سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
255

الاشراف على صحة المعتصم باللّه بعد موت طبيبه الخاص سلمويه بن بنان، قد خالف طريقة سلمويه في فصد المعتصم باللّه، اذ يقول: كان المعتصم قويا و كان سلمويه يفصده في السنة مرتين، و يسقيه عقب كل فصد دواء، فلما باشره يوحنا بن ماسويه اراد عكس ما كان يفعله سلمويه، فسقاه الدواء قبل الفصد، فلما شرب الدواء حمى دمه و حم، و ما زال جسمه ينقص حتى مات‏ (71).

و عند ما اشتدت علته و حضرته الوفاة جعل يقول: ذهبت الحيل ليست حيلة، و قيل انه جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلق‏ (72).

و حكى عنه انه قال: لو علمت ان عمري قصير ما فعلت ما فعلته، يعني قتل العباس بن المأمون‏ (73). و يذكر السيوطي عدة عبارات اخرى رويت عن المعتصم باللّه لما احتضر، فيقول انه قال «حتى اذا فرحوا بما أوتوا اخذناهم بغتة» (74)، و قيل انه قال: اللهم انك تعلم اني اخافك من قبلي و لا اخافك من قبلك، و ارجوك من قبلك و لا ارجوك من قبلى‏ (75). و يقول ابن الطقطقي انه لما مرض مرضته التي مات فيها نزل فى سفينة و معه زنام الزامر فجعل يمر على قصوره و بساتينه بشاطى‏ء دجلة، و طلب الى زنام ان يزمر له هذا اللحن: (76)

يا منزلا لم تبل اطلاله الخ .. و قد سبق ان اشرنا الى ذلك في فصل آخر. و كانت وفاته في سر من رأى و بها دفن في قصره‏

____________

(71) تاريخ الحكماء/ 120.

(72) الطبري 9/ 119.

(73) العيون و الحدائق 3/ 409.

(74) سورة الانعام- الآية: 44.

(75) تاريخ الخلفاء/ 336.

(76) العخري/ 212.

256

المعروف بالجوسق على دجلة. و قد صلى عليه قاضي القضاة احمد بن ابي دواد، و كان المعتصم بالله اوصاه بالصلاة عليه‏ (77).

و هناك اختلاف في تاريخ مولد المعتصم باللّه، فيذكر الطبري ان مولده كان في شعبان من سنة 180 ه، ثم يستدرك فيقول:

و قيل في سنة 179 ه (78). و يؤيد كل من المسعودي و الخطيب البغدادي التاريخ الذي ذكره الطبري اولا، و يضيف المسعودي ان مولده كان في قصر الخلد ببغداد (79). اما السيوطي فيذكر انه قد ولد في سنة 178 ه (80). و قد ترتب على هذا الاختلاف، اختلاف في مقدار عمره. فيقول الطبري ان عمره كان ستا و اربعين سنة و سبعة اشهر و ثمانية عشر يوما، او سبعا و اربعين سنة و شهرين و ثمانية عشر يوما. و يرى كل الخطيب و مسكويه و مؤلف كتاب العيون و الحدائق ان عمره كان ثماني و اربعين سنة.

اما اليعقوبي فيقول ان سنه كانت 49 سنة. و يقول الذهبي انه توفى عن سبع و اربعين سنة. بينما يرى الدينوري انه بلغ من العمر تسعا و ثلاثين سنة، و هو واهم و لا شك. و يرى المسعودي انه مات عن 48 سنة و قيل: 46 سنة (81). و كانت مدة خلافته ثماني‏

____________

(77) الاخبار الطوال/ 342.

(78) الطبري 9/ 119.

(79) مروج الذهب 4/ 64، و تاريخ بغداد 3/ 342.

(80) تاريخ الخلفاء/ 333.

(81) الطبري 9/ 119، و تاريخ بغداد 3/ 342، و تجارب الامم 6/ 527 و العيون و الحدائق 3/ 409، و تاريخ اليعقوبي 2/ 478، و العبر 1/ 401

257

سنوات و ثمانية اشهر، و قال وزيره محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه و يهنى‏ء ابنه الواثق باللّه‏ (82):

قد قلت اذ غيبوك و اصطفقت‏* * * عليك أيد بالترب و الطين‏

اذهب فنعم الحفيظ كنت على الد* * * نيا و نعيم الظهير للدين‏

لا جبر الله امة فقدت‏* * * مثلك الا بمثل هارون‏

***

____________

(82) الطبري 9/ 119. و الاخبار الطوال/ 342، و مروج الذهب 4/ 63- 64.

258

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

259

الفصل الثالث الواثق باللّه ابو جعفر هارون بن المعتصم باللّه‏

1- مبايعته:

مات المعتصم باللّه و لم يكن قد عهد لابنه هارون بالخلافة.

الا ان هارون كان اكبر اخوته الستة، و ان المعتصم باللّه لما خرج الى القاطول في سنة 220 ه للبحث عن موقع يبني فيه مدينة لجنده الاتراك، استخلفه ببغداد (1). و لما خرج في سنة 223 ه في حملته على بلاد الروم دفع خاتمه اليه و اقامه مقام نفسه و استكتب له سليمان بن محمد بن عبد الملك الزيات‏ (2). و قد اعتبر بعض المؤرخين ذلك اشارة الى عهد المعتصم باللّه بالخلافة الى هارون.

و يقول السيوطي انه ولى الخلافة بعهد من ابيه‏ (3). و قد خلت المصادر الأولية عن اشارة واضحة الى ذلك.

____________

(1) الكامل 6/ 452.

(2) النجوم الزاهرة 2/ 238.

(3) تاريخ الخلفاء/ 340.

260

بويع هارون في سامرا غداة وفاة ابيه في يوم الخميس التاسع عشر من ربيع الأول سنة 227 ه و لقب بالواثق باللّه.

فتوجه اسحاق بن ابراهيم نائب الخليفة ببغداد، من فوره الى بغداد فوصلها قبل طلوع الفجر، و اتخذ ما رآه ضروريا من اجراءات المبايعة، فاحضر القواد و الوجوه و اخذ عليهم البيعة للواثق باللّه‏ (4).

و يفهم مما جاء في تاريخ بغداد و خلاصة الذهب المسبوك ان اسحاق بن ابراهيم كان ببغداد و جاءه نعي المعتصم باللّه في اليوم الثاني من وفاته، اي في يوم الجمعة، فلم يظهر النبأ، و خطب في ذلك اليوم على منابر بغداد للمعتصم باللّه و هو ميت‏ (5). و في اليوم التالي طلب اسحاق الى الامراء الهاشميين و القواد و الاعيان الحضور الى دار الولاية، فلما اجتمعوا نعى اليهم المعتصم باللّه و اخذ عليهم البيعة لهارون الواثق باللّه، فتمت بذلك مبايعته‏ (6).

و نقش الواثق باللّه على خاتمه عند ما اصبح خليفة «اللّه ثقة الواثق» (7). و يقال انه نقش عليه «محمد رسول اللّه)، و انه كان له ختم آخر نقش عليه «الواثق باللّه» (8).

____________

(4) تاريخ اليعقوبي 2/ 479.

(5) تاريخ بغداد 14/ 16، و خلاصة الذهب المسبوك/ 224.

(6) جاء في الطبري 9/ 123 انه بويع يوم الاربعاء لثمان خلون من ربيع الاول، الا انه سبق ان ذكر في ص: 118 ان المعتصم بالله توفي يوم الخميس الثاني عشر من ربيع الاول.

(7) التنبيه و الاشراف/ 323، و خلاصة الذهب المسبوك/ 224.

(8) العقد الفريد 5/ 122.

261

لقد استطاع المعتصم باللّه ان يقضي على ثورة بابك الخرمي التي كانت قد استفحل امرها و شغلت خلفاء بغداد ما يقرب من خمسة عشر عاما، و ان يشتت شمل قبائل الزط التي عاثت في البلاد فسادا، و ان يكسر شوكة الدولة البيزنطية و يهدد القسطنطينية بفتحه عمورية و كثير من الحصون الرومية، و يقضي على حركة الأفشين و المازيار الانفصالية. و بذلك هيأ لابنه الواثق باللّه عهدا من الهدوء و الاستقرار نعمت به ارجاء الدولة العربية طيلة حكمه، سوى بعض حركات التمرد الموضعية. و كان من المنتظر ان يستأنف الواثق باللّه غزو بلاد الروم و يقضي على الدولة البيزنطية المرهقة و التي بان ضعفها عند ما هاجمها ابوه. الا انه كان بطبيعته فنانا يعشق الشعر و الموسيقى و الغناء، و يميل الى الآداب و العلوم و المناقشة في المجالس العلمية و الادبية، و يؤثر حياة الدعة و الهدوء. فانصرف الى اللهو و الشعر و الغناء و المجالس، و ساعد على ازدهار الحالة الاقتصادية.

اما من الناحية السياسية فقد انتهج خطة عمه المأمون في سياسة التسامح و اللين مع العلويين، و الدفاع عن حرية الرأى و مناصرة المعتزلة، الا انه في الناحية العسكرية اتبع سياسة ابيه في الاعتماد على الجند الاتراك الذين ازداد نفوذهم على عهده، و توسع سلطانهم و تدخلهم في شؤون الدولة. مما كان له اثر مهم في اضعاف الخلافة خاصة و الدولة العربية بصورة عامة. اذ انصرف هؤلاء الى العمل على تطمين مصالحهم و تأمين ارزاق جندهم غير مبالين بمصلحة الخلافة و الدولة، بل انهم استغلوهما لتحقيق غاياتهم. و سنشير الى نتائج هذه السياسة و تأثيرها في الفصل الخاص بالنزاع بين الخلفاء و الجند الاتراك.

262

و مع كل ما تقدم يمكن القول ان ايام الواثق باللّه التي دامت خمس سنوات و نصف السنة، كانت عهد سلام و هدوء لا يشوبها سوى تعسفه بأمر المحنة و امتحان الناس بخلق القرآن، و بعض الاضطرابات الداخلية التي سرعان ما كان يقضي عليها.

2- صفاته و سيرته:

ولد الواثق باللّه بطريق مكة (9)، لعشر بقين من شعبان سنة 196 ه (10). و مما يؤيد صحة تاريخ مولده هذا ان المسعودي يقول ان عمره كان يوم بويع بالخلافة احدى و ثلاثين سنة و بضعة أشهر (11). و امه ام ولد رومية اسمها قراطيس‏ (12). و قد توفيت و هي في طريقها الى مكة في اوائل ذى القعدة من اولى سني حكمه، و دفنت في الكوفة في دار داود بن عيسى‏ (13).

يتقارب المؤرخون في وصف الواثق باللّه بأنه كان ابيض اللون تعلوه صفرة جميلا، قائم العين اليسرى و فيها نكتة بياض. الا ان المسعودي و ابا المحاسن يقولان ان نكتة البياض في عينيه الاثنتين.

و ينفرد صاحب الذهب المسبوك بان النكتة في عينه اليمنى. كما ينفرد المسعودي بانه كانت تعلوه حمرة (14)، بدل الصفرة.

____________

(9) الطبري 9/ 151 و الكامل 7/ 30.

(10) العقد الفريد 5/ 122، و تاريخ الخلفاء/ 340.

(11) مروج الذهب 4/ 65.

(12) الطبري 9/ 123، و خلاصة الذهب المسبوك/ 223.

