سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
105

القواد الرومان، و قد استعمل للتفرج على السباق بعد ان شيدت فوقه تلك الحجرات، و مما يجدر ذكره للمقارنة ان هناك مصطبة على الكتف الغربي للقاطول الأعلى حيث تنتهي دورة حلبة السباق، عليها بقايا غرف مماثلة تطل على الساحة المنبسطة، يحتمل انها شيدت لغرض التفرج منها ايضا (31).

الحير:

حائر الحير هو الحائط او السور الذي بناه المعتصم باللّه في نهاية ابنية سامرا من جهتها الشرقية. و كان يمتد على طول الأبنية من الجوسق الخاقاني حتى المطيرة. و قد احتفظ بالسهل الواسع الممتد خلف هذا الحائط من غير بناء ليكون ساحة ترتع فيها الحيوانات و الطيور، و سميت بساحة الحير. و يذكر اليعقوبي انه كلما توسع عمران سامرا شرقا و امتد الى ساحة الحير هدم السور المذكور و بنى آخر بدلا عنه بعد العمران الجديد، و عدد اصنافا من الطيور و الوحوش كالظباء و الحمر الوحشية و الأيائل و الارانب و النعام و غيرها، مما كان محجوزا في الساحة المذكورة (32).

و عند ما توسع المتوكل على اللّه في العمران شرقي سامرا انشأ حائطا جديدا على الحدود الجديدة للبناء الذي اقيم في ظهر شارع الحير الجديد، بعد ان اقتطع جزءا كبيرا من ساحة الحير، و جعل لهذا الحائط بابا رئيسا عرف بباب الحير، جنوبي الجامع الكبير ممايلي الجوسق، ليوصل بين الساحة و المدينة. و قد ورد ذكر الحير و بابه في عدد من الأحداث المهمة التي وقعت في ايام الخليفة المهتدي باللّه. فقد ذكره الطبري في حوادث السنة (256 ه) عند ما

____________

(31) المرشد الى مواطن الاثار و الحضارة- (سامراء)/ 18.

(32) كتاب البلدان/ 263.

106

صار القائد موسى بن بغا الى باب الحير و عسكر هناك قرب دار القائد التركي ياجور (33). و عند ما القي القبض على القائد صالح بن وصيف اخرج من باب الحير ليذهبوا به الى الجوسق‏ (34).

و عند ما عزم المهتدي باللّه على حرب الأتراك خرج الى الحير و عرض الناس و امر ان تضرب الخيام و المضارب في الحير، و عبأ اتباعه لمواجهة الأتراك‏ (35).

ان المتوكل على اللّه وسع الحير نحو الشرق و انشأ فيه حديقة واسعة للحيوانات تزيد مساحتها على عشرين الف دونم، و احاطها بسور بلغ طوله حوالي ثلاثين كيلومترا. و قد جمعت فيها اصناف الحيوانات البرية من الوحش و الطير، كان بعضها حرا طليقا و بعضها حبيسا في الأقفاص. و للشاعر البحتري قصيدة يمتدح فيها المتوكل على اللّه و يشير الى حير الوحش و يقدر عدد الوحوش فيه بالفين، و يقول انها كانت تألفه و تخضع له، و يذكر نهر نيزك الذي يروي متنزه الحير، جاء فيها (36):

خليفة اللّه ما للحمد منصرف‏* * * الا الى نعم أصبحت توليها

فلا فضيلة، الا انت لابسها* * * و لا رعية، الا انت راعيها

ملك كملك سليمان الذي خضعت‏* * * له البرية: قاصيها و دانيها

____________

(33) الطبري 9/ 438- 439.

(34) نفس المصدر/ 454.

(35) نفس المصدر/ 465.

(36) ديوان البحتري- طبعة بيروت 1/ 45- 46.

107

و طاعة الوحش اذ جاءتك من خرق‏* * * أحرى، و أدمانة كحل مآقيها (37)

كالكاعب الرود يخفي في ترائبها* * * روع العبير و يبدو في تراقيها

الفان وافت، على قدر مسارعة* * * الى قبول الذي حاولته فيها

ان سرت سارت و ان وقفتها وقفت‏* * * صورا اليك، بالحاظ تواليها

يرعن منك الى وجه يرين له‏* * * جلالة يكثر التسبيح رائيها

حتى قطعت بها القاطول و افترقت‏* * * بالحير في عرصة فسح نواحيها

فنهر نيزك ورد من مواردها* * * و ساحة التل مغنى من مغانيها

و قد انشى‏ء في الطرف الجنوبي لهذا المتنزه الواسع قصرا يشرف على بركة ماء واسعة ينتهي اليها نهر نيزك، و عرف هذا القصر باسم قصر الدكة. و كان طوله (165) مترا و عرضه (125) مترا، اي ان مساحته كانت تربو على عشرين الف متر مربع.

و يرجح الدكتور احمد سوسه، ان هذا القصر كان يعرف بقصر الساج ايضا، و ان البركة التي امامه هي البركة الحسناء التي وصفها البحتري و تغنى بجمالها و روعة الرياض التي تحتها (38).

____________

(37) الخرق: المدهوش من خوف او حياء.

و الادمانة: الطبية التي لونها مشرب بياضا.

(38) ري سامراء 2/ 299.

108

و توجد في الركن الجنوبي لقصر الدكة اطلال بناية واسعة طولها (400) متر و عرضها (265) مترا، يرى الدكتور سوسة انه يحتمل ان تكون هذه الأطلال من بقايا قصر البديع الذي بناه المتوكل على اللّه، لأن البحتري اقترح في احدى قصائده في مدح المعتز باللّه، ان يمد فرع قناة سامرا الذي شقه المتوكل على اللّه لتموين قصر الدكة بالماء، و يوصله الى قصر البديع و منه ينهيه الى دجلة قرب الجوسق، اذ يقول: (39).

الحقه يا خير الورى بمسيره‏* * * و امدد فضول عبابه المتدفق‏

فاذا بلغت به البديع فانما* * * انزلت دجلة في فناء الجوسق‏

و هو يرجح ايضا ان قصري الصبيح و المليح اللذين بناهما المتوكل على اللّه يقعان في هذا المتنزه ايضا. و هو يستند في ذلك على وصف البحتري الوارد في احدى مدائحه التي قالها في المتوكل على اللّه، و ذكر فيها القصرين المذكورين و البركة الحسناء، التي قال فيها: (40)

و استتم الصبيح في خير وقت‏* * * فهو مغنى انس و دار مقام‏

ناظر وجهه المليح فلو يستطيع‏* * * حياه معلنا بالسلام‏

ألبسا بهجة و قابل ذا ذاك‏* * * فمن ضاحك و من بسام‏

____________

(39) نفس المصدر 1/ 125.

(40) نفس المصدر 2/ 303 و القصيدة فى ديوان البحتري 3/ 2004- 2007.

109

حتى يقول:

مستمد بجدول من عباب الماء* * * كالأبيض الصقيل الحسام‏

و اذا ما توسط البركة الخضراء* * * ألقت عليه صبغ الرخام‏

فتراه كأنه ماء بحر* * * يخدع العين و هو ماء غمام‏

على ان تأييد ذلك يتوقف على ما ستسفر عنه التنقيبات و التحريات التي ستجريها دائرة الآثار القديمة على الاطلال و الآكام المشار اليها. علما ان الدائرة المذكورة لا ترى رأي الدكتور سوسه في موضوع البركة، و ترى انها بركة القصر الجعفري الذي شيده المتوكل على اللّه في مدينة المتوكلية، و ان البركة التي في حديقة الحيوانات من عمل المعتصم باللّه عند ما بنى قصره على القاطول قبل انتقاله الى سامرا (41).

3- مشاريع الري في عهد المتوكل على اللّه:

تم في عهد المتوكل على اللّه ثلاثة مشاريع مهمة لري سامرا و ما حولها، هي: قناة سامرا او قناة المتوكل على اللّه، و نهر النيزك، و النهر الجعفري. و سنلقي نظرة سريعة على كل من قناة سامرا و نهر النيزك، اما النهر الجعفري فنرجى‏ء البحث فيه الى موضوع انشاء مدينة المتوكلية لأنه انشى‏ء لايصال المياه اليها.

قناة سامرا:

كان من جملة المشاكل التي واجهت مدينة سامراء منذ تأسيسها ان ارتفاع الضفة الشرقية لنهر دجلة التي قامت عليها المدينة

____________

(41) نفس المصدر 2/ 312.

110

اولا، حال دون توفر المياه للشرب و للري الا بالواسطة. و قد اعتمد الناس في شربهم على حمل المياه اليهم في الروايا على الأبل و البغال، و هذا ما دفع المعتصم باللّه الى اعمار الجانب الغربي من المدينة، لأن ارضه منخفضة عن مستوى النهر و يسهل اسقاؤها سيحا، مما يساعد على التوسع في الزراعة. و قد اشرنا الى احيائه نهر الاسحاقي الذي صار محور العمران في هذا الجانب من المدينة.

و يظهر ان المتوكل على الله صرف همته الى توسيع مدينة سامرا في الجانب الشرقي منها رأى ان يبدأ بتوفير المياه الكافية لها قبل كل شي‏ء. و لهذا كان اول مشاريعه الاروائية حفر قناة تؤمن ايصال الماء الى هذا الجانب من المدينة بطريقة الري الجوفي المعروف بري الكهاريز. و اشتمل مشروعه على كهريزين ضخمين يستعمل احدهما في الشتاء و الآخر في الصيف. و هما يستمدان المياه من نهر دجلة شمال الدور، فيسيران جنوبا حتى يصلا العاصمة. و قد مدت هذه القناة جنوبا لتصل الى المطيرة فالقادسية (42).

و الكهريز مجرى ماء على شكل نفق تحت الأرض لسحب المياه الجوفية من العيون و نقلها الى الاراضي الزراعية سيحا، و ذلك بحفر آبار على مسافات معينة على طول النفق لرفع اتربة المجرى بواسطتها و لاستخدامها كنوافذ هوائية للنفق و للنزول اليه اذا ما اقتضى تنظيفه من الترسبات و العوائق التي تحول دون جريان الماء فيه. و تحفر الآبار عادة بانحدار تدريجي من بئر الى اخرى ادنى مستوى منها، ليتسنى للمياه الجريان الى الجهة المطلوبة. و تغطي هذه الآبار بابواب لمنع تسرب الاتربة الى المجرى. و تختلف المسافة بين بئر و اخرى حسب طبيعة الأرض، و هي تتراوح بين خمسة

____________

(42) ري سامراء 1/ 270- 272.

111

امتار و عشرين مترا. و تكون هذه الآبار عادة باتجاه واحد، و هي تدل على اتجاه الكهريز و طوله. و من الطبيعي ان يختلف طول الكهريز باختلاف طبيعة سطح الارض و عمق المياه الجوفية.

لقد تسنى للمتوكل على اللّه بواسطة هذه القناة ان يوصل المياه الى البركة الكبيرة التي كانت خلف دار العامة، و هي المعروفة ببركة السباع. ثم الى البركة الثانية التي تقع شمالي غربي البركة السابقة. و الى ساحة السباق الواسعة التي انشأها من جهة الحير، و الى خندق تل العليق المشرف عليها. كما انه وفر الماء الكافي للجامع الكبير و لاسيما لنافورته التي لا ينقطع ماؤها.

نهر نيزك:

اراد المتوكل على اللّه ان يوسع حير الحيوانات خارج مدينة سامرا شرقا، في المنطقة الكائنة بين القاطول الاعلى و القاطول الأسفل المسمى بنهر القائم، و ذلك بعد ان ضم جزءا كبيرا من اراضي الحير الذي انشأه المعتصم باللّه، الى مدينة سامرا عند ما وسعها نحو الشرق بفتح الشوارع الجديدة و توزيع الاراضي التي اقطعها لبناء المساكن، و بناء الجامع الكبير. الا ان المنطقة التي اختارها لتكون حديقة واسعة للحيوانات و متنزها كبيرا لأهل سامرا، تحتاج الى مزيد من المياه الدائمة الجريان. فعمد الى احياء نهر القادسية القديم الذي كان يتفرع من الضفة اليمنى للقاطول الأعلى، من موضع يبعد عن صدره بثلاثين كيلومترا و ينتهي عند منطقة المشرحات فيخترق المنطقة المذكورة و يرويها.

