سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
55

لعسكر الاصطبلات، و بعد ان يسير مسافة (30) كيلومترا تقريبا نحو الجنوب الشرقي يصب في مجرى نهر الدجيل القديم‏ (93).

فصار نهر الاسحاقي بما يحمله من مياه و فيرة محور العمران في الجانب الغربي من مدينة سامرا.

يقول اليعقوبي في وصف التوسع الذي احدثه هذا النهر:

«فانشأ هناك العمارات و البساتين و الأجنة، و حفر الانهار من دجلة و صير الى كل قائد عمارة ناحية من النواحي. و حمل النخل من بغداد و البصرة و سائر السواد، و حملت الغروس من الجزيرة و الشام و الجبل و الري و خراسان و سائر البلدان. فكثرت المياه في هذه العمارة في الجانب الغربي‏ (94) بسر من رأى. و صلح النخل، و ثبتت الاشجار، و زكت الثمار، و حسنت الفواكه، و حسن الريحان و البقل. و زرع الناس اصناف الزرع و الرياحين و البقول و الرطاب، و كانت الأرض مستريحة الوف سنين. فزكا كل ما غرس فيها و زرع بها حتى بلغت غلة العمارات بالنهر المعروف بالاسحاقي و ما عليه و الايتاخي و العمري و العبد الملكي و دالية ابن حماد و المسروري و سيق و العربات المحدثة و هي خمسة قرى، و القرى السفلى و هي سبع قرى، و الأجنة و البساتين، و خراج الزراعة اربعمائة الف دينار في السنة. و بنى المعتصم العمارات قصورا و صير في كل بستان قصرا فيه مجالس و برك و ميادين، فحسنت العمارات، و رغب وجوه الناس في ان يكون لهم بها ادنى ارض و تنافسوا في ذلك و بلغ الجريب من الأرض مالا كبيرا» (95).

لقد انتهج المعتصم باللّه في انجاز عمران عاصمته الجديدة خطة تقوم على توزيع الأعمال على كبار قواده و رجاله، ليختص كل‏

____________

(93) لمزيد من التفصيلات عن نهر الاسحاقي، راجع: رى سامراء 1/ 79- 83.

(94) في الأصل: الشرقي.

(95) كتاب البلدان/ 263- 264.

56

منهم بجزء من عمران المدينة و يستعين على انجازه باصحابه و اعوانه. و لا يستبعد ان القواد منهم استخدموا الجند في انجاز ما كلفوا به. فكلف بعض كبار اصحابه ببناء القصور، فصير الى خاقان غرطوج بناء الجوسق الخاقاني، و امر عمر بن فرج بان يتولى بناء القصر المعروف بالعمري، و كلف ابا الوزير احمد بن خالد ببناء القصر الوزيري. و كذلك فعل في تشييد القطائع السكنية و المساجد و الاسواق. و قد اشرنا الى توزيعه القطائع على كبار القواد و طلبه اليهم ان ينجزوها وفق التخطيط الموضوع لها، سواء لدور السكن او للمرافق العامة كالمساجد و الساحات و الأسواق.

و قد عمل جهده في تهيئة العمال و الصناع الحرفيين، و مواد البناء، و الأموال اللازمة لتكاليف المواد و اجور العاملين. و كان لهذا التوزيع في العمل نتائج باهرة في اسراع القواد بانجاز ما كلفوا به و تنافسهم في ذلك، و في نوعية العمل المنجز.

و لأهتمام المعتصم بالله بانجاز تأسيس المدينة باسرع ما يمكن ليتخلص من مشاكل جنده مع اهل بغداد، و ليتفرغ لشؤون الدولة الكثيرة الاخرى، و بذله الاموال اللازمة لذلك، فلا نستبعد انه قد جعل من نفسه مشرفا عاما على ذلك، يقوم بين آونة و اخرى بالتجول في الشوارع الرئيسة ليراقب سير العمل، و يجيز العمال و المهندسين الماهرين المتفوقين باعمالهم، تشجيعا لهم و لغيرهم للاسراع بانجاز ما كلفوا به على احسن وجه، مما أثار روح المنافسة في العاملين و دفعهم الى مزيد من الجهد و اتقان العمل.

حتى تم انجاز بناء تلك القصور و القطائع و المساجد و الاسواق، و فتح الشوارع الرئيسة و الفرعية بالسرعة المطلوبة. علما انه كان قد كلف وزيره محمد بن عبد الملك الزيات بالاشراف على جميع، ما بني بسامرا في جانبيها الشرقي و الغربي‏ (96).

____________

(96) الطبري 9/ 20.

57

5- اسم المدينة:

اذا تصفحنا كتب البلدانيين العرب، و أمهات الكتب التي تعتبر مصادر التاريخ العربي، نجد ان الاسم الغالب الذي يطلقونه على العاصمة الثانية للخلفاء العباسيين التي اسسها ثامنهم المعتصم باللّه ابن هارون الرشيد، هو (سر من رأى). كما ان بعضهم يطلق عليها اسم (سامرا). فان ابا جعفر محمد بن موسى الخوارزمي المتوفى سنة (232 ه) ذكرها باسم (سر من رأى) في موضعين من كتابه‏ (97).

و يعتبر اقدم من ذكر المدينة من البلدانيين بهذا الاسم و كان قد عاصر تأسيسها. و كذلك اطلق عليها هذا الاسم ابن خرداذبة ابو القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه المتوفى سنة (280 ه) في كتابه المسالك و الممالك حينما وردت في تضاعيفه.

و ان احمد بن اسحاق اليعقوبي المتوفى سنة (292 ه) الذي يعتبر ما ورد عن سامرا في كتابه (كتاب البلدان) اوفى ما وصلنا من النصوص القديمة عنها، من حيث اسباب اختيار موقعها، و خططها، و جهود المعتصم باللّه في بنائها، و توسعها في عهد ابنيه الواثق بالله و المتوكل على الله، يستعمل نفس الأسم (سر من رأى) في كتابه المذكور، و في كتابه الآخر (تاريخ اليعقوبي) (98).

اما ابو اسحاق الاصطخري ابراهيم بن محمد المتوفى سنة (346 ه) فيسميها (سر من رأى) ايضا في النبذة المختصرة التي ذكرها عنها في كتابه‏ (99). و فعل مثله ابو القاسم محمد بن حوقل النصيبي في كتابه عند ذكره نبذة عنها في اثناء كلامه عن مدن‏

____________

(97) كتاب صورة الارض/ 21 و 129.

(98) كتاب البلدان/ 255- 268، و تاريخ اليعقوبي 2- 474- 511.

(99) كتاب الاقاليم/ 48.

58

العراق‏ (100). و كذلك فعل الشابشتي ابو الحسن علي بن محمد المتوفى سنة (388 ه) فانه يقتصر على استعمال اسم (سر من رأى) حيثما وردت في كتابه‏ (101).

على ان المقدسي البشاري محمد بن احمد المتوفى سنة (380 ه) ذكرها في كتابه باسم (سامرا) عند كلامه عن اقليم العراق. الا انه يشير الى انها عند ما زاد فيها المتوكل و صارت عجيبة حسنة سميت (سرور من رأى) ثم اختصرت فقيل (سر من رأى) و لما خربت سميت (ساء من رأى) ثم اختصرت فقيل (سامرا) (102). مما يوحى ان اسم سامرا اطلق عليها بعد ان اهملت و خربت، و هو قول يخالف الواقع. و قد ذكرها الهمذاني احمد بن محمد المتوفى سنة (365 ه) باسم (سر من رأى) في كتابه‏ (103).

اما المؤرخون فأن اقدمهم ابن قتيبة عبد اللّه بن مسلم المتوفى سنة (276 ه) يطلق عليها اسم (سر من رأى) عند ما يتكلم عن المعتصم و خروجه الى بنائها في كتابه (المعارف) (104). بينما يستعمل الطبري محمد بن جرير المتوفي سنة (310 ه) اسم (سامرا) حيثما ورد ذكرها في الجزءين التاسع و العاشر من كتابه (الرسل و الملوك).

و يسميها البلاذري احمد بن يحيى المتوفى سنة (279 ه) اي في سنة الانتقال منها و العودة الى مدينة السلام، و قد عاصرها منذ تأسيسها (سر من رأى) (105)، ايضا.

و قد استعمل المسعودي علي بن الحسين المتوفى سنة (346 ه) الاسمين للمدينة في مؤلفيه: التنبيه و الاشراف، و مروج الذهب.

____________

(100) صورة الارض لابن حوقل/ 218.

(101) الديارات/ 38 و 79 و 105 و 149 و 190.

(102) احسن التقاسيم/ 122- 123.

(103) مختصر كتاب البلدان/ 18 و 125 و 253.

(104) المعارف/ 392.

(105) فتوح البلدان/ 295.

59

فانه ينهج في الكتاب الأول نهج البلدانيين و يطلق عليها اسم (سر من رأى) عند ما يذكر ابتداء المعتصم باللّه ببنائها و يقول انه هو سماها به‏ (106). غير انه في كتابه الثاني يستعمل اسم (سامرا) عند اشارته الى الموضع الذي اختاره المعتصم باللّه للبناء فيه و يفسر معناه و الأصل الذي اشتق منه، ثم يستمر باستخدام هذه التسمية كلما ورد ذكره للمدينة في الكتاب عدا بعض المناسبات فقد استخدم الأسم الأول‏ (107).

الا ان طاهر بن مطهر المقدسي المتوفي سنة (355 ه) يقتصر على استخدام اسم (سر من رأى) في كتابه‏ (108). و يقتصر ابن الأثير علي بن محمد المتوفى سنة (630 ه) على استعمال (سامرا) في الجزءين السادس و السابع من كتابه الكامل في التاريخ، و احسبه قد اقتدى بالطبري في ذلك. و يلاحظ ان صاحب الفهرست ابن النديم محمد بن اسحاق المتوفى سنة (438 ه) يذكرها في عدد من المواضع في كتابه باسم (سر من رأى) (109). و يرى ابن دحية الكلبي عمر بن ابي علي المتوفى سنة (633 ه) انها سميت (سر من رأى) لأن المعتصم لما انتقل اليها بجملته و عسكره سر كل منهم برؤيتها فقيل فيها (سر من رأى) و لزمها هذا الاسم، و قد غيرته العامة فقالوا (سامرا) (110). و هذا يتفق و ما يراه ياقوت الحموي الذي يقول ان اسمها (سر من رأى) فخففها الناس و قالوا سامرا (111).

و ينقل عن الزجاجي قوله: «كان اسمها قديما ساميرا سميت بسامير بن نوح كان ينزلها لأن اباه اقطعه اياها فلما استحدثها

____________

(106) التنبيه و الاشراف/ 305 و 306 و 309.

(107) مروج الذهب 4/ 46 و 56 و 114.

(108) البدء و التاريخ 3/ 114 و 122.

(109) الفهرست/ 236 و 277.

(110) النبراس/ 65.

(111) معجم البلدان 3/ 173.

60

المعتصم سماها سر من رأى‏ (112). على انه نفسه يذكرها باسم آخر هو (سراء) و يقول انه اسم من اسماء سر من رأى مدينة المعتصم‏ (113).

و يرد الحريري ابو محمد علي بن القاسم المتوفى سنة (516 ه) على من يسميها سامرا، و يرى ان الصواب هو ان تسمى سر من رأى، على ما نطق بها في الأصل، لأن المسمى بالجملة يحكي على صيفته الاصلية، و ان المعتصم حين شرع في انشائها ثقل ذلك على عسكره، فلما انتقل بهم اليها سر كل منهم برؤيتها فقيل سر من رأى و لزمها هذا الاسم، و هو يرى ان تغيير الشعراء الاسم المذكور انما هو لاقامة الوزن و تصحيح النظم‏ (114).

من هذا يتضح ان الاسم الغالب على المدينة في مؤلفات القدامى من البلدانيين و المؤرخين هو سر من رأى. و يرجح ان تغلب هذا الاسم يعود الى ان المعتصم باللّه هو الذي سماها به‏ (115). و من ثم اصبح الاسم الرسمي لها. و قد سماها بعضهم سامرا. على ان هناك اسماء اخرى اطلقت على المدينة في ثنايا كثير من كتب الأدب و بخاصة في الشعر. و قد لخص ياقوت تلك الاسماء، فقال «سامراء» لغة في سر من رأى. و فيها لغات سامراء ممدود، و سامرا مقصور، و سر من راء، و سراء مهموز الآخر، و سر من راء مقصور الآخر» (116) و استشهد على ذلك بأبيات من الشعر.