(13) الطبري 9/ 123.

(14) التنبيه و الاشراف/ 313، و تجارب الامم 6/ 535، و العبر 1/ 412، و خلاصة الذهب المسبوك/ 224، و تاريخ الخلفاء/ 342، و النجوم الزاهرة 2/ 263.

263

و عرف عن الواثق بالله انه كان يتشبه بعمه المأمون في كثير من اخلاقه. و يقول ابن الطقطقي انه كان يتشبه بالمأمون في حركاته و سكناته‏ (15). و يعلل صاحب خلاصة الذهب المسبوك ذلك بأن المأمون هو الذي رباه فتقبل افعاله‏ (16). اي انه تأثر به و اقتدى بافعاله. و يكاد يجمع من كتب عنه من المؤرخين القدامى انه كان من افاضل خلفاء بني العباس، كثير المعروف، واسع العطاء، سهل الانقياد، محببا الى الرعية (17). دخل عليه مؤدبه هارون بن زياد يوما فأكرمه و اظهر من بره به ما يلفت النظر، فقيل له: من هذا يا امير المؤمنين الذي اكرمته كثيرا؟ قال: هذا اول من فتق لساني بذكر اللّه و ادناني من رحمة اللّه عز و جل‏ (18).

و كتب اليه محمد بن حماد بيتين من الشعر هما (19):

جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى‏* * * و قلت لها عفى عن الطلب النزر

فأن أمير المؤمنين بكفه‏* * * مدار رحى الارزاق دائبة تجري‏

فوقع الواثق باللّه: جذبك نفسك عن امتهانها دعا الى صونك بسعة فضلي عليك، فخذ ما طلبت هنيئا.

____________

(15) الفخري/ 215.

(16) خلاصة الذهب المسبوك/ 224.

(17) مروج الذهب 4/ 319، و الفخري/ 217، و النجوم الزاهرة 2/ 263.

(18) تاريخ بغداد 14/ 17.

(19) نفس المصدر.

264

و لعل ابرز ما اتصف به الواثق باللّه من الاخلاق الحميدة انه كان واسع الحلم كثير التسامح. فلم يكن في الخلفاء احد احلم منه و لا أصبر على اذى‏ (20). و هناك اخبار تدل على سعة حلمه و ميله الى التسامح. فقد كان يعجبه سماع المغني ابي حشيشة الطنبوري، فوجد المسدود المغنى عليه من جراء ذلك. فهجاه في بيتين من الشعر كتبهما في رقعة كانت معه، و كان كتب على رقعة اخرى حاجة يريد ان يرفعها اليه، فأخطأ و ناوله رقعة الشعر بدلا عنها، فقرأها الواثق باللّه و كان فيها:

من المسدود في الانف‏* * * الى المسدود في العين‏

انا طبل له شق‏* * * فيا طبلا بشقين‏

فعلم انها فيه، فقال للمسدود: خلطت بين الورقتين، فهات الاخرى و خذ هذه، و احترس من مثل هذا، و لم يزد على ذلك شيئا (21). و عند ما غضب الواثق باللّه على المغني المذكور و نفاه الى عمان، ثم عفا عنه و كتب في اعادته الى سامرا، نصحه بان لا يعاود ممازحة خليفة و ان اذن له، و قال له: فليس كل احد يحضره حلمه كما حضرني فيك‏ (22).

و بلغ من تسامحه ان ابنة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين في الشام، لما دخلت عليه و استعطفته امر برد اموالها

____________

(20) الاغاني 20/ 290، و الهفوات النادرة/ 18.

(21) الاغاني 20/ 291، و الهفوات النادرة/ 18- 19.

(22) الاغاني 20/ 290.

265

عليها و بالغ في الاحسان اليها (23). و كان ابن الزيات قد امر بحبس احد كبار الكتاب هو سليمان بن وهب في خلافة الواثق باللّه، و كان سليما آيسا من الفرج. فوردت عليه رقعة من اخيه الحسن بن وهب تخفف من جزعه و توصيه بالصبر، فاجاب بما يدل على التفاؤل. فوقعت الرقعتان بيد الواثق باللّه، فأمر باطلاق سليمان و قال: و اللّه لا تركت في حبسي من يرجو الفرج و لا سيما من خير مني، فاطلقه على كره من ابن الزيات‏ (24).

و عرف عن الواثق باللّه شدة رعايته لافراد عائلته من العباسيين، و ابناء عمومته من العلويين فكان بارا بهم لا يرد طلباتهم، و يعاونهم في حل مشاكلهم. على ان رعايته هذه لم تقتصر على ذوى قرباه، بل شملت رعاياه كافة. فقد كان واسع المعروف، متفقدا شؤون الرعية (25). يتفقد احوال الناس و لا يبخل بمساعدتهم ماليا، و العمل على ما فيه صلاحهم. اذ كان حسن التفكير في صلاح الرعية، كما يقول صاحب خلاصة الذهب المسبوك‏ (26). يقول اليعقوبي: فرق الواثق باللّه اموالا جمة بمكة و المدينة و سائر البلدان، و على الهاشميين و سائر قريش، و الناس كافة، و قسم في بغداد قسما كبيرة مرة بعد اخرى، على اهل البيوتات و عامة الناس‏ (27).

و قال الواثق باللّه يوما لقاضي قضاته، و قد ضجر بكثرة حوائجه: لقد اخليت بيوت الاموال بطلباتك للائذين بك‏

____________

(23) المستطرف 1/ 189.

(24) الفرج بعد الشدة 1/ 186- 188.

(25) مروج الذهب 4/ 66.

(26) خلاصة الذهب المسبوك/ 224.

(27) تاريخ اليعقوبي 2/ 483.

266

و المتوصلين اليك. فقال: يا امير المؤمنين، نتائج شكرها متصل بك، و ذخائر اجرها مكتوب لك، و مالي من ذلك الا عشق الآلسن لخلود المدح فيك. فقال: يا ابا عبد اللّه، و اللّه لا منعتك ما يزيد في عشقك و تقوي به منتك، و امر فاخرج اليه ثلاثون الف دينار يصرفها في الزوار (28).

اننا قد نستنكر بمفاهيمنا الحالية مثل هذا الموقف من الخليفة، و هو رئيس الدولة الاعلى و المسؤول شرعا عن امور رعيته كافة، و نرى توجيه قاضي قضاته اياه من باب الاستعطاف و التوسل. الا اننا اذا اخذنا مقاييس عصر الواثق باللّه بنظر الاعتبار و علمنا ان اموال بيت المال هي صافي ايرادات الدولة بعد ان حسمت منها النفقات المحلية في كل ولاية و اقليم بحيث لا يترتب على بيت المال من النفقات سوى نفقات الخليفة على بلاطه و حرسه و حاشيته و آل بيته، و ما ينفقه على مجالسه و ملاهيه. و لذلك فان اطلاق بعض الاموال لاسعاف المحتاجين و مساعدة المعوزين انما يعتبر تبرعا من الخليفة و معونة منه.

و ان انفاقه بعض الأموال في هذه الاغراض دليل على مدى عنايته بشؤون الامة. اذ كان باستطاعته انفاقها على ملذاته الخاصة كشراء الجواري و تشييد القصور المترفة، و منح مادحيه من الشعراء، و امثال ذلك.

و كان الواثق باللّه اديبا فنانا مولعا بالشعر و الغناء و التلحين، متتبعا اخبار الأولين، و سنشير الى شعره و اهتمامه بالغناء عند الكلام على مجالسه العلمية و الادبية و الغنائية.

____________

(28) المحاسن و المساوى‏ء/ 439.

267

جاء في كتاب التاج عند الكلام على امارات الخلفاء لجلسائهم بالانصراف، ان الواثق باللّه كان اذا اراد ان يصرف جلساءه و سماره تثاءب و مس عارضيه‏ (29). و عند ذكر عادات الخلفاء في الشرب و اللباس، اشار الى ان الواثق باللّه ربما ادمن على الشرب و تابعه، غير انه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة و لا في يومها (30).

و هو بذلك يشبه اباه المعتصم باللّه، و ربما كان يقلده في مواعيد شربه. و كان الواثق باللّه اذا شرب و سكر رقد في موضعه الذي سكر فيه، و من سكر من ندمائه ترك في مكانه و لم يخرج‏ (31).

و يظهر ان الواثق باللّه كان مثل ابيه ايضا في عنايته بلبسه، فهو لا يلبس القميص الا لبسة واحدة، الا اذا كان نادرا غريبا.

او كان معجبا به‏ (32). و كان شديد العناية بالعطر و بخاصة عطر الغالية، اذ كان يحفظها ليتقادم عهدها فيجود نوعها و تزكو رائحتها (33).

3- رجال الدولة في عهد الواثق باللّه:

يذكر المسعودي في مطلع بحثه عن خلافة الواثق باللّه خبرا يرويه عن الشاعر ابي تمام الطائي. خلاصة ما جاء فيه‏ (34): ان ابا تمام كان قصد سر من رأى في اول يوم خلافة الواثق باللّه، فلقيه اعرابي قريبا منها. فاستطلع ابو تمام منه عما يعرف عن الخليفة و عاصمته و رجال دولته البارزين و عن عسكره. فاجاب الاعرابي‏

____________

(29) التاج/ 120.

(30) نفس المصدر/ 153.

(31) العقد الفريد 6/ 60، و المستطرف 2/ 155.

(32) التاج/ 154.

(33) نشوار المحاضرة 1/ 289.

(34) مفصل الخبر في مروج الذهب 4/ 66- 68.

268

واصفا الواثق باللّه و رجاله كلا بما هو مشهور عنه، و ادعى بسعة معرفته بعاصمة الخلافة، و علاقته المتينة باهلها و عسكرها.

و ينتهي الخبر بشهادة الاعرابي بأن ابا تمام اشعر اهل زمانه.

و يظهر ان هذا هو بيت القصيد من الخبر.

و يلاحظ ان المسعودي يؤيد صحة ما اشتمل عليه الخبر من صفات و نعوت اسبغها الاعرابي على الخليفة و على رجال عهده الأ انه يشك في صحة روايته. فهو يرى ان كان ما رواه ابو تمام صحيحا فان الاعرابي قد احسن الوصف، و ان كان ابو تمام هو الذي صنع الخبر و عزاه الى هذا الاعرابي فانه مقصر في نظمه لأنه دون منزلته الأدبية. و لما كان من الصعب، ان لم يكن من المستحيل على شخص بدوي بعيد عن حياة المدن و عن الاتصال بالخليفة و رجال دولته، ان يلم بمثل هذه التفصيلات عنهم و عن اعمالهم و عن اراء الناس فيهم. و لذلك فهو يرجح ان ابا تمام وضع هذا الخبر، فعمد الى وصف الخليفة و رجاله بطريق الرواية عن غيره، ليكون بمنأى عن غضب و نقمة من وصفهم بسوء.

لقد وصف الخليفة بأنه وثق باللّه فكفاه اشجى العاصية، و عدل في الرعية، و رغب عن كل ذي جناية. و قال عن احمد بن ابي دواد انه هضبة لا ترام و جبل لا يضام، تشحذ له المدى و تنصب له الحبائل حتى اذا قبل هلك، وثب وثبة الذئب و ختل ختلة الضب. و ابن ابي دواد هذا هو قاضي القضاة. و كان المأمون قد اكتشف فيه سعة العلم وحدة الذكاء و نضج الرأي، و قد غدا في عهد المعتصم باللّه الرجل الأول في الدولة بعد الخليفة، و احتفظ بمركزه المرموق في ايام الواثق باللّه. و يظهر الخبر انه كانت تحاك ضد ابن ابي دواد كثير من المكائد فيتغلب عليها.

