سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
455

توفي عبد الرحمن الضبي في ذي القعدة سنة (232 ه) بفيد و هو بطريقه الى مكة لاداء فريضة الحج، و دفن بها (119).

اسماعيل بن اسحاق:

ابو اسحاق اسماعيل بن اسحاق بن اسماعيل بن حماد الأزدي.

نشأ بالبصرة و درس اللغة و الحديث و الفقه على مذهب الامام مالك بن انس، حتى صار علما فيه، و قد عمل على شرحه و نشره، و صنف الكتب في الاحتجاج له، كما اتقن علوم القرآن و الحديث و صنف عددا من الكتب فيها (120). و يقول ابن النديم ان اسماعيل بن اسحاق هو الذي بسط فقه مالك و دعا الناس اليه و رغبهم فيه، و صنف فيه الكتب‏ (121). و كان ابوه اسحاق على المظالم في مصر في عهد المأمون‏ (122).

استوطن اسماعيل مدينة السلام و ولى القضاء فيها، و لم يزل يتولاه حتى وفاته. و قد تولى القضاء لأول مرة في سنة (246 ه) لما مات القاضي سوار بن عبد اللّه العنبري، فأمر الخليفة المتوكل على اللّه قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ان يولي اسماعيل بن اسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداد فولاه‏ (123).

و ظل في منصبه حتى ايام المهتدى على اللّه الذي نقم على حماد بن‏

____________

(119) تاريخ بغداد 10/ 261.

(120) تاريخ بغداد 6/ 284- 285، و وفيات الاعيان 2/ 257، و المنتظم‏

(121) الفهرست 296.

5/ 151- 152.

(122) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 189 و 502.

(123) تاريخ بغداد 6/ 287.

456

اسحاق اخى اسماعيل لما بلغه عن مكاتبته الموفق ايام كان بمكة و صرف اسماعيل عن القضاء (124).

و لما بويع للمعتمد على اللّه بالخلافة اعاد اسماعيل بن اسحاق الى عمله في القضاء. و كان الموفق شديد الاعجاب باسماعيل و بعلمه، فسأله اسماعيل ان ينقله الى الجانب الغربي من مدينة السلام، و كان على قضاء الشرقية القاضي البرتي و على قضاء مدينة المنصور احمد بن يحيى، فكره ذلك قاضي القضاة الحسن بن ابي الشوارب و اجتهد في رده، الا انه لم يستطع ذلك لتمكن اسماعيل من الموفق. فاجابه الى طلبه، و نقل البرتي الى الجانب الشرقي من المدينة، و اسماعيل الى الجانب الغربي باسره، و ذلك في سنة (258 ه)، ثم جمع قضاء بغداد بجانبيها لاسماعيل بن اسحاق في سنة (262 ه) و قلد معها قضاء المدائن و النهروانات و قسم من اعمال السواد، و صار المقدم على سائر القضاة (125).

كان اسماعيل بن اسحاق مقربا الى الخليفة المعتمد على اللّه و الى اخيه الموفق، فكانا ينتد بانه لبعض المهام. فقد اوفده الخليفة ضمن الوفد الذي بعث به الى يعقوب بن الليث لما استحوذ على اقليم فارس في سنة (257 ه) (126). و عند ما تغلب ابن واصل على فارس في سنة (261 ه) و اسر احد قواد موسى بن بغا، وجه الخليفة اسماعيل بن اسحاق الى ابن واصل يسأله اطلاق القائد

____________

(124) الطبري 9/ 526، و تاريخ بغداد 6/ 287- 288، و اخبار القضاة/ 3/ 281.

(125) الطبري 9/ 526، و تاريخ بغداد 6/ 287- 288، و اخبار القضاة 3/ 281، و المنتظم 5/ 152.

(126) الطبري 9/ 476 9/ 476.

457

الأسير (127). و وجهه الخليفة كذلك الى يعقوب بن الليث عند ما وافى رامهرمز و عاد برسالة من يعقوب، في رجب سنة (262 ه) (128).

توفى اسماعيل بن اسحاق في ذى الحجة من سنة (282 ه) فجاءة و هو قاض على جانبي مدينة السلام‏ (129). و يقول ابن الجوزي انه لبس سواده ليخرج الى الجامع و لبس احد خفيه و جاء ليلبس الآخر فمات‏ (130). و اهم ما صنفه اسماعيل من الكتب كتاب في احكام القرآن، و كتاب في القراءات، و كتاب في معاني القرآن، و المسند (131). و يضيف ابن النديم على هذه الكتب: كتاب اهوال القيامة، و كتاب المبسوط، و كتاب شواهد الموطأ، و كتاب المغازي‏ (132).

الحسن بن الجعد:

هو الحسن بن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري و كان ابوه مولى ام سلمة المخزومية امرأة ابي العباس السفاح‏ (133). و قد درس الفقه و الحديث على علية اصحاب الحديث و رواته. و قد اخذ عنه البخاري‏ (134). و توفى بعد تولى ابنه القضاء

____________

(127) نفس المصدر/ 513.

(128) نفس المصدر/ 516.

(129) الفهرست/ 296، و تاريخ بغداد 6/ 290، و أخبار القضاة 3/ 281.

(130) المنتظم 6/ 384.

(131) تاريخ بغداد 6/ 284 و 286، و وفيات الاعيان 2/ 257- 258.

(132) الفهرست/ 296.

(133) المعارف/ 225.

(134) مروج الذهب 4/ 76، و الكامل 7/ 18.

458

بسنتين‏ (135). درس الحسن الفقه و الحديث على ابيه، و تابع الدرس و التحصيل حتى غدا من مشاهير العلماء بمذهب اهل العراق‏ (136). و مال اول امره الى مذهب المعتزلة ثم رجع عنه.

فقد سئل الامام احمد بن حنبل عنه، فقال: كان معروفا عند الناس بانه جهمي مشهور، ثم بلغني انه قد رجع عن ذلك‏ (137).

عرف الحسن بن الجعد بنبله و مروءته و سمو اخلاقه. و قد اختاره الواثق باللّه لقضاء مدينة المنصور في سنة (228 ه) و لم يزل قاضيا عليها الى ان مات في رجب سنة (242 ه) في عهد الخليفة المتوكل على اللّه‏ (138).

عبد الله الخلنجي:

عبد اللّه بن محمد بن يزيد الخلنجي، من اصحاب الرأي، كان واسع العلم حاذقا في الفقه الحنفي و من القائلين بخلق القرآن.

تقلد المظالم في اقليم الجبل، و القضاء في همذان نحوا من عشرين سنة، فكان مستقلا بالقضاء و وجوهه‏ (139). كتب اليه الخليفة المعتصم باللّه بأن يمتحن الناس، فكان معتدلا يضبط نفسه و لم يتطرف في الاعتزال. فقد تقدمت اليه امرأة فقالت:

ان زوجي لا يقول بقول امير المؤمنين، ففرق بيني و بينه، فصاح بها (140).

____________

(135) تاريخ بغداد 7/ 364.

(136) نفس المصدر، و اخبار القضاة 3/ 283.

(137) تاريخ بغداد 7/ 364.

(138) نفس المصدر، و الطبري 9/ 208.

(139) تاريخ بغداد 10/ 73.

(140) نفس المصدر، و اخبار القضاة 3/ 290 و جاء فيه ففرق بينه و بينها.

459

و تولى الخلنجي القضاء على الشرقية بالجانب الغربي من بغداد في ايام الواثق باللّه‏ (141)، و بقي في منصبه حتى ايام المتوكل على اللّه، فعزله في سنة (237 ه) و امر ان يكشف للناس ليفضحه، لأنه كان من اصحاب احمد بن ابي دواد. فاقيم للناس في جمادى الأخيرة من السنة المذكورة (142). فلم يتقدم احد بالشكوى عليه او اتهامه بأخذ حبة من احد، حتى لقد قال بعض الشهود الذين حضروا الكشف: ما علمت ان القرآن مخلوق الا اليوم. فلما سئل كيف علم ذلك، قال: سمعت القاضي يقول ذلك‏ (143). و هو دليل على ما كان يتمتع به الخلنجي من ثقة عالية في نفوس الناس.

كان الخلنجي عفيفا و فيه تيه و كبر شديد، و يظهر انه كان اسود اللون ذا شكل مهيب، فقد قال فيه احد الشعراء (144).

نسبته في سواد لبسته‏* * * اشبه شى‏ء بلون خلقته‏

كأنى بالجبال قد نصبوا* * * فيه الخلنجي فوق بغلته‏

اكرم به من فتى مناسبة* * * بين اجاوينه و قصعته‏

____________

(141) تاريخ بغداد 10/ 73 و اخبار القضاة 3/ 290.

(142) الطبري 9/ 189.

(143) تاريخ بغداد 10/ 74.

(144) اخبار القضاة 3/ 290.

460

ما عذب اللّه امة سلفت‏* * * فيما سمعنا بمثل صورته‏

يصطلح الناس حين يقعد للحكم فرارا من هول طلعته و عند ما اشتد الخلاف بين المستعين باللّه و القواد الأتراك و اضطر الخليفة على الانحدار مع مؤيديه الى بغداد كان عبد اللّه الخلنجي من جملة حاشيته. و لما طلب امير بغداد محمد بن عبد اللّه الى المستعين باللّه ان يتنازل عن الخلافة لانهاء الحرب مع المعتز باللّه، بحضور عدد من القواد و الفقهاء، قال الخلنجي للخليفة محتجا على طلب محمد: يا أمير المؤمنين انه يسألك ان تخلع قميصا قمصك به اللّه‏ (145). و لما اسقط بيد المستعين باللّه و لم ير بدا من الموافقة على التنازل عن الخلافة. اشترط شروطا معينة لتنازله، فبعث محمد بن عبد اللّه وفدا الى قائد جيش المعتز باللّه ابي احمد الموفق، يحمل كتابا بشروط الخليفة المستعين باللّه، كان الخلنجي احد اعضائه، ففاوض الوفد و عاد بجواب ما سأل المستعين باللّه من الشروط (146).

و كان المعتز باللّه بعد ان استقر له الأمر في سامرا، طلب الى مؤدبه عمران الضبي ان يسمي له عددا من الفقهاء ليوليهم القضاء، فاقترح له ثمانية رجال فيهم عبد اللّه الخلنجي، الا انهم اتهموا بالاعتزال، فأمر المعتز باللّه باخراجهم الى بغداد (147). و قد سبقت الاشارة الى ذلك.

***

____________

(145) الطبري 9/ 343.

(146) نفس المصدر/ 344.

(147) نفس المصدر/ 371.