____________

(112) نفس المصدر/ 215.

(113) المشترك وضعا/ 243.

(114) درة الغواص/ 180- 181.

(115) فتوح البلدان/ 295، و التنبيه و الاشراف/ 309، و معجم البلدان، 3/ 215.

(116) معجم البلدان 3/ 173.

61

اما سبب تسميتها فيروي ياقوت ثلاثة اقوال في ذلك. الأول انها كانت مدينة عتيقة تحمل اليها الاتاوة التي كانت موظفة للفرس على الروم، و قد استدل على ذلك من اسم المدينة، لأن (سا) اسم الاتاوة و (مرة) اسم العدد، و المعنى انه مكان لقبض الجزية. و القول الثاني ان سام بن نوح كان يصيف بالقرية التي ابتناها ابوه عند خروجه من السفينة ببازيدى و سماها ثمانون، و يشتو بأرض جوخى، و كان ممره من ارض جوخى الى بازيدى على شاطى‏ء دجلة من الجانب الشرقي، فسمى ذلك المكان (سام راه) يعني طريق سام. و القول الثالث انها مدينة بناها سام بن نوح، او انها بنيت له فنسبت اليه و قيل سام راه‏ (117).

ان القول صاحبه فارسي يحاول ان يربط كل حدث او موضع باكاسرة الفرس، و هو قول واضح البطلان، لأن الادعاء بان الروم كانوا يدفعون اتاوة للفرس امر مشكوك فيه، و حتى اذا ما كان ذلك قد وقع فعلا فان الموضع المذكور لا يصلح ان يكون مكان اتصال بين الدولتين المذكورتين، لأنه لا يقع على الحدود الفاصلة بينهما.

و يبدو ان صاحب القول اراد ان يستنتج تاريخ المدينة من تحليل اسمها المركب ففسره بما ذهب اليه هواه، ففاته الصواب لأنه تفسير عقيم‏ (118). و اما القولان الثاني و الثالث فانهما الى الاساطير اقرب لأنهما ينقصهما السند التاريخي، و هما كالقول الأول محاولة لاستنتاج سبب تسمية المدينة من تحليل اسمها، و لو كان ذلك من باب الظن و الوهم.

و هناك من يرجح ان اسم موضع سامرا مشتق من اسم مستوطن قديم عرفه الآشوريون و البابليون باسم (سومورم؟؟؟

او باسم (سورمارتا-Su -ur -mar -ta و كان موضعا مهما في‏

____________

(117) نفس المصدر/ 173- 174.

(118) موسوعة العتبات المقدسة- قسم سامراء 1/ 13.

62

العهد الذي سبق الفتح العربي، و قد التقى فيه الجيش الساساني بالجيش الروماني بعد مقتل الانبراطور جوليان في عام 363 م و تراجع الجيش الروماني، و قد دون اخبار هذه المعركة المؤرخ اميانوس مرسيلينوس الذي رافق الحملة و ذكر هذا الموضع باسم (سوميره)، و كان الجيش الروماني قد عبر عند تراجعه نهر دجلة في مكان ورد اسمه بصيغة (دورا) و هو موضع امام الدور الآن‏ (119).

و يقول انستاس الكرملي «اما اسم المدينة فليس من وضع المعتصم نفسه بل هو قديم في التاريخ فقد ذكره المؤرخ الروماني اميانوس مرسيلينوس الشهير الذي ولد في سنة 320 م و توفى سنة 390 م بصورة (سومرا-Sumera )، و نوه به زوسيمس المؤرخ اليوناني من ابناء المائة الخامسة للمسيح صاحب التاريخ الروماني بصورة (سوما-Souma أهل النقد من ابناء هذا العصر انه سقط من آخر الاسم حرفان و الأصل (سومرا-Soumara و ورد في مصنفات السريان (شومرا) بالشين المنقوطة .. اما الكلمة فليست بعربية صرفة و ان ذهب الى هذا الرأي كثيرون من المؤرخين و الكتبة و اللغويين و ذلك لعتقها كما اوضحنا. و هي عندنا من اصل سامي قديم و يختلف معناها باختلاف تقدير اللفظة للصحفة عنه، فاذا قلنا ان اصلها (شامريا) فمعناها اللّه يحرس المدينة، او بعبارة اخرى (المحروسة) و ان قدرنا اصلها (شامورا) بامالة الالف الاخيرة فمعناها الحرس، اي منزل الحرس او موطن الحفظة بتقدير حذف المضاف و ابقاء المضاف اليه، و هو كثير الورود في جميع اللغات السامية. و عليه يعتبر قولهم ان (سامرا) تخفيف (سر من رأى) او (ساء من رأى) من قبيل الوضع» (120).

____________

(119) المرشد الى مواطن الآثار و الحضارة/ 11- 12.

(120) مجلة لغة العرب العدد (6) من السنة الثالثة/ 721- 722.

63

و للمرحوم الدكتور مصطفى جواد رأى قريب من هذا في تخريج اسم سامرا، فيقول: «سامرا اسم ارامي و هو في اصله مقصور كسائر الاسماء الآرامية بالعراق، مثل: كربلا و عكبرا، و حرورا، و باعقوبا ..) و قد مد العرب كثيرا من هذه الاسماء الآرامية المقصورة في استعمالهم اياها، و خصوصا ذكرها في الشعر الحاقا لها بالاسماء العربية او توهما منهم انها عربية تجمع بين المد و القصر ... و اذ كانت الآرامية فرعا من فروع اللغة السامية الأم، و كان الغالب على سينها ان تبدل شينا في العربية جاز ان يكون بين مادة (شمر) العربية و (سامرا) الآرامية صلة لفظية وصلة معنوية. قال الأصمعي: «التشمير: الارسال من قولهم شمّرت السفينة ارسلتها و شمّرت السهم ارسلته» و قال ابن سيده:

«شمّر الشي‏ء ارسله، و خص ابن الاعرابي به السفينة و السهم».

فغير بعيد ان كانت (سامرا) عند الآراميين فرضة كبيرة لارسال السفن في دجلة او دار صناعة لها، و لدجلة عندها خليج لا يزال على حاله القديمة يتبطح فيه الماء عند الزيادة» (121).

يتبين من مختلف التوضيحات التي قدمت عن اصل تسمية موضع سامرا بهذا الاسم ان ذلك الأصل قديم يرجع عهده الى ايام الآشوريين و البابليين، و من الطبيعي ان يتعرض اللفظ للتحوير و التعديل بمرور الزمن و في مختلف اللغات، حتى استقر عند بناء المدينة في عهد المعتصم باللّه الى سر من رأى و سامرا.

6- اطلال سامرا:

تقع مدينة سامراء الحالية على الضفة الشرقية لنهر دجلة شمالي بغداد بمسافة (130) كيلومترا. و قد بنيت على قسم من من اطلال سامرا التي اسسها المعتصم باللّه و اتخذها عاصمة له في‏

____________

(121) موسوعة العتبات المقدسة- قسم سامراء 1/ 7- 8.

64

اواخر سنة (222 ه). و هذه الاطلال تحيط بالمدينة الحالية من جميع جهاتها، و تمتد على طول نهر دجلة ابتداء من صدر نهر الرصاصي شمالا حتى فم نهر القائم جنوبا. و يبلغ طولها نحوا من اربعة و ثلاثين كيلومترا، تقع ثمانية منها جنوبي المدينة الحالية و تقع البقية شماليها. و يظهر هذا الامتداد الهائل لاطلال المدينة القديمة مدى سعتها و امتداد عمرانها عند ما كانت «المدينة الثانية من مدن خلفاء بني هاشم» و عاصمة الدولة العربية. و قد اصاب القزويني عند ما و صفها بانها «اعظم بلاد اللّه بناء و اهلا .. و لم يكن في الأرض احسن و لا اجمل و لا اوسع ملكا منها» (122). الا ان تلك المدينة الواسعة المزدهرة التي قامت خلال فترة قصيرة، اسرع اليها الخراب بعد ان هجرت، و لم يبق من آثارها شاخصا اليوم.

اي بعد ما يزيد على احد عشر قرنا، سوى القليل من بقايا المباني التي لا تزال قائمة تتحدى الزمن.

و يتوزع القسم المهم من الأطلال المذكورة شمالي المدينة الحالية و جنوبيها. حيث تقوم في الشمال الملوية و بقايا المسجد الجامع الكبير و دار الخليفة و باب العامة و جامع ابي دلف. و تقوم في الجنوب بقايا قصر بلكوارا و اطلال المدينة التي بناها المعتصم باللّه على القاطول.

و لما كانت سامرا قد توسعت ايام ازدهارها الى الجهة الغربية من نهر دجلة فان المنطقة الممتدة بين نهر دجلة و نهر الاسحاقي كانت بمثابة حدائق المدينة الكبيرة، و قد عمرت بالبساتين و الجنائن و القصور، و لكن لم يبق شاخصا من مبانيها سوى بقايا قصر المعشوق و قبة الصليبية و قصر الجص.

و يضاف الى الاطلال المشار اليها من بقايا مدينة سامرا القديمة ملحقان مهمان من جهتها الجنوبية هما بقايا القادسية الواقعة بين‏

____________

(122) آثار البلاد و اخبار العباد/ 258.

65

نهر دجلة و نهر القائم، و بقايا الاصطبلات المقابلة للقادسية في الجانب الغربي من المدينة.

أما بقية الاطلال فهي أسوار و آكام ترابية مبعثرة في جميع الجوانب، و أهم الاسوار التي لا تزال ماثلة سور عيسى و سور اشناس و سور القصر الجعفري.

و تتكون الآكام بصورة عامة من بقايا أسوار الدور و القصور و زوايا غرفها و قاعاتها. و تتسلسل آكام الاسوار على خطوط مستقيمة تدل على استقامة شوارع المدينة القديمة، كما تتوزع بقايا زوايا الدور و القصور في كثير من المحلات حول ساحات صغيرة و كبيرة تظهر الشي‏ء الكثير من مخططات المباني المختفية تحتها.

و تظهر آثار الشوارع القديمة الفسيحة بصورة خاصة في جوار قصر بلكوارا في الجنوب، و بعد سور اشناس في الشمال، اذ يظهر جليا ما كان يسمى بالشارع الاعظم الذي يبقى اتجاهه مستقيما الى مسافة سبعة كيلومترات، و تظهر على جانبيه سلسلة منتظمة من الشوارع الفرعية التي يبلغ عرض بعضها خمسين مترا. كما تظهر في الآكام المتراكمة على جانبي الشارع الأعظم مخططات الدور و الاسواق التي يستطيع المشاهد ان يتبين حدودها و تقسيماتها الاساسية. كما تظهر في أقصى الشمال بعض بقايا مدينة المتوكلية التي اسسها المتوكل على اللّه في آواخر ايامه.

ان الصور الجوية التي اخذت لأطلال سامرا تظهر اتجاهات الشوارع و تقسيمات الدور و القصور بوضوح تام، يدل على براعة هندسية فائقة في تخطيط المدينة من حيث سعة شوارعها و استقامتها، و توزيع الأبنية العامة و المساجد و الأسواق و دور السكن، و تنسيقها لمدينة كاملة مع ما تحتاجه من ساحات و ملاعب و متنزهات‏ (123).

____________

(123) راجع عن اطلال سامرا: الاثار القديمة العامة- سامراء/ 9- 10.

66

و قد بدأ الاهتمام باطلال سامرا منذ اواسط القرن التاسع عشر. غير ان التنقيب فيها لم يبدأ الا بعد انتهاء العقد الأول من القرن العشرين. فقد قام المهندس هنري فيوله-henry Viollet لاول مرة ببعض التنقيبات الاستكشافية في دار الخليفة خلال صيف سنة 1910 م. ثم اعقبه في السنة التالية الآثاري الالماني هرزفيلد-herzfeld على رأس بعثة علمية، فقام بتنقيبات واسعة استمرت حتى نشوب الحرب العالمية الاولى. و شملت هذه التنقيبات دار الخليفة و قصر بلكوارا و المسجد الجامع و تل العليق، مع نحو خمس عشرة دارا من دور السكن الخاصة، بالقرب من المدينة الحالية. و كانت الآثار التي عثرت عليها بعثة هرزفيلد خلال هذه التنقيبات قد وضعت في صناديق بقيت في سامراء خلال الحرب المذكورة، و لما ابتليت البلاد بالاحتلال الانكليزي نقلت تلك الصناديق الى انكلترا. و قد نشر قسم من النتائج العلمية التي حصلت من هذه التنقيبات، و لذلك فان النتائج التي توصل اليها هرزفيلد في هذا الحقل لم يعرف عنها الا الشي‏ء القليل‏ (124).