269

و قال عن الوزير محمد بن عبد الملك الزيات انه وسع الداني شره و وصل الى البعيد ضره، له في كل يوم صريع لا يرى فيه أثر ناب و لا مخلب. لقد كان ابن الزيات سياسيا ماهرا و اداريا قديرا، الا انه كان حقودا قاسيا لا يرحم، اذا رأى أثر نعمة على احد سعى لازالتها و نكبة صاحبها و هذا ما يؤكده الخبر.

اما عن عمر الرخجي فقال انه ضخم نهم، استعذب الدم، ينصبه القوم ترسا للوغى. و كان الرخجي هذا من كبار الكتاب، كتب للمأمون. و تولى في عهد الواثق باللّه ديوان النفقات، و كان نهما سي‏ء السيرة، مما اضطر الخليفة ان يعين رقيبا على اعماله.

و قال عنه القاضي ابن ابي دواد: ما صحب السلطان أرجل و لا اخبث من عمر بن فرج الرخجي‏ (35).

و وصف الفضل بن مروان بأنه رجل نبش بعد ما قبر، ليس تعد له حياة في الأحياء، و عليه خفقة الموتى. و هو يصفه بعد خروجه من السجن ذليلا، اذ كان المعتصم باللّه قد اقصاه عن الوزارة و استصفى امواله و امر بسجنه.

و هكذا يستمر في وصف ابي الوزير احمد بن خالد، و الأخوين سليمان و الحسن ابني وهب، و ابراهيم بن رباح، و احمد بن الخصيب، و هم من كبار الكتاب و رؤساء الدواوين. و مهما كان الأمر فان هذا الخبر تضمن امرين مهمين، اولهما انه يعرفنا برجال الدولة البارزين في عهد الواثق باللّه، و ثانيهما انه يصف كلا منهما بما يراه الناس فيه من صفات حسنة او سيئة، و الواقع انه، كما يقول المسعودي، قد احسن في وصفهم.

____________

(35) الفرج بعد الشدة 4/ 17.

270

4- مصادرة الكتاب:

و مما له علاقة بشؤون الرعية المبادرة الاصلاحية التي قام بها الخليفة الواثق باللّه بمحاسبة كبار الكتاب في الدولة و تابعيهم على ما احرزوه من اموال لا تتناسب مقاديرها و مصادر ايرادهم المشروعة، فقد لاحظ ان اكثر المتنفذين من الموظفين كانوا يستغلون مراكزهم في حيازة الأموال و جمع الثروات بطرق غير مشروعة كالسرقة و الرشوة. فحاول ان يحد من تعسفهم الناس و يمنعهم من استغلال وظائفهم. و ليس من الواضح ما اذا كان الغرض من مصادرة الكتاب و حبسهم اصلاح الجهاز الاداري و المالي، منع الرشوة، و ايقاف استغلال النفوذ، ام مجرد احتواء الخليفة على اموال الآخرين ممن اتهموا بالاستغلال. و مهما كان الأمر فان مبادرة الخليفة الى محاسبة كبار موظفيه و الضرب على ايدي المفسدين منهم بهذه الشدة لا بد و انها كان لها أثر في اصلاح جهاز الدولة المالي و الاداري، و تخفيف و طأة موظفيه على الرعية.

على انه يجب ان لا يغرب عن البال ان تكون هذه المصادرة بنفس الوقت عاملا يحفز الموظفين المصادرة اموالهم على تعويضها عند ما تسنح لهم الفرصة بنفس اساليبهم السابقة، بل و باساليب قد قد تكون اشد منها تعسفا و جورا.

و كان السبب المباشر لغضب الواثق باللّه على الكتاب انه سأل ندماءه ذات ليلة عن سبب نكبة البرامكة. فقال احدهم ان الخليفة هارون الرشيد اشترى جارية بمائة الف دينار. فاستكثر وزيره يحيى بن خالد هذا المبلغ و اخبر الرشيد انه لا يقدر على هذا المال، فغضب و قال لا بد منه. فارسل يحيى المبلغ بالدراهم ليستكثره الرشيد. و بالفعل امر الرشيد برد الجارية، الا انه‏

271

اوعز بحفظ المال ببيت مال خاص به. ثم اخذ في البحث عن الاموال فوجد ان البرامكة قد فرطوا بها. و كان اعتاد ان يحضر مجلس الرشيد احد الندماء يعرف بابي العود، فأمر له الخليفة يوما بثلاثين الف درهم، فماطله يحيى. فاحتال ابو العود في تحريض الرشيد عليه، و قد شاع انه قد تغير على البرامكة، فانشده ذات ليلة قول عمر بن ابي ربيعة:

و عدت هند و ما كانت تعد* * * ليت هندا انجزتنا ما تعد

و استبدت مرة واحدة* * * انما العاجز من لا يستبد

فلما علم يحيى بذلك حاول ان يسترضي ابا العود باعطائه المبلغ الذي امر له الرشيد به، و اضاف اليه عشرين الف درهم من عنده. الا ان الرشيد جد في امر البرامكة حتى أخذهم‏ (36).

فقال الواثق باللّه: صدق و اللّه جدي انما العاجز من لا يستبد. و اخذ في ذكر الخيانة و ما يستحقه اصحابها. و لم يمض غير اسبوع واحد حتى امر بحبس عدد من الكتاب و ضربهم، و الزمهم اموالا كثيرة قارب مجموعها الفي الف دينار، سوى ما ما اخذه من العمال بسبب عمالاتهم. و جاء في الطبري انه اخذ من احمد بن اسرائيل ثمانين الف دينار و امر بضربه، فضرب فيما قيل نحوا من الف سوط. و اخذ من سليمان بن وهب اربعمائة

____________

(36) مفصل الخبر في الطبري 9/ 126- 127، و تجارب الامم 6/ 527- 528، و الكامل 7/ 10- 11.

272

الف دينار و من الحسن بن وهب اربعة عشر الف دينار، و اخذ من احمد بن الخصيب و كتابه الف الف دينار، و من ابراهيم بن رباح و كتابه مائة الف دينار، و من نجاح بن سلمة ستين الف دينار، و من ابي الوزير مائة الف دينار و اربعين الف دينار (37). و ذكر مثل ذلك مسكويه و ابن الأثير، سوى ان مسكويه ذكر ان مجموع ما صودر من الحسن بن وهب و ابي الوزير هو مائتا الف دينار، اي بزيادة ستة و اربعين الف دينار. عما ذكره الطبري و ابن الأثير (38).

اما اليعقوبي فيقول عن هذه المصادرة ان الواثق باللّه رفع اليه ان احمد بن الخصيب قد حاز اموالا عظيمة فسخط عليه و قبض امواله و اموال اخيه ابراهيم و عذبا و عذبت امهما، كما ان الواثق بالله سخط على ابراهيم بن رباح الذي ولاه ديوان الضياع، و امر بقبض ضياعه و امواله‏ (39). و لم يذكر المبالغ التي صودرت منهم.

و قيل ان الذي دفع الواثق باللّه الى القبض على احمد بن الخصيب و سليمان بن وهب و مصادرتهما انه غنى ذات ليلة هذا الصوت:

من الناس انسانان ديني عليهما* * * مليئان لو شاءا لقد قضياني‏

خليلي اما ام عمرو فمنهما* * * و اما عن الاخرى فلا تسلاني‏

____________

(37) الطبري 9/ 125.

(38) تجارب الامم 6/ 528، و الكامل 7/ 10.

(39) تاريخ اليعقوبي 2/ 481.

273

فدعا خادما لأبيه المعتصم باللّه، و قال له: اني سمعت ابي يتمثل بهذين البيتين و ينظر اليك، فمن اللذان كان يعني بهما؟

فاخبره الخادم ان اباه وقف على خيانة احمد بن الخصيب و سليمان بن وهب بمبلغ من المال، و كان يبغي الايقاع بهما. فبادر الواثق باللّه الى القبض عليهما (40).

كما قيل ان الوزير بن الزيات هو الذي حرض الواثق باللّه على نكبتهما (41). اذ كان قد صنع شعرا اوصله اليه على انه لبعض الشعراء و فيه اتهام ابن الخصيب و ابن وهب بالخيانة في الاموال. و جاء فيه:

و ليت اربعة امر العباد معا* * * و كلهم حاطب في حبل محتبل‏

هذا سليمان قد ملكت راحته‏* * * مشارق الأرض من سهل و من جبل‏

خلافة قد حواها وحده فمضت‏* * * احكامه في دماء القوم و النقل‏

و ابن الخصيب الذى ملكت راحته‏* * * خلافة الشام و الغازين و القتل‏

فنيل مصر فبحر الشام قد جريا* * * بما اراد من الاموال و الحلل‏

____________

(40) الاغاني 20/ 268.

(41) نفس المصدر/ 269.

274

حوى سليمان ما كان الأمين حوى‏* * * من الخلافة و التبليغ بالأمل‏

و احمد بن الخصيب في امارته‏* * * كالقاسم بن الرشيد الجامع السيل‏

و في آخر الشعر تحريض على الفتك بهما، كما فتك هارون الرشيد بالبرامكة بعد ان اساءوا استعمال سلطتهم، اذ جاء فيه:

سميت باسم الرشيد المرتضى فيه‏* * * قس الامور التي تنجي من الزلل‏

عث فيهم ما عاثت يداه معا* * * على البرامك بالتهديم للقلل‏

فلما وصل الشعر الى الواثق باللّه غاظه ما جاء فيه و بلغ منه، فأمر بالقبض عليهما. و كان سليمان بن وهب كاتب القائد التركي ايتاخ، و ابن الخصيب كاتب القائد اشناس. و كانا هذان القائدان التركيان قد شددا قبضتهما على شؤون الدولة مما فسح المجال لكاتبيهما استغلال مركزيهما في احتواء الأموال بمختلف الأساليب. و مما يدل على ان الشعر المذكور من صنع ابن الزيات ان ابراهيم بن العباس الذي تصدى لهجائه و تتبع سقطاته، قال عند ما قبض على الكاتبين المذكورين، يخاطبه‏ (42).

ايها ابا جعفر و للدهر كرا* * * ت و عما يريب متسع‏

____________

(42) الاغاني 20/ 271.

275

ارسلت ليثا على فرائسه‏* * * و انت منها فانظر متى تقع‏

لكنه قوته و فيك له‏* * * و قد نقضت اقواته شبع‏

و لما هجا علي بن الجهم الوزيران ابن الزيات بقصيدته التي كان مطلعها:

لعائن الله موفرات‏* * * مصبحات مهجرات‏

هم الواثق باللّه بالفتك بوزيره، الا ان اسحاق الموصلي الذي كان مقربا جدا من الخليفة شفع له، اذ قال للواثق باللّه: أمثل ابن الزيات على خدمته و كفايته يفعل به هذا، و ماجنى و ما خانك، و انما دلك على خونة اخذت ما اختانوه، و هذا هو ذنبه‏ (43). فمحا بذلك ما كان في نفس الخليفة على وزيره.