461

الباب الرابع خلفاء سامرا و الأتراك‏ 1- الأتراك في عهد المعتصم باللّه و ابنه الواثق باللّه.

2- الصراع بين المتوكل على اللّه و الاتراك.

3- ايام الفتنة.

462

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

463

الباب الرابع خلفاء سامرا و الأتراك‏

الفصل الأول الاتراك في عهد المعتصم باللّه و ابنه الواثق باللّه‏

1- مقدمة:

كان الجيش عماد الدولة العربية في عهد العباسيين. و قد توسع كثيرا و ازداد عدده، و تنوعت صنوفه، و لم يعد يقتصر على العرب وحدهم، كما كان الأمر في عهد الأمويين. اذ سمح لابناء البلاد المفتوحة ممن اعتنقوا الدين الاسلامي ان ينخرطوا في صفوفه. و قد توسع العرب في فتوحاتهم الى بلاد ما وراء النهر و استولوا على امهات المدن فيها مثل بخارى و كاشغر و فرغانة و سمرقند. و كان سكان هذه المناطق من القبائل التركية البدوية، اعتنق اكثرها الدين الاسلامي. و يتميز ابناء هذه القبائل بقوة اجسامهم و شجاعتهم في القتال. و كان قسم من غلمانهم من الاسرى و السبايا يجلبون الى مركز الخلافة و يباعون رقيقا. و قد

464

استخدم بعضهم في الجيش لشجاعتهم و لياقتهم البدنية. و يعتبر ابو جعفر المنصور اول خليفة استعمل مواليه و غلمانه و قدمهم على العرب، فامتثلت ذلك الخلفاء بعده‏ (1). الا ان عددهم كان قليلا، و لم يكن استخدامهم بموجب سياسة مرسومة. فبقيت اكثرية الجيش على عهده من العرب و الخراسانيين.

و كان العباسيون في اول عهدهم اكثروا من استخدام الخراسانيين في الجيش لأنهم كانوا عونا لهم في التغلب على الامويين، مما جعلهم العنصر المسيطر فيه. و اتخذ الخلفاء الأوائل حرسهم الخاص منهم. غير ان انتصار المأمون على اخيه محمد الأمين اتاح لأنصاره من الفرس الذين اولاهم ثقته ان يهيمنوا على الجيش العربي هيمنة تامة. مما دفعه الى ان يستخدم ابناء ما وراء النهر، بعد ان اخضع كاتبه احمد بن ابي خالد الأحول في بلاد اشروسنة. و كان يأمر عماله في خراسان ان يشجعوا اهل تلك البلاد على اعتناق الاسلام، فكان يستميلهم بالترغيب و يقرض لهم في الديوان، و يجزل صلاتهم‏ (2). و لا ريب في ان انعطاف المأمون نحو الأتراك كان رد فعل لما لمسه من مطامع الفرس و محاولتهم الاستئثار بالسلطة. و كان الأفشين حيدر بن كاوس من امراء اشروسنة، و قد اصطنعه المأمون و اعتمد عليه، هو الذي زين له ان يتوسع شرقا فأستولت الدولة العربية على مناطق و اقاليم جديدة في آسيا الوسطى.

ان المعتصم باللّه الذي شاهد جرأة الفرس و تطاولهم على قتل اخيه الخليفة محمد الأمين، اخذ يرتاب في ولائهم منذ ان كان‏

____________

(1) مشاكلة الناس لزمانهم/ 23 لمن، و تاريخ الخلفاء/ 24.

(2) فتوح البلدان/ 419- 420.

465

أميرا. كما ان نكبة الفضل بن سهل، و ترك المأمون مدينة مرو الى بغداد، مما اساء الى العلاقة بين العباسيين و الخراسانيين.

فكان ذلك من جملة ما حدا بالمعتصم باللّه الى الاعتماد على الاتراك.

لأنه رأى في ذلك خير وسيلة لاضعاف النفوذ الفارسي في الجيش العربي. و يقول احد رجال المعتصم باللّه، و هو جعفر الخشكي انه كان يوجه به في ايام المأمون الى نوح بن اسد في سمرقند لشراء الأتراك و انه كان يعود عليه في كل سنة بجماعة منهم، بحيث اجتمع لديه منهم حينذاك زهاء ثلاثة الاف‏ (4). و جعل حرسه الخاص منهم. و يقول ابن قتيبة ان المأمون امر المعتصم باللّه باتخاذ الاتراك و جلبهم‏ (5). و يقول اليعقوبي انه لما افضت اليه الخلافة اشترى من كان منهم من الرقيق في بغداد. و كان ممن اشتراهم اشناس مملوك نعيم بن خازم، و ايتاخ مملوك سلام الابرش، و وصيف مملوك آل النعمان، و سيما الدمشقي مملوك الفضل بن سهل‏ (6). و اراه قد نوه بهذه الاسماء لما بلغه اصحابها من مراكز قيادية في الجيش و الدولة، و لما كان لهم من تأثير كبير في سير الاحداث.

و قد كلف المعتصم باللّه عند ما كان اميرا بمهمتين عسكريتين اعتمد فيها على غلمانه من الاتراك. فعند ما ندبه الخليفة المأمون الى قمع الثورة التي قامت في مصر فى سنة 214 ه توجه اليها ابو اسحاق في اربعة الاف من اتراكه‏ (7). و لما خرج مهدي بن علوان (3) نفس المصدر/ 419.

____________

(4) كتاب البلدان/ 255- 256.

(5) المعارف/ 391.

(6) كتاب البلدان/ 256.

(7) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 188.

466

الحروري على ابراهيم بن المهدي في سنة 203 ه وجه اليه ابراهيم ابا اسحاق في جماعة من القواد، و مع ابي اسحاق غلمان له اتراك‏ (8).

و هكذا صار اكثر جند المعتصم باللّه عند ما تولى الخلافة من اهل ما وراء النهر من الصغد و الفراغنة و الاشروسنية و اهل الشاش و كلهم من الأتراك‏ (9) بحيث صار له منهم جيش كبير، و يقول في تقدير عددهم الشاعر علي بن الجهم‏ (10).

امام من له سبعون الفا* * * من الاتراك مشرعة السهام‏

و يقول ياقوت الحموي مؤيدا هذا العدد من جند المعتصم باللّه الأتراك: ان جيوش المعتصم كثروا حتى بلغ عدد مماليكه من الأتراك سبعين الفا (11).

2- المعتصم بالله و استخدامه الاتراك في الجيش:

لقد كانت هناك بالاضافة الى ما ذكرناه من عزم المعتصم باللّه على القضاء على سيطرة العنصر الفارسي على الجيش العربي، عوامل اخرى دفعته الى تتريك جيشه جندا و قوادا. و من هذه العوامل هو ما له علاقة بشخصية المعتصم باللّه نفسه. و انه كان قوي الجسم بدرجة تلفت النظر، و يغلب عليه حب الفروسية و الولع بالحرب و شؤونها، و لذا اعجب بشجاعة الغلمان الأتراك‏

____________

(8) الطبري 7/ 558.

(9) فتوح البلدان/ 420.

(10) خلاصة الذهب المسبوك/ 222، و الاغاني 10/ 205.

(11) معجم البلدان 3/ 174.

467

و جرأتهم. و كان يتخير عند شرائهم من يتوسم فيه الشجاعة و قوة الجسم، و اعتمد عليهم في امر سلامته الشخصية. و ميزهم على بقية جنده فالبسهم حلل الديباج و المناطق المذهبة (12). و آثرهم على المتقدمين من اوليائه و نصحاء آبائه‏ (13).

و لما كان حظ المعتصم باللّه من العلم و الثقافة ضئيلا، فقد كان يشعر بتقارب ذهني مع هؤلاء الغلمان الذين كانوا اميين و قد جاءوا من مناطق متخلفة من الناحية الحضارية عن بقية بلدان الدولة العربية، و لا سيما مركزها مدينة السلام. و الواقع انهم كانوا لا يزالون في دور البداوة فلا يخضعون الا لأمراء قبائلهم او رؤسائهم.

و كما يقول الطبري انهم كانوا عجما جفاة (14). و لذلك فان الجيش الذي تكون منهم كان يختلف كثيرا عن بقية الجيش العربي.

و لهذا افرد المعتصم باللّه قلطائعهم عن قطائع الناس جميعا عند ما بنى مدينة سامرا، و اشترى لهم الجواري التركيات فازوجهم منهن، و جعلهم منعزلين عن غيرهم، و منعهم ان يتزوجوا او يصاهروا الى احد المولدين، و اجرى لجواريهم ارزاقا و اثبت اسماءهن في الديوان، فلم يقدر احد منهم ان يطلق امرأته او ان يفارقها (15). و قد اكد المعتصم باللّه حرصه على عدم اختلاط الجند الاتراك بغيرهم عند ما اقطع اشناس ارضا فانه امره ان لا يطلق لغريب من تاجر و لا غيره مجاورتهم‏ (16)، بحيث جعل‏

____________

(12) مروج الذهب 4/ 53.

(13) التنبيه و الاشراف/ 307.

(14) الطبري 9/ 18.

(15) كتاب البلدان/ 258- 259.

(16) نفس المصدر/ 259.

468

للاتراك قطائع متحيزة (17). و قد كان اعتزازه بهم من اهم اسباب تشييد عاصمته سامرا.

يضاف الى ذلك موقف بعض القواد العرب منه عند ما بويع بالخلافة و ميلهم الى مبايعة العباس بن المأمون، مما جعله لا يطمئن الى ولائهم. كما ان انصراف العرب عن الحياة العسكرية الى النواحي الحضارية الاخرى، لا سيما النواحي العلمية و الاقتصادية نتيجة ارتفاع مستواهم الحضاري، ساعده على اضعاف شأنهم في الجيش، مما اتاح له ان يخرج كثيرا منهم و يسقط اسماؤهم من الديوان دون ان يلقى مقاومة تذكر. اما من بقى من قبائل اليمن و قيس و مضر في الجيش فقد اصطنعهم‏ (18) و ابقى عليهم.

ان هذه العوامل مجتمعة جعلت الخليفة المعتصم باللّه لا يأمن الجيش الذي وجده عند توليه الخلافة، سواء لتغلب العنصر الفارسي فيه، او لعدم ولاء بعض قواده من العرب، مما دفعه الى الاعتماد على عنصر جديد يركن اليه تتوفر فيه الكفاية و الولاء.

و لذا فقد اعتبر غلمانه الأتراك اساس جيشه الجديد و اناط قياداته بمن توسم فيهم الجرأة و الشجاعة من جهة و الولاء من جهة اخرى، من بين هؤلاء الغلمان. و بذا اصبح معظم القواد الكبار على عهده من الاتراك.