و اوفدت مديرية الآثار القديمة العامة منذ سنة 1936 م عدة بعثات آثارية لاجراء مزيد من الحفريات و التنقيب في اطلال سامراء. و كانت حصيلتها معلومات غزيرة عن معالم المدينة ايام كانت عاصمة مزدهرة. و قد نشرت في سنة 1940 نتائج التنقيبات التي قامت بها البعثات المذكورة في كتاب «حفريات سامراء 1936- 1939» بجزءين. يقع الجزء الأول في (50) صحيفة عدا الفهارس و الالواح المرفقة به، و يتناول وصفا دقيقا لما كشفت عنه التنقيبات التي اجرتها مديرية الآثار القديمة العامة في خلال مواسم السنوات المذكورة. و قد اوصلت هذه التنقيبات الى معرفة مخططات قصر كامل هو قصر الجص في الموقع المعروف باسم الحويصلات، و ثلاث دور

____________

(124) حفريات سامراء (1936- 1939) 1/ 4.

67

سكنية كاملة، و مخططات القسم الأكبر من غرف ثماني دور اخرى.

و يقع الجزء الثاني في (16) صحيفة عدا الفهرست و الالواح المرفقه به. و فيه بحث مفصل عن الآثار المنقولة التي عثر عليها في اثناء التنقيب في اطلال سامرا خلال المدة المشار اليها آنفا، و قد تضمن اوصافها و الوانها و مميزاتها الاخرى.

كما اصدرت المديرية المذكورة في سنة 1940 كتابا آخر بعنوان «سامراء» تضمن بحوثا عن مدينة سامرا الحالية، و عن اطلال المدينة القديمة، مع مجمل لتأريخها و خلاصة وافية عما توصل اليه الآثاريون عن اهم الآثار التي لا تزال بقاياها شاخصة حتى اليوم كالمسجد الجامع و الملوية و دار الخليفة و باب العامة و السراديب الملحقة بدار الخليفة، و ساحة اللعب و حلبة السباق و ساحة الفروسية و تل العليق، و جامع ابي دلف، و قصر بلكوارا، و القصر الهاروني، و قصر المعشوق، و قبة الصليبية، و سور القادسية، و الاصطبلات، و المقبرة القبتاريخية.

ان اطلال مدينة سامرا تتميز بميزة مهمة من الوجهة الآثارية.

لأنها رغم اتساعها الهائل، تعود الى عهد معين محدود لم يسبقه دور بناء اقدم منه، كما انه لم يتبعه دور بناء احدث منه. اذ ان جميع الاطلال الممتدة من النهر الرصاصي شمالا حتى صدر نهر القائم جنوبا، على طول لا يقل عن اربعة و ثلاثين كيلومترا، هي بقايا مدينة سامرا التي شيدت و اتسعت بسرعة خارقة، ثم هجرت بغتة فاندرست بسرعة هائلة ايضا، اذ لم تعش غير حقبة قصيرة تزيد قليلا عن نصف قرن، تعود الى دور محدد معين. و هو مما يندر مصادفته في تاريخ الآثريات.

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

الفصل الثاني منشآت المعتصم بالله في سامرا

سنستعرض فيما يلي اهم منشآت المعتصم باللّه في مدينة سامرا، مما لا يزال قسم من اطلالها ماثلا حتى اليوم، او ورد ذكر عنها في مصادر التراث العربي.

1- دار الخليفة (دار العامة):

كانت دار الخليفة اهم و افخم القصور التي بنيت حين تأسيس سامرا على عهد مؤسسها الخليفة المعتصم باللّه. و يمكن اعتبارها اول بناية انشئت فيها. و هي تقع على شارع السريجة او الشارع الأعظم. و دار الخليفة هي دار العامة التي يجلس فيها ايام الأثنين و الخميس. و قد بنيت في موضع الدير الذي ابتاعه المعتصم باللّه قبل شروعه في انشاء سامرا (1). و يبلغ طول واجهتها من جهة النهر (700) م، اما المسافة بين بابها و منتهى بناياتها الخلفية فلا تقل عن (800) م، و ذلك بصرف النظر عن الحديقة الفسيحة التي كانت تمتد امامها حتى شاطى‏ء النهر على طول (600) م. «و كانت دار الخلافة و ما يتصل بها كأنها لكبرها مدينة قائمة بذاتها» (2).

____________

(1) كتاب البلدان/ 255.

(2) الحضارة الاسلامية 2/ 176.

70

و قد لاحظ اطلال هذا القصر العظيم المهندس المعماري الفرنسي فيوله-Viollet في سنة 1909 م و رسم مخططا تقريبيا للمعالم التي رآها حينئذ. كما رسم صورة خيالية للقصر كما تصور حالته الأصلية، و على ضوء المخطط الذي رسمه له.

و مع ان الريازة التي تظهر على هذه الصورة تمعن في الخيال و لم تتقيد بالريازات المعروفة، فان الصورة تعطي فكرة لا بأس بها عن أقسام القصر المختلفة. و جاء العالم الآثاري الالماني هرزفيلد-Herzfeld بعد فيوله و اجرى تنقيبات و حفريات منتظمة في بعض اطلال القصر، كشف خلالها قسميه الوسطي و الجنوبي مع بعض الأقسام المتفرقة، و اظهر قاعة العرش و غرف التشريفات و الحمام و دور الحريم. كما عثر على آثار كثيرة و رسوم و زخارف بديعة و مواد خزفية ثمينة. الا ان استمرار الناس على اقتلاع الآجر من جدران القصر و اسسه لاستعمالها في بناياتهم لم يبق من الغرف و القاعات التي اكتشفها هرزفيلد شيئا غير الركام و الانقاض الكلسية. و لم يبق ما يستلفت الزائرين بين اطلال القصر المذكور سوى الأواوين القائمة في مدخل القصر المطل على السهل، و السردابين المحفوران في الجهتين الشرقية و الشمالية. اما بقية اقسام القصر فقد اصبحت آكاما لا تظهر اوضاعها العامة الأ من الصور الجوية (3).

الأواوين القائمة:

ان أواوين القصر التي تكوّن باب العامة من اهم المباني الشاخصة من بقايا القصر. و تتألف الجبهة من ثلاثة اواوين مدببة العقود، الايوان الوسطي كبير و مستطيل الشكل، طوله (5 ر 17) م‏

____________

(3) سامرا لمديرية الآثار القديمة العامة/ 50- 51.

71

و عرضه (8) م، و جداراه الجانبيان يحملان عقادة مدببة ترتفع ذروتها عن الارض (12) م. و واجهته الامامية مفتوحة بكاملها و مطلة على السهل، و ضلعه الخلفية مسدودة بجدار شاقولي ينفتح فيه باب كبير يبلغ عرضه (8 ر 3) م و ارتفاعه (7) م اما الايوانان الجانبيان فهما اقل عرضا و عمقا من الايوان الوسطي. فان عرض واجهة كل منهما (5 ر 4) م و لا يتجاوز عمقهما (4) م. و تكوّن العقادة التي تعلو الجدران الثلاثة نصف قبة. و يوجد في الجدار الخلفي باب مرتفع تعلوه نافذة، و هو يفضي الى قاعة خلفية كبيرة مدببة العقد، مثل عقد الايوان الوسطي. و في جانب الايوان الشمالي باب آخر يفضى الى غرفة مربعة متصلة بغرف اخرى ظهرت جدرانها الباقية عند رفع الانقاض في سنة 1937. كما يوجد بجانب الايوان الجنوبي سلسلة غرف ظهرت جدرانها كذلك عند رفع الانقاض في السنة المذكورة (4).

كان الباب الذي يقع خلف الايوان الوسطى يؤدي الى سلسلة قاعات كبيرة توصل الى غرف الخليفة و قاعة العرش. الا ان جدران هذه الغرف و القاعات و الممرات التي بينها قد اندرست تماما. و كان يوجد فوق هذه الاواوين طابق آخر لأن احد جدرانها كان قائما الى علو ستة امتار حتى عهد قريب. و يظهر هذا الجدار في الصور التي اخذت للاواوين قبل الحرب العالمية الاولى. و كانت الاواوين المذكورة مزدانة بزخارف جصية شاهد (فيوله) قسما منها في محلها. و عثر هرزفيلد على بعض منها بين الانقاض خلال تنقيباته. كما عثرت مديرية الآثار القديمة على قسم آخر عند ما رفعت الانقاض لتجميل منظر الاواوين و تقوية اسس الجدران.

و قد ظهرت على جدران الغرفة المتصلة بالغرفة المربعة التي اشير

____________

(4) نفس المصدر/ 53.

72

اليها آنفا، زخرفة جدارية بديعة نقلت الى دار الآثار العربية (5).

باب العامة:

ان الاواوين المبحوث عنها كانت بمثابة مدخل القصر، و كانت تسمى «باب العامة» و الساحة التي امام الأواوين تكون شرفة تطل على السهل. و تلاحظ هناك معالم الدرج العريض الذي يصل القصر بالسهل، و البركة الكبيرة التي كانت تبدأ من اسفل الدرج المذكور، و تتصل من منتصف ضلعها الغربية بساقية منتظمة تمتد على طول (400) م حتى تصل الى شاطى‏ء دجلة (6).

و كانت الساحة الواسعة الممتدة امام باب العامة قد اتخذت ميدانا عاما كما تدل الحوادث التي جرت فيها. فقد شهر بها ببابك الخرمي لما قبض عليه و جى‏ء به الى سامرا في اوائل سنة (223 ه) و اراد المعتصم باللّه ان يشهر به و يريه للناس، فأمر بحمله على فيل من المطيرة، حيث انزله القائد الأفشين في قصره، الى دار العامة «فاستشرفه الناس من المطيرة الى باب العامة فأدخل دار العامة الى امير المؤمنين» (7) فقتل صبرا. كما كان يصلب بها بعض المحكوم عليهم، فعند ما مات الأفشين في الحبس «اخرجوه فصلبوه على باب العامة ليراه الناس، ثم طرح بباب العامة مع خشبته» (8).

و كانت تنصب بها رؤوس بعض القتلى من الثوار و الخارجين على الدولة. فعند ما قتل يحيى بن عمر الطالبي الذي خرج في الكوفة في سنة (250 ه) «نصب رأسه بباب العامة بسامرا» (9) و لما قتل‏

____________

(5) نفس المصدر/ 54.

(6) سامرا لمديرية الآثار القديمة/ 55.

(7) الطبري 9/ 52- 53، و العيون و الحدائق/ 388.

(8) الطبري 9/ 114.

(9) الطبري 9/ 770.

73

القائد صالح بن وصيف في سنة (256 ه) «حمل رأسه على قناة و طيف به ... و نصب بباب العامة ساعة ثم نحى، و فعل به ذلك ثلاثة ايام تتابعا» (10).

كما كانت تضرب اعناق المجرمين، و يجلد بعض المغضوب عليهم بباب العامة. ففي سنة (258 ه) «ضرب عنق قاض لصاحب الزنج كان يقضي له بعبادان، و اعناق اربعة عشر رجلا من الزنج باب العامة بسامرا» (11). و عند ما أمر القائد صالح بن وصيف بضرب الكاتبين احمد بن اسرائيل و عيسى بن ابراهيم، في سنة (255 ه) «أخرج احمد بن اسرائيل و ابو نوح عيسى بن ابراهيم الى باب العامة، فقعد صالح بن وصيف في الدار و وكل بضربهما حماد بن محمد بن حماد بن دنقش» (12). و لما خالف القائد التركي كنجور في سنة (259 ه) و كان واليا على الكوفة و قتل، «الزم كاتب له نصراني مالا، ثم ضرب هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة الف سوط فمات» (13).

و كان الباب المذكور يتخذ احيانا للتظاهر ضد السلطة.

فعند ما ادعى احد المشعوذين انه ذو القرنين في سنة (235 ه) «خرج من اصحابه بباب العامة رجلان .. و زعما انه نبي» (14).

و لما بويع للمستعين باللّه في سنة (248 ه) تظاهر عدد من مؤيدي المعتز بن المتوكل على اللّه، و شهروا السلاح، تصدى لهم الاشروسنية من الجند، و نفر على باب العامة عدد من المبيضة و الشاكرية

____________

(10) نفس المصدر/ 454.

(11) الطبري 9/ 490، و المنتظم 5/ 8.

(12) الطبري 9/ 397.

(13) الطبري 9/ 502.

(14) الطبري/ 175، و الكامل 7/ 50.

