رحلة في الجزيرة العربية الوسطى

- شارل هوبير المزيد...
166 /
105

وسط هذه الآثار تهيمن ساحة صغيرة وضع في وسطها حوض مدوّر ضخم حفر في كتلة واحدة من الرمل أرتفاعه 50، 2 مترا و قطره متران. و باستثناء شقين لا يزال هذا الحوض الهائل في حالة جيدة. الجدران الداخلية و الخارجية مغطاة بأحرف حميرية و عربية تكاد تكون ممحوّة. و يتعذر اليوم التكهن بوجهة استعمال هذا الصرح.

إلى شرقي وادي العلا ترتفع بزاوية قائمة كتل صخرية يتجاوز ارتفاعها 200 متر حفر عند قاعدتها حوالي 200 قبر مماثلة لقبور الحجر إنما دون باب تذكاري. و في كثير من الأحيان، عوضا عن حجرة، اكتفي بحفر فتحة تتسع فقط لوضع جثة. في هذه الحال تتخذ هذه الفتحات شكل حجيرات الأموات الموجودة في أبراج تدمر الضريحية.

عدة حجيرات لم يتم إنجازها و يحمل مجمل الأعمال طابع عمل توقف فجأة. كما أن هناك نقوشا منحوتة فوق الأرض لا يمكن التكهن بأي وسائل استطاع الفنان أن يطالها سواء من تحت أو من فوق.

تحمل هذه القبور اسم الخريبة و كذلك اسم دار ثمود. و قد سجلت هنا 33 نقشا.

مناخ العلا حارّ و يبدو أن الشتاء فيها ليس باردا على الإطلاق. شتاء 1879- 1880 مرّ و كأنه لم يكن. و عند ما أخذت حرارة الينابيع أربع مرات في ساعات مختلفة من النهار، لم أجد بينها سوى فوارق بضعة أعشار الدرجة و كل الأرقام التي دونتها أعطتني حرارة متوسطة تبلغ+ 9، 28 درجة مما يشير بالفعل إلى مناخ حار. أما أبرد درجة للحرارة التي لاحظتها خلال إقامتي في العلا فهي الدرجة الدنيا ليوم 28 تشرين الثاني حيث بلغت+ 1، 13 درجة.

بعد إقامة دامت اثني عشر يوما غادرت العلا في 29 تشرين الثاني و قد أمّن لي ابن سعيد المواكبة مع سبعة عشر رجلا مسلحا مسافة 5 أميال. المسيرة من العلا إلى خيبر أكثر خطورة من المسيرة إلى تيماء و نرى أننا نقترب من الممتلكات التركية.

قادتنا مسيرة ثلاث ساعات إلى أطلال مدينة صغيرة، أو بالأحرى إلى مدينة لم يبق من أطلالها شي‏ء. إذ من المرجح أنها بنيت من الآجرّ. و لكن بقي شقا جدارين من الآجرّ المطبوخ. على امتداد كيلومتر مربع تقريبا ترى الأرض مفروشة بقطع الآجرّ و الفخاريات المطلية و الزجاج الملون. غاب اسم هذه البلدة و لكن في العلا حيث السكان أتقياء يطلقون عليها اسم دار النصارى أما البدو فيسمونها هي و الأراضي الواقعة بين جبلي العجائب و المريرة، مابي.

106

على تلة صغيرة بقايا برج من الحجر و الآجرّ حيث قيل لي إنه يوجد نقش إلا أنني لم أستطع العثور عليه.

توقفنا ساعة في مابي ثم تابعنا سيرنا إلى الجنوب- الشرقي. في الساعة الثالثة عصرا قطعنا درب الحج و تركناها إلى يميننا، و في الساعة الخامسة مساء كنا نخيّم وراء آخر خاصرات جبل مريرة الغرانيتي كجبل العجائب الذي كنا قد تجاوزناه.

كانت الأرض الغرانيتية على أي حال قد بدأت على مسافة كيلومترين جنوبي العلا و معها دخلنا أراضي عرب عنزة المستقلين و لكن المتحالفين مع شمر.

فرع أولاد سليمان الكبير هو الباقي في المنطقة. تتناثر خيامهم من جبل مريرة و حتى مشارف ينبو في الجنوب.

القبائل الرئيسة هي التالية:

الجعافرة- الفضيل- المرتعد- العوجي- البكار- الفضوارة- المريهم- النحات- المطردة- السهول- الغمشة- السعيد- النومسة- الشملان.

أولاد سليمان أكثر عددا من بني وهب و هم أيضا من عرب عنزة كما رأينا ذلك آنفا و لكنهم أكثر فقرا أيضا، إلا أنهم في المقابل يملكون كنز الحرية الذي لا يقدر بثمن، و أكثر ما تحتاج إليها المجتمعات المتمدنة جزئيا. أنهم مستقلون تماما إزاء الحكم التركي الذي يعادونه و إزاء أمير شمّر الصديق.

لديهم في جبالهم بعض المراعي الجيدة و هي أفضل من مراعي البلي و على غرار الأخيرين لديهم ماء وافر. كما أنهم يملكون عددا أكبر من البنادق من البلي.

كل المنطقة الوعرة جدا الواقعة بين العلا و خيبر تحمل اسم الحجر. و هي صحراء غرانيتية قاحلة بشكل مريع: لا شي‏ء سوى البطحاء، و المزيد من البطحاء دون عشبة واحدة تقريبا.

غداة مغادرتنا العلا قطعنا 15 ميلا في هذه الصحراء. في الصباح كنا قد مررنا على مسافة 8 أميال من جبل نخر الممتد على طول 12 ميلا من الشرق إلى الغرب. و في المساء وصلنا إلى قلعة سمرد و هي محطة على درب الحج، و قضينا الليلة بقربها.

في الأول من كانون الأول لم نقطع سوى 14 ميلا بالسير بموازاة درب الحج و خيمنا في المساء في قلعة الصورة و هي محطة أخرى على درب الحج عند سفح جبل سن.

107

وراء القلعة أحد أجمل الآبار التي شاهدتها في الجزيرة العربية. دائرية الشكل، يبلغ قطرها حوالي 15 مترا و عمقها 30 مترا تقريبا و هي مسوّرة كليا بحجارة مقصّبة.

المسافة على خط مستقيم بين هذه القلعة و قلعة سمرد قصيرة على الخارطة. ذلك أن الأرض التي تفصل بينهما صعبة و وعرة جدا.

في اليوم التالي لم نقطع سوى 15 ميلا إلى الجنوب- الشرقي. و خيّمنا في المساء عند أفراد قبيلة خالد من بني وهب كانوا يخيمون هنا في 60 خيمة تقريبا. هؤلاء كانوا أول رحل نلتقيهم بدءا من العلا. و المنطقة التي اجتزناها كانت أكثر و عورة من تلك التي اجتزناها بالأمس.

مخيم قبيلة خالد كان عند سفح جبل أنمارAnemar الغرانيتي الممتد على 40 كيلومترا تقريبا من الشمال- الشرقي إلى الجنوب- الغربي.

في 3 كانون الأول لم نجتز سوى 12 ميلا بسبب سوء سير جمل دليلي مرزي.

بعد ما تجاوزنا في الصباح جبل أنمار عبر واد قصير، ضيق و وعر جدا، وجدنا أنفسنا فجأة أمام سهل عظيم تتخلله أخاديد عميقة تنتصب فيه دونما ترتيب بعض القمم الغرانيتية السوداء أو الحمراء أو الخضراء. في البعيد لمحت جبلي دهام و خيبر اللذين تقع بينهما واحة خيبر. تحتل كامل الأفق من الشرق إلى الغرب هضبة ترتسم بوضوح غريب و هي تلمع في الشمس. إنها الحرة، هضبة هائلة من الحمم تمتد حتى مشارف المدينة.

قبل مغادرة آخر صخور جبل أنمار التي لا تزال تخفينا، و خوض غمار هذا السهل المكشوف حيث يستطيع اللصوص رؤيتنا بسهولة، أدى مرزي الشديد التقوى صلاة و دعاني لأحذو حذوه ليحمينا الله و يبعد الخطر عن طريقنا. و في المساء خيّمنا في خندق حيث كنا محميين جدا.

في اليوم التالي اضطررنا إلى التخلي عن جمل مرزي الذي أصابه الإعياء على هذه الأرض الوعرة على الرغم من سيرنا البطي‏ء، فتحمّل جملي عبئا مضاعفا و اضطر دليلي إلى السير على الأقدام.

بعد بداية الطريق مباشرة باتجاه الجنوب، 65 درجة شرقا، تصبح الأرض مغطاة بالحجارة البازلتية السوداء و تبدأ الحرة.

108

خيبر

بعد ما قطعنا أول خمسة كيلومترات من الحرة صادفنا واد لرافد صغير لوادي الطبق حسب أقوال مرزي. في هذا المكان بالذات يشكل الوادي، بعكس المنطقة المحيطة، جنة حقيقية. فهو مملوء بالنخيل البري و بالنباتات القوية. بعض العصافير كانت تزقزق فيه و النسيم الناعم الذي كان مخيما آنذاك كان يبعث وشوشة حفيف أوراق النخيل الطويلة المطربة. الماء على عمق لا يتعدى مترا واحدا. جنة النعيم هذه في أهوال الحرة تدعى خضران.

منذ عام 1874 أصبحت خيبر ملكا للأتراك الذين انتزعوها من ابن رشيد. لديهم فيها مدير و عشرون جنديا نظاميا. هذا المدير، و اسمه عبد الله الصيروان، هو المدير الذي أساء معاملة السيد دوتي و سجنه طوال شهرين و نصف الشهر. و لكن بفضل الفرمان الإمبراطوري الذي حرصت على التزود به، أحسن استقبالي و بقيت ضيفه لمدة 12 يوما.

بفضل الينابيع و غزارة مياه خيبر، لا شك في أن هذه الواحة هي مركز مأهول منذ وجد سكان في الجزيرة العربية. أقدم الوثائق تدل على أن اليهود كانوا يقطنونها.

و سواء جاء هؤلاء إلى خيبر في أعقاب آخر أسر في بابل‏ (1) (537 ق. م.) أو إثر الأسر الذي جلبته حملة سنحاريب (700 ق. م.) أو قبل هذين التاريخين بعد إحدى الكوارث المتكررة في يهودا، لا بد أنهم وجدوا في خيبر سكانا اضطروا إلى طردهم و سلبهم. من هم السكان الأصليون؟ ما زلنا نجهل ذلك و لكن من المرجح أنهم كانوا يمنيين.

لقد أدت خيبر دورا مهما في حقبة نشر الدين الإسلامي، و قد توقف مصير الدين المقبل برهة على صراعه مع هذه الواحة. و لكن يقول المؤلفون العرب إن عليا الذي أرسله النبي ضدها أخضعها و أباد جميع سكانها.

و ينقل المؤلفون أنفسهم أنها فيما مضى كانت تضم سبع قرى، أما اليوم فلا أثر إلّا لثلاث منها مأهولة و ما استطعت أن أعثر على آثار القرى الأخرى.

____________

(1) إذا كانوا يهودا عائدين من أسر بابل الأخير و استقروا في خيبر، فلا بد حكما من العثور على نقوش آراميه. و بالفعل فإن الشعب اليهودي لدى عودته من الأسر لم يعد يفهم اللغة العبرية القديمة، فقد أصبحت الآرامية هي لغته العادية و قد ذهب إلى حد اعتماد أبجديتها.

109

في وسط خيبر الصخرة البازلتية المنفردة تماما المسماة مرحبا و التي كانت تحمل على قمتها في غابر الزمان الحصن الذي يحمل الاسم نفسه. اسم مرحبا هذا هو الاسم القديم الوحيد للواحة الذي نقله إلينا مؤلفو ما قبل الإسلام. و لما يزل اليوم يطلق عليه اسم قصر اليهودي. هذه الصخرة هي جبل هلالي من الحجارة البازلتية السوداء متجه من الشمال- الغربي إلى الجنوب- الشرقي. أما قمته فعلى شكل طاولة و يبلغ طولها 200 متر و عرضها ما بين 10 و 15 مترا و هي من مستوى الحره.

عند قاعدة هذه الصخرة، إلى الجنوب و إلى منتصف المنحدر، تمتد قرية خيبر الرئيسة و هي قرية بشر. شجر النخيل يبدأ مباشرة و يطوق مرحبا و القرية كليا.

تسقي نخيل قرية بشر ينابيع يقع مصدرها في القرية نفسها و ينابيع أخرى تأتي من خارج القرية. عدد الينابيع المنبثقة في القرية ستة و أسماؤها هي الآتية: صفصافه- إبراهيم- علي- الريا- الشلالة- البويرة.

هذا الأخير هو أبرد الينابيع في خيبر. و ينبوع علي هو الأكبر.

و فيما يلي متوسطات الحرارة المأخوذة في هذه الينابيع خلال إقامتي في خيبر:

صفصافه+ 9، 29 درجة

إبراهيم+ 0، 31 درجة

علي+ 1، 29 درجة

الريا+ 8، 31 درجة

الشلالة+ 4، 29 درجة

البويرة+ 6، 26 درجة

القرية الثانية تدعى مكيدة و تقع على بعد 3 كيلومترات تقريبا إلى الجنوب- الغربي لمرحبا. و بدلا من أن تكون مبنية على غرار قرية بشر في المنخفض حيث النخيل، توجد مكيدة على الحرة.

و تضم هذه القرية الينابيع الخمسة الآتية و الأول هو الأكبر: البحر- البريكة- السليمي- سلالم- أم المسك.

القرية الثالثة، العاصمية، الواقعة على مسافة ميلين تقريبا شمالي مرحبا مبنية هي‏

110

أيضا على الحرة. و في العاصمية أربعة ينابيع هي: الحامية أو الحامي- الحمامة- علي- صنبوره. ينبوع الحامية هو الأكبر.

سكان خيبر الذين يملكون 300 بندقية، يبلغ عددهم 1200 نسمة و يتوزعون على النحو الآتي:

قرية بشر تملك 120 منزلا

مكيدة تملك 100 منزلا

عاصمية تملك 20 منزلا

لا يوجد في خيبر سوى مدرسة واحدة تقع في قرية بشر و لكن المتابعة فيها غير مؤمنة إلا فيما ندر و هي قلما تفتح أبوابها. يديرها رجل دين لا يدعى في خيبر الخطيب كما هو الحال في الجبل، بل رئيس المسجد.

هناك خمسة مساجد، اثنان في قرية بشر، و اثنان في مكيدة و واحد في العاصمية.