و هي المنطقة التي كان الخليفة هارون الرشيد بنى فيها قصرا لنزهته. و كان نهر نيزك ينتهي عند البركة التي انشأها المتوكل على اللّه في هذا المتنزه. و لكي يؤمن استمرار تدفق المياه في النهر الجديد اقيم ناظم على نهر القاطول ليرفع مناسيب المياه‏

112

فيه حتى يتدفق الى النهر المذكور الذي سمي بنهر نيزك. و بذلك أمن ارواء منطقة الحير الجديد الواسع و حدائقه سيحا.

و كانت تتفرع من نهر نيزك عدة فروع من ضفته الغربية لتسقي اراضي المطيرة و منطقة بركوارا، جنوبي سامرا (43).

4- الجامع الكبير:

مقدمة:

كان من خطة المعتصم باللّه في بناء سامرا ان يبني مسجدا في كل منطقة سكنية، فعند ما اقطع كبير قواده اشناس و اصحابه الموضع المعروف بالكرخ امره ان يبني مع المساكن المساجد و الأسواق. كما انه انشأ مسجدا جامعا على شارع السريجة، و هو الشارع الأعظم، و اختط الأسواق حوله. و لم يزل يجمع فيه الى ايام المتوكل على اللّه الذي تولى الخلافة سنة (233 ه) فضاق على الناس فهدمه و بنى مسجدا جامعا واسعا في طرف الحير. يقول اليعقوبي: «و بنى المسجد الجامع في اول الحير في موضع واسع خارج المنازل لا يتصل به شي‏ء من القطائع و الأسواق، و اتقنه و وسعه و احكم بناءه، و جعل فيه فوارة ماء لا ينقطع ماؤها. و جعل الطرق اليه من ثلاثة صفوف واسعة عظيمة من الشارع الذي يأخذ من وادي ابراهيم بن رباح، في كل صف حوانيت فيها اصناف التجارات و الصناعات و البياعات، و عرض كل صف مائة ذراع بالذراع السوداء، لئلا يضيق عليه الدخول الى المسجد اذا حضر المسجد في الجمع في جيوشه و جموعه و بخيله و رجله» (44).

____________

(43) ري سامراء 2/ 289.

(44) كتاب البلدان/ 265.

113

يستنتج مما ذكره اليعقوبي ان المتوكل على اللّه بنى الجامع الكبير خارج المدينة و مد اليه ثلاثة شوارع توصل بينه و بين الشارع الأعظم في سامرا، و جعل عرض كل شارع من هذه الشوارع مائة ذراع سوداء، و تقوم على جوانبها حوانيت اصناف التجارات و الصناعات بهدف توسيع المدينة و زيادة اسواقها و متاجرها.

و كانت هذه الشوارع الثلاثة تتفرع من الشارع الأعظم جنوبي دار الخليفة و القصر الهاروني و قصر الجوسق، و تتجه شرقا حتى تفضي الى الجامع في جانب الحائط الغربي الذي كانت فيه سبعة مداخل، بعد ان تخترق السور الخارجي للجامع.

يقول البلاذري عن المتوكل على اللّه: «و بنى مسجدا جامعا كبيرا و أعظم النفقة عليه، و امر برفع منارته لتعلو اصوات المؤذنين فيها حتى نظر اليها من فراسخ، فجمع الناس فيه و تركوا المسجد الأول» (45). و جاء في خلاصة الذهب المسبوك ان المعتصم باللّه «بنى الجامع الكبير و انفق على ذلك خمسمائة الف دينار و جعل وجوه حيطانه مرايا بحيث يرى القائم في الصلاة من يدخل من خلفه. و بنى المنارة التي يقال انها من احدى العجائب» (46). و هو لا شك و اهم اذا ما اعتبرنا كتاب البلدان لليعقوبي اقدم المصادر و اوثقها عن سامرا. و ان البلاذري ايده في روايته، كما ايده ياقوت في معجمه.

يعتبر المسجد الجامع الذي انشأه المتوكل على اللّه اروع المنشآت ذات الأثر في تلك الحقبة من حياة الدولة العربية.

و تشاهد آثاره اليوم مع مئذنته الملوية شمالي شرقي مدينة سامراء الحالية. و تعتبر اضخم و ابرز الأثار الباقية من مباني سامرا

____________

(45) فتوح البلدان/ 295، و معجم البلدان 3/ 175 و قد نقل عن البلاذري نفس النص.

(46) خلاصة الذهب المسبوك/ 222.

114

القديمة. و رغم ان هذا الجامع يشبه المساجد الجامعة الاخرى من حيث تخطيطه العام و محتوياته الا انه يمتاز عليها جميعا بسعة مساحته و ضخامة بنائه، و بمئذنته الملوية. و هو يعد اكبر جامع في العالم الاسلامي. و كان البدء ببنائه في سنة (234 ه) و الانتهاء منه في سنة (237 ه) (47). و يذكر ياقوت الحموي ان مجموع ما انفق على بنائه بلغ خمسة عشر الف الف درهم‏ (48).

و يتضح من تنقيبات هرزفيلد ان اضلاع السور الخارجي للجامع كانت تبلغ 376* 444 م، اي ان مساحة المسجد و الزيادات التي في خارجه تربو على (17) هكتارا اي اكثر من (68) دونما عراقيا (49). و يقدر بروكلمان مساحة صحنه الداخلي باربعة و اربعين الف متر مربع، و يقول: «و بحسبنا لكي نكون فكرة عن معنى هذا الرقم ان نذكر ان صحن كنيسة القديس بطرس في روما يبلغ (15160 م 2)، و صحن ايا صوفيا في استانبول يبلغ (6890 م 2)، في حين لا يزيد صحن كاتدرائية كولون على (6126 م 2) (50).

مخطط الجامع:

يتألف الجامع من اربعة اقسام تحيط بالصحن هي: الحرم و يقع على الضلع الجنوبية للجامع، و كان فيه خمسة و عشرون رواقا مؤلفة من اربعة و عشرين صفا من الاعمدة في كل صف منها تسعة اعمدة. و ينتهي الرواق الأوسط بالمحراب و هو اعرض قليلا من الاروقة الاخرى. ثم القسم الشمالي المقابل للحرم، و كان فيه خمسة و عشرون رواقا مؤلفة من اربعة و عشرين صفا من‏

____________

(47) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 49.

(48) معجم البلدان 3/ 175.

(49) ري سامراء 1/ 112.

(50) تاريخ الشعوب الاسلامية 2/ 51.

115

الاعمدة في كل صف منها ثلاثة اعمدة. و كانت صفوف هذه الأعمدة تمتد على شكل خطوط ذات زوايا قائمة الى داخل المسجد بالنسبة لجداريه الشمالى و الجنوبي. و الرواق الأوسط في هذا القسم اكثر اتساعا من بقية اروقته. ثم الجانبان الشرقي و الغربي من المسجد و كان في كل منهما ثلاثة و عشرون رواقا مؤلفة من اثنين و عشرين صفا من الأعمدة في كل صف منها اربعة اعمدة. و بذلك يبلغ مجموع الأعمدة (464) عمودا (51). و هناك اختلاف في مجموع الأعمدة ناشى‏ء من اعتبار البعض عدد صفوف الأعمدة في الحرم عشرة اعمدة بدلا من تسعة، او من اعتبار عدد صفوف الاعمدة في القسم الشمالي اربعة بدلا من ثلاثة، بحيث يصبح المجموع (488) عمودا.

ان جميع الأعمدة كانت مبنية بالآجر على قواعد مربعة طول ضلعها (70 ر 2 م) و ترتفع بشكل مثمن تاركة في كل زاوية من الزوايا الأربع فسحة لارتكاز عمود رخامي قطره (30 سم). و كان بعض هذه الأعمدة الرخامية اسطوانيا، و بعضها مثمنا، و قد ثبتت قطعها باوتاد معدنية، و ملئت الثقوب بالرصاص، و احيطت مواضع الأتصال باطواق معدنية ايضا. و يبلغ ارتفاع الأعمدة من ارضية الجامع حتى السقف حوالي (50 ر 10 م)، و ينتهي اعلاها بتيجان جرسية الشكل. و كانت الأعمدة الرخامية بالوان متعددة وجد منها تسعة انواع مختلفة معظمها من المرمر (52).

و كانت هذه الأعمدة تحمل السقف الخشبي للجامع دون ان ان ترتبط بعقود او طيقان من البناء كما ارتأى الآثاريون‏ (53). الا

____________

(51) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 47- 48.

(52) العمارة العباسية/ 145- 146.

(53) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 48.

116

انه يظهر ان الفسحة الموجودة بين الأعمدة كانت قد سقفت بعوارض، و ان الحفر التي ثبتت فيها العوارض المتقاطعة كانت لا تزال ترى في الجانب الداخلي للجدار في عام 1911. كما ان التنقيبات التي اجرتها دائرة الآثار القديمة كشفت عن وجود اكتاف من الطابوق و الجص، و ذلك مما يدفع الى القول بان السقف لم يكن يستند مباشرة على الأعمدة (54).

المحراب:

اما محراب الجامع فانه يقع في منتصف الضلع الجنوبية، و كان قد تهدم و اتخذ شكل باب. غير ان دائرة الآثار القديمة كشفت عن معالمه من تحت الانقاض و اعادت بناء القسم الاسفل منه. لاعطاء فكرة عامة عن سابق وضعه‏ (55). و هو تجويف مستطيل الشكل عرضه (59 ر 2 م) و عمقه (75 ر 1 م) و هي نفس الأبعاد التي كانت متخذة حينذاك للمحاريب‏ (56). و كان يحف به من الجانبين زوجان من اعمدة الرخام الوردي اللون، و في اسفل كل عمود و اعلاه قاعدة بسيطة مستطيلة. و يقوم على العمودين قوسان متحدا المركز يشكلان عقادة المحراب، و ذلك ضمن اطار مستطيل بارتفاع جدار الجامع‏ (57). و قد عثر بين اللقى على قطع من الفسيفساء المزجج النفيس و المذهب، يرجح انها مما كان يغطي جدران المحراب. و قد اشار المقدسي الى ان حيطان الجامع قد لبست بالمينا (58). كما اشار الاربلي الى ان وجوه حيطان الجامع‏

____________

(54) العمارة العباسية/ 145- 146.

(55) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 47.

(56)Creswell ,E .M .A .P :772 .

(57) ري سامراء 1/ 111.

(58) أحسن التقاسيم/ 122.

117

جعلت من المرايا (59). و يظهر انهما قصدا بذلك الفسيفساء المزججة و المذهبة المشار اليها. و كان هرزفيلد قد فسر المينا بالموزاييك اي الفسيفساء (60). و يلاحظ ان المحور الرئيس للمحراب يشير الى ان اتجاه القبلة فيه يقع على 198 درجة و 30 دقيقة على حين ان القبلة تقع على 196 درجة و 46 دقيقة، اي ان اتجاه الجدار يرجع درجة واحدة و 44 دقيقة الى الشرق‏ (61).

و هذا يتفق مع ما يقوله اليعقوبي عن سامرا «و اسمها في الكتب المتقدمة زوراء بني العباس و يصدق ذلك ان قبل مساجدها كلها مزورة، فيها ازورار، ليس فيها قبلة مستوية» (62).