74

و كثروا، فشد عليهم المغاربة و الاشروسنية فشتتوهم و هزموهم‏ (15).

قاعة العرش:

تتكون قاعة العرش من غرفة كبيرة وسطى مربعة الشكل محاطة بأربع قاعات على شكل الحرف‏T . و يرجح ان الغرفة الكبيرة كانت تعلوها قبة. و قد عثر في اطلال هذه القاعة على بقايا من اطار من رخام جميل و زخارف جصية. و كانت امثال هذه القاعات التي على شكل الحرف‏T توجد في البيوت كذلك كقاعات للاستقبال. و عثر في هذه القاعات على بقايا زخارف جصية جميلة في بواطن الاقواس، او مما كان يزين الجدران.

و كانت توجد بين اذرع التقاطع قاعات صغرى مزينة بافاريز من الواح و بلاطات رخامية. و هناك غرفة صغيرة مزينة جدرانها بزخارف جصية، و بها محراب، مما يدل على انها اتخذت مسجدا للخليفة (16).

جناح الحريم:

ان ما تم التنقيب عنه في القسم الخاص بالحريم من القصر اظهر انه كانت تمتد على جانبي الجناح الشرقي و الجناح الغربي من هذا القسم غرف عديدة متماثلة، اعيد بناؤها عدة مرات، معدة للسكنى. و كلها مجهزة بالمياه بمواسير كبيرة من الرصاص، تتصل بها انابيت بعضها من الزجاج الأزرق و بعضها من الفخار.

كما ان هناك حجرات للاستحمام و الغسيل و دورات للمياه. و في‏

____________

(15) الطبري 9/ 257، و الكامل 7/ 117- 118.

(16)Creswell ,E .M .A .P :362

75

القسم الجنوبي من هذا الجناح مقابل قاعة العرش غرفة مربعة لها اربعة ابواب واسعة، في وسطها حوض كبير محاط بممشى طول ضلعه (21) م، تحيط به اربعة اعمدة رخامية من كل جانب.

و هذا الحوض من الكرانيت المصري يعود الى عهد الفراعنة. و كانت جدران هذه الغرفة مزينة بصور الاشخاص‏ (17).

الساحة الكبرى:

و هناك قاعة كبيرة اخرى في القصر، مستطيلة يبلغ طولها حوالي (38) م و عرضها (5 ر 10) م، تقع امام القاعدة الشرقية من قاعات العرش، و تفتح بخمسة ابواب على ساحة واسعة مكشوفة، طولها (350) م و عرضها (180) م. و هي محاطة بجدران من الشمال و الجنوب، و يوجد على مسافة كل عشرين مترا تقريبا برج نصف دائري شيد لاسناد هذه الجدران. و هناك عدة ابواب في كل من هذين الجدارين تؤدي الى الابنية المجاورة التي كانت تستخدم كثكنات للجند من حرس القصر، او مخازن للاسلحة و غيرها. و قد زينت بعض اقسام هذه الساحة بحدائق من الازهار، و برك و فوارات مصنوعة من الرخام. (18)

و كانت هذه الساحة الواسعة مقسمة بقناة الى قسمين: القسم الغربي و هو مبلط و تزينه نافورتان، و القسم الشرقي و هو غير مبلط و به عدد من القنوات الصغيرة، يمكن ان يستدل منها على ان هذا الجزء من الساحة كان حديقة واسعة.

و يرى هرزفيلد انه كان في الساحة الكبرى هذه ثلاثة مساجد لم تكن محاريبها على سمت القبلة تماما (19).

____________

(17) نفس المصدر.

(18) نفس المصدر.

(19) ري سامراء 1/ 71.

76

السردابان:

و من مشتملات قصر الخليفة سردابان احدهما صغير و الآخر كبير. و يقع السرداب الصغير في الجهة الشرقية للساحة الكبرى باتجاه محور الايوان الكبير و على بعد (600) م منه. و يسميه الناس الزندان و الهبيّة- اي الهاوية- و هاوية السباع. و يتكون هذا السرداب من حفرة مربعة الشكل نقرت في الصخر، يبلغ عمقها نحو (10) امتار و طول ضلعها نحو (21) م. و قد فتح على جدار من جدرانها الاربعة ثلاثة اواوين او كهوف نقشت على جدرانها زخارف جصية. و تتوسط الحفرة بركة كبيرة مستديرة. و ينزل الى السرداب و يصعد منه بسلمين متصلين بدهليز منتظم. و كان مدخل هذا السلم يقع في غرفة جميلة زينت جدرانها برسوم قافلة من الجمال حفرت على الجبس. و هذه الغرفة جزء من المباني التي تحيط بفتحة السرداب من جهاته الاربع. و السرداب محاط بصفوف متوازية من الغرف العديدة التي يرجح انها كانت اصطبلات لدواب القصر (20).

و يمكن القول ان تسمية هذا السرداب بهاوية السباع انه كان هناك عدد من السباع بالقرب منه، و ربما انها كانت تأوي اليه، و قد ورد في الأخبار ما يؤيد ذلك. فان الخليفة المهتدى باللّه امر بقتل السباع التي كانت في دار السلطان و طرد الكلاب‏ (21).

اما السرداب الكبير فانه يقع في الجهة الشمالية الغربية للسرداب الصغير، شمالي شرقي الاواوين. و هو حفرة اكبر و اعمق من الحفرة السابقة، تحيط بها بناية مربعة الشكل كثيرة التقسيمات، يبلغ طول ضلعها (180) م. و في وسط ارضية هذا

____________

(20) سامراء لمديرية الاثار العامة/ 57- 58.

(21) الطبري 9/ 406، و الكامل 7/ 203.

77

السرداب بركة مستديرة واسعة يبلغ قطرها نحو (80) م تتصل بكهريز تحت الارض. و في القسم الاعلى من السرداب عدد من الغرف الصغيرة يحيط بالجهة الداخلية من جدران البناية، و بعضها مسقف بعقود متقاطعة. و في الزاوية الشمالية الشرقية للسرداب آثار بناية اخرى كثيرة التقسيمات و يعتقد انها كانت الخزانة العامة (22). و قد اشار اليعقوبي الى ان الخزائن الخاصة و خزائن العامة كانت في شارع السريجة ممايلي الدار العامة (23). التي بنيت على ارض الدير التي اشتراها المعتصم باللّه قبل بناء سامرا، و صار الدير بيت المال‏ (24). كما ذكر الطبري و ابن الأثير في حوادث سنة (231 ه) ان قوما من اللصوص نقبوا بيت المال في دار العامة في جوف القصر و اخذوا اثنين و اربعين الفا من الدراهم و شيئا يسيرا من الدنانير (25).

و يرى هيرزفيلد ان الابنية التي كانت في الركن الشمالي الغربي للسرداب الكبير تؤلف ثكنات الجيش و يرجح انها ثكنات للخيالة، اما ثكنات الجند المشاة فتفصلها عنها قطعة من الارض خالية من البناء. و كانت هذه الثكنات تقع الى جانب الشارع الأعظم الذي يوصلها بالقصر، و هي تشرف على الحديقة و شاطى‏ء دجلة. و كانت هذه الثكنات تتألف من (600) قاعة ينزلها نحو (3000) من الجنود (26).

و يقول الدكتور سوسة ان البركتين المذكورتين في السردابين قد انشئتا على عهد المتوكل على اللّه، و دليله على ذلك ان القناة التي‏

____________

(22) سامراء لمديرية الآثار العامة/ 58.

(23) كتاب البلدان/ 261.

(24) تاريخ اليعقوبي 2/ 255.

(25) الطبري 9/ 140، و الكامل 7/ 23.

(26) ري سامراء 1/ 71.

78

تمونهما بالمياه انشئت في عهد الخليفة المذكور، و هي تبدأ من نهر دجلة من فوق الدور، و تنتهي بسامرا (27).

ساحة اللعب و حلبة السباق:

توجد في منتهى قصر الخليفة من جهته الشرقية و خلف السرداب الصغير او هاوية السباع، ساحة مسورة مستطيلة الشكل يبلغ طولها (530) م و عرضها (65) م. و هذه الساحة المسورة لا تقطع محور القصر بصورة عمودية، بل تنحرف قليلا. و يغلب على الظن انها كانت معدة للألعاب و لا سيما للعب كرة الصولجان التي كان يمارسها آنذاك الخلفاء و الوزراء و قواد الجيش. و يلاحظ في منتصف القسم الخلفي من سور هذه الساحة آثار بناية مرتفعة بعض الارتفاع، يظهر انها كانت معدة للتفرج منها على الالعاب و المسابقات، لأنها كانت مطلة على الساحة المذكورة من جهة، و على حلبة السباق التي تمتد خلف القصر من جهة أخرى‏ (28).

اما حلبة السباق فكانت تبدأ من امام هذه البناية و تمتد الى مسافة خمسة كيلومترات و نصف الكيلومتر، و تكون منحنيا منتظما مسدودا، يبلغ طول محيطه (5 ر 11) كيلومتر. و تشاهد معالم هذه الحلبة الطويلة بوضوح عند تتبع الآكام الصغيرة الممتدة خلف قصر الخليفة (29).

و كانت حلبة السباق مستطيلة تمتد طولا نحو جهة الشرق، و تبدأ في اولها عند القصر ضيقة ثم تتسع تدريجيا حتى تبلغ اقصى سعتها في نهايتها (30).

____________

(27) نفس المصدر/ 70.

(28) سامرا- الآثار القديمة العامة/ 59.

(29) نفس المصدر.

(30) ري سامراء 1/ 71.

79

زخارف دار العامة:

ان فخامة الزخارف التي وجدت في غرف القصر و قاعاته قلما يوجد مثلها. فقد زينت معظم جدران القاعات و الغرف بزخارف جصية، اما جدران غرفة العرش فقد كانت زخارفها من الرخام المنحوت. و لوحظ ان جدران بعض الغرف مكسوة بالبلاط الرخامي. و كانت الاجزاء العليا من جدران غرف الحريم تغطيها لوحات جدارية لصور الأشخاص و الحيوانات، و قد عثر على اجزاء من تلك اللوحات.

و كانت جميع الأجزاء الخشبية كالابواب و الدعامات و السقوف من خشب الصاج المنحوت و المدهون، و بعضه مذهب، و قد عثر على كسر صغيرة من البرنز المذهب. كما وجدت كتابات محفورة على الخشب، و على قسم منها اسماء صانعيها من الحرفيين بعضها بالعربية و بعضها بالسريانية او اليونانية (31).

2- الجوسق الخاقاني:

عند ما ارتحل المعتصم باللّه من القاطول الى سر من رأى وقف في الموضع الذي فيه دار العامة و كان فيه دير للنصارى فاشترى الأرض من أهل الدير و اختط فيها، ثم صار الى موضع قصر الجوسق على دجلة و بنى هناك عدة قصور (32). و يستدل من هذا ان دار العامة بنيت على ارض الدير، ثم بني قصر الجوسق في موضع آخر على شاطى‏ء دجلة. اي ان دار العامة و الجوسق الخاقاني قصران مختلفان. الا ان الآثاري كريزويل استاذ العمارة الاسلامية في‏

____________

(31)Creswell ,Ibid ,P :562 -662 .

(32) تاريخ اليعقوبي 2/ 473.

80

جامعة فؤاد الأول بالقاهرة اعتبر قصر العامة اسما آخر للقصر الخاقاني، لأن ما ذكره في كتابه‏

Ashort Account of Early Muslim Architecture

تحت عنوان: الجوسق الخاقاني (او قصر المعتصم) انما يتعلق بدار العامة و لا صلة له بقصر الجوسق.

لقد كان قصر الجوسق من اهم القصور التي شيدها المعتصم باللّه في سامرا. و قد اختار له موضعا يقع على ضفة دجلة الشرقية جنوبي دار العامة مطلا على الحير، و يشغل المساحة التي بين شاطي‏ء دجلة و الحير و هي مساحة واسعة جدا (33). و قد اتخذه المعتصم باللّه مقرا له فسكن فيه طيلة خلافته، و لما توفى دفن فيه‏ (34). و قد وصف الجوسق‏ (39). كما سكنه المعتز باللّه من بعده‏ (40)، و سكنه كذلك عرطوج ابي الفتح بن خاقان، امور بنائه و الاشراف عليه. و كان قد اقطعه و اصحابه الاراضي التي تلي الجوسق‏ (35). فبنوا فيها قصورهم و مساكنهم.