3- كبار القواد الاتراك:

اعتاد المعتصم باللّه تكريم قواده الأتراك عند عودتهم من الحروب منتصرين، اعترافا بما قاموا به من خدمة الدولة و حماية

____________

(17) مروج الذهب 4/ 54.

(18) مروج الذهب 4/ 53.

469

الدين، و تقديرا لجهودهم في ذلك، و تشجيعا لهم. و من اهم مظاهر هذا التكريم تقليد القائد الطوق و الأسورة، و السيف و المنطقة، بحيث صار ذلك رسما لامراء الدولة (19). او الاغداق عليهم بالاموال و الهدايا الثمينة. فقد كرم الأفشين عند ما قدم ببابك اسيرا الى سر من رأى، بأن البسه و شاحين بالجوهر، و توّجه، و وصلة بعشرين الف الف درهم‏ (20). كما اجلس القائد اشناس على كرسي و توجه و وشحه‏ (21).

و كان تشجيع المعتصم باللّه و تقديره قواده عاملا مهما في بروزهم على مسرح السياسة بعد وفاته، بحيث غدا لهم نفوذ سياسي الى جانب سلطاتهم العسكرية. و بذا يكون المعتصم باللّه قد خلق طبقة جديدة من القواد الحكام. الذين لم تقتصر هيمنتهم على شؤون الدولة العسكرية فقط، بل شملت النواحي الادارية و السياسية كذلك. فقد عينوا للحجابة، و الولاية، مع احتفاظهم بمناصبهم القيادية في الجيش، فاصبح لهم السلطان الحقيقي على شؤون الدولة. و قد اتيح لهذه الطبقة من القادة الأتراك ان تلعب دورا خطيرا في حياة الدولة العربية بعد عهد المعتصم باللّه.

و اظهرت الحوادث بعد مدة قصيرة ان استخدام الاتراك في الجيش كان خطأ كبيرا من المعتصم باللّه، لأن قادتهم و رؤساءهم اساءوا استعمال نفوذهم و سلطانهم في فرض ارادتهم على الخلفاء، و اخذوا يتصرفون كغرباء متغلبين.

____________

(19) رسوم دار الخلافة/ 94.

(20) الطبري 9/ 55.

(21) نفس المصدر/ 103.

470

و قد برز في عهد المعتصم باللّه عدد من كبار القواد الأتراك.

و لعل ابرز هؤلاء حيدر بن كاوس، و قد اشرنا الى ما فيه الكفاية عنه عند الكلام عن حروبه و مطامحه و غضب الخليفة عليه و محاكمته. و من القواد الاتراك الذين اعتمد عليهم المعتصم باللّه، و اتيح لهم ان يلعبوا ادوارا مهمة بعده: ايتاخ الخزري، و بغا الكبير، و اشناس، و وصيف. و فيما يلي لمحة موجزة عن سيرة كل منهم. و لسوف نتعرف على كثير عنهم في الفصول القادمة.

ايتاخ الخزري:

اصل ايتاخ من الخزر، و كان طباخا مملوكا لسلام الأبرش خادم المأمون و الرشيد من قبله، فاشتراه منه المعتصم باللّه. و كان له من البأس و الشجاعة ما ساعده على ان يصل الى مركز مرموق في الدولة. اذ قربه المعتصم بالله و رفع من شأنه، فولاه معونة سامرا بالاشتراك مع اسحاق ابراهيم المصعبي، اضافة الى البريد، و قيادة قسم من الجيش. و في حملة المعتصم باللّه على بلاد الروم ولى ايتاخ قيادة ميمنة جيشه‏ (22). و كان يعتمد عليه في مهام الامور و بخاصة في التخلص من اعدائه، فمن اراد حبسه او قتله فعند ايتاخ يحبس و بيده يقتل‏ (23). و هو الذي تولى قتل العباس بن المأمون و عجيف بن عنبسة عند ما تآمرا على الوثوب بالخليفة، و هو ببلاد الروم‏ (24). و قد احتفظ ايتاخ بمركزه طيلة ايام المعتصم باللّه. و زاد نفوذه و توسع سلطانه في عهد الواثق‏

____________

(22) الطبري 9/ 57، و الكامل 6/ 451.

(23) الطبري 9/ 166- 167، و النجوم الزاهرة 2/ 276.

(24) النجوم الزاهرة 2/ 276.

471

باللّه الذي ولاه السند و خراسان، و عند ما مات اشناس صير الواثق ولاية مصر الى ايتاخ.

و لما استخلف المتوكل على اللّه بقي ايتاخ في مرتبته، فكانت اليه قيادة الاتراك و المغاربة و الموالي، ثم البريد اضافة الى الحجابة بدار الخلافة. و لكن ما لبث المتوكل على اللّه ان تغير عليه اثر مشاجرة قامت بينهما، همّ فيها ايتاخ بقتله‏ (25). فانتهز المتوكل على اللّه فرصة خروج ايتاخ الى اداء فريضة الحج، فاتفق مع امير بغداد اسحاق بن ابراهيم على استدارجه عند عودته الى بغداد و القبض عليه هناك. و نجح اسحاق في ذلك فقيد ايتاخ و سجنه. و ما لبث ان مات في السجن و يقال انه قتل عطشا في سجنه‏ (26). و سنأتي على تفصيل ذلك في موضوع الصراع بين المتوكل على اللّه و الأتراك.

أشناس:

من الغلمان الأتراك الذين اشتراهم المعتصم باللّه ببغداد، و كان مملوكا لنعيم بن خازم. و قد اعجب المأمون بشجاعته فقربه و اعتمد عليه. و عند ما تكررت الثورات بمصر ضد الولاة قدم اليها المأمون فى سنة 215 و معه اشناس، الذي عاونه في اعادة النظام الى البلاد. و لما وجه ابراهيم بن المهدي، في اثناء توليه الخلافة، ابا اسحاق لحرب ابن علوان الحروري طعنه احد الحرورية فحامى عنه اشناس فحاز ثقته، بحيث لما آلت اليه الخلافة جعله من كبار قواده، و انعم عليه بولاية مصر و دعى له‏

____________

(25) الطبري 9/ 167، و الكامل 7/ 43.

(26) النجوم الزاهرة 2/ 276.

472

على منابرها. كما انه استخلفه على العاصمة سامرا عند ما خرج الى السن في سنة 225 ه (27). و عند تأسيس سامرا اقطعه الخليفة المعتصم باللّه و اصحابه الموضع المعروف بالكرخ و ضم اليه عدة من قواد الاتراك و الجند، و امره ان يبني المساجد و الاسواق و ان لا يطلق لغريب من تاجر و لا غيره مجاورتهم‏ (28). و كان قد جعله على مقدمة جيشه في حملته على بلاد الروم، فكان اشناس اول من ورد عمورية عند ما افتتحها المعتصم باللّه‏ (29).

كما كان لاشناس دور كبير في كشف مؤامرة العباس على المعتصم باللّه، و في القضاء على رؤوسها مما زاد في اعتماد الخليفة عليه، و صار اثيرا لديه. و قد كرمه بأن اشرف على حفل زواج ابنته اترنجة من الحسن بن الافشين، و أمر بأن يكون العرس في قصره، و احضر عرسها عامة اهل سامرا، و كان يتفقد بنفسه من حضره‏ (30). و اجلسه على كرسي و وشحه بنفسه في سنة 225 ه (31).

و قد ازداد نفوذ اشناس في عهد الخليفة الواثق باللّه، اذ استخلفه في سنة 228 ه على السلطنة و البسه تاجا مجوهرا و وشاحين مجوهرين‏ (32). مما زاد في سلطاته التي تعدت المهام العسكرية. و يلاحظ انه أول قائد يقلد السلطنة في ظل الخلافة العباسية. و قد توفى اشناس في سنة 230 ه في ايام الخليفة الواثق باللّه.

____________

(27) الطبري 9/ 103.

(28) كتاب البلدان/ 258- 259.

(29) الطبري 9/ 63، و الكامل 6/ 111

(30) الطبري 9/ 101.

(31) الطبري 9/ 101.

(32) نفس المصدر/ 124.

473

وصيف:

من مماليك المعتصم باللّه الذين اشتراهم ببغداد، و كان زرادا ملموكا لآل النعمان. و لم يلبث ان اصبح من كبار القواد الأتراك، لما كان يتمتع به من جرأة و بسالة. و اتخذه المعتصم باللّه، عند ما تولى الخلافة حاجبا له. و عند تأسيس سامرا أقطعه و اصحابه مما يلي الحير ليقيموا مساكنهم هناك‏ (33).

و قد تولى وصيف في عهد الواثق بالله قيادة الحملة التي جردت لاخماد تمرد الاكراد في الجبال و فارس، فنجح فيما ندب اليه و قدم سامرا و معه مئات من الاسرى فجازاه الخليفة بخمسة و سبعين الف دينار، و قلده سيفا (34). و عند ما توفى الواثق باللّه من غير ان يعهد بالخلافة، اشترك وصيف في اختيار من يخلفه و لما اختير المتوكل على اللّه تولى وصيف حجابته، و لكنه بعد حين تزعم مؤامرة اغتياله. و كان سبب نقمة وصيف على المتوكل على اللّه ان الخليفة امر بقبض ضياعه باصبهان و الجبل و اقطاعها الفتح ابن خاقان‏ (35). و ذلك في جملة اجراءاته لاضعاف شأن القواد الاتراك. فبلغ ذلك وصيفا فغضب و انضم الى جانب محمد المنتصر ابن المتوكل على اللّه في النقمة على ابيه و العمل على التخلص منه.

و حاول المنتصر باللّه لما استخلف ابعاد وصيف في شؤون الدولة. فعهد اليه في سنة 248 ه قيادة حملة لغزو بلاد الروم‏

____________

(33) كتاب البلدان/ 258.

(34) الطبري 9/ 140- 141.

(35) نفس المصدر/ 222.

474

و حماية الثغور العربية. و امره ان يقيم هناك حتى يأتيه امره‏ (36). و لما غزا وصيف و كان بالثغور الشامية، ورد عليه خبر موت الخليفة المنتصر باللّه، فعاد الى سامرا. و لعب دورا مهما مع القائد بغا في تحريض الجند على القائد اوتامش الذي كان قد استولى على امور الخلافة في اوائل عهد المستعين باللّه. و لما قتل اوتامش سيطر هذان القائدان على شؤون الدولة في عهد الخليفة المذكور.