و كشف التنقيب عن وجود بابين صغيرين على جانبي المحراب احدهما عن يمينه و الآخر عن يساره، و هما يؤديان الى بناية صغيرة كانت قائمة خلف المحراب. و قد قيل عن هذه البناية انها ربما كانت مكانا لاستراحة الخليفة اذا جاء للصلاة، لأن قصور الخلفاء في سامرا كانت بعيدة عن المسجد الجامع. كما قد يكون احد البابين قد خصص لدخول الامام المسؤول عن الجامع كي لا يتخطى المصلين من ظهورهم اذا جاء للصلاة بهم‏ (63).

النافورة:

كان صحن الجامع واسعا فسيحا، و بعد رفع الركام المتجمع فيه ظهرت في وسطه آثار تدل على انه كانت هناك نافورة مدورة كبيرة. و قد اشار اليعقوبي اليها في معرض كلامه عن بناء الجامع‏

____________

(59) خلاصة الذهب المسبوك/ 222.

(60)Creswell ,E .M .A .P :772 .

(61) ري سامراء 1/ 284 ه.

(62) كتاب البلدان/ 268.

(63) مجلة سومر العددان 1 و 2 من سنة 1969/ 148.

118

بقوله «و جعل فيه فوارة ماء لا ينقطع ماؤها» (64). و قال ياقوت الحموي ان المتوكل على اللّه «اشتق من دجلة قناتين شتوية و صيفية تدخلان الجامع و تتخللان شوارع سامراء» (65). و بذلك تأمن استمرار تدفق المياه من النافورة.

و قد اظهرت تنقيبات هرزفيلد ان الحوض كان يرتكز على قاعدة اسطوانية بنيت بالآجر بمونة الكلس و الرماد و كسيت بالرخام. و عثر في الانقاض المجاورة للنافورة على قطع من اعمدة رخامية و اجزاء من تيجانها، و زخارف جصية مذهبة، و قطع من الفسيفساء الزجاجية. و يرجح من وجود بقايا الأعمدة الرخامية حول قاعدة الحوض انه كان ثمة سقف فوق النافورة تحمله هذه الأعمدة (66). و وصف حمد اللّه المستوفي الحوض المشار اليه بأنه كان قطعة واحدة من الحجر محيطها (23) ذراعا، و ارتفاعها (7) أذرع و سمكها نصف ذراع، و كانت تعرف بكأس فرغون‏ (67).

و اشار المؤرخ ابن الفوطي في حوادث سنة (653 ه) الى انه في هذه السنة «حملت القصعة المعروفة بقصعة فرعون من سر من رأى الى بغداد في كلك، و رفعت تحت دار الخليفة، و كانت عظيمة جدا، فلم تزل حتى سنة (657 ه) ثم كسرت» (68).

و سبق ان ذكرنا ان الحوض الكبير الذي كان يتوسط الدار المربعة في جناح الحريم من دار العامة كان من الكرانيت المصري و انه يعود الى عهد الفراعنة، و لذا يمكن القول بان حوض الجامع الكبير و هو صخرة عظيمة مجوفة كان قد جلب من مصر ايضا مع‏

____________

(64) كتاب البلدان/ 265.

(65) معجم البلدان 3/ 175.

(66) ري سامراء 1/ 111.

(67) نفس المصدر.

(68) الحوادث الجامعة/ 306.

119

الحوض المذكور او بعده، و من هنا جاءت نسبته الى فرعون فسمي كأس فرعون او قصعة فرعون.

جدران الجامع:

لم يبق من بناء الجامع شي‏ء قائم غير جدرانه الخارجية التي تحيط بساحة مستطيلة طولها نحو 240 مترا و عرضها 160 مترا، اي ما مساحته (38) الف متر مربع. و هذه الجدران سميكة لا يقل سمكها عن مترين، و يناهز ارتفاعها عشرة امتار. و هي مبنية بناء جيدا متقنا بالآجر و الجص. و تدعمها من الخارج ابراج نصف دائرية عددها اربعون برجا، اربعة منها في الاركان، و ثمانية في كل من الضلعين الشمالية و الجنوبية، و عشرة في كل من الضلعين الشرقية و الغربية (69). الا ان المخططات التي وضعها الآثاريون ممن عنوا بدراسة بقايا الجامع، مثل بيليه و هرزفيلد و فيوله و كريزويل تتفق في ان عدد الابراج الواقعة على كل من الجانبين الأطول منه (12) برجا، و في كل من الجانبين الآخرين (8) ابراج، فيصبح المجموع (44) برجا (70).

شيدت الابراج المذكورة على قواعد مستطيلة من صنفين او ثلاثة من الطابوق، و هي تمس محيط البرج، طولها (90 ر 3 م) و عرضها (25 ر 2 م) لأبراج الجوانب. اما ابراج الاركان فيبلغ طول القواعد التي تقوم فوقها (45 ر 5 م) و عرضها (25 ر 5).

و معدل قطر ابراج الجوانب (60 ر 3 م) اما ابراج الأركان فان اقطارها اكبر من ذلك. و يبلغ معدل بروز الابراج جميعا بما فيها ابراج الأركان (15 ر 2 م) من كلا الوجهين، عدا البرجين‏

____________

(69) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 45.

(70) العمارة العباسية/ 133.

120

اللذين على جانبي المحراب فانهما مستطيلان من وجهما الداخلي حتى مستوى قمة الأبواب‏ (71).

ان الابراج خالية من النقوش و الزخارف. اما اجزاء الجدران الواقعة بين الابراج فانها مزدانة في قسمها الأعلى بست خسفات مربعة يظهر في وسط كل منها خسفة مستديرة تكسب الجدار رونقا و جمالا. و يبلغ قطر الخسفة المستديرة مترا واحدا و عمقها (25 سم) و قد بني نصفها العلوي على شكل عقد نصف دائري. و لا يزال قسم من هذه الخسفات تكسوه طبقة من الزخارف الجصية. و فوق الخسفات بثلاثين سنتمترا يوجد افريز يتكون من صفين من الآجر. و يظهر على كل جزء من اجزاء الجدار بين الابراج شق شاقولي منتظم لا شك في انه كان يحتوي على المواسير المخصصة لتصريف مياه الامطار مما يتجمع فوق سطح الجامع‏ (72).

و قد عثرت دائرة الآثار العامة في أثناء التحري و التنقيب في الجامع على قطع زجاجية زرقاء غامقة مربعة الشكل طول ضلع الواحدة منها (50 سم) و سمكها (5 ر 3 سم) و يبدو انها كانت بالأصل تزين الجزء السفلي من الجدار القبلي داخل الحرم الى ارتفاع متر اعتبارا من تبليط ارضية الجامع. و قد لوحظ ان هناك صفين من تلك القطع احدهما فوق الآخر، و تكبس في الفراغات الحاصلة بينهما مساند مدورة من نفس الزجاج لزيادة تماسك القطع الزجاجية التي كانت مثبتة في القديم على ثلاثة صفوف. و ما تزال آثار طبعاتها تشاهد بصورة سليمة جلية اسفل الجدار القبلي‏ (73).

____________

(71) نفس المصدر/ 131- 133.

(72) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 46.

(73) العمارة العباسية/ 150.

121

ابواب الجامع و نوافذه:

كان للجامع سبعة عشر مدخلا تختلف سعة كل منها باختلاف موقعها. اثنان منها في الضلع الجنوبية، و قد سبقت الاشارة الى انهما كانا مدخلين خاصين احدهما للخليفة و الآخر لأمام الجامع.

و قد اختيرت مواقع الأبواب الرئيسة الاخرى بشكل يتفق و نظام اروقة الجامع، و كانت موزعة على جهات الجامع الثلاث الباقية.

ففي الجهة الشرقية خمسة مداخل رئيسة عرض كل منها (90 ر 3 م) باستثناء احدها فقد وسع بعدئذ ليبلغ عرضه (85 ر 4) م. و في الجهة الغربية سبعة مداخل، خمسة منها اصلية انشئت عند بناء الجامع و قد بنيت على غرار مداخل الجهة الشرقية من حيث مقاييسها و طراز عمرانها، و هي تقابلها تماما. اما المدخلان الآخران فقد اضيفا في وقت لاحق بناء على الحاجة اليهما بسبب تزايد عدد المصلين و تزاحمهم على الابواب. و كان عرض احدهما (65 ر 2 م) و عرض الآخر (258 ر 2 م). اما الجهة الشمالية فقد كان فيها ثلاثة مداخل، و اوسطها اوسعها اذ يبلغ عرضه (95 ر 2 م) و هو يقابل المنارة الملوية تماما (74).

ان جميع الابواب المذكورة مستطيلة الشكل، و هي تمتد بواسطة دعامات ترتفع عليها عقود، و في اغلب الابواب تهدم البناء القائم فوقها، الا انه تبين بعد فحص النوافذ التي بقيت مصانة انه كان هناك عقد مرتفع مسطح يستند على عوارض‏ (75).

اما نوافذ الجامع فلم تكن كثيرة، اذ خلت جدرانه منها عدا القسم الاعلى من الضلع الجنوبية، اي الجدار القبلي. حيث توجد سلسلة من النوافذ تبدو من الخارج كفتحات ضيقة مستقلة،

____________

(74) مجلة سومر- العددان 1 و 2 لسنة 1969/ 146- 147.

(75) العمارة العباسية/ 139- 140.

122

الا انها تأخذ في الداخل هيئة شبابيك جميلة. و يتألف كل واحد من هذه الشبابيك من دخلة مستطيلة الشكل يظهر داخلها عمودان من الآجر يحملان طاقا مكونا من خمس حنايا. و كان عدد هذه النوافذ (24) نافذة، اثنتان منها تقعان فوق البابين الذين على جانبي المحراب. و يحيط بكل نافذة اطار مستطيل ارتفاعه (5 ر 2 م) و عرضه (90 ر 1 م). و هناك شباكان آخر ان في جنوبي كل من الضلعين الشرقي و الغربي. بحيث يصبح مجموع النوافذ (28) نافذة، و يظهر ان الشبابيك الاربعة فتحت في وقت متأخر عن وقت البناء (76).

و قد عثر هرزفيلد في اثناء تنقيباته على نوعين من الزجاج يتألف النوع الأول من بقايا الواح زجاجية سميكة بيّن انها كانت تستخدم لهذه النوافذ، و النوع الآخر قطع صغيرة مثلثة الشكل استخدمت لمل‏ء الحافات. و مما لفت نظره انه لم يجد هناك اية علاقة تذكر بين صف النوافذ و ترتيب الابراج، بل ان النوافذ جميعها متناسقة مع الاروقة الشمالية و الجنوبية للحرم و تقع على محاورها (77).

الاسوار الخارجية للجامع:

يستدل من الحفريات التي اجريت في منطقة الجامع و من الصور الجوية التي اخذت لها، انه كان يحيط بالجامع سور عظيم من الاجر من جوانبه الشرقية و الغربية و الشمالية. و يحيط بهذا السور من الجوانب الاربعة سور كبير آخر يفصله عن السور الأول فضاء مكشوف عظيم الاتساع في جهاته الجنوبية و الشرقية و الغربية، و يضيق في الجهة الشمالية، يبلغ طوله (444) مترا،

____________

(76) مجلة سومر- العددان 1 و 2 لسنة 1969/ 149.

(77) العمارة العباسية/ 141- 142.

123

و عرضه (376) مترا. و يدعمه (68) برجا، اربعة منها كبيرة دائرية الشكل في اركان السور، و سبعة عشر برجا، اربعة منها في كل من ضلعيه الشرقي و الغربي، و خمسة عشر برجا في كل من ضلعيه الشمالي و الجنوبي، و كلها بهيئة نصف دائرة (78).

كما لوحظت آثار ابنية بين جدران الجامع و السور الداخلي تدل على انها كانت مدارس دينية حول الجامع، يدرس فيها الطلاب الذين كانوا يسكنون هناك ايضا، على نمط المدارس الدينية الحالية الملحقة بالجوامع و الأماكن المقدسة (79).