على مسافة 8 كيلومترات جنوب مرحبا، بعد جبل خيبر توجد مزرعة نخيل مهمة و فيها عشرون شخصا يقيمون جميعا في قصر واحد. هذا المكان يدعى الوادي.

على مسافة ثلاثين كيلومترا إلى الجنوب، ينابيع عديدة و غزيرة تشكل هنا بحيرة صغيرة تدعى قصيبة. تسري مياه قصيبة عبر قناة طبيعية بطول 6 إلى 7 كيلومترات في منخفض في الشمال حيث تشكل بحيرة أخرى تدعى تسمد (1). بين البحيرتين على ضفاف القناة يقوم مبنيان كبيران يتباعدان مسافة كيلومترين. مبنى الجنوب يدعى قصر العضم و مبنى الشمال يدعى قصر البنت.

شمالي بحيرة ثمد، تتابع المياه سريانها عبر الحرة إنما متجهة إلى الشمال- الغربي لتصب في وادي تبق بعد سقي نخيل بلدتين خاليتين من السكان، هدنة و جراية.

يعود نخيل جراية إلى فصيل خالد من ولد علي.

انطلاقا من بحيرة قصيبة و حتى جراية يوجد مجرى ماء يجري طوال السنة، و على غرار الأقنية داخل واحة خيبر فيه سمك و ضفادع و قواقع‏ (2).

____________

(1) تسمد أو ثمد ليس اسم علم بل المصطلح العربي الذي يطلق على بلاعة أو حفرة ماء تكاد تكون على وجه الأرض: تحفر عادة في مجرى واد [التحرير].

(2) هذه القواقع هي‏Melanies .

111

بدءا من بحيرة الثمد و حتى مصبها في وادي ثبق يحمل مجرى الماء اسم وادي الثمد.

في خيبر أكدوا لي بأن الثمد تستقبل وادي سرير قبل أن تنصب في وادي ثبق، و لكن في المقابل قال لي عرب عنزة لاحقا بأن السرير الذي ينبع خارج الحرة مباشرة جنوبي قصيبة يصبّ مباشرة في وادي ثبق على مسافة 15 كيلومترا تقريبا إلى شرقي الثمد. و قد اعتمدت هذه الرواية الأخيرة ولدي أسباب للاعتقاد بأنها أصح من الأولى.

في وادي سرير الكثير من النخيل العائد إلى قبيلة شملان التابعة لعنزة. من قصيبة إلى الثمد النخيل كثيف إلا انه أصبح بريا و بعض أشجار النخيل يعطي ثمرا جيدا.

المثل العربي القديم" حمل التمر إلى خيبر" (1) الموازي لمثلنا القائل" حمل الماء إلى البحر" لا يزال صحيحا. فشجر نخيل خيبر يكاد لا يحصى و نفهم أنه يتم إكثاره أو أنه يترك يتكاثر حيث إنه لا يتطلب أي عناية و أن الماء وافر. و لكن كما يحصل عادة عند ما تكون الطبيعة كريمة، فإن البشر يتكاسلون. و بما أنه لا يترتب على أهالي خيبر عمل يذكر، فقد فضلوا ألا يفعلوا شيئا على الإطلاق و لفرط الإهمال الذي طاولها فإن أشجار النخيل تراجعت بحيث لم تعد تعطي سوى أصغر و أسوأ الثمار في كل الجزيرة العربية.

يعود نخيل خيبر إلى عرب الفقرا أحد فرعي بني وهب، الذين يجوبون المنطقة بين خيبر و تيماء. سكان خيبر يزرعون شجرتهم مناصفة مع الفقرا و يستقرون حول الواحة للتأكد من المحصول و تسلّم حصتهم. و كما هو سار في زراعات النخيل كافة فهنا أيضا تتناوب باستمرار سنة محصول جيد تليها سنة محصول سيّى‏ء و هكذا دواليك. سنة مروري (1880) كانت سنة و فرة.

قيمة النخلة في خيبر لا تتجاوز ريالا أو ريالا و نصف الريال و هذا الأمر يعطي فكرة عن تدني نوعية الانتاج. نتذكر أن هذه القيمة تبلغ في حائل 10 ريالات و في تيماء و العلا تصل حتى إلى حدود 20 ريالا.

يزرع كذلك بعض القمح و الذرة و قليل جدا من الشعير. و لكن ليس لدى السكان دوالي عنب و لا دراقن و لا تين و لا رمان.

في الشكل يشبه السكان أهالي العلا و لكن لون بشرتهم أكثر سوادا، كما أنهم أقل‏

____________

(1) الصحيح: «جلب التمر إلى هجر» أي الإحساء.

112

تديّنا بكثير من سكان العلا و بالإضافة إلى ذلك اشتهر عنهم ممارستهم أسوأ ممارسات السحر و الشعوذة. و يعدّ الخيبريون شرابات من جثث أو أجزاء جثث ينبشونها من المقابر ليلا. و إلى كل هذه الصفات «الجميلة» يضيفون إلى شهرتهم مهارة السرقة و أهل العاصمية هم الفائزون بالميدالية. كما إنهم و سخون و شرسون و بعبارة غير محترمين.

على مسافة 4 أميال تقريبا إلى شمال- شرقي مرحبا، في جبل دهام، نجد سلسلة و ديان مجموع طولها ما بين 8 و 10 أميال من الشرق إلى الغرب و عرضها ميلان. و نرى فيها 5 أبراج باتت أطلالا. و مجملها تدعى الحرضة. كما فيها ينبوع يدعى عين رجيعة و قرابة مائة بئر.

فيما مضى كان في الحرضة سكان، و لكن حاليا يتردد أهالي خيبر إليها أحيانا دونما انتظام سنوي، و ذلك لزرع القمح الذي يعطي نتائج ممتازة.

لم أعثر في خيبر إلا على 8 نقوش أستطيع ضمان قراءتها. بعض الصخور التي يبلغ طولها في كثير من الأحيان مئات الأمتار، كانت مملوءة بالنقوش إلا أن المطر محاها أو تكفلت الشمس بتفتيتها و لم تعد تقدم سوى أحرف مشكوك فيها. و عثرت في مقبرة قديمة شمالي- غربي مرحبا على نقش كوفي.

113

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

114

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

115

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

118

(من الصفحة 113 الى 118 بعض رسوم هوبير نقلا عن النقوش الحجرية و المناظر الطبيعية التي صادفها اثناء رحلته)

119

عبر الحرة

غادرت خيبر في 15 كانون الأول. كان في نيتي اجتياز الحرة في عرضة وصولا إلى الحائط. و تعود الأراضي على هذه الطريق إلى عرب هتيم‏ (1) و اضطررت إلى اختيار دليلي من بينهم. غير أن مرزي الذي رافقني انطلاقا من العلا ظل يتبعني و لم يتركني إلا في حائل.

إذا شئت أن تكون محترما فلا ينبغي أن تسافر وحيدا مع رجل من هتيم و هذه في رأيي إحدى الأخطاء التي ارتكبها السيد دوتي إذ وصل إلى حائل يقوده رجلان من قبيلة هتيم مما سبب طرده الفوري.

شمّر يعتبرون أنفسهم أنبل العرب، و هم كذلك. و يليهم مباشرة في ذهنهم عنزة الذين يحتلون هذه المرتبة بسبب عددهم وقوتهم و ليس بفضل نبالتهم أو نقاء دمهم. يليهم الشرارات. و في الترتيب الأخير، و كأنهم خارج الطبقة، تأتي قبيلتا الصلب و هتيم.

قبائل الهتيم الرئيسة هي التالية: ابن سميرة- ابن بالراك‏Balerak - المحيمزة- الفرديسة- العوامرة- المصابرة.

أبناء سميرة يوجدون عادة حول خيبر.

المحيمزة- يخيّمون في جوار المدينة و هم في حرب مع شمّر.

المصابره يجوبون القصيم و يدفعون الجزية للأمير حسن.

تعد قبيلة ابن سميرة ثماني قبائل تسميها الحكومة التركية برنجي أي الأولى. و هذه القبائل عينها تطلق على نفسها فيما بينها اسم الذيبةAdzeibah .

كان دليلي عبر الحرة ابن سميرة الشخصي. و هو شاب طويل و وسيم في الخامسة و العشرين من العمر تقريبا في غاية الكرم و الكياسة. و كان يتحمل بصبر الشتائم و الإهانات التي كان مرزي النبيل يكيلها إليه طوال اليوم.

في الساعة العاشرة صباحا غادرنا قرية بشر و بعد خمس و أربعين دقيقة خرجنا من المنخفضات التي تنمو فيها أشجار نخيل خيبر لنصعد إلى هضبة الحرة. و لا تلبث الدرب أن تجتاز أطلال قرية قديمة من الحجر. الطريق مريعة و تستمر عبر الدبش‏

____________

(1) يفضل كتابة اسم‏Houteim على النحو التالي:Hoteim [التحرير].

120

الذي يبلغ حجم بعضها مترا مكعبا و نصف المتر. لا يشير إلى الاتجاه سوى انعكاس طفيف على سطح الحجارة التي لم يؤثر فيها المرور طوال خمسين قرنا لشدة صلابة هذا الصخر البازلتي.

الدرب من خيبر إلى الحائط تحمل اسم درب اليهود أو درب الكفار.

بعد الكيلومترات الخمسة الأولى نصادف بمحاذاة الدرب قرابة عشرين كومة من الحجارة تتباعد فيما بينها مسافة 20 إلى 30 مترا و تدعى أرجوم اليهودErgouum El`Yahoud . و قال لي ابن سميرة أن اليهود الذين قتلهم علي هم الذين يرقدون هنا و كل مارّ يضيف حجرة على الكومة.

قرابة الساعة الرابعة عصرا وصلنا قرب جبل فكاه الصغير على بعد ميلين جنوبي طريقي. و بعد ساعة خيّمنا في وادي سويس. إلى شمالي مخيمنا لاحظت جبل قرس و الى الشمال- الغربي جبل الغامر البالغ طوله 16 ميلا. كلاهما مؤلف من الغرانيت و منفصلان عن الحرة التي تمتد في هذا الاتجاه مسافة عشرين كيلومترا إضافيا إلى يساري.

في اليوم التالي قطعنا حوالي 16 منها اثنان إلى الجنوب- الشرقي.

في الساعة التاسعة صباحا كنا قد قطعنا وادي سويس مجددا و عند الظهر خيّمنا قرب غدير المقنع حيث كان لا يزال فيه قليل من الماء.

منذ الصباح كنا قد اجتزنا خمس فوهات براكين حافاتها قليلة الارتفاع و أقطارها متباينة جدا. هذه الفوهات المجردة من الحجارة مملوءة بتراب صلصالي أصفر كان يجعل السير صعبا و مستحيلا في بعض الأماكن، لدى مروري، لفرط انزلاق الأرض في أعقاب الأمطار الأخيرة.

و كان مطر خفيف قد بدأ يتساقط أجبرنا على السير إلى الجنوب الشرقي. كان لا بد من قضاء الليل تحت خيمة، و أكد لي دليلنا أننا لا بد ملاقون خياما في هذا الاتجاه. و بالفعل ما لبثنا أن بلغنا خمس خيام بائسة للهتيم و استقررنا في أكبرها.

لكن المطر لم يرحمنا؛ ذلك أن الماء اجتاح الخيمة مع انفجار العاصفة قرابة الساعة العاشرة ليلا. و بقصد حماية أجهزتي قررت أن أحملها على ركبتي و ذهبت لأجلس في الخارج على الصخر حيث طلبت تغطيتي بمعاطفي و سجاداتي. كان الليل مضنيا و الصباح حزينا.

121

في هذا اليوم لم نسر أكثر من ميل واحد إلى الشمال لإيجاد الدرب و 8 أميال في وجهتنا إلى الشرق و الشمال- الشرقي.

فور استئنافنا سيرنا باتجاه حائط، تجتاز الدرب منطقة مريعة. خيّل لنا حديد تجمد في أوج غليانه مع فقاقيع هائلة؛ و بعض الفقاقيع التي فقئت تسمح برؤية ثقوب عميقة و حافات حمم قاطعة كالزجاج. بين الحين و الآخر تزيد حفرة عميقة ناجمة عن انسحاب البرودة من فوضى هذه الظاهرة العجيبة و هولها. يبلغ عرض هذه المنطقة ميلين و تدعى العبير.

إن حمم الطفح صلبة لدرجة أنها لم تحفظ حتى هذا الانعكاس الطفيف الذي يشير إلى الاتجاه على بازلت الحرة على الرغم من المرور عليها منذ قرون بعيدة. و على غرار ما يسري في النفود فإن طريق العبير لا تعرف إلا من بعر الجمال التي يحرص كل بدوي على معسها على الحمم تدريجيا كلما أسقطه حيوانه. هذا البعر الممهد على هذا النحو يلتصق بالصخر لسنوات عديدة مشيرا إلى الاتجاه الواجب سلوكه.

وقع مخيمنا لتلك الليلة بين جبلي غينات و غنيم الأول في الشمال و الثاني في الجنوب. ثم تتوالى جنوبا على مسافات متساوية تقريبا فيما بينها، الجبال الآتية:

رأس الأبيض‏ (1)- لا كليل- رماحة- العاقر.

هذه الجبال الستة تقوم هي بالذات على أرض مرتفعة على شكل ظهر حمار. رأس الأبيض هو أعلاها.

هذه السلسلة من الجبال لافتة للانتباه لانها تشكل نقطة توزع المياه في الجزيرة العربية الشمالية. فمن هنا تنطلق المياه غربا إلى البحر الأحمر و شرقا إلى الخليج الفارسي. وادي الرمّة الكبير الذي يقع مصبه قرب البصرة ينشأ قرب الجبل الأبيض.

بتحديد هذه النقطة التي لا تلحظها الخرائط عادة أو التي تسجلها أبعد من تيماء إلى حدود تبوك، أعتقد أنني أحرزت تقدّما في معلوماتنا حول هيدروغرافيا الجزيرة العربية الشمالية.

سأقول في نهاية عملي هذا، في إشارة مقتضبة على خريطتي أسباب الخط الذي اعتمدته لمجرى وادي الرمّة و الذي يبتعد كثيرا عن الخط في الخرائط السابقة (2).

____________

(1) على الأرجح لجن‏Ras El Abiad [التحرير].

(2) لم يستطع المؤلف كتابة الملاحظة التي يتحدث عنها في هذه الفقرة لانه مشغول بتحضير رحلته الأخيرة.