و عند ما ترك المستعين باللّه عاصمته سامرا الى مدينة السلام للتخلص من نفوذ الأتراك و ضغطهم عليه، كان القائد وصيف احد القواد الأتراك الذين صحبوه، و ظل الى جانبه الى ان خلع من الخلافة. و قد استطاع وصيف ان يسترضي المعتز باللّه الذي آلت اليه الخلافة، فرضي عنه، و عاد الى سامرا، و اعيدت اليه اعماله و رتبه السابقة. الا انه لقي مصرعه بعد مدة على يد الجند الأتراك الذين شغبوا مطالبين بارزاقهم في سنة 253 ه. و سنطلع على تفصيل ذلك في الفصل الخاص بالنزاع بين المعتز بالله و القواد الأتراك.

بغا الكبير:

من مماليك المعتصم باللّه الذين تقدموا على عهده، فاصبح من كبار قواده. و قد شارك في حروب عديدة. فقد وجهه المعتصم باللّه على رأس جيش كبير مددا للقائد الأفشين في حربه مع بابك.

كما بعثه الى حرب منكجور عند ما اعلن عصيانه. فجاء به اسيرا الى‏

____________

(36) الطبري 9/ 244، و الكامل 7/ 112.

475

سامرا. و هو الذي تولى اعتقال الأفشين عند ما نقم عليه المعتصم باللّه. كما قاد عدة حملات في عهد الخليفة الواثق باللّه لتأديب بعض القبائل العربية. فقد وجهه لاخضاع الاعراب من بني سليم الذين اغاروا على اطراف المدينة المنورة فتغلب عليهم و قضى على تمردهم. كما انتدبه لتأديب بني نمير الذين هاجموا الحجاز و اليمامة فالتقى بهم و هزمهم، و عاد الى سامرا بعدد كبير من اسراهم.

و صار بغا من قواد المتوكل على الله البارزين. و عند ما قتل القائد يوسف الثغري في ارمينية عين الخليفة بغا واليا عليها و طلب اليه ان يثأر لدم يوسف. فاحرق تفليس و خرب عددا من الحصون. و حمل عددا من البطارقة اسرى الى سامرا.

و اعاد في خلال ولايته على ارمينية و اذربيجان بناء مدينة و شمكور القديمة التي خربت و هجرها اهلها، فحصنها و اسكنها قوما خرجوا اليه من الخزر مستأمنين لرغبتهم في الاسلام. و نقل اليها التجار من برذعة و سماها المتوكلية، لتكون من الثغور العربية (37). و بذل جهودا كبيرة في اصلاح و تعمير الحصون في الثغور، بشكل لم يكن على مثله‏ (38).

و عند ما قتل المتوكل على اللّه كان بغا الكبير في سميساط يرد الروم الذين اغاروا عليها و على الثغور القريبة منها. و لما مات المنتصر باللّه اوكل القواد الاتراك باقتراح من احمد بن الخصيب، الى بغا الكبير و اوتامش و بغا الصغير، و هم ابرز القواد الاتراك‏

____________

(37) فتوح البلدان/ 206.

(38) نفس المصدر/ 213.

476

الحاضرين حينذاك، اختيار من يرون للخلافة (39). فتشاوروا فيما بينهم، و قد كرهوا ان يولوا احد ابناء المتوكل على اللّه لئلا ينتقم منهم، و اجمعوا على اختيار احمد بن محمد بن المعتصم بالله، محتجين بحرصهم على ابقاء الخلافة في ولد مولاهم المعتصم باللّه، و لقب بالمستعين باللّه.

مات بغا الكبير في سنة 248 ه و قد تجاوز عمره التسعين سنة، و كان قد خاض من الحروب ما لم يخضه غيره، فما اصابته جراحة قط (40). و كان متدينا من بين القواد الاتراك. و لما مرض عاده الخليفة المستعين باللّه، و عند ما توفى عقد لأبنه موسى على الأعمال التي كانت لأبيه اضافة الى ولاية البريد (41).

4- الأتراك في عهد الواثق باللّه:

اتبع الواثق باللّه سياسة ابيه المعتصم بالله في الاعتماد على الجند الاتراك فزاد عددهم في عهده و اتسع نفوذهم و بخاصة كبار قوادهم اشناس و ايتاخ و وصيف و بغا. و سبق ان اشرنا الى ما و صلوا اليه من مراكز رفيعة في الدولة العربية في عهد المعتصم باللّه. و قد استمروا في ايام الواثق على ما كانوا عليه في عهد ابيه، بل أن سياسته تجاههم ساعدت على ازدياد نفوذهم و تدخلهم في شؤون الدولة. فانه لم يقم طيلة حياته باية فعلية عسكرية يشغلهم بها و انما استخدم بعضهم في مناصب ادارية وسعت لهم مجال التدخل فاتسع بذلك سلطانهم. و لسوف نرى في فصول‏

____________

(39) الطبري 9/ 256.

(40) مروج الذهب 4/ 60.

(41) الطبري 9/ 258.

477

قادمة ما ترتب على ازدياد نفوذ الاتراك و تدخلهم من عواقب خطيرة أثرت في مسيرة الدولة العربية في عهد العباسيين.

لقد ولى الواثق باللّه، غداة مبايعته بالخلافة، القائد اشناس من بايه الى آخر عمل المغرب‏ (42). و يشمل ذلك اعمال الجزيرة و بلاد الشام و ارمينية و مصر و شمالي افريقية. و ولى ايتاخ خراسان و السند و كور دجلة (43). كما ولاه اكثر اعمال اشناس عند ما توفى في سنة 230 ه (44)، و اتخذ القائد وصيفا حاجبا له‏ (45). و خلع اشناس لقب السلطان و استخلفه على السلطنة في سنة 228 ه و البسه تاجا مجوهرا و وشاحين مجوهرين‏ (46). فكان اول خليفة استخلف سلطانا (47).

و كان الواثق باللّه مثل ابيه لا يألوا جهدا في مكافأة قواد الأتراك و اعلاء شأنهم كلما انجزوا مهمة تناط بهم. فعند ما تمكن القائد وصيف من اخضاع الأكراد الذين كانوا قد تمردوا في نواحي اصبهان و الجبال في اواخر ايام المعتصم باللّه، و قدم الى الى سامرا و معه خمسمائة من الأسرى، منحه خمسة و سبعين الف دينار و قلده سيفا (48).

____________

(42) تاريخ اليعقوبي 2/ 479.

(43) نفس المصدر.

(44) نفس المصدر/ 481.

(45) خلاصة الذهب المسبوك/ 225.

(46) الطبري 9/ 124، و المختصر في اخبار البشر 2/ 35، و الكامل 7/ 9.

(47) تاريخ الخلفاء/ 340.

(48) الطبري 9/ 140- 141، و الكامل 7/ 23- 24.

478

الا ان قوة الوزير محمد بن عبد الملك الزيات و سياسة الحكمة من جهة، و قوة شخصية الواثق باللّه من جهة اخرى حددت من نفوذ القواد الأتراك و سلطاتهم. بحيث استطاع الخليفة ان يامن جانبهم و يضمن ولاءهم و ان يستفيد من خدماتهم في الميادين العسكرية الداخلية. فقد اعتمد عليهم في اخضاع حركات التمرد المتتالية التي قامت في الجزيرة العربية.

479

الفصل الثاني الصراع بين المتوكل على اللّه و الأتراك‏

سبق ان اوضحنا تأثير كبار القواد الاتراك في اختيار المتوكل على اللّه للخلافة، و توخيهم ان يكون طوع ارادتهم ليؤمنوا مصالحهم و يحافظوا على مراكزهم. لما لهم عليه من منة في رفعه الى مركز الخلافة بعد ان كان مضطهدا مغضوبا عليه في ايام اخيه الواثق باللّه. الا ان الاحداث اظهرت انهم كانوا و اهمين في ذلك. اذ انه عند ما تسلم مقاليد الخلافة و لمس تعاظم نفوذهم، اخذ يفكر في العمل على اضعاف شأنهم و الحد من سلطانهم. و الواقع انه جفاهم و اطرحهم، و حط من مراتبهم، و عمل على الاستظهار عليهم و استئصالهم‏ (1). الا انه لم يكن يستطيع ذلك علانية بالنظر لقوة مراكزهم و انقياد الجند لهم، فاخذ يتحين الفرص المواتية لتنفيذ سياسته نحوهم.

و قد لمس القواد الاتراك موقف الخليفة منهم و ما يرمى اليه من اخضاعهم، فأخذوا بدورهم يعملون جهد امكانهم على مقاومته و عدم السماح له بالمساس بمصالحهم. فنشأ عن ذلك صراع خفي بين الطرفين، يتحين كل جانب الفرصة للايقاع بالجانب الآخر.

حتى انتهى الأمر بفشل محاولات المتوكل على اللّه، و نجاحهم في‏

____________

(1) التنبيه و الاشراف/ 313.

480

التخلص منه. و من الجدير بالذكر ان نشير الى ان قتل المتوكل على اللّه وزيره محمد بن عبد الملك الزيات، كان غلطة كبيرة منه، اذ ان ذلك افقده شخصية سياسية قوية متمرسة كانت تقف الى جانبه بوجه الطغيان التركي، و تساعد على الحد من نفوذهم. كما ان غضبه على قاضي القضاة احمد بن ابي دواد افقده ايضا شخصية عربية مخلصة كان يمكن ان يستفيد من خبرته و آرائه و نفوذه. و سنحاول فيما يأتي ان نتلمس نواحي الصراع المذكور و ما ادى اليه من النتائج.

1- التخلص من القائد ايتاخ:

سبق ان اشرنا الى ان ايتاخ كان قد اشتراه المعتصم باللّه فرأى فيه شجاعة و لمس منه ولاء، فضمه الى الجيش و رفع منزلته حتى غدا من كبار قواده و قواد ابنه الواثق باللّه. فلما تولى المتوكل على اللّه الخلافة كان ايتاخ يتولى الحبس و قيادة قسم كبير من الجيش يشمل المغاربة و الأتراك، و يتولى كذلك البريد و الحجابة و شؤون دار الخلافة (2). مما جعله اقوى القادة الاتراك سلطة و اوسعهم نفوذا. بحيث ان القضاء عليه يؤثر في تقليص نفوذ القواد الآخرين. و قد سبقت الاشارة الى موقف ايتاخ في اختيار خلف للواثق باللّه و انه كان من مؤيدي اختيار ابن الواثق باللّه على صغر سنه، مما جعل المتوكل على اللّه يضمر له شرا. و شرب المتوكل ذات ليلة و عربد على ايتاخ فهم هذا بقتله. فلما اصبح المتوكل على اللّه و قيل له بما حصل بالأمس اعتذر اليه‏ (3).