و يظهر أن حبس الكتاب و مصادرتهم قوبلت بالرضا من الناس، فقد قال أحمد بن فنن‏ (44).

نزلت بالخائنين سنة* * * سنة للناس ممتحنه‏

سوغت ذا النصح بغيته‏* * * و ازالت دولة الخونه‏

و ترى اهل العفاف بها* * * و هم في دولة حسنة

و قد تولى حبس الكتاب و مصادرتهم صاحب حرس الخليفة الأمير اسحاق بن يحيى‏ (45). و يفهم من خبر اورده بن الطقطقي ان‏

____________

(43) نفس المصدر/ 272.

(44) نفس المصدر/ 271.

(45) الطبري 9/ 125، و النجوم الزاهرة 2/ 256.

276

عددا منهم لبث في السجن مطالبا بالأموال طيلة عهد الواثق باللّه.

و هم ابن المدبر و سليمان بن وهب و احمد بن اسرائيل. فلما جاءهم نبأ موت الواثق باللّه هربوا من السجن ليلا (46). الا ان الطبري يقول ان الواثق باللّه لما امر بحبس سليمان بن وهب و اخذه بمائتي الف دينار ادى منها مائة الف و سأل ان يؤخذ بالباقي عشرين شهرا فاجابه الخليفة الى طلبه و امر بتخلية سبيله ورده الى كتابة ايتاخ‏ (47). علما انه سبقت الاشارة الى ان سليمان بن وهب قد اخذ منه اربعمائة الف دينار، مما يرجح انه قد صودر اكثر من مرة.

و تعتبر مصادرة الكتاب من مظاهر حكم الواثق باللّه البارزة، و يظهر انه اتخذها وسيلة لمعاقبة الكتاب و العمال. الا انها اصبحت من بعده في عهد اخيه المتوكل على اللّه، مصدرا مهما من مصادر ايرادات بيت المال.

5- وفاة الواثق باللّه:

توفي الواثق باللّه بالقصر الهاروني في سامرا يوم الاربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة من سنة 232 ه. و يتفق معظم المؤرخين على ان سبب وفاته اصابته بعلة الاستسقاء، و انه عند ما اشتدت علته حفر له في الأرض حفير كالتنور ثم سخن بالحطب الطرفاء و صير فيه مرارا، فوجد لذلك راحة. و طلب في اليوم التالي زيادة

____________

(46) الفخري/ 225- 226.

(47) الطبري 9/ 145، و الكامل 7/ 29.

و الكامل 7/ 29.

277

تسخينه و قعد فيه اكثر من اليوم الأول فحمى عليه، و حمل عنه في محفة فمات على اثر ذلك‏ (48).

و عند ما اشتد المرض على الواثق باللّه، وصل خبر مرضه الى مكة قبل موسم الحج، فوجه و اليها الى سامرا بماء زمزم و خلوق من خلوق الكعبة (49). و ذلك لاستخدامها في غسل الخليفة و تجهيزه عند وفاته. و كان الواثق باللّه امر قاضي القضاة احمد بن ابي دواد ان يصلي بالناس يوم الأضحى، فصلى بهم يوم العيد، لأنه لم يقدر على الحضور الى المصلى لشدة علته، و قد دعا ابن ابي دواد للخليفة فقال: اللهم اشفه مما ابتليته‏ (50).

و جاء في الطبري انه لما اعتل الواثق باللّه علته التي مات فيها أمر باحضار المنجمين فاحضروا، و كان ممن حضر الحسن بن سهل و الفضل بن اسحاق الهاشمي، و اسماعيل بن نوبخت، و محمد بن موسى الخوارزمي، و عامة من ينظر في النجوم. فنظروا في علته و نجمه و مولده فقالوا: يعيش دهرا طويلا، و قدروا له خمسين سنة مستقبلة، فلم يلبث الا عشرة ايام حتى مات‏ (51).

و قيل انه لما احتضر جعل يردد هذين البيتين:

الموت فيه جميع الناس مشترك‏* * * لا سوقة منهم تبقى و لا ملك‏

ما ضر اهل قليل في تفاقرهم‏* * * و ليس يغنى عن الاملاك ما ملكوا

____________

(48) الطبري 9/ 150، و تاريخ اليعقوبي 2/ 483، و تجارب الامم 6/ 535

(49) المعرفة و التاريخ 1/ 209.

(50) مروج الذهب 4/ 84.

(51) الطبري 9/ 151.

278

و امر بالبسط فطويت، و الصق خده بالأرض، و جعل يقول:

يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه، يكررها الى ان مات‏ (52).

و كان يقول في علته: لوددت اني اقلت العثرة، و اني حمال احمل على رأسي. و قيل له في البيعة لابنه، فقال: لا يراني اللّه اتقلدها حيا و ميتا (53).

و حضر عند وفاته جماعة من الهاشميين، و محمد بن عبد الملك الزيات، و احمد بن ابي دواد، و عمر بن فرج الرخجي، فلم يشعروا بموته حتى ضرب بوجهه المحنة (54). و يقال انه لما سجى عند وفاته و شغل المجتمعون حوله بأمر بيعة خلفه، تسلل جرذ من البستان و أكل احدى عينيه‏ (55).

و مات الواثق باللّه و مجموع ما في بيت المال من العين خمسة آلاف الف دينار و من الورق خمسة عشر الف الف درهم‏ (56).

و خلف من الاولاد الذكور خمسة هم: محمد الذي تولى الخلافة بعد المعتز باللّه و لقب بالمهتدي باللّه، و ابراهيم ابو اسحاق، و محمد ابو اسحاق، و ابو القاسم عبد الله الذي التحق بابن الليث الصفار لما قتل اخوه المهتدي بالله، و ابو العباس احمد و كان عالما فاضلا، و من البنات اثنتان هما: العباسة و قد تزوجها المستعين باللّه، و عائشة و تزوجها المستعين باللّه ايضا لما ماتت اختها (57).

____________

(52) الكامل 7/ 29، و خلاصة الذهب المسبوك/ 255، و النجوم الزاهرة 2/ 263.

(53) تاريخ اليعقوبي 2/ 483.

(54) الكامل 7/ 30، و تاريخ بغداد 14/ 20، و نشوار المحاضرة 2/ 73- 74.

(55) الكامل 7/ 30، و تاريخ بغداد 14/ 20، و نشوار المحاضرة 2/ 73- 74.

(56) الذخائر و التحف/ 218.

(57) العقد الفريد 5/ 122، و الذهب المسبوك/ 225، و الكامل/ 31، و العقد الفريد 5/ 122، و تجارب الامم 6/ 535.

279

و قد اختلف المؤرخون في عمره عند وفاته، اذ يذكر اليعقوبي انه توفي و عمره اربع و ثلاثون سنة، و يتردد المسعودي فيذكر مرة ان عمره اربع و ثلاثون سنة، و مرة اخرى سبع و ثلاثون سنة و ستة اشهر، و يفعل مثله الطبري و ابن الأثير فيقولان كان عمره اثنتين و ثلاثين سنة و قيل ستا و ثلاثين سنة، و احتسبه ابن عبد ربه ستا و ثلاثين سنة و اربعة اشهر و ايام، و اعتبره مسكويه ستا و ثلاثين سنة، و يقول ابن دحية انه توفى و له اثنتان و اربعون سنة (58).

و لا شك في ان هذا الاختلاف ناشى‏ء عن اختلافهم في تاريخ مولده.

و قد سبق ان اشرنا الى ان ابن عبد ربه و السيوطي يذكر ان مولده كان لعشر بقين من شعبان من سنة 196 و يؤيد الخطيب البغدادي سنة ميلاده المذكورة (59). و اذا ما اخذنا هذا التاريخ اساسا للاحتساب كان عمره ستا و ثلاثين سنة و اربعة اشهر و اياما، و هو ما ذكره ابن عبد ربه. على ان الخطيب البغدادي يروي عن احمد بن الواثق باللّه انه قال: بلغ ابي ثمانيا و ثلاثين سنة (60). و قد دفن الواثق باللّه بسامرا، و كان اخوه جعفر قد صلى عليه عند دفنه‏ (61).

اما مدة خلافته فقد اتفق المؤرخان اليعقوبي و المسعودي، و الاديب ابن عبد ربه على انها كانت خمس سنوات و تسعة اشهر و ثلاثة عشر يوما (62). و يقرب منهم الطبري و ابن الأثير اللذان‏

____________

(58) تاريخ اليعقوبي 2/ 483، و مروج الذهب 4/ 65، و الطبري 9/ 151، و النبراس/ 75.

(59) تاريخ بغداد 14/ 16.

(60) نفس المصدر/ 20.

(61) تاريخ بغداد 14/ 21، و العقد الفريد 5/ 122.

(62) تاريخ اليعقوبي 2/ 483، و مروج الذهب 4/ 65، و العقد الفريد 5/ 122.

280

يتفقان معهم في عدد السنوات و الأشهر و يختلفان في عدد الايام فاحتسباها خمسة ايام بدلا من ثلاثة عشر (63). و جاء في تجارب الأمم ان مدة خلافته خمس سنوات- اما ابو المحاسن، و هو شديد الاهتمام باحتساب هذه التواريخ، فقد احتسب مدة خلافته خمس سنوات و ستة اشهر (64).

و نظرا لاتفاق المؤرخين المذكورين في تاريخ مبايعة الواثق باللّه بالخلافة و تاريخ وفاته، فقد كان من الطبيعي ان يتفقوا في مدة خلافته. و لا ندري ما اذا كانت الفروق بين ما ذكروه نتيجة و هم او خطأ حسابي. لأن المدة بين تاريخ مبايعته و تاريخ وفاته هي خمس سنوات و تسعة اشهر و خمسة ايام، و هي المدة التي ذكرها الطبري و ابن الأثير.

و كان الواثق باللّه نوى اداء فريضة الحج في موسم السنة 231 ه، و استعد لذلك، و وجه عمر بن فرج الرخجي الى اصلاح الطريق، فاخبره ان الماء قليل في هذا الموسم، فلم يخرج في تلك السنة (65). و مرض في السنة التالية في موسم الحج فعاقه ذلك عن عن الخروج، و ادركته الوفاة في اواخر ذي الحجة من السنة نفسها.

____________

(63) الطبري 9/ 151، و الكامل 7/ 31.

(64) النجوم الزاهرة 2/ 262.

(65) الطبري 9/ 140.

281

الفصل الرابع المتوكل على الله ابو الفضل جعفر بن المعتصم باللّه‏

1- مبايعته:

توفي الواثق باللّه و لم يكن قد عهد لأحد بعده بالخلافة. و كان قد قيل له في البيعة لابنه، فقال: لا يراني اللّه اتقلدها حيا و ميتا (1). و كان ابنه محمد صغير السن، كما ان علاقته باخيه جعفر لم تكن ودية، و لم يكن يتوسم فيه الكفاية لمنصب الخلافة.

و يبدو ان اختلاف امهات الاخوين كان سبب النفرة و التباغض بينهما لأن ابناء العلات- اي ابناء الرجل من نسوة شتى يختلفون و يتباغضون عادة. و قد اذل الواثق اخاه في عهد خلافته، مما ملأ نفس جعفر حقدا على اخيه و على رجاله.

عند ما مات الواثق باللّه حضر رجال الدولة الى دار الخلافة، و على راسهم الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، و قاضي القضاة

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2/ 483.

