarah و جبل العجيب‏Ageib حيث يظهر الغرانيت من جديد.

صخور الحجر التي تتضمن الغرف الضريحية شبيهة تماما بصخور خاله‏Khalah غربي جبل حلوان. و هي صخور معزولة على شكل قفير النحل، حفر في كل واحدة منها ضريح. أما الباب الضخم الهائل في أغلب الأحيان فيقع إجمالا على علو عدة أمتار فوق الأرض. و في داخل الغرف تم حفر الجدران على شكل مزود بحيث يمكن أن تستقبل جسدا. و في كثير من الأحيان أيضا تم حفر قبر في أرض الغرفة. و يبدو أن الغرف الضريحية لم تزوّد بتاتا بأبواب، و على أي حال لا يوجد على الحجر أي أثر لأي قفل.

هذه المنطقة و منطقة الجوف في اليمن هي الأكثر إثارة للاهتمام في الجزيرة العربية و إنني عازم على تناولها بالتفصيل في مناسبة أخرى.

نقوش الحجر نبطية في مجملها تقريبا.

102

باستثناء القلعة لم يعد يوجد أي مبنى قائم في الحجر. هذه القلعة هي إحدى محطات قافلة الحجاج الذين يذهبون كل عام من إستانبول إلى مكة. و يحكم القلعة محمد إبراهيم، و هو جزائري من حاشية الأمير عبد القادر. و لا يقيم فيها إلا خلال فترة الحج، و القافلة التي لا تزال حاليا في مكة ستأخذه معها في طريق عودتها إلى دمشق. و مع أربعة رجال غير نظاميين يعملون تحت إمرته و بغل، يتعين عليه سحب مياه البئر الموجودة داخل القلعة و صبها في الحوض المبني وراء القلعة ليتمكن الحجاج من الغرف منها بسهولة لدى مرورهم.

العلا

غادرت الحجر في 17 تشرين الثاني عند الظهر و وصلت في الساعة الرابعة من العصر إلى العلا.

من الخارج، يبدو مظهر المدينة الصغيرة في غاية الجمال. و قد ذكّرتني الشوارع الضيقة جدا و المتعرجة و الوسخة جدا بالحي اليهودي في دمشق. وجوه السكان الذين يشبهون أولاد هبرHeber فعلا أكملت الوخم.

نزلت في منزل محمد سعيد بن سعيد، عبد الأمير محمد بن رشيد، و حاكمه هنا. و إذ سلمته الرسالة التي حمّلني إياها الأمير، لقيت منه أجمل استقبال.

العلا المبنية كليا من الآجرّ مقسومة إلى قسمين متساويين تقريبا بواسطة صخرة معزولة يبلغ ارتفاعها 40 مترا تقريبا تكاد تكون عمودية من جميع الجهات و تعلوها أطلال قلعة. لكل من نصفي المدينة شيخ أو أمير و النصف الجنوبي هو الأهم.

كان الأمير قد أنذرني في حائل دون أن يتمكن من أن يشرح لي السبب أنه في حال إصراري على الذهاب إلى العلا و خيبر فإنني سأتعرض للمرض الشديد. و بالفعل غداة وصولي إلى العلا أحسست بانزعاج هائل يتمثل في تلاشي قواي و انحطاط و غثيان و تقيّؤ و صداع و تعرّق شديد. كان ذلك تسمّما ناجما عن الوخم الحامل الحمى المنبعث من اراضي البساتين المملوءة بالمستنقعات. السكان، و جميعهم من الزنوج بنسب متفاوتة، لا يتأثرون بمفاعيله أو أنهم يتأثرون بذلك بدرجة أقل.

103

بدا لي السكان البالغ عددهم 1500 نسمة تقريبا، خليطا من الزنوج و اليهود. لون بشرتهم هو تقريبا اللون الذي يمكن أن ينتج عن اللون رقم 36 و 51 من جدول" ألوان البشرة" المعارف العامة لجمعية الأنتروبولوجيا لباريس الطبعة الثانية

Instructions Ge? ne? rales de la Socie? te? d`Anthropologie, 2 e? dition

درجة اللون 50 داكنة جدا مما يعني أنه لا وجود للسود بالمعنى الصريح. و لكن في مقابل غياب اللون، يبقى الدفق السمة الثابتة. و الأقل دفقا يتمتعون أيضا بلون فاتح و يشكلون أرستقراطية المنطقة.

و هؤلاء المحظوظون هم نتاج زواج مع بدويات رحل في الجوار، العنيزة أي يهود (1).