____________

(2) تجارب الامم 6/ 542، و الطبري 9/ 1667 و فيه: كان يتولى الجيش، الا انه سبق ان اشار في ص: 166 الى انه بيده الحبس.

(3) الطبري 9/ 167.

481

و يظهر من رواية الطبري ان المتوكل على اللّه لم يعد يأمن جانب ايتاخ فاراد التخلص منه «فدس اليه من يشير عليه بالاستئذان للحج ففعل» (4). و يؤيد ابن الاثير هذا بقوله «ثم وضع عليه من يحسن له الحج فأستأذن من المتوكل فاذن له» (5).

الا ان اليعقوبي يقول «و اتصل بالمتوكل انه كان على ايقاع الحيلة به، فلما لم يمكنه ذلك طلب الحج» (6). و مهما كان السبب في خروجه الى الحج فان المتوكل على اللّه قد تظاهر باكرامه، فخلع عليه و صيره امير كل بلد يمر به في طريقه، و ذلك كسبا لثقته. و لما انصرف ايتاخ عائدا من الحج اراد العودة الى سامرا عن طريق الانبار. الا ان المتوكل على اللّه كتب الى اسحاق بن ابراهيم عامله على الشرطة ببغداد يأمره بحبسه‏ (7). فكتب اسحاق الى ايتاخ ان امير المؤمنين قد أمره بأن يتلقاه بنو هاشم و وجوه الناس ببغداد زيادة في اكرامه. و عند ما وصل بغداد احتال عليه اسحاق فحبسه و قيده. فاقام عدة ايام في الحبس ثم مات. و يقال انه أطعم فاستسقى فمنع عنه الماء حتى مات عطشا (8).

و قد اتقن المتوكل على اللّه تدبير القضاء على ايتاخ باختياره بغداد لاعتقاله فيها، لأن اهل بغداد كانوا يعادون الاتراك و هم الذين ارغموا المعتصم باللّه على الانتقال الى سامرا. و يقول الطبري «لو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على اخذه، و لو دخل الى سامرا فاراد باصحابه قتل جميع من خالفه امكنه ذلك» (9).

____________

(4) نفس المصدر.

(5) الكامل 7/ 43.

(6) تاريخ اليعقوبي 2/ 485.

(7) الكامل 7/ 46.

(8) الطبري 9/ 170.

(9) الطبري 9/ 169.

482

2- انشاء جيش من العرب:

من الدلائل الواضحة على عزم المتوكل على اللّه على مقاومة نفوذ الأتراك و الاستظهار عليهم محاولته تأسيس جيش يخلو من الاتراك قوادا و افرادا، و يعتمد بالدرجة الاولى على العرب. يقول المسعودي «انه ضم الى وزيره عبيد اللّه بن يحيى نحوا من اثنى عشر الف رجل من العرب و الصعاليك و غيرهم برسم المعتز و كان في حجره» (10). و رغم ان عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان كان تركيا الا انه كان مواليا للخليفة، و هو ابن اخى الفتح بن خاقان القائد التركي المقرب جدا من المتوكل على اللّه. لقد ادرك الاتراك خطر تأليف هذا الجيش و توسيعه، و ان نموه سيكون على حسابهم، لا سيما و قد شعروا بضيق المال عليهم لأن قسما منه ينفق على هذا الجيش. فاخذوا يقاومون توسعه بمختلف الوسائل، فلم يزد عدده كثيرا. اذ عند ما قتل المتوكل على الله دخل قادة هذا الجيش على عبيد الله بن يحيى و طلبوا اليه ان يسمح لهم بمقاومة قتلة الخليفة من الاتراك و غيرهم، اختلف في عدد افراد هذا الجيش فقال البعض انهم كانوا عشرة الاف، و زاد آخرون او نقصوا (11). يبدو ان المتوكل على اللّه لم ينجح في محاولته هذه بشكل يؤثر على قوة الاتراك و نفوذهم. و يمكن القول بأن قيام المتوكل على اللّه بتأسيس هذه الفرقة من الجيش دليل على نيته في اعادة النفوذ

____________

(10) التنبيه و الاشراف/ 313.

(11) الطبري 9/ 229، و تجارب الامم 6/ 557، و الكامل 7/ 99.

483

العربي الى الجيش، و ان هذه الفرقة ستكون نواة جيش كبير يستطيع بواسطته ان يضع حدا لتسلط القواد الاتراك. و لكن يبدو انه كان يحذر جانب اولئك القواد و يخشى اثارتهم فلم يعهد بقيادة الفرقة المذكورة الى احد كبار القواد العرب، و انما عهد بها الى وزيره. الا ان القواد المذكورين احسوا بالخطر الذي يكمن وراء تشكيل هذه الفرقة فعملوا جهدهم على عدم توسعها من جهة، و على الايقاع بالمتوكل على اللّه من جهة اخرى. و قد استطاعوا ان يستميلوا ولي العهد محمد المنتصر الى جانبهم ضد ابيه، مما سهل القضاء عليه. و بهذا تكون جريمة المنتصر مزدوجة اذ ساهم في اغتيال ابيه، و ساعد القواد الاتراك في تقوية مراكزهم و نفوذهم باضعاف الفرقة المذكورة و حلها. فأبقى الأتراك وحدهم اصحاب الصولة في الميدان السياسي و العسكري.

3- نقل العاصمة الى دمشق:

اراد المتوكل على اللّه الانتقال من سامرا ليبتعد عن تسلط الاتراك و تدخلهم في شؤون الدولة. و يظهر انه اختار دمشق لتكون عاصمة له لنزعتها العربية و خلوها من نفوذ الاتراك. كما ان كره اهل الشام لبعض العلويين مما يتفق مع ميوله. و قد احتج في انتقاله الى دمشق بسبب صحي. فقد وصف له برد هوائها و كان محرورا (12). فأمر باصلاح الطريق و اقامة المنازل عليه للاستراحة، و اعداد القصور في المدينة لسكناه و سكنى‏

____________

(12) تاريخ اليعقوبي 2/ 491.

484

حاشيته. فدخلها في صفر سنة 244 ه و عزم على المقام بها و نقل دواوين الدولة اليها، و امر بالبناء فيها (13).

الا ان القواد الاتراك سرعان ما ادركوا غرضه من الانتقال الى دمشق فحرضوا جنودهم على الشغب، فاحتجوا يطلبون باعطياتهم و ارزاقهم، ثم جردوا اسلحتهم و رموا قصر الخليفة بالنشاب بحيث ارتفعت السهام الى الرواق الذي يجلس فيه المتوكل على اللّه.

فاستدعى احد القواد ممن يعتمد عليه، و هو رجاء الحضاري ليستطلع رأيه فيما حدث، فنصحه هذا بأن يأمر بدفع ارزاقهم حالا، و ان يعود الى سامرا. فأمر بدفع ارزاق الجند و ضرب الطبول للرحيل الى العراق. و يظهر ان الجند الاتراك فرحوا بذلك حيث سارعوا بالحركة للرحيل.

و يظهر مما يرويه المسعودي ان الاتراك حاولوا ان يقتلوا المتوكل على الله بدمشق الا انهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب وجود القائد بغا الكبير الى جانبه. و قد عملوا على ابعاده عنه و خططوا للوقيعة بينهما ليعزلوا عن الخليفة احد كبار مؤيديه. فكتبوا الرقاع الى المتوكل على اللّه يحذرونه من ان بغا يزمع على الفتك به، و عينوا لذلك وقتا. ثم كتبوا الى القائد بغا بان جماعة من الاتراك عزموا على الفتك بالخليفة و يحثونه على تشديد حراسته و حمايته له. و لما ذهب بغا مستعدا بحرسه للحيلولة دون الايقاع بالخليفة، تأكد لدى المتوكل على اللّه تصميم بغا على الفتك به، فاخذ يتوجس منه. و لهذا لما عاد الى سامرا ابقى بغا في دمشق‏ (14). و ما ذكره اليعقوبي يؤيد ما ذهب اليه المسعودي في‏

____________

(13) الطبري 9/ 209.

(14) تفصيل ذلك في مروج الذهب 4/ 115- 117.

485

سبب عودة المتوكل على اللّه الى سامرا بقوله «و بلغه عن بعض الموالي امر كرهه فشخص عن دمشق الى العراق» (15).

و برر المتوكل على الله عودته الى سامرا بأنه «استوبأ البلد و ذلك ان الهواء بها بارد ندي، و الماء ثقيل، و الرياح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي عامة الليل، و هي كثيرة البراغيث، و غلت فيها الأسعار، و حال التلج بين السابلة و الميرة» (16). ان القسم الأول مما ذكر عن مدينة دمشق قد يكون صحيحا، و كذلك غلاء الاسعار فيها بسبب انتقال هذا العدد الكبير من الجند و بعض موظفي الدولة و حاشية الخليفة. الا ان حيلولة الثلج بين السابلة و وصول الميرة الى المدينة لا يتفق و الواقع. لان المتوكل على الله دخل دمشق في صفر سنة 244 ه و اقام بها شهرين و اياما ثم خرج عائدا الى سامرا فوصلها في اواخر جمادى الآخرة من نفس السنة. و لا بد انه ترك دمشق في ربيع الثاني.

و هذه الأشهر من السنة المذكورة تقابل الأشهر مايس و حزيران و تموز من السنة 858 الميلادية (17). و هي من اشهر الصيف في دمشق و لم يكن الثلج قد سقط فيها. و قد يكون الطبري اراد ان يشير الى ان الثلج يحول بين السابلة و وصول الميرة في فصل الشتاء مما لا يشجع على البقاء في المدينة، الا انه لم يحسن التعبير عن ذلك. و نقل نص قوله المؤرخون ممن جاءوا بعده.

____________

(15) تاريخ اليعقوبي 2/ 491.

(16) 9/ 210، و تجارب الامم 6/ 552، و الكامل 7/ 85.

(17) التوفيقات الالهامية/ 122.

486

4- تغلب القواد الأتراك:

ذكرنا في البحث الخاص بمقتل المتوكل على اللّه كيف ان المنتصر، عند ما تفاقم خلافه مع ابيه، اخذ يستقطب كبار القواد الاتراك حوله. و مما ساعده على ذلك عدم اطمئنان اولئك القادة الى سياسة المتوكل على اللّه و نواياه تجاههم. و قد ذكر ان المتوكل على اللّه عزم هو و الفتح بن خاقان ان يصيرا غداءهما عند عبد اللّه ابن عمر المازيال يوم الخميس لخمس ليال خلون من شوال 247 ه على ان يفتك بالمنتصر و يقتل و صيفا و بغا و غيرهما من قواد الأتراك و وجوههم‏ (18). و كانت نتيجة محاولة المتوكل على الله هذه انها دفعت بالقواد المذكورين و غيرهم ممن كانوا يناصرون المنتصر ضد ابيه، الى الاسراع في القضاء عليه قبل ان يحكم تدبيره في الفتك بهم.