و قد اتخذ اغلب خلفاء سامرا بعد المعتصم باللّه هذا القصر سكنا لهم. فقد سكنه الواثق باللّه في اول خلافته ثم انتقل الى قصره الهاروني الذي شيده، و فيه دفن عند وفاته‏ (36). و عند ما كان المنتصر اميرا سكن في قصر الجوسق‏ (37)، و لما بويع بالخلافة سكن في القصر المحدث و فيه كانت وفاته‏ (38). و يظهر من الأحداث المهمة التي وقعت في ايام المستعين بالله انه كان يسكن في قصر

____________

(33) ري سامراء 1/ 74.

(34) تاريخ اليعقوبي 2/ 478، و مروج الذهب 4/ 46 و 63.

(35) كتاب البلدان/ 258.

(36) الطبري 9/ 151، و الكامل 7/ 30.

(37) الطبري 9/ 217.

(38) الطبري 9/ 254.

(39) الطبرى 9/ 258 و 259 و 280 و 284 و الكامل 7/ 119 و 123 و 139 و 142.

(40) الطبرى 9/ 38 و الكامل 7/ 199.

81

الجوسق‏ (39). كما سكنه المعتز باللّه من بعده‏ (40) و سكنه كذلك المهتدي باللّه، و قد تكرر ذكر الجوسق كثيرا في حوادث الخلاف الذي نشب بين الخليفة و القواد الأتراك‏ (41). كما سكن فيه المعتمد على اللّه اغلب ايام خلافته، قبل ان يبني قصر المعشوق‏ (42).

و كان المعتصم باللّه قد بنى في الجوسق سجنا لحبس قائده الأفشين الذي اتهم بالتآمر و الخروج على الاسلام و سماه (سجن لؤلؤة) ثم عرف بعد ذلك بالأفشين. (43). و يظهر ان هذا السجن خصص لسجن الامراء و القواد و السياسيين المغضوب عليهم. فقد حبس المستعين باللّه المعتز و اخاه المؤيد في حجرة الجوسق. و وكل بهما (44). و حبس المعتز باللّه اخويه المؤيد و الموفق في الحبس المذكور (45). و لما خرج القائد التركي كنجور و قبض عليه امر المعتز باللّه بحبسه في الجوسق‏ (46).

و لا شك في ان اطلال الجوسق و بقاياه كانت من ابرز و أوسع المواقع الأثرية في سامرا. الا ان قرب تلك الأطلال من مدينة سامراء الحالية كان اهم اسباب ازالة معالم تلك الأطلال. اذ استخرج الناس كل ما فيها من آجر و مرمر و ما يصلح للبناء و نقلوه الى المدينة الجديدة التي شيدت فوق اطلال قسم من سامرا القديمة، و استعملوه في بناء بيوتها، و في انشاء السور الضخم حولها.

و يرجح ان جزءا من مدينة سامراء الحالية قد بني على طرف من‏

____________

(39) الطبري 9/ 258 و 259 و 280 و 284، و الكامل 7/ 119 و 123 و 139 و 142.

(40) الطبري 9/ 38،، و الكامل 7/ 199.

(41) الطبري 9/ 452 و 455 و 457 و 459 و 461 و 467 و 469.

(42) الطبري 9/ 507 و 541 و 622.

(43) الطبري 9/ 106.

(44) الطبري 9/ 259 و 284، و الكامل 7/ 119 و 142.

(45) الطبري 9/ 361.

(46) نفس المصدر/ 372.

82

ارض قصر الجوسق، مما ادى الى محو معالم القصر محوا يكاد يكون كاملا (47).

و من الادلة على اهمية قصر الجوسق من حيث موقعه و مساحته بالنسبة لقصور سامرا الاخرى، ان المكتفي باللّه لما اتجهت نيته الى الانتقال الى سامرا و اعادة بنائها، و خرج اليها في سنة (290 ه) و معه الصناع يريد البناء بها، ضربت له المضارب في الجوسق، و ابدى الرغبة في البناء فيه الا ان وزيره ثناه عن عزمه‏ (48).

و مما يجدر ذكره ان ياقوت الحموي يذكر بين القصور التي بناها المتوكل على اللّه في سامرا قصرا باسم الجوسق، و يقول ان المتوكل على اللّه انفق عليه خمسمائة الف درهم‏ (49). و يظهر من ذلك ان هناك قصرين باسم الجوسق، احدهما من ابنية المعتصم باللّه و هو الجوسق الخاقاني، و الآخر من ابنية المتوكل على اللّه انشأه بالقرب من الجوسق الكبير، في احدى ساحاته‏ (50).

3- قصر الجص:

كان الموقع المعروف باسم الحويصلات الواقع في الجهة الغربية من نهر دجلة على بعد سبعة عشر كيلومترا شمالي محطة قطار سامراء الحالية، يلفت النظر باطلاله العالية و ما يشغله من مساحة واسعة مما يوحي بانه بقايا احد قصور خلفاء سامرا ايام كانت عاصمة الدولة العربية. و قد لوحظ ان موقعه ينطبق على موقع «قصر الجص» الذي ذكره ياقوت الحموي بانه «قصر عظيم قرب سامرا فوق الهاروني بناه المعتصم للنزهة» (51). و قال عنه سهراب‏

____________

(47) ري سامراء 1/ 78.

(48) الطبري 10/ 98، و الكامل 7/ 529، و المنتظم 6/ 38.

(49) معجم البلدان 3/ 175.

(50) ري سامراء 1/ 78.

(51) معجم البلدان 4/ 356.

83

في معرض كلامه عن نهر الاسحاقي «ثم يمر في غربي دجلة عليه ضياع و عمارات، و يمر بطيرهان، و يجى‏ء الى قصر المعتصم باللّه المعروف بقصر الجص، و يسقي الضياع التي هناك في غربي سر من رأى» (52).

لقد استرعى الموقع المذكور اهتمام دائرة الآثار القديمة فأوفدت بعثة للتنقيب فيه في اوائل نيسان سنة 1936. فكشفت البعثة بما قامت به من الحفريات و التحريات عن بقايا قصر عظيم.

و استطاعت ان ترسم له مخططا يوضح اقسامه و محتوياته مع ابعادها، على ضوء ما عثرت عليه من اسس الجدران و بقايا زواياها، و تعرفت على المواد المستخدمة في بنائه. و قد تأكد لدى الدائرة المذكورة ان هذا القصر هو قصر الجص الذي ذكره سهراب و ياقوت الحموي‏ (53).

يتكون القصر من بناية مربعة الشكل تتوسط ساحة مسورة، و يبلغ طول ضلع البناية (140) م. اما طول السور الخارجي فيقدر بنحو (370) م. و يظهر من ذلك ان مساحة القصر لا تقل عن (19000) متر مربع. اما مساحته مع حدائقه و ساحاته و سوره الخارجي فتربو على ثلاثين و مائة الف متر مربع. و قد جرفت مياه نهر دجلة الزاوية الشمالية الشرقية من القصر و ازالت معالم السور الخارجي من الجهتين الشمالية و الشرقية كما ازالت الضلع الشمالية من السور الداخلي و معظم الضلع الشرقية منه ايضا (54).

و يظهر من التخطيط الذي وضعته دائرة الآثار القديمة لما كشفته الحفريات عن بقايا هذا القصر، انه كانت في مركز بناية

____________

(52) عجائب الاقاليم السبعة/ 127.

(53) حفريات سامراء 1/ 11.

(54) نفس المصدر.

84

القصر قاعة مربعة كبيرة طول كل ضلع من اضلاعها (40 ر 15) م، و جدرانها سميكة جدا يبلغ سمكها (20 ر 2) م، و يظهر انها كانت تحمل قبة مرتفعة، و يرجح ان قاعدة القبة كانت تحتوي على عدد من النوافذ لانارة القاعة. و تتصل هذه القاعة المركزية من اواسط اضلاعها الأربع باربع قاعات مستطيلة، بواسطة اربعة مداخل كبيرة عرض كل مدخل منها (60 ر 3 م). علما ان طول القاعات المستطيلة (60 ر 16) م و عرضها (60 ر 6) م. و كل واحدة من هذه القاعات المستطيلة تتصل بدورها من وسط ضلعها الطويل بايوان مستطيل مكشوف طوله (80 ر 7) م و عرضه (20 ر 6) م. و كل ايوان يفتح على صحن واسع مستطيل الشكل مكشوف طوله (80 ر 22) م و عرضه (80 ر 18) م. و ينتهي كل صحن منها بثلاث غرف مستطيلة تفضي الوسطية منها الى دهليز ينتهي الى الخارج ببابين متناظرين يكونان مدخل القصر في كل جهة من جهاته الأربع. و تمتد امام البابين دكة عريضة تشرف على الساحات الممتدة بين القصر و السور الخارجي. و توجد في طرفي كل ايوان غرفتان تفضيان الى الصحن. كما يوجد في منتهى كل قاعة من القاعات المستطيلة التي تحيط بالقاعة المركزية قاعة مربعة الشكل توصل بين القاعات المذكورة بعضها ببعض. و تؤلف هذه الاقسام حول القاعة المركزية شكلا مصلبا تام التناظر. اما المساحة الباقية بين اضلاع المصلب فينقسم كل منها الى عدة بيوت مرتبة كالآتي:

1- القسم المحصور بين الصحن الشرقي و الصحن الجنوبي، اي في الجهة الجنوبية الشرقية من القصر، فيه عشرة بيوت يتراوح عدد غرفها بين الست و الثماني غرف. و يستقل كل بيت منها بمدخل خاص و حمام و دورة مياه. و تفتح مداخل بعض هذه البيوت على الممر الممتد على طول السور الداخلي للقصر، بينما تفتح مداخل البعض الآخر على ممر خاص عمودي على السور المذكور، و تنفذ الى القصر.

85

2- القسم المحصور بين الصحن الغربي و الصحن الجنوبي، اي في الجهة الجنوبية الغربية فانها تختلف عن ذلك، لأنها تتكون من قاعات و حمامات كبيرة عوضا عن بيوت صغيرة.

3- القسم المحصور بين الصحن الغربي و الصحن الشمالي و هو يشبه تقسيمات الزاوية الجنوبية الشرقية و البيوت فيه متناظرة مع بيوت ذلك القسم.

4- القسم المحصور بين الصحن الشرقي و الصحن الشمالي، اي في الجهة الشمالية الشرقية من القصر، فقد اندرس، و يغلب على الظن ان تقسيماته شبيهة بالزاوية الجنوبية الغربية. بالنظر للتناظر المشاهد في الأقسام المعلومة من مخطط القصر (55).

السور:

كان السور الذي يحيط بالقصر مدعما بمائة برج، اربعة منها كبيرة و مستديرة، قطر كل منها ثلاثة امتار، و البقية صغيرة مستطيلة. و الابراج الصغيرة موزعة على اساس (24) برجا لكل ضلع من اضلاع السور الاربع. و هي منشورية الشكل طولها متران و عرضها (40 ر 1) م. و مما يلفت النظر انها منفصلة عن جدار السور بمقدار 80 سم، مما يحمل على الاعتقاد بانها كانت تتصل بالجدار بواسطة عقود خاصة. اما السور الخارجي فلم يكشف منه سوى برجين أثنين فقط، قطر كل منهما ثمانية امتار، و المسافة بينهما (25) مترا (56).

مواد الأبنية:

ان الابنية الرئيسة للقصر كالبهو و القاعات و الدواوين مبنية بالآجر و الجص. و ابعاد الآجر المستعمل هي (25* 25* 7) سم،

____________

(55) حفريات سامراء 1/ 12- 13.

(56) حفريات سامراء 1/ 14.

86

و اما سائر جدران القصر فهي مبنية بالحصى الممزوج بالجص بشكل يشبه الخرسانة. و قد استعمل في بناء الأسس النورة و الرماد عوضا عن الجص. اما السور الخارجي فكان مبنيا باللبن‏ (57).

تبليط الأرض:

بلطت ارض البهو و القاعات و الأواوين بالآجر المربع الشكل، و طول ضلع الأجرة (36) سم. و حالة الآجر المستعمل تدل على اتقان كبير في صناعته، كما ان عملية التبليط كانت قد تمت بصورة متقنة جدا. و قد بلطت سائر اقسام القصر بطبقة من الجص المخلوط بالرمل، و يلاحظ ان هذه الطبقة الجصية قد كسيت بطبقة من القار في الحمامات و دورات المياه‏ (58).