122

أما اسم الرمّة الذي اطلقته على الوادي نفسه بدلا من اسم رمّةRoummah المعتمد حتى الآن و الذي أطلقه عليه قدامى المؤلفين العرب، فإنني أقول إنني لم أسمع بغيره و إن الاسم الأخير مجهول تماما في منطقة الوادي و كذلك في الجبل.

المياه النازلة على المنحدر الغربي لجبل رأس الأبيض تشكل وادي الطبق‏El Thebeq الذي يجتاز كل الحرة متجها إلى الغرب و يمر على بعض الكيلومترات جنوبي جبل خيبر، ثم يخرج من الحرة و يذهب لينضم إلى وادي الحمض قرب جبل هدية و هو محطة درب الحج على بعد سبعين كيلومترا تقريبا غربي خيبر. في طريقه عبر الحرة، يتلقى الطبق روافد صغيرة مختلفة، إلّا أنني لم ألحظ على خريطتي سوى المجاري التي حصلت على بعض التأكيد بشأنها، و هي السويس و الثمد و خارج الحرة، السرير.

و لا بد لي من الاشارة إلى خصوصية بدت لي غريبة أخذتها من عربي من قبيلة حرب و من آخر من قبيلة هتيم التقيتهما في الصحراء أبعد من الحائط. و قد أكدا لي أن أكثر الروافد ارتفاعا في وادي طبق تصعد حتى جبل مخيطMakhid إلى الشمال- الشرقي لرأس الأبيض، أي خارج الحرة. كنت آنذاك على مسافة عدة فراسخ إلى شمال الحائط بعيدا عن الناس المطلعين، و فيما بعد لم أتمكن من الحصول إلّا على معلومات متناقضة حول هذه المسألة.

ينشأ وادي الحمض شمالي المدينة ثم يسير بموازاة الحرة أي إلى الشمال- الغربي حتى جبل هدية حيث يلتقى وادي طبق. ثم يتجه إلى الغرب و يستقبل وادي العلا ليصب أخيرا في البحر الأحمر، جنوبي مدينة وج الصغيرة.

لا يشتمل وادي الحمض على نخيل على غرار الوديان الأخرى التي تشكل روافده، و لكنه يحتوي على آبار عديدة.

يتكون وادي العلا الذي ذكرته لتوي، في حوض الحجر، ثم يسري إلى الجنوب مسافة ثلاثة أيام سيرا، ثم يصب في وادي الحمض في أراضي بني جهينة و هم فرع من بني كلب.

بين جبلي غينات و غنيم المغارة الطبيعية الصغيرة المسماة مغنيه السودةMeghreniah El Asoudah و هي مكونة من كتل بازلتيه، ارتفاعها 20، 1 متر و عمقها متران و طولها 3 أمتار تقريبا و هي بالضبط بالوسع الذي يسمح بحمايتنا ثلاثتنا من المطر الذي انهمر طوال الليل.

123

في اليوم التالي في 18 كانون الأول، اجتزنا 20 ميلا شمالا، 72 درجة شرقا و هو اتجاه الحائط الصحيح.

بعد أول خمسة أميال لمحنا جبل الحمادة الذي تقع القرية عند سفحه الجنوبي- الشرقي. قرابة الظهر سرنا فترة بمحاذاة وادي غنيم الذي يبدأ في الجبل الذي يحمل الاسم نفسه و يمر شمالي جبل بصر، و ينضم على بعد خطوات إلى وادي الرمّة.

جنوبي جبل بصر يقع جبل قنة أو ابو زيد.

ابتداء من مغنية تصبح الدرب مرهقة بشكل مريع و يصعب تتبعها.

في اليوم التالي، بعد ثلاث ساعات سير كاملة إلى الحائط. لم نلمح رأس نخيلها إلا قبل نصف ساعة من بلوغها، لأن هذه البلدة مع النخيل المحيط بها تقع على غرار خيبر في شق من الحرة.

الحائط

قبل نزول منحدر الحرة اجتزنا لمدة خمس عشرة دقيقة أطلال بلدة قديمة جدا مبنية من الحجر المقصّب. كان فيها فيما مضى عدة أبراج مدورة، أما اليوم فكل شي‏ء تقريبا بات بمستوى الأرض. إنها الحائط القديمة التي على غرار قرى خيبر القديمة، كانت مبنية فوق الحرة و ليس كما هو الحال اليوم في المنخفضات حيث تقضي أمراض الحمّى على السكان. على أي حال تتمتع الحائط بمظهر منعش و جديد لا تتمتع به خيبر و لا العلا، اللتان لهما معها من جهة أخرى نقاط تشابه كثيرة من حيث سكانها الزنوج، و أمراض الحمّى و السعادة التي لا تقدّر بثمن لرؤية نخيلها مسقيا بالينابيع.

إن لون بشرة سكان الحائط الزنوج هو أفتح من لون الخيبريين من دون أن يوازي لون سكان العلا.

بما أن الحائط غير بعيدة عن عاصمة شمّر، لا يوجد فيها حاكم خاص كالجوف و تيماء و العلا. إنها تتبع مباشرة لحكم الأمير. و المالك الأغنى و يدعى جابرا، هو الذي يستقبل الضيوف و يلقب بالشيخ.

124

هذه الواحة المزدهرة جدا تملك ضعفي عدد نخيل العلا و لكن نخيلها أقل جمالا و بالتالي فإن محصولها أقل و نوعيته أدنى. إلا أن الإنتاجية و المنتوجات أفضل بكثير من انتاجية و منتوجات خيبر. لا يوجد في الحائط كما في العلا تمور حلوة و لكن التربة تنتج أنواعا أخرى مرغوبة جدا و أفضلها هي تمور قصب، برني، فريزي و كلب.

عرب هتيم و حرب و الشمر هم الذين يشترون تمور الحائط.

كان نخيل الحائط يعود فيما مضى إلى قبيلة علي، من عائلة عنزة الكبيرة، و التي كانت تعد 200 خيمة. و لكن عند ما ضمت الواحة إلى إمارة شمر بفضل عبيد، طالب الأمير طلال الحاكم آنذاك بالضريبة العادية البالغة 5% من حصة قبيلة علي. و خضع أفراد القبيلة لمدة أربع سنوات ثم رفضوا دفع الضريبة. فقام طلال بغزوهم فانسحبوا إثر ذلك إلى جانب قبائل عنزة الكبرى الأخرى في الشمال على ضفاف الفرات. و من ثم حلّ الأمير محلهم و استملك أراضيهم. و أصبح السكان يقدّمون نصف المحصول إلى الأمير و يدفعون بالإضافة إلى ذلك ضريبة تبلغ 10% من نصف المحصول العائد إليهم.

و يزرع السكان كذلك القمح و الشعير و الذرة و لكنهم لا يملكون مواشي و لا دواب.

تسقي مزارع الحائط ثلاثة ينابيع تنطلق من شلالة و الصفيري و أبو سليمان.

الينبوعان الأولان يعطيان معا حوالي 3 ليترات في الثانية و يخرجان من تلة واحدة هي تلة الصفيري و جزء من الحرة، تماما تحت أطلال برج يدعى قصر الصفيري إلى الشمال- الغربي للقرية. أما ينبوع أبو سليمان المسمى أيضا علي، فيصل من الغرب و هو الأقوى إذ يبلغ منسوبه 3 ليترات تقريبا في الثانية.

يبدو منسوب الينابيع مستقلا عن المواسم سواء جيدة أو سيئة. خلال الشتاء الذي زرت فيه البلدة، أي شتاء 1879- 1880، هطل المطر و لكن قبل ذلك مرت أربعة مواسم شتاء جافة منذ 1876 دون ملاحظة أي تبدّل في منسوب الينابيع.

درجات الحرارة فيها أقل ارتفاعا من درجات حرارة ينابيع خيبر. و فيما يلي معدلات درجات الحرارة فيها:

- ينبوع شلالة+ 5، 28 درجة

- ينبوع الصفيري+ 2، 28 درجة

- ينبوع أبو سليمان+ 8، 26 درجة

125

و قد أكد لي أن الينبوع الأخير هو باستمرار أكثر برودة من الاثنين الأولين. تعطي الينابيع الثلاثة مياها صالحة للشرب.

قال لي السكان إن ينابيع أخرى قد نضبت. و لكن في عدة أماكن في فصل الشتاء تخرج المياه من الأرض و تشكل مستنقعات لا تلبث أن تختفي في الربيع.

يزرع في الحائط تبغ مرغوب جدا و يباع بقيمة نصف ريال للمكيال الذي يحوي 500 غرام تقريبا. أما التبغ الذي يزرع في خيبر و العلا و تيماء فنوعيته أدنى بكثير من تبغ الحائط كما ان كمية التبغ نفسها تباع في العلا بقيمة ربع ريال و في خيبر بقيمة قرش‏ (1).

إن الأطلال العديدة التي لا تزال في الحائط تدل على أن هذه المدينة كانت فيما مضى مهمة كمدينة خيبر إن لم تكن أكثر أهمية. كانت تضم حيّين كبيرين، واحد في الجنوب- الشرقي و الآخر في الشمال- الغربي من القرية الحالية. و قد ضاع اسماهما. إلا أن السكان يسمون حاليا الأطلال الأولى تحت اسم خرائب النصارى (أطلال المسيحيين) و الأطلال الثانية تحت اسم خرائب اليهودي. الحائط الحالية نفسها تقوم على أساسات قديمة من الحجر المقصّب. و لا تزال توجد بقايا غريبة لابنية قديمة و من بينها مبنى مربع يفضى إليه درج خارجي يقود إلى الطابق الأول.

و في داخل المبنى بئر.

المبنى المسمى قصر الذهلان مربع من الحجر المقصّب، و هو مبني بالاسلوب نفسه مع درج خارجي. ما يشبه الطابق الأرضي ليس فيه باب و لا نافذة و لا أي فتحة أخرى.

تتألف مدينة الحائط الحالية التي تتطاول في حفرة من الحرة على امتداد ميلين من الشرق إلى الغرب، من ثلاثة أحياء. الحي الأول هو الأكبر و يدعى وادي سعفان.

و الحي الثاني، و هو الأصغر، الكائن على مسافة 100 متر إلى الجنوب- الغربي يدعى الشريف. و الثالث الكائن في الاتجاه نفسه إنما على مسافة 500 متر على تلة صغيرة، يدعى القصير.

في أسفل هذه التلة الأخيرة قبور قديمة مبنية من الحصى و مسورة و لكن بعضها قد

____________

(1) قرش- 20، 0 فرنك.

126

انهار. اتجاه القبور من الشرق إلى الغرب.

في الحائط استطعت أن أتبين من أعلى الحرة جبال قنة و قرن و حليفه و تين في الجنوب و الجنوب- الشرقي.

هذه التقويمات سمحت لي برسم حدود الحرة من هذه الجهة.

في 24 كانون الأول غادرت الحائط في الساعة التاسعة و النصف صباحا. و في الحادية عشرة بلغت حدود الحرة. و هي تستمر و لكن بحالة تشتت مسافة 12 كيلومترا تقريبا إلى ما بعد جبل الصقابرAc ?eqaber على بعد 16 كيلومترا من الحائط.

عند سفح هذا الجبل الأخير و في مكان انقطاع الحرة، بقايا ثلاثين بيتا باتت أطلالا.

بعد دقائق من خروجي نهائيا من الحرة، عبرت أخيرا وادي مخيد الذي ينطلق من الجبل الذي يحمل الاسم نفسه، على بعد 45 كيلومترا تقريبا إلى الشمال- الغربي من طريقي.

و قد خيّمت لدى مروري على بعد 9 كيلومترات من هذا الوادي الذي كان فيه ماء.

في وادي مخيد تقريبا تبدأ أرض من تربة صلصالية صلبة مكسوة بالحصى برتابة مقنطة و بعقم يكاد يكون مطلقا. لذا لا نجد فيها أبدا مخيمات للبدو كما لا نعثر عليها بين جبل رأس الأبيض و الحائط. و اسم هذه الصحراء هو الزرب.

من مخيمنا كان جبل أبان‏El Ban الذي يقع على مسافة بضعة كيلومترات إلى الشمال- الغربي، و هو جبل قليل الارتفاع. و أمامنا ينتصب جبل الزلف الصغير، و هو جبل من النوع نفسه يبلغ طوله 6 أميال.

في اليوم التالي انطلقنا قبل الثامنة بقليل، و بعد ساعتين كنت على جبل الزلف. و قبل ذلك بقليل استطعت أن أحدد على مسافة 16 ميلا جبل ركة الذي لا يبعد سوى 7 أميال من وادي الرمّة.

ابتداء من جبل الزلف سرنا باتجاه الشمال، 65 درجة شرقا. و لم نلبث أن عدنا إلى أرض غرانيتية خالصة.

و بعد مسافة 3 أميال حددت جبل الظبي على بعد 25 ميلا إلى الجنوب- الشرقي، و على مقربة من مصب وادي القاعدEl Qahed في وادي الرمة. و بعد مسافة قصيرة قطعت وادي القاعد قرب القمة الصغيرة التي تحمل الاسم نفسه.

127

ينشأ وادي القاعد على مسافة 22 كيلومترا إلى الشمال- الغربي من القمة التي تحمل الاسم نفسه قرب قرية تغرةThaghrat الصغيرة.

على بعد 4 كيلومترات إلى الشمال- الغربي من جبل قاعد الصغير، يوجد جبل صغير آخر يدعى فرس‏Fers على بعد 5 أميال إلى الجنوب- الغربي الشرقي يوجد جبل و سما.

عند غروب الشمس خيّمنا في صحراء قلنقوة التي تتبع صحراء الزرب.

في اليوم التالي في 26 كانون الأول، قطعنا 14 ميلا. في الساعة الثامنة صباحا اجتزنا وادي مبحل‏Mebehel الذي يتكون قرب جبل رويسة و يصّب في وادي الرمّة. قرابة الظهر وصلنا إلى جبل دقية الأسمر، و هو تلة غرانيتية بارتفاع خمسين مترا تقع على بعد 40 ميلا جنوبي تلة مماثلة تدعى دقية الأحمر.

من قمة دقية الأحمر استطعت تحديد جبل الرمان حيث عند سفحه مستجد.

عند قمتي دقيه تتوقف مراعي قبيلة هتيم.

مستجد

في 27 كانون الأول، انطلقنا في الساعة السابعة صباحا و بعد ثلاث ساعات رأيت من بعيد نخيل مستجد التي وصلت إليها بعد ساعتين.

