سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
155

ملك اذ بنيت لنفسي مدينة سكنتها» (18). و اقام فيه احتفالا جمع فيه القراء، و احضر اصحاب الملاهي، و وهبهم اكثر من الفي الف درهم‏ (19).

و امر الخليفة بان تنقل دواوين الدولة من سامرا الى الجعفرية، فنقل ديوان الخراج و ديوان الضياع و ديوان الزمام و ديوان الجند و الشاكرية و ديوان الموالي و الغلمان و ديوان البريد، و جميع الدواوين الاخرى‏ (20). و من الطبيعي ان ينتقل الى العاصمة الجديدة حاشية الخليفة و ندماؤه و مستشاروه، و رجال الدولة و موظفوها، و كل من له علاقة بمؤسساتها و دواوينها المختلفة.

كما انتقل اليها العديد من الناس اقتداء بالخليفة و رغبة في التجديد. و يقول ياقوت الحموي: «و لما انتقل المتوكل من سامراء الى الجعفرية انتقل معه عامة اهل سامراء حتى كادت تخلو، فقال في ذلك ابو علي البصير هذه الأبيات» (21)، منها قوله:

ان الحقيقة غير ما يتوهم‏* * * فاختر لنفسك أي امر تعزم‏

أتكون في القوم الذين تأخروا* * * عن خطهم ام في الذين تقدموا

لا تقعدن تلوم نفسك، حين لا* * * يجدي عليك تلوم و تندم‏

أضحت قفارا سر من را ما بها* * * الا لمنقطع به متلوم‏

تبكي بظاهر وحشة و كأنها* * * ان لم تكن تبكي بعين تسجم‏

رحل الامام فاصبحت، و كانها* * * عرصات مكة حين يمضي الموسم‏

____________

(18) نفس المصدر/ 267.

(19) الطبري 9/ 212، و الكامل 7/ 87.

(20) كتاب البلدان/ 267.

(21) معجم البلدان 2/ 143- 144.

156

و كأنما تلك الشوارع بعض ما* * * أخلت اياد من البلاد و جرهم‏

كانت معادا للعيون، فأصبحت‏* * * عظة و معتبرا لمن يتوسم‏

فارحل الى الارض التي يحتلها* * * خير البرية، ان ذاك الأحزم‏

و انزل مجاوره باكرم منزل‏* * * و تيمم الجهة التي يتيمم‏

ارض تسالم صيفها و شتاؤها* * * بالجسم بينهما يصح و يسقم‏

و من اشهر ما قيل من الشعر في مدينة المتوكلية ما قاله الشاعر البحتري يمتدح المتوكل على اللّه و يشيد بالمدينة الجديدة. فقد قال في ذلك قصيدة منها ( (*)):

يهنيك في المتوكلية أنها* * * حسن المصيف بها، و طاب المربع‏

فيحاء مشرقة يرق نسيمها* * * ميث تدرجها الرياح و اجرع‏

و فسيحة الاكناف ضاعف حسنها* * * بر لها مفضى و بحر مترع‏

____________

(*) ديوان البحتري- طبعة بيروت، 1/ 42- 44.

157

قد سر فيها الاولياء اذ التقوا* * * ببناء منبرها الجديد فجمعوا

فارفع بدار الضرب باقي ذكرها* * * ان الرفيع محله من ترفع‏

و من قوله في قصيدة اخرى‏ (22):

ارى المتوكلية قد تعالت‏* * * محاسنها، و اكملت التماما

قصور كالكواكب لامعات‏* * * يكدن يضئن للساري الظلاما

وبر مثل برد الوشي فيه‏* * * جنى الحوذان ينثر و الخزامى‏

اذا برز الربيع له كسته‏* * * غوادى المزن و الريح النعامى‏

غرائب من فنون النبت فيها* * * جنى الزهر الفرادى و التواما

تضاحكها الضحى طورا و طورا* * * عليها الغيث ينسجم انسجاما

عند ما انتقل المتوكل على اللّه الى عاصمته الجديدة كان الخلاف بينه و بين القواد الاتراك قد بلغ درجة خطيرة. و مما زاد في خطورة هذا الخلاف ان ولي العهد محمد المنتصر انضم الى معارضي ابيه. و بلغ الخلاف بين الجانبين ان بات كل جانب منهما يتربص بالجانب الآخر و يعمل على التخلص منه. و سرعان ما نجح الجانب التركي في تدبير مؤامرة اغتيل فيها الخليفة، و لم يكن قد مضى على انتقاله الى المتوكلية سوى تسعة اشهر و ثلاثة ايام. اذ قتل ليلة الاربعاء لأربع خلون من شوال سنة 247 ه (23).

____________

(22) ديوان البحتري- طبعة بيروت، 1/ 37- 39.

(23) الطبري 9/ 230، و تاريخ اليعقوبي 2/ 492، و مروج الذهب 4/ 118.

158

و تولى الخلافة محمد المنتصر، فلم يلبث في المتوكلية سوى ايام قليلة ثم انتقل الى سامرا، و امر الناس جميعا بالانتقال عن الماحوزة و ان يهدموا المنازل و يحملوا النقض الى سامرا. فانتقل الناس، و خربت قصور مدينة المتوكلية و منازلها و مساكنها و اسواقها في اسرع مدة بحيث صار موضعها موحشا لا انيس فيه، كأنه لم يعمر و لم يسكن من قبل‏ (24). و يقول البلاذري ان المنتصر انتقل الى سامرا يوم الثلاثا لعشر خلون من شوال‏ (25). اما المسعودي فيرى ان مقام المنتصر باللّه بعد ابيه في الماحوزة سبعة ايام ثم انتقل منه و امر بتخريب المدينة (26). بينما يرى الطبري ان اقامته كانت عشرة ايام ثم تحول بعياله و قواده و جنوده الى سامرا (27).

تقع اطلال مدينة المتوكلية على ضفاف نهر دجلة، على بعد عشرة كيلومترات من الحدود الشمالية لسامرا. و لا تزال آثار السور العظيم الذي كان يحيط بدار الخلافة و الدواوين و قصور الخليفة و الذي يربو طوله على اربعة كيلومترات و نصف الكيلومتر ماثلة للعيان. و تبلغ مساحة الأرض التي كانت تشغلها هذه المباني (540) دونما. كما ان هناك آثار سور آخر يقع جنوبي السور السابق، و كان يمتد بين ضفة نهر دجلة و الضفة اليمنى لنهر القاطول و يفصل دار الخلافة و الدواوين و قصور الخليفة عن بقية المتوكلية كما اشرنا آنفا (28). و لعدم القيام بالتنقيب في اطلال المدينة خلا ما قامت به مديرية الآثار القديمة العامة من التنقيب المحدود في اطلال بعض الدور السكنية، فلم تتوفر معلومات كافية واضحة

____________

(24) كتاب البلدان/ 267.

(25) فتوح البلدان/ 296.

(26) مروج الذهب 4/ 130.

(27) الطبري 9/ 234.

(28) ري سامراء 1/ 129.

159

عن المدينة. و كان هززفيلد قد القى نظرة خاطفة على هذه المنطقة من سامرا دون ان ينقب فيها كما سنذكر فيما بعد عند الكلام عن القصر الجعفري.

2- النهر الجعفري:

في الوقت الذي كان فيه العمال منهمكين في انجاز مباني و منشآت المدينة المتوكلية في الماحوزة كان عدد كبير جدا من عمال الحفر منهمكين ايضا في حفر النهر الذي سيوصل المياه الى المدينة الجديدة. فقد عهد الخليفة المتوكل على اللّه الى دليل بن يعقوب النصراني كاتب القائد بغا الكبير، بأمر الاشراف على حفر النهر المذكور الذي اطلق عليه اسم الخليفة جعفر المتوكل على اللّه فسمي النهر الجعفري. و قد استخدم في حفره اثنى عشر الف رجل، و لم يزل دليل يحمل المال اجورا للعمال و للنفقات الاخرى مما يستلزمه العمل‏ (29).

يتفرع النهر الجعفري من الضفة الغربية لنهر دجلة من موضع يقع شمالي تكريت بما يقرب من 38 كيلومترا، و يسير موازيا لدجلة مسافة 20 كم تقريبا، فيتجة نحو الشرق مبتعدا عن دجلة و بعد ان يجتاز الدور (دور تكريت) يصل الى تل اصطناعي يسمى «تل البنات» و هو تل كبير ينقسم عنده النهر المذكور الى فرعين يحيطان بالتل. ثم يعود الفرعان بعده للالتقاء ثانية، فيسير النهر مقتربا من دجلة حتى يصل القاطول الاعلى عند قنطرة الرصاصي الواقعة على مسافة 5 ر 7 كلم من صدر القاطول، و هنا يتشعب الجعفري الى ثلاثة فروع، فيعبر فرعان منه نهر القاطول، يعبر احدهما على عبارة فوق القنطرة المذكورة، و يعبر الفرع‏

____________

(29) الطبري 9/ 212.

160

الآخر على عبارة اخرى شمالي العبارة السابقة، و يصب الفرع الثالث في نهر القاطول. و بعد ان يعبر الفرعان ينتهيان الى حوض كبير انشى‏ء في ضفة القاطول اليمنى لتتجمع فيه مياهما. ثم تتشعب من الحوض عدة جداول يمتد احدها الى مدينة المتوكلية، و يوصل الآخر المياه الى السواقي التي حفرت على جانبي الشارع الأعظم، و يمتد جدول ثالث الى القصر الجعفري ليزود بركته الواسعة بالمياه. و يبلغ طول النهر الجعفري من مبدئه حتى البركة حوالي 63 كلم‏ (30).

و كانت العبّارة التي انشئت على قنطرة الرصاصي لعبور فرع النهر الجعفري تستعمل بنفس الوقت جسرا لعبور الناس و الدواب ايضا. و يرجح ان الجعفري كان يجري وسط العبارة، و على جانبيه ممران للسابلة و الحيوانات، و يظهر ان العبارة بقيت تستخدم جسرا للعبور بعد ان اهمل النهر الجعفري. و كانت العبارة الشمالية اصغر و تقتصر على عبور فرع الجعفري عليها. و يلاحظ من الآثار المتبقية لقنطرة الرصاصي الأصلية انها كانت تتألف من ثلاث دعامات و ان مجرى النهر كان يمر من تحت القنطرة بفتحتين معقودتين بطاقين ضخمين، عرض كل فتحة عشرة امتار. و يبلغ طول البناء الذي يشتمل على الفتحتين و الدعامات الثلاث تسعا و عشرين مترا، و قد قلع هذا البناء من اساسه لاستخراج الرصاص من احجاره‏ (31).

و هناك اختلاف في روايات المؤرخين عن النهر الجعفري، فبعضهم يقول انه لم يتم حفره، و بعضهم يرى أنه تم انجازه الا ان الماء لم يجر فيه بالشكل المطلوب. يقول الطبري ان المتوكل على‏

____________

(30) ري سامراء 2/ 319- 321.