و كان من جملة الوسائل التي اتخذها المتوكل على اللّه في اضعاف نفوذ القواد الاتراك، ان ينتزع منهم بعض الضياع التي التي اقطعت لهم في مناسبات مختلفة. و قد ابتدأ بالقائد و صيف، فأمر في سنة 247 ه بانشاء الكتب بذلك، و صارت الى ديوان الخاتم لتوقيعها على ان تنفذ في الخامس من شعبان. فبلغ ذلك و صيفا، فزاد في غضبه على المتوكل على اللّه بحيث كانت هذه الخطوة من الخليفة السبب المباشر الذي ادى الى اغتياله.

يتضح مما ذكرناه ان المتوكل على الله حاول جاهدا ان يقضي على نفوذ الأتراك او يضعفه على الأقل، و قد اتبع لتحقيق ذلك‏

____________

(18) الطبري 9/ 225، و تجارب الامم 6/ 554.

487

عدة وسائل، و امتد صراعه معهم طيلة مدة خلافته. الا انه لم يستطع التغلب عليهم لسيطرتهم على الجيش، و لا شغالهم وظائف و مراكز مهمة تتيح لهم التعرف على محاولاته ضدهم، فكانوا سرعان ما يبادرون الى العمل على احباط تلك المحاولات. بل انهم لم يتورعوا عن اغتياله لما علموا بعزمه على الفتك بهم.

488

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

489

الفصل الثالث أيام الفتنة

1- مقدمة:

اطمأن القواد الاتراك بعد ان اغتالوا المتوكل على الله الى عدم وجود من يهدد مصالحهم، او يقف بوجه مطاليبهم المالية، او يقلص نفوذهم و سطانهم بل نستطيع القول انهم ازدادوا نفوذا و تأثيرا على الدولة و الخلفاء، فسيطروا على الخلافة بعد المتوكل على اللّه مدة امتدت منذ خلافة المنتصر باللّه حتى مقتل المهتدى باللّه، بحيث اصبح الحكم الفعلي خلال هذه المدة بايديهم. و قد سادها صراع عنيف بينهم و بين الخلفاء، و كثرت الفتن خلالها و اهمها قيام الحرب بين جيش المستعين بالله و جيش المعتز باللّه و مقتل اربعة خلفاء، حتى سماها ابن خلدون «ايام الفتنة» (1).

كان مجى‏ء المنتصر باللّه الى عرش الخلافة بعد تواطئه مع القواد الاتراك على اغتيال ابيه، كسبا كبيرا للقواد المذكورين.

____________

(1) تاريخ ابن خلدون 3/ 293.

490

الا انهم ما لبثوا ان انقلبوا عليه بعد ان شعروا بنواياه و ما يبيته ضدهم و قرروا قتله او التخلص منه بالسم، و قد اشرنا الى ذلك فى موضوع وفاته. و لما تخلصوا منه اجتمعت كلمتهم على ان يبعدوا اولاد المتوكل على اللّه الآخرين عن عرش الخلافة، بل انهم في ايام المنتصر باللّه دفعوه الى ان يرغم اخويه المعتز و المؤيد على التنازل عن ولاية العهد. بحيث تسنى لهم ان يختاروا للخلافة من يتوسمون فيه الانقياد لهم. فاختاروا احمد بن محمد بن المعتصم باللّه الذي لقب بالمستعين باللّه، مبررين اختيارهم له بانهم لا يرغبون في خروج الخلافة من اولاد مولاهم المعتصم بالله.

الا ان القواد، لما اشتد خلافهم مع المستعين باللّه رغم ضعفه و استكانته، بايعوا للمعتز بالله بن المتوكل على الله، لأنهم توقعوا انه سيكون طوع ارادتهم. و تجاهلوا الخليفة القائم الذي فر الى مدينة السلام. مما نشأ وضع شاذ في رئاسة الدولة العربية، و ذلك بوجود خليفتين في وقت واحد، فقام الصراع بينهما و نشبت الحرب بين جيش المستعين بالله و جيش المعتز بالله، ثم انتهت وفق ما يرغب به كبار القواد الاتراك الذين كانوا اضطروا المستعين بالله على الهرب الى بغداد، ثم التنازل عن الخلافة للمعتز بالله، و ما لبثوا ان اقنعوا المعتز بالله بقتله.

و لما تحقق للقواد المذكورين عجز المعتز بالله عن سد حاجتهم المستمرة الى المال بادروا الى خلعه و اختيار محمد بن الواثق باللّه الذي عرف بزهده و عزوفه عن بهرجة الخلافة و مباهج الحياة، و طمعوا ان يجدوا فيه اداة طيعة لتلبية رغباتهم. الا انهم لما لمسوا حرصه الزائد على اموال الأمة، و عمله في نشر العدل، و محاسبته موظفي الدولة، ثاروا عليه و قتلوه. و اختاروا للخلافة

491

المعتمد على اللّه الذي كان منهمكا في ملذاته اكثر من اهتمامه بشؤون الدولة. و توقعوا ان سيكون لهم المجال واسعا في عهده للاستئثار بالسلطة و جر المغانم و حيازة الاموال. الا ان ابا احمد الموفق وقف الى جانب اخيه الخليفة و ضرب على ايديهم و كفهم عن العبث بشؤون الدولة. و هو و ان استأثر بالسلطة دون اخيه، استطاع ان يستعيد للخلافة هيبتها و للدولة العربية سطوتها و سلطانها، فانهى عهد الفتنة التي سيطر خلالها الاتراك على شؤون الدولة، و اثروا تأثيرا سيئا في مسيرتها.

و سنحاول فيمايلي من الصفحات ان نستعرض علاقة القواد الأتراك بخلفاء هذه المدة لنتلمس نواحي قوتهم و ضعف هؤلاء الخلفاء. مع الاشارة الى مظاهر الصراع الذي استمر طيلة المدة المذكورة بين الطرفين، و الذي كان ينتهي دوما بانتصار القواد الاتراك، حتى استطاع الموفق ان يضع حدا لتسلطهم طيلة وجوده في الحكم الى جانب اخيه الخليفة.

2- المنتصر باللّه يتنكر للاتراك:

اتخذ المنتصر باللّه موقف الحذر من القواد الأتراك و العمل على تفريق كلمتهم و اضعاف شأنهم بل و الانتقام منهم. و كانت سياسته هذه قد كلفته حياته. اذ ان نجاح مؤامرتهم في قتل المتوكل على الله زاد من نفوذهم و تسلطهم على شؤون الخلافة، و اضعف النفوذ العربي في الدولة. و كان هؤلاء القواد اول من بايع الخليفة الجديد حليفهم في المؤامرة، مما جعلهم يعتقدون بأن لهم الفضل في توليه الخلافة. و تأييدا لسلطتهم عليه انهم استطاعوا

492

ان يرغموه على خلع اخويه من ولاية العهد لكي يأمنوا انتقام اولاد المتوكل على الله الآخرين اذا ما تولى احدهم الخلافة.

الا ان المنتصر بالله، و قد ساهم في مؤامرة اغتيال ابيه، أخذ يشعر بتأنيب الضمير، فلا تغيب ذكراها عن ذهنه. كما لا تغيب صورة ابيه عن باله، حتى انه رآه اكثر من مرة في منامه يعاتبه و يعنفه، مما نغص عليه عيشه و اسلمه الى الكآبة و اليأس.

و اخذ يحس كأنه خسر الدنيا و الاخرة. و كثيرا ما صرح بما كان يقاسيه من آلام نفسية. و لذلك كان يشعر بكره طاغ تجاه هؤلاء القواد الذين زينوا له الاشتراك في المؤامرة، و بخاصة اولئك الذين تولوا قتل ابيه. و يود لو انه ينتقم منهم ليكفر عن خطيئته بحق ابيه. فكان اذا سكر قال عنهم هؤلاء قتلة الخلفاء و اكثر من تهديدهم‏ (2). و يظهر انه كان عزم على الفتك بهم فقد قال للفضل بن المأمون. قتلني اللّه ان لم اقتلهم و افرق جمعهم بقتلهم المتوكل على اللّه‏ (3). فأخذ يغتنم الفرص للايقاع بهم. و عند ما اقترح عليه وزيره احمد بن الخصيب اخراج القائد وصيف على رأس جيش لحرب الروم، اغتنم هذه الفرصة للتخلص من احد كبار قوادهم.

و كانت العلاقة بين الوزير ابن الخصيب و القائد وصيف قد ساءت، و لكي يأمن الوزير شر وصيف و تدخله في اعماله، رأى ان خير وسيلة لذلك ابعاده عن حاضرة الخلافة. فأشار على الخليفة بافتراحه المذكور. فتظاهر المنتصر بالله بالاهتمام بموضوع احباط نية الاعتداء و استطاع ببراعته ان يقنع وصيفا

____________

(2) الطبري 9/ 252.

(3) مروج الذهب 4/ 134، و شذرات الذهب 2/ 119.

493

بالخروج. اذ قال له انه بلغه ان طاغية الروم قد اقبل يريد الثغور العربية، و هو ما لا يمكن السكوت عليه، و لا بد من رده بحملة عسكرية توجه اليه، و ان لا مناص من ان يخرج بنفسه على رأس حملة للجهاد في سبيل اللّه، ان لم يخرج على رأسها احد كبار قواده. فقال وصيف بل انا اشخص يا امير المؤمنين. فاوعز المنتصر باللّه الى وزيره ان يبادر فورا الى تجهيز الحملة، و ان يبذل كل جهوده في تآمين جميع ما تحتاجه. و كتب بنفس الوقت الى خليفته ببغداد محمد بن عبد الله بن طاهر يعرفه توجيهه وصيفا للروم و يعلمه بخروج حملته الى ثغر ملطية، و يأمره بان يبلغ عماله في نواحي عمله بكتاب امير المؤمنين لقراءته على من قبلهم من المسلمين و ترغيبهم في الجهاد و استنفارهم اليه، و الانفاق في سبيل اللّه. و ينوه بفضل منزلة المجاهدين على القاعدين، و يدعو الى بذل النفوس و الاموال لا علاء كلمة اللّه. و جاء آخر الكتاب «و قد رأى امير المؤمنين- لما يحبه من التقرب الى اللّه بجهاد عدوه .. ان ينهض وصيفا مولى امير المؤمنين في هذا العام الى بلاد اعداء اللّه الكفرة الروم، غازيا لما عرف الله امير المؤمنين من طاعته و مناصحته و محمود نقيبته و خلوص نيته، في كل ما قر به من اللّه و من خليفته. و قد رأى امير المؤمنين- و الله ولي معونته و توفيقه- ان تكون موافاة وصيف فيمن انهض امير المؤمنين معه من مواليه و جنوده و شاكريته ثغر ملطية .. فأعلم ذلك و اكتب الى عمالك على نواحي عملك بنسخة من كتاب امير المؤمنين هذا، و مرهم بقراءته على من قبلهم من المسلمين و ترغيبهم في الجهاد، و حثهم عليه و استنفارهم اليه، و تعريفهم ما جعل اللّه من الثواب لأهله، ليعمل ذووا النيات و الحسبة و الرغبة في الجهاد على حسب ذلك في‏

494

النهوض الى عدوهم، و الخفوف الى معاونة اخوانهم و الذيادة عن دينهم و الرمى من وراء حوزتهم، بموافاة عسكر وصيف مولى امير المؤمنين ملطية» (4).