لدى مروري في خيبر كانت تسري شائعة مفادها أن الأمير قد غادر للقيام بغزو في الجنوب. في الحائط تأكد لي النبأ ولدى وصولي إلى مستجد علمت أن الغزو استهدف عرب عتيبة الذين يخيّمون بين مكة و الرياض. و أضاف شيخ مستجد الذي كان يزودني بهذه التفاصيل إن الغزو خيّم بالأمس في وادي الرمّة و إنه يتوقع بالتالي أن يراه يمر مجددا بين لحظة و أخرى ليعود إلى حائل. فصممت على انتظاره في مستجد لرؤيته لدى مروره. و لكن في منتصف الليل وصل مرسال من الأمير مكلف بالاستفسار عني و بحمل أخباري. الغزاة كلهم كانوا يخيمون على بعد عشرة فراسخ جنوبي مستجد. فأرسلت مرزي فورا على ذلولي الخاص و كلفته إبلاغ الأمير تحياتي و شكري لاهتمامه.

128

و أعلمني المبعوث بأن الغزو قد نجح تماما و أعطى نتائج طيبة دون إراقة أي دماء.

و قد تم الاستيلاء على حوالي 800 جمل و 5000 من الخراف و الماعز و ستة عبيد و سبعة خيول. هرب أفراد عتيبة، و لم يشأ الأمير ملاحقتهم.

في اليوم التالي عاد مرزي في الساعة الثالثة عصرا و كان قد سرّ كثيرا. و أبلغني الأمير بواسطته أنه سيمر في صباح اليوم التالي أمام مستجد و أنه سيرسل مواكبة لمرافقتي لأعود إلى حائل برفقته و أن أكون جاهزا.

و بالفعل في 29 كانون الأول منذ الصباح الباكر امتلأ السهل بالقطعان و مجموعات من البدو و رجال الأمير و جميعهم يحث الخطى متجهين إلى الشمال. إلا أن القسم الأكبر من الغزو مرّ مع الأمير على بعد فرسخين تقريبا غربي مستجد. قرابة الظهر، وصل أربعة فرسان أرسلهم الأمير لاصطحابي. و لكن لم يكن في نيتي قط العودة إلى حائل على النحو الذي سيعتمده الأمير أي هرولة.

فبعثت الى الأمير شكري و اعتذاري لعدم تلبية دعوته رغبة مني في العودة مع القيام بالتفاف صغير.

و انطلقنا فورا فقادتنا أربع ساعات طويلة من السير إلى قصير و هي قرية صغيرة تضم أربعين شخصا حيث قضينا الليل.

في 30 كانون الأول حملتنا 3 كيلومترات من السير من فوق جبل الصفرا الصغير إلى قرية غزالة التي اكتفيت بالمرور من أمامها. توقفت على بعد 8 كيلومترات في كفر المحش الذي يعدّ عشرة أشخاص حيث أمضيت الليلة.

في اليوم التالي توجهت باتجاه جبل الشبيكية و هو جبل من الغرانيت الأحمر مع بضعة مزارع من النخيل شبيهة بمزارع عقدة. و بعد قليل مررت أمام جبل السراء و خيمت إلى الشمال قليلا في قصر شعيب.

كان اليوم التالي الأول من كانون الثاني 1881. لم أتمكن من الانطلاق إلا قرابة الساعة العاشرة بسبب إهمال رجالي الذين تركوا ذلولي يتيه و لم نعثر عليه إلا بعد يومين.

لم يكن هناك ما يؤخرني في هذه المنطقة التي أصبحت أعرفها، فحثثت خطو مطيتي و وصلت إلى حائل في الساعة السابعة مساء.

استكشافي للغرب استغرق مني 74 يوما.

129

من حائل إلى بغداد

في 10 كانون الثاني كان الحجاج الفرس العائدين من مكة و المدينة قد وصلوا إلى حائل و في 17 غادروها للعودة عبر بغداد إلى وطنهم. فقررت أن أرافقهم.

عند الظهر غادرت حائل و سرت إلى الشمال- الشرقي. و بعد ثلاث ساعات توقف الغرانيت و ظهر الحث من جديد. و على بعد نصف ساعة خيمت مع الحجاج في منطقة أمازن.

في اليوم التالي لم نجتز سوى 7 أميال دائما إلى الشمال- الشرقي و خيّمنا قرب وادي الشقيق. بعض الحفر الصخرية كانت لا تزال تحتوي على مياه من أمطار الشهر السابق. في هذا الوادي تجد أيضا الكثير من العليق الذي يعطي الخشب الكافي للنار. الماء و الخشب هما كل ما يلزم للحاج، أما المؤن فيحملها معه.

في 19 كانون الأول سرنا فقط من الساعة السابعة حتى الساعة الحادية عشرة و قطعنا 11 ميلا و نصف الميل. أقيم المخيم عند آبار الحاصرة. تقع هذه الآبار البالغ عددها ثلاثين تقريبا في منخفض من الأرض غير ملموس. و هي محفورة مباشرة في الأرض الصلصالية. المياه على عمق 6 أو 7 أمتار و طعمها سيى‏ء كريه. طبقة الماء ليست عميقة لأن كل الآبار امتلأت بالرمل قليلا. وادي حائل يصل إلى هذه الآبار و لكنه لا يتابع سيره ليصب في الشرق في وادي الرمّة كما أعتقدنا حتى الآن.

على العموم يكون جوار الآبار خاليا من النباتات و من ثمّ من العلف و الخشب. يضاف إلى ذلك في الحاصرة أنه في نهاية أربع و عشرين ساعة كانت الآبار قد استنفدت و مع ذلك بقينا أربعة أيام.

لدى انطلاقه من بغداد إلى المدن المقدسة، كان الحجيج يتألف من 800 شخص تقريبا. و في العودة كانوا 4000 ليس لديهم طبعا ما يكفي من الجمال لإيصالهم إلى بلاد ما بين النهرين. أفراد قبيلة حرب الذين نقلوا الحجيج من المدن المقدسة إلى حائل كانوا كالعادة يريدون العودة و لكن إزاء نقص الجمال اضطر الأمير إلى الطلب اليهم بأن يبقوا حتى مشهد علي. و قبل الجزء الأكبر و لكن عدد الجمال بقي غير كاف. فأرسل الأمير رسولا تلو رسول إلى بدو الصحراء ليحملهم على المجي‏ء مع جمالهم، و لكن العرب استاؤوا من أسعار الأجرة التي رأوا أن الأمير قد

130

حددها لمصلحة العراقيين فتباطأوا في الوصول.

خلال هذا الوقت، جميع الحجاج الفقراء، من قبيلة حرب و قبيلة شمّر كانوا وفق العادة البدوية ضيوف الأمير. و بتقديري كان هذا يتمثل بإطعام ما بين 2500 و 3000 من الأفواه الإضافية مما كان يسحب حجما كبيرا من المؤن.

للتخلص من هؤلاء المستهلكين غير اللازمين جعل الأمير الحجيج يغادر حائل بعد ما أعطى جميع المحتاجين كمية من التمور تكفي لخمسة عشر يوما. و لكن بما أن جميع الحجيج لم يحصلوا على جمال، كان لا بد لهم من البقاء في المخيم.

و مع تعالي مطالبات الحجيج، قاد أمير الحاج‏ (1) في 24 كانون الثاني الجزء الراكب من القافلة حتى بقعاء على مسافة ثلاثين كيلومترا إلى الشمال- الشرقي للحاصرة.

و في الليل عادت الجمال إلى المكان الأخير و جلبت معها في اليوم التالي باقي الحجيج. و جرت الأمور على هذا النحو عدة أيام حتى حملت التهديدات التي وجهها الأمير بواسطة مبعوثيه الى البدو على المجي‏ء مع جمالهم.

أما اسعار الأجرة التي حددها الأمير للجمال من حائل حتى مشهد علي فهي:

- للفارس مع خرجه‏ (2) 07 ريالات‏

- للجمل المحمّل 10 ريالات‏

- للجمل مع هودجين لشخصين 13 ريالا

و كان البدو قد طلبوا أن تكون هذه الأسعار على التوالي 10، 15 و 18 ريالا.

تقع بقعاء بشكل جميل جدا في حوض شاسع من الحجر الأبيض الممتد من الشرق إلى الغرب. تتألف القرية من مجموعتين من المنازل. المجموعة الشرقية تدعى صحبي‏C ?eheby ، و الأخرى الغربية تدعى الويمي‏El Oueimy . بين الاثنتين مجموعة صغيرة من 4 منازل تدعى شرقي و تعتبر قديمة جدا. كانت في غابر الزمان تدعى الحمام أو مريقب‏Mereiqeb أيضا. إلى جانبها ملكية معزولة دون نخيل محاطة بالحقول و تحمل اسم القصيفةEL Qec ?eifah و على مقربة توجد مجموعة أخيرة تدعى قويعان‏

____________

(1) أمير الحاج هو قائد القافلة. من نقطة الانطلاق و حتى الوصول لديه صلاحية مطلقة كالقبطان على متن سفينته. كان يشغل هذه الوظيفة عبد لدى ابن رشيد يدعى عبد الرحمن.

(2) الخرج هو حقيبة سفر مزدوجة تتدلى على جانبي الجمل.

131

وسط الحوض مغطى بطبقة سميكة من الملح الشديد المرارة.

المياه السيئة و المالحة بشكل عام تقع على عمق يتراوح ما بين 8 و 10 أمتار. و بما أن الحث الذي حفرت فيه الآبار شديد الليونة فإن فتحة الآبار واسعة جدا. بئر واحدة تعطي ماء مقبولا و هي بئر قصر الويمي و مياهها لبنية و تميل إلى الزرقة في آن و قد ذكّرتني بماء نهر الراين. هذا البئر تدعى سمحة.

لكل من حي العجين و حي الويمي قصر كبير مربع مبني من الحصى و الملاط دون كلس مع أبراج صغيرة عند الزوايا الأربع. الداخل مملوء ببيوت السكان البائسة التي تذكّرني بقرية تدمر الوسخة الواقعة ضمن سور معبد الشمس. قصر الصحبي هو الأكبر.

نخيل بقعاء جميل و ينتج نوعا جيدا من التمر. كما يزرع فيها كل سنة القمح و الشعير.

لاحظت قرب بقعاء حجارة حث غريبة الشكل. فهي كرات مدورة تماما بحجم حبة حمص شبيهة بالكلل التي يلعب بها الأولاد. الكرات المنزلة في الحث هي نفسها من الحث الشديد الصلابة بلصاق كلسي و آخر بلصاق من أو كسيد المنغنيز المحمية و تبرز أشكالاBotryoides تذكّر بأنواع الحث الشبيهة بفونتينبلو. في إحدى عيّنات الحث التي جلبتها معي صدفة بمصراعين يبدو أنهاCardite . هذا الحث الكروي يسميه السكان الأصليون رسترس‏Restres .

كان الحجيج يخيّم على بعد كيلومتر واحد تقريبا إلى الشمال- الشرقي لبقعاء على هضبة من الصخر العاري يدعى قطيان.

في 26 كانون الثاني غادرنا بقعاء و اجتزنا قرابة 20 كيلومترا دائما باتجاه الشمال 65 درجة شرقا. مخيمنا لهذا اليوم يدعى لغف النفود و أيضا الغبية.

على مسافة قصيرة إلى الشمال، كان النفود يرتفع كسور إلى علو 40 مترا تقريبا. من قمته استطعت تحديد جبل جلدية و هذا ما فعلته أيضا من بقعاء.

في اليوم ما بعد التالي استأنفنا السير و تبعنا حافة النفود التي تنحني هنا قليلا باتجاه الجنوب بحيث كانت وجهتنا الجنوب 80 درجة شرقا. و قادتنا مسيرة 30 كيلومترا إلى آبار الشعيبة حيث بقينا ذلك اليوم و اليوم الذي تلاه. خلال هذين‏

132

اليومين بقي المنظر مشوبا بضباب خفيف و كانت الشمس شاحبة و الحرارة باردة.

أما البوصلة فكانت مضطربة باستمرار.

المياه في آبار الشعيبة البالغ عددها ثلاثين بئرا، تقع على عمق 5 أو 6 أمتار. و هي شديدة الملوحة و مرة.

في 30 كانون الثاني سرنا بضعة كيلومترات إضافية باتجاه الجنوب- الشرقي ثم إلى الشرق. و حينما بلغنا أثر درب بغداد بدأنا نسير إلى الشمال و دخلنا إلى النفود الذي لم يعد فيه ما يخيف و لا يقارن بنفود الجزيرة العربية الوسطى. فهو مجرد تلال من الرمل تفصل ما بينها وهاد مملوءة بالحصى. و بعد مسيرة 13 ميلا وصلنا إلى مكان يدعى الشامة.

في 31 كانون الثاني قطعنا كذلك 13 ميلا في اتجاه الشمال و ذهبنا لنخيّم عند بئر تربة حيث بقينا أربعة أيام.

البئران مسورتان و المياه فيهما على عمق 15 مترا تقريبا. لدى وصولنا كانت المياه نتنة و مرة و لكن حينما استنفدها الحجيج بسرعة جاءت المياه التي حلّت محل الأولى أطيب مذاقا.

شيّد أحد اواخر أمراء شمّر قرب آبار متعب، قصرا من الآجرّ و وضع فيه كتيبة حرس لمنع العرب من غير شمر أو حلفائهم من أخذ الماء. و الأمير الحالي محمد يبقي فيها باستمرار ثلاثة رجال للهدف نفسه.

إن قبيلتي عبدة و تومان الشمّريتين الواقع مخيماهما في هذه المناطق هما اللتان تشربان من مياه تربة.

الأراضي المحيطة بتربة قاحلة بشكل رهيب. إنها صحراء حجرة تتخللها جزر رملية بسماكة سنتيمترين إلى 3 سنتيمترات. و التربة التحتية خليط من الحصى و المرو و قطع الصوان و الكلس المتراصة و التي تبدو متماسكة بملاط أبيض. هذه الصحراء الممتدة بعيدا إلى الشرق تحمل اسم الضبيب الكبير.

على بعد 12 ميلا إلى الشمال- الشرقي لتربة تقع آبار خضرا و عددها 14. و قد حفرت في الصخر ببساطة و لم تزين بأسوار و يبلغ عمقها من 15 إلى 16 مترا و قطرها متران.

المياه فيها مشوبة بالمرارة. و كانت هذه الآبار فيما مضى تعود خصيصا إلى عرب عبدة، إنما اليوم تستطيع كل قبائل شمّر أن تشرب منها.