(31) نفس المصدر/ 334- 336.

161

اللّه قتل فبطل العمل في النهر و اخربت الجعفرية و نقضت و لم يتم امر النهر (32). و يقول اليعقوبي ان النهر لم يتم امره و لم يجر فيه الماء الا جريا ضعيفا لم يكن له اتصال و لا استقامة رغم انه انفق عليه قرابة الف الف دينار، و هو يعزو صعوبة حفره الى صلابة الأرض و طبيعتها المتكونة من الحصا و الانهار مما لا تعمل فيه المعاول الا بصعوبة بالغة (33). اما ابن الأثير فيقول ان المتوكل على اللّه حفر للمدينة نهرا، و قتل فبطل حفر النهر و اخربت المدينة (34). و يلاحظ من هذه الروايات ان الطبري و ابن الأثير يتفقان في ان النهر لم يتم حفره لموت المتوكل على اللّه، بينما يفهم من رواية اليعقوبي ان حفر النهر لم يتم كما يجب، اي ان حفره كان فاشلا بسبب صلابة الأرض و لذا فقد كان جريان الماء فيه ضعيفا متقطعا.

و يظهر من رواية اوردها احمد بن يوسف الكاتب عن مشروع هذا النهر ان ما ذهب اليه اليعقوبي اقرب الى الصواب. و خلاصة ما يقوله: ان المتوكل على اللّه طلب الى محمد و احمد ابني موسى بن شاكر، و هما من المتقدمين في علم الرياضة و الهيئة و حركات النجوم و الحيل، ان يتوليا حفر النهر الجعفري. فكلفا احمد بن كثير الفرغاني، و هو مهندس كان قد عمل المقياس الجديد لنهر النيل بمصر في سنة 247 ه «فغلط في فوهة النهر و جعلها اخفض من سائره، فصار ما يغمر الفوهة لا يغمر سائره» فلما علم المتوكل كلف المهندس سند بن علي بأن يتحرى امر النهر المذكور و يبين له ما اذا كان هناك خطأ ارتكب فيه لكي يعاقب الاخوين ابني موسى بن شاكر.

____________

(32) الطبري 9/ 212.

(33) كتاب البلدان/ 267.

(34) الكامل 7/ 87.

162

و كان قد سبق للأخوين المذكورين ان اساءا الى سند بن علي بأن سعيا به لدى المتوكل على الله و باعداه عنه. كما كانا قد دبرا على الكندي العالم الفيلسوف عند المتوكل على اللّه فغضب عليه، فتوجها الى داره و استوليا على مكتبته. و لذا فقد توسلا الى سند بن علي ان يتستر على عيوب النهر و الاخطاء التي ارتكبت في تخطيطه و حفره. فاشترط سند عليهما ان يعيدا الى الكندي منزلته لدى الخليفة، و يعيدا اليه مكتبته فأعاداها و أخذا خطه بذلك.

فقال لهسا سند: «الخطأ في هذا النهر يستتر مدة اربعة اشهر، و هي فترة زيادة نهر دجلة، و قد اجمع الحسّاب- اي المنجمون- على ان امير المؤمنين لا يبلغ هذا المدى، و انا اخبره الساعة انه لم يقع خطأ في النهر، ابقاء على ارواحكما، فان صدق المنجمون افلتنا نحن الثلاثة، و ان كذبوا و جاءت مدته حتى تنقص دجلة و ينضب النهر اوقع بنا ثلاثتنا». فشكر الاخوان له قوله. فدخل سند الى المتوكل على اللّه و قال له: ما غلطا في امر النهر. و زادت دجلة و جرى الماء في النهر و استتر حاله. ثم قتل المتوكل على اللّه بعد شهرين من ذلك. و سلم المهندسون المذكورون‏ (35).

و يظهر من هذا ان النهر الجعفري قد تم حفره و جرت فيه المياه في موسم الفيضان، و ذلك قبيل مقتل المتوكل على اللّه. و ان الخطأ الذي وقع به المهندسون هو عدم التأكد من مناسيب المياه في نهر دجلة في مختلف ايام السنة، لكي يحفر مستوى النهر وفق ذلك، بحيث ان صدر النهر جاء اعلى من مستوى المياه في دجلة في الظروف الاعتيادية فلا تجري فيه. و ان الماء الذي جرى فيه انما كان في موسم الفيضان اذ ارتفع فيه منسوبه فسهل انسيابه الى الجعفري و لكن لأمد قصير. و لا ينكر ان مجهودات عظيمة قد بذلت و اموالا طائلة قد انفقت على النهر، اذ استغرق العمل فيه قرابة

____________

(35) كامل الخبر في المكافأة/ 195- 196، و عيون الانباء/ 286- 287.

163

سنة و نصف، و ذلك لصلابة الارض التي يمر فيها مما لا يساعد على الحفر العميق. اما موضوع اجماع المنجمين على قرب نهاية اجل المتوكل على اللّه، فامر لا يخلو من ان تهديد القواد الاتراك باغتياله قد شاع بين الناس آنذاك، و ان ظواهر الامور تدل على رجحان كفة الاتراك و قرب تحقيق ذلك، فاستغل المنجمون الأمر لاظهار براعتهم فادعوا ان حساباتهم تعطي تلك الدلالة.

3- القصر الجعفري:

بنى المتوكل على اللّه في المدينة التي اسسها في الماحوزة قصرا سماه باسمه «القصر الجعفري». يقول عنه اليعقوبي: «و انتقل المتوكل الى موضع يقال له الماحوزة .. و بنى هناك مدينة سماها الجعفرية. و بنى فيها قصرا لم يسمع بمثله» (36). و يقول عنه ابو الفداء في حوادث سنة 246 ه «و فيها تحول المتوكل الى الجعفري و كان قد ابتدأ في عمارته سنة 245 ه و انفق عليه اموالا تجل عن الحصر» (37). اما ياقوت الحموي فقد قال عن هذا القصر: «الجعفري: هذا اسم قصر بناه امير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه بن المعتصم بالله قرب سامرا بموضع يقال له الماحوزة. و في سنة 245 ه بنى المتوكل الجعفري و انفق عليه الفي الف دينار .. لأن الدراهم كانت في ايام المتوكل كل خمسة و عشرين درهما بدينار، فيكون عن الفي الف دينار خمسون الف الف درهم. و لما عزم المتوكل على بناء الجعفري تقدم الى احمد بن اسرائيل باختيار رجل يتقلد المستغلات بالجعفري من قبل ان يبنى، و اخراج فضول ما بناه الناس من المنازل، فسمى‏

____________

(36) تاريخ اليعقوبي 2/ 492.

(37) المختصر في اخبار البشر 2/ 41.

164

له ابا لخطاب الحسن بن محمد الكاتب. فكتب الحسن بن محمد الى ابي عون، لما دعي الى هذا العمل:

اني خرجت اليك من اعجوبة* * * مما سمعت به، و لما تسمع‏

سميت للاسواق قبل بنائها* * * و وليت فصل قطائع لم تقطع‏ (38)

و ايد ياقوت النفقة التي اشار اليها، في مكان آخر من معجمه، و لذلك عند ما عدد قصور المتوكل على الله و ما انفقه على كل منها (39). و يتضح من ذلك انه لم ينفق على اي قصر آخر مثل هذا المبلغ الكبير الذي يزيد على ضعف ما انفق على قصر بلكوارا مع سعته و ضخامة بنائه. و قد يكون ياقوت واهما في ذلك. اذ يقول الطبري ان هذه النفقة كانت على بناء مدينة الجعفري التي كان يسميها هو و اصحابه المتوكلية (40). اي ان المبلغ المذكور قد انفق على بناء المدينة كلها و ليس على قصر الجعفري حسب. و مما يؤيد ان الطبري يقصد بالجعفري المدينة لا القصر قوله في مكان آخر «فلما عزم المتوكل على بناء الجعفري قال له نجاح- و كان من الندماء- يا امير المؤمنين، اسمي لك قوما تدفعهم الي حتى استخرج لك منهم اموالا تبني بها مدينتك هذه» (41). و هو يسميها احيانا الجعفرية (42).

____________

(38) معجم البلدان 2/ 143.

(39) نفس المصدر 3/ 175.

(40) الطبري 9/ 212.

(41) نفس المصدر/ 215- 216.

(42) نفس المصدر/ 221- 223.

165

و لا تزال بقايا القصر الجعفري و بركته الواسعة تشاهد على ضفة نهر دجلة في شمالي السور الداخلي لمدينة المتوكلية، في الزاوية التي يكونها نهر دجلة من جهة و نهر القاطول من الجهة الأخرى‏ (43). و قد تعرف الآثاري هرزفيلد على بقايا هذا القصر في اطلال المتوكلية، و وصفها بقوله: «انها سور ضخم يغطي مساحة تبلغ 3/ 1 1 كيلومتر مربع، محاطة بجدران مدعمة بابراج من الطابوق المصنوع من اللبن. و تشكل مضلعا غير منتظم يقع بين ضفة دجلة العليا و القناة، عند نقطة على هذه القناة بحوالي 2/ 1 4 كيلومتر شمالي جامع ابي دلف، و حوالي كيلومتر واحد شمالي قنطرة الرصاص. و عثر على مدخل السور حيث ينقطع منه شارع مستطيل خلال مساحة القصر باتجاه 70 درجة جنوب غربي» (44).

و قد اشتهر القصر الجعفري بحسنه و فخامة بنائه و ببركته الواسعة الجميلة. فوصفه عدد من الادباء و الشعراء. يقال ان ابا العيناء، الأديب البصير، دخل على المتوكل على اللّه في قصره الجعفري في سنة 246 ه، فقال له المتوكل: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال: ان الناس بنوا الدور في الدنيا، و انت بنيت الدنيا في دارك. فاستحسن كلامه‏ (45). و عند ما انتهى المتوكل على اللّه من بناء قصره هذا مدحه البحتري و أشاد بالقصر، و مما جاء في شعره قوله‏ (46):

أصبحت بهجة النعيم و امست‏* * * بين قصر الصبيح و الجعفري‏

____________

(43) ري سامراء 1/ 133.

(44) العمارة العباسية/ 175.

(45) مروج الذهب 4/ 236، و معجم الادباء 1/ 62، و وفيات الاعيان 3/ 468.

(46) ديوان البحتري 4/ 2451- 2452.

166

في البناء العجيب و المنزل الآ* * * نس و المنظر الجميل البهي‏

و رياض تصبو النفوس اليها* * * و تحيا بوردهن الجني‏

دار ملك مختارة لامام‏* * * احرزت كفه تراث النبي‏

و لعل احسن ما قاله البحتري في هذا القصر قوله في احدى مدائحه المتوكل على اللّه‏ (47):

قد تم حسن الجعفري، و لم يكن‏* * * ليتم الا بالخليفة جعفر

ملك تبوأ خير دار اقامة* * * في خير مبدى للامام و محضر

في رأس مشرفة حصاها لؤلؤ،* * * و ترابها مسك يشاب بعنبر

مخضرة، و الغيث ليس بساكب‏* * * و مضيئة، و الليل ليس بمقمر

تقرير لطفك و اختيارك اغنيا* * * عن كل مختار لها و مصدر

فرفعت بنيانا كأن زهاءه‏* * * اعلام رضوى او شواهد صنبر

ازرى على همم الملوك و غض من‏* * * بنيان كسرى في الزمان و قيصر

____________

(47) نفس المصدر 2/ 1039- 1042.