و كان غرض الخليفة الرئيس من اخراج هذه الحملة الكبيرة للغزو ابعاد القائد وصيف عن التدخل في شؤون الخلافة، و اضعاف نفوذ القواد الاتراك بنفس الوقت. و مع هذا بقي المنتصر بالله يتوجس خيفة من هؤلاء القواد، و يرهب جانبهم لسيطرتهم على الجيش و يخاف ان يتآمروا عليه كما تآمروا على ابيه من قبل. و رغم تكتمه في العمل على تفريق كلمتهم و مناوراته في ذلك فقد ظهر منه ما يدل على انه ينوي بهم شرا، و يحاول ان يتنصل من الاشتراك في المؤامرة على ابيه ليحملهم كامل المسؤولية. و قد روى عنه انه قال‏ (5):

لو يعلم الناس الذي نالني‏* * * فليس لي عندهم عذر

كان الي الأمر في ظاهر* * * و ليس لي في باطن امر

كما يحتمل قول هذا شكواه من تسلطهم بحيث لم يبق له من الخلافة سوى مظاهرها.

ان موقف المنتصر باللّه هذا من الاتراك دفعهم الى الاسراع في العمل على التخلص منه قبل ان يتمكن هو منهم. لأنهم لما علموا

____________

(4) نص الكتاب فى الطبري 9/ 241- 243.

(5) فوات الوفيات 2/ 373.

495

بسوء نيته فيهم و انه يعمل على التدبير عليهم، بادروه بذلك‏ (6).

الا ان هيبة المنتصر بالله و شجاعته و يقظته و شدة تحرزه حالت دون ان يتمكنوا من اغتياله‏ (7). و لذلك عمدوا الى التخلص منه بالسم. و سبق ان ذكرنا ذلك في الموضوع الخاص بوفاته. و بذلك انتصر القواد الاتراك على المنتصر باللّه.

3- المستعين بالله و الاتراك:

انقسم القواد الاتراك اثر مبايعة المستعين بالله الى كتلتين متناحرتين تتنازعان على السلطة و حيازة الاموال. و كان لهذا الانقسام سببان مهمان، اولهما استيلاء القائد اوتامش، و هو ابن اخت القائد بغا الكبير، على السلطة و احتوائه الاموال دون بقية القواد. فقد استوزره المستعين بالله عند ما تولى الخلافة و اطلق يده و يد شاهك الخادم في بيوت الاموال. و فعل الخليفة مثل ذلك مع امه فتيان فلم يمنعها من شى‏ء تريده. فكانت الاموال التي ترد الى بيت المال يصير معظمها الى هؤلاء الثلاثة، و ما يفضل عن ذلك يترك لأوتامش ايضا لينفقه على العباس بن المستعين بالله الذي كان في حجره. فاحتوى اوتامش بذلك على كثير من الاموال و الضياع. مما اثار حفيظة عدد من كبار قواد الاتراك و بخاصة وصيف و بغا الصغير. فأخذا يعملان على الايقاع به. و استطاعا ان يثيرا عليه قسما كبيرا من الجند فهاجموه و هو في الجوسق مع الخليفة، و ذلك فى منتصف ربيع الآخر سنة 249 ه، فقبضوا عليه و قتلوه، و قتلوا معه كاتبه شجاع بن القاسم، و انتهبوا دور

____________

(6) التنبيه و الاشراف/ 314.

(7) تاريخ الخلفاء/ 357.

496

اوتامش و اخذوا منها اموالا جمة. «و يقال ان ذلك جرى بموافقة المستعين بالله‏ (8)».

و في احدى قصائد البحتري في مدح المستعين باللّه يشير الشاعر الى قتل اوتامش و كاتبه لتماديهما في الاستيلاء على الاموال العامة، و افسادهما الحكم، و ظلم الرعية و اضطهادهما، كما يشير الى نقمة قسم من الأتراك عليهما، منها قوله‏ (9):

لقد نصر الامام على الاعادي‏* * * و اضحى الملك موطود العماد

و عرفت الليالي في (شجاع)* * * و (تامش) كيف عاقبة الفساد

تمادى منهما غي فلجا* * * و قد تردى اللجاجة و التمادي‏

و ضلا في معاندة الموالي‏* * * فما اغتبطا هناك بالعناد

برار في اقتطاع المال جم‏* * * و سعي في فساد الملك باد

بهضم للخلافة و انتقاص‏* * * و ظلم للرعية و اضطهاد

أمير المؤمنين اسلم فقد ما* * * نفيت الغي عنا بالرشاد

____________

(8) تاريخ اليعقوبي 2/ 496.

(9) كامل القصيدة فى ديوان البحتري 1/ 524- 526.

497

تدارك عدلك الدنيا فقرت‏* * * و عم نداك آفاق البلاد

اما السبب الثاني لانقسام الأتراك فكان مقتل باغر التركي الذي كان على رأس الزمرة التي اغتالت المتوكل على اللّه، فزيد في ارزاقه، و اقطع عددا من الضياع. و كان مما اقطع بعض القرى بسواد الكوفة. فوثب رجل من اهل تلك الناحية بوكيل ياغر، فحبسه هذا و قيده. فشكى الرجل امره الى القائد بغا الشرابي، و كان باغر احد قواده، فانتصف له و كف يد باغر و وكيله عنه، و ذلك بتأثير كاتبه دليل بن يعقوب النصراني. فغضب باغر و بيت لبغا و دليل شرا. فجمع اليه الفئة التي كانت شاركته في قتل المتوكل على اللّه، و غيرهم من مؤيديه و اصحابه و ناظرهم و تأكد من تأييدهم له، و قال لهم «الزموا الدار حتى نقتل المستعين و وصيفا و بغا، و نجي‏ء بعلي بن المعتصم باللّه او ابن الواثق باللّه، فنقعده خليفة، حتى يكون الامر لنا كما هو لهذين اللذين قد استوليا على امر الدنيا، بقينا نحن في غير شى‏ء، فأجابوه الى ذلك» (10). و انتهى الأمر الى المستعين باللّه فبعث الى وصيف و بغا و قال لهما «ما طلبت اليكما ان تجعلاني خليفة، و انما جعلتماني و اصحابكما، ثم تريدان ان تقتلاني» (11). فحلفا له انهما ما علما بذلك. و اتفق رأيهم على اخذ باغر و رجلين من اصحابه من الأتراك و حبسهم. فاحضروا باغرا و حبسوه. فلما بلغ الخبر

____________

(10) 9/ 779- 280، و الكامل 7/ 138.

(11) الطبري 9/ 280 و الكامل 7/ 139.

498

مؤيديه و اتباعه وثبوا على اصطبل الخليفة فانتهبوه و ركبوا ما فيه من الخيل و الدواب، و حضروا الى الجوسق بالسلاح لانقاذه.

الا ان اتباع وصيف و بغا قتلوا باغرا. فثار اتباعه و حاصروا المستعين باللّه و وصيفا و بغا في دار الخلافة، فخاف الخليفة و القواد المناصرين له على انفسهم، فركبوا حراقة خفيفة اعدها لهم ميسان ملاح الخليفة فصاروا الى بغداد. و صحب الخليفة اضافة الى القائدين المذكورين، بعض رجاله و افراد حاشيته، منهم شاهك الخادم، و احمد بن صالح بن شيرزاد كاتب وصيف، و احمد بن اسرائيل. فوصلوها في يوم الأربعاء لأربعة او خمسة خلت من المحرم سنة 251 ه (12). فنزل الخليفة في دار محمد بن عبد اللّه ابن طاهر. ثم التحق به بعض القواد الأتراك، وجلة الكتاب و العمال و بني هاشم.

و قال الشاعر ابو علي اليماني في شخوص المستعين باللّه الى بغداد (13):

ما زال الا لزوال ملكه‏* * * و حتفه من بعده و هلكه‏

و كأنه تنبأ بمصير المستعين باللّه. فقد خسر الخلافة و خسر حياته بانتقاله من عاصمة ملكه سامرا و لجوئه الى بغداد.

اضطرب الأتراك الذين بقوا في سامرا، فمنعوا الناس من الانحدار الى بغداد. و ذكر انهم اخذوا ملاحا اكرى سفينته فضربوه مائتي سوط و صلبوه على دقل السفينة. فامتنع اصحاب‏

____________

(12) الطبري 9/ 283، و تاريخ بغداد 5/ 84، و الكامل 7/ 141.

(13) الطبري 9/ 282.

499

السفن من الانحدار، الا سرا (14). ثم اتفقوا على ضرورة اعادة الخليفة الى سامرا، و قرروا ان يبعثوا اليه وفدا منهم يسألونه العودة الى دار ملكه. فصار اليه عدة من كبار قادتهم منهم كلباتكين و بايكباك. و يقال انهم اخذوا اليه البرد و القضيب و بعض الخزائن و مائتي الف دينار (15). و عند ما قابلوه سألوه ان يصفح عما بدر منهم و من اتباعهم من خلاف، فأجابوهم بما يكرهون، فقال لهم «انتم اهل بغي و فساد و استغلال للنعم الم ترفعوا الي في اولادكم فالحقتهم بكم .. و في بناتكم فامرت بتصييرهن في عداد المتزوجات .. و ادررت لكم الارزاق حتى كان لكم آنية الذهب و الفضة .. كل ذلك ارادة لصلاحكم و رضاكم، و انتم تزدادون بغيا و فسادا» (16). فاعترفوا بخطأهم و سألوه العفو، فعفا عنهم.