133

على بعد 15 ميلا شرقي خضرا يوجد بئرا الخشماءEl Hasma و هما أقل عمقا من تربة و قد سوّرتا و تحتويان على ماء طيبة.

على مسافة 10 كيلومترات تقريبا شرقي آبار الخشماء بئران أخريان تحت اسم زرود و هما بعمق آبار تربة نفسه و مبنيان. اما نوعية مياههما فأدنى من مياه الآبار السابقة.

هذه الآبار الكائنة جميعها في النفود المسمى متسور كانت فيما مضى ملكية حصرية لقبيلة عبتة. النفود هنا هو عبارة عن شريط ضيق من الرمل بعرض عشرة كيلومترات تقريبا يتجه شرقا انطلاقا من النفود الكبير.

في 4 شباط غادرنا تربة و اجتزنا شريط النفود و خيّمنا عند الظهر على بعد بضع كيلومترات من المكان المسمى المتسياحه في صحراء عرق الضهورAreq eI Dhehour الحجرة و الرملية.

على مسافة يوم من السير، أي قرابة 40 كيلومترا إلى الغرب من المتسياحة و في النفود، توجد آبار الحيانيا الثلاثة التي قيل لي إن عمقها 60 مترا (؟) نصف البئر يخترق النفود و هو مسوّر أما الباقي فحفر في الصخر و مياهه طيبة جدا.

في صحراء عرق الضهور و على مسافة بضعة كيلومترات شرقي المتسياحة يوجد رأسا نهرين صغيرين هما وادي ختسال و وادي خور اوقيان اللذين يجريان مسافة 30 ميلا تقريبا نحو الشرق و الشمال- الشرقي في وادي أبا الصيران. بين النفود زرود في الجنوب و منطقة جبلية في الشمال لم أتمكن من معرفة اسمها.

قبل الوصول إلى المتسياحة، تمر الطريق على امتداد عدة كيلومترات بين بقايا سورين تفصل بينهما مسافة 20 إلى 30 مترا. إنها شواهد الجدارين اللذين شيدتهما زبيده زوجة هارون الرشيد، من بغداد إلى مكة للسماح حتى للمكفوفين بالقيام بالحج إلى المدن المقدسة بحسب رواية المؤلفين العرب. و لا تزال الطريق تدعى اليوم درب زبيدة وفاء لذكرى هذه الأميرة.

في 5 شباط استأنفنا السير في الساعة السادسة صباحا. في التاسعة بدأ النفود من جديد و بعد ساعتين كنا نخيّم مجددا خارج النفود في بلجبيه.

منذ مغادرتنا تربة لم نصادف الماء، لذا بدأ الحجيج يعاني نقصها. في هذا اليوم‏

134

بعنا الماء بسعر روبية (1) للقربة. و لحسن الحظ في السابعة مساء انهمر المطر غزيرا مما سيدفع ببعض الماء إلى المنخفضات.

في اليوم التالي في 6 شباط، قادتنا مسيرة 22 كيلومترا إلى الشمال و 6 إلى الشمال- الغربي إلى العشق في الصحراء الحجرة نفسها.

هنا رأيت أول الأحواض الشهيرة (بركة) التي بنتها زبيدة على طول الطريق لتستقبل مياه الأمطار و تسقي الحجيج.

بركة العشق كانت تقع على مسافة ميل تقريبا إلى الجنوب- الغربي لمخيمنا.

هذا الإنشاء البديع من الحجر المقصّب المغلف بالإسمنت لا يزال في حالة جيدة جدا.

و تبلغ قياساته 90 مترا على 61 بعمق 15 مترا تقريبا. الحوض الواقع في منتصف منحدر هضبة كبيرة يتقاطع مع الجدول النابع منه و يحجز مياهه. من الجدارين الداخليين الشمالي و الجنوبي للحوض يهبط مدرجان عاليان و عريضان حتى القاع. و يرجح أن المنطقة لم تحظ إلا بأمطار قليلة إذ لم يكن في قعر الحوض سوى بعض الوحل السائل و مع ذلك فقد ملأ الحجيج قربه منه. إلى جانب الحوض توجد على الهضبة بقايا أبنية كانت بمثابة منازل.

بالقرب من مخيم الحجاج حوض آخر أصغر من الحوض الذي وصفته آنفا و لكنه في حالة متردية عن الأول و قد اجتاحه الرمل كليا.

في 7 شباط و بعد اجتياز مرحلة 12 ميلا شمالا، 10 درجات غربا، وصلنا عبر الصحراء الحجرة إياها إلى بركة الشباAsabah .

تتألف هذه المحطة من ثلاثة أحواض و مبنى ضخم و قرابة 100 بيت صغير و جميعها من الحجر المقصّب مما يعني أنها كانت نقطة مهمة.

مباشرة شمالي الشبا يوجد مقطع آخر من درب زبيدة بطول 5 أميال. هنا الجداران اللذان يحدان الطريق مبنيان بعناية فائقة. سماكتهما ما بين 60 و 70 سنتمترا و ارتفاعهما متر تقريبا. بين الفينة و الأخرى نجد بقايا منزل صغير مربع من الحجر المقصّب طول ضلعه 8 أمتار تقريبا. و هو مبني خارج الجدار الذي يحد

____________

(1) الروبية- 15. 2 فرنك.

135

الطريق و له باب يفضي إلى الطريق التي يبلغ عرضها المتساوي هنا 25 مترا.

في اليوم التالي، تابعنا في السادسة مسيرتنا إلى الشمال و بعد ساعة مررنا بين بركة مدوّرة إلى يسارنا و أطلال قصر إلى يميننا. و يدعى هذا المكان جسر ابن عطية.

في نهاية الساعة الثانية من السير، مررنا قرب أطلال قصر يدعى فليت ابن قنت‏Feleit ebn qenet .

بعد انطلاقنا بأربع ساعات و نصف الساعة خيّمنا في الشعيبة.

تملك هذه المحطة الواقعة في منخفض طفيف حوضين، الأول مدور و الثاني مربع، بالإضافة إلى بقايا مبان ضخمة من بينها قصر لا يزال ترتفع جدرانه عدة أمتار فوق الأرض. الباقي كله بمستوى الأرض تقريبا.

شيد الحوضان بمنتهى العناية و بمتانة جعلتهما يصمدان سالمين حتى اليوم. جدران الحوض المربع من الحجر المقصّب، أما الحوض المدور فمبني من الدبش المغلف بالإسمنت. و قد دعم الجداران الشمالي و الجنوبي للحوض المربع فيما بعد بجدار ثان من خليط الملاط و الحجارة المكسرة شيد أمام الجدار الأول. هذا الاحتياط كان دون جدوى إذ انهارت الجدران الإضافية فيما بقيت الجدران الأولى منتصبة.

جدران القصر هي أيضا من الحجر المقصّب و لكنه خشن جدا. بالقرب من القصر حوض جميل لا ماء فيه عمقه 40 مترا و قطره 3 أمتار.

كان الحوضان مملوءين حتى النصف بمياه تميل إلى الصفرة إنما طيبة و كافية لتروي عشرة أضعاف حجيج بحجم حجيجنا.

من مخيم العشيبة عينوا لي موقع آبار لينة الشهيرة التي لا بد أنها تقع إلى الشرق تماما على بعد 30 ميلا على الأكثر. هذه الآبار البالغ عددها 300 تقريبا يبلغ عمقها 25 مترا و جميعها حفرت في الصخر. المياه فيها طيبة دون أن تكون ما يسميه العرب" عذبة". و قد كانت في كل الأزمنة ملكا لعرب عبته الآنف ذكرهم و الذين تمتد الأراضي التي يجوبونها إلى هنا.

و قد روى لي عبد الله، أحد رجال الأمير المشارك في مواكبة الحجيج، أن آبار لينة ليست من صنع الإنسان إذ لا يمكن لأحد أن يحفر آبارا في هذا الصخر الأبيض و الصلب كالمعدن. سليمان بن داود الذي كان مارا من هنا ذات يوم عطشان دون ماء،

136

هو الذي أمر العفاريت بأن يحفروا له هذه الآبار في ساعة. فأطاعوه و باشروا العمل فورا، و لكن الصخر كان صلبا لدرجة أنهم لم يتمكنوا من إنجازها إلا في ساعتين على الرغم من حماستهم!!.

في 9 شباط انطلق الحجيج في السابعة. و بعد ساعتين مررنا قرب بقايا قصر يدعى باتل أتول. و على بعد بضعة كيلومترات منها أطلال مبنى صغير منعزل من الحجر يدعى قصر عقلا الرنيني و وصلنا إلى ذبالة بعد ذلك بقليل.

هذه أهم محطة من بين كل المحطات التي صادفناها منذ عشق. و تحتل حوضا بيضاويا بقياس 4 كيلومترات على اثنين. الأرض صخرية خالصة تتجمع مياه الأمطار في المنخفضات إذ إنها لا تجد مصرفا خارج هذا الحوض الطبيعي و لا في الأرض، و لا تختفي إلا بفعل التبخر. و مع ذلك فقد بنيت هنا أربعة خزانات مملوءة بالمياه حاليا.

بنيت المنازل التي كانت عديدة جنوبي الأحواض و فوق المنخفض الذي تحتله بحيث تمكن رؤيتها من بعيد جدا مشكّلة بذلك نقاط هداية في هذه الصحراء الجرداء و الرتيبة.

بين الأحواض و المباني 5 آبار كبيرة يبلغ قطرها 5، 2 متر إلى 3 أمتار و عمقها ما بين 40 و 50 مترا. لدى مروري، كان فيها ماء و لكن يرجح أنها مياه الأمطار. الجزء العلوي من هذه الآبار مسوّر و الباقي محفور في الصخر.

لم تعد المباني سوى كوم مشوّهة ذلك أن الحجارة التي استعملت لبنائها أصابها التفتت بفعل العوامل المناخية نظرا لطبيعتها. كما أن الأحواض منهارة جزئيا.

منذ الشعيبه كانت الأرض قد عادت بركانية و لكن هذا الطابع يزداد في ذبالة.

في 10 شباط انطلقنا مجددا في السابعة. و بعد دقائق كنا نجتاز شعيبا كان يحتوي في الوقت الراهن قدمين من الماء بعرض 100 متر و ذلك بفضل المطر الذي تساقط طوال الليل. و يقدر طول هذا الشعيب ما بين 50 و 60 كيلومترا من الغرب إلى الشرق.

في الحادية عشرة كنا نخيّم في الجميما و هو منخفض بني في أدنى مستوى منه حوض مربع جميل لا يزال بحالة ممتازة. طول ضلعه 30 مترا تقريبا و عمقه 4 أمتار.

البناء في غاية البراعة. فالمياه تدخل في الخزان المملوء حتى الجمام من قناة جانبية

137

من المرجح أن القصد منها إسقاط الرمل و المواد الترابية العالقة في الماء.

سماكة جدران الحوض 30، 1 متر و كان داخل الحوض مغلفا بالحجارة المقصّبة غير المغطاة بالإسمنت. و على غرار الأحواض السابقة كان هناك درج يقود إلى القاع.

في 11 شباط اجتزنا 16 ميلا إلى الشمال، 5 درجات غربا و خيّمنا في الظفيري حيث بركة جميلة لا تزال صامدة كليا.

قرابة التاسعة صباحا كنا قد رأينا لجهة الغرب و على مسافة عشرين كيلومترا تقريبا، قمة تلة ترتفع فوق الأفق و تسمى القور عطية.

قبل بلوغ مخيمنا بقرابة عشرة كيلومترات كنا قد صادفنا حوضا يحمل أسم الحوض نفسه الذي خيمنا بقربه أي الظفيري. كلاهما كان في حالة جيدة إنما فارغين من المياه. و لم يكن في جوارهما أي مبنى.

على مسافة بضعة كيلومترات شمالي مخيمنا، بركة ثالثة تدعى هي أيضا الظفيري.

قطرها 12 مترا تقريبا و كانت مغمورة بالرمل حى حافتها.

و لتمييز هذه الأحواض الثلاثة التي تحمل اسما واحدا، عمد العرب إلى تعيينها بصفاتها الجنوبية و الشمالية و الوسطية.

كنا نخيم بالقرب من بركة الظفيري الوسطية و من هذه النقطة رأيت تلة تسمى جال الباطن ترتسم في الشمال في خط طويل أفقي تماما. و في اليوم التالي، تبين لي و أنا اجتازها أنها مدرج في الهضبة و ليس تلة.

في جال الباطن تنتهي الصحراء الحجرة و كانت قد بدأت في النقطة التي ينفصل فيها درب زبيدة نهائيا عن النفود أي عند بركة فليت ابن قنيت. هذه الصحراء الحجرة (كلسية) الرتيبة جدا تدعى الحجرة. و هي تمتد في الشمال- الغربي حتى وديان على مسافة أربعة أيام من السير و في الجنوب- الشرقي حتى حسا على مسافة ثلاثة أيام من درب زبيدة. إنما في هذا المجال الشاسع من الأرض، جفاف الصحراء و عمقها مطلقان.

لقد ذكرت الوديان لتوّي. هذا الاسم لا يدل على شعيب و لا على واد، بل على منخفض في حماد شمالي النفود، شرقي الجوف، يتجه نحو الشمال- الشرقي على مسافة تفوق 120 ميلا جغرافيا و فيه مراع جيدة. و لا بد لي من الملاحظة هنا أنني لم أسمع بالوديان‏

138

لا في الجوف و لا في الجبل. و من أطلعني على القليل الذي أعرفه هو شيخ من قبيلة عنزة رافق الحجيج لمدة يومين انطلاقا من و شرف، و قد دونته على خريطتي بالاستناد إلى هذه المعلومات.

في 12 شباط انطلقنا في السابعة قاصدين الشمال، و بعد ساعة كنا نمر قرب بركة الظفيري الشمالية التي سبق ذكرها قبل قليل. و بعد مسافة قصيرة وصلنا أمام جال الباطن و تسلقنا منحدره الوعر جدا.

الصعود عبر مجرى السيل عملية بالغة الصعوبة، لذا فإن عددا كبيرا من الجمال تتد حرج و قد أكد لي العرب أن جال الباطن غير قابل للتسلق حتى لرجل من أي مكان باستثناء هذا المعبر.

و قد حوّل مسار السيل جزئيا لتصب المياه في حوض شيّد في أسفل المنحدر و لكنه مغمور بالرمل كليا.