167

ملأت جوانبه الفضاء و عانقت‏* * * شرفاته قطع السحاب الممطر

عال على لحظ العيون، كأنما* * * ينظرن منه الى بياض المشتري‏

و تسير دجلة تحته، ففناؤه‏* * * من لجة غمر و روض أخضر

أعطيته محض الهوى، و خصصته‏* * * بصفاء ود منك غير مكدر

و اسم شققت له من اسمك فاكت* * * سى شرف العلو به و فضل المفخر

و تظهر القصيدة ما كان عليه القصر من سعة المساحة، و كثرة الشرفات و ارتفاعها الذي يناطح السحاب العالي. و ان فخامته مما تعجز عن بناء مثله الملوك، و تقصر عنه ابنية الروم و الفرس.

و انه كان يطل على دجلة، و تحيط به الرياض الخضر، و ان الخليفة سماه باسمه، و ذلك مما زاده فخرا و جلالا.

و قد انشأ المتوكل على اللّه امام قصره الجعفري بركة سميت باسمه ايضا هي «البركة الجعفرية» التي اشتهرت بسعتها و جمال تنسيقها، و اعتبرت في يومها من عجائب الزمان. و لم يبق منها اليوم سوى حفرة عميقة تحيط بها اطلال القصر الجعفري في خرائب مدينة المتوكلية، و هي مستطيلة الشكل يبلغ طولها زهاء 120 مترا و عرضها حوالي 80 مترا، اي بمساحة تقرب من عشرة الاف متر مربع. و كان المتوكل على اللّه جعل فرعا من النهر الجعفري ينتهي اليها من جهتها الشرقية ليزودها بالمياه. كما انشأ لها ثلاثة كهاريز تخرج من قمرها عند ضلعها الجنوبية، ثم‏

168

تتوحد بكهريز واحد واسع لتصريف مياهها الزائدة الى نهر دجلة (48).

و قد سبقت الاشارة الى ان مديرية الآثار العامة ترى ان البركة الجعفرية هذه هي التي وصفها البحتري و سماها البركة الحسناء و اشاد بها بقصيدته المشهورة التي يقول فيها (49):

يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها* * * و الآنسات اذا لاحت مغانيها

يحسبها انها من فضل رتبتها* * * تعد واحدة، و البحر ثانيها

ما بال دجلة كالغيرى تنافسها* * * في الحسن طورا، و طورا تباهيها

أما رأت كالى‏ء الاسلام يكلؤها* * * من أن تعاب، و باني المجد بانيها

كأن جن سليمان الذين ولوا* * * ابداعها فأدقوا معانيها

فلو تمر بها بلقيس عن عرض‏* * * قالت: هي الصرح تمثيلا و تشبيها

تخط فيها وفود الماء معجلة* * * كالخيل خارجة من حبل مجريها

كانما الفضة البيضاء سائلة* * * من السبائك تجري في مجاريها

____________

(48) ري سامراء 2/ 337.

(49) كامل القصيدة في ديوان البحتري 4/ 2414- 2421.

169

لا يبالغ السمك المحصور غايتها* * * لبعد ما بين قاصيها و دانيها

يعمق فيها باوساط مجنحة* * * كالطير تنفض في جو خوافيها

لهن صحن رحيب في اسافلها* * * اذا انحططن و بهو في اعاليها

صور الى صورة الدلفين يؤنسها* * * منه انزواء بعينيه يوازيها

و زادها زينة من بعد زينتها* * * ان اسمه حين يدعى من اساميها

محفوفة برياض لا تزال ترى‏* * * ريش الطواويس تحكيه و يحكيها

و دكتين مثل الشعريين غدت‏* * * احداهما بازاء الاخرى تساميها

ان البحتري يشيد بحسن البركة، و يشير الى سعتها كأنها البحر و يقول ان دجلة تغار منها لحسنها، و كأنها من صنع جن سليمان، و يشبهها بالصرح الذي بناه سليمان لبلقيس من الزجاج الصقيل، و ذلك لشدة صفائها. و يشير الى سرعة تدفق المياه فيها كأنها الخيل في جريها، و انها من السعة بحيث لا يبلغ السمك الذي فيها طرفيها، و ان بهوا مرتفعا يشرف عليها، و ان تمثالا للدلفين كان مقاما في احد اركانها. و هي محاطة برياض من الورود متنوعة الالوان كريش الطواويس. و ان مما يزيد في جلالها و زينتها ان تسمى باسم الخليفة جعفر المتوكل على اللّه.

و يشير في خاتمة شعره الى دكتين كانتا على البركتين و يشبههما

170

بالشعريين، و هما من أسطع النجوم و اقربهما الى الأرض، احداهما الشامية و تسمى الغميصاء او الغميضاء، و الاخرى يمانية و تسمى العبور.

قصر لؤلؤة:

و هناك آثار قصر آخر يقع جنوبي القصر الجعفري على ضفة نهر دجلة، خارج سور المتوكلية، يرجح انها اطلال قصر لؤلؤة (50). و قد قال عنه الطبري ان المتوكل على اللّه بنى في المتوكلية قصرا سماه لؤلؤة لم ير في مثل علوه‏ (51). و ذكره الشابشتي في جملة قصور المتوكل على اللّه و سماه «اللؤلؤة» (52).

و قال ياقوت الحموي ان النفقة عليه بلغت خمسة الاف الف درهم‏ (53).

4- جامع ابي دلف:

مقدمة:

يقع جامع ابي دلف في مدينة المتوكلية التي بناها المتوكل على اللّه في اواخر سنوات حكمه و اتخذها عاصمة له، شمالي مدينة سامرا. و تبعد اطلال الجامع و بقاياه عن مدينة سامراء الحالية بنحو خمسة عشر كيلومترا. و كان العالم الآثاري هرزفيلد قد قام بالتنقيب في اطلال هذا الجامع و توصل الى كثير من المعلومات عن‏

____________

(50) ري سامراء 1/ 135.

(51) الطبري 9/ 212.

(52) الديارات/ 159.

(53) معجم البلدان 3/ 175.

171

سوره و اروقته و تسقيفه، الا ان تحرياته لم تتناول جميع اطلال الجامع، كما ان بعضها لم يكن بدرجة كافية من الدقة. و قد كشفت التنقيبات التي قامت بها مديرية الآثار القديمة العامة عن كثير من المعلومات المتعلقة بمشتملات الجامع و ابعادها، و بتسقيفه. كما قامت بصيانة قسم كبير من بقاياه، و بخاصة منارته الملوية، و ما بقى من اسواره و جدرانه. و نشر الاستاذان بشير فرنسيس مفتش الآثار القديمة، و محمود علي الرسام في مديرية الآثار القديمة العامة مقالا في مجلة سومر (54)، تضمن جميع ما كشفت عنه التنقيبات المذكورة.

ان جامع ابي دلف من جملة منشآت المتوكل على اللّه في مدينة المتوكلية. فقد ذكر البلاذري ان المتوكل على اللّه «احدث مدينة سماها المتوكلية. و بنى بها مسجدا جامعا» (55). و قال اليعقوبي ان المتوكل على اللّه عند بنائه الجعفرية «جعل في كل مربعة و ناحية سوقا، و بنى المسجد الجامع» (56). كما اشار الطبري الى وجود مسجد جامع في مدينة الجعفرية صلى فيه عبد الصمد بن موسى صلاة الفطر بالناس، و لم يصل بسامرا احد (57). و يضيف الدكتور احمد سوسه ادلة اخرى على ان هذا الجامع شيد في نفس الوقت الذي شيدت فيه المتوكلية ليحل محل المسجد الجامع في سامرا.

منها وجود الشارع الواسع الموازي للشارع الأعظم الذي يبدأ من الحدود الجنوبية للمتوكلية و يخترقها و ينتهي عند الجامع المذكور.

و الساحتان الواسعتان في شمالي الجامع و جنوبيه تتفرع منهما

____________

(54) مجلة سومر، الجزء: 1 لسنة 1947/ 60- 76.

(55) فتوح البلدان/ 295.

(56) كتاب البلدان/ 267.

(57) الطبري 9- 221.

172

الشوارع الى الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب، مما يدل على ان الجامع كان جزءا من تخطيط مدينة المتوكلية (58).

اما نسبة الجامع الى ابي دلف فانها حديثة و يرجح ان الناس اطلقوها عليه في القرون المتأخرة لما يتمتع به صاحب هذا الاسم من الشهرة، و لعلمهم انه كان من القواد العرب القلائل في تلك الايام و قد عاش في سامرا، فطاب لهم ان ينسبوه اليه، فاطلقوا عليه اسم جامع ابي دلف‏ (59). و ابو دلف هو القاسم بن عيسى بن ادريس بن معقل العجلي، احد الامراء الشجعان و من كبار رجال الدولة العربية و قوادها على عهد الرشيد و ابنائه من بعده في بغداد و سامرا. و قد سماه المتوكل على اللّه «شقيق دولة بني العباس» (60). و قد اشتهر بالسخاء و الكرم و الوفاء كشهرته بالشجاعة و الطعان.

تخطيط الجامع:

تعتبر بقايا جامع ابي دلف ابرز اطلال مدينة المتوكلية. و هو يشبه في تخطيطه و شكله العام الجامع الكبير الذي شيده المتوكل على اللّه في سامرا. في اوائل عهده بالخلافة، شبها كبيرا. فهو مثله مستطيل الشكل، ذو صحن مكشوف محاط من جهاته الأربع باروقة، و مئذنته ملوية ذات مرقاة خارجية، كما كان محاطا بساحة فسيحة مسورة. اما اوجه الخلاف التي تميز بها هذا الجامع عن الجامع الكبير فتنحصر في الأبعاد و عدد الاروقة و كيفية التسقيف، كما سترى فيما بعد. كما ان اطلال هذا الجامع على عكس ما هي عليه بقايا جامع سامرا الكبير الذي شيدت اسواره من الآجر فبقي معظمها شاخصا حتى الآن، بينما لم‏

____________

(58) رى سامراء 2/ 604- 605.

(59) مجلة سومر- العدد المذكور آنفا/ 76.

(60) المحاسن و المساوى‏ء/ 209.

173

يبق شى‏ء مما كان في داخلها من المباني سوى بعض المعالم و الأسس. اما جامع ابي دلف فان منشآته الداخلية قد بنيت بالآجر و الجص فبقيت اكثر جدرانها قائمة عدا سقوفها، بينما تداعت اسواره المشيدة باللبن و تحولت الى خطوط من الآكام و الكثبان، عدا السور الشمالي فانه لا يزال اغلبه قائما قد يصل ارتفاعه في بعض النقاط الى حوالي سبعة امتار (61).