المنارة الملوية:

الملوية مئذنة مخروطية الشكل تستند الى قاعدة مربعة، و يصعد الى قمتها من سطح مائل عريض يدور حولها من خارجها دوران الحلزون. و هي تقع خارج الجامع على بعد (25 مترا) من ضلعه الشمالية و على محوره الأوسط، و ترتبط به بممر عرضه (12 مترا). و كانت قد تعرضت الى تخريبات كثيرة و بخاصة في قاعدتها و في لوالبها الاولى، حتى ان معالم القاعدة كادت تزول تماما. فقامت دائرة الآثار القديمة باعمال الصيانة اللازمة لها منذ سنة 1937، فأظهرت اسس القاعدة و اعادت بناءها، و عمرت اللوالب فاعادت المرقاة الى حالتها السابقة (80). و في سنة 1970 شيدت سلما حديثا عند جانبها الجنوبي ليسهل عملية الصعود اليها، و اصلحت التخريبات التي في بدن المنارة و رممت القمة،

____________

(78) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 49، مجلة سومر المشار اليها/ 144.

(79) ري سامراء/ 112.

(80) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 45.

124

و نصبت سياجا حديديا حول بدن المئذنة بارتفاع مناسب ليؤمن خطر ارتقائها (81).

و يمكن تقسيم المنارة الملوية الى ثلاثة اقسام هي: القاعدة، و بدن المنارة، و قمتها.

تتألف القاعدة من مربعين الواحد فوق الآخر و ارتفاعهما معا 20 ر 4 م و طول ضلع المربع الأسفل 50 ر 31 م، و هناك افريز بارز بارتفاع 15 سم يمتد حول الجوانب الاربعة للقاعدة. اما المربع الثاني فهو فوق المربع السابق مباشرة و اصغر منه قليلا، و ابعاده 60 ر 20 م* 40 ر 30 م. و جوانب القاعدة مزخرفة بعدد من الحنايا المستطيلة المجوفة. فهناك ست حنايا على الجانب الجنوبي المقابل للضلع الشمالية للجامع، و تسع حنايا على كل جانب من الجوانب الثلاثة الأخرى‏ (82).

و تتصل قاعدة الملوية بالجامع بواسطة اسس آجرية يرجح انها بقايا السلم المتخذ للصعود الى هذه القاعدة. فقد كشفت الحفريات التي قام بها هرزفيلد و التحريات التي اجرتها مديرية الآثار العامة عن وجود سلم منحدر طوله 25 مترا و عرضه 12 مترا مشيد بالآجر، يبدأ من نقطة تبعد عن جدار الواجهة الشمالية للجامع بمسافة قدرها 25 ر 2 متر ثم يأخذ ذلك المنحدر بالارتفاع حتى يتصل بالقاعدة المذكورة، في نفس المكان الذي يبدأ فيه السلم الحلزوني الموصل الى اعلى المنارة الملوية (83).

و يرتفع بدن المنارة عن القاعدة ب 50 مترا. و تبدأ المرقاة الحلزونية التي تضمن الصعود الى القمة، من وسط الضلع الجنوبية للقاعدة و تدور حول محور المئذنة باتجاه معاكس لاتجاه‏

____________

(81) مجلة سومر- العددان 1 و 2 من السنة 1970/ 281.

(82) العمارة العباسية/ 159.

(83) مجلة سومر المشار اليها آنفا/ 280.

125

دوران عقرب الساعة، خمس مرات. و هي تتناقص في سعتها كلما ارتفعت، اذ انها تبدأ بعرض 50 ر 2 م و تنتهي بعرض 90 ر 1. الى ان تصل باب القمة الذي ينفتح هو ايضا في وسط الضلع الجنوبية. و يقول هرزفيلد ان السلم الحلزوني كان له سياج من الخشب، و قد استدل على ذلك من الثقوب التي رآها على الجانب الخارجي منه‏ (84).

و تكون القمة اسطوانة يبلغ ارتفاعها ستة امتار، و هي مزدانة بروازين عمياء مدببة العقد و مقعرة السطح، عددها ثمان، غير ان احداها تقوم مقام باب ينفذ الى داخل الاسطوانة و يوصل الى ذروتها بواسطة سلم حلزوني يدور داخلها حول محورها (85).

و هناك ثمانية ثقوب في قاعدة الاسطوانة استدل منها هرزفيلد انها ربما كانت تغطى ذلك الموضع سقيفة محمولة على ثمانية اعمدة خشبية مثبتة في تلك الثقوب. الا ان بعض الآثاريين رجحوا ان هذه الثقوب او الحفر تعود لأعمدة رخامية باعتبار ان الرخام اكثر مقاومة للعوامل الطبيعية. الا ان الهيئة الفنية التي انيط بها صيانة الملوية فى سنة 1970 عثرت في احد تلك الثقوب على بقايا من عمود خشبي، مما دل على ان هرزفيلد كان مصيبا في أستنتاجه‏ (86).

طراز المنارة الملوية:

امتازت منارة الجامع الكبير في سامرا بانها طراز غريب في نوعه، سواء من حيث شكلها و مظهرها، او طريقة ارتقائها الى اعلاها. فقد كانت المنائر حتى تاريخ انشاء الملوية اسطوانية في‏

____________

(84) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 45.

(85) نفس المصدر.

(86) مجلة سومر- للعددان 1 و 2 لسنة 1970/ 280.

126

شكلها او مربعة و يصعد اليها بسلالم داخلية. و كلما كانت المنارة مرتفعة سامقة كانت ادعى الى الجمال و الروعة. و ملوية سامرا بضخامتها و شكلها المخروطي اللولبي ليست جميلة رائعة حسب، بل انها مهيبة تملأ النفس رهبة و خشوعا اضافة الى سلمها الخارجي الحلزوني، مما اكسبها ميزة واضحة على غيرها من المنائر. و من هنا كان اهتمام الآثاريين، لا سيما المعماريين منهم شديدا في معرفة اصول هذا الطراز من المنائر، و حاولوا ان يتعرفوا على المصدر الذي اقتبسه منه معمار سامرا، فطرحت عدة افتراضات لذلك، و امعن بعضها في الغرابة حين افترض ان طراز الملوية مقتبس من معابد النار المجوسية. و يظهر ان اصحاب هذا الافتراض تناسوا ان الدين الاسلامي انما جاء ليقضي على المجوسية و معابدها، مما لا يمكن القول معه ان يقتبس طرازها. كما تناسوا اصالة حضارة وادي الرافدين و عمق جذورها، و انها عرفت هذا النوع من البناء ذي السلالم الحلزونية الخارجية.

فقد اقام العراقيون «الزقورات» في جنوبي البلاد و شماليها، التي تميز جميعها بضخامتها و تعدد طوابقها و طريقة ارتقائها الى اعلاها. و هي نفس الصفات التي تميزت بها ملوية سامرا. لذا يصح ما قاله كريزويل بان السلم الحلزوني المستخدم في منارة سامرا و منارة جامع ابي دلف مقتبس من الزقورات‏ (87)، قولا مقبولا.

ان الزقورات التي شيدت في سومر و بابل و آشور لم تكن من طراز واحد، كما انها اختلفت فيها طريقة الوصول الى قمتها.

فقد اتخذت في بعضها السلالم الاعتيادية المتصلة ببعضها بين طابق و آخر، و اتخذ في بعضها الآخر السلم الذي يدور حول البناء عدة دورات حتى يصل الى اعلاه. و كان برج بابل و زقورة خرسباد

____________

(87)Creswell ,E .M .A .P :972

127

(دور شروكين) قد اتبع فيهما الاسلوب الأخير. و يقول هيرودوتس عن برج بابل «ان حارة الاله (جوبتر- بعل) المقدسة فناء مربع طول كل ضلع من اضلاعه نصف الميل، ذو ابواب من البرنز الصلد، كانت ما تزال باقية في زمني. و يقع وسط ذلك الفناء او الساحة برج ذو بناء صلد طوله 8/ 1 الميل و عرضه 8/ 1 الميل ايضا، اقيم فوقه برج ثان و على هذا برج ثالث، و هكذا الى البرج الثامن الأعلى. و كان الصعود الى القمة من الخارج بواسطة سلم يدور حول جميع الابراج، و عند ما يبلغ المرء منتصف المسافة في صعوده فانه يجد موضعا للاستراحة، حيث اعتاد الناس الجلوس بعض الوقت و هم في طريق ارتقائهم الى القمة» (88).

اما زقورة خرسباد (دور شروكين) فقد كشفت منذ ما يزيد على مائة عام على يد الباحث الفرنسي فكتور بلاس-Victor Place الذي عثر على ثلاث طوابق و بقايا طابق رابع، و لم يجد الزقورة اسطوانية كما كان يتوقع بل وجدها مربعة الشكل طول ضلعها 10 ر 43 مترا، و لها سلم يبدأ من الزواية الجنوبية و يستمر على طول الواجهة و يلتف عند الزاوية، ثم يرتفع مارا بالزوايا على التوالي حتى يجد الصاعد نفسه في الطابق الأول فوق النقطة التي بدأ بالصعود منها و لكن على ارتفاع 10 ر 6 متر، و يستمر السلم بالدوران حول البرج بعكس اتجاه دوران عقرب الساعة- كما في ملوية سامرا- حتى يتم صعود الطوابق الثلاثة بارتفاع 10 ر 6 متر لكل منها (89). و يقول المهندس المعماري الهولندي بوسنك-Busink احد المختصين بالموضوع ان الزقورة المذكورة تتألف من خمسة طوابق فقط، و في الطابق الخامس معبد الاله آشور، و الوصول الى هذا الطابق لم‏

____________

(88) مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ 570.

(89)Creswell ,F .M .A .P :972

128

يكن بسلم اعتيادي و انما بمنحدر حلزوني يدور حول البرج‏ (90).

ان ما اوردناه آنفا يوضح ان طراز ملوية سامرا طراز محلي عريق توارثته الاجيال في وادي الرافدين خلال العصور الطويلة من تاريخها، بحيث لا يمكن الزعم بانه لم يكن هناك نموذج للملوية في العراق عند ما بنيت سامرا و اسس الجامع الكبير، في القرن الثالث، و ان المعمار الذي تولى بنايتها كان خبيرا ماهرا لا تنقصه القابلية على الابتكار و التطوير فبناها على اساس دائري و ليس مربعا، فجاء بهذه التحفة الفنية التي ستبقى خالدة على مر العصور.

5- قصور المتوكل على اللّه:

اهتم المتوكل على اللّه ببناء القصور اهتماما عجيبا يثير الانتباه. فقد بنى عددا منها في انحاء مختلفة من سامرا، و قد تفنن في تزينيها و زخرفتها و انشاء حدائقها و بركها الجميلة.

و لعله وجد في ذلك ما يشغله و يلهيه عن مشاكل القواد الأتراك، و يحرره من ضغوطهم المالية و الادارية. و قد سبقت الاشارة الى سوء العلاقة بين الطرفين، و محاولة كل منهما اخضاع الطرف الآخر او الفتك به و التخلص منه. الا ان مما يؤسف له انه رغم متانة بناء تلك القصور و رصانة اسسها، لم يبق منها شي‏ء سوى اطلال بعضها و آثار من اسسها تساعد الى حد ما على معرفة تخطيطها و مساحاتها و مواد بنائها. اما ما احتوت عليه من ريازة و تصاوير و افاريز مما يعبر عما وصل اليه الفن العمراني في عهد سامرا، فقد ذهب به الاهمال و عوادي الزمن، و لم يبق سوى بعض القطع و الكسر مما يعثر عليه بين الآكام، فتتخذ

____________

(90)Nenneveh and Btbylon ,P .ll .

129

وسيلة للاستدلال و الاستنتاج مما لا يمكن معه الوصول الى الحقيقة كاملة. و ان ما جاء في طيات المصادر التي ذكرت تلك القصور لا يزيد على نتف و اشارات لا تشفي الغليل، و ان ما قاله الشعراء فيها اقتصر على مدحها و التفاخر بها و ذلك في معرض مدح الخليفة و الثناء عليه و التزلف اليه. و لا يتضمن شعرهم شيئا عن محتوياتها او زخارفها و رسومها او اثاثها، سوى النزر اليسير.