عند ما نكون في قمة جال الباطن نرى بالفعل، كما ذكرت آنفا، أنه ليس تلة إذ إن الأرض تستمر فورا نحو الشمال في هضبة شاسعة. إنه درجة بارتفاع 40 إلى 50 مترا يتوجب صعودها عند ما نصل من الجنوب.

في سفح جال الباطن حفرت المياه في الأرض خنادق و وديانا و لذلك نجد هنا بعض المراعي.

يمتد هذا الارتفاع المتجه من الشمال- الغربي إلى الجنوب- الشرقي، مسافة 160 كيلومترا تقريبا، يقع قرابة ثلثها غربي درب زبيدة و الباقي إلى شرقه.

بعد جال الباطن بفرسخين خيّمنا قرب بركة العقبة.

هذه المحطة هي إحدى أهم محطات الطريق. فيها حوض رائع بطول 110 أمتار و عرض 60 مترا تهدم جزئيا و غمره الرمل. كان يحتوي ماء.

و بركة ثانية مهدومة خالية من الماء.

و لكن اللافت للنظر هي أربعة آبار ضخمة، من أروع الآبار التي رأيتها في حياتي.

الأولى التي تقع شمالي البركة الكبيرة على شكل مربع طول ضلعه 4 أمتار و نصف المتر. من الفتحة و حتى عمق 8 أمتار تقريبا سوّرت جدرانها اما الباقي فحفر في الصخر.

139

البئر الثانية تقع في وسط مبنى كبير بات أطلالا. و هو أيضا مربع طول ضلعه 5، 3 مترا.

الثالثة لا يتجاوز قطرها مترين و الرابعة الكائنة على مسافة 50 مترا إلى الشمال- الشرقي من الحوض الكبير طول ضلعها 4 أمتار من كل جهة.

كل هذه الآبار التي تشكل تحفا فنية بكل معنى الكلمة و التي أنجزت بعناية فائقة، تصل إلى عمق 60 مترا. و لكن للأسف ليس فيها ماء و كل هذه الأعمال الهائلة ذهبت هدرا.

إن أطلال أبنية المساكن كثيرة و تشهد على أهمية هذه المحطة.

في اليوم التالي استأنفنا سيرنا إلى الشمال و قطعنا 11 ميلا و خيّمنا في عسامين.

فور مغادرتنا العقبه عادت الطريق محفوفة بالجدران، بقايا أشغال زبيدة. إنما هنا، لكونها سلمت على نحو أفضل، فقد بلغ ارتفاعها في بعض الأماكن مترين. و لا بد أن الجدران كانت أكثر ارتفاعا في الأصل لأنها تفتقر إلى التتويج و تصدعت. غير أنني لا أعتقد أن ارتفاع المترين هذا كان سائدا في كل المسافة و لا السماكة التي تتراوح ما بين 50، 0 م و 75، 1 م. إن بناء هذه الجدران أكثر خشونة شمالي العقبة من تلك الباقية جنوبي المتسياحةEl Metseiahat . فالحجارة قرب العقبة خشنة و ضخمة و وضع ببساطة بعضها فوق بعض دون أن يجمع بينها أي ملاط.

على مسافة 6 كيلومترات من العقبه باتجاه الشمال، أطلال قصر. و على بعد 8 كيلومترات منه، في منخفض طفيف، نرى بركة مربعة طول ضلعها 15 مترا. يمكن رؤية هذا الحوض من مسافة بعيدة إذ إن التراب الذي استخرج لدى بنائه، رمي إلى شمال الحوض و إلى جنوبه مشكلا تلّتين صغيرتين بنيتين واضحتين من بعيد بفضل تساوي الصحراء. كان الحوض مملوءا بالماء. و يحمل القصر و البركة اسم المنطقة عسامين.

قبل الوصول إلى هذه البركة رأينا في الشمال شريطا أفقيا طويلا ممتدا من الشرق إلى الغرب يوحي بارتفاع شبيه بارتفاع جال الباطن. و لكن لدى بلوغه قرابة الساعة الحادية عشرة تبين لي أنه سلسلة طويلة من التلال الصغيرة المعزولة، قممها على شكل طاولة، متجهة من الشمال- الشرقي إلى الجنوب- الغربي. و تتخذ هذه التلال‏

140

شكلا هلاليا على العموم و لا يتعدى ارتفاعها 15 مترا تقريبا. أما طول الارتفاع الذي يحمل اسم عسامين، فيبلغ 50 كيلومترا.

في 14 شباط بدأنا السير قرابة السابعة. و بعد نصف ساعة تراءى لنا جبل صغير لم نلبث أن بلغناه و يدعى جبل الفهدة.

و في الوقت نفسه الذي رأيت فيه هذا الجبل المنمنم بدا لي في البعيد من جهة الشمال أيضا ارتفاع ذكرني بارتفاع جال الباطن و عسامين. و لم نلبث أن وصلنا إليه و تبين لي أنه أشبه بالأول من الثاني. فكان علينا أن نصعد درجة أولى و بعد مائة متر تقريبا درجة ثانية. و الدرجتان معا لا تساويان إلا نصف ارتفاع درجة جال الباطن. و عند بلوغ القمة نكتشف أنها هضبة جرداء كليا.

هذا الارتفاع المتجه أيضا من الشمال- الغربي إلى الجنوب- الشرقي، يسري على طول 60 كيلومترا تقريبا و يحمل اسم جال و قصة.

من جال و قصة سرنا مسافة كيلومترين ثم خيّمنا قرب منخفض كانت الأمطار الأخيرة قد حولته إلى بحيرة صغيرة تدعى و شرف.

كان هذا المخيم يشغل هضبة على شكل حوض مسطح جدا بطول 5 أميال و عرض ميلين. و قد حفر في قعره قرابة ستين بئرا بقطر متر واحد. و كان الجزء الأكبر من هذه الآبار مغمورا بالبحيرة الناتجة عن أمطار الشتاء. لم أر سوى بئر واحدة ضلعها 8 أمتار و لكنها جميعها محفورة في الصخر. و الماء كريه.

و روى لي العرب أن مدينة كبيرة كانت تقوم هنا في غابر الزمان. هل هذه أسطورة تستند إلى عدد الآبار أو على كمية الحصى المتناثر في كل الجهات؟ لقد شاهدت هنا بالفعل بقايا أساسات مبان قديمة و لكنها لا تفوق تلك الموجودة في المحطات السابقة. و مهما يكن من أمر، فباستثناء الآبار لم يعد هناك شي‏ء و لا حتى حطب بحيث لم يتمكن الكثير من الحجاج إعداد غدائهم لافتقارهم لما يسمح لهم بطبخه.

قبيل الوصول إلى جال و قصة بقليل صادفنا بئر و قصة إلى غرب الطريق عمقها 18 مترا و مياهها عذبة.

لا يزال في منطقة و قصة و عسامين ثلاث آبار قديمة جدا. و هي تشغل خطا ينطلق من بركة عسامين ليلتقي طرف جال و قصة في الشمال- الشرقي.

141

الأولى التي تقع على بعد 12 كيلومترا من البركة هي الجيل و عمقها 70 مترا. الثانية، على بعد 22 كيلومترا، تدعى الشبرم عمقها 80 مترا.

الثالثة، العاعا التي تبعد 26 كيلومترا من البركة، عمقها 87 مترا.

الماء في بئر الجيل كريهة و لكنها طيبة المذاق في البئرين الأخريين. أما قياسات العمق فإنني أوردها طبعا مع كل التحفظ وفقا لأقوال العرب الذين لا يكلفهم عدد الأمتار شيئا خاصة عند ما يتعلق الأمر بعمق بئر.

الصحراء الواقعة إلى شرق هذه الآبار تدعى جال البساسة. لا أعرف إلى ماذا تعود هذه التسمية بالضبط إذ أكد لي أنه لا وجود لجال بالمعنى الصحيح.

كل منطقة عسامين الواقعة بين جالي الباطن و وقصة، عبارة عن صحراء من الصوان عقيمة بشكل مطلق. و لكن الصوان يختفي ما بين جبل فهدة و جال و قصة. البدو يطلقون على حجارة الصوان هذه اسم صلابيخ و بشكل أدق صلابيخ و قصة و لكنني أعتقد أن هذه التسمية يجري استعمالها في قبيلة عنزة فقط.

على بعد 5 أميال إلى شمال مخيمنا في و شرف، الخط الفاصل بين أراضي أقوى قبيلتين في الجزيرة العربية أي شمر و عنزة. يمر هذا الخط تقريبا بخط عرض آبار شبيكة الواقعة على بعد 5 أميال إلى الشمال الغربي من و شرف.

هذه الآبار الشهيرة و البالغ عددها ثلاثمائة تقريبا ليست قديمة و قد حفرها العرب الحديثون أي منذ بدء الهجرة. لا يتجاوز عمقها مترين أو ثلاثة أو أربعة أمتار كما أكد لي أنه ليس فيها ماء إلا عند ما تمطر. و بالتالي يمكن اعتبارها خزانات أكثر منها آبارا، و ما يحمل على هذا الاعتقاد هو أن مياهها نتنة و مرة و مالحة.

في 15 شباط بقي الحجيج مخيمين في و شرف بسبب جدال بين اثنين من الحاملادار (1) و بدوييهم مستأجري الجمال.

لقد ذكرت آنفا بأن الأرض بين جبل فهدة و جال و قصة تختلف عن أرض عسامين الواقعة إلى الجنوب و المكونة من الصوان. و في و قصة نجد حجارة كلسية متنوعة جدا كما يتبين من العيّنات الآتية التي استجلبت:

____________

(1) حاملادار هو اسم الذين يتولون نقل الحجيج العراقيين مقابل سعر جزائي من بلاد ما بين النهرين إلى المدن المقدسة و العودة.

142

1- كلس تتخلله حبيبات من الصوان.

2- كلس رمادي بلوري.

3- كلس مخثر.

4- كلس متراص و مصقول و قد لمع سطحه بسبب احتكاك الرمل على الأرجح.

في و شرف يطغى كلس صواني إلى حد بعيد، يجرح الزجاج و تتخلله فجوات و عروق كلسية كالترافرتين.

في 16 شباط استأنفنا المسيرة مسافة 30 كيلومترا حتى الطلحات التي لا تزال الآن إحدى أهم محطات درب زبيدة.

هنا أطلال مائة بيت صغير تقريبا و خان كبير. و لا تزال جدران هذا الأخير تنتصب إلى ارتفاع 4 إلى 5 أمتار فوق الأرض. كما فيها ثلاث برك، واحدة مدوّرة و اثنتان مربعتان و كل واحدة من الأخيرتين مزدوجة. و لكن أغرب ما نرى هما بئران مربعتان حفرتا كليا في الصخر لعمق 70 مترا تقريبا طول كل جانب منها 5 أمتار و قد نفذتا بعناية و بدقة تامتين. لم أر حتى الآن ما يوازيهما فخامة إذ إنهما تفوقان آبار العقبة جمالا و عمقا. لدى مروري كانتا جافتين و من المرجح أنهما كانتا كذلك على الدوام.

البرك هي أيضا جافة، و لا عجب في ذلك لأنها مغمورة بالرمل إلى ما فوق فتحات التغذية. لقد أمطرت السماء هنا على غرار المنطقة بأسرها و هذا ما كانت تشهد عليه النباتات القوية النامية في كل منخفضات الأرض.

قبل الوصول إلى الطلحات بساعة، صادفنا أطلال مبنى منعزل لا تحمل اسما خاصا.

من بعد 10 كيلومترات إلى شمالي و شرق يتبدل مظهر الأرض مجددا. فالكلس المخثر و الكلس المتراص و الصوان العشبي تبقى الصخور طاغية حتى الطلحات.

و تعرف هذه المحطة كذلك باسم مفرق درب لأن الطريق تنقسم فيذهب فرع منها مباشرة إلى النجف فيما يتجه الآخر إلى قصر السيد.

في 17 شباط غيرنا طريقنا و سرنا إلى الشمال، 20 درجة شرقا.

في الحادية عشرة مررنا أمام محطة الحمام دون توقف و فيها قصر و بئر و بركة.

و يشمل القصر، و هو أفضل القصور المحافظة على شكلها في طريقنا، غرفة مقببة

143

كليا لا تزال قائمة. و البركة أيضا لا تزال في حال جيدة و فيها ماء.

عند الواحدة و بعد أن قطعنا 35 كيلومترا ابتداء من الطلحات، خيمنا في محطة حامد حيث لا يوجد سوى بركة مربعة.

في اليوم التالي انطلقنا في السادسة صباحا و مررنا بعد ساعتين قرب محطة مغيصة حيث يوجد قصر و بركتان. و بعد عشرين كيلومترا خيمنا على ضفاف شعيب الخزعمي الذي ليس بعيدا عن قصر و بركة أم قرون.

ابتداء من الطلحات و حتى جدول الخثعمي تبدو المنطقة دوما بمظهر صحراء حجرة لا نباتات فيها. هذا الجدول جاف و لكنه مملوء بالخضرة لأنه تلقى ماء هذا الشتاء، و نجد فيه عشبا و حطبا.

في 19 شباط، سرنا في السادسة إلى الشمال تقريبا، 10 درجات غربا.

بعد سفر دام ثلاث ساعات، اجتزنا الشعيب أصب الذي هو ينبوع قرب آبار شبيكة و يجري في شط العرب قرب البصرة.

بعد مرور ساعة على عبورنا شعيب أصب، وصلنا إلى شعيب أبو خمسات الذي كان مملوءا بالخضرة. و خيمنا على مسافة ساعة إلى الشمال.

على بعد بضعة كيلومترات إلى شرق مخيمنا قصر السيد مع ينبوع، و على مسافة بضعة كيلومترات إلى الجنوب- الشرقي قصر رحيم و ينبوع ماء مرّ.

منذ الثامنة صباحا بدت أمامنا قبة مسجد علي المذهبة في النجف و هي تلمع كالشمس. و قد شجع هذا المنظر الجميع و أنساهم الكثير من المآسي التي عانوها.

في اليوم التالي في 20 شباط، كان الجميع جاهزين قبل الفجر بوقت طويل. في السادسة انطلقت المسيرة و بعد ساعة و نصف الساعة وصلنا أمام" بحر النجف" و تركناه إلى يميننا للالتفاف حوله. و سرنا على التوالي إلى الشمال- الشرقي ثم إلى الشرق و أخيرا إلى الجنوب- الشرقي. عند الظهر إلا بضع دقائق وصلت إلى النجف المقدس.