طلاء الجدران:

لقد ظهر للمنقبين ان الجدران كانت مطلية بطبقة من الجبس بصورة عامة. و ان جدران القاعات منقوشة بزخارف محفورة في طبقة الجبس. اما جدران الغرف الصغيرة فعارية عن الزخارف، الا انه يلاحظ ان ابوابها كانت محاطة باطارات جبسية بارزة ذات اشكال متنوعة. و قد لوحظ ان اقسام الجدران الواقعة خلف الزخارف الجبسية قد طليت بالقار، لمنع تأثير الرطوبة عليها، كما لوحظ ان خلف الزخارف سلسلة من المسامير مغروزة في الجدار. و لا شك في ان القصد منها ضمان ثبات التصاق الزخارف بالجدران لمنع انفصالها و سقوطها. و يمكن ان يستنتج من ذلك ان بعض تلك الزخارف كانت تعمل على قوالب خاصة اولا، ثم تثبت‏

____________

(57) نفس المصدر.

(58) نفس المصدر.

87

حسب الحاجة على الجدران. و مما هو جدير بالملاحظة ان استعمال هذه المسامير و القار لم يظهر خلف الزخارف التي اكتشفت في اطلال سامرا في جانبها الشرقي. و سبب ذلك ان انخاض مستوى الأرض في الجانب الغربي من دجلة بالنسبة للضفة الشرقية، ساعد على تكوين الحدائق و البساتين، غير انه جعل البنايات معرضة لتأثير الرطوبة بطبيعة الحال. و يظهر ان الرغبة في التوقي من تأثير الرطوبة على الزخارف الجصية هي التي حملت البنائين على اتخاذ مثل هذه التدابير (59).

الزخارف الجدارية:

تتكون عناصر الزخارف المستعملة في تزيين جدران القصر من اوراق العنب و عناقيده بوجه عام. غير ان كيفية توزع و تعاقب هذه الاوراق و العناقيد تأخذ اشكالا متنوعة جدا. كما ان تنظيمها الهندسي يضفي عليها جمالا أخاذا. و تحاط المنطقة المزخرفة دوما باطار جبسي يتألف من سلسلة حلقات او ضفائر مختلفة الأشكال.

و مما يجدر ذكره ان الزخارف الجبسية التي ظهرت بين انقاض القصر الفوقاني مكونة من اوراق و عناقيد مثل زخارف القصر التحتاني الا انها اكثر دقة و تعقيدا. فان بعض الاوراق في هذه الزخارف تأخذ اشكالا تزيينية جميلة جدا، حيث تكون وردات مجتمعة حول مركز واحد. كما ان العناقيد تقع في وسط الوردات و فوق الأوراق. و يستدل من تعقد الزخرفة و اتقانها ان هذه البناية احدث عهدا من القصر التحتاني‏ (60). و ربما كان هذا القسم العلوي بمثابة قصر للنزهة و التفرج، يصعد اليه الخليفة بين حين‏

____________

(59) نفس المصدر/ 15.

(60) نفس المصدر/ 17.

88

و آخر ليشرف على ساحات القصر و حدائقه، و على نهر دجلة و مدينة سر من رأى‏ (61).

4- قصور المعتصم باللّه الاخرى:

كان المعتصم باللّه عند ما شرع ببناء مدينة سامرا طلب الى المهندسين ان يختاروا من الاراضي اصلحها و أنسبها لأنشاء عدد من القصور عليها. فاختاروا عدة مواضع، و صير الى عدد من كبار اصحابه بناء قصر، فصير الى خاقان عرطوج بناء الجوسق الخاقاني، و الى عمر بن فرج بناء القصر الذي سمي بالعمري، و الى ابي الوزير احمد بن خالد بناء القصر الوزيري‏ (62). و قد ذكرنا ما توفر لدينا من المعلومات عن الجوسق الخاقاني، الا ان بقية القصور المشار اليها لم يعثر على شي‏ء من اطلالها، و لم يكن لها نصيب من اعمال الحفريات و التنقيب. كما اننا لا نجد عنها في مصادرنا الأولية شيئا يتعلق ببنائها او محتوياتها و اوصافها سوى ذكرها عند الكلام عن بعض الاحداث التي وقعت في سامرا. فقد ورد ذكر القصر العمري في حوادث سنة (224 ه) عند ما تزوج الحسن بن الأفشين من اترنجة بنت اشناس، اذ يقول الطبري «و دخل بها في العمري قصر المعتصم» (63). و في حوادث سنة (248 ه) لما بويع للمستعين باللّه و ثار في دار العامة جمع من فرسان الشاكرية و الطبرية و معهم عدد جم من الغوغاء و السوقة داعين للمعتز بن المتوكل على اللّه، فشد عليهم المغاربة و الاشروسنية، و انصرف الأتراك ممن بايعوا المستعين باللّه مما يلي العمري و البساتين‏ (64). و يفهم من هذه‏

____________

(61) نفس المصدر/ 20.

(62) كتاب البلدان/ 258.

(63) الطبري 9/ 101.

(64) نفس المصدر/ 256- 257.

89

الاشارة ان القصر العمري كان في احد البساتين القريبة من دار العامة. اما عن القصر الوزيري فقد وردت في الطبري اشارتان الى «الوزيرية» و لا ندري هل لهذا الموضع علاقة بالقصر المذكور.

و قد ذكر المسعودي ان المعتصم باللّه «لما استطاب الموضع دعا بأهل الدير فأشترى منهم ارضهم باربعة الاف دينار، و ارتاد لبناء قصره موضعا فيها فأسس بنيانه و هو الموضع المعروف بالوزيرية» (65).

و اولى الاشارتين في الطبري كانت عند ما احصي ما في دار الأفشين بعد ادانته و كان له بعض المتاع في الوزيرية (66). و كانت الاشارة الاخرى عند ما وافى القائد موسى بن بغا في رجاله للوثوب بالمهتدي باللّه، فصار الى قنطرة في ناحية الوزيرية (67).

5- معسكر الاصطبلات و نهر الاسحاقي:

ان بقايا الاصطبلات و اطلالها الممتدة على الجانب الغربي من نهر دجلة، على بعد (15) كيلومترا جنوبي مدينة سامراء الحالية، هي بقايا معسكر الجيش الذي بناه المعتصم باللّه في أثناء اقامته في القاطول قبل ان يؤسس مدينة سامرا، ثم اكمله فيما بعد. و مما يدل على اقامته هذا المعسكر في تلك المدة وجود كهاريز للماء وسط مباني الثكنات تستمد مياهها من الينابيع الموجودة في منطقة الجزيرة غربي المعسكر و توصلها الى داخله، و ذلك قبل احياء نهر الاسحاقي‏ (68). و عند ما قرر المعتصم بالله ان يترك منطقة القاطول و يتجه الى سامرا اكمل ابنية المعسكر و اصطبلاته، و بنى له سورا خارجيا متينا و احاطه بخندق من المياه.

____________

(65) مروج الذهب 4/ 54.

(66) الطبري 9/ 114.

(67) نفس المصدر/ 459.

(68) ري سامراء 1/ 101.

90

و يمكن القول ان سبب انشاء ثكنات الجيش و اصطبلاته في الجانب الآخر من دجلة هو نفس السبب الذي حمل المعتصم باللّه على الانتقال من مدينة بغداد و العمل على تأسيس مدينة جديدة تتسع لفصل مساكن الجند و ثكناتهم عن غيرهم من الناس، و عزل أقسام الجيش بحسب عناصرهم و اسكانهم متباعدين عن بعضهم، لكي يتلافى قيام المشاكل التي حدثت فى مدينة السلام.

و يظهر ان الاغراض التي توخاها المعتصم باللّه من احياء نهر الاسحاقي كانت توفير المياه للمعسكر الواسع، و ان يقيم من مجراه خندقا على محاذاة سوره الخارجي زيادة في تحصينه بهذا الحاجز المائي الذي يحول دون الوصول اليه، و ذلك بحسب القواعد العسكرية التي كانت متبعة آنذاك.

لقد دلت التنقيبات التي اجريت في اطلال معسكر الاصطبلات على انه كان يتألف من مستطيل صغير طوله (500) م و عرضه (215) م يتصل بمستطيل كبير طوله (1700) م و عرضه 550 م.

و ان المستطيل الصغير كان مقسما الى سلسلة من الأحواش. اما المستطيل الكبير فكان مقسما الى ثلاثة اقسام متساوية تفصل بينها أسوار شبيهة بالاسوار الخارجية للمعسكر. و ان المربع الشرقي من هذه الاقسام كامل البناء، اذ يشاهد فيه شارعان رئيسان يتقاطعان عند منتصفيهما باتجاه عمودي على جدران السور و على الشوارع الاربعة التي تمتد على طول الاسوار. و تنقسم المربعات الاربعة المتكونة على اضلاع هذين الشارعين المتعامدين الى اقسام عديدة بشوارع طولية و عرضية كلها متعامدة او متوازية. اما المربعان الآخران فأن الأوسط منهما قليل البناء، و الغربي خال من البناء لا يرى فيه سوى خطوط الشوارع‏ (69).

____________

(69) سامراء لمديرية الآثار العامة/ 73- 74.

91

و من الواضح ان (الاصطبلات) كان معسكرا كبيرا يحتوي على ثكنات الجنود و دور الضباط و ساحات للخيم. كما كان يضم و لا شك اصطبلات واسعة لدواب الجند، مع ساحات للتدريب، و مخازن للاسلحة و المؤن، و مرافق اخرى مما تحتاجه المعسكرات عادة. فقد بنيت فيه من الثكنات ما يكفي لسكن (250) الف جندي، و من الاصطبلات ما يكفي لايواء (160) الف حصان‏ (70).

و كان يحيط بالمعسكر سور خارجي يبدأ من الشمال من حافة نهر دجلة الغربية في المكان المعروف باسم «تل بندري» و يمتد على مسافة (26) كيلومترا غربي المعسكر، ثم ينتهي جنوبا عند حافة دجلة الغربية عند التل المسمى «تل مسعود» الواقع على بعد (13) كيلومترا جنوبي تل بندري. و كان هذا السور محصنا بابراج عديدة في المداخل الرئيسة للمعسكر و في المنعطفات. و من جملة هذه الابراج البرجان الواقعان في اول السور عند تل بندري و في منتهاه عند تل مسعود، و كانت المياه تحيط بالمعسكر الذي تبلغ مساحته (58) كيلومترا مربعا من جميع جوانه. فنهرا دجلة و دجيل يحدانه من الشمال و الشرق، و نهر الاسحاقي يحده من الغرب و الجنوب. و كان الاسحاقي اضافة الى احاطته سور المعسكر بحاجز مائي كخندق امامه، يمون المعسكر بحاجاته من المياه.

و لتحقيق هذا الغرض كانت هناك ثلاثة فروع رئيسة له، تتفرع من ضفته اليسرى فتخترق المعسكر، ثم يصب بعضها في نهر دجلة و بعضها في نهر دجيل. و يتفرع الأول و هو الشمالي من نقطة تقع على بعد كيلومترين تقريبا جنوبي شرقي المدخل الرئيس للمعسكر في القسم الشمالي من السور، ثم يصب في دجلة. و يتفرع الاوسط من موضع يبعد حوالي كيلومترين جنوبي شرقي صدر الفرع‏

____________

(70) مختصر تاريخ العرب/ 248.

92

الشمالي و يخترق السور من تحته و يتجه الى الثكنات، و بعد ان يخترقها يصب في دجلة ايضا. و كان هناك ناظم خاص انشي‏ء على نهر الاسحاقي جنوبي صدر هذا النهر مباشرة لحجز المياه امام الناظم و تحويلها اليه بمنسوب عال. و يشتمل هذا الناظم على ثلاث فتحات لا تزال آثارها ظاهرة. اما الفرع الثالث و هو الجنوبي فانه يتفرع جنوبي الناظم المذكور بكيلومتر و نصف تقريبا، و يسير بين الاسحاقي و سور المعسكر، ثم يدخل المعسكر من تحت السور و يخترق قسمه الجنوبي الشرقي ليخرج من تحته ايضا الى خارج المعسكر. و بعد ان يخترق جدار المطبك و خندقه، و هو جدار قديم ضخم مدعم بابراج، يتجه نحو نهر دجيل فيصب فيه على مسافة اربعة كيلومترات من مقدم مصب نهر الاسحاقي في نهر دجيل. و كما انشى‏ء ناظم على الاسحاقي لحجز المياه امامه و تحويلها الى هذا الفرع، فقد انشي‏ء ناظم خاص في فوهة هذا الفرع لتنظيم المياه التي تدخل فيه. و يستدل من آثار الناظمين المذكورين ان ناظم الاسحاقي يتألف من فتحتين، و ناظم صدر الفرع يتألف من فتحة واحدة. و نظرا لسعة مساحة المعسكر و وفرة المياه فقد استعملت مساحة كبيرة منه لاحداث مراع اصطناعية لجياد الجيش، فكانت الاراضي المخصصة للمرعى تغمر بمياه فروع الاسحاقي‏ (71).