282

احمد بن ابي دواد، و ابو الوزير احمد بن خالد، و كبار القواء الاتراك ايتاخ و وصيف و بغا الكبير و غيرهم. فعزموا على مبايعة محمد بن الواثق باللّه، فرأوه لا يزال صبيا صغيرا. و قد اعترض القائد وصيف بانه صغير لا تجوز معه الصلاة (2). فتناظر الحاضرون فيمن يولونه الخلافة، و ذكروا عدة اسماء من امراء بني العباس. ثم اتفقوا على مبايعة جعفر اخى الواثق باللّه. فلما احضروه استقبله قاضي القضاة و البسه الطويلة و عممه و قبله بين عينيه و سلم عليه بالخلافة. فبايعه الحاضرون‏ (3). و اول من بايعه القائدان وصيف وسيما المعروف بالدمشقي‏ (4).

و روى المتوكل على اللّه نفسه كيف تمت مبايعته، قال ما خلاصته: احتجمت في اليوم الذي توفى فيه الواثق باللّه و انا لا اعلم بوفاته، فقالت لي امي امضي الى اخيك وعده في مرضه. فذهبت لزيارته و دخلت الدار و جلست بحيث كنت اجلس، فسمعت حركة غير اعتيادية، فنظرت من ثقب الباب فرأيت محمد عبد الملك الزيات و ايتاخ و معهما محمد بن الواثق يلبسانه الرصافية، و لما بدت كبيرة عليه، قال احدهما: نعممه، ثم قال فما نفعل بجعفر، فقال محمد بن عبد الملك: نقتله بالتنور، و قال ايتاخ: بل ندعه في الماء البارد حتى يموت و لا يبين عليه اثر القتل. فغشي علي لما سمعته من عزمهما في امري. ثم لم يلبث ان حضر احمد بن ابي دواد فدخل و تكلم معهما كلاما لم اسمعه لما كنت فيه من خوف‏

____________

(2) الطبري 9/ 154، و تجارب الامم 6/ 536.

(3) نفس المصدرين السابقين.

(4) تاريخ اليعقوبي 2/ 484.

283

و ضعف. ثم نودي علىّ فدخلت عليهم وجلا خائفا، الا ان ابن ابي دواد لقيني فقبل يدي و قادني الى السرير و قال لي: اصعد الى المكان فقد اهلك اللّه تعالى له. فلما صعدت و جلست سلم علي بالخلافة. و سلم علي بها محمد و ايتاخ ايضا. و اخذ ابن ابي دواد عليهما البيعة لي، و ادخل القواد و الموال على مراتبهم يسلمون و يبايعون. ثم علمت فيما بعد ان محمد بن عبد الملك و ايتاخ كانا قد اتفقا على ما سمعته منهما، و وكلا بباب الحجرة من يمنع دخول قاضي القضاة اليهما حتى يفرغا من تدبيرهما. فلما حضر القاضي هابه الموكلون بالباب ففسحوا له فدخل. فلما علم انصرافهما عن ابن الواثق باللّه لصغر سنه، تداول معهما فيمن يبايعون، و ذكروا بعض الاسماء، و لما ورد اسمي قال ابن ابي دواد لهما: اصفقا على يدي فصفقا، ثم ارسلوا الي فكان من الأمر ما كان. و بقى ما قاله محمد بن عبد الملك و ايتاخ في نفسي فقتلتهما بما اعتزما قتلي به، فقتلت ابن الزيات بالتنور، و ايتاخ بالماء البارد (5).

و لقب جعفر في اليوم التالي بالمتوكل على اللّه. و قد اراد ابن الزيات ان يلقبه بالمنتصر، فقال ابن ابي دواد: لقد رأيت لقبا موافقا هو المتوكل على اللّه. فوافق الخليفة عليه و امر ان يكتب به الى مختلف الولايات‏ (6). و كانت نسخة الكتاب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمر- ابقاك اللّه- امير المؤمنين اطال اللّه بقاءه ان يكون الرسم الذي يجري به ذكره على اعواد منابره و في كتبه الى قضاته و كتابه و عماله و اصحاب دواوينه و غيرهم من سائر من تجرى المكتبة بينه و بينه «من عبد الله جعفر الامام المتوكل على الله امير

____________

(5) كامل الرواية في الهفوات النادرة/ 362- 365.

(6) الطبري 9/ 155، و الكامل 7/ 34.

284

المؤمنين» فرأيك في العمل بذلك و اعلامي بوصول كتابي اليك موفقا ان شاء اللّه» (7).

و هناك رواية تقول ان سبب هذا اللقب ان المتوكل على اللّه رأى في منامه قبل ان يستخلف كأن سكّرا ينزل عليه من السماء مكتوبا عليه «جعفر المتوكل على اللّه»، فقص ذلك على اصحابه، ففسروه بانه سينال الخلافة (8). و اذا صح هذا الخبر فان حلم المتوكل على اللّه كان انعكاسا لما يحز في نفسه من الحجر و الحرمان و ما يقاسيه من سوء معاملة اخيه الواثق باللّه الذي يرفل في نعمة الخلافة و قوة السلطان، مما جعله يتمنى في قرارة نفسه ان يكون خليفة مكان اخيه و له لقب الخلافة مثله. او ان يكون الخبر موضوعا اصلا للايحاء بان المتوكل على اللّه كان موعودا بهذا اللقب الذي هو جدير به.

كان عمر المتوكل على اللّه يوم بويع ستا و عشرين سنة، لأنه قد ولد بفم الصلح في شوال من سنة 206 ه (9). الا ان الخطيب البغدادي يقول سمع المتوكل على اللّه يقول: ميلادي سنة 207 ه (10).

و عند ما تمت البيعة للمتوكل على اللّه امر للاتراك برزق اربعة اشهر، و للجند و الهاشميين ارزاق ثمانية اشهر (11)، و للمغاربة برزق ثلاثة اشهر فأبو ان يقبضوا فارسل اليهم من كان منكم مملوكا

____________

(7) الطبري 9/ 155، و تجارب الامم 6/ 536.

(8) الطبري 9/ 155، و الكامل 7/ 34.

(9) الطبري 9/ 155، و مروج الذهب 4/ 85 و فيه سبع و عشرون سنة، و تجارب الامم 6/ 536.

(10) الطبري 9/ 230، و تاريخ بغداد 7/ 166.

(11) الطبري 9/ 155، و تاريخ اليعقوبي 2/ 484، و تجارب الامم 6/ 536.

285

فليمض الى القاضي احمد بن ابي دواد حتى يبيعه و من كان حرا صيرناه اسوة بالجند، فرضوا بذلك، ثم اجروا مجرى الأتراك‏ (12).

و نقش على خاتمه عبارة «جعفر على اللّه يتوكل» (13).

2- صفاته و سيرته:

هو ابو الفضل جعفر بن المعتصم باللّه، و امه ام ولد خوارزمية تركية يقال لها شجاع، و كان من سروات النساء سخاء و كرما (14).

و يقال انها كانت خيرة كثيرة الرغبة في عمل الخير و خلفت من العين خمسة الآف الف و خمسين الف دينار و من الجوهر ما قيمته الف الف دينار (15). و قد توفيت في المتوكلية في ربيع الآخر من سنة 247 ه، و صلى عليها حفيدها محمد المنتصر، و دفنت عند المسجد الجامع‏ (16).

اما صفاته الجسمية فقد وصف بانه كان اسمر رقيق البشرة يضرب الى الصفرة خفيف العارضين كبير العينين و سيما مهيبا، و كان الى القصر اقرب‏ (17).

و عند ما تولى المتوكل على اللّه نهى عن الجدل و المناظرة و ابطل المحنة. و قد ذكرنا ما قام به في هذا الباب بشى‏ء من التوسع في‏

____________

(12) الطبري 9/ 155.

(13) التنبيه و الاشراف/ 314، و الذهب المسبوك/ 225 و فيه «على الله توكلت»

(14) تاريخ بغداد 7/ 166.

(15) شذرات الذهب 2/ 117.

(16) الطبري 9/ 234، و مروج الذهب 4/ 118.

(17) الطبري 9/ 230، و التنبيه و الاشراف/ 313- 314، و تاريخ بغداد 7/ 172، و تجارب الامم 6/ 557.

286

موضوع المحنة. و قد ابدى كثيرا من لين الجانب و الاهتمام بشؤون الرعية. قال لابراهيم بن المدبر و هو احد اصحاب الدواوين: اذا خرج اليك توقيعي بما فيه مصلحة للناس و رفق للرعية فانفذه و لا تراجعني فيه، و اذا خرج اليك بما فيه حيف على الرعية فراجعني، فأن قلبي بيد الله عز و جل‏ (18). و قال يزيد المهلبي: قال لي المتوكل على اللّه يا مهلبي ان الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها و انا الين لهم ليحبوني و يطيعوني‏ (19). و مر المتوكل على اللّه يوما بزرع لا يزال اخضر لم يدرك وقت حصاده، فقال: استأذنني عبيد الله بن يحيى في استفتاح الحراج وارى الزرع اخضر، فمن اين يعطي الناس الخراج؟ فقيل له ان هذا أضر بالناس فهم يقترضون و يتسلفون و ينجلون عن اراضيهم و قد كثرت شكاياتهم. و علم ان سبب ذلك هو المطالبة بالخراج في ابان النيروز، و نظرا لمنع العرب كبس السنين باعتباره من النسى‏ء الذي نهى الاسلام عنه، تقدم النيروز حتى صار يقع في نيسان و الزرع اخضر، فطلب الى ابراهيم بن العباس ان يحسب الأيام بما يؤخر النيروز، ففعل ذلك‏ (20).

و يبدو ان المتوكل على اللّه اراد تغيير موعد جباية الخراج بحيث يكون عند حصاد الزرع، الا انه قتل قبل ان يتم تدبير ذلك، و لم يحاول ان يتمه من جاء بعده من خلفاء سامرا حتى استخلف حفيده المعتضد باللّه فأمر باصلاح التقويم بما اخر موعد الجباية و حقق ما كان حاوله جده، اذ امر فى سنة 282 ه بالكتابة الى جميع العمال بترك افتتاح الخراج بالنيروز العجمي، و تأخير ذلك الى‏

____________

(18) تذكرة ابن حمدون/ 105.

(19) تاريخ الخلفاء/ 352.

(20) الاثار الباقية/ 32، و الخطط المقريزية 1/ 275.

287

اليوم الحادي عشر من حزيران، و سمي ذلك بالنيروز المعتضدي‏ (21).

لقد وصف المتوكل على اللّه بالكرم الزائد الذي يصل الى حد التبذير، حتى قيل: ما اعطى خليفة شاعرا ما اعطى المتوكل على اللّه‏ (22). فقد انشده علي بن الجهم شعره الذي مطلعه:

هي النفس ما حمّلتها تتحمل‏* * * و للدهر ايام تجور و تعدل‏

و في يد المتوكل جوهرتان فأعطاه التي في يمينه، فاطرق ابن الجهم متفكرا في شى‏ء يقوله ليأخذ التي في يساره، ففطن و قال:

مالك متفكرا، انما تفكر فيما تأخذ به الأخرى، خذها لا بورك لك فيها (23). و لكثرة ما انفقه المتوكل على اللّه ايام خلافته، قال المسعودي: «و قد قيل انه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار و لا وقت من الأوقات مثلها في ايام المتوكل على اللّه ... مع كثرة الموالي و الجند و الشاكرية و درور العطاء لهم، و جليل ما كانوا يقبضون من الجوائز و الهبات» (24). و قد انفق على اعذار ابنه المعتز ستة و ثمانين الف الف درهم‏ (25). و وصفت ايامه بانها كانت حسنة فاخرة كثيرة الخير (26). و انها «كانت احسن ايام و انضرها من استقامة الملك و شمول الناس بالأمن و العدل» (27).