كان بعض البدو قد أرادوا خداع ابن رشيد برفضهم نقل الحجيج بالشروط التي وضعها. و لكن في النهاية و من بعد تهديدات الأمير قرروا إرسال أسوأ إبلهم مما أجبر الحجيج على الاكتفاء بمسيرات لا تتجاوز ست إلى سبع ساعات في اليوم. لذا فقد

144

أمضينا 35 يوما للمجي‏ء من حائل إلى النجف و هي مسافة يمكن اجتيازها عادة في 12 يوما بسهولة.

توقفت بضعة أيام في النجف و في كربلاء سعيدا بالتلذذ مجددا بملذات حضارة أكثر تقدما من حضارة سكان الصحراء. و إذ استشرى الطاعون في النجف اضطررت إلى قضاء 15 يوما من الحجر الصحي في مسيّب قبل الدخول إلى بغداد التي لم أصل إليها إلا في 18 آذار. و قد خصني السيد بيرتيه قنصلنا، باستقبال في منتهى الودّ و اللطافة و بضيافة شرقية صرف. و سأحفظ له دائما أحر امتناني.

كلمة أخيرة قبل أن أختم المسار من حائل إلى العراق. هناك ثلاث طرق تتبع عادة و يسميها العرب كالآتي:

درب سماوة و هي تنطلق من هذه البلدة على ضفاف الفرات و تتجه إلى الجبل مرورا بلينة.

درب الغزال التي يمكن أن تنطلق من أي نقطة في بلاد ما بين النهرين ثم تنحرف قليلا إلى الغرب و تذهب إلى الجنوب مرورا بآبار الشبيكة في الغرب و باحتراق النفود في جزء كبير. و لا يمكن ان يسلك هذه الطريق إلا رجال يمتطون أفضل المطايا. و هي على الأرجح الطريق التي تبعها و الين عام 1848.

درب زبيدة أو الدرب السلطاني التي تجري بين الدربين السابقتين. هي الدرب التي تبعتها و التي وصفتها لتوّي.

و لكننا نفهم أن هذه الطريق، على الرغم من فخامة أحواضها، لا يمكن سلوكها في كل وقت لان أمطار الشتاء ليست منتظمة. و قد روى لي جميع العرب أنه قبل شتاء 1880- 1881، مرت ثلاثة مواسم شتاء دون أمطار و لم يحظ خلالها أي من الأحواض بماء. و قبلها مرت تسعة مواسم شتاء جافة أخرى. و في ثلاث عشرة سنة لم تكن هذه الطريق سالكة إلا ثلاث سنوات. و قافلة الحجاج التي بنيت من أجلها تستخدمها بنسبة أقل بكثير إذ يصادف الحج عموما في شهر حار أكثر منه في شهر بارد.

و قد أدرك بناة درب زبيدة هذا العائق و حاولوا تداركه بإنشاء آبار إلى جانب أحواضهم الضخمة. و قد رأينا الأعمال الجميلة التي نفذت في محطتي الطلحات و العقبة و كم حرصوا على إيجاد الماء. و لكن الله لم ييسر لهم العثور عليه.

أورد الآن بعض المعلومات حول أكثر الطرق استعمالا و هي درب سماوة التي تمر بلينة

145

و التي لم أستطع إدخالها إلى خريطتي لافتقاري الى مزيد من المعلومات.

بالانطلاق من سماوة، تقود مسيرة يوم كامل إلى الجفرة، و هي محطة مزودّة بآبار.

لكن عرب الزياد لصوص محترفون، يجعلون هذه النقطة خطرة. لديهم خيول و لا ينفكون يغيرون للسلب.

في اليوم التالي وصلنا إلى صحراء الحجرة و خيّمنا في مكان اسمه أبو خويمة حيث لا ماء في غدير إلا في الشتاء.

في اليوم الثالث خيّمنا في سلمان حيث آبار عديدة و لكن مياهها كريهة.

قادنا اليوم الرابع إلى حقي الفردوس و هو منخفض طفيف مستطيل الشكل يمتد 500 متر و يشتمل على خضرة طوال السنة. ليس فيه آبار و لكن المياه تبقى فيه طويلا بعد المطر.

في اليوم الخامس خيّمنا في الخديد حيث لا يوجد سوى مياه الأمطار.

في اليوم السادس خيمنا في جال الباطن حيث نجد إما مياه المطر أو مياها من آبار لينة.

معلوماتي حول هذه الطريق تتوقف هنا.

من بغداد إلى دمشق عبر الحماد

من بغداد ما علينا إلا ان نختار الطرق للذهاب إلى فرنسا. الطريق الاعتيادية هي طريق البحر عبر البصرة و السويس و هي اقل الطرق مشقة و لكنها اطولها.

إحدى الطرق البرية تتمثل في الذهاب من بغداد إلى الموصل و منها إلى الإسكندرون إما عبر أورفاء (الرها) أو عبر حلب. و تتم هذه الرحلة على الحصان.

و يوجد اخيرا طريق أقصر بكثير تسلك طريق الصحراء. و تتمثل في الذهاب من بغداد إلى الفرات الذي يتم عبوره عند شقلاوه. ثم نصعد الضفة اليمنى للنهر حتى الدير (1) و من هنا نذهب إلى السخنه في الجنوب- الغربي، ثم إلى تدمر و أخيرا إلى‏

____________

(1) أي مدينة دير الزور و تقع على نهر الفرات، و تبعد عن الحدود العراقية حاليا 130 كيلومترا.

146

دمشق. إننا نحصل على الماء كل يوم أو كل يومين و تتم الرحلة على جمل ذلول.

و لكن للأسف نتعرض لعمليات السلب التي تقوم بها كبريات قبائل عنزة التي تحتل بالضبط هذه المناطق من صحراء سورية.

إنها الطريق التي تسلكها عادة القوافل الصغيرة التي تسير بين بغداد و دمشق.

الطريق المباشرة من بغداد إلى دمشق عبر الحماد لا بد أن تكون أكثر أهمية للعلم.

بعض العرب المتفرقين الذين يؤمّنون خدمة البريد بين هاتين المدينتين لحساب القنصل الانكليزي في بغداد (1) يجتازون هذه المسافة منذ عدة سنوات.

قمت باستعداداتي لاتباع هذه الطريق و عند ما وجدت الدليل اللازم، غادرت بغداد في الأول من كانون الأول 1881.

خرجنا من المدينة في الساعة الخامسة مساء، و لم أجتز عند هبوط الليل سوى أربعة أميال و ذهبت لأخيّم على مسافة قريبة من عقرقوف، قرب بعض خيم بني تميم.

في اليوم التالي في 2 كانون الأول، انطلقنا في الساعة الثالثة صباحا و وصلنا بعد اثنتي عشرة ساعة إلى شقلاوة على ضفاف الفرات.

أرض دجلة الطمية تمتد حتى منتصف الطريق قرب قصر نقطة. أبعد من ذلك تصبح الأرض محجرة و مملوءة بالحصى. على أي حال فإن تركيب التربة معقد للغاية فقد لاحظت جبسا صفيحيا، صوانا على شكل حصى رمادية فاتحة أو تميل إلى الصفرة، يشبا مشققا مع عروق من المرو، حصى من المرو الأبيض الشفاف، حثا رماديا و كلسا بلون التراب.

قبل الوصول إلى شقلاوة بساعة يطفو الرخام و الميكا على سطح الأرض.

ابتداء من قصر نقطة تتخذ النباتات مظهر نباتات الحماد و يختفي البطم الذي تميز الجزيرة باستثناء واحد أو اثنين.

في اليوم التالي عبرنا الفرات في معبر على مسافة خمس عشرة دقيقة من القرية.

و لم تستغرق العملية أكثر من ربع ساعة. و توجهنا على الفور شمالا 70 درجة غربا،

____________

(1) منذ سنة (من تاريخ الرحلة) أقامت الحكومة العثمانية خدمة مماثلة على الخط نفسه.

147

نحو الرمادي حيث وصلنا في الساعة الرابعة ثم ذهبنا نخيم في الحقول على بعد مسيرة ساعة منها.

كل ضفة الفرات اليمنى ابتداء من شقلاوة حتى الرمادي بعرض يتراوح ما بين 500 و 1000 متر، يزرعها عرب مقيمون من قبائل أبو فهدFahat ، أوردمي‏Ourdemy مهامته‏Mehamtah .

المنظر مختلف كليا. انتهى سهل الجزيرة الشاسع فأرض الطمي تتوقف على مسافة من الفرات تتراوح ما بين كيلومتر واحد إلى 5 كيلومترات. الأرض تصعد رويدا رويدا و تشكل ارتفاعا يبلغ من 15 إلى 20 مترا مؤلفا من الحث الهش في طور التحلل.

في 4 كانون الأول، انطلقنا في الساعة الرابعة فجرا و وصلنا بعد تسع ساعات إلى الهيت‏Hit التي أشار عمود دخان أسود ناجم عن تكرير خلاصاتها المعدنية إلى وجهتها منذ الساعة الثامنة صباحا.

هذه المدينة الصغيرة التي تعدّ من أقدم مدن العالم و السابقة لبابل بالتأكيد، تقع اليوم على مسافة 150 مترا غربي موقعها القديم. الهيت الجديدة تشغل مكان قلعة المدينة القديمة على صخرة تشرف على النهر و قصت بشكل عمودي من هذه الجهة. في مقابلها على الضفة اليسرى بستان واحد مؤلف من 200 نخلة تبلغ من العمر عشرين سنة. يتم ريه بواسطة دولابين ضخمين يحركهما التيار (ناعورتان) ترفعان الماء في هدير يصمّ الآذان و هما من مميزات منطقة الفرات. في الأسفل، شرقي الهيت، بستان آخر يشمل مائة نخلة تقريبا. تلك هي كل الخضرة الموجودة.

نعرف انه من بعد الهيت هناك نخيل يثمر في عانا و لكن هذا هو الحد الشمالي لانتاجية هذه الشجرة. بعد هذه الحدود لا يعطي النخيل تمرا.

أرض الهيت تشكل منخفضا شبيها بالأحواض التي رأيتها في القصيم. طرف من هذا الحوض يلامس الفرات الذي يبلغ عرضه هنا 60 مترا و الهيت تقع في هذه النقطة بالضبط.

مظهر المنطقة عار و كئيب. على مسافة عدة كيلومترات في كل الاتجاهات تنبثق ينابيع صغيرة متخمة بالهيدروجين الكبريتي و تفسد رائحة الجو المثقل بالدخان الأسود الناجم عن الكربور المستعمل كمحروقات لتكرير الكربور نفسه.

148

تعطيك المدينة انطباعا بأنها أطلال. و هناك مأذنة في الزاوية الجنوبية تطل عليك من بعيد و أنت قادم من الرمادي.

الهيت تعيش كليا من ينابيع القار التي لا تنضب.

بالاستناد إلى عيّنات معدنية استجلبت، فإن تربة البلدة تتألف بشكل رئيس من الجبس و حصى المرو و افتاليت و الصوان المنطقي الموشح و المنغنيزي، و المرو الشفاف، و حصى من الكلس الأسود المتراص جدا، الأنبوبي الشكل أحيانا و من الحث الصواني بملاط كلسي.

بين الرمادي و الهيت يشكل الفرات عروة في الشمال بحيث يغيب عن الأنظار، و لأن الطمي لا يمتد إلى هذا البعد في الداخل تأتي النتيجة بأن مجرى النهر بكامله تقريبا يسير في صحراء من الحصى اسمها أبو راية.

في الهيت تملأ القرب من ماء الفرات لعبور الصحراء. و استأنفنا مسيرتنا قرابة الساعة الخامسة مساء في اتجاه الشمال، 75 درجة غربا، لنصل في الثامنة إلى كبيسةKebeisah و هي قرية مؤلفة من 500 نسمة و تحيط بها جدران تحظى بصيانة جيدة، قضينا الليل خارجها.

حدائق كبيسة موجودة في أرض مسوّرة منفصلة، شمالي المدينة. و على حدود الحدائق يجري نبع غزير لكن ماءه مرّ و مالح. أما المياه الصالحة للشرب لاستهلاك كل القرية، فلا وجود لها إلا في بئر وحيدة تقع على مسافة 500 متر خارج الجدران.

هذه المدينة الصغيرة القابعة على أبواب الصحراء هي مقر مدير مكلّف بجباية الضريبة لحساب الحكومة العثمانية، و لكن هذه هي الفائدة الوحيدة التي يحصل عليها السكان من جراء جنسيتهم اذ إنهم لم يروا السلطة مرة تتدخل لحمايتهم من عمليات السلب الدائمة التي يشنها عرب عنزة.

يوم الاثنين في 5 كانون الأول غادرنا كبيسه في السادسة صباحا و لم نعد نصادف أي مركز مأهول حتى وصولنا إلى سورية. و قد عصفت ريح شمالية مثلجة بقوة طوال اليوم و منعت جمالنا في بعض الاحيان من التقدم.

كانت طريقنا تسري في الجنوب، 60 درجة غربا. و قد قادتنا مسيرة ست ساعات إلى قصر خباز حيث خيّمنا في مجرى الشعيب الذي يحمل الاسم نفسه و الذي يتخذ

149

وجهة الشمال- الشرقي بعد تكونه على الهضاب التي تحيط القصر، و يمر بكبيسة و من هنا يصبّ في الفرات.

قصر خباز هو المحطة الأولى في طريق تذهب من بغداد إلى دمشق و تدعى درب زبيدة كالطريق التي تقود من العراق إلى المدن المقدسة في الحجاز، أي إن إنشاءات طريق دمشق تنسب إلى الأميرة نفسها.

أمام قصر خباز تنخفض الأرض فجأة 40 مترا تقريبا، و بجانب القصر ينزل سيل بني في أسفله بركة كبيرة القياسات من الحجر المقصّب. كل هذا بات أطلالا و لكنه من السهل الملاحظة أن أسلوب الإنشاءات هو نفسه كما في درب زبيدة الجنوبي. لا تزال جدران القصر ترتفع إلى ثلاثة أمتار و عقد باب المنزل لا يزال كاملا.

لدى مغادرتنا خباز، تابعنا طريقنا مسافة 25 كيلومترا مستمرين في اتجاه الشمال، 60 درجة غربا و خيّمنا في رجم الصابون و هو اسم تلة حيث كان يقوم بناء وحيد من حجارة كبيرة بات أطلالا.

في 6 كانون الأول، لحظة الرحيل في الصباح، لم يستطع أحد أن ينام بسبب البرد.