لقد تعرضت العلا منذ القدم لنهب عرب العنيزة و بني الرحّل، و لم تكن الحكومة العثمانية التي كانت تتقاضى الجزية من العلا تحميها منهم. و منذ أن ضم ابن رشيد هذه المدينة الصغيرة إلى أراضيه لم تعد تخشى عنيزة. كما أن عرب بلي لا يجرؤون على التعرض لها بشكل مكشوف خوفا من الرد الانتقامي أو من أن يقوم أمير شمّر باجتياح أراضيهم. لكنهم لا ينفكون يجوبون الريف ما بين تيماء و العلا و بالأخص في جوار العلا سالبين كل العزّل الذين يصادفونهم. لذا يحمل الجميع السلاح باستمرار حتى للذهاب إلى البساتين.

تتعم العلا بظروف ازدهار استثنائية. ثمانية ينابيع تسقي نخيلها و اثنان منها قويّان، و يعطي مجموعها أكثر من حاجتها للماء. و قد أكد لي ان سنة جفاف أو حتى عدة سنوات من الجفاف لا تؤثر على منسوب هذه الينابيع، لذا يزرع السكان إلى جانب النخيل، كل القمح و الشعير و الهراء (2) اللازم لهم. كما أن بساتينهم تضم عددا كبيرا من أشجار الدراق و الليمون و الحامض و التين و الرمان و العرائش. و أخيرا يزرعون الشمّام و البطيخ الأحمر و التبغ.

وجود الينابيع يعفيهم من عملية سحب الماء المضنية و كذلك من الاعتناء بالدواب.

تتراوح قيمة النخلة في العلا ما بين 8 ريالات و 20 ريالا وفق الوضع. و إذ تعطي النخلة دخلا سنويا متوسطا بقيمة 4 ريالات، فإننا نجد هنا أناسا أثرياء. فشيخ السوق الشمالية عمار بن عبد الغني بن بدير يملك 400 نخلة.

سبق أن ذكرت عرب بلي‏Bely ، جيران العلا المشاغبين، و أراضيهم التي تبدأ عند

____________

(1) هذا التأكيد يستلزم دليلا قد يكون السيد هوبير قد اكتشفه [التحرير].

(2) الهراء: فسيل النخل.

104

خط العرض نفسه الذي يبدأ منه جبل عوارة، تمتد إلى داخل شبه جزيرة سيناء بين البحر الأحمر غربا و عرب شرارات شرقا. كانوا فيما مضى أثرياء و أقوياء إلا أنهم خسروا كل خيلهم في أعقاب الغزو الذي شنه عليهم عام 1853 عرب جازي‏Gazy .

منذ ذلك الحين لم يعد بإمكانهم القيام بحملة حربية و أصبحوا فقراء. و لأنهم لا يسكنون إلا المناطق الجبلية، ليس لديهم سوى بضعة جمال، ما يكفيهم لنقل خيامهم.

تتمثل كامل ثروتهم بالماعز و لكنهم لا يحبون لحمه بسبب رائحته الكريهة. مراعيهم كلها في الجبال. ولديهم ماء وفير.

فيما يلي أسماء قبائلهم: الموعيب‏ (1)- الفواضلة- الحروفا- السهامة- الفريعا- الحمران- الرموت- الهمور- المعاقلة- الوحشي- الوبصة- الجبالة- العردات.

شهرة شيخهم هو ابن رفادة.

ما كان بإمكاني الحصول إلا على معلومات متناقضة جدا بشأن تعداد البلي لأن احدا لا يدخل ابدا جبالهم. إلا أنني أعتقد أن التقدير الأصح هو أنهم يملكون ما بين 400 و 600 خيمة.

و مع أنني لم أستطع معرفة أي شي‏ء مؤكد بهذا الصدد، غير أنني أعتقد ان جبال بلي التي تحتوي على الكثير من الغدران أو خزانات الماء لا بد أنها تخفي نقوشا كثيرة و ربما بقايا صروح معاصرة لصروح الحجر و العلا التي أنتجتها حضارة واحدة. و أي بعثة ترسل إلى هناك لا بد ان تعثر على مواد مثيرة للاهتمام.

بعد يومين من وصولي استطعت الذهاب إلى آثار العلا القديمة، و بهذه المناسبة ثبت لي مجددا أن البلد غير آمن. و مع أن مسافة كيلومترين فقط تفصل المدينتين، إلا أن محمد سعيد لم يسمح لي بالذهاب إلا برفقة تسعة من السكان مسلحين جميعا بالبنادق و انضم هو بنفسه إليهم.

الآثار التي تحمل اليوم اسم ناقة صالح أو حلوية العالية الحديثين، تقع على تلة صغيرة شمالي العلا و لم تعد سوى كومة لا شكل لها من الحجارة المقصّبة و المنحوتة.

لا أثر لجدار واحد قائم و لكن لم يزل بالإمكان تتبع حدود بعض الصروح التي باتت أساساتها بمستوى الأرض. و ثمة حطام أعمدة و قرميد مزخرف.

____________

(1) أو المواهيب.