____________

(21) الطبري 10/ 39، و الكامل 7/ 469.

(22) تاريخ الخلفاء/ 350.

(23) العقد الفريد 1/ 321.

(24) مروج الذهب 4/ 122.

(25) الديارات/ 155.

(26) مشاكلة الناس لزمانهم/ 32.

(27) مروج الذهب 4/ 86.

288

و مما له علاقة بكثرة الانفاق في عهد المتوكل على اللّه اهتمامه بالعمران و ولعه ببناء القصور. فقد بنى ما ينوف على خمسة عشر قصرا انفق في بنائها مبالغ طائلة. و قد احدث المتوكل على اللّه بناء لم يكن الناس يعرفونه، و هو المعروف بالحيري نسبة الى مدينة الحيرة، فبنى الناس جميعا بسامرا هذا البناء. و قد تكلمنا عن الماحوزة شمالي سامرا اعظم اعماله العمرانية و كان يسميها المتوكلية. و كنا افردنا لها فصلا خاصا بعمرانها.

و كان المتوكل على اللّه قد حاول اكثر من مرة، قبل ان يؤسس مدينة المتوكلية، ان ينتقل عن سامرا الى مدينة اخرى. و لا ندري ما اذا كان بدافع الرغبة في التحرر من نفوذ القواد الاتراك المعارضين له، او طلبا لجو يلائم صحته، او انه كان يريد ان تكون عاصمة تنسب اليه. و لعل ما يؤيد السبب الأخير بناؤه مدينة المتوكلية و انتقاله و دواوين الدولة اليها. و كان قبل ذلك اراد الانتقال الى اصبهان بعد ان سمع عن طيب هوائها، فبعث جماعة من المهندسين لتخطيط القصور له و لخواص اصحابه، الا ان اهلها فزعوا الى وصيف القائد و سألوه التلطف في فسخ عزمه فاقنعه بانها لا تتسع له، و اذا ما سكنها ضاق الأمر على الناس في الميرة، مما اثناه عن عزمه، فخرج الى دمشق لأنه قيل له ان هواءها مقارب لهواء اصبهان‏ (28).

عزم المتوكل على اللّه على المقام بدمشق لما وصف له من فضائلها و طيبها، فأمر بالبناء فيها و نقل الدواوين اليها، الا انه تركها بعد اقام فيها شهرين و بضعة ايام فعاد الى سامرا محتجا ببرد هواء دمشق‏

____________

(28) الاعلاق النفيسة/ 156.

289

و ثقل مائها و كثرة رياحها (29). و هناك رأي يقول انه ترك دمشق لأن مناوئيه من الاتراك دبروا فيها وقيعة تستهدف قتله‏ (30).

الى جانب هذه النواحي الايجابية من سيرة المتوكل على اللّه و سلوكه كخليفة هناك نواح سلبية ضرب فيها امثلة سيئة من تصرفاته. فقد اشتد على العلويين. كما اساء الى اهل الذمة و لا سيما النصارى منهم، فحدد نوع لباسهم و ركوبهم و نهى عن الاستعانة بهم في اعمال الدولة و دواوينها. و اوامر اخرى اتخذها بشأنهم بكتاب وجهه الى الولايات لمعاملتهم بموجبه، و معاقبة من لا يلتزم بها. و من الممكن تفسير موقف المتوكل على اللّه من العلويين و من اهل الذمة، بعاملين اتصف بهما، اولهما تعصبه الديني الشديد، و الآخر حسده للعلويين لما يتمتعون به و بخاصة أئمتهم، من ولاء مطلق من اعداد غفيرة من الرعية، و حسده النصارى لأنهم كانوا يعيشون حياة مرفهة نسبيا، و منهم معظم الأطباء المشهورين و كثير من الكتاب المتقدمين.

و قد عرف عن المتوكل على اللّه انه متقلب المزاج يرضى و يغضب بسرعة و لا تفه الأسباب. و كان يتشبه في الغضب بخلق الجبابرة (31). و انه حقود قاس في غضبه، يحقد على من يسى‏ء اليه، و يحسد كل ذي نعما مهما كان نوعها. و من مظاهر حقده انه امر بقتل محمد بن عبد الملك الزيات الوزير الكف‏ء بعد تعذيبه، لأن ابن الزيات لم يكن يحسن استقباله عند ما كان يراجعه في ايام اخيه الواثق باللّه. و موقف ابن الزيات هذا تجاهه ناشى‏ء من ان‏

____________

(29) الطبري 9/ 210، و تجارب الامم 6/ 552.

(30) مروج الذهب 4/ 115- 116.

(31) شذرات الذهب 2/ 115.

290

الخليفة الواثق باللّه كان لا يود اخاه، دائم الغضب عليه، و من الطبيعي ان يحذو وزيره حذوه و الا عرض نفسه لغضب الخليفة و نقمته. و سبق ان ذكرنا ان المتوكل على اللّه قد كان قد اضمر الشر لابن الزيات و للقائد ايتاخ لأنه اعتقد بانهما عارضا ترشيحه للخلافة و اتفقا على قتله.

و لم يسلم من سخط المتوكل على اللّه و غضبه قاضي القضاة احمد ابن ابي دواد صاحب الفضل الأول في توليه الخلافة، و الذي كان شديد العطف عليه ايام اخيه الواثق باللّه، و كثيرا ما كان يلتمس الخليفة ليحسن معاملة اخيه و يرضى عنه. فقد امر في سنة 237 ه بمصادرة ضياعه، و حبس ابنه ابا الوليد محمدا مع مصادرة امواله و اموال اخيه، رغم ان ابن دواد كان طريح الفراش و قد اصيب بالفالج منذ سنة 233 ه. و ليس هناك من سبب واضح لسخطه عليه و على اولاده. و يستبعد ان يكون السبب هو ان ابن ابي دواد من المعتزلة و قد تزعم قضية المحنة، لأن سخط المتوكل على اللّه جاء بعد ابطال المحنة ببضعة سنوات. مما يجعلنا نميل الى انه كان يحسده لما صار اليه من مكانة مرموقة في الدولة، و انه كان موضع ثقة ابيه المعتصم باللّه و اخيه الواثق باللّه و احترامهما، كما انه نال بمواقفه النبيلة احترام الناس و تقديرهم.

و امر المتوكل على اللّه بمصادرة عدد من الوزراء و كبار الكتاب، و يبدو ان الدافع الرئيس لذلك هو رغبته في احتواء اموالهم لسد نفقاته الواسعة (32).

و لعل ضخامة اموال رجال الدولة و كتابها و كثرة املاكهم و تعدد

____________

(32) الطبري 9/ 216، و تجارب الامم 6/ 553.

291

ضياعهم وسعة انفاقهم، ممالفت نظر المتوكل على اللّه بانها جمعت بطرق غير مشروعة فاراد عقوبتهم بمصادرتها منهم بحجج مختلفة.

و لم يكن احد ممن سلف من خلفاء بني العباس قد اظهر في مجلسه العبث و الهزل، و المضاحك، حتى جاء المتوكل على اللّه فكان اول خليفة أظهر ذلك، حتى ذاعت هذه الامور في الناس و جروا فيها (33). فكان يجمع السماجة- و هم الممثلون الهزليون- بين يديه فيحاكون حركات بعض الناس و يمثلونهم في اصواتهم، و يأتون بحركات مضحكة عنهم تؤنسه‏ (34). فكان السابق الى ذلك و المحدث له فاتبعه فيه اغلب خواصه و اكثر رعيته‏ (35).

3- ولاية العهد:

لعل ما حدث اثر وفاة الواثق باللّه من خلاف حول اختيار خليفة له، لأنه لم يعهد لأحد من بعده، قد دفع المتوكل على اللّه الى ان ينظم ولاية العهد في حياته. فعقد في سنة 235 ه البيعة لثلاثة من ابنائه هم محمد و سماه المنتصر، و ابو عبد اللّه- و يختلف في اسمه فيقال محمد او الزبير او طلحة- و لقبه المعتز، و ابراهيم و لقبه المؤيد. و عقد لكل منهم لوائين احدهما اسود و هو لواء ولاية العهد و الآخر ابيض و هو لواء العمل. و ضم الى كل واحد منهم عددا من الولايات، فاقطع المنتصر افريقية و المغرب و جميع الثغور و بعض الولايات الشرقية. و اقطع المعتز خراسان و طبرستان و الري و ارمينية و اذربيجان. اما المؤيد فقد اقطعه جند دمشق و جند فلسطين. كما جعل لكل منهما كاتبا خاصا، فجعل احمد بن‏

____________

(33) مشاكلة الناس لزمانهم/ 32.

(34) الديارات/ 39.

(35) مروج الذهب 4/ 86.

292

الخصيب كاتبا للمنتصر، و احمد بن اسرائيل كاتبا للمعتز، و محمد بن علي المعروف كاتبا للمؤيد (36). و احضر المتوكل على اللّه القضاة و وجوه الناس من البلدان الى سامرا لبيعة ولاة العهد، و بعث خواصه الى الأمصار ليأخذوا البيعة لهم، و وزع الجوائز، و اعطى الجند ارزاق عشرة اشهر (37). و كتب بولاية العهد كتابا مفصلا باربع نسخ وقعها الشهود بحضرته و امر ان تحفظ نسخة منها في خزانته، و عند كل واحد من اولياء العهد نسخة (38).

سار المتوكل على اللّه في امر ولاية العهد على نهج جده هارون الرشيد الذي عهد لأبنائه الأمين و المأمون و المؤتمن بكتاب موثق اودعه في البيت الحرام سنة 186 ه و جعلهم متعاقبين في تولي الخلافة (39). و لم يتعظ بما نشب من الخلاف بين الأمين و المأمون و ما ترتب عليه من نتائج خطيرة و كيف ان المأمون عهد بالخلافة من بعده لأخيه ابى اسحاق دون القاسم المؤتمن الذي نص عليه عهد الرشيد. كما يلاحظ ان كتاب المتوكل على اللّه تجاهل بقية ابنائه، و كان فيهم طلحة الملقب بالموفق الذي اثبتت الحوادث فيما بعد انه اكفأ اولاده و اقدرهم.

4- مؤامرة قتله:

انتهت حياة المتوكل على اللّه بعد حكم دام خمسة عشر عاما، و هو اول خليفة يقتل في سامرا. و يمكن حصر الأسباب التي ادت‏

____________

(36) الطبري 9/ 175- 176، و تاريخ اليعقوبي 2/ 487، و الكامل 7/ 49- 50.

(37) تاريخ اليعقوبي 2/ 487، و النجوم الزاهرة 2/ 286.

(38) نص الكتاب في الطبري 9/ 176- 180.

(39) الطبري 8/ 278، و مروج الذهب 3/ 364، و الكامل 6/ 173.