كان ميزان الحرارة يسجل 9، 5 درجة. أما الريح فكانت لا تزال قوية و تعصف من الشمال- الغربي.

على بعد بضعة كيلومترات من رجم الصابون، وصلنا إلى مقاطعة قرعة عامق و بعد خمس ساعات من السير إلى قصر عامد.

قصر عامد مبني على الجزء الأكثر انخفاضا من هضبة. و لم يبق منه سوى الأساسات على مستوى الأرض و الباب مع قنطرته. على مسافة قصيرة إلى غرب القصر نجد حوضا مربعا طول ضلعه 12 مترا و لكنه مغمور بالرمل حتى مستوى الأرض.

ابتداء من حيث تحافظ الصحراء على رتابتها لا ترى سوى سهول شاسعة تتماوج قليلا في بعض الأحيان.

من قصر عامد قطعنا 40 كيلومترا إضافيا ثم خيّمنا.

ليل 6 إلى 7 كانون الأول كان أكثر بردا من الليل السابق و هبط ميزان الحرارة إلى 1، 10 درجة. و لحسن الحظ كانت الريح أضعف من الأيام السابقة.

150

انطلقنا في السابعة صباحا، و وصلنا بعد ثلاث ساعات من السير إلى وادي المعشر الذي ينبع على مسافة خمسة أميال تقريبا جنوبي- شرقي طريقي و يصب في وادي حوران.

قبل الوصول إلى وادي المعيشر، صادفت على جانبي الطريق بقايا جدارين حاجزين مماثلين للجدران التي رأيتها على درب زبيدة في الجنوب و هو أمر لافت. و تمكنت من تتبع هذين الجدارين مسافة كيلومترين تقريبا.

بعد مغادرة وادي المعشر بساعتين و نصف الساعة خيمنا في وادي حوران قرب آبار عيور، تقع أطلال قصر عيور على الضفة اليمنى من الوادي، و لكن لم يعد يتجاوز ارتفاع جدرانه مترا واحدا. و لا يزال الباب المقبب هو أيضا منتصبا.

إن آبار عيور البالغ عددها 12 تقع في مجرى الوادي قرب الضفة اليمنى. سبع منها ردمت. و قد حفرت في الحصى و سندت جدرانها بكتل كبيرة من الحجر المبروم استخرجت من الوادي نفسه. و تقع المياه الطيبة جدا على عمق أربعة أمتار.

على الضفة الثانية و قبالة قصر عيور، أطلال قبر كما تظهر قبور من حولها على مساحة كبيرة. هذا المكان هو موقع أضرحة الصلب الذين يملكون أيضا الآبار.

ان بداية وادي حوران تقع بحسب أقوال رجالي، على مسافة أربعة أو خمسة أيام سير إلى جنوب- غربي عيور أي على بعد 200 كيلومتر تقريبا و مصبه في الفرات على بعد ثلاثة أو أربعة أيام من السير انطلاقا من النقطة نفسها. و كانت معلومات أخرى قد أعطتني أرقاما أدنى. أفراد قبيلة الصلب من شمال شرق النفود قالوا لي جميعهم إن طول وادي حوران الكامل لا يتجاوز ستة إلى سبعة أيام سير. و عرب من قبيلة العمارات‏Amarrat شرقي كربلاء أعطوني ارقاما مماثلة تقريبا. و اعترف بأن هذه المعلومات الأخيرة قد أثرت علي لدى تحديد الرسم و إنني لم أجرؤ على اتباع مؤلف الخريطة المرفقة برحلة الليدي آن بلانت، و الذي يسجل رأس الوادي بالدرجة- 36، 7 على خط الطول شرقا. أي بزيادة درجة إلى الغرب مني.

بالاستناد إلى الورقةV من خريطة مجرى الفرات التي وضعها الكولونيل شسني‏Chesney ، فإن مصب وادي حوران يقع على مسافة خمسة و عشرين ميلا إنكليزيا، شمالا- 37 درجة غربا من عانا.

في عيور تختفي ضفاف الوادي و يمتلى‏ء مجراه بحصى كبيرة و بحصى و كتل مبرومة مما يشير إلى نظام سيلي أحيانا.

151

المناطق المجاورة لعيور غير متساوية و تتخللها تلال. و كتلة الجبال مكونة من كلس متراص. كان أدلائي يسمونها كلها باسم جبال العوير. و لكن من المرجح أن القمم المختلفة، لها أسماء خاصة لا يعرفها سوى أفراد الصلب الذين يؤمون المنطقة في الربيع.

ما إن ارتوت النوق و ملئت القرب حتى استأنفنا سيرنا باتجاه الغرب و قطعنا قرابة 30 كيلومترا إضافيا. و بذلك وصلنا إلى نهاية هذه الصحراء التي لا نرى فيها سوى سهول شاسعة مع تموجات طفيفة و طويلة للتربة الخالية من كل نبات. كانت الصحراء قد بدأت غربي رجم الصابون و اسمها الضيعة و أيضا الضويعة (في هاتين الكلمتين تمثل حرف الضاد القوي).

بمغادرتنا هذه المنطقة وصلنا في 8 كانون الأول إلى منطقة الجعارةEl G`ara التي هي أكثر تعرجا و أقل عمقا. فالأرض صالحة و تنتج مراعي جيدة. حتى إنني رأيت قرابة الساعة العاشرة صباحا شجرا نصيا في واد صغير حيث توقفنا لتناول الغداء و السماح لجمالنا بأن ترعى.

في هذا المخيم استطعت أن أحدد بعض القمم البادية أمامنا و كلها تقع على أراضي الجعارة:

شمالا،- 22 درجة غربا الهدر.

شمالا،- 60 درجة غربا مربط حصان.

شمالا،- 70 درجة غربا الناقة

جنوبا،- 35 درجة غربا عفيف‏

و القمة الأخيرة هي الكبرى.

في البعيد أمامنا و إلى الغرب، تمتد سلسلة طويلة من الجبال تدعى الملوصة بلغناها بعد الساعة الثامنة مساء و فيها آبار.

قبل ساعتين كنا قد تعرضنا لوضع حرج. كنا قد تسلقنا لتوّنا منحدرا و عرا لتلة صغيرة، و ما إن وصلنا إلى القمة حتى رأينا فجأة على مسافة قدّرتها بخمسة أو ستة كيلومترات إلى الجنوب و هج نار مخيم. فالرجال الذين يستطيعون الإقدام على هذا التحدي في مثل هذه الساعة و في الصحراء لا بد أن يكونوا كثيرين. و وجودهم هنا

152

لا يبشر بالخير. لا بد أنهم بدو آتون من الصحراء و التقيناهم على بعد بضعة كيلومترات من كبيسة قد أعلمونا بسريانه في هذه المناطق.

فانعطفنا فورا إلى اليمين حاثين الخطى.

آبار الملوصة تدعى أيضا القراح.

عملية سحب الماء و سقي الإبل هي دوما طويلة نسبيا و خاصة عند ما تكون الآبار عميقة. و تزيد الصعوبات إذا كانت العملية تجري ليلا مع صعوبة تمييز الآبار الصالحة مما يستدعي ضرورة البحث عنها و سبرها الواحد تلو الآخر. بالإضافة إلى ذلك، عند ما تكون المنطقة خطرة و عند ما نعرف أننا في جوار غزو لا بد من أن يتم كل شي‏ء بهدوء و صمت فلا كلام إلا بصوت منخفض و يجب عدم إعطاء أي ذريعة للنوق لتطلق رغاءها، و معاملتها بمراعاة خاصة.

و مع ذلك فقد انتهى كل شي‏ء على خير ما يرام في ختام ساعة و استأنفنا السير لنخيّم في الساعة الواحدة فجرا على مسافة 8 كيلومترات بين بعض كتل الكلس الكبيرة قرب شعيب سمحان.

يجري هذا الشعيب الذي يتكون على مسافة غير بعيدة جنوب مخيمنا إلى الشمال- الشرقي و يصب بعد مجرى يبلغ قرابة 50 كيلومترا في وادي الرتقة الذي يتجه هو أيضا نحو الفرات. و لدي أسباب للاعتقاد أنه لا يتجه إليه مباشرة بل إنه أحد روافد وادي حوران.

رمل شعيب سمحان هو طمي رملي يخالطه الكثير من الكلس مع أنواع صوان و كربونات الكلس.

في 9 كانون الأول انطلقنا في السابعة صباحا و خيّمنا في الساعة العاشرة على أراضي الحرة و هي صحراء حجرة (شظايا كبيرة من الصوان و الكلس) و لكن عبورها لا يستغرق أكثر من ثلاث ساعات كاملة.

و مباشرة بعد ذلك سرنا إلى أراضي صواب‏Souwab .

في الساعة الثالثة و النصف و في الرابعة و الثلث و في الرابعة و 35 دقيقة اجتزت على التوالي ثلاثة روافد صغيرة لشعيب صويب تنبثق من هنا و تجري إلى الشمال لتصب في وادي صواب.

153

شعيبات صويب الثلاثة هي جداول لا يتجاوز عرضها من 6 إلى 8 امتار و تبلغ ضفافها 30 سنتيمترا.

و قال لي رجالي أن وادي صواب يجري في الفرات بين الدير و وادي حوران و لكن لم يستطع أحد منهم أن يحدد لي النقطة و لا حتى أن يفيدني بوجودها فوق أو تحت عانا. إلا أنني رأيت على الورقةIV من خريطة الفرات الجميلة التي وضعها الكولونيل تشسني، فيما كنت أتفحصها، و التي تبين مجرى النهر بين أبو سيدة و وردي، بانه صادف في الصحراء لدى عودته من جولته، على بعد 36 ميلا (1) شمالا- 78 درجة غربا من وردي (" 4، 29 34(L .M . خط عرض شمال وادي صواب‏Souwab .

مع هذه النقطة المرجعية، و بالاستناد إلى شكل الأرض قرب الفرات في هذه المنطقة، استطيع ان اؤكد أن مصب هذا الوادي في الفرات يقع ما بين 55 34 و 45 34 من خط العرض الشمالي، أي إلى جنوب دير الواقعة على الدرجة" 7 20 35 من خط العرض الشمالي. و بالطبع يحق لنا التعجب من عدم ملاحظة حملة الكولونيل تشسني هذا المصب في التقويم الدقيق جدا لمجرى الفرات.

الصخور الطاغية في منطقة صواب هي الصوان و الكلس الأحمر. العيّنة المستخرجة من مجرى الوادي هي طمي يحمل الكثير من كلس يميل إلى الحمرة قد يكون ناجما عن تفتت الكلس الأحمر.

في 15 كانون الأول، تابعنا سيرنا إلى الشمال،- 80 درجة غربا. بعد ميلين تركنا أرض صواب لندخل أرض الوالج‏El Oualeg و مباشرة بعد ذلك سرنا إلى الشمال،- 25 درجة غربا. كان يقصد من هذا التوغل إلى الشمال الالتفاف حول منطقة بركانية إلى جنوب طريقنا و يشكل اجتيازها صعوبة قصوى.

أمضينا قرابة ست ساعات لنصل إلى نهاية أرض الوالج و دخول أرض خويمة التي لا يميزها شي‏ء عن الأرض السابقة. و يستمر مظهر العري إياه و الغياب الكلي لأي نباتات.

و الأرض مغطاة بشظايا الصوان التي تبدو مطلية لشدة لمعانها في الشمس. تشبه هذه الصحراء تلك الممتدة إلى شرق الجوف بين هذه البلدة و صحراء و لماOuelma إلا ان حجارة الوالج و خويمة أكبر حجما.

في الوالج استأنفنا رحلتنا باتجاه الغرب.

____________

(1) الميل الانكليزي يساوي 1609 أمتار.

154

و قادتنا مسيرة ليلية إلى نهاية أرض خويمة و بداية أرض شعلان.

في السابعة و النصف كنا شهود ظاهرة شهابية غريبة. فقد ظهر نيزك رائع قطره ظاهريا طول قطر برتقاله كبيرة، كرة نارية حقيقية، قرب ألفا النسر و اجتازت الفضاء في الجنوب و مرت على أوريون و اختفت وراءنا إلى اليسار و قد أضاءتنا خلال سبع إلى ثماني ثوان بنور ساطع شبيه بنور بؤرة كهربائية. و بعد خمسين ثانية بلغنا صوت انفجار شبيه بإطلاق عدة مدافع.

و كان زيد، أحد رجالي، يصيح طيلة مدة الظاهرة بأعلى صوته و بنبرة تنم عن هلع كبير:" الله اكبر! الله اكبر! السلام على سيدنا محمد!" و كرر هذه الجملة عشر مرات ثم قال لنا أن هذه العلامة تنذر بنهاية سيئة لرحلتنا." أليس كذلك يا بيه؟" قالها متوجها إليّ. و أجبته" نعم لو كان هذا قد حصل في بداية رحلتنا، أما الآن فهذا الأمر لا يعنينا. وا أسفاه على الذين رأوا هذه الإشارة و سيصرون على بدء رحلة غدا". لكن شرحي لم يطمئنه إلا جزئيا.

في صباح اليوم التالي، حددت من مخيمنا الجبال الصغيرة التالية:- الغاب على مسافة عشرة أميال تقريبا شمالا،- 45 درجة غربا.- شعلان على مسافة ثلاثة أميال تقريبا شمالا،- 80 درجة غربا.- الطنف و الطنيف على مسافة 16 و 18 ميلا تقريبا جنوبا،- 45 درجة غربا.

بالقرب من جبال شعلان و الطنف و الطنيف غديران فإذا كانت الأمطار غزيرة في الشتاء، يبقى فيها ماء و يتجمع فيها عرب فضان و سبا في الربيع.

استغرق اجتياز أراضي شعلان ساعتين و نصف الساعة.

و فورا بعد ذلك بدأت أراضي خور الطنيفات حيث خيّمنا بعد الثالثة عصرا في واد عذب مملوء بالحطب و العلف و من بينها الكثير من النوصي. و بالفعل فقد تبدلت الأرض و المنظر. فقد أعقبت السهول الشاسعة الرتيبة و الجرداء في الحرة و الوالج و خويمات منطقة و عرة من التلال و الوديان. كذلك الأرض لم تعد مغطاة بالشظايا الشبيهة بحجارة البندقية، فقطع الصخر بشكل بحص و كثيرا ما تبدو و كأنها كسرت كالحجارة المعدّة عندنا لرصف الطرقات المكدمة.

في بعض الأحيان أيضا، إنما بنسبة أقل، تكون هذه الحجارة بحجم الدبش عندنا