فقال له القائد بايكباك «فان كنت رضيت عنا و صفحت فقم فاركب معنا الى سامرا، فان الاتراك ينتظرونك» (17) فاحتج محمد بن عبد اللّه على طريقة مجادلة الخليفة فاوعز لأحد اتباعه فلكن بايكباك. فضحك المستعين باللّه قائلا ان هؤلاء عجم لا معرفة لهم باصول الكلام. و امر بايكباك و جماعته ان يصيروا الى سامرا، و اكد لهم ان ارزاقهم ستستمر، و انه سينظر في امر مقامه ببغداد او عودته الى سامرا.

عاد القواد الاتراك الى سامرا و قد يئسوا من عودة الخليفة اليها، فاجمعوا على خلعه و مبايعة المعتز باللّه بن المتوكل على اللّه. و قد سبق ان اوضحنا ذلك في سيرة المعتز بالله.

____________

(14) الطبري 9/ 282، و تجارب الامم 6/ 577.

(15) مروج الذهب 4/ 162.

(16) الطبري 9/ 283.

(17) الطبري 9/ 284، و الكامل 7/ 142.

500

4- الحرب بين جيش المستعين باللّه و جيش المعتز باللّه:

ان مبايعة المعتز باللّه بالخلافة في سامرا مع وجود الخليفة الأصلي في بغداد اوجد وضعا غريبا في الخلافة العباسية ادى الى نشوب الحرب بين انصار الخليفتين، اي بين جيش المستعين باللّه و جيش المعتز باللّه. فعند ما بلغ امير بغداد محمد بن عبد الله ان الأتراك في سامرا نقضوا بيعة المستعين باللّه و بايعوا المعتز باللّه، أمر بقطع الميرة عن اهل سامرا، فمنع السفن او اي شي‏ء من الميرة من ان ينحدر من الموصل اليها، او ان يصعد نحوها شى‏ء من ذلك من بغداد.

و امره المستعين باللّه بتحصين بغداد، فنشط لاحاطة المدينة بجانبيها بسور. و كان السور في الجانب الشرقي يبدأ من باب الشماسية على ضفة دجلة من فوق قصر المهدي، و هو على هيئة ربع دائرة تبدأ من باب بردان و تنتهي عند باب خراسان. فكان السور يحيط بمحلتي الرصافة و الشماسية، ثم ينعطف بهيئة ربع دائرة ليشمل محلة المخرم حتى يصل الى دجلة ثانية عند باب سوق الثلاثاء. اما في الجانب الغربي فكان السور يبدأ من فوق باب قطيعة زبيدة مشتملا على الفرضة العليا حتى يمر بباب قطربل متبعا خندق طاهر حتى باب الأنبار، و هو بهيئة نصف دائرة كبيرة يشتمل على مدينة المنصور، و قسم من الكرخ حتى يصل الى دجلة خلف باب البصرة تحت الموضع الذي يصب فيه نهر الصراة. و رتب على كل باب من ابواب السور قائدا على رأس ثلة من الجند، و حفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين. و اقام مظلات يأوي اليها الفرسان في الحر و المطر. و بلغت النفقة فيما

501

ذكر على السورين و حفر الخنادق و اقامة المظلات ثلاثمائة و ثلاثين الف دينار (18).

و جعل على باب الشماسية من الخارج بابا سميكا معلقا قد البس بصفائح الحديد و شد بالحبال، فاذا ما وافى احد ذلك الباب ارسل عليه الباب المعلق فيسقط عليه و يقتله. كما نصب على جميع ابواب السور العرادات و المجانيق، و عليها ما تحتاجه من الرجال‏ (19). و من هذا يظهر ان المستعين باللّه اتخذ موقف المدافع فيما اذا هاجمته جيوش سامرا.

و قبل ان تبدأ الحرب جرت بين المعتز باللّه و محمد بن عبد الله مكاتبات، دعا فيها المعتز بالله محمدا الى خلع المستعين بالله و مبايعته، و ذكره بعهد ابيه المتوكل على اللّه له بالخلافة بعد اخيه المنتصر بالله. و دعا محمد بدوره المعتز باللّه الى الأوبة الى طاعة المستعين بالله. و احتج كل منهما على صاحبه فيما يدعوه اليه بما يراه حجة له تسنده ضد خصمه.

كما كتب المستعين باللّه الى عمال الخراج بكل بلدة ان يحملوا الأموال اليه في بغداد و الا يحملوا شيئا منها الى سامرا. و امر بالكتابة الى القواد و الجند الاتراك بسامرا يأمرهم بنقض بيعة المعتز باللّه، و الوفاء ببيعتهم له، و ينهاهم عن معصيته و نكث بيعته» (20).

بداية الحرب و حصار بغداد:

عقد المعتز باللّه لأخيه ابي احمد الموفق لسبع بقين من المحرم سنة 251 ه على حرب المستعين باللّه، و ضم اليه جيشا بقيادة

____________

(18) الطبري 9/ 287، و تجارب الامم 6/ 580.

(19) الطبري 9/ 288، و تجارب الامم 6/ 580.

(20) الطبري 9/ 288- 289، و تجارب الامم 6/ 581.

502

كلباتكين. فتجمع في القاطول خمسة الاف من الأتراك و الفراغنة، و الفان من المغاربة، فسار الجيش حتى وافى عكيرا (21).

و لما بلغ المستعين باللّه تحرك جيش المعتز بالله نحو بغداد ولى القائد الحسين بن اسماعيل مهمة الدفاع عن باب الشماسية باعتباره الباب الرئيس للمدينة. و قبل ان تبدأ المعارك بين الجانبين امر محمد بن عبد الله بحشد جيش بغداد في القفص‏ (22)، ليرهب الجيش المهاجم، و ركب معه وصيف و بغا في الدروع، و استصحب معه الفقهاء و القضاة، و بعث اليهم يدعوهم الى الرجوع عما هم عليه من الطغيان و العصيان و انه يبذل لهم الأمان، و ان يكون المعتز باللّه ولى العهد بعد المستعين بالله فلم يجيبوا (23).

اهم المعارك:

جرت بين الجانبين مناوشات و معارك عديدة كانت الحرب فيها سجالا بينهما لم تسفر عن انتصار حاسم لأحدهما. فكانت حرب استنزاف للطرفين. حتى اضطر في الأخير جيش بغداد على الاستسلام بسبب ما قاسته مدينة بغداد من جراء حصارها.

و سنقتصر على ذكر اهم المعارك من حيث نتائجها و كثرة الجيوش المشتركة فيها.

____________

(21) الطبري 9/ 290، و تجارب الامم 6/ 582، و الكامل 7/ 145، و فيه كان جيش الاتراك و الفراغنة خمسين الفا.

(22) القفص: قرية بين بغداد و عكبرا و هي الى بغداد اقرب، و كانت من مواطن اللهو. معجم البلدان 4/ 382.

(23) الطبري 9/ 292، و الكامل 7/ 147.

503

معركة الشماسية:

وافى قسم من جيش المعتز باللّه الشماسية ليلة الأحد لسبع خلون من صفر، فرماهم حماة الباب بالسهام و المجانيق و العراات، فوقع كثير من القتلى و الجرحى بين الجانبين. و لما رأى جند سامرا تكاثر جيش المستعين باللّه عليهم انسحبوا الى معسكرهم‏ (24).

معركة النهروان:

اتصل بابن طاهر ان جمعا من جند المعتز بالله صاروا الى ناحية النهروان، فوجه اليهم ما ينوف على الف فارس و راجل و عليهم قائدان، فهاجمهم جيش المعتز بالله و هزمهم، و انصرف من نجا منهم الى بغداد. و سيطر جيش المعتز بالله على طريق بغداد- خراسان، و هو الطريق الذي يربط بغداد بالولايات، الشرقية (25).

معركة قطربل:

وجه المعتز بالله جيشا آخر من الاتراك و الفراغنة و المغاربة الى بغداد، و عليه القائدان الدرغمان الفرغاني و ربلة المغربي.

فاجتاز الجيش قطربل‏ (26) قاصدا بغداد من الجانب الغربي، و عسكر عند قطيعة ام جعفر، و ذلك في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر. فوجه ابن طاهر ثلاثة من كبار قواده هم الشاه بن ميكال، و بندار، و خالد بن عمران، و معهم اصحاب من‏

____________

(24) الطبري 9/ 291- 292 و الكامل 7/ 145- 146.

(25) الطبري 9/ 294، و الكامل 7/ 147.

(26) هي قرية شمالي بغداد، بينها و بين عكبرا- معجم البلدان 4/ 371.

504

الفرسان و الرجالة. فاشتبك الجانبان في اليوم التالي بمعركة عنيفة انتصر فيها جيش المستعين بالله و قتل و غرق كثير من جنود جيش المعتز بالله و أسر آخرون منهم، و عبر قسم من المنهزمين الى معسكر ابي احمد في الجانب الشرقي. و ذكر انهم كانوا اربعة الاف فقتل منهم الفان‏ (27). فاعتبر ذلك انتصارا للمستعين باللّه، و كتب به بيان قرى‏ء على اهل بغداد في جامعها، و هو بمثابة بيان حربي مسهب يشير الى خروج جماعة ضالة نكثت بيعة الخليفة و ناصرت غيره، و ان هؤلاء الناكثين جمعوا جموعهم من الاتراك و الفراغنة و ساروا نحو مدينة السلام معلنين البغي، فهزموا عند باب الشماسية، الا انهم استنهضوا جيشا آخر من سامرا. و لم تزل الحرب بين الموالين لأمير المؤمنين المستعين باللّه و الفرقة الضالة حتى انزل الله بهم البوار و احل عليهم النقمة فولوا منهزمين مغلولين‏ (28).

ثم استأنف جيش المعتز بالله بعد فشله في معركة قطربل، الهجوم على باب الشماسية و باب البردان، فرد على اعقابه بعد ان خسر عددا غير قليل من القتلى و الجرحى، فهاج الغوغاء في سامرا اثر هذه الهزائم، و اعتبروها ضعفا في امر المعتز بالله، فانتهبوا سوق اصحاب الحلي و السيوف و الصيارفة و اخذوا جميع ما وجدوا فيها من متاع و اموال. و يظهر ان اهل سامرا ملوا الحرب فاخذوا يعلنون احتجاجهم على استمرارها، و لا سيما عند وصول الاسرى و رؤوس القتلى من بغداد. مما اضطر المعتز باللّه‏

____________

(27) الطبري 9/ 295.

(28) كامل البيان في الطبري 9/ 296- 303.