يبلغ طول الضلع الكبرى لجامع ابي دلف، و هي الضلع الممتدة من الجنوب الى الشمال 47 ر 215 متر و ضلعه الصغرى الممتدة من الشرق الى الغرب 24 ر 138 متر، فتكون مساحته ثلاثين الف متر مربع تقريبا. و في وسطه صحن مكشوف مستطيل الشكل ايضا و طول ضلعه الكبرى 07 ر 155 متر، و ضلعه الصغرى 60 ر 104 م اي ما مساحته ستة عشر الف متر مربع، و تحيط بالصحن من جوانبه الاربعة اروقة مساحتها مع سمك الجدران 500 ر 13 متر مربع‏ (62). اي انه محاط باربعة اقسام: بيت الصلاة او الحرم في الجنوب، و القسم الشمالي المقابل للحرم، ثم القسمين الشرقي و الغربي. و جميع هذه الاقسام تؤلف بوائك تمتد من الجنوب الى الشمال. و للحرم ست عشرة دعامة تكون سبع عشرة بلاطة، و كل بلاطة منها تتكون من خمسة اقواس باتساع 12 ر 3 متر متجهة نحو الشمال. و يمتد صف عقود الرواقين في طرفي الحرم الى الشمال فيؤلفان في كل من الضلع الشرقية و الضلع الغربية تسع عشرة بلاطة عمقها 14 مترا. و الجزء الشمالي من الجامع يشبه الحرم و له ست عشرة دعامة تؤلف سبع عشرة بلاطة. و كل رواق‏

____________

(61) مديرية الاثار القديمة- سامرا/ 66- 67 و مجلة سومر آنفة الذكر/ 63.

(62) سومر آنفة الذكر/ 63.

174

يتألف من ثلاثة عقود، معدل اتساع كل عقد 50 ر 3 متر، تتجه نحو الجنوب‏ (63).

و يبلغ عمق بيت الصلاة 20 ر 29 متر و هو عمق البوائك التي تنتهي عند الضلع الجنوبية بدعامات على شكل الحرف تسند البائكة المستعرضة للاروقة السبعة عشر الموازية للجدار الجنوبي على بعد 60 ر 10 متر منه. و اما هذه الأقواس السبعة عشر جناح عمقه 60 ر 10 امتار يمتد من الشرق الى الغرب بامتداد عرض الجامع، و يقع بين جدار القبلة و الصفوف الأخيرة من اقواس الحرم الموازية للجدار المذكور. و يبدو ان هذا الجناح ظهر لأول مرة في الجوامع الاسلامية مما جعل لجامع ابي دلف مكانة فريدة في سلسلة تطور تصميم الجوامع‏ (64). و قد كشفت التنقيبات التي اجرتها مديرية الآثار القديمة العامة عن وجود قواعد للاعمدة في هذا الجناح، مما يرجح انه كان مسقفا مثل حرم الجامع‏ (65).

و يلاحظ ان اقواس اروقة الجامع من طراز الاقواس ذات الأربعة مراكز، و هي مثل الاقواس التي وجدت في المباني الاخرى بسامرا، كدار الخليفة. كما انها تشبه اقواس قصر الاخيضر قرب كربلا في البادية، و في العراق عدد من المباني القديمة فيها مثل هذه الاقواس ايضا. و تتكون هذه الاقواس من حلقتين آجرها مربع الشكل، و قد صف آجر الحلقة الداخلية و وجهه الى الخارج، في حين ان آجر الحلقة الخارجية قد جعلت حافته الى الخارج، و سمك الحلقة الواحدة نحو 50 سم‏ (66).

____________

(63) نفس المصدر/ 66- 67، و العمارة العباسية/ 191 و 194- 195.

(64) العمارة العباسية/ 193- 194.

(65) مجلة سومر انفة الذكر/ 67.

(66) نفس المصدر.

175

المحراب و المنبر:

يقع محراب جامع ابي دلف في منتصف جداره الجنوبي بمقدار 5 ر 12 درجة غربا. و قد سبق ان اشرنا الى ان اليعقوبي قد ذكر هذا الانحراف و انه موجود في كل مساجد سامرا و لهذا سميت زوراء بني العباس. و هو مشيد بالآجر و الجص و يبرز ظهره عن جدار الجامع من الخارج بمقدار 44 ر 2 م. و لوحظ من بقايا البناء ما يدل على وجود محرابين للجامع احدهما بظهر الآخر و انهما شيدا في وقتين مختلفين. و قد يكون الأول قد شيد عند بناء الجامع ثم ارتؤي بعد اكماله ضرورة تصغيرة لاسباب ربما كان من جملتها وضع المنبر الذي يشغل جزء من المحراب الأول‏ (67).

و تشاهد عند الركن الأيسر للمحراب بقايا بناء من الآجر و الجص طوله 65 ر 2 م و عرضه 20 ر 1 م في نهايته ثلاث درجات.

و يستنتج من شكل البناء و وضعه انه كان منبرا، و انه قد اضيف بعد اكمال الجامع، و لا يستبعد انه بني في وقت واحد مع المحراب الثاني‏ (68).

سور الجامع و ابوابه:

يحيط بالجامع سور خارجي يفصله عن جدران الجامع فضاء واسع في الشرق و الغرب و الشمال و عرضه 108 م، اما في الجنوب فيضيق الى 30 م‏ (69). و قد شيد السور باللبن و كسي وجهاه‏

____________

(67) نفس المصدر/ 67- 68.

(68) نفس المصدر/ 68.

(69) ري سامراء 2/ 603.

176

الداخلي و الخارجي بطبقة سميكة من الجص. و يتراوح سمك السور بين 60 ر 1 م و 80 ر 1 م. و هو مثل سور جامع سامرا الكبير مدعم من الخارج بابراج نصف دائرية. و يقوم في كل ركن من اركانه الأربعة برج مستدير يقوم على قاعدة من الآجر مربعة الشكل طول ضلعها 60 ر 3 م و اضلاعها مماسة لمحيط البرج، اي ان قطر البرج هو نفس طول ضلع المربع. و قد شيدت الاقسام السفلى من الابراج الى ارتفاع 55 مترا بالآجر مثل القاعدة و ما بقي منها بني باللبن. و قد استعمل للبناء ملاط الجص في حالتي البناء باللبن او بالآجر.

و تقوم الابراج الاخرى و هي نصف دائرية على قواعد من الآجر مستطيلة الشكل طول ضلعها الموازية للسور 10 ر 3 م و طول كل من الضلعين المتعامدتين عليه 90 ر 1 م. و لما كانت هذه الاضلاع مماسة لمحيط البرج فان استدارته تزيد على نصف دائرة. و تتوزع هذه الابراج على جوانب السور الاربعة كالآتي: بنيت في الضلع القبلية للسور عشرة ابراج و قد شيد البرجان اللذان يليان برجي الركنين باللبن، و اللذان يليانهما بالآجر، و هكذا بالتناوب فتكون ستة من ابراج هذا الجانب مبنية باللبن و الأربعة الأخر بالآجر.

و البعد بين الركنين و البرجين المجاورين لهما 40 ر 12 مترا.

و المسافة بين الابراج الباقية 60 ر 4 امتار. اما البعد بين بروز المحراب و البرج المجاور له فهو 18 مترا. و في الضلع الشمالية المقابلة لضلع القبلة ثمانية ابراج متناظرة الابعاد ابتداء من برجى الركنين، فالبرج الذي يلي الركن يبعد عنه ب 80 ر 11 مترا، و يبعد هذا عن البرج الذي يليه ب 60 ر 12 مترا، و يبعد هذا من البرج الثالث ب 20 ر 12 مترا، و البعد بينه و بين البرج الرابع 60 ر 12 مترا، و البعد بين البرجين المجاورين للمدخل الأوسط الذي يقابل المئذنة 8 ر 11 مترا. و كل هذه الابراج مبنية باللبن بملاط الجص. و قد حافظ هذا الجانب من السور على‏

177

وضعه تقريبا، فلم تؤثر فيه عوادي الزمن كما فعلت في اسوار الجوانب الاخرى الا قليلا. و قد لوحظ امام قاعدة هذا السور من الخارج وجود قنوات مكشوفة مشيدة بالآجر عمقها نحو 20 سم و عرضها 18 سم، و هي تشبه تلك القنوات التي وجدت في سور جامع سامرا الكبير، و اعتبرت مثلها لتصريف مياه الأمطار. و يبلغ سمك جدار السور في هذه الضلع 80 ر 1 مترا. اما ابراج الضلعين الكبيرين، الشرقية و الغربية للسور فعددها عشرة في كل منهما.

و كلها مبنية باللبن بملاط الجص. و البعد بين برج الركن و البرج الذي يليه 80 ر 35 مترا، و الأبعاد بين الابراج الاخرى تكاد تكون متساوية و هي تتراوح بين 14 مترا و 15 مترا. و بهذا يكون مجموع الابراج التي تدعم السور 42 برجا، اربعة منها و هي ابراج الاركان دائرية الشكل- اسطوانية- و البقية و عددها 38 برجا نصف دائرية. و كلها مبنية باللبن عدا اربعة ابراج منها في الضلع القبلية بنيت بالآجر كما سبق بيانه‏ (70).

اما ابواب الجامع فعددها ثمانية عشر بابا، ثلاثة منها و هي القبلية تؤدي الى مشتملات تتصل بالضلع الجنوبية للسور، و ثلاثة في الضلع الشرقية و الغربية. و يلاحظ في مواضع ابواب الجامع من جهاته الأربع انها تقع جميعها على محور الأقواس التي امامها، كما هي الحال في جامع سامرا الكبير، دون مراعاة توسطها الجدران. ففي الضلع القبلية ثلاثة ابواب، يجاور اثنان منها برجى الركنين و يقع الثالث في الوسط عند المحراب. و يبعد البابان الاولان عن برجى الركنين بنحو مترين و عرض كل منهما 58 ر 1 مترا. و اظهرت الحفريات ان كل باب منهما كان يؤدي الى حجرة طولها 10 امتار و عرضها 6 امتار، و جدرانها من الآجر، و ارضيتها مبلطة بالطابوق. و يظهر من انفراد هاتين الحجرتين‏

____________

(70) مجلة سومر المذكورة/ 63- 64.

178

و موضعهما انهما مخصصتان لمن يتولى امور الجامع. اما الباب الثالث و هو الاوسط فانه يبعد عن شرقي بناء المحراب من الخارج ب 20 ر 1 مترا، و عرضه 60 ر 1 مترا، و هو يؤدي الى بناية واسعة مشيدة بالآجر تقع خلف المحراب ملاصقة للجدار القبلي. و يبدو ان الغرض من تشييد هذه البناية ملاصقة للجامع ان تكون مكانا لاستراحة الخليفة اذا ما جاء لصلاة الجمعة، فيدخلها من الباب الذي في ظهر الجامع، و بعد استراحته و تجديد وضوئه، يدخل الجامع من الباب الذي بجانب المحراب. و قد ظهر من التنقيب ان جميع جدران هذه الدار قد بنيت بالآجر و كسيت بالجص من الداخل و الخارج، و ان جميع حجراتها قد بلطت بالجص ايضا (71). و من الجدير بالملاحظة انها شيدت على الطراز الحيري ذى الصدر و الكمين، و هو الطراز الذي شاع آنذاك في بناء الدور و القصور (72).

التسقيف و التبليط:

ان ما تبقى من الاقواس و ما يعلوها من البناء لا يدل على ان سقف الجامع كان معقودا بالآجر، و ذلك لعدم وجود التقوسات التي تبدأ منها العقادات. الا انه وجدت عند نقاط تعلو بنحو 50 سم عن ذروة الأقواس فى جهات متعددة من اروقة المصلى ثقوبا بقطر 20- 25 سم على استقامة واحدة، و تتراوح المسافة بين ثقب و آخر بين 60 سم و 70 سم. و يستنتج من وجود هذه الثقوب ان السقف كان قائما على جسور من الخشب، و انه كان يرتفع عن مستوى التبليط بنحو سبعة أمتار (73).

____________

(71) مجلة سومر آنفة الذكر/ 64- 66.

(72) نفس المصدر/ 74.

(73) نفس المصدر/ 68.

179

و كانت الاقسام المسقفة من الجامع مبلطة بطبقة سميكة من الجص، اما الاقسام المكشوفة فقد بلطت بالطابوق المصقول المربع الشكل، و طول ضلع الطابوقة 32 سم و سمكها 5 سم. و معدل حجم الطابوق الذي استخدم في تطبيق ساحة المئذنة الملوية 48* 48* 5 سم، و هو مربع الشكل و مصقول ايضا (74).

المئذنة:

لجامع ابي دلف مئذنة مبنية بالآجر و الجص و هي تشبه ملوية جامع سامرا الكبير و قد بنيت على شاكلتها الا انها اصغر منها حجما. و هي تقع على محور الباب الأوسط للجامع و على بعد 50 ر 9 امتار منه. و تقوم على قاعدة مربعة الشكل تقريبا، طول كل من ضلعيها الشمالية و الجنوبية 87 ر 10 امتار، و طول كل من الضلعين الشرقية و الغربية 60 ر 10 امتار، و تعلو عن مستوى التطبيق ب 70 ر 2 مترا. و يزين كلا من اوجهها الأربعة صف من المشكيات عددها 13 مشكاة في كل وجه عدا الوجه الجنوبي ففيه عشر مشكيات تتوسطها باب المصعد. و يقع باب المصعد في الضلع الجنوبية لقاعدة المئذنة كما اشرنا، و هو يفض الى درج يصعد منه الى سطح القاعدة، و يبلغ عرض المدخل 15 ر 1 مترا، و عدد قدمات الدرج المشيد في صلب القاعدة اربع، تتجه نحو بدن الملوية من غير ان تنعطف الى الحلزون. و يرتفع جسم المنارة، اي القسم الحلزوني منها، الى علو 20 ر 16 مترا فوق القاعدة، فيصبح ارتفاع ملوية جامع ابي دلف من مستوى التطبيق حتى القمة المتهدمة نحو 19 مترا. و يبدأ الحلزون، و هو سلم المئذنة من يمين‏

____________

(74) مجلة سومر آنفة الذكر/ 69.

180

الباب و يدور ثلاث دورات كاملة باتجاه معاكس لدوران عقرب الساعة، و عرضه متر واحد (75).

و قد عثر في الرواقين الواقعين بين المئذنة و الجدار الشمالي للجامع على رحبة مربعة يبلغ طول ضلعها 70 مترا تحيط بها جدران اقتلعت حجارتها. و وجد في الجدار الموازي للضلع الشمالية آثار عشر طاقات زخرفية مشابهة لتلك التي وجدت على اوجه قاعدة الملوية. و يظهر من هذا ان جدران رحبة المئذنة كانت كلها مزينة بالزخارف المذكورة. و قد ظهرت في هذه الرحبة آثار قناتين تمتدان بين سور الجامع الخارجي و الجدار الذي في يمين المئذنة و يسارها، و لعلهما كانتا لتزويد الميضأة بالماء، او لانسياب مياه الآمطار (76).

____________

(75) نفس المصدر/ 69.

(76) نفس المصدر/ 72.

181

الفصل الخامس سامرا بعد المتوكل على اللّه‏

1- المنتصر باللّه:

بويع للمنتصر باللّه بالقصر الجعفري بالمتوكلية، الا انه آثر الابتعاد عن مسرح جريمة مقتل ابيه المتوكل على اللّه. فلم يلبث سوى بضعة ايام حتى قرر اعادة عاصمته الى سامرا. و سبق ان ذكرنا انه امر الناس جميعا بالانتقال عن الماحوزة- و هي منطقة مدينة المتوكلية- و ان يهدموا المنازل و يحملوا الانقاض الى سامرا. فخربت قصور المتوكلية و منازلها و اسواقها.

و عند عودة المنتصر باللّه الى سامرا سكن في القصر الجعفري المحدث الذي بناه ابوه و انفق عليه عشرة الالف الف درهم‏ (1).

و ذكر الطبري ان المنتصر باللّه عقد مجلسه في هذا القصر ليستمع هو و القواد و القضاة و الامراء من بني العباس الى اعلان اخويه المعتز و المؤيد تنازلهما عن ولاية العهد من بعده‏ (2). و في هذا القصر كانت وفاته في اوائل ربيع الآخر سنة 248 ه.

____________

(1) معجم البلدان 3/ 175.

(2) الطبري 9/ 237 و 244.

182

كان من المنتظر بعد ان عادت الجموع الكثيرة من سكان المتوكلية الى سامرا ان يعاد بناء قصورها و بيوتها و اسواقها و مرافقها التي سبق ان هدمت او هجرت عند انتقال العاصمة الى المتوكلية. و ان يتم ذلك بموجب تخطيط و تنسيق يعيد للمدينة عمرانها و بهاءها. الا ان الوضع النفسي للمنتصر باللّه و ما كان اعتراه من كآبة و قلق لندمه على المشاركة في اغتيال ابيه، و قصر مدة حكمه، فانه لم يقم بشي‏ء من ذلك، بل انه اهمل مشاريع ابيه العمرانية، و بخاصة النهر الجعفري فلم يحاول تصحيح الأخطاء التي حصلت في حفره. و لذا فان سامرا لم تحظ في ايامه بشي‏ء من العناية بعمرانها، و لكن امه طلبت عند وفاته ان تظهر قبره، فبنت له ضريحا اقيمت عليه قبة عرفت بقبة الصليبية.

قبة الصليبية:

تقع اطلال هذه القبة على الضفة المرتفعة لنهر الاسحاقي في الجانب الغربي من دجلة، جنوبي قصر المعشوق و على مقربة منه.

و كانت في الأصل بناية مثمنة الشكل تتوسطها قاعة مربعة يحيط بها رواق مثمن، و يستدل من سمك جدرانها و من الاسم الشائع لها انها كانت تعلوها قبة. و لا مجال للشك في انها كانت ضريحا لأحد الخلفاء (3). و كان هرزفيلد قد اجرى تنقيبات اولية في اطلال هذه البناية، و وجد فيها ثلاثة قبور مما جعله يرجح انها كانت موضع قبر الخليفة المنتصر باللّه. ثم دفن الى جانبه المعتز باللّه و المهتدى باللّه‏ (4).

____________

(3) الاثار القديمة العامة- سامراء/ 72.

(4)Creswell ,E .M .A .P :883

183

يقول الطبري عن دفن المنتصر باللّه انه اول خليفة من بني العباس عرف قبره لأن امه طلبت اظهار قبره‏ (5). و يقول عن دفن المعتز باللّه انه لما مات دفن مع المنتصر في ناحية قصر الصوامع‏ (6). و يضيف ابن الأثير على ذلك ان المهتدى باللّه لما مات دفن بمقبرة المنتصر (7). و في هذا ما يؤيد ما ذهب اليه هرزفيلد في ان قبة الصليبية كانت ضريحا للخلفاء المذكورين.

و يرى كريزول ان القبة المذكورة تعود الى زمن متأخر من عهد سامرا لأنها مبنية بنفس المواد التي استعملت في بناء قصر المعشوق الذي شيد في اواخر عهد المعتمد على اللّه‏ (8). و قد يؤيد هذا الرأي قرب القبة من القصر المذكور، و ان المعتمد على اللّه ربما قد بناها لتكون ضريحا له. لاسيما و انه عند ما توفى ببغداد حمل الى سامرا و دفن فيها.

2- المستعين باللّه:

لما توفي المتنصر باللّه اجتمع كبار القادة الاتراك في القصر الهاروني و اتفقوا على اختيار خلف له فبايعوا حفيد المعتصم باللّه احمد بن محمد و لقب بالمستعين باللّه. و قد بات ليلته الأولى في القصر المذكور. و يظهر من مجرى الحوادث المهمة على عهده انه سكن في قصر الجوسق الخاقاني، قصر جده المعتصم باللّه الواقع على نهر دجلة جنوبي دار الخليفة. فقد التجأ القائد التركي اوتامش الى الخليفة في هذا القصر لما هاجمه مناوئوه‏

____________

(5) الطبري 9/ 254.

(6) الطبري 9/ 390.

(7) الكامل 7/ 230.

(8) ....

184

من الأتراك، فدخلوا الجوسق و استخرجوه و قتلوه مع كاتبه شجاع بن القاسم‏ (9). و لما قتل باغا التركي حاصر اتباعه من الجند و القواد الموالين له في قصر الجوسق ايضا. و علم المستعين بالله باجتماعهم فرك القصر منحدرا مع بعض قواد و افراد حاشيته الى بغداد (10).

و نزل الخليفة في بغداد على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره. ثم انتقل منها الى دار رزق الخادم في الرصافة. و لما تنازل عن الخلافة و بايع المعتز باللّه نقل هو و عياله و ولده و جواريه من الدار المذكورة الى قصر الحسن بن سهل بالمخرم، و انزلوا فيها جميعا (11).

لقد ظلت شؤون سامرا و مرافقها العمرانية مهملة طيلة خلافة المستعين باللّه، لأنه قضى ما يقارب الثلاث سنوات من حكمه في سامرا في صراع مستمر مع الاتراك مما اضطره على الانتقال الى بغداد، ثم قيام الحرب بين بغداد و سامرا، و لذا لم تتح له الفرصة للقيام باي عمل عمراني يذكر في سامرا.

3- المعتز باللّه:

اما المعتز باللّه الذي بايعه الاتراك الذين ظلموا في سامرا و فشلوا في اقناع المستعين باللّه بالعودة اليها، فقد كان ينزل في قصر الجوسق اول امره. و قد اضاف اليه جناحا خاصا لسكناه احسن عمارته و ريازته. و قد ذكر الشابشتي ان المعتز باللّه بنى في الجوسق بيتا قدرته له امه و مثلث حيطانه و سقوفه، فكان احسن بيت رئي، و لما انتهى منه دعا المعتز باللّه حاشيته اليه فقضوا

____________

(9) الطبري 9/ 264، و الكامل 7/ 123.

(10) الطبري 9/ 280.

(11) الطبري 9/ 348.

185

احسن يوم سرورا (12). و ضرب فيه المعتز باللّه دينارا من دنانير الصلة كل دينار بدينارين كتب على كل دينار منها «ضرب هذا الدينار بالجوسق لخزينة امير المؤمنين المعتز باللّه» (13). و كان المعتز باللّه في بيته هذا لما جى‏ء اليه برأس المستعين باللّه في سنة 252 ه (14). و برأس القائد بغا الشرابي في سنة 254 ه (15).

و يشير البحتري في احدى قصائده في مدح المعتز باللّه الى انه بنى قصرا فخما يقال له «الكامل» و قد تضمن مدحه بعض اوصاف القصر، و مما جاء فيها قوله‏ (16):

لما كملت روية و عزيمة* * * أعملت رأيك في ابتناء الكامل‏

و غدوت من بين الملوك موفقا* * * منه لأيمن حلة و منازل‏

ذعر الحمام و قد ترنم فوقه‏* * * من منظر خطر المزلة هائل‏

روفت لمنخرق الرياح سموكه‏* * * و زهت عجائب حسنة المتخايل‏

و كأن حيطان الزجاج بجوه‏* * * لجج يمجن على جنوب ساحل‏

و كأن تفويق الرخام اذا التقى‏* * * تأليقه بالمنظر المتقابل‏

____________

(12) الديارات/ 670.

(13) نفس المصدر/ 168.

(14) الطبري 9/ 364، و الديارات/ 170.

(15) الطبري 9/ 380.

(16) ديوان البحتري 3/ 1646- 1649.

186

حبك الغمام رصفن بين منمر* * * و مسير و مقارب و مشاكل‏

لبست من الذهب الصقيل سقوفه‏* * * نورا يضى‏ء على الظلام الحافل‏

فترى العيون يجلن في ذى رونق‏* * * متلهب العالي انيق السافل‏

فكانما نشرت على بستانه‏* * * سيراء و شي اليمنة المتواصل‏

اغنته دجلة اذ تلاحق فيضها* * * عن فيض منسجم السحاب الهاطل‏

وافيته و الورد في وقت معا* * * و نزلت فيه مع الربيع النازل‏

يتضح من اوصاف البحتري ان الكامل كان قصرا مرتفعا شاهق البنيان، يحاذر الحمام ان يطاله في ارتفاعه، و قد بنى بالرخام و المرمر و موهت سقوفه بالذهب الصقيل، و زينت نوافذه بالزجاج الشفاف. و انه كان على شاطي‏ء دجلة بحيث يسقى ماؤها بستان القصر، و ان المعتز باللّه نزل فيه في اول فصل الربيع.

و مدح البحتري المعتز باللّه بقصيدة اخرى اشار فيها الى انه افتتح بناء جديدا، و لعله يقصد القصر الكامل المشار اليه آنفآ، كما يظهر من اوصاف البناء، اذ جاء فيها قوله: (17)

____________

(17) ديون البحتري- طبعة صادر 1/ 179- 180.

187

بارك اللّه للخليفة في الفت* * * ح الجنوبي، و البناء الجديد

خير مبهج، و بنيان بمن‏* * * في منيف، عند السماك مشيد

فوق صرح ممرد من قوار* * * ير، غريب التأليف و التمديد

لو بدا حسنه لجن سليما* * * ن لخروا من ركع و سجود

قد عددنا اليوم الذي جئته‏* * * فيه لافراط حسنه، يوم عيد

كما ذكر البحتري في احدى مدائحه المعتز باللّه قصرا آخر باسم «قصر الساج» اذ يقول فيها (18):

و كأن قصر الساج خلة عاشق‏* * * برزت لوامقها بوجه مونق‏

قصر تكامل حسنه في قلعة* * * بيضاء، واسطة لبحر محدق‏

و اني المحل فلا المزار بشاسع‏* * * عمن يزور، و لا الفناء بضيق‏

قدرته تقدير غير مفرط* * * و بنيته بنيان غير مشقق‏

و وصلت بين الجعفري و بينه‏* * * بالنهر يحمل من جنوب الخندق‏

____________

(18) ديوان البحتري 3/ 1479- 1484.

188

نهر كأن الماء في حجراته‏* * * افرند متن الصارم المتألق‏

لقد بنى المعتز هذا القصر و لم يدخر وسعا في الانفاق عليه بحيث تكامل حسنه. فقد كان كالقلعة البيضاء وسط ساحة خضراء تكتنفها الاشجار الخضراء و الوان الورود. و كان واسع الارجاء قريبا في موقعه.

و كان هناك قصر بديع يقع على ضفة القاطول الاعلى في الناحية الثمالية الغربية من ساحة الحير، يعرف بقصر الدكة.

و قد عين الطبري موقع هذا القصر في معرض كلامه في حادث مقتل القائد صالح بن وصيف في سنة 256 ه فيقول ان الناس اجتمعوا و «تهايجوا من دار امير المؤمنين، فركبوا في السلاح، و اخذوا في الحير حتى اجتمعوا ما بين الدكة و ظهر المسجد الجامع». (19) و يرجح الدكتور احمد سوسه ان قصر الدكة هذا هو نفسه القصر المعروف بقصر الساج. و دليله على ذلك ان البحتري لما وصف قصر الساج في قصيدته آنفة الذكر اشار في اواخرها الى نهر كان يبدأ من قرب القصر الجعفري و ينتهي عنده، اي ان النهر يوصل بين القصرين المذكورين، و ذلك بقوله:

الحقه يا خير الورى بمسيره‏* * * و امدد فضول عبابه المتدفق‏

فاذا بلغت به البديع فانما* * * انزلت دجلة في فناء الجوسق‏

ان وصف البحتري بانه قصر تكامل في حسنه و هو كالقلعة البيضاء يحيط بها البحر، و ان المعتز باللّه وصل بينه و بين الجعفري‏

____________

(19) الطبري 9/ 451.

189

بالنهر الذي كان يتفرع من قناة سامرا، ينطبق على قصر الدكة، و لذا فهو قصر الساج الذي بناه المعتز باللّه‏ (20).

و يظهر ان مناطق سكنى الجند من الاتراك قد امتدت بعيدا عن المسجد الجامع الكبير مما صعب على المسنين منهم الوصول اليه لأداء فريضة الصلاة، فبتنى المعتز باللّه مسجدا قريبا من مناطق سكناهم.

فأشاد البحتري بصنيع المعتز باللّه بقوله‏ (21):

يا ابن عم النبي أمتعت العم* * * ر و مليت نعمة الامتاع‏

يعلم اللّه كيف حمد الموالى‏* * * ما تعاني من شأنهم، و تراعى‏

اعظموا المسجد الجديد فابدوا* * * و اعادوا في الشكر عنه المذاع‏

رحت خير البانين و اخترت بالا* * * مس لخير البيوت خير البقاع‏

فصرت خطوة الكبير و لاقى‏* * * متعب فضل راحة و اتداع‏

4- المهتدى باللّه.

كان المهتدي باللّه قد اقام في الجوسق منذ ان بويع له الى ان قتل‏ (22). و بسبب الوضع المالي السي‏ء للدولة فقد اتبع المهتدي‏

____________

(20) ري سامراء 1/ 123.

(21) ديوان البحتري- طبعة صادر 1/ 150- 152.

(22) كتاب البلدان/ 268.

190

باللّه سياسة اقتصاد و تقشف في جميع نفقاته و في النفقات العامة.

و كان بطبيعته يمقت حياة البذخ و الترف، فخفض كثيرا من نفقات بلاطه و نفقات اهله و ولده، مقتصرا على الضروري منها.

و لذا لم يحدث في ايامه التي لم تتجاوز السنة، اي عمران يذكر في سامرا.

5- المعتمد على اللّه:

اقام المعتمد على اللّه عند مبايعته بالخلافة بسر من رأى في الجوسق و قصور الخلافة، ثم انتقل الى الجانب الغربي من المدينة فبنى قصر موصوفا بالحسن سماه المعشوق‏ (23). و كنا ذكرنا في سيرته انه كان مستضعفا، فانه رغم ميله الى الفنون و الآداب، و مع طول مدة حكمه لم يستطع ان يضيف شيئا الى عمران سامرا الا يسيرا، و هو بناؤه قصر المعشوق. و ذلك لعدم توفر المال من جهة بسبب حرب الزنج و الثورات الداخلية الأخرى، و لسيطرة اخيه الموفق على شؤون الدولة من جهة اخرى، مما حال دون ان يتمكن من ان ينفق شيئا من المال حسب مشيئته و رغباته. كما كان الموفق نفسه رجل حرب قضى اغلب ايامه في جبهات القتال، فلم يعن بالامور العمرانية.

و كان الاهمال العمراني الذي اصاب سامرا بعد المتوكل على اللّه قد حرم قصورها من العناية بها و صيانتها و تجديدها، فاصبحت قديمة و قد فقدت جدتها و رونقها و لم تعد صالحة لسكنى الخلفاء.

و لهذا يلاحظ المتتبع لتاريخ سامرا خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم المعتمد على اللّه، انه كان يتردد فى سكناه بين بغداد و سامرا. و سبق ان اشرنا الى انه اتخذ القصر الحسنى ببغداد

____________

(23) نفس المصدر.

191

سكنا له عند ما يكون فيها، و به كانت وفاته. على انه استطاع في سنة 275 ه ان يبني قصرا فخما في الجانب الغربي من سامرا اسماه المعشوق، و قد انتقل اليه و سكن فيه.

قصر المعشوق:

اشار اليعقوبي الى هذا القصر بقوله «و لما ولي المعتمد اقام بسر من رأى في الجوسق و قصور الخلافة ثم انتقل الى الجانب الغربي‏ (24) بسر من رأى فبنى قصرا موصوفا بالحسن سماه المعشوق، فنزله فاقام به حتى اضطرته الامور فانتقل الى بغداد» (25). و قال عنه ياقوت الحموي «المعشوق و هو اسم لقصر عظيم بالجانب الغربي من دجلة قبالة سامرا في وسط البرية باق الى الآن‏ (26). ليس حوله شي‏ء من العمران، يسكنه قوم من الفلاحين، الا انه عظيم مكين محكم لم يبن في تلك البقاع على كثرة ما كان هناك من القصور غيره. و بينه و بين تكريت مرحلة.

عمّره المعتمد على اللّه» (27). و ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة 350 ه ان معز الدولة احمد بن ابي شجاع البويهي نقض المعشوق بسر من رأى و حمل آجره لبناء داره ببغداد (28). و جاء في كتاب تجارب الامم ان معز الدولة قد اشتدت علته و اراد ان يترك بغداد الا ان وزيره ابو محمد المهلبي صرفه عن رأيه واقنعه بان يبنى قصرا في اعالي بغداد. و لما شرع بالبناء قلع الابواب الحديد التي على مدينة ابي جعفر المنصور، و نقض قصور الخلافة بسر من رأى‏

____________

(24) في الاصل الشرقي.

(25) كتاب البلدان/ 268.

(26) توفي ياقوت الحموي في سنة 626 ه.

(27) معجم البلدان 5/ 156- 157.

(28) المنتظم 7/ 2.

192

و نقل منها الآجر لبناء قصره‏ (29). و يظهر انه نقض قصر المعشوق ايضا.

و كان علي بن يحيى المنجم نديم الخلفاء مقربا من المعتمد على اللّه فقلده بناء المعشوق فبنى له اكثره‏ (30). لأنه توفى في سنة 275 ه قبل ان يتم بناء القصر. مما يستدل منه ان المعتمد على اللّه شيد هذا القصر في حدود السنة المذكورة. فعهد وزيره سليمان بن وهب الى محمد بن عبد اللّه بن يحى الاشراف على اكمال بناء القصر، ثم ما لبث ان صرفه الخليفة (31).

و مر باطلال قصر المعشوق كل من ابن جبير و ابن بطوطه، فقال عنه ابن جبير ابو الحسن محمد بن احمد الاندلسي المتوفى سنة 614 ه، عند مروره بسامرا «و نزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر لصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق .. فاقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين، و بيننا و بين مدينة تكريت مرحلة» (32). و قال عنه ابن بطوطة ابو عبد اللّه محمد بن عبد الله الطنجي المتوفى سنة 797 ه في رحلته من بغداد الى الموصل عند ما مر به «فنزلنا موضعا على شط دجلة بالقرب من حصن يسمى المعشوق و هو مبنى على الدجلة. و في العدوة الشرقية من هذا الحصن مدينة سر من رأى و تسمى سامرا» (33).

و كان المستشرق الفرنسي فيوله-Viollet من اوائل المحدثين الذين ابدوا اهتماما بهذا الأثر فنشر دراسة قصيرة عنه و بعضا من مخططاته في سنة 1911 م، عقبه المستشرق الالماني‏

____________

(29) تجارب الامم 2/ 182- 183.

(30) معجم الادباء 5/ 476.

(31) الوزراء/ 284.

(32) رحلة ابن جبير/ 185.

(33) رحلة ابن بطوطة 1/ 147.

193

هرزفيلد فاجرى بعض التنقيبات فيه قبيل الحرب العالمية الاولى‏ (34).

تقع اطلال قصر المعشوق على الضفة الغربية لنهر الاسحاقي في الجانب الغربي من نهر دجلة، و تسمى اليوم قصر العاشق. و كان المعتمد على اللّه آخر خلفاء سامرا قد بناه في اواخر عهده، قبل انتقال مقر الخلافة الى بغداد. و بناية القصر مستطيلة الشكل ذات طابقين، و قد تحول الطابق الأسفل الى سرداب لتراكم انقاض اجزاء الطابق الثاني فيه. و يبلغ طول البناية 131 مترا و عرضها 96 مترا، و كانت محاطة بساحة مسورة، و يشاهد في هذه الساحة بين القصر و السور آثار عدة مبان فرعية (35). و كان يدور حول سور القصر خندق واسع يستمد مياهه من قناة جوفية (كهريز) ينحدر اليها الماء من العيون التي في اراضي الجزيرة الغربية فتفضى اليه، لأن موقع القصر كان مرتفعا بالنسبة الى منسوب المياه في نهر الاسحاقي فلم يكن بالامكان جر الماء منه الى الخندق‏ (36).

يعتبر قصر المعشوق من اهم القصور الأثرية المتخلفة عن العاصمة سامرا، و كان بناؤه متينا اذ ان معدل عرض جدرانه 60 ر 2 مترا، اضافة الى انه معزز بابراج ضخمة تدعمه من جوانبه المختلفة، و تحيط به مسناة من بعض جهاته لحمايته من مياه الأمطار. و ذلك ما حدا بالكتاب و البلدانيين القدماء الى ان يطلقوا عليه صفة القلاع و الحصون. و قد نشر المنقب الآثاري السيد ربيع القيسي تقريرا بعنوان «الصيانة الاثرية في قصر العاشق في‏

____________

(34) مجلة سومر، العدد 1 و 2 من السنة 1967/ 183.

(35) الآثار القديمة العامة- سامراء/ 71.

(36) ري سامراء 1/ 88.

194

سامراء» في مجلة سومر (37). تضمن وصفا دقيقا لأعمال الصيانة التي قامت بها مديرية الآثار العامة للحفاظ على البقية الباقية من جدران القصر و ابراجه المتداعية و كثير من جدرانه الداخلية التي استظهرت بنتيجة اعمال التنقيب. و فيما يلي ملخص بما كشف من مرافق القصر المذكور قد تساعدنا على تصور تخطيطه و ما كان يحتوي عليه من الغرف و القاعات و الممرات و غير ذلك من المرافق الاخرى.

بني قصر المعشوق جميعه بالآجر من النوع الكبير (الفرشي) من قياس 5 ر 10* 5 ر 10* 5 ر 2 بوصة. و من اطلاله الباقية في الوقت الحاضر يشاهد في الجهة الشمالية منه بقايا جدران امكن الاهتداء بواسطتها الى مرافق القصر. و كانت في القصر اواوين على غرار الاواوين في قصور سامرا الاخرى. و وجد ان جدار الجبهة الشمالية للقصر تصاقبه من الخارج مجموعة من الفرف مستطيلة و متوازية و متعامدة على هذا الجدار، و ظهر ان احداها و هي الغرفة الشرقية تكون ممرا يؤدي الى مرافق القصر العليا، و يحتمل ان يكون هذا الممر مدخلا للقصر من جهته الشمالية. و قد شيد هذا المدخل بالآجر و الجص بهيئة سلم منحدر على دفق من التراب يرتفع الى مسافة اربعة امتار ثم ينعطف نحو اليسار، و بعد مسافة 11 مترا ينحرف مرة اخرى نحو اليسار مشكلا ممرا يصل نقطة تقع فوق باب المدخل و عندها ينتهي الدفن المشيد عليه السلم. و ظهرت دلائل معمارية تؤكد استمرار هذا السلّم و انعطافه يسارا مرة ثالثة فيتصل بعقد من الخشب مشكلا سقفا للقسم الأسفل، و يؤدي بعد مسافة 11 مترا الى مدخل بعرض مترين يفضي الى مرافق القصر. و في جدار المدخل عدة نوافذ للاضاءة و التهوية، و كشف عن طابق اسفل تحت هذه الجبهة

____________

(37) مجلة سومر- العددان 1 و 2 لسنة 1967/ 183- 187.

195

بهيئة سرداب مشيد بالآجر و الجص على غرار الأواوين في العمائر الاسلامية.

و كشف في منتصف الجبهة الشرقية للقصر مدخل تدل معالمه البنائية على انه من المباني المضافة على هذا القسم، و عن يسار المدخل المذكور ثلاث غرف مستطيلة الشكل ذات جدران سميكة، و على جدران هذه الجبهة ميازيب عمودية منحوتة عرضها 30 سم و عمقها 20 سم لتصريف مياه الأمطار. و يظهر انها نحتت بعد تشييد الجدران لأنه لوحظت آثار قص الجدران، و ان هذا القص يخترق جانبا من المشاكي التي تزين ظاهر الجدران. و كان بعض هذه الجدران تزينها نقوش و كتابات.

و وجد في الجانب الغربي من القصر منفذ بهيئة عقد يتوسط البرجين الثالث و الرابع و عرضه متران، مع آثار غرف صغيرة امام المدخل تلاحق جدران القصر من هذا الجانب.

و في الجبهة الجنوبية من القصر وجدت بقايا اربعة ابراج.

و ظهر ان بعض جدران هذه الجبهة قد شيدت على وجه الارض من دون اساس و ذلك لصلابة الارض التي تقوم عليها هذه الجدران.

و وجد مدخل صغير في هذه الجبهة على غرار مدخل الجانب الغربي من القصر. كما وجدت عدة مرافق بقرب هذا المدخل تشابه المرافق الملاصقة لمدخل القسم الغربي.

و قد اشاد البحتري بذكر هذا القصر في قصيدة مدح بها الخليفة المعتمد على اللّه مطلعها (38):

أريتك الآن المع البروق‏* * * ام شعل مرفضة من حريق‏

____________

(38) ديوان البحتري- طبعة صادر 1/ 182- 184.

196

الى ان يقول:

لازال معشوك يسقى الحيا* * * من كل دانى المزن واهي الخروق‏

فما خلونا مذ رأيناه من‏* * * فتح جديد، و زمان أنيق‏

أشرق نظارا الى ملتقى‏* * * دجلة يلقاه بوجه طليق‏

و طالع الشمس على موعد* * * بمثل ضوء الشمس عند الشروق‏

لم أر كالمعشوق قصرا بدا* * * لأعين الرائين غير المشوق‏

هذاك قد بر في حسنه‏* * * سبقا و هذا مسرع في اللحوق‏

و قد اشار ياقوت الحموي في معجمه الى ان المعتمد باللّه كان عمّر قصرا آخر سمي باسمه هو القصر الأحمدي، و لكنه لم يذكر موضعه و متى انشأه، مكتفيا بهذه اللمحة البسيطة، و ذكر ما قاله فيه ابن المعتز واحد الأدباء. فقد ذكر ابن المعتز هذا القصر في شعر امتدح به المعتمد على اللّه، منه قوله‏ (39):

بدر تنقل في منازله‏* * * سعد يصبحه و يطرقه‏

فرحت به دار الملوك فقد* * * كادت الى لقياه تسبقه‏

و الأحمدي اليه منتسب‏* * * من قبل و المعشوق يعشقه‏

____________

(39) معجم البلدان 5/ 156- 157.

197

و قال بعض اهل الادب: اجتزت بسامرا فرايت على جدران القصر المعروف بالأحمدي مكتوبا (40):

في الأحمدي لمن يأتيه معتبر* * * لم يبق من حسنه عين و لا أثر

غارت كواكبه و انهد جانبه‏* * * و مات صاحبه و استفظع الحيز

____________

(40) نفس المصدر 1/ 117.

198

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

199

الفصل السادس العودة الى بغداد و هجر سامرا

1- العودة الى بغداد:

ليس هناك تاريخ معين لترك المعتمد على اللّه مدينة سامرا و العودة الى بغداد، كما لا تتضح الاسباب التي دفعته الى الانتقال.

و ان ما ورد في المصادر الأولية حول هذا الموضوع لا يلقى ضوء واضحا على ذلك. و لكن المتتبع لسير الحوادث خلال السنوات العشر الأخيرة من حياة سامرا كعاصمة للدولة العربية يلاحظ ان الخليفة كان في اثنائها يتردد بين بغداد و سامرا، فيكون مقره في سامرا احيانا و في بغداد احيانا اخرى. و نذكر فيما يأتي بعضا من الحوادث التي وقعت خلال المدة المذكورة و كانت بغداد مسرح حدوثها مع ان سامرا كانت لا تزال عاصمة الدولة و مقر الخلافة، لأن دواوين الدولة و خزائنها لازالت فيها.

و مما حدث في سنة 270 ه ان ابا العباس احمد بن الموفق، و كان بمعية ابيه في حرب الزنج، قدم بغداد و معه رأس الخبيث قائد ثورة الزنج ليراه الناس‏ (1). مما يدل على ان الخليفة كان‏

____________

(1) الطبري 9/ 663، و الكامل 7/ 405.

200

حينذاك في بغداد، لأن من المعتاد ان يحمل رأس الثائر الى الخليفة ليقرر ما يراه بشأنه، فقد يأمر بدفنه، او بتعليقه في محل عام او بالطواف به في بعض اقاليم الدولة.

و لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة 272 ه قدم ابو العباس بغداد منصرفا من وقعته مع ابن طولون بالطواحين‏ (2). و في هذه السنة ورد الخبر مدينة السلام بدخول حمدان بن حمدون و هارون الشاري مدينة الموصل‏ (3).

و عند ما حبس الموفق ابنه ابا العباس في سنة 275 ه شغب اصحاب ابي العباس و حملوا السلاح، و اضطربت بغداد، فركب ابو احمد حتى بلغ باب الرصافة (4).

و لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الاول من سنة 276 ه شخص ابو احمد الموفق من مدينة السلام الى الجبل‏ (5).

و في أول يوم من شعبان سنة 277 ه قدم بغداد قائد من قواد ابن طولون في جيش عظيم من الفرسان و الرجالة (6). و مجى‏ء هذا الوفد العسكري الى بغداد يدل على ان الخليفة كان فيها آنذاك.

و ان وفاة الموفق في صفر سنة 278 ه و دفنه بالرصافة ببغداد (7)، و وفاة المعتمد على اللّه في رجب سنة 279 ه ببغداد (8)، مما يشير الى انهما كانا قد استقرا في بغداد.

____________

(2) الطبري 10/ 9.

(3) الطبري 10/ 9 و الكامل 7/ 419.

(4) الطبري 10/ 15 و الكامل 7/ 433.

(5) الطبري 10/ 16.

(6) الطبري 01/ 18، و الكامل 7/ 439.

(7) الطبري 10/ 22، و الكامل 7/ 443.

(8) الطبري 10/ 29، و الكامل 7/ 455.

201

يقول ابن الأثير ان المعتمد على اللّه اول الخلفاء انتقل من سر من رأى مذ بنيت ثم لم يعد اليها احد منهم‏ (9).

و يؤيد الخطيب البغدادي تردد المعتمد على اللّه على بغداد، اذ يذكر انه كان قد استنزل بوران ارملة المأمون عن قصرها المعروف بالحسنى، فاستنظرته اياما في تفريغه و تسليمه. ثم رممته و عمرته و فرشته باجل الفرش، و ملأت خزائنه بما يخدم به الخلفاء، و رتبت فيه من الخدم و الجواري ما تدعو الحاجة اليه، فلما فرغت من ذلك انتقلت منه. فانتقل المعتمد اليه. و لما كانت بوران قد توفيت في اواخر ربيع الأول من سنة 271 ه، فان انتقال المعتمد على اللّه الى القصر كان قبل وفاتها. (10)

و يشير ياقوت الحموي الى نفس الخبر المذكور فيقول: «فاتاه فرأي ما اعجبه و ارضاه و استحسنه و اشتهاه، و صار من احب البقاع اليه، و كان يتردد فيما بينه و بين سر من رأى فيقيم هناك تارة و هناك تارة اخرى» (11). و واضح من هذا ان المعتمد على الله لم ينتقل الى بغداد بصورة نهائية.

و قد لاحظ ياقوت ان سامرا «لم تزل كل يوم في صلاح و زيادة و عمارة منذ ايام المعتصم و الواثق الى ايام المنتصر بن المتوكل. فلما ولى المستعين و قويت شوكة الأتراك و استبدوا بالملك و التولية و العزل، و انفسدت دولة بني العباس، لم تزل سر من رأى في تناقص للاختلاف الواقع في الدولة بسبب العصبية التي كانت بين امراء الاتراك. الى ان كان آخر من انتقل الى بغداد من الخلفاء و اقام بها و ترك سر من رأى بالكلية المعتضد باللّه امير المؤمنين» (12).

____________

(9) الكامل 7/ 455.

(10) تاريخ بغداد 1/ 99- 100.

(11) معجم البلدان 2/ 4.

(12) نفس المصدر 3/ 176.

202

و ذكر المؤرخ زكريا بن محمد القزويني مثل هذا، فقال «و لم تزل في زيادة عمارة من ايام المعتصم الى ايام المستعين، فعند ذلك قويت شوكت الأتراك و وقعت المخالفة في الدولة. فلم تزل في نقص الى زمان المعتضد باللّه فانه انتقل الى بغداد و ترك سامرا بالكلية» (13).

ان ما ذكرناه يؤيد ان المعتمد على اللّه كان يترد بين سامرا و بغداد، و انه لم ينتقل بصورة نهائية الى بغداد. و لعل قيامه ببناء قصر المعشوق في سامرا خلال سنتي 275 و 276 ه دليل آخر على انه لم يزمع الانتقال منها. الا انه عند ما تولى المعتضد باللّه الخلافة في رجب من سنة 279 و هو في بغداد آثر الاستقرار بها، و نقل دواوين الدولة اليها، فعادت من جديد عاصمة للدولة العربية.

و هكذا كانت سامرا عاصمة للدولة العربية خلال المدة من اوائل سنة 223 ه حتى رجب سنة 279 ه، اي طيلة مدة تقرب من سبع و خمسين سنة عدا المدة التي انتقل بها المتوكل على اللّه الى المتوكلية. اما المدة التي انتقل بها المتوكل على اللّه الى دمشق فانه «لم ير في سفرته هذه شيئا و لا نظر في مصلحة» (14). اي انه لم يمارس اعماله خلالها. و المدة التي انتقل فيها المستعين باللّه الى بغداد و بقاؤه فيها حتى تنازله عن الخلافة و قدرها سنة واحدة، فقد بقيت سامرا خلالها عاصمة للخليفة المعتز باللّه الذي بايعه القواد الأتراك اثر انحدار المستعين باللّه الى بغداد.

2- اسباب هجر سامرا:

و كما قامت مدينة سامرا و اتسعت خلال مدة و جيزة من الزمن فقد قدر لها ان يغتالها الاهمال و يعمها الخراب بسرعة ايضا. و ليس‏

____________

(13) آثار البلاد و اخبار العباد/ 386.

(14) تاريخ اليعقوبي 2/ 491.

203

هناك اسباب واضحة لهجرها و عودة مقر الخلافة الى مدينة السلام.

الا ان المتتبع يلمس اهمال الخلفاء الذين جاءوا بعد المتوكل على اللّه شؤون المدينة العمرانية عدا مدة قصيرة في ايام المعتز باللّه. و ذلك بسبب انشغال الدولة العربية بالحروب و ما اصابها جراء ذلك من انهاك و ارهاق و بخاصة من الناحية المالية، بقيام ثورة الزنج التي استمرت خمسة عشر عاما، و خروج الولايات الشرقية بين حين و آخر على سلطة الخلافة. بحيث فقدت سامرا و بخاصة قصورها جدتها و بهاءها و اصبحت لا تليق بسكنى الخلفاء فيها. مما جعل المعتمد على اللّه، رغم الظروف المالية الصعبة، يبني له قصرا في الجانب الغربي من المدينة. و ان المعتضد باللّه الذي قضى اكثر ايامه قبل توليه الخلافة ببغداد، رأى بعد ان بويع له ان الاقامة بالقصر الحسنى اكثر راحة و اعظم ابهة من السكن باحد قصور سامرا القديمة.

و لا ينكر ان عودة العاصمة الى بغداد و نقل مختلف الدواوين و رجالها اليها، و ما تبع ذلك من انتقال عدد كبير من سكان سامرا رعاية لمصالحهم، أثر تأثيرا بالغا في عمران سامرا، و افرغها من سكانها تقريبا بحيث كادت تخلو منهم تماما. كما كان لصعوبة توفير مياه الشرب لسكان الضفة الغربية المرتفعة من سامرا، و هي الجانب الأوسع و الأهم منها، تأثير مهم آخر في نزوحهم عنها.

فهجرت المدينة التي نافست بغداد ردحا من الزمن زاد على نصف القرن، و تطرق اليها الاضمحلال و الخراب. و قد احسن ياقوت الحموي بقوله انها خربت حتى لم يبق منها سوى موضع المشهد و محلة بعيدة يقال لها الكرخ، و اصبح «سائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر اليها بعد ان لم يكن في الأرض كلها احسن منها و لا اجمل و لا اعظم و لا آنس و لا اوسع ملكا» (15).

____________

(15) معجم البلدان 3/ 176.

204

3- سامرا بعد هجرها:

و قد وصف سامرا بعد هجرها بسنين عديدة بعض البلدانيين، و ذكرها بعض الرحالين الذين مروا بها. فقال عنها الاصطخري «و هي خراب ربما يسير الرجل في مقدار فرسخ منها لا يجد بها دارا معمورة» (16). و قال المقدسي «و الآن خربت، يسير الرجل الميلين و الثلاثة لا يرى عمارة، و هي الجانب الشرقي، و في الغربي بساتين .. فلما خربت سميت ساء من رأى» (17). و قال ابن حوقل «و مدينة سر من رأى في وقتنا هذا مختلة و اعمالها و ضياعها مضمحلة، قد تجمع اهل كل ناحية منها في مكان لهم به مسجد جامع و حاكم و ناظر في أمورهم، و صاحب معونة يصرفهم في مصالحهم.

و هواؤها و ثمار اصح من ثمار بغداد و هوائها. و لها نخيل و كروم و غلات تحمل الى مدينة السلام، و هي الآن خراب اكثرها» (18).

و مر بها الرحالة ابن جبير في طريقه من بغداد الى الموصل، فقال عنها «و نزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر من صفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق. و على قبالة هذا الموضع في الشط الشرقي مدينة سر من رأى و هي اليوم عبرة من رأى، اين معتصمها و واثقها و متوكلها؟ مدينة كبيرة قد استولى عليها الخراب الا بعض جهات منها هي اليوم معمورة. و قد اطنب المسعودي (رحمه اللّه) في وصفها و وصف طيب هوائها و رائق حسنها، و هي كما وصف و ان لم يبق الا الأثر من محاسنها» (19).

____________

(16) كتاب الاقاليم/ 48.

(17) احسن التقاسيم/ 122- 123.

(18) صورة الارض/ 218.

(19) رحلة ابن جبير/ 185.