و الاسحاقي نهر قديم يعود الى عصور سحيقة، كان في اوله يتفرع من الضفة اليمنى لنهر دجلة عند تكريت و يسير جنوبا حتى ينتهي عند منخفض عقرقوف، بعد ان يروي القسم الأعظم من اراضي الجزيرة الممتدة بين دجلة و الفرات شمالي سامرا. و قد اتت عليه عاديات الزمن فاهمل و اندثر، الا ان آثار مجراه كانت واضحة. و عند ما شعر المعتصم باللّه بحاجة الجانب الغربي من‏

____________

(71) ري سامراء 1/ 94- 99.

93

سامراء الى مزيد من المياه لري المزارع و البساتين الواسعة، اشير عليه باحياء النهر المندرس المذكور، فكلف رئيس شرطته اسحاق بن ابراهيم الخزاعي بان يتولى الاشراف على المشروع، فانفق عليه كثيرا من المال حتى عادت اليه الحياة، و عادت المياه تجري فيه، و لذا سمي النهر الجديد باسمه.

و بعد ان هجرت سامرا و امتد اليها الخراب استمر نهر الاسحاقي يروي المناطق المذكورة في الجانب الغربي من دجلة.

فقد اشار اليه سهراب (المتوفى سنة 290 ه) في كتابه بقوله:

«يحمل من دجلة من غربيها نهر يقال له الاسحاقي اوله اسفل من تكريت بشي‏ء يسير، يمر في غربي دجلة، عليه ضياع و عمارات، و يمر بطيرهان و يجي‏ء الى قصر المعتصم المعروف بقصر الجص و يسقي الضياع التي هناك في غربي مدينة سر من رأى المعروفات بالأولة و الثانية و الثالثة و الى السابعة، و يصب في دجلة بازاء المطيرة» (72).

6- جسر سامرا:

بالنظر لوجود معسكرات الجيش في الجانب الغربي من سامرا، و لقيام العمران فيه، اصبح من الضروري ربط جانبي المدينة بجسر يسهل للناس الانتقال بينهما، و قد بادر المعتصم بالله فور فراغه من بناء الجانب الشرقي من دجلة، و هو جانب سر من رأى، الى عقد جسر الى الجانب الغربي من دجلة (73). و من المؤسف ان المصادر الأولية لا تزودنا بمعلومات وافية عن هذا الجسر من حيث نوعيته و هل كان ثابتا قد بني بالحجر ام كان طافيا على السفن.

و لا تتضمن تلك المصادر سوى اشارات عابرة. فقد اشار المسعودي عند خروج المعتصم باللّه لحرب الروم في سنة (223 ه) الى هذا

____________

(72) عجائب الاقاليم السبعة/ 127.

(73) كتاب البلدان/ 263.

94

الجسر بقوله: «فخرج المعتصم من فوره ... فعسكر في غربي دجلة .. و نصبت الأعلام على الجسر» (74). و يظهر ان الناس كانوا متحمسين لحرب الروم و متفائلين بهذه الحملة فرفعوا الاعلام فوق الجسر اظهارا لتأييدهم الخليفة في خروجه للحرب على رأس الجيش العربي. و يذكر الطبري هذا الجسر في حوادث سنة (249 ه) بقوله: «و تحركت المغاربة في هذه السنة .. و كانوا يجتمعون قرب الجسر بسامرا» (75). و يذكره ايضا في حوادث سنة (254 ه) عند ما حاول بغا الشرابي الوثوب بالمعتز باللّه، فدخل سامرا ليلا بطريق دجلة «فصار الى الجسر في الثلث الأول من الليل، فلما قارب الزورق الجسر. خرج بغا في البستان الخاقاني» (76).

و يشاركه في ذلك ابن الأثير في تاريخه‏ (77). و لا يستخلص مما رويناه سوى انه كان هناك جسر في سامرا في اثناء الحوادث المذكورة، و انه قريب من الجوسق الخاقاني.

لقد اقام المعتصم باللّه الجسر في الموضع الواقع امام القصر الهاروني الذي شيد في عهد الواثق باللّه. و لا تزال بقايا هذا الجسر يمكن مشاهدتها على الجانب الغربي من مجرى نهر دجلة الحالي، و قد نصبت مضخة ماء على سقف احد الطيقان الضخمة المتبقية من آثار الجسر المذكور. و ان قول اليعقوبي «ان المعتصم عقد جسرا» معناه انه بناه على شكل الجسور ذات العقود او الطيقان المألوفة (78). و يستخلص من تدقيق بقايا الجسر المذكور ان عرضه كان حوالي (16) مترا مما يدل على ضخامة بنائه و عظمة تصميمه‏ (79).

____________

(74) مروج الذهب 4/ 60.

(75) الطبري 9/ 265.

(76) نفس المصدر/ 380.

(77) الكامل 7/ 187.

(78) ري سامراء 1/ 74.

(79) نفس المصدر 2/ 600.

95

الفصل الثالث سامرا في عهد المتوكل على اللّه‏

1- عمران سامرا في عهد الواثق باللّه:

كان الواثق بالله يختلف عن ابيه المعتصم باللّه في كثير من صفاته و سجاياه، و هو بعمه المأمون اشبه. و يقول صاحب الذهب المسبوك ان المأمون هو الذي رباه فتقبل افعاله‏ (1). فقد كان بعيدا عن الروح العسكرية و حياة الخشونة، ميالا الى الاداب و العلوم و المناقشة في المجالس الادبية و العلمية، و فنانا بطبيعته مولعا بالشعر و الغناء و التلحين. و مع ان اهتمامه بعمران حاضرة الخلافة سامرا التي اسسها ابوه و انفق عليها اموالا طائلة، لم يبلغ درجة اهتمامه بما يتفق و ميوله، فانه استمر في السكنى بها باعتبارها عاصمة الدولة العربية و» كان قد انتقل من قصور ابيه و بني له قصرا على شط دجلة يقال له الهاروني» (2)، و اتخذه سكنا له الى حين وفاته فدفن فيه‏ (3). و زاد في الاقطاعات، اي انه اقطع الناس اراضي جديدة لبناء مساكن لهم و اسواق، مما ادى الى توسع المدينة

____________

(1) خلاصة الذهب المسبوك/ 224.

(2) كتاب البلدان/ 264، و فتوح البلدان/ 295، و تاريخ اليعقوبي 2/ 483.

(3) الطبري 9/ 151، و فتوح البلدان/ 295، و الكامل 7/ 30.

96

و ازدياد العمران فيها و زيادة سكانها. كما انه زاد في الأسواق لتلبية حاجات سكان المدينة، و وسع الغرض التى كانت على دجلة لتستوعب السفن التي تردها من الموصل و بغداد و واسط و البصرة (4). مما كان عاملا مهما في تنشيط التجارة و توسعها.

ان ما اهتم به الواثق باللّه من عمران سامرا على قتله، شجع الناس على البناء و التعمير في المدينة، لا سيما تجديد مساكنهم و عماراتهم فاحكموها و اتقنوها لما علموا ان سامرا قد صارت مدينة عامرة، و كانوا قبل ذلك يسمونها العسكر (5).

تشييد القصر الهاروني:

كان الواثق باللّه قد اختار موضعا لبناء قصره الهاروني على شاطي‏ء دجلة في الجهة الشمالية الغربية من دار الخليفة، و قد بنى له مسناة قوية (6). و جعل فيه مجالس في دكة شرقية و دكة غربية، و كان من احسن القصور (7). و قد انتقل اليه. و تكاد مصادرنا الاولية تخلو من ذكر شي‏ء مهم عن هذا القصر الا النزر اليسير و لا سيما من حيث سعته و ما يحتوي عليه من مبان و مرافق اخرى.

فقد اشار الطبري في حوادث سنة (229 ه) عرضا الى وصف احد اروقة القصر، قال: «ذكر عن عزون بن عبد العزيز الانصاري انه قال: كنا ليلة في هذه السنة عند الواثق فقال: لست اشتهي الليلة النبيذ، و لكن هلموا نتحدث الليلة، فجلس في رواقه الأوسط في الهاروني في البناء الأول الذي كان ابراهيم بن رباح بناه. و قد كان في احد شقي ذلك الرواق قبة مرتفعة في السماء بيضاء، كأنها

____________

(4) كتاب البلدان/ 265.

(5) نفس المصدر.

(6) الآثار القديمة العامة- سامراء/ 70.

(7) كتاب البلدان/ 264، و تاريخ اليعقوبي 2/ 488.

97

بيضة الا قدر ذراع، فيما ترى العين، حولها. في وسطها ساج منقوش باللازورد و الذهب، و كانت تسمى قبة المنطقة، و كان ذلك الرواق يسمى رواق قبة المنطقة» (8).

كما ورد ذكر الهاروني في بعض الاحداث التي وقعت في سامرا بعد الواثق باللّه. فعند ما قبض المتوكل على اللّه على وزيره محمد بن عبد الملك الزيات في سنة (233 ه) و أمر باستصفاء امواله و املاكه، صير ما قبض مما في منزله من متاع و جوار و غلمان و دواب في الهاروني‏ (9). اي في قصر الخليفة، لأنه عند ما ولى الخلافة اقام به و بنى به ابنية كثيرة (10). و لما توفى المنتصر باللّه اجتمع القواد الاتراك في الهاروني و فيهم بغا الكبير و بغا الصغير و اوتامش و اصحابهم، لانتخاب من يخلفه‏ (11). و عند ما ثارث العامة اثر مبايعة المستعين باللّه و نادوا بخلافة المعتز «دخلوا دار العامة منصرفين الى الهاروني فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح و الدورع و الجواشن» (12). و يظهر انه كان قد اتخذ مستودعا للاسلحة.

تقع اطلال القصر الهاروني في الموقع المعروف بالكوير على شاطى‏ء دجلة الشرقي، و لا تزال بقايا الدكتين الضخمتين ظاهرة يمكن مشاهدتها على شاطى‏ء دجلة الشرقي الحالي في موضع الكوير المذكور. و قد اشتهر آجر هذا القصر و مسناته بالكبر و الضخامة حتى صار يضرب به المثل في سامراء الحديثة فيقال آجر الكوير.

و كان الجسر الذي اقامه المعتصم باللّه على نهر دجلة يقع امام القصر الهاروني تماما. الا ان معالم القصر تكاد تزول بسبب تهافت اهل‏

____________

(8) الطبري 9/ 125.

(9) نفس المصدر/ 158.

(10) معجم البلدان 3/ 175.

(11) الطبري 9/ 256، و الكامل 7/ 117.

(12) الطبري 9/ 257.

98

مدينة سامراء على اقتلاع الآجر من جدرانه و البلوغ في ذلك حتى اسسها (13).

و من بقايا القصر الهاروني قاعدة الحوض الكبير و قد نقلت من بين انقاضه الى دار الآثار العربية (14).

و عند ما اتم الواثق باللّه بناء القصر الهاروني مدحه الشاعر علي بن الجهم واصفا بعض معالم الهاروني، بقصيدة منها قوله: (15):

بان بقرب الخليفة التحف‏* * * محل صدق و روضة أنف‏

دار تحار العيون فيها و لا* * * يبلغها الواصفون ان وصفوا

لم تنتسب قبله الى احد* * * و لا تحلت من الألى سلفوا

البحر و البر في يدي ملك‏* * * تشرق من نور وجهه السدف‏

اختاره اللّه للامام الذي‏* * * ينصف من نفسه و ينتصف‏

قد علم الناس ان بالملك الواثق‏* * * بالله يشرق الشرف‏

تبارك الجامع القلوب على‏* * * طاعته و القلوب تختلف‏

2- توسيع مدينة سامرا:

كان المتوكل على اللّه مثل ابيه المعتصم باللّه يحب البناء و العمران كثيرا، و قد تفوق عليه فيما اسسه بسامرا من القصور و المتنزهات، و ما شقه من الترع و الجداول، و ما بذله من الاموال الطائلة على ذلك. فقد كان ميالا للبذخ مسرفا بطبيعته، و لهذا

____________

(13) الآثار القديمة العامة- سامراء/ 70.

(14) نفس المصدر.

(15) كامل القصيدة في ديوان علي بن الجهم/ 14- 16.