293

الى قتله بسببين رئيسين اولهما سوء علاقته بابنه الكبير و ولي عهده محمد المنتصر، و ثانيهما سياسته تجاه الاتراك المتغلبين على شؤون الدولة.

كنا ذكرنا ان المتوكل على اللّه عقد في سنة 235 ه لثلاثة من بنيه و هم محمد المنتصر و المعتز و المؤيد. و رغم انه قدم المنتصر على اخويه في ولاية العهد فانه كان اكثر ميلا الى المعتز بتأثير امه قبيحة التي كان المتوكل على اللّه يفضلها على نسائه، و عند ما وزع امارات ولايات الدولة و اقاليمها خص المعتز بالمهمة منها. ثم اضاف اليه في سنة 240 ه خزن الاموال في جميع الولايات و دور الضرب اسمه على الدراهم‏ (40). فكان ذلك من حملة ما آثار حفيظة المنتصر على ابيه. و اخذ المتوكل على الله ينتقص من شأن المنتصر و يعبث به و يأمر بصفعه، و قال له مرة لقد سميتك المنتصر فسماك الناس لحمقك المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل.

و جاهر في احد مجالسه بخلعه من ولاية العهد. و يقال انه عزم على ان يفتك به، و يقتل وصيفا و بغا (41).

اما علاقة المتوكل على اللّه بقادة الاتراك فقد كانت مشوبة بالحذر و عدم الثقة. لأنهم قد صارت اليهم رياسة معظم المراكز الحيوية في الدولة (42). فأن ايتاخ بقي في عهده محتفظا بمراتبه في الجيش و ادارة الاموال و البريد و الحجابة و شؤون دار

____________

(40) الطبري 9/ 176، و الكامل 7/ 50.

(41) الطبري 9/ 225، و الكامل 7/ 97 و 104.

(42) التنبيه و الاشراف/ 313.

بدلا من الجيش، و يظهر انه الاصح، لان الطبري سبق ان قال في ص:

294

الخلافة (43). و لذلك فان ايعاز المتوكل على اللّه بقتله في سنة 235 ه و محاولة الفتك بوصيف و بغا، يدل على عزمه اضعاف شأنهم و سلطانهم. الا ان هذه السياسة جعلت القواد ينقمون عليه، و اخذوا يستغلون سوء علاقته بابنه المنتصر، و يحرضون الأخير على الفتك بابيه و تولي الخلافة مكانه، و سبق لهم ان قرروا قتله عند ما انتقل الى دمشق‏ (44).

و كان بغا الصغير قد استوحش من المتوكل على اللّه و مال الى المنتصر الذي كان يعمل على اجتذاب القواد الاتراك اليه و استمالتهم، فلا يبعد المتوكل على الله احدا منهم الا و استماله اليه، و كان اوتامش غلام الواثق باللّه يعاونه في ذلك‏ (45).

و هكذا كان المتوكل على اللّه و الموالون له و على رأسهم الوزير عبد الله بن يحى، و الفتح بن خاقان، يسعون للفتك بالمنتصر و وصيف و بغا و غيرهما من قادة الاتراك. كما واعد المنتصر القواد الاتراك و على رأسهم وصيف على قتل الخليفة. فكان السبق لتدبير الاتراك. و كان السبب المباشر لقتله انه كان امر بانتزاع ضياع وصيف باصبهان و الجبل و اقطاعها للفتح بن خاقان‏ (46). فلما بلغ ذلك وصيفا ثارت ثائرته و استعجل جماعته في التخلص من الخليفة. فهيأ بغا الصغير باغر التركي و آخرين من‏

____________

(43) الطبري 9/ 167، و الكامل 7/ 43، و تجارب الامم 6/ 542 و فيه الحبس 166، و كان من اراد المعتصم و الواثق قتله، فعند ايتاخ يقتل و بيده يحبس.

(44) مروج الذهب 4/ 115.

(45) مروج الذهب 4/ 121.

(46) الطبري 9/ 222، و تجارب الامم 6/ 554.

295

الجند الاتراك ممن يثق بهم، فاقتحموا مجلس المتوكل على اللّه و قتلوه، و قتلوا معه الفتح بن خاقان.

و حمل بغا الصغير الخبر الى المنتصر الذي ارسل الى وصيف ان الفتح بن خاقان قد قتل ابي فقتلته، و امره ان يذيع ذلك في اصحابه. و حضر القواد الموالون للمنتصر و اصحابهم و بايعوه بالخلافة. و عند ما حضر الناس من القواد و الكتاب و الوجوه و الجند صباح اليوم التالي الى الجعفرية للبيعة العامة، قرأ عليهم احمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن المنتصر ان الفتح بن خاقان قتل المتوكل على اللّه فقتله به، فبايع الحاضرون‏ (47).

و يقال ان خبر التآمر على المتوكل على اللّه كان قد بلغ مسامع عبيد الله بن يحيى فشاور الفتح بن خاقان في احاطة الخليفة بما يدبر له، و اتفقا على كتمان الأمر عنه لما رأيا من سروره في ذلك اليوم و كرها ان ينغصا عليه سروره، و انهما واثقان بانه لا يستطيع احد ان يتجاسر على مثل هذا العمل‏ (48). الا ان مما يضعف هذا القول ان سير الوقائع يدل على انهما لم يكونا يعلمان شيئا عن المؤامرة، اذ لو علما بها لاتخذا من وسائل الحيطة ما يستلزم لحماية مجلس الخليفة و تشديد حراسته و افشال المؤامرة.

و يروى ان المتوكل على اللّه رأى قبيل وفاته حلما تشاءم منه، اذ رأى كان دابة تكلمه، فسأل جلساءه عن تفسيره ففسره له احدهم بشى‏ء آخر، ثم قال لبعض من حضر: لقد حان رحيله،

____________

(47) الطبري 9/ 234، و تجارب الامم 6/ 557.

(48) الطبري 9/ 228، و تجارب الامم 6/ 556.

296

لقوله تعالى «و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم» (49).

و هناك شبه اتفاق في اليوم الذي قتل فيه و هو ليلة الاربعاء لأربع خلون من شوال، و قيل ليلة الخميس‏ (50). اما مدة خلافته فقد كانت اربع عشرة سنة و عشرة اشهر و بضعة ايام‏ (51). و يقال انه لم يكن المتوكل على الله يوما اشد سرورا منه في اليوم الذي قتل فيه، فلقد اصبح في هذا اليوم نشيطا فرحا مسرورا، و قال:

كأني اجد حركة الدم، فاحتجم في ذلك اليوم، و احضر الندماء و الملهين، فاشتد سروره و كثر فرحه‏ (52). و عند دفنه لف هو و الفتح بن خاقان في بساط و دفنا بدمائهما من غير تغسيل في قبر واحد (53). و كان دفنه في قصره المعروف بالجعفري‏ (54).

____________

(49) شذرات الذهب 2/ 116. و الآية رقم (82) من سورة النمل.

(50) الطبري 9/ 230، و مروج الذهب 4/ 118، و تاريخ اليعقوبي 2/ 492، و الكامل 7/ 100.

(51) الطبري 9/ 230، و مروج الذهب 4/ 85، و تاريخ اليعقوبي 2/ 492، و الكامل 7/ 100.

(52) مروج الذهب 4/ 121.

(53) النجوم الزاهرة 2/ 324.

(54) تاريخ اليعقوبي 2/ 492.

297

الفصل الخامس المنتصر باللّه ابو جعفر محمد بن جعفر المتوكل على اللّه‏

1- مبايعته:

سبق ان ذكرنا ان الخليفة المتوكل على اللّه كان قد عقد البيعة بولاية العهد لثلاثة من بنيه، اولهم محمد و سماه المنتصر، و اقطعه اجزاء معينة من المملكة. كما اشرنا الى انه غضب عليه مؤخرا للاسباب التي ذكرناها، بحيث اخذ المتوكل على الله يجاهر ببغضه لابنه المنتصر، و قد اشهد جماعة الحاضرين في مجلسه على خلعه من ولاية العهد (1). مما دفع المنتصر الى الاتفاق مع عدد من قادة الاتراك الناقمين على ابيه، على العمل للفتك به و التخلص منه. و عند ما اتم المتامرون قتل المتوكل على اللّه خرجوا الى المنتصر باللّه و سلموا عليه بالخلافة. و بادروا الى اخذ البيعة من الحاضرين الآخرين.

____________

(1) الطبري 9/ 225.

298

و قد تمت بيعة المنتصر باللّه على دفعتين، الاولى في ليلة الاربعاء- ليلة مقتل ابيه- و الثانية في صباح اليوم التالي لأربع خلون من شوال و قيل لثلاث خلون منه‏ (2). و كان قد بايعه ليلة الاربعاء القواد و غيرهم من المتآمرين حالما تم القضاء على المتوكل على الله، و منهم بغلون و باغر و هارون بن صوارتكين و بغا الشرابي و واجن و عدد من اولاد وصيف، و هم الذين تولوا عملية اقتحام مجلس الخليفة و الاجهاز عليه، و كذلك وصيف و اصحابه الذين حضروا بعد نجاح العملية، كما حضر المعتز و المؤيد، و اخبرا بان اباهما شرق بكأس شربه و مات لساعته، فبايعا اخاهما المنتصر (3). و كانت هذه المبايعة الخاصة للمنتصر.

اما في بيعة صباح الاربعاء، و هي البيعة العامة، فقد حضر الى الجعفري القواد و الكتاب و الوجوه و الجند و غيرهم. فقرأ عليهم احمد بن الخصيب الذي اتخذه المنتصر وزيرا، كتابا يخبر فيه عن المنتصر باللّه ان الفتح بن خاقان قتل اباه المتوكل على اللّه فقتله به، فبايع الحاضرون. و كان عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل على الله من المبايعين في هذا اليوم. و لما شاع الخبر غداة اليوم التالى في اهل سامرا بمقتل المتوكل على الله، ظهرت بعض الأصوات المعارضة لمبايعة المنتصر بالله. فقد تجمع قسم من الجند و الناس بباب العامة و ازدحموا محتجين و مستنكرين مما اضطر الخليفة الجديد ان يوعز الى فريق من الجند فتولوا دفع الناس و تفريق جمعهم بعد ان قتل منهم بضعة انفار (4). و كان‏

____________

(2) الطبري 9/ 234، و تاريخ اليعقوبي 2/ 493، و مروج الذهب 4/ 129.

(3) الطبري 9/ 227- 228 و 236، و الكامل 7/ 103- 104.

(4) الطبري 9/ 239، و الكامل 7/ 105.

299

قد عرض جمع من الجند على الوزير عبيد الله بن يحيى ان يثوروا بالمنتصر باللّه و يقتلوه و اتباعه، فرفض ذلك لأنه رأى ان البيعة قد تمت و لا سيما و ان المعتز قد بايع اخاه‏ (5).

و بالنظر لهذه الظروف التي احاطت ببيعة المنتصر باللّه فقد اراد مؤيدوه اثبات حقه الشرعي في الخلافة بموجب عهد مكتوب تمت المبايعة وفق ما جاء فيه. و فيما يلي اهم ما جاء في كتاب البيعة التي اخذت له‏ (6):

بسم اللّه الرحمن الرحيم. تبايعون عبد اللّه المنتصر باللّه امير المؤمنين بيعة طوع و اعتقاد و رضا و رغبة باخلاص .. على ان محمدا الامام المنتصر باللّه عبد الله و خليفته المفترض عليكم طاعته و مناصحته و الوفاء بحقه و عقده .. و على السمع له .. و الوقوف عند كل ما يأمر به .. و على انكم اولياء اوليائه و اعداء اعدائه من خاص و عام .. و تتمسكون ببيعته بوفاء العقد و ذمة العهد ..