على اننا سنحاول ان نتحرى ما جاء في ثنايا الشعر و تلك المصادر عما كانت تضمه تلك القصور بين جدرانها من مرافق و اجنحة، و ما يحيط بها من حدائق، و ما يزينها من برك و احواض. و يمكن اعتبار كتاب الديارات للشابشتي و معجم البلدان لياقوت الحموي اغزر تلك المصادر عن القصور المذكورة.

فقد ذكرا اغلبها و اشارا الى بعض مما ذكرنا، و لم يفتهما ان يبينا مقدار ما انفق من الأموال عليها. و يقدر الشابشتي مجموع ما انفقه المتوكل على اللّه على بناء القصور و عددها (19) قصرا بمائتي الف الف و اربعة و اربعة و سبعين الف الف درهم و مائة الف الف دينار (و لعلها مائة الف دينار)، و هي تعادل آنذاك ثلاثة عشر الف الف دينار و خمسمائة الف دينار و خمسة و عشرين الف دينار (91). و يقول ياقوت الحموي ان مجموع ما انفقه على ذلك هو مائتا الف الف درهم و اربعة و تسعون الف الف درهم‏ (92). اما النويري فيقول: «حكى المؤرخون انه أنفق في بنائها مائة الف دينار و خمسون الف دينار عينا، و مائتا الف الف و ثمانية و خمسون الف الف و خمسمائة الف درهم» (93).

____________

(91) الديارات/ 159- 160.

(92) معجم البلدان 3/ 175.

(93) نهاية الارب 1/ 406.

130

و سنحاول فيما يأتي من البحث ان نلم باكثر ما جاء في مصادرنا التراثية عن بعض تلك القصور، و ما اسفرت عنه التنقيبات و التحقيقات الحديثة عنها.

قصر بلكوارا:

اختلفت المصادر في اسم هذا القصر، اذ ورد باسماء متقاربة بالفاظها. فقد سماه اليعقوبي في (كتاب البلدان) «بلكوارا» (94). و ورد في الطبري «بركوارا» (95). و ذكره الشابشتي باسم «بركوار» و باسم «بركوارا» (96). اما ياقوت الحموي فقد سماه (يزكوار) و (بركوان) (97). و يبدو ان هذا الاسم من الكلمات الدخيلة و لذا تعدد صور رسمه و الفاظه.

و يقول الدكتور احمد سوسه ان المتوكل على اللّه اطلق عليه اسم «بلكوارا» الا ان بعض المؤرخين سموه بركوارا او بزكوارا (98).

و فسر الاستاذ عبد الحميد الدجيلي الكلمة بقوله انها فارسية و ضبطها الصحيح «بزركوارا» اي القصر العظيم الكبير جدا، و يرى الاستاذ احمد حامد الصرواف، و هو من الادباء المتقنين للغة الفارسية ان الاصح في تسميته هو «بركوارا» و معناه الهانى‏ء او الهني‏ء (99). و رأينا المستشرقين و الآثاريين ممن اشاروا الى هذا القصر انهم آثروا استخدام الاسم «بلكوارا» الذي ذكره اليعقوبي.

____________

(94) كتاب البلدان/ 265.

(95) الطبري 9/ 490.

(96) الديارات/ 150 و 156 و 159 و 160 على التوالي.

(97) معجم البلدان 1/ 410 و 3/ 175 و 5/ 71.

(98) ري سامراء 1/ 125.

(99) الديارات/ 366.

131

لقد شيد المتوكل على اللّه هذا القصر في اقصى الجنوب لمدينة سامرا في منطقة القادسية عملا بخطته في توسيع عمران المدينة الى مختلف جهاتها. و تقع اطلاله اليوم على مسافة ستة كيلومترات من مدينة سامراء الحالية و يسمى موقعه «المنقور». ذكره الشابشتي في معرض كلامه عن متنزه القادسية فقال: «و بالقادسية بني المتوكل قصره المعروف ببركوار، و لما فرغ من بنائه و هبه لابنه المعتز و جعل اعذاره فيه. و كان من احسن ابنية المتوكل و اجلّها، و بلغت النفقة عليه عشرين الف الف درهم» (100).

و اشار الى ان الايوان الذي اقيم فيه الاحتفال باعذار المعتز كان واسعا طوله مائة ذراع و عرضه خمسون ذراعا (101). و ذكر ان المتوكل على الله كان يتردد على هذا القصر في المواسم و الأعياد، و يجلس فيه للشراب‏ (102).

و يعتبر قصر بلكوارا القصر الوحيد من القصور التي بناها المتوكل على اللّه في سامرا مما امتدت اليه ايدي الآثاريين فكشفوا لنا عن معالمه ما لم تتضمنه المصادر التراثية. فقد نقب الاستاذ هرزفيلد في سنة 1911 في هذه المنطقة و اكتشف اسس و معالم القصر المذكور. و قد لخص ما كتبه عنه مؤلف كتاب (العمارة العباسية في سامرا) تلخيصا وافيا سنعتمد في استعراضنا هذا عليه ما لم نشر الى مصدر آخر (103).

تشغل مباني هذا القصر مساحة واسعة من الأرض تزيد على ثلاثة امثال مدينة سامراء الحالية عند ما كانت مسورة. و يحيط به سور مستطيل ذو ابراج طوله (1250) مترا، يرتكز جانبه‏

____________

(100) نفس المصدر/ 150.

(101) الديارات/ 150.

(102) نفس المصدر/ 160.

(103) العمارة العباسية/ 165- 170.

132

الجنوبي على شاطى‏ء دجلة الصخري الذي يرتفع بمقدار خمسة عشر مترا. و له ثلاثة ابواب تقع في منتصف الجدران الشمالية و الشرقية و الغربية. و يخترق البناء شارعان رئيسان متقاطعان.

و كانت الأرض تضم الى جانب القصر مجموعة من المنازل و ثكنات الحرس. و هناك حديقة واسعة خارج جدار القصر يحيط بها سور ذو دعامات يكسوه الملاط، ينتهي عند الشاطى‏ء بسقفيات غنية بالزخارف، و يتوسط الحديقة حوض ماء كبير. و قد انشى‏ء الى جانب الحديقة مرفأ خاص للسفن التي يستخدمها القصر (104).

و كان للقصر مدخل رئيس كبير يتوسط جداره الشمالي الشرقي، في منتصف ساحة مربعة عند تقاطع الشارعين. و تقسم بنايات القصر الى ثلاثة اقسام متوازية، يحتوي القسم الأوسط منها على بوابة القصر الضخمة، و ثلاث رحبات و تسع قاعات مرتبة على شكل صليب. و تفتح غرف العرش على الرحبة الثالثة كقاعات كبيرة مفتوحة على النهر. و قد روعي التناسق المحوري و التشابه التام على جانبي القصر. و كانت الواجهات المطلة على الرحبة و الحديقة ذات ثلاثة عقود، كما هي الحال في دار الخليفة، و يزيد العقد الأوسط منها اتساعا و ارتفاعا على العقدين الجانبيين. و خصصت القاعات ذات المداخل و الواجهات المتماثلة للاجتماعات العامة. اما القاعتان الخارجيتان الواقعتان على المحور الرئيس للقصر فلهما شكل الحرف و كان ذلك مألوفا آنذاك في ابنية سامرا. و تقوم حول هاتين القاعتين رحبات و غرف كثيرة للسكن، بينها حمام فاخر مكسو بالرخام.

و هناك اربع مجموعات من الغرف المتشابهة، بين اذرع الصليب، يتكون كل منها من ثماني غرف تدور حول فناء مربع‏

____________

(104) ري سامراء 1/ 127.

133

الشكل. و قد سقفت القاعات الكبيرة بالخشب، او بسقوف معقودة على الأرجح. اما الغرف الصغيرة فقد سقفت بعقود من الطابوق.

و شيد عدد من المساكن في القسم الممتد بين رحبة الشرق الثالثة و الحائط المطل على النهر. اما الفضاء المجاور للرحبتين فقد كان خاليا من البناء تقريبا. و هذه البيوت يمكن اعتبارها نماذج لطراز البيوت الخاصة في سامرا. فهي تتكون من ست عشرة غرفة مجتمعة حول فناء مستطيل الشكل، و يظهر انها كانت معدة لسكنى الحرم و الخدم.

و يلاحظ عند حائط الرحبة الثالثة بقايا مسجد ذي اروقة منتظمة، و له محراب في رواقه الجنوبي، ابعاده 15* 13 مترا، و له صفان من الاعمدة من الرخام او الخشب الساج. و كان المسجد مبنيا بالآجر، و لم يبق منه سوى آثار مواضع الاعمدة و اسس قواعدها. كما وجدت آثار مسجد صغير آخر في القسم الجنوبي من القصر، تبلغ ابعاده 35 ر 10* 76 ر 7 متر، و قد شيد باللبن، و له ثلاثة ابواب في جداره الشمالي، و يتألف محرابه من حنية مستديرة عميقة تحيط بها انصاف اعمدة مزخرفة بزخارف ذات تقوير، و هي تشكل اطارا مستطيلا للمحراب.

و يختلف القسم الشمالي من القصر في تخطيطه، ففيه رحبات كبرى يرجح انها كانت ثكنات للحرس.

و قد تميز قصر بلكوارا بزخارفه الجصية التي كانت تغطي مساحات كبيرة من سطوح جدرانه و سقوفه و افاريزه. و من طبيعة الزخارف التي تغطي مساحات واسعة انها تعتمد على تكرار الزخرف الواحد، و لذا يقل التنوع فيها. و لقد زينت جدران بعض الغرف و سقوفها بصور مائية مموهة بالذهب اضافة الى الزخارف الجصية. و كانت تعلو الافاريز حنايا جدارية في ثلاثة

134

صفوف، السفلى منها مربعة، و الوسطى مدببة العقد، و العليا دائرية. اما واجهة القصر ذات العقود الثلاثة فقد زينت بالفسيفساء الزجاجية على ارضية مذهبة.

و عملت ابواب الغرف من الخشب الجيد، و قد حفرت عليها الزخارف و النقوش الجميلة المختلفة، و قد موّه اكثرها بالذهب.

كما موهت مساميرها النحاسية بالذهب كذلك. اما النوافذ فكانت مغطاة بالزجاج الملون بمختلف الالوان لا سيما الازرق و الأصفر الغامق و الفاتح، و الأخضر الغامق، و الأحمر القاني، و البنفسجي و الابيض الرائق.

يعد قصر بلكوارا عملا معماريا من الطراز الاول، و لا يعود ذلك الى سعة مساحته حسب، و انما لما اشتمل عليه من مظاهر عمرانية غنية، و انسجام في مختلف اقسامه، و تخطيط قاعاته و رحباته، و تباين اشكال مداخله، و بلغ اقصى عظمته المعمارية في واجهته ذات العقود الثلاثة المزينة بالفسيفساء. كما ان اختيار المواقع يشير الى مهارة هندسية كبيرة، و معرفة واسعة باختيار المواقع الممتازة للبناء. اذ ان الواقف في الحجرة الوسطى يرى باتجاه الشمال الغربي صفا كبيرا من القاعات و رحبات الشرف الثلاث مع بواباتها، و الحديقة و النهر، و الاراضي المتموجة الممتدة الى الجزيرة.

و قدر رتبت شتى العناصر المتباينة التي كان يتألف منها هذا القصر العظيم ترتيبا متناسقا فبدت جميلة التركيب، روعي في تخطيطها ان تكون واسعة النطاق على هيئة الحرف بحيث ينتهي محورها الطويل العمودي على النهر بالغرف الثلاث المعقودة في الواجهة، و قد زينت زينة بديعة بآيات النحت و الفسيفساء (105).

____________

(105) دائرة المعارف الاسلامية 11/ 86.

135

و اعتبره الآثاري كريزويل من اعظم المنشآت المعمارية لكبر مساحته و ضخامة حجمه، و كثرة الظواهر الفنية المعمارية فيه‏ (106). و يقول عنه المستشرق الالماني بروكلمان انه اهم بناء لا تزال اسسه محفوظة لنا في سامرا، و قد اعجب كثيرا بتخطيطه و محتوياته و ملحقاته، و بخاصة ظاهرة الانسجام بينها (107).

و لخص العالم الآثاري ارنست كونل وصف القصر بمايلي: «بناه الخليفة المتوكل لأبنه المعتز، بالقرب من سامرا، على غرار قصر الحيرة. و به عدة افنية كبيرة متتابعة و عدد من قاعات العرش المتعامدة، ممتدة على طوله على هيئة ابهاء مكشوفة لها واجهات مؤلفة من ثلاثة عقود. و عن يمين وسطه و يساره تمتد اروقة بها عشرات من المساكن لكل منها فناء خاص. و ينتهي ذلك كله بحديقة تتجه نحو دجلة ممتدة الى ما وراء السور الخارجي، و بها حوض ماء و مرسى للزوارق» (108).

قصرا الشاه و العروس:

اعتبرهما اليعقوبي من القصور التي انفق عليها المتوكل على اللّه اموالا عظاما (109). و ذكرهما الشابشتي في جملة القصور التي انشأها المتوكل على الله‏ (110). و قال ياقوت الحمودي عنهما «قصران عظيمان بناحية سامرا انفق على عمارة الشاه عشرون الف الف درهم و على العروس ثلاثين الف الف درهم. ثم نقضت في ايام المستعين و وهب نقضاتها لوزيره احمد بن الخصيب فيما

____________

(106) ري سامراء 1/ 127.

(107) تاريخ الشعوب الاسلامية 2/ 50.

(108) الفن الاسلامي/ 37.

(109) تاريخ اليعقوبي 2/ 491.

(110) الديارات/ 159.

136

وهب له» (111). كما انه ذكر قصر العروس و ما انفق عليه في معرض بيان ما بناه المتوكل على اللّه من القصور (112).

و جاء في الاغاني «لما عقد المتوكل لولاة العهود من ولده ركب بسر من رأى ركبة لم ير احسن منها، و ركب ولاة العهود بين يديه، و الاتراك بين ايديهم اولادهم، يمشون بين يدي المتوكل بمناطق الذهب، و في ايديهم الطبرزينات المحلاة بالذهب. ثم نزل في الماء فجلس فيه و الجيش معه، في الجوانحيات و سائر السفن.

و جاء حتى نزل في القصر الذي يقال له العروس، و اذن للناس فدخلوا اليه. فلما تكاملوا بين يديه مثل ابراهيم بن العباس بين الصفين، فأستأذن في الانشاد فاذن له، فقال‏ (113):

و لما بدا جعفر في الخمي* * * س بين المطل و بين العروس‏

بدا لابسا بهما حلة* * * أزيلت بها طالعات النحوس‏

و لما بدا بين احبابه‏* * * ولاة العهود و عز النفوس‏

غدا قمرا بين اقماره‏* * * و شمسا مكللة بالشموس‏

و ذكر في حوادث السنة (237 ه) في النجوم الزاهرة «و فيها كان بناء قصر العروس بسامرا، و تكمل في هذه السنة، فبلغت النفقة عليه ثلاثين الف الف درهم» (114).

قصرا المختار و البديع:

ذكر اليعقوبي قصر البديع بين القصور التي بناها المتوكل على اللّه‏ (115). و ذكر الشابشتي القصرين المختار و البديع في‏

____________

(111) معجم البلدان 3/ 316.

(112) نفس المصدر/ 175.

(113) الاغاني 10/ 64.

(114) النجوم الزاهرة 2/ 290.

(115) تاريخ اليعقوبي 2/ 491.

137

جملة قصور المتوكل على اللّه‏ (116). و قال ياقوت الحموي عن قصر البديع: «اسم بناء عظيم للتوكل بسر من رأى» (117). و قال عن قصر المختار «قصر كان بسامرا من ابنية المتوكل. ذكر ابو الحسن علي بن يحيى المنجم عن ابيه، قال: أخذ المتوكل بيدي يوما و جعل يطوف الابنية بسامرا ليختار بيتا يشرب فيه. فلما انتهى الى البيت المعروف بالمختار استحسنه و جعل يتأمله و قال لي:

هل رأيت احسن من هذا البناء؟ فقلت: يمتع اللّه امير المؤمنين، و تكلمت بما حضرني. و كانت فيه صور عجيبة من جمتلها صور بيعة فيها رهبان و احسنها صورة شهار البيعة. فأمر بفرش الموضع و اصلاح المجلس. و حضر الندماء و المغنون، و اخذنا في الشرب.

فلما انتشى في الشرب اخذ سكينا لطيفا و كتب على حائط البيت:

ما رأينا كبهجة المختار* * * لا و لا مثل صور الشهار

مجلس حف بالسرور و بالنرجس‏* * * و الآس و الغنا و الزمار

ليس فيه عيب سوى ان‏* * * ما فيه سيفنى بنازل الأقدار

فقلت: يعيذ اللّه امير المؤمنين و دولته من هذا، و وجمنا.

فقال: شآنكم و ما فاتكم من وقتكم، و ما يقدم قولي خيرا و لا يؤخر شرا» (118). و قال ياقوت ان النفقة على قصر المختار كانت خمسة آلاف الف درهم‏ (119).

و جاء في الطبري عن هذين القصرين ان المتوكل على اللّه لما امر ببناء الماحوزة، و سماها الجعفري، امر بنقض القصر المختار

____________

(116) الديارات/ 159.

(117) معجم البلدان 1/ 359.

(118) معجم البلدان 5/ 70- 71.

(119) نفس المصدر 3/ 175.

138

و البديع و حمل ساجهما الى الجعفري‏ (120). و يقول الدكتور احمد سوسه ان الاطلال الموجودة في الساحة المسورة في حلبة السباق القديمة يرجح ان تكون من بقايا قصر البديع. و دليله على ذلك ان البحتري في احدى مدائحه الخليفة المعتز باللّه اقترح عليه ان يمد فرع قناة سامرا الذي انشى‏ء لتموين قصر الدكة بالماء. فيوصله الى قصر البديع و منه ينهيه الى دجلة قرب الجوسق و ذلك في قوله‏ (121):

الحقه يا خير الورى بمسيرة* * * و امدد فضول عبابه المتدفق‏

فاذا بلغت به البديع فانما* * * انزلت دجلة في بناء الجوسق‏

و يلاحظ ان الشاعر يقصد بذكر البديع الموضع الذي كان يشغله القصر المذكور، لأنه كان قد نقض في عهد المتوكل على اللّه، كما ذكرنا آنفا. ان يكون النقض قد شمل جانبا يسيرا منه و بقى القسم الرئيس للقصر ماثلا حتى عهد المعتز باللّه.

قصرا الصبيح و المليح:

يفهم من قصيدة للبحتري يشير فيها الى اربعة قصور من قصور المتوكل على اللّه، هي: الجعفري و شيراز و الصبيح و المليح، ان قصر: لصبيح شيد بعد المليح. و انهما يقعان في منطقة واحدة، و هما متقابلان تتوسطهما بركة من الرخام الاخضر يسقيها جدول‏

____________

(120) الطبري 9/ 212.

(121) ري سامراء 1/ 125.

139

ماء عليه دواليب يديرها النعام بدلا عن الجمال كما هو المألوف، يقول فيها (122):

و استتم الصبيح في خير وقت‏* * * فهو مغنى انس و دار مقام‏

ناظر وجهة المليح فلو* * * ينطق حياة معلنا بالسلام‏

البسا بهجة و قابل ذا ذاك،* * * فمن ضاحك و من بسام‏

كالمحبين لو اطاقا التقاء* * * افرطا في العناق و الالتزام‏

مستمد بجدول من عباب الماء* * * كالابيض الصقيل الحسام‏

فاذا ما توسط البركة الخضراء* * * القت عليه صبغ الرخام‏

فتراه كأنه ماء بحر* * * يخدع العين و هو ماء غمام‏

و الدواليب اذ يدرن‏* * * و لا ناضح بهن غير النعام‏

ان خير القصور اصبح موهوبا* * * بكره العدى لخير الامام‏

و كان مبلغ ما انفق على كل من الصبيح و المليح خمسة آلاف الف درهم‏ (123). مما يستدل منه انهما قصران صغيران اعدا للنزهة و الاستراحة. و يظهر من قصيدة اخرى للبحتري امتدح بها

____________

(122) كامل القصيدة في ديوان البحتري 3/ 2004- 2007.

(123) معجم البلدان 3/ 175.

140

المتوكل على اللّه بعد انتهائه من بناء القصر الجعفري في المتوكلية في سنة 246 ه، ان قصر الصبيح كان روضة بهيجة كثيرة الورود.

و كنا ذكرنا بعض ابيات هذه القصيدة عند الكلام عن القصر الجعفري.

و قد ذكر الشابشتي هذين القصرين بين قصور المتوكل على اللّه‏ (124). كما كنا قد اشرنا في مكان آخر الى ان هذين القصرين يرجع انهما بنيا في المتنزه الذي انشأه المتوكل على اللّه في حير الحيوانات.

قصر البرج:

يقول اليعقوبي ان المتوكل على اللّه انفق على البرج الف الف و سبعمائة الف دينار (125). و يقول ياقوت الحموي ان ما انفق عليه كان عشرة آلاف الف درهم‏ (126). و ذكر الشابشتي نفس المبلغ الذي قال به اليعقوبي‏ (127). و يظهر مما سنذكره من بعض اوصاف القصر ان ما ذكره اليعقوبي و الشابشتي اقرب الى واقع النفقة عليه.

يصفه الشابشتي بأنه «من احسن ابنية المتوكل، فجعل فيه صورا عظاما من الذهب و الفضة، و بركة عظيمة جعل فرشها ظاهرها و بطاننها صفائح الفضة. و جعل عليها شجرة ذهب فيها كل طائر يصوت و يصفر، و كلله بالجوهر، و سماها طوبى. و عمل له سرير من الذهب كبير عليه صورتا سبعين عظيمين، و درج عليها

____________

(124) الديارات/ 159.

(125) تاريخ اليعقوبي 2/ 491.

(126) معجم البلدان 3/ 175.

(127) الديارات/ 161.

141

صور السباع و النسور و غير ذلك، على ما يوصف به سرير سليمان بن داود (عليهما السلام). و جعل حيطان القصر من داخل و خارج ملبسة بالفسيفساء و الرخام المذهب. فبلغت النفقة على هذا القصر الف الف و سبعمائة الف دينار. و جلس فيه على السرير الذهب، و عليه ثياب الوشى المثقلة. و امر الا يدخل عليه احد الا في ثياب و شي منسوجة او ديباج ظاهرة. و كان جلوسه فيه سنة تسع و ثلاثين و مائتين. ثم دعا بالطعام، و حضر الندماء و سائر المغنين و الملهين، و كل الناس. و رام النوم فما تهيأ له. فقال له الفتح: يا مولاي، ليس هذا يوم نوم. فجلس للشرب. فلما كان الليل رام النوم، فما امكنه، فدعا بدهن بنفسج، فجعل منه شيئا على رأسه و تنشقه فلم ينفعه. فمكث ثلاثة ايام بلياليها لم ينم.

ثم حم حمى حادة، فانتقل الى الهاروني قصر اخيه الواثق، فاقام به ستة اشهر عليلا، و امر بهدم البرج و ضرب تلك الحلى عينا» (128).

و قد نقل النويري طرفا من هذا الوصف، و اضاف: و قد وصفه الشعراء فمن ذلك قول السري‏ (129):

مجلس في فناء دجلة، يرتاح اليه الخليع و المستور

طائر في الهواء، فالبرق يسري‏* * * دون اعلاه و الحمام يطير

فاذا الغيم سار، اسيل منه‏* * * حلل دون جدره و ستور

____________

(128) الديارات/ 160- 162.

(129) نهاية الأرب 1/ 406- 407. و السري هو الشاعر ابو الحسن السري ابن احمد بن السري الكندي، الملقب بالرفاء، لانه كان في صباه يرفو و يطرز الملابس. توفي سنة 366 ه و قيل سنة 344 ه- و فيات الاعيان 2/ 104- 105.

142

و اذا غارت الكواكب صبحا* * * فهو الكوكب الذي لا يغور

و قال ايضا:

منزل كالربيع حلت عليه‏* * * حالبات السحاب عقد النطاق‏

يمتع العين في طرائف حسن‏* * * تتحامى بها عن الاطراق‏

بين ساج كأنه ذائب‏* * * التبر مثل ذائب الأوراق‏

و يظهر من هذا الوصف ان قصر البرج كان عظيم الارتفاع، يناطح الغيم: ناصع البياض يغالب بياضه ضوء الشمس، و انه كان متعة للناظرين. و يوحي هذا الوصف ان القصر بقي عامرا شامخا حتى اواخر مقام الخلافة بسامرا و بعدها لعدة عقود من السنين بحيث ادركه الشاعر السري و وصفه بشعره المذكور. و قد اشار الشابشتي الى ان المتوكل على اللّه امر بهدمه في اواسط عهده بالخلافة. الا ان يكون الهدم قد اهمل في حينه بالنظر لجمال القصر و روائه، او ان الهدم اقتصر على قسم منه.

القصور الاخرى:

و هناك قصور اخرى شيدها المتوكل على اللّه، الا ان ما جاء عنها في المصادر ليس فيه ما يستحق الذكر سوى نسبة تلك القصور الى الخليفة المذكور، و ذكر المبالغ التي أنفقت عليها. و قد يرد في بعضها معلومات قليلة جدا عنها. و من هذه القصور مما اتفق على ذكرها الشابشتي و ياقوت الحموي ما يأتي‏ (130):

____________

(130) الديارات/ 159 و معجم البلدان 3/ 175.

143

البهو: و قد انفق على تشييده خمسة و عشرون الف الف درهم، و لم يذكرا شيئا عن موضعه و تاريخ انشائه. و يبدو انه كان فخما فسيحا لارتفاع كلفته.

الجعفري المحدث: بلغت النفقة عليه عشرة آلاف الف درهم.

و قد ذكره الطبري في احداث سنة 248 ه، و ذلك عند ما سكنه المنتصر باللّه الذي أثر ترك المتوكلية و العودة الى سامرا، و فيه كانت وفاته‏ (131).

شيراز: انفق عليه عشرة آلاف الف درهم. و ذكره الشابشتي باسم «السندان».

الغريب: بلغت النفقة عليه عشرة آلاف الف درهم.

قصر بستان الايتاخية: انفق على تشييده عشرة آلاف الف درهم. و سماه الشابشتي «القصر». و قد يكون هو احد القصور التي ذكرها اليعقوبي ان عندها ينتهي شارع ابي احمد في قطيعة القائد ايتاخ‏ (132).

القلائد: ذكره ياقوت الحموي و قال ان المتوكل على اللّه انفق عليه خمسين الف دينار، ثم جعل فيه ابنية بمائة الف دينار. و ذكره الشابشتي باسم «القلاية».

الجوسق: كان المعتصم باللّه شيد قصرا كبيرا لسكناه على دجلة جنوبي دار العامة و سماه الجوسق الخاقاني. و قد اشرنا اليه و الى اهميته في تاريخ سامرا. و بنى المتوكل على اللّه قصرا بنفس الاسم انفق عليه خمسمائة الف درهم‏ (133). و يظهر من ضآلة المبلغ الذي انفق على بنائه اذا ما قورن بما انفق على القصور الاخرى التي‏

____________

(131) الطبري 9/ 237 و 244 و 254.

(132) كتاب البلدان 261- 262.

(133) معجم البلدان 3/ 175.

144

بناها الخليفة المذكور، انه لم يكن قصرا فخما قائما بذاته، بل ربما كان جناحا ملحقا بالجوسق الخاقاني فسمي باسمه.

و قد سبق للمتوكل على اللّه لما نزل في اول خلافته في القصر الهاروني انه بنى فيه ابنية جديدة. فمدحه الشاعر علي بن الجهم و وصف بعض معالم هذا القصر بما يوحي كأن المتوكل على اللّه هو الذي بناه، بقصيدة منها قوله‏ (134):

ما زلت اسمع ان الملوك‏* * * تبني على قدر اخطارها

و اعلم ان عقول الرجال‏* * * يقضى عليها بآثارها

فللروم ما شاده الاولون‏* * * و للفرس مأثور احرارها

فلما رأينا بناء الأمام‏* * * رأينا الخلافة في دارها

بدائع لم ترها فارس‏* * * و لا الروم في طول اعمارها

صحون تسافر فيها العيون‏* * * و تحسر عن بعد اقطارها

و قبة ملك كأن النجو* * * م تفضي اليها باسرارها

لها شرفات كان الربيع‏* * * كساها الرياض بانوارها

نظمن الفسيفس نظم الحلي‏* * * لعون النساء و ابكارها

فيضن كمصبحات برزن‏* * * بفصح النصارى و افطارها

فمنهن عاقصة شعرها* * * و مصلحة عقد زنارها

و سطح على شاهق مشرف‏* * * عليه النخيل بأثمارها

و فوارة ثأرها في السماء* * * فليست تقصر عن ثارها

ترد على الحزن ما انزلت‏* * * على الارض من صوب مدرارها (135)

____________

(134) كامل القصيدة في ديوان علي بن الجهم/ 28- 30، و يقول ياقوت انه قالها في القصر الجعفري- معجم البلدان 3/ 175.

(135) ورد هذا البيت ببعض الاختلاف في «عيون الاخبار» 1/ 313.

145

فلا زالت الارض معمورة* * * بعمرك يا خير عمارها

يتضح من بعض ابيات هذه القصيدة ان بناء القصر الهاروني كان مبتكرا في طرازه فاق ما يعرفه الروم و الفرس من طرز البناء.

و انه واسع الصحون فسيح الابهاء، تعلوه قبة تناهز النجوم بارتفاعها، و قد سبقت الاشارة اليها، و له شرفات تزين جدرانها زخارف الفسيفساء و فيها صور الازهار، و صور النساء من النصارى و هن بهيئات مختلفة من عاقصة شعرها، و مصلحة عقد زنارها. كما يظهر ان المتوكل على اللّه اضاف الى القصر نافورة ماء، فأشاد الشاعر بقوة دفعها الماء حتى لترد المطر الساقط من السماء. كما اشاد باهتمام الخليفة بالعمران و انه فاق غيره من الخلفاء في ذلك. و قد اشاد الشاعر نفسه بالبركة التي توسطتها الفوارة المذكورة، و ان المتوكل هو الذي انشأها في هذا القصر، بقصيدة اخرى منها (136):

انشأتها بركة مباركة* * * فبارك اللّه في عواقبها

حفت بما تشتهي النفوس لها* * * و حارت الناس في عجائبها

لم يخلق اللّه مثلها وطنا* * * في مشرق الارض و مغاربها

كأنها و الرياض محدقة* * * بها عروس تجلى لخاطبها

من اي اقطارها اتيت‏* * * رأيت الحسن حيران في جوانبها

للموج فيها تلاطم عجب‏* * * و الجزر و المد في مشاربها

الوحيد و التل و الجامع: انفرد ياقوت الحموي بذكر القصر «الوحيد» و قال ان المتوكل على اللّه انفق عليه الفي الف درهم.

و يظهر من قلة كلفته انه كان دارا صغيرة للاستراحة. و «قصر التل» الذي انفق عليه خمسة الاف الف درهم. و هناك من يرجح‏

____________

(136) ديوان علي بن الجهم/ 32.

146

ان آثار البناية التي كشفت عنها تنقيبات هرزفيلد في قمة تل العليق قد تكون هي أطلال هذا القصر (137).

كما انفرد الشابشتي بذكر قصر اسمه «الجامع» الا انه لم يبين موضعه و لا المبالغ التي انفقت عليه.

الغرد:

و من القصور التي ذكرها ياقوت الحموي قصر «الغرد» و قال عنه «هو بناء للمتوكل بسر من رأى في دجلة انفق عليه الفي الف درهم، و لم يصح لي انا ضبطه و ما اظنه الا الغرد، و اللّه اعلم» (138).

و قد ذكر البحتري هذا القصر في قصيدتين امتدح بهما المتوكل على اللّه، فقد قال في احداهما (139):

أحسن بدجلة منظرا و مخيما* * * و الغرد في اكتاف دجلة منزلا

خضل الفناء متى وطئت ترابه‏* * * قلت: الغمام انهل فيه فاسبلا

حشدت له الامواج فضل دوافع‏* * * أعجلن دو لابيه ان يتمهلا

تبيض نقيته و يسطع نوره‏* * * حتى تكل العين فيه و تتكلا

كالكوكب الدري اخلص ضوءه‏* * * حلك الدجى حتى تألق و انجلى‏

____________

(137) ري سامراء 1/ 119.

(138) معجم البلدان 4/ 192- 193.

(139) ديوان البحتري 3/ 1651- 1654.

147

رفدت جوانبه القباب ميامنا* * * و مياسرا و سفلن عنه و اعتلى‏

فتخاله و تخالهن ازاءه‏* * * ملكا تدين له الملوك ممثلا

و على اعاليه رقيب ما يني‏* * * كلفا بتصريف الرياح موكلا

من حيث دارت يطلب وجهها* * * فعل المقاتل جال ثم استقبلا

بدع لبدع في السماحة ما ترى‏* * * من امره الا عجيبا مجذلا

و يفهم مما جاء في هذه الأبيات ان بناية الغرد كانت مرتفعة جدا بحيث انها تعلو على ما جاورها من المباني، و انها كان في اعلاها ما يشير الى اتجاه الريح، مما اعتبره الشاعر من الاعمال المبتكرة العجيبة.

و جاء ذكر «الغرد» في قصيدة اخرى للبحتري امتدح بها المتوكل على اللّه عند ما عقد الصلح مع بني تغلب، و منها قوله‏ (140):

تؤم القصور البيض من ارض بابل‏* * * بحيث تلاقى (غردها) و (بديعها)

____________

(140) نفس المصدر 2/ 1296- 1301.

148

اذا اشرق البرج المطل رمينه‏* * * بأبصار خوص قد أرثت قطوعها

و فيها يصف الشاعر الأبل التي كدها السير و هي تنظر باعين غائرة الى هذه القصور السامقة. و يبدو ان القصور الثلاثة، الغرد و البديع و البرج كانت متقاربة من بعضها.

***

149

الفصل الرابع تأسيس مدينة المتوكلية (الجعفرية)

1- تأسيس المدينة:

كان اضخم اعمال المتوكل على اللّه العمرانية تأسيسه مدينة جديدة سميت باسمه. فقد بذل اول امره جهودا كبيرة في توسيع مدينة سامرا و تحسينها و ايصال الماء اليها، و انفق على ذلك اموالا طائلة، ليجعل منها اجمل مدينة تليق بأن تكون عاصمة الدولة العربية المترامية الاطراف. و لكن سامرا، مع ما اقامه فيها من منشآت عمرانية و مشاريع اروائية، لم تشبع طموحه، بل انها ضاقت باحلامه و رغباته. فراح يفكر في انشاء مدينة جديدة يشرف على تخطيطها و بنائها وفق ما يطمح اليه من شوارع عريضة مستقيمة، و قصور فخمة جليلة، و حدائق غناء و متنزهات جميلة، و مبان واسعة لدواوين الدولة. و استولت عليه رغبة ملحة في ان تنسب اليه المدينة ليخلد بها اسمه. فأمر محمد بن موسى المنجم و من يحضر ببابه غيره من المهندسين ان يختاروا موضعا صالحا لانشاء مدينة خاصة به بالمواصفات التي يريدها. فوقع اختيارهم على موضع يقع شمال مدينة سامرا، بينها و بين تكريت، يقال له الماحوزة (1)،

____________

(1) كذا سماها اليعقوبي و الطبري و البلاذري، الا ان المسعودي و ابن الاثير يسميانها «الماخورة»- كتاب البلدان/ 266، و الطبري 9/ 212، و فتوح البلدان، 295، و مروج الذهب 4/ 130، و الكامل 7/ 87.

150

على بعد عشرين كيلومترا تقريبا من سامراء الحالية (2). و قالوا له ان المعتصم قد رأى ان يبني هنا مدينة و يحفر نهرا كان في الدهر القديم‏ (3)، فلقي ذلك هوى في نفسه. و يظهر انه فضل هذا الموضع لأنه يمتد على ضفاف دجلة مثل مدينة سامرا، و ان فيه نهرا مندرسا يسد حاجة المدينة الجديدة و منشآتها من المياه اذا ما اعيد حفره.

و قد ايد المهندسون صلاحية المنطقة للبناء، و ان من الممكن احياء النهر المذكور اذا ما توفرت النفقات اللازمة لذلك، و كانوا قدروا النفقة على احيائه بالف الف و خمسمائة الف دينار (4). و مع جسامة المبلغ فقد رضى المتوكل على اللّه و طاب نفسا و أمر بالمباشرة بحفره بنفس الوقت الذي بوشر فيه بتخطيط المدينة و البناء فيها.

و قد حدد البلاذري موضع المدينة بقوله «ثم انه احدث مدينة سماها المتوكلية و عمرها و اقام بها و اقطع الناس فيها القطائع، و جعلها فيما بين الكرخ المعروف بفيروز و القاطول، فدخلت الدور و القرية المعروفة بالماحوزة فيها، و بنى بها مسجدا جامعا» (5).

كانت اعمال تأسيس المدينة و بنائها بدأت مع البدء بحفر النهر، فكان لا بد من توفير المياه اللازمة لأعمال البناء، و لذا امر المتوكل على اللّه بانشاء كهريز يستمد مياهه من نهر دجلة بالقرب من تكريت و يحملها الى موقع المدينة الجديدة على شاكلة قناة سامرا التي سبق ان انشئت لأيصال المياه الى سامرا و كانت قناة جوفية، و يمكن تتبع آثار هذا الكهريز على طول المسافة من صدره حتى‏

____________

(2) ري سامراء 2/ 315.

(3) كتاب البلدان/ 266.

(4) كتاب البلدان/ 266. و في الطبري 9/ 212 ان ما قدر من النفقة كان مائتي الف دينار.

(5) فتوح البلدان/ 295- 296.

151

مدينة المتوكلية. فهو يبدأ من دجلة بالقرب من تلول هطرة، ثم يسير بموازاة قناة سامرا «قناة المتوكل» فيخترق الدور، و يتابع سيره الى جانب كهريزي القناة المذكورة حتى يصل امام قنطرة الرصاص التي على القاطول الاعلى، فينحرف نحو الغرب. و بعد ان يقطع قناة سامرا و القاطول يتجه نحو مدينة المتوكلية. و لا تزال شبكة الكهاريز التي كانت تتفرع من الكهريز المذكور ماثلة يمكن مشاهدتها في عدة امكنة داخل اطلال مدينة المتوكلية (6). و كان ذلك ضروريا لتعذر نقل كميات المياه المطلوبة للبناء من نهر دجلة على ظهور الحيوانات.

و قد عين المهندسون مواضع قصور الخليفة، و دار الخلافة و الدواوين الرسمية، و المناطق السكنية، و قطائع القواد و الجند.

و وضعوا التفصيلات اللازمة لعمرانها، و جي‏ء بالعمال و البنائين، و قام العمل على قدم و ساق لانجاز المدينة بأقصر وقت ممكن. و مدوا الشارع الأعظم من دار اشناس التي بالكرخ، و كانت قد صارت للفتح بن خاقان، مسافة ثلاثة فراسخ شمالا، و جعلوا عرضه في مدينة المتوكلية مائتي ذراع، و قدروا ان يحفر على جانبيه جدولان يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي بوشر بحفره. و اقطع الخليفة ولاة عهوده الثلاثة و سائر اولاده، و قواده و كتابه و جنده، و سائر الناس كافة، عن يمين الشارع الاعظم و عن يساره، و جعل الاسواق الكبيرة في موضع منعزل، كما جعل في كل مربعة و قطيعة سوقا خاصا بها (7). و قد بدأ العمل في بناء المدينة في سنة 245 ه.

و تميز الشارع الأعظم بطوله و استقامته، و لا سيما بعد ان امتد الى آخر مدينة المتوكلية وضوعف عرضه. اذ بعد ان يترك سور

____________

(6) ري سامراء 2/ 340- 342.

(7) كتاب البلدان/ 266- 267.

152

اشناس يتجه شمالا مسافة كيلومترين تقريبا ثم ينعطف نحو الغرب قليلا فيسير باتجاه مستقيم بين نهر دجلة و القاطول الاعلى، و بعد ان يسير مسافة كيلومتر واحد تقريبا يتضاعف عرضه الى مائتي ذراع، و يستمر في نفس الاتجاه مسافة ستة كيلومترات و نصف الكيلومتر تقريبا فيجتاز السور الذي يفصل بلاط الخليفة و قصوره و دواوين الدولة عن بقية المدينة، فيعود الى عرضه السابق حتى يصل الى نهاية المدينة. (8) و واضح ان هذه المنطقة من المدينة يقل فيها الزحام، و تتطلب الهدوء، و لذا فلا تحتاج الى ذلك الشارع العريض. و يبلغ طول الشارع الاعظم في داخل مدينة المتوكلية حوالي اثني عشر كيلومترا و نصف الكيلومتر (9).

و يظهر ان تصميم مدينة المتوكلية وضع على اساس تقسيمها الى ثلاثة اقسام: اولها القسم الجنوبي منها و يعرف باسم دور عربايا او الدور العرباني، و قد خصص لسكنى الناس بصورة عامة و كانت شوارعه الفرعية مستقيمة و متوازية، و يخترق الشارع الأعظم هذا القسم من المدينة من الجنوب الى الشمال، و كان يعرف بالشارع الغربي، و الى شرقيه شارع آخر هو امتداد لشارع ابي احمد في سامرا، و كان يسمى بالشارع الشرقي. و خصص القسم الممتد على ضفاف دجلة من هذا الجزء من المدينة الى الفتح بن خاقان و ابراهيم بن رباح. و قد سبق ان اشرنا الى ان دار اشناس و قطيعته قد صارت الى الفتح بن خاقان‏ (10).

و القسم الثاني هو القسم الوسطي من المدينة و قد خصص لقطائع القواد و اصحابهم، فكان لكل قائد قصر خاص يطل على دجلة، و تمتد قطيعته التي تنتشر فيها مساكن اتباعه من الجند،

____________

(8) كتاب البلدان/ 266، و الطبري 9/ 212، و الكامل 7/ 87.

(9) كتاب البلدان/ 266 و ري سامراء 2/ 339.

(10) ري سامراء 2/ 624- 625.

153

شرقي قصره، فتخترق الشارع الأعظم و شارع ابي احمد حتى تنتهي الى ضفة القاطول الاعلى. و في هذا الجزء من المدينة يتسع عرض الشارع الأعظم الى مائتي ذراع، و تتفرع من جانبيه شوارع فرعية بزوايا قائمة، تنتهي الغربية منها الى ضفاف نهر دجلة، و تنتهي الشرقية الى ضفاف القاطول الاعلى. و شيد في شمالي هذا القسم جامع المدينة المعروف باسم جامع ابي دلف و مئذنته الملوية. و ينتهي القسم الوسطي من المدينة شمالي الجامع بقليل حيث يبدأ القسم الثالث منها، و هو القسم الشمالي الذي خصص لدار الخلافة و دواوين الدولة و قصور المتوكل على اللّه، و يفصله عن بقية اجزاء المدينة سور يمتد بين ضفة القاطول الأعلى و نهر دجلة و له ثلاثة ابواب عظام جليلة يدخل منها الفارس برمحه‏ (11). بحيث كانت هذه المنطقة معزولة تماما عن المدينة.

و قد روعيت حماية هذا القسم و عزلته فقد كان يحده من الشمال و الشرق نهر القاطول الاعلى، و من الغرب نهر دجلة و من الجنوب السور الذي مر ذكره. و لا سبيل للوصول الى هذا القسم من غير الابواب الثلاثة المارة الذكر. كما يلاحظ ان دار الخلافة و دواين الدولة و قصور الخليفة قد احيطت هي الاخرى بسور خاص بها يبلغ طوله اربعة كيلومترات و نصف الكيلومتر تقريبا. و قد تركت بين السور الفاصل بين القسمين الوسطي و الشمالي، و القسم الخاص بدار الخلافة و الدواوين مساحات واسعة نظمت فيها حدائق و بساتين يخترقها شارعان يؤديان الى دار الخلافة و دواوين الدولة (12).

و كان المتوكل على اللّه يتفقد بنفسه سير العمل في بناء مدينته، و في حفر النهر، فمن رآه من العاملين قد جد في البناء

____________

(11) كتاب البلدان/ 266.

(12) ري سامراء 2/ 625- 627.

154

اجازه و اعطاه، فجد الناس و نشطوا للعمل‏ (13)، و بلغ من حرصه على متابعة العمل و الاسراع في انجازه انه انتقل الى قرية المحمدية ليكون قريبا من الماحوزة ليسهل عليه الاشراف على ذلك‏ (14).

و المحمدية قرية قريبة من الماحوزة كانت تعرف بالايتاخية نسبة الى القائد التركي ايتاخ، و سماها المتوكل على اللّه المحمدية باسم اكبر ابنائه محمد المنتصر، و كانت تعرف قبل انشاء سامرا بدير ابي الصفرة، و هم قوم من الخوارج‏ (15). و يرجح ان تسميتها بالمحمدية كانت بعد ان تمكن من القائد المذكور و قتله. و يتبادر الى الذهن ان اقامة المتوكل على اللّه في المحمدية، ربما كانت وسيلة للتخلص من معاكسة القواد الاتراك له في سامرا و الابتعاد عن مشاكلهم العديدة معه.

لقد ارتفع البنيان في خلال مدة تزيد على السنة، اذ بنيت القصور و شيدت الدور. و سمي المتوكل على اللّه المدينة الجديدة «الجعفرية» نسبة اليه، الا انه كان هو و خاصة اصحابه يسمونها «المتوكلية» (16). و كان البناء قد اتصل منها الى الدور ثم الكرخ و سامرا حتى اسفل المطيرة، حيث شيد قصر المعتز بن المتوكل على اللّه، و لم يبق بين ذلك مكان لا عمارة فيه، و كان مقدار ذلك سبعة فراسخ‏ (17).

و انتقل المتوكل على اللّه الى قصور هذه المدينة في اول يوم من المحرم من سنة 247 ه. فلما جلس اجاز الناس بالجوائز السنية و وصلهم، و اعطى جميع القواد و الكتاب، و من تولى عملا و ساهم في تأسيس المدينة، و تكامل له السرور حتى قال: «الآن علمت اني‏

____________

(13) كتاب البلدان/ 266.

(14) الطبري 9/ 212.

(15) معجم البلدان 5/ 65.

(16) كتاب البلدان/ 266، و الطبري 9/ 212، و الكامل 7/ 87.

(17) كتاب البلدان/ 266- 267.