99

«لم تكن النفقات في عصر من الأعصار و لا وقت من الأوقات مثلها في ايامه» (16). و كانت فاتحة اعماله العمرانية توسيع مدينة سامرا، فشق شارعين جديدين في ناحيتها الشرقية موازيين لشوارعها الكبيرة الاخرى، هما شارع الأسكر و شارع الحير الجديد. و بنى فيها عددا كبيرا من القصور التي كانت زينة لها اكملت بهاءها بحيث بلغت اوج عمرانها في عهده.

و يعتبر بناء الجامع الكبير في آخر الحير، و شق الشوارع الفرعية الثلاثة التي توصل اليه من المدينة، و اقامة الاسواق و الحوانيت لمختلف التجارات و الصناعات على جوانب هذه الشوارع، اهم ما ادى الى توسيع المدينة. اذ قامت على هذه الشوارع شكلك و قطائع للسكنى. فقد اقطع المتوكل على اللّه الكاتبين نجاح بن سلمة و احمد بن اسرائيل، و محمد بن موسى المنجم و اخوانه، و جماعة من الكتاب و القواد و الهاشميين و غيرهم في آخر الشوارع المذكورة مما يلي قبلة الجامع، و بذلك اتسعت على الناس المنازل و الدور كما اتسع اهل الاسواق‏ (17).

و يلاحظ اهتمام المهندسين آنذاك بفتح الشوارع الفرعية و الدروب التي توصل بين الشوارع الرئيسة في المدينة. و لا يخفى ان ذلك يتيح لأكثر المساكن ان تكون و اجهاتها على تلك الشوارع و الدروب، و يسهل الاتصال بين قطائع السكان و الأسواق، اضافة الى تخفيف الزحام داخل المدينة.

اما الشارعان اللذان امر المتوكل على الله يفتحهما في شرقي سامرا فهما شارع الأسكر و شارع الحير الجديد. و يعرف شارع الأسكر بشارع صالح العباسي لأنه ينتهي عند داره التي كانت على وادي ابراهيم بن رباح. و هو يبدأ من المطيرة و ينتهي عند حائط

____________

(16) مروج الذهب 4/ 122.

(17) كتاب البلدان/ 265- 266.

100

الحير. و قامت عليه قطائع العسكر الاتراك و الفراغنة في دروب منفصلة عن بعضها. و تليها قطائع القواد و الكتاب و الوجوه من الناس‏ (18). و يبدو ان المتوكل على اللّه قد انتهج سياسة ابيه في عزل مساكن الجند عن بقية الناس و توزيعهم بحسب انتماء آتهم منفردين بعضهم عن البعض. و لعل ازدياد عدد الجند كان سبب فتح هذا الشارع لتقوم قطائعهم على جانبيه، و لهذا سمي بشارع الأسكر او العسكر.

و يقع شارع الحير الجديد شرقي الشارع السابق و موازيا له. و قد سمي بالجديد تمييزا له عن شارع الحير الذي فتح عند تأسيس المدينة في ايام المعتصم باللّه. و قد اقطعت السكك على جانبيه لعدد من قواد الفراغنة و الاشروسنية و الاشتاخنجية و غيرهم من الأعاجم، و اخلاطا من الناس، و كان ينتهي عند حائط الحير ايضا (19).

و صار بذلك عدد شوارع سامرا الموازية لنهر دجلة سبعة شوارع، اولها شارع الخليج في الجهة الغربية من المدينة على ضفاف دجلة مباشرة و آخرها شارع الحير الجديد في الجهة الشرقية لها. و كانت الشوارع الأربعة من جهة الشرق، و هي شارع الحير و شارع برغاش و شارع الأسكر و شارع الحير الجديد، تسمى «طرق الحير» لأنها كانت تنتهي عند حائط الحير (20).

و كان من اجراءات المتوكل على الله في توسيع مدينة سامرا جنوبا، انه انزل ابنه ابراهيم المؤيد بالمطيرة، و انزل ابنه المعتز خلفها مشرقا بموضع يقال له بلكوارا و كان قد بني قصرا فسيحا هناك. فاتصل البناء من بلكوارا جنوبا الى آخر الموضع المعروف بالدور شمالا، مسافة اربعة فراسخ‏ (21).

____________

(18 و 19) كتاب البلدان/ 262- 263.

(20) ري سامراء 1/ 106.

(21) كتاب البلدان/ 265.

101

الطراز الحيري في البناء:

بلغ من حب المتوكل على اللّه للبناء و اهتمامه به انه احيا طرازا عربيا قديما فيه هو الطراز الحيري ذو الكمين و الأروقة.

فقد حدثه بعض ندمائه ان احد ملوك الحيرة كان احدث بنيانا على صورة الحرب و هيئتها، للهجه بها و ميله اليها و لئلا يغيب عنه ذكرها. فكان الرواق و فيه مجلس الملك يعتبر الصدر، و الكمان ميمنة و ميسرة و فيهما اقرب خواصه اليه، و في اليمين خزانة الكسوة، و في اليسار خزانة الشراب. و اتبع الناس المتوكل على اللّه في اتخاذ هذا الطراز من البناء لبيوتهم في عهده و بعده‏ (22). كما صار الطراز الحيري يتخذ في بناء القصور الكبيرة اذ صار لها مقدم و على جانبيه جناحان، و لها ثلاثة ابواب أوسطها الباب الأكبر و الى جانبيه البابان الصغيران‏ (23). و قد انتقل هذا الطراز من البناء الى بغداد، فكان قصر التاج الذي بدأ المعتضد باللّه بتشييده ببغداد و اكمله ابنه المكتفي باللّه، صورة مكبرة للطراز الحيري اذ كان وجهه مبنيا على خمسة عقود كل عقد يقوم على عشرة اساطين، و الاسطوانة خمسة اذرع‏ (24).

كما نقله الأمير احمد بن طولون الى مصر، و قد اشرنا الى ذلك عند الكلام عن اعمال ابن طولون العمرانية في مصر.

ساحات الفروسية و السباق:

يظهر من دراسة الخرائط الطوبو غرافية و الصور الجوية لأطلال مدينة سامرا انه كان في السهل الممتد شمالي الجامع الكبير، اي غربي ساحة الحير، اربع حلقات كبيرة تدور حول مربع‏

____________

(22) مروج الذهب 4/ 87.

(23) الحضارة الاسلامية 2/ 175.

(24) معجم البلدان 2/ 5.

102

مركزي. و قد اثبتت التنقيبات التي قامت بها دائرة الآثار القديمة ان هذه الحلقات تتكون من طوقين متوازيين بينهما ساحة عرضها ثمانون مترا، و هما يدوران حول المربع المركزي اربع دورات دون ان تنقطع، و في المربع المذكور دكة مرتفعة تظهر عليها آثار بناية من الآجر.

و كانت الدوائر المذكورة ساحة للفروسية او حلبة للسباق انشئت على شكل مبتكر بديع. و كانت البناية في الدكة المرتفعة معدة للجوس الخليفة و حاشيته للتفرج و التمتع. اما الساحة الممتدة بين الدائرتين المتوازيتين، و الملتوية حول الدكة المذكورة فكانت معدة لجري الخيل و تسابقها. و من الواضح ان هذا الترتيب المبتكر هو ان يجعل طول الدورة الكاملة في هذه الدوائر المتتالية يزيد على خمسة كيلومترات، بينما لا يزيد بعدها الاعظم عن الدكة على طول الدورة عن (600) متر بحيث يستطيع المتسابقون ان يقطعوا على هذه الساحة مسافة خمسة كيلومترات او اضعافها دون ان يبتعدون عن عين الخليفة و اصحابه باكثر من (600) متر في جميع الأحوال، و هو ابتكار يثير الاعجاب و لا ريب. و مما يؤيد ذلك ان هذه الدوائر تقع في نفس المنطقة التي تشاهد فيها معالم حلبتين آخريين من حلبات السباق، تبدأ احداهما من خلف دار الخليفة، و تبدأ الاخرى من تل العليق. و ان اوضاع هذه الحلبات الثلاث تسوغ الافتراض بأن اقدمها هي التي تبدأ من شرقي دار الخليفة و تتجه شرقا داخل ساحة الحير حتى تنتهي قرب نهر القاطول، و يزيد طول دورتها على عشرة كيلومترات و نصف الكيلومتر. فكان طول الدورة يساعد على اجراء سباقات كبيرة، غير ان الخيول كانت تتباعد عن الدكة تباعدا كبيرا لا يترك مجالا لتتبع حركاتها، فيحرم المشاهد من التمتع بمرآها و هي تتسابق نحو الهدف. اما الحلبة التي تبدأ من تل العليق فليست‏

103

واضحة المعالم عدا في قسمها الأول، و مع هذا فان اتجاه هذا القسم كاف للحكم على انها كانت طويلة جدا. و من الطبيعي ان يساعد ارتفاع التل على تتبع حركات الخيول على هذه المسافات الكبيرة، الا ان ذلك كان يتطلب جهدا كبيرا و انتباها شديدا (25).

و قد سبقت الاشارة في البحث الخاص بدار الخليفة الى هاتين الساحتين، و انهما انشئتا مع الدار المذكورة. اما الساحة التي وصفنا شكلها المبتكر فقد استحدثت بعد الحلبتين المذكورتين، لايجاد حلبة سباق يبقى المتسابقون و خيولهم فيها تحت الأنظار على الدوام. و يرجح انها من منشآت المتوكل على اللّه.

اتل العليق:

يقع هذا التل شمالي الجامع الكبير، و قطره نحو مائتي متر، و هو يرتفع عن السهل المحيط به بمقدار (25) مترا. و يحيط به خندق عريض دائري يبلغ عمقه نحو ثلاثة امتار. و حوله معالم سور مستدير يبلغ قطره نحو (450) مترا (26). و في شمالي التل طريق ينحدر من قمته و يعبر الخندق، و يرجح انه كانت عليه قنطرة، و كانت المياه تصل الى الخندق من القناة التي حفرها المتوكل على اللّه لايصال الماء الى سامرا (27).

و يعلل الناس تسمية التل برواية يتناقلونها هي ان التل تكون من التراب الذي نقله الجنود الخيالة بعليق خيولهم. و يروون ان الخليفة المتوكل على اللّه اراد ان يظهر ضخامة جيشه و كثرة

____________

(25) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 63- 65.

(26) نفس المصدر/ 60.

(27) ري سامراء 1/ 118.

104

عدد فرسانه بدليل عياني محسوس، فأمر ان يملأ كل واحد من جنوده الخيالة عليقه بالتراب، ثم يرميه هناك، فتكون التل من التراب الذي تجمع على هذا الوجه‏ (28). و جاء في خلاصة الذهب المسبوك ان المعتصم بالله هو الذي امر بعمل تل المخالي المذكور لما جيش الجيوش الى محاصرة عمورية (29). و يحتج القائلون بالرأي الأول ان اتصال خندق التل بقناة سامرا دليل على انه من عمل المتوكل على اللّه الذي انشأ القناة المذكورة. الا اننا نرى ان ما ذهب اليه صاحب الذهب المسبوك اقرب الى الواقع لما عرف عن المعتصم باللّه من الروح العسكرية الشديدة و حبه الجيش و عنايته به بحيث انه ترك العاصمة الى مدينة اخرى بسببه، و لهذا فان التفاخر بضخامة الجيش و كثرة عدد فرسانه اجدر به. اما اتخاذ اتصال خندق التل بالقناة دليلا على انه من منشآت المتوكل على اللّه، فلا يغير من الواقع شيئا، لأن ذلك لا يمنع من ان يكون التل موجودا و ان المتوكل على اللّه اوصل الماء الى الخندق المحيط به.

من المؤكد ان التل اصطناعي و قد كون بطريقة حفر خندق مستدير و تكويم التراب الذي يرفع منه فوق الدائرة الباقية في داخله. و قد درس هرزفيلد هذا التل خلال تنقيباته في سامرا و استنتج انه كان على قمته قصر مربع الشكل مقسم الى تسع غرف متصلة ببعضها، واحدة منها في الوسط و اربعة متصلة باضلاع هذه الغرفة على شكل اواوين مفتوحة. و الاربعة الاخرى بين اضلاع الاواوين المذكورة. و الغرض من تكوين هذا التل في وسط السهل و تشييد هذا القصر فوقه انما كان للتفرج من محل مرتفع يمتد فيه النظر، لأنه كان يشرف على الحير و على احدى حلبات السباق‏ (30). و هناك احتمال ان يكون هذا التل قبر احد

____________

(28) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 61- 62.

(29) خلاصة الذهب المسبوك/ 222.

(30) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 61- 62.