و على ان لا تسعوا في نقض شى‏ء مما اكده اللّه عليكم .. و على ان لا تبدلوا و لا يرجع منكم راجع عن نيته .. اذ كان الذين يبايعون منكم امير المؤمنين انما يبايعون اللّه .. عليكم بذلك ربما أكدت هذه البيعة في اعناقكم ... ان تسمعوا ما اخذ عليكم في هذه البيعة و لا تبدلوا، و ان تطيعوا و لا تعصوا .. و ان تنمسكوا بما عاهدتم عليه .. لا يقبل اللّه منكم فى هذه البيعة الا الوفاء بها ... فمن نكث منكم .. فكل ما يملك كل واحد ممن خان في ذلك بشى‏ء نقض عهده من مال او عقار او سائمة او زرع او ضرع صدقة على المساكين .. و كل مملوك يملكه الى ثلاثين سنة

____________

(5) الطبري 9/ 229، تجارب الامم 6/ 257.

(6) نص كتاب البيعة في الطبري 9/ 237- 239.

300

من ذكر او انثى احرارا لوجه اللّه، و نساؤه في يوم يلزمه الحنث و من يتزوجه بعدهن الى ثلاثين سنة طوالق البتة .. و عليه المشي الى بيت اللّه الحرام ثلاثين حجة، لا يقبل اللّه منه الا الوفاء بها، و هو برى‏ء من اللّه و رسوله، و اللّه و رسوله بريئان منه .. و الله عليكم بذلك شهيد و كفى بالله شهيدا:

و بعد ان تمت البيعة للمنتصر بالله امر باعطاء الجند ارزاق عشرة اشهر (7).

2- صفاته و سيرته:

اسمه محمد و كنيته ابو جعفر و قيل ابو عبد الله و قيل ابو العباس‏ (8). و لقبه ابوه المنتصر بالله حينما عقد له البيعة بولاية العهد. و امه ام ولد رومية اسمها حبشية، و كانت تحبه كثيرا، و قد حزنت عليه حزنا شديدا لما مات و طلبت ان يبنى له قبر ظاهر مشهود. و يقال انه اول خليفة عباسي عرف قبره‏ (9).

اي انه اول من بنى له قبر مشهود من خلفاء سامرا.

اقام المنتصر بالله بعد توليه الخلافة بالجعفرية ثم تحول عنها بعد عشرة ايام، بعياله و قواده و جنده الى سامرا (10). و سنأتي على تفصيل ذلك في الفصل الخاص بتأسيس مدينة الجعفرية.

____________

(7) تاريخ اليعقوبي 2/ 493.

(8) تاريخ بغداد 2/ 119، و الكامل 7/ 114، و فيه اسمه احمد، و يرجح ان ذلك خطأ مطبعي.

(9) الطبري 9/ 354، و مروج الذهب 4/ 134، و تجارب الامم 6/ 561، و تاريخ بغداد 2/ 121.

(10) الطبري 9/ 234، و مروج الذهب 4/ 130، و فيه انه تحول بعد سبعة ايام.

301

اما وصف المنتصر باللّه فتتفق المصادر على انه كان اسمر حسن الوجه، قصير القامة جسيما، عظيم البطن، ضخم الهامة، أعين اقنى، و على عينه اليمنى اثر اصابة من وقعة في صغره‏ (11).

و قد وصف المسعودي اخلاقه وصفا دقيقا شاملا بقوله «و كان المنتصر واسع الاحتمال، راسخ العقل، كثير المعروف، راغبا في الخير، سخيا، اديبا، عفيفا. و كان يأخذ نفسه بمكارم الاخلاق، و كثرة الانصاف، و حسن المعاشرة، بما لم يسبقه خليفة الى مثله» (12). و قيل عنه انه كان الى جانب ذلك فاتكا سفاكا للدم‏ (13). و مع ان المسعودي يتفق بوصفه اخلاق المنتصر باللّه مع من وصفها من المؤرخين الا انه يتهمه بالبخل فيقول «كان ذا شهامة و معرفة و امساك للمال، و حفظ له حتى انكر الناس عليه شدة البخل و شدة المنع» (14). و مما يؤيد هذا ما رواه الطبري عن بنان بن عمرو المغني و كان من اخص الناس بالمنتصر باللّه، و هو خليفة، ان يهبني ثوب ديباج، فقال لي: أو خير لك من الثوب الديباج؟ قلت ما هو؟ قال: تتمارض حتى اعودك، فانه سيهدى لك اكثر من الثوب الديباج. الا انه مات في تلك السنة و لم يصل شى‏ء الى بنان‏ (15). لا شك في ان هذ الخبر ينطوي على شى‏ء من خلة الامساك في المنتصر باللّه، اذ لم تجد

____________

(11) التنبيه و الاشراف/ 314، و تاريخ بغداد 2/ 119- 120، و الكامل 7/ 115، و الذهب المسبوك/ 227.

(12) مروج الذهب 4/ 134- 135.

(13) الكامل 7/ 116.

(14) التنبيه و الاشراف/ 314.

(15) الطبري 9/ 255.

302

نفسه بثوب ديباج لاقرب المغنين له، و حاول ان يعوضه بما يهديه اليه الآخرون عند مرضه. و قد يكون اراد بهذا ان يظهر اكرامه له بعيادته عند مرضه و ان يجعل الآخرين يكرمونه ايضا، و هذا ما يتفق مع اخلاق المنتصر باللّه و صفاته.

الا انه يقابل هذا ان المسعودي نفسه يروي خبرين يدلان على كرم المنتصر بالله فقد روي عن علي بن يحيى المنجم، و كان نديما لعدد من الخلفاء، انه احب ان يشتري ضيعة مجاورة لضيعته و لم يزل يبذل جهده لدى مالكها حتى اجابه الى بيعها.

الا انه لم يكن يملك قيمتها حينذاك، مما اقلقه من ان تفوته فرصة تحقيق امنيته. و عند ما حضر مجلس المنتصر باللّه لاحظ الخليفة ما ظهر على نديمه من قلق و انشغال بال. فلما علم منه السبب استفسر عن قيمة الضيعة و ما مقدار ما يعوزه لشرائها.

فلما عاد ابن المنجم الى بيته رأى ان الخليفة كان قد ارسل المبلغ الذي يعينه على شراء الضيعة، و يقول انه لما بكر الى المنتصر باللّه في اليوم التالي لم يذكر عن الأمر شيئا (16).

و روى ايضا ان المنتصر باللّه لما كان اميرا، بعث احد رجاله و اسمه سعيد بن محمد الصغير الى مصر في بعض اموره. فعشق سعيد جارية التقى بها هناك الا انه عجز عن شرائها. فلما علم المنتصر باللّه بشدة ولعه بها كتب الى عامل مصر في ابتياعها و حملها الى سامرا، دون ان يعلم سعيد بشى‏ء من ذلك. فلما وصلت الجارية اهداها اليه‏ (17). يستدل من هذين الخبرين ان المنتصر باللّه لم يكن بخيلا شديد المنع، بل انه كان مدبرا غير

____________

(16) مروج الذهب 4/ 137- 138.

(17) نفس المصدر/ 141- 142.

303

مسرف، و ان كرمه من النوع الذي لا يريد صاحبه ان يتفاخر به.

و لعل اعطياته الى المغنين و مادحيه من الشعراء تدل على جوده و كرمه. و كان من نتيجة تدبيره في الانفاق انه عند ما توفى كان في بيت المال الف الف دينار، ففرق المستعين بالله الجميع في الجند (18).

لقد اشتهر عن المنتصر باللّه انه كان عادلا منصفا بحيث مالت اليه قلوب الناس من الخاصة و العامة، مع شدة تهيبها منه‏ (19).

و من اقواله الدالة على سماحته و علو همته، ما رواه وزيره احمد بن الخصيب انه قال حين عفا عن الشاري الثائر: ان لذة العفو اعذب من لذة التشفي، و اقبح افعال المقتدر الانتقام‏ (20). و من اقواله ايضا: و اللّه ما عز ذو باطل و لو طلع القمر من جبينه، و لا ذل ذو حق و لو صفق العالم عليه‏ (21). و من مظاهر انصاف المنتصر باللّه انه صالح اخوته و اخواته على تركة ابيه من الفرش و الرقيق و الدواب بمبلغ اربعة و عشرين الف الف درهم، و انه اشهد عليهم بذلك‏ (22).

كان المنتصر بالله قد نقش على خاتمه عند ما بويع بالخلافة «محمد باللّه ينتصر» (23). و يظهر مما جاء في العقد الفريد ان‏

____________

(18) النجوم الزاهرة 2/ 328، و الذخائر و التحف/ 220 و فيه الف الف درهم.

(19) مروج الذهب 4/ 137، و تاريخ الخلفاء/ 357.

(20) مروج الذهب 4/ 177، و البصائر و الذخائر 2/ 527 و جاء فيه كما يلي:

لذة العفو احبب من لذة التشفي يلحقها الندم.

(21) الكامل 7/ 116، و تاريخ بغداد 2/ 120، و فيه: و لو اطبق بدلا من و لو اصفق. و الذهب المسبوك/ 277 و فيه: ما ذل ذو حق و ان اطبق الناس عليه و ما عز ذو باطل و لو طلع القمر بين عينيه.

(22) الذخائر و التحف/ 220.

(23) التنبيه و الاشراف/ 314.

304

خاتمين آخرين، نقش على احدهما «يؤتى الحذر من مأمنه» و على الآخر «انا من آل محمد، و اللّه ولي محمد» (24). و قد يكون اتخذ الخاتم الأخير ليدل على ولائه لآل البيت و حبه للعلويين و عطفه عليهم. على ان الخطيب البغدادي يذكر ان نقش خاتمه كان «محمد رسول اللّه» و ان له ختما آخر نقش عليه «المنتصر باللّه» (25).

3- ولاية العهد:

بعد ان استتب الامر للمنتصر باللّه اخذ الوزير احمد بن الخصيب يحذر القواد الذين تآمروا على اغتيال المتوكل على اللّه من انتقام ابنائه الآخرين اذا ما تولى احدهم الخلافة، و لا سيما المعتز ولي العهد و المؤيد الذي كان يليه في ولاية العهد. مما جعلهم يتوجسون خيفة منهما، و يرون ان سلامتهم و امنهم رهينان بابعادهما عن تولي الخلافة. و قد سبق ان ذكرنا ان المتوكل على الله قد اخذ العهد لاولاده الثلاثة بكتب كتبها و شروط اشتراطها، و خصص لكل منهم جزء من اقاليم الدولة، و جعل محمد المنتصر ولي عهده و بعده المعتز ثم يليه المؤيد. و اخذت البيعة بهذا على الناس. و لذا عمل ابن الخصيب و القواد الاتراك على خلع الاخوين من ولاية العهد ليأمنوا انتقامهما لأبيهما، و الحوا على المنتصر باللّه في الأمر و زينوا له ان يولي ابنه عبد الوهاب العهد من بعده.

____________

(24) العقد الفريد 5/ 123.

(25) تاريخ بغداد 